 أقلام حرة

دعونا نصحح أفكار المجتمع (4)

وعد عباسظننا لوهلةٍ أنَّ زيادةَ عدد الناشطين في مجال التوعية المجتمعية أمرٌ يبعثُ على الإعجاب، ويُثير الدهشة، ويصنع تصوراً جميلاً عن مجتمع كُنَّا نظنه سيئا جداً، ولكن ما لَبِثَ أن تحوَّلَ ذلك الإعجاب إلى إحباط أصبح مؤلما جدَّاً، فمن كنَّا نظنهم عونا لنا، أصبحوا وبالا علينا، ومن كنا ننتظر منهم الفائدة، أمسينا نتلقى منهم الخسارة، وقد أدركنا الآنَ أنَّ جلوس مثل هؤلاء في بيوتهم أنفع لنا من ممارستهم العمل التوعوي، فهم أصبحوا ينشرون الإشاعة، ويتكلمون في أمور يجهلونها دون استشارة المتخصصين فيها .

ففي أزمة كورونا التي اجتاحت العراق قبل أكثر من شهر برزَ عددٌ هائل من الأفراد ليمارسوا النشاط التوعوي، وأعلمُ يقينا أن جُلَّهم تدفعه الرغبة لخدمة المجتمع، لكنَّ جهلهم بالمسائل الصحية – الجسدية والنفسية – جعل جهودهم تتحول من منفعة إلى ضرر، وبصرف النظر عن الإشاعات التي نشروها جهلاً منهم بحقيقتها، فإن أسلوبهم التوعوي غير صحيح أبدا، بدءً من اعتقادهم بأنَّ التهويل والتخويف سيجعل المجتمع حَذِراً أكثر، وانتهاءً ببث فكرة أنَّ الفيروس يفتكُ بكبار السن دون الشباب، وقد اخترتُ هذين الأسلوبين، أو هاتين الفكرتين بالتحديد لمناقشة أثرهما في المجتمع .

فالتهويل الذي أشاعه هؤلاء أدَّى إلى نتائج سلبية على الجهاز النفسي للأفراد، وأثار القلق لديهم من استمرار الأزمة إلى فترة قد تطول، الأمر الذي جعل الفقراء خاصة في وضع نفسي سيء، بل أصابهم وأصاب أسرهم الهلع وجعلَهم يخرجون من منازلهم رغم الحظر، وقد رأينا ذلك في الأحياء الفقيرة في النجف خاصة، كما أدى إلى تحرك الأغنياء نحو خزن المؤن ما تسبب بارتفاع الأسعار قليلا .

ولا ينبغي أن ننسى وجود عدد كبير من المصابين باضطراب "الوسواس القهري بأنواعه المختلفة" واضطرابات نفسية أخرى تجعل هذا التهويل يؤدي إلى سوء وضعهم الصحي، بل ربَّما إلى الوفاة !!

أما فكرة أن الفيروس يقتل المسنين دون الشباب، فقد أدَّى إلى اطمئنان الشباب بشكل كبير، وتسبب بعنادهم وعدم التزامهم بحظر التجول، والحجر المنزلي، بل تراهم حتى الساعة ينتقلون بشكل مجاميع كبيرة من بيت إلى بيت، ولم يتغير الشيء الكثير من روتين حياتهم، بينما أصبح الأمر على العكس تماماً لدى المسنين، فهم أمسوا أكثر رعبا وقلقا وحذرا، وهذا يؤثر سلبا وبشكل مرعب على جهازهم المناعي الذي أصبح ضعيفا ولا شيء أفضل من الأمل والتفاؤل يمكن أن يدعم جهازهم المناعي .

الجديرُ بالذكر أنَّ الشباب يكثرون التحدث بهذه الفكرة، وهي على الأرجح تمثل حيلة نفسية من أجل خفض التوتر والخوف الذي يقبع في داخلهم من كورونا .لذلك أود أن أوصي بـ :

- عدم التصدي لمهمة توعوية أنت جاهلٌ بأساليبها حتى تستشير أهل الاختصاص فتحصل منهم على ما يجعل عملك نافعا فعلا، وتذكر دائما أن التخويف قد يكون أخطر من الفيروس نفسه، بل وأسرع انتشاراً بين الناس أيضًا .

- لا بأس بإخفاء شيء من الحقيقة عن كبار السن المليئين أصلا بالمخاوف بسبب الطبيعة السيكولوجية لمرحلتهم العمرية، وتقديم الدعم النفسي لهم .

ختاماً أود التنويه إلى أنَّ ما ورد في المقال يشمل الإعلام أيضا، فقد رأينا هذه الأساليب الخاطئة تتكرر في عدد من الوسائل المرئية والمسموعة والالكترونية .

 

وعد عباس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4961 المصادف: 2020-04-05 00:29:16