 أقلام حرة

الشعور بالإحباط

وعد عباسالآثار الإيجابية والسلبية للحجر المنزلي (3) الشعور بالإحباط

لا بأس أن أتعرَّض بدايةً وبشكل مختصـر لمفهوم الإحباط وأعراضه وآثاره، كـي يتذكره من قرأه سابقًا، ويتعرف إليه من لم يكن على معرفة به، إذ يعرف الإحباط على أنه "مجموعة مشاعر مؤلمة تنتج عن وجود عائق يحول دون إشباع حاجة من الحاجات أو معالجة مشكلة من المشكلات لدى الفرد"، وتختلف شدة الإحباط بحسب قوة العائق الذي يحول بين الفرد وتحقيق هدفه أو إشـــــباع حاجته، وشدة الرغبة فـي الهدف مع عدم توفر أهداف بديلة، وكذلك التراكم الخبري وتجارب الإحباط السابقة  .

ولا يمكن التعرف إلى الإحباط بالحرمان ولا بالمانع ولكن بالدلالة التـي يتخذها وضع معين بالنسبة لشخص معين، مثال ذلك أن المرض سيستقبله بارتياح أولئك الذين يرغبون فـي أن يهتم الآخرون بهم، وسيبدو الحمل حدثاً كارثياً فـي أسرة معينة، ويصبح الاعتقال فرصة مؤاتية لإنقاذ حياة شخص يعلم أنه مهدد، فليس بمقدورنا إذن أن نعلم إذا كان أحدُ الأشخاص محبطاً إلا إذا سألناه أو لاحظنا سلوكه، لكن الاستجابة للإحباط تكون بعدوانية على وجه العموم، وقد تكون هذه العداوة متجهة نحو المانع – المعيق، كأن يغضب الطفل على أمه التـي لا تلبـي حاجته، أو تتحول إلى بديل كأن يضـرب الطفل دبه المخملـي أو ترتد العداوة إلى الذات فيعاقب المحبط نفسه كما هو الحال فـي الانتحار، وللإحباط أعراض أخرى – جسمية ونفسية ومعرفية - كضعف التركيز والإصابة بحالة من الخمول والكسل واضطرابات النوم، والشعور بألم فـي أماكن مختلفة من الجسم كالظهر والرقبة .

حظر التجول الذي فرضته السلطات الحكومية في العراق ومختلف أنحاء العالم أدَّى إلى مستويين من الإحباط لدى الأفراد، أولهما أشدُّ من الثاني تأثيرًا على الفرد المحبط ومحيطه، فالأول إحباط يتعلق بالحاجات والدوافع الفسيولوجية التي تتوقف عليها الحياة، والثاني يتعلق بدوافع أخرى أقلُّ تأثيرًا نوعًا ما .

حيثُ وضع الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (1908 – 1970) نظرية تتضمن تدرجًا للحاجات الإنسانية، تدفع بالإنسان إلى إشباعها من أجل خفض التوتر الناجم عن عدم الإشباع، ويصمم تلك الحاجات بشكل هرمي، قاعدته تتضمن الحاجات الفسيولوجية (كالجوع والعطش والنوم والجنس) ثم تأتي الحاجة إلى الأمان، والحاجات الاجتماعية والحاجة إلى تقدير الذات وتحقيقها، وبصرف النظر عن الخطأ الذي وقع فيه صاحب النظرية حين اعتقد بأن التدرج هذا ينطبق على كل الأفراد، فإن الحاجات الفسيولوجية تبقى من أقوى الدوافع المحركة للسلوك البشري .

لذلك فإن أعظم الإحباطات الناتجة عن حظر التجول هو ذلك الإحباط الذي أصاب طبقة العاملين ذات الأجر البسيط (أجر لعيش يوم واحد فقط) فإن الجوع وهو أحد الحاجات الفسيولوجية يحدث توتراً يدفع بهؤلاء العاملين إلى الإشباع، لكنَّ حظر التجول يمثلُ عائقا قويا، فيعيش كثيرٌ منهم الآن حالة من الكبت والانتظار، ويشعرون بالحزن، وتراودهم أفكارٌ سوداوية، ويأخذهم الشعور بالدونية، والتعب والإرهاق .

هم الآن في طور توجيه العدوان المرافق للشعور بالإحباط نحو الأسرة، وهذا ما سنتناوله في جزء لاحق . أما إذا استمر الوضع لفترة أطول دونما معالجات توضع، فإن الإحباط قد يؤدي إلى كسر الحظر، وحدوث صدامات مع رجال الأمن، أو انتشار حالات السرقة أو السلب والنهب على نحو ما كان يحدث أيام النظام السابق .

أما النوع الثاني من الإحباط فهو ناجم عن أن حظر التجول قد أجبرَ كثيرًا من الأفراد على التخلي أو تأجيل إشباع حاجات أقلَّ أهمية، ولكنها مع ذلك مؤثرة في النفس والسلوك، وأمثلة ذلك : شابٌ أراد الخروج في سفر إلى دولة أخرى من أجل التنزه أو الدراسة وكان ينتظر هذا الوقت، أو حصل على عمل ٍ جديد كان ينتظره، وغيرها من الطموحات التي خطط لها أن تنفذ خلال هذه الأيام .

وتجدر الإشارةُ إلى أنَّ مستوى الثقافة له دورٌ في جعل الفرد يحدد العائق، ولا أظن المستوى الثقافي في العراق يؤهل الأفراد إلى معرفة أنَّ العائق هو فيروس خطير، أو لعبة سياسية أكبر من العراق والعالم، بل أن أغلبهم يعرف أن رجل الشرطة المسكين هو العائق، وكل من يسانده من الناس، وإن تثقفَ قليلًا فإنه سيقول بأنها لعبة حكومية هدفها قتلنا أو السيطرة على أصواتنا أو منع تظاهراتنا .

 

وعد عباس

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4977 المصادف: 2020-04-21 07:24:35