 قراءات نقدية

رائيَّةُ العرب أو قصيدةُ وطن (2)

وليد العرفي في فنيّة النَّصّ: لا بدَّ في الحقيقة التأسيس على أسئلة أرى أنها ضرورة توجبها المقاربة النقدية الموضوعيّة بعيداً عن المجاملة، والثناءات على النوايا وتوجه الفعل الذي لا شكَّ أنه نبيل وسام ٍ، ولكنَّ الشعر في  النهاية فنٌّ، والفنُّ له ضروراته واشتراطاته الجماليّة مثلما له مساراته الفكرية، واتجاهاته الجماليّة أخلص من هذا لطرح الأسئلة الآتية:

ما ضرورة أن نكتب قصيدة مطوّلة في عصر يعتمد الإيجاز والسرعة في التعبير، والقول، وقديماً قالت العرب البلاغة في الإيجاز؟

ما معنى الاستطراد في الفكرة التي يُمكن أن يُعبّر عنها في بيت عندما نجد أن الفكرة قد صيغت في ستة أبيات أو أكثر؟

رغبة الإطالة والشرح والإسهاب أوقع القصيدة في تكرار الفكرة لكن بألفاظ مختلفة؟

ثمَّة سيطرة واضحة على القصيدة التي جاءت في معظمها نظماً لا شعراً، وهنا لا بدَّ من النظر إلى جماليّة النص بوصفه فناً بمعزل عن الموضوع الذي يتحدَّث عنه؟

السؤال الأهم ما الجديد الذي قدَّمته القصيدة في طروحاتها الفكريّة في تجاوز مساقات عصر النهضة الذي يمكننا فيه أن نجد مثل هذه القصيدة مئات القصائد التي قيلت في موضوعها، وأسلوبها، وليس عليَّ أن أشير في هذاا الصدد إلى شعراء مثل: خير الدين الزركلي وخليل مردم بك والزهاوي والرصافي  حافظ إبراهيم والبارودي وغيرهم ....

وهذا يتفتق عنه سؤال آخر هل استطاعت قصيدة (وطن) أن تتجاوز ما قيل في عصر النهضة مثلاً، وهو أقرب العصور إليها من حيث الزمان، ولن أقارن القصيدة بعصور أكثر قدماً من ذلك؟

أمر آخر يلفت الانتباه، وهو أنَّ الوحدة البنائية التي اشتغل عليها كثيراً فيما يبدو بهدف إلباس القصيدة وحدو أسلوبيّة، وروحاً متجانسة بقيت تشكو من عرج ما في كثير من مظانها !

أخيراً في هذا السياق التساؤلي أشير إلى أنَّ القصيدة أوغلت في لغتها المعجمية في بعض أبياتها التي جاءت فيها القوافي ملوية الأعناق، وإنما هو القالب الجاهز الذي يعرفه نظامو الشعر لا شعراء القصيدة البيتية !

ولعلّي لست في معرض إظهار العيوب والنواقص غير أنَّ ما أشرت إليه كان من باب الحرص الذي يتوجب أن تظهر فيه مثل هكذا قصيدة خاصّة أنها تطرقت إلى موضوعي كبير ومرتبط بعراقة بلد كبير مثل العراق وأورد بعض الأبيات كي لا يبقى كلامي مجرداً من الأدلة، وحسب القارىء أن يتأمل ويحكم:

ألمْ ينبئْكَ مَنْ بالنّصحِ أسدى       بأنّ الحِرْزَ في الأضدادِ زُورُ

استهلال بأسلوب إنشائي مباشر اعتمد تنبيه المخاطب بطريقة تقليدية خالية من الشعرية، وكأنَّ الشاعر صاحب هذا البيت لم يخرج من ذاكرته قول  الرصافي في المعنى نفسه  مع جماليّة تصبُّ لصالح البيت الذي أدوّنه للشاعر إبراهيم اليازجي:

تنبَّهوا واستفيقوا أيُّها العربُ      فقدْ طمى الخطبُ حتَّى غاصتِ الرُّكبُ

ويتابع في البيت التالي على المنوال ذاته في إعادة معان مطروقة وشائعة الاستعمال:

سيُطلِعُ  أنجُمًا غَرقى وصُبحاً                  عراقيًّا بهِ الدُّنيا تغورُ

وفي هذا البيت يبدو الاتكاء على العجز واضحا في محاولة الشاعر أن ينهض بما جاء في الصدر الذي بدا غير منسجم معنى وصياغة وأسلوباً فكيف تكون الأنجم غرقى ويطلع الصبح عراقيا به الدنيا تغور؟؟؟؟ !!!!! كلام ليس فيه من الشعر إلا الوزن

فَلَيْلُ الظُّلْمِ يَعْقُبُهُ صَبَاحٌ                 وَفَجْرٌ، حِينَ تَجْتَمِعُ البُدُورُ

وحرُّ الشّمسِ للأفعى معينٌ             فَتلفظُها منَ الأرضِ الجحورُ

وتلدغُ كلَّ حيٍّ لا تُبالي                 فبئسَ الظُّلْمُ مطلعُهُ الغُدُورُ

وهذه الأبيات تبدو محاولة لتتخذ من لباس الحكمة عباءة، ولكنها جاءت تقريرية ومستهلكة إلى حدذ تذكرنا بكلام شاعرنا ابن أبي سُلمى :

ما أرانا نقولُ إلا رَجِيعًا                       ومُعادًا من قولِنا مكْرُورا

وعُوذُ الأمسِ سوفَ يعيدُ فينا                صباحاً لا تُفارقُهُ الطيورُ

وينبلجُ الصباحُ على وجوهٍ                     كما الأقمارُ في وَهَجٍ تُنيرُ

ليحملَ في ثنايا الروحِ طوداً                   مِنَ الآمالِ يملؤهُ العبيرُ

فألفُ حذارِ مِنْ شعبٍ تفانى                تغنّت في مواجعهِ العصورُ

وكذلك الأمر في بقية الأبيات التي حاولت أن تلجأ إلى تقنية البلاغة في التصوير ؛ فجاءت عادية في تشابيهها، ولم ترتقِ إلى مستوى فنّي يشفع لها بأية جماليّة يُمكن أن تدخلها حيز الشعر ؛ فبقيت في إطار النظم، وشتان ما بين نظّام يُقولّب الألفاظ وفق المعاني وحروف الروي فيقدّم قوالب مبنية جاهزة، وبين الشاعر الذي يمنح الشعر الروح والقدرة على التأثير في المتلقي، وهو ما عبّر عنه الشاعر الزهاوي في قوله قديماً:

إذا الشّعرُ لمْ يهززْكَ عندَ سماعِهِ            فليسَ خليقاً أنْ يُقالَ لهُ شعرُ

وهذ الهزّة الجماليّة، وذاك التأثير الجمالي يتجلّى في هذه الأبيات للشاعر: د.  قصي عسكر كما ورد في موقع الناقد العراقي:

يُطالعُني، وقد ضاقت، منافٍ            وينسى صورتي الوطن الكبير

بلادي لمْ تزلْ تدمى ولمّا                 تُدنّسها الخطايا والشُّرورُ

لتبقى في دمي بركانَ عزّ                أراقبُ لحظةً فيها يثورُ

إذا قالَ العراقُ فقولُ حقّ               وغير حديثهِ كذبٌ وزورُ

هنا نجد الشعريّة، وجماليّة الصوغ، والقدرة على تطويع الكلمات للسياق النصيّ ؛ فلا نجد لي عنق لقافية، ولا كلمة تحتاج إلى معجم ليوضّح معناها، وإنما ثمة يسر وسهولة، وتدفّق ألفاظ، وإذ بالشاعر يعجن الشعر في أجمل شكلٍ، وألذّ نكهة .

 

د. وليد العرفي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

نهارك خيرات ومسرات دكتور وليد
كما قلت في بداية مقالك، الشعر فنّ ..
أحياناً الغضب الداخلي - ثورة الروح- على أمرٍ ما ، يجعل الكاتب يكتب دون الالتفات لباقي العناصر ، تماماً كما شخص في لحظة غضب..
لو كل شاعر - وتحديد عدد معين من الشعراء- كتب بيتاً واحداً محكماً وجميلاً ، أعتقد لأصبحت قصيدة جميلة ، وليس بالضرورة أن تكون طويلة.
تقبل احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخت الفاضلة ذكرى لعيبي
نعم ليس المسألة في عدد الأبيات، وإنما المهم الكيفية في التعبير ، وهو ما كان أحد أسئلة يجد القارىء أنه لا بد من الاستفسار عنها
عاطر التحايا

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الست ذكرى لعيبي
قرأت لك من قبل واستمتعت بما قرأت، ولم أجدك تكتفين بستة أسطر للوصول إلى لب الموضوع، واضطررت إلى القراءة اليوم لأتذكر ولأقارن، فوجدت لحضرتك: القرار/ نايات امرأة جنوبية/ دونك أنسى أنني أنثى، وغيرها وكلها كانت بأكثر من صفحتين بينما يمكن كتابتها إيجازا بكلمتين أو بسطر واحد..
وبيني وبينك أنا استمتعت بهذا الإسهاب لأنه رسم أمامي صورا عذبة، ولو اختصرتِها بستة أسطر لقتلتِ الفكرة وشوهتِ الصورة
تحياتي واحترامي وكنت أتمنى لو اطلعت على الكتاب قبل إصدار هذا الحكم المجامل المتسرع

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور وليد العرفي المحترم
تحياتي

أغنيتَ وأوفيتَ
دام إبداعكَ النقدي الرصين

...البيت المذكور لإبراهيم اليازجي وليس للرصافي

مودتي

http://www.almothaqaf.com/ab/freepens-18-old/933038

د.صادق السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي د.صادق السامرائي تحية متجددة ودائمة
أشكر لكم رضاكم أولا
وتصويبكم نسبة البيت ثانيا
وقد تم التصحيح في المقالة
عاطر تحاياي

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

لا أدري اين الشاعرية في بيت اليازجي :
تنبَّهوا واستفيقوا أيُّها العربُ فقدْ طمى الخطبُ حتَّى غاصتِ الرُّكبُ
هو نظم أيضا ...

د.علي الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ د. علي الطائي تحية لقراءتك وتمعنك في المقارنة ولكني لم أذكر بيت إبراخيم اليازجي على أنه يمثل الشعرية ولكن من باب المماثلة في الأسلوب في الوعظ والتنبيه وقد ذكرت حرفياً : " استهلال بأسلوب إنشائي مباشر اعتمد تنبيه المخاطب بطريقة تقليدية خالية من الشعرية، وكأنَّ الشاعر صاحب هذا البيت لم يخرج من ذاكرته قول اليازجي في المعنى نفسه مع جماليّة تصبُّ لصالح البيت الذي أدوّنه للشاعر إبراهيم اليازجي:

تنبَّهوا واستفيقوا أيُّها العربُ فقدْ طمى الخطبُ حتَّى غاصتِ الرُّكبُ
فقد قلت أن جمالية البيت لدى اليازجي أجمل ولم أذكر الشعرية فكلاهما نظم واضح لا جدال في ذلك مودتي

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

ابن حمص الناقد الدكتور وليد خليف العرفي
تحايا طيبة
شكرا جزيلا لحضرتك وأنت تفكك قصيدة وطن بجرأة وشجاعة تحسد عليها؛ عبر أسئلتك التي تحتاج هي الأخرى إلى جواب. وأنا واقعا بصفتي صاحب الفكرة والمسؤول عن المشروع منذ البيت الأول فيه وإلى خاتمة القصيدة لن أناقش احجامك عن تقييم فكرة هذا المشروع الوحدوي البنائي الذي نجح في جمع هذا الحشد الكبير من الشعراء من جميع أقطار الأمة العربية ليكتبوا على بحر واحد وبروي واحد (371) بيتا في موضوع واحد بالرغم من تباعدهم وتشتتهم وتنافرهم على أرض الواقع، وفي وقت تحولت بلداننا العربية إلى أمم لا تربطها بأمتنا إلا اللغة التي هزلت حتى بان، وهرول بعضها ليلقي بنفسه في أحضان عدو الأمس ويتخذه أخا بعد أن تخلى عن إخوته الحقيقيين.
ولن أناقش القدرة على اقناع (600) شاعرا من المحيط إلى الخليج ليكتبوا في موضوع واحد، ولا فرادة الموضوع وغرائبيته وسبقه في التأسيس لمشاريع من المؤكد أننا بحاجة إلى مثلها علها تحيي فينا موات السنين.
ولكني سأجيب على سؤالك الأول فاسحاً المجال للشاعر الرائع المخلص لوطنه وعروبته ضياء تريكو صكر المشرف على المشروع، والذي تولى ربط المشاركات واختيار الناهض منها من بين مئات المشاركات التي وصلتنا، فالرجل عمل على رفع القصيدة إلى هذا المستوى من خلال عمل متواصل على مدى ثلاثة أشهر، وهو أدرى مني بأمور الشعر وخفاياه وكل ما يخص القصيدة، فقط اتمنى أن تتاح له فرصة التعليق وهذا ما أمله وأتمناه.
أما سؤالك أيها الأخ الفاضل الذي تكرم علينا وكتب عن المشروع بعد أن أحجم غيره عن خوض هذا البحر: "ما ضرورة أن نكتب قصيدة مطوّلة في عصر يعتمد الإيجاز والسرعة في التعبير، والقول، وقديماً قالت العرب البلاغة في الإيجاز؟"
فأقول في جوابي عنه:
ما الضير وما الضرر أن نكتب اليوم قصيدة مطولة لكي تعبر عن وجهات نظر مختلفة وتعطي صورة عن اختلاف رسم الشعراء لصورهم الشعرية؟
وهل التزمت العرب بما قالت فأوجزت؟ وأين هذا الإيجاز من ألفية ابن مالك على سبيل المثال، ومن السبع الطوال؟ ألم تكن القصائد الطوال إحدى أهم سمات الشاعر الفحل؟
ألم يكتب شعراؤنا المعاصرون مثل الجواهري، ومحمد صالح بحر العلوم، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وعرار وغيرهم قصائد فاق عدد أبياتها المائة بيت؟ وهي لشاعر واحد لا لمائة شاعر وأكثر؟.
هل مرت على حضرتك (المومس العمياء) وصويحباتها (الأسلحة والأطفال) و(حفار القبور) للسياب الكبير؟
وهل سمعت بـ(قمر شيراز) و (بستان عائشة) للبياتي؟
وهل تذكرت (حارس الفنار) و(أعماق المدينة) لمحمود البريكان؟
وهل قرأت (الأخضر بن يوسف) لسعدي يوسف، و(المعلم) ليوسف الصائغ؟
هل سمعت برائعة جبران خليل جبران (المواكب) التي صدرت وحدها بديوان؟
ألم يصدر العظيم الجواهري ديوانين كل منهما بقصيدة طويلة واحدة، وهما (يا نديمي) و(مرحباً أيها الأرق)؟
ألم تشغل قصيدة طويلة واحدة مجموعة (الصوت) للكبير عبد الرزاق عبد الواحد؟
ألم تكن كلها قصائد طوال؛ لا من عصر الجاهلية ولا من قصائد التاريخ الغائر في القدم، بل من نتاج عصرنا عصر السرعة والإيجاز؟
فما الضير في أن يشترك 139 شاعرا في كتابة قصيدة طويلة؟

أكرر شكري الجزيل لجنابك
تقبل محبتي

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الأديب القدير صالح الطائي
بداية أشكر كرم حضوركم، وإني إذ أقدر عالياً رأيكم ، فأود الإشارة إلى أنني أنا من طلبت من الدكتور حسين سرمد أن يطلعني على القصيدة بعدما قرأت عتبكم المحق على تجاهل القصيدة ، وقد لبى طلبي مشكوراً ،وهذا واجبي الذي لا شكر لي عليه ، أما عن ذكرك تجاهلي فكرة المشروع؛ فيبدو ياسيدي أنكم لم تقرأ الحلقة الأولى من تحليلي القصيدة الذي خصصته لفكرة المشروع والوزن فقد ، وهي منشورة تحت العنوان نفسه برقم 1 ، وموجودة في كل من الناقد العراقي والمثقف والمجلة الثقافية الجزائرية ، أما ما يتعلق بذكرك تلك المطولات ؛ فأؤكد لكم يا صديقي بأنني أعد نفسي من القراء المطلعين ، وكل ما ذكرته على اطلاع عليه تماما سواء في مراحل دراستي، أو تدريسي للأدب العربي ناهيك عن أنه مجال موهبتي ، ولكن أقول بأن زمن الجواهري وجبران ليس زمن صالح الطائي ووليد العرفي ، ألست معي يا أخي بأننا في هذا الزمن نتقدم كل يوم مئة سنة إلى الأمام في ظل ثورة التقنية بكل جنونها وجمالها ،
من ذكرتهم كانوا يكتبون القصيدة ويرسلونها في البريد ، أما نحن فأصابعنا تتحرك فوق الكيبورد بالنقر ، ونرسل ما نكتب بالإيميل
كانت القصيدة تحتاج أياماً وربما أكثر للنشر، أما اليوم فالنشر يتم بثوان معدودة ، وهم أيضا كانت الكتب لديهم ورقية ، أما نحن اليوم فنتصفح الشاشات وبعد كل هذا أعتقد جازماُ بأنه بعد عقد من الزمن لن يكون هناك دور للقلم ، ولا للورقة أفلا ترى معي بأن ذلك كفيل بعدم الإطالة
وبغض النظر عن الطول والعدد أنا أتحدث عن الشعرية هناك أبيات مع الأسف لا ترقى لأهمية الموضوع، إذ سيطر النظم بشكل واضح على مفاصل القصيدة كلها إلا ما ندر في أبيات منها ، وإن كنت قد بينت ذلك ، فدافعي الموضوعية والحرص على أن يرتقي الوصف لدرجة الموصوف ، وكما قالت العرب لكل مقام مقال
محبتي وعاطر التحايا أخي حفيد حاتم

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

سَلِ العوالي وقد شـاختْ معاليها ** مَنْ في الرجالِ دنا قدراً أعاليها
ومَنْ على سفحِها فخراً يناظرُها ** ومَـنْ يجــاورُها كُـفئاً بمـا فيها
ومَنْ يورّثُ للأســــفارِ مِكْنزَهُ ؟ ** للمجدِ أوتادهُ، مَنْ ذا يضاهيها؟

بأبياتي أعلاه، أبدأ ردّي على ما تفضّل به د. وليد العرفي الذي فتح، مشكوراً، باب الحديث عن متن القصيدة ولكنه، مع اعتزازي واحترامي لما تفضل به، لم ينصف في طرحه.... ولأني وراء صناعة القصيدة ( تنقيح، ربط الأبيات بما فيها إضافة 30 بيت شعر، معالجة تكرار القافية والفكرة، معالجة البلاغة، معالجة التّصريع وألف التأسيس وغيرها) سأسمح لنفسي بالردّ علماً بأني انتهيت من مؤلف يتحدث عن آليات صناعة قصيدة وطن بعنوان " رحلة الألف ميل... في.... رائية العرب".
قصيدة وطن عبارة عن قسمين.... مشروع القصيدة المتفرّد الذي أسسه ورعاه المفكر الفيلسوف د. صالح الطائي، وصناعة القصيدة نفسها.
أمّا المشروع فهو الحقيقة، أنِ اجتمع العرب من المحيط إلى الخليج بمـا لم يجتمعوا عليه من قبل.... توحدّت أقلامهم على أنبل موقف.... حبّ العراق. قصيدة وطن.... لم يسبقها مثيل في تاريخ الأدب العربي.... ما بين مطلع القصيدة وقفلتها اجتمعت نخبة طيبة من شواعر وشعراء الأمّة العربية (139 شاعراً) في نظم أبيات القصيدة (370 بيتاً)... تلك هي الملحمة الحقيقة، لا يمكن إنكارها.....
أمّا القصيدة وصناعتها، فيطول الحديث عنها هنا، ويكفينا فخراً أن أساتذة الجّامعات الأكاديميين والنّقاد العرب الكبار وطلبة الدراسات العليا قد أنصفوا وسينصفون القصيدة وكذلك سيفعل التاريخ....
أتفق مع د. وليد بأن بأن القصيدة العمودية ليست ترتيب المفردات على أحد بحور الشعر العربي وفق ضوابط عروض اللغة فقط.... بل أجزم بأن ناظمها يجب أن يكون ملمّاً بكل علوم اللغة.... أكرر... كل علوم اللغة... ولنا أن نتصور لملمة أبيات 370 بيت شعر لـ 139 من الشواعر والشعراء العرب باختلاف الرّؤى والآراء، تباين مستوى البلاغة والبناء، التكرار الهائل في القافية والأفكار حيناً (حيث لم يعرف الشعراء ما كتبه الآخرون)، معالجة التّصريع وألف التأسيس في أبياتهم وكذلك بناء وربط الأبيات لجعل القصيدة تبدو وكأنها لشاعر واحد (ما اضطرّني لإضافة 30 بيت شعر) بضمنها إضافة المحسّنات اللفظية والمعنوية....
للأسف الشّديد... أقولها بكل مسؤولية.... لم يعد هناك شيء اسمه النقد الأدبي إلاّ ما ندر... وقد أصبح مجاملة (بمعظمه) أو تسقيطاً (بندرته) فأكثره لا يشير لعيوب النص، بل بالعكس، رأيت دراسات نقديه ومنها أكاديمية حول نصوص مليئة بالأخطاء وهذا هو النّفاق الأدبي بعينه..... وندرته أن يشير لعيوب النص ( من وجة نظر الناقد) دون الإشارة لمحاسنه (عمداً أو جهلاً). والجهل هو السبب الرئيسي لعزوف النّقاد عن القصيدة العمودية.
ونعود لمقالة الدّكتور الفاضل الذي أحييه على جرأة الطّرح ولكن لدي أسئلة منطقية تدخل في مقومات النّقد الأدبي أتمنى أن يتسع صدر الدكتور للنظر فيها؛
ولكي يكون الخطاب النّقدي متكاملاً، أليس من المفروض الإشارة لما يلي؛
- أسلوب المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية في القصيدة؟
- نقاط القوة في القصيدة مثل الطباق والتورية والمقابلة والمشاكلة والتبليغ والإغراق والغلو والإيهام وغيرها من المحسنات المعنوية....
- المحسنات اللفظية من جناس وازدواج وسجع وحسن التقسيم وغيرها...
- تسليم الأبيات لما يليها.
- أسلوب البناء والبلاغة وغيرها....
فإذا اجتمع كل ما تقدم في قصيدة واحدة من 370 بيت شعر لـ 139 من الشعراء العرب، فهل ترى الناقد كان منصفاً للقصيدة ومشروعها....
والجواب، في بعضه، ستأتيه الأيام القادمة عن طريق الدراسات الأكاديمية.... وفي معظمه سيكتبه التاريخ، فهو خير منصف.....
وأخيراً، وأعتذر للإطالة، أضع بين يدي القاريء بعض الأبيات من رائية العرب(25 بيتاً فقط من أصل 370 بيت شعر من قصيدة وطن) .... والله وليّ التّوفيق؛
حذارِ منَ الهدوءِ إذا تفشى ** فعندَ الفَجْـرِ قارعةٌ تثورُ
وألفُ حَذارِ مِنْ صَبْرِ التلظّي ** هوَ البُركانُ تحضنُهُ الصّخورُ
***
فلا تَسْخَرْ بهدهدةِ التّشَظي ** فليسَ الهزْءُ يتبعُـهُ الفُتُورُ
صريمُ الّليلِ أولّهُ وُقُوبٌ ** وآخـرُهُ لِياحٌ فالظهورُ
وعنَد الفجرِ نصرخُ بالمنايا ** فتشربُ نخبَ صرختِنا القبورُ
وتصمتُ حينَ تبصرُنا الرزايا ** وتبكي مِنْ توجّعِنا الدهورُ
***
يسافرُ في مدبِّ الفجرِ صوتي ** ويخرقُ ثوبَ مئذنتي نَشورُ
فلي وطنٌ يقيمُ دمي صلاةً ** وثمّ يجيرني فيمنْ يجيرُ
وبي جرحٌ... وإرثي كربلاءٌ ** يميطُ لثامَ مسرجتيهِ نورُ
***
عليكَ تحومُ مِنْ بغيٍ ضباعٌ ** فما اجترأتْ وسعْفُ النّخْلِ سُورُ
سيجتمعُ الخصومُ ولا شفيعٌ ** وينكأُ جرحَــهُ طفــــلٌ يثورُ
وفـي أضغاثِهم يبنونَ زيفـاً ** ولا تُـبـنىٰ بأضغاث ٍقُـصور ُ
***
وباءُ الشـرِّ ليسَ لهُ انتهــاءٌ ** فكيف إذا تناســلتِ الشّـرورُ؟
وهلْ للغدْرِ توطئةُ المعاصي؟ ** وهل لّلعْـنِ نازلةٌ ثبـورُ؟
***
أيا ثاءَ الثّكيلِ بلا عَـزاءٍ ** وصادَ الصّبْرِ يرقنُهُ الوَجُورُ
لقد فاضتْ دماؤك سيلَ عِزٍّ ** فوفَّاهـا الأصائلُ والضميرُ
***
قفي شوقاً فعندي حينَ تظمى **عيونُ الماءِ إنْ عاثَ العسـيرُ
عراقٌ حجمهُ بالكونِ يبدو ** وإن جارتْ حدودٌ أو نفيرُ
فنحنُ القطبُ لو دارتْ رحاها ** ونحنُ الشمسُ لو بزغتْ بدورُ
أنا ركبٌ من الأمجاد ضجَّت ** بآلائي من السلوى دهـورُ
****
ســـلاماً أيُّها الوطنُ المفدّى ** ســلاماً أيُّها الشـــعبُ الصبـورُ
إذا ذُكِرَ العراقُ ذكرتُ أمي ** تمازجُ عِطْــرَ طيبتها الزهـورُ
أتدري أنّكَ الإعجـازُ حقّــاً ** وأنّكَ حيثُ نَدْرَتُهُ الندّورُ
يقينُ المَجْـــــدِ مَنبتُهُ عِـراق ** على شــطّيهِ تمْتدُّ الجّـذورُ
ففيهِ الخُــــلْدُ مِئذنةُ التّجلي **وقدْ ســـجَدَتْ بباحتِهِ الطيورُ

المهندس الشّاعر ضياء تريكو صكر
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الشاعر المهندس ضياء صكر
أشكر توضيحكم وما تفضلتم به من رد ولا أجمل من الاستهلال بالشعر وها أنا أقول :
طوبى لصالح لما كان باديها وزادها بضياء الصكر بانيها
هما جناحا قصيد اسمه وطن وحسبها أن هم الأرض يعنيها
فما زهت نخلة إلا بهزتها وما جنى التمر إلا من يداريها
أما ما رأيته فذلك رأيي الذي توخيت فه الموضوعية ، وقد بينت الجميل كما أشرت إلى موطن الضعف من حيث كان المأمول أكثر من الموجود
ومقاربتي كانت من حلقتين أشرت في الأولى إلى الفكرة وجماليتها وما يسجل لها تاريخاً ومبادرة ، وهي التي فيما يبدو أنك والأخ صالح لم تطلعا عليها أما الجزء الثاني فهو ما تعرفون
وتبقى وجهة نظر واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ، وقد أرى ما لا يراه غيري ، وهو حق فالأدب فن جمالي في المقام الأول
وللناس فيما يعشقون مذاهب عاطر الود والمحبة

د. وليد العرفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5097 المصادف: 2020-08-19 03:50:27