 شهادات ومذكرات

محمد كرد علي.. الأديب الرحالة (2)

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن الأديب والرحالة محمد علي كرد، فنقول: لقد رزق محمد كرد علي ملكة بالغة في النقد، فصور في عصر الظلمات تأصل الأوهام والجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم والتقوى، كما انتقد العصر الحديث واستفاضة علوم الدنيا فيه.. يبحث في الصحافة عن مرض الأمة فيصف له الدواء الناجع ويفتش عن فساد القول فيهديه إلى الإصلاح، وقد أعانه على هذا النوع من البحث والإرشاد تعمقه في تاريخ العرب والإسلام واطلاعه على كثير من آراء الفرنسيين في النقد والاجتماع، وكان في صحافته مصلحا اجتماعيا وناقدا خلقيا.

لقد وضع محمد كرد علي أسلوبه في إصلاح المجتمع، إذ كان يصف عن ذكر المسائل الخاصة وبخوضه لباب المسائل العامة، ومن شأن هذا الأسلوب أن يكون ذا تأثير كبير في المجتمع، فقد أقبل الناس على قراءة "المتقبس" في بدء وصولها لأنهم أحبوا أن يتطلعوا إلى النور بعد الظلام، وكانت تهديهم سواء السبيل، وتفتح أذهانهم وتثقف عقولهم، وقد كان «للمقتبس» آثار معنوية ونتائج عملية، إذ كانت تفصح على الرأي العام في البلاد، كما نحي من جرائها بعض الولاة والموظفين، ولا أدل على تأثير جريدته في بيئته، وعمل مقالاتها في القراء، من اضطهاد الولاة له، للعداء الذي لقيه بسبب الصحافة، حتى اضطره الأمر إلى الفرار من دمشق مرتين، مرة إلى بيروت عن طريق البحر، ومرة إلى القاهرة عن طريق البر، فلاقى أنواع العذاب، وقد حاول حزب الاتحاديين اغتياله لأنه - كما قال - أصلاهم نارا حامية على السياسة التي انتهجوها مع العرب. وإلى جانب مقالاته القومية.. كان يدافع عن العرب بإحياء أعاظم الرجال، حتى تتفتح عيون أهل العصر عليهم.

وفي مجال الإبداع والتميز يمكن الإشارة إلي المنهجية التي تميز بها محمد كرد علي والتي بها يتميز ويتفرد، وتتلخص هذه المنهجية في اتخاذه الواقع الاجتماعي المرتكز الأساسي لكل تحليلاته وتفسيراته لمختلف القضايا، والمشكلات محور اهتمامه، ومعالجته الظواهر الاجتماعية والتربوية في سياقها المجتمعي، وبأساليب وطرائق تنبع من طبيعتها وطبيعة  الظروف التي تعمل من خلالها، واهتمامه بطرح الرؤي النقدية للعلاقات الاجتماعية المهيمنة المسيطرة وللمفاهيم والمسلمات السائدة في الفكرين الاجتماعي والتربوي .

كما يتضح التميز والتفرد في القضايا والموضوعات التي تناولها محمد كرد علي، وعلي رأسها قضية التنمية البشرية، وبناء الإنسان العربي، واعتباره صانع التنمية وهدفها النهائي، واهتمامه بصياغة المجتمع الجديد الذي ينشد وجوده ن من حيث كونه مجتمعاً منتجا يشيع فيه الدعل الاجتماعي، والتواصل الثقافي، والحوار الديمقراطي وصبغ أبعاده الاقتصادية  بالصبغة الاجتماعية، وتوظيف العلم توظيفا اجتماعيا، واتخاذه منطلقا أساسيا للتغيير المنشود.

أما أظهر الآراء التي يتبناها محمد علي كرد في الشئون الاجتماعية والتاريخية، فهي في دعوته لتحرير المرأة باعتدال، وفي حضه علي الأخذ بالصالح العام  من المدنية مع الاحتفاظ بالأخلاق الإسلامية، وفي تشجيعه إلي الأخذ بوجهات الاشتراكية المعتدلة، وفي حملته علي الشعوبية، وعلي الشعوبيين، وفي تعصبه للأمويين، وتفنيد  ما كتب في تجريحهم، اعتمادا علي ما كان يعتقده من تحامل العلويين عليهم وذلك حسب قول منصور فهمي عنه.

ولقد كتب في موضوع المرأة ما يلي:" كنت – ولا أزال – ظهيرا للمرأة محبا لإنصافها، آسفا للاستعباد الذي حاق بها، محاولا تعليمها كل ما يرفع من شأنها، داعيا لإقناعها بحجابها الشرعي . ذاهبا إلي أن تخلف المرأة المسلمة عن الأخذ بحظ من التهذيب قذف بالمسلمين من حالق المدينة إلي هاوية الانحطاط . وما طلبت إعطاء المرأة زيادة علي حقها، وما جوزت لنفسي أن أخدعها وأتملقها، توقعا لرضاها، وكنت – وما برحت – علي مثل اليقين أن من يعاون المرأة علي مساواة الرجل يخدعها ويضحك منها. وصديقك من صَدقك لا صدقك.

وقال في موضع آخر ( ص 359- أقوالنا وأفعالنا): " المرأة امرأة وإن ألبستها ثياب الرجال، ووسدت إليهم أعمالهم . ومهما جاهدت لا تحليها بخلق، ليس فيها، ولا تخلق فيها ميزات لم تتميز بها . المرأة كما قالوا: ريحانة وليست بقهر، لم تؤهلها طبيعتها  لغير ولادة الأولاد  والعناية بتربيتهم وخدمة زوجها  والسهر علي راحته . وتولي الخطير والحقير من شئون بيتها .. فروض جسيمة فرضت عليها . لو أحسنت تجويدها  لكفتها أن تشتغل معظم ساعات نهارها، وزلفا من ليلها، ومن كان عليها مثل هذه التبعية: كيف تقوي علي تولي المصالح العامة فتقضي وتسوس وتشارك الرجال في شئون اختصوا بها منذ كانت الدنيا".

وكان محمد علي كرد في كثير من كتبه كما يقول منصور فهمي يذهب  إلي الاشتراكية المعتدلة، إلا أنه كان يقدر الفروق التي تميز خواص الناس علي عوامهم، ولا يغفل عن الميزات التي تميز صفوتهم علي دهمائهم . ويستشهد في ذلك بقول ابن المقفع:" قد علمنا علما لا يخالطه شك أن عامة قط لم تصلح من قبل نفسها، وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها، وأن خاصة قط لم تصلح من قبل نفسها، وانها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها . وحاجة الخواص إلي الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلي خواصهم واعظم من ذلك " .

أما آراؤه في الاقتباس عن المدينة الغربية، فقد كتب ذلك ما يلي: ( القديم والحديث ص5): " إن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة ( يقصد العري والمسلمين) يري الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها، وضم كل ما ينفع من هذا الجديد.. علي أن يكون للدين والعلم حريتهما، فتكون المعتقدات بمامن من طعن الطاعنين بها، كما تجري المدنية علي الشوط الذي تراه.. وإذا رأي  بعضهم في بعض المعتقدات  ما لا ينطبق علي روح الحضارة والعلوم العصرية فالأولي أن يطبقوا العقل علي النقل كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم .

وكان محمد علي كرد من دعاة التكتل العربي . وما كتب في ذلك قوله: (أقوالنا وأفعالنا ص 314):" إذا تحققت الوحدة العربية تصبح قوة لا يستهان بها في هذا الشرق، ويكون لها من موقعها الممتاز بين الشرق والغرب ما يجعل منها كتلة شرقية تنفع العالم ولا تؤديه، وتعيد مجد أمة كانت  علي حياة تامة قرونا  طويلة."؛ ومن أبرز أقواله  أيضا في هذا السياق: 

أ- الأمم تقتبس بعضها عن بعض، فإن كان قادة حركتها عقلاء تأخذ عنهم النافع، وإن كانوا جهلاء يختلط عليهم الأمر، وتتناول الغثّ والسمين ..(القديم والحديث – ص30).

ب- إن ما نقله العرب عن غيرهم من تراتيب الممالك معروف ومعترف به، والإنصاف يقضي أن يًسجّل لهم قسطهم من الأعمال المنبعثة مباشرة من قرائحهم المزيّنة بأخلاق عالية، ما عهد، فيما نظن، مثلها كثيرًا في الأمم السابقة ولا الخالفة.. (الإدارة في عز العرب – ص6)

ج-كانت للعرب عادات حسنة اقتبست بعضها الأمم الغربية، ولما جاءنا الغربيون بهذه الحضارة الحديثة، أصبح من اللازم اللازب أن نأخذ عنهم بعض ما ينفعنا من عاداتهم المستحبة، سنّة طبيعية في الخليقة أن يأخذ المتأخّر عن المتقدّم، والجاهل عن العالِم.. (أقوالنا وأفعالنا – ص43).

وفي نهاية هذا المقال نقول  رحم الله الأديب والرحالة محمد كرد علي الذي كان صادقا في مبادئه ، وكان مخلصا في الدفاع عن قضايا كثيرة منها: المرأة، واللغة العربية، والمناهج، والوحدة العربية التي أمن بها، وكان متفانيا في العمل من أجل قضايا حقوق الإنسان .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

..............

1- فهمي، منصور: المرحوم الأستاذ محمد كرد علي، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،: مجمع اللغة العربية، ج 10، 1958.

2- أحمد تمام: محمد كرد علي.. بين العصرانية والتراث (في ذكرى وفاته: 17 من رجب 1372هـ).. مقال..

3- جمال الدين الألوسي – محمد كرد علي – دار الشئون الثقافية العامة -بغداد -1986م.

4- سامي الدهان -قدماء ومعاصرون -دار المعارف -القاهرة -1961م.

5-فضل عفاش -رحالات في أمة -دار المعرفة – دمشق -(1408هـ= 1988م).

6- محمد رجب البيومي -النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين -دار القلم – دمشق (1415هـ= 1995م).

7- عدنان الخطيب، محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 44/161).

8-شاكر الفحام، العلامة الجليل الأستاذ الرئيس محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 79/13).

9- سامي الدهان، محمد كرد علي حياته وآثاره (مجلة المجمع مج 30/211).

10- مجمع اللغة العربية بدمشق (الذكرى المئوية لولادة الأستاذ الرئيس محمد كرد علي)، مجلة المجمع مج 52/ج1 (عدد خاص).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5186 المصادف: 2020-11-16 11:02:58