 قضايا

الحروب الهجينة وأساليب العنف الممنهج

محمود محمد عليتعد حروب الجيل الخامس من أعنف الحروب، حيث يستخدم فيها العنف المسلح بأبشع معانيه عبر مجموعات عقائدية مسلحة وعصابات التهريب المنظم والتنظيمات الصغيرة المدربة صاحبة الأدوار الممنهجة، إذ يستخدم فيها من تم تجنيدهم بالتكنولوجيا المتقدمة.. والسبل الحديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي.

والاختلاف بينها وبين الجيل الرابع هو أن الجيل الرابع كان يعتمد على تقنيات حرب اللاعنف، لكن الجيل الخامس يستخدم العنف بشكل رئيسي معتمداً على التقنيات الحديثة ويُقصد بالتكنولوجيا المتقدمة الأسلحة المتطورة، والتي استخدمت ضمن تكتيكات وأساليب «الحرب الهجينة» التي تتداخل فيها وتتمازج أصناف وطرق وأنماط متعددة من الحروب. فمن وسائل الحرب التقليدية المعروفة (دبابات وصواريخ ومدافع وطائرات) إلى وسائل وطرق وقتال العصابات وأعمال حرب الإرهاب ونشر الرعب بأبشع صوره.

إن حروب الجيل الخامس تعتمد علي استراتيجية الحرب الهجينة؛ هي استراتيجية فاعلة للحروب دخلت ضمن المصطلحات العسكرية الحديثة للحروب تتجه لتكون أسلوباً ثورياً في المفاهيم المعتادة للحرب، مع أنها عملياً تعتبر قديمة متجددة، فهي تعتبر نوعاً متميزاً من القتال الذي يعجز فيه الجيش النظامي عن الإطاحة بعدو يعتقد أنه غير محترف، ويخوض حرباً غير نظامية، بأفكار مبتكرة هي خليط من مفهوم الحرب الشعبية أو الحرب الثورية وأسلوب حرب العصابات.

وتعد وسائل هذه الحرب حديثة تتمتع بتكنولوجيا فائقة لا تخضع لشكل معين أو قواعد ثابتة بداية من القيادة وانتهاء بالعمليات الجارية خلالها الآن، وهدف هذه الحرب الهجينة هو تحطيم قوة العدو وشل قدراته، وإنزال أكبر الخسائر في قواته، وهي بذلك تخالف تماماً القواعد والأسس المتعارف عليها في الحروب سابقاً، لأنها لا تسير وفق نهج ومبادئ القتال الرئيسية التقليدية التي تشكل الأساس الفكري لأغلب جيوش العالم، بل تعدت ذلك لتصبح شكلاً ونمطاً مغايراً للصراع الذي لم يعد فيه القتال حكراً على الجيوش النظامية وعلى مهارات العسكريين المحترفين لتكون هذه الحرب الهجينة خليطا من وحشية النزاع النظامي الذي تخوضه الدول مع أصولية الحرب غير النظامية ونفَسها الطويل التي تعتمدها القوات غير النظامية.

كما تعتمد حروب الجيل الخامس على خلق تناقضات ما بين الدولة والمجتمع، باستغلال كافة الوسائل، لأحداث الخلل في العلاقة بينهما، وهذا لا يكون إلا من خلال الحروب «الهجينة»، وهي «حروب بديلة» ومركبة"، تخوضها قوى كبرى بواسطة لاعبين أصغر، بعد استغلال التناقضات وتأجيجها وتخصيب الاختلافات الفكرية والدينية والمذهبية واللادينية داخل المكونات المتعددة في مجتمع ما أو دولة ما، للوصول إلى أهداف استراتيجية وتحقيق مصالح وغايات الدول الكبرى وتجار الحروب.

وقد تطول هذه الحروب وتستمر حتى تدمير جيوش بعض الدول وتقسيم مجتمعاتها وتغيير أنظمتها السياسية أو خرائطها الجغرافية أو حتى التوصل إلى تسويات واتفاقات جيوستراتيجية على مستوى الإقليم والعالم. لذلك، يمكن القول أنّ الحرب الهجينة هي، بالنسبة الى بعض الدول الكبرى، بديل عن الحروب التقليدية التي تُخاض بالوسائل العسكرية الذاتية، لأنّ أكلافها ونتائجها ستكون كارثية عليها وعلى مصالحها في حال خاضتها بصورة علنية ومباشرة.

ومن ناحية أخري فإنه في الحرب الهجينة تواجه خصماً عنيداً في تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية غير نظامية تتنادى لتطور المواجهة لمقاومة غزو أجنبي دون تدريب رسمي، حيث تبرز في هذه المواجهة قوة المشاركة المباشرة للسكان في حالة القتال دفاعاً عن النفس والأرض، أو قد تنزلق نحو حرب أهلية يخوض فيها المقاتلين قتالاً شرساً تحكمهم توجهاتهم الفكرية والجهوية، وفي هذا الصدد يكون الدخول في حرب غير تقليدية من أجل تقويض سلطة للعدو وإضعاف إرادته هو السبيل للمقاومة وهنا تفشل كل خطط الحرب التقليدية لتدخل حسابات جديدة في المعادلة حيث يختلف الأسلوب القتالي في إدارة الحرب عن قبل وبذلك تتغير النتائج وتظهر مع الوقت صعوبة المواجهة مع خصم يظهر ويختفي ويضرب متى شاء وكيفما شاء بكل اقتدار ونجاح.

كما تعتمد أساليب القوات غير النظامية غالباً على حرب العصابات وعمليات حرب المدن وإعداد الكمائن واستهداف مواقع استراتيجية مؤثرة وهذا يستدعي تجنب التورط بالدخول في معارك ومجابهات على نطاق واسع والتركيز على الاشتباكات الصغيرة وعمليات التمويه والكر والفر واستخدام وسائل قد تكون بدائية مع وسائل أكثر تطورا حسب الحاجة مع تطور طبيعة الصراع لتأخذ أشكالاً أكثر تعقيدا تلبية للتطور الحاصل في الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية التي أوجدت مجالات جديدة للمواجهة لتحقيق أهدافها.

يندمج في الحرب الهجينة أنماط القتال المعروفة المختلفة بما في ذلك القدرات التقليدية وأساليب القتال المستحدثة والتكتيكات والأعمال الفدائية للاستفادة من كل أشكال القتال المشروعة لاستنزاف وإرهاق الخصم لإرغامه علي الانسحاب من أراض محتلة أو التخلي عن سياسة خارجية معينة.

ولهذا السبب تعد حروب الجيل الخامس من أخطر أشكال الحروب التي تواجهها المجتمعات والدول النامية، والتي بدأت بواكيرها الأولي في الظهور خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من خلال ما يطلق عليها الحروب «الهجينة». وهي الحروب القائمة على المساحة التي تلتقي فيها حروب الفضاء الكوني مع حروب الفضاء الرقمي، وتكون نتيجتها خسائر مضاعفة بمئات المرات، مقارنة بالحروب التي تقتصر على إحدى الساحتين بشكلٍ منفصل. والسبب الرئيس وراء ذلك هو اعتماد الحروب «الهجينة» على أسلحة ووسائل وأدوات تقليدية وغير تقليدية، منتظمة وغير منتظمة، علنية وخفية، ويتم فيها استغلال كل الأبعاد الجديدة في هذه الحروب، للتغلب على التفوق الذي تمتلكه الدول في الحروب التقليدية، وأهمها على الإطلاق البعد الذي أضافه الفضاء الرقمي إلى المنظومة البشرية التقليدية.

والحرب الهجينة (والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الخامس) مختلفة عن سائر الأجيال الأربعة للحروب، وتنطوي على تغير جوهري، سواء من حيث مجالات الصراع أو أدواته ؛ وعلى الرغم من توسع مجال الصراع واستخدام القوة من جيل إلى آخر، من البر إلى الفضاء الإلكتروني، ومن المجالات المادية البرية والبحرية والجوية، إلى المجال السياسي صراع الإرادة السياسية، فإنّ مجالات حروب الجيل الخامس "غير مقيدة"، وتتراوح هذه المجالات من الحروب الاقتصادية (بما في ذلك استخدام الأدوات المالية والتحكم في الموارد الطبيعية)، والحرب البيولوجية (بمعنى محاولة تغيير أو تدمير البيئة الطبيعية في الدولة المستهدفة)، والحرب البيئية، التي تلجأ إلى توظيف الجراثيم أو الفيروسات أو غيرها من الكائنات الحية لنشر الأوبئة بين البشر والحيوانات والنباتات، ومثال ذلك هجمات الأنثراكس عام ۲۰۰۱م، ضد مبنى الكونجرس الأمريكي.

كما يندرج في إطار حروب الجيل الخامس حرب المخدرات (بمعنى تعمد إغراق البلد المستهدف بالمخدرات ولو من خلال التعاون مع كارتلات المخدرات)؛ وحرب الفضاء الإلكتروني أو الحرب الإلكترونية، التي تستهدف تعطيل المؤسسات الحكومية والبنية التحتية وإثارة الذعر العام وزعزعة ثقة الحكومات والشركات؛ والحرب المعلوماتية، بمعنى استخدام المعلومات الملونة والحجج الموجهة والشائعات المروجة، بهدف إثارة الرأي العام وجره إلى مواجهات مع دوائر صنع القرار السياسي، وتأكيد "فشل" الدولة المستهدفة، والحرب المالية والتي تتمثل في استخدام الأدوات المالية وقوي السوق لعزل الخصوم عن النظام العالمي والتجاري العالمي والقضاء علي مصادر تمويلهم وهو ما يحد من قدرتهم علي الحركة سواء أكانوا دولا أم جماعات . والحرب الاقتصادية : ويقصد بها إضعاف قدرة العدو علي إنتاج وتوزيع السلع والخدمات. والحرب البيئية : يقصد بها إضعاف دولة مناوئة من خلال تغيير أو تدمير البيئة الطبيعية لها. وحرب الموارد: وفيها يسعي الخصم هنا الي السيطرة علي الموارد الطبيعية النادرة  والقدرة علي التحكم في الوصول اليها وتحديد قيمتها السوقية . الحرب البيولوجية : وفيها يقوم الخصم بالاستخدام المتعمد للجراثيم او الفيروسات أو غيرها من الكائنات الحية لنشر الأوبئة بين البشر والحيوانات والنباتات .

كما تتضمن حرب المعلومات استخدام الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل التنظيمات الإرهابية للتجنيد والاتصال والتنظيم والحشد ونشر أيديولوجياتها الراديكالية. وتعد الحرب الدعائية من أبرز تكتيكات الحرب المعلوماتية وتتضمن نشر الأخبار والمعلومات والحجج بطريقة مخططة من أجل التأثير علي مدركات وأفكار شعب أو جماعة إثنية معينة وتقوم الجماعات الإرهابية باستخدام الإنترنت ووسائل التواصل  الاجتماعي لنقل رسائلها المتطرفة وتجنيد الانتحاريين وتدريبهم علي كيفية صناعة القنابل والمتفجرات بأبسط المواد المتوفرة حولهم .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5196 المصادف: 2020-11-26 01:59:33