 آراء

لماذا اندلعت الحرب الأهلية فى اثيوبيا؟

محمود محمد عليمصائب قوم عند قوم فوائد، خطوة واحدة قبل انزلاق أثيوبيا نحو الهاوية، مئات القتلي وآلاف المشردين، هل تستفيد السودان ونيلها من حرب أثيوبيا، أم سد النهضة أكبر الرابحين ! .. ما الذي يحدث؟

عزيزي القارئ هل تتذكر الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» التي ظلت قابضة على السلطة فى أديس أبابا لنحو ثلاثين عاماً، منذ أن نجحت 1991 فى الإطاحة بالحكومة العسكرية التى قادها "منجستو هايلى مريم"، ليتولى زعيم الجبهة "ميليس زناوى" مقعد رئيس الوزراء، ومعه من قيادات الجبهة جميع القادة العسكريين فى البلاد ورؤساء أجهزة الاستخبارات، منذ هذا التاريخ حتى سنوات قليلة مضت. لاحقاً وبشكل سريع قامت الجبهة بحل الجيش الإثيوبى القديم، وحولت قواتها إلى نواة للجيش الإثيوبى الذى تشكل على يديها، وأحاطت الجنرالات الذين كانوا أعضاء فى الجناح المسلح للجبهة وتولوا المناصب القيادية، بآخرين استحوذوا على مفاصل القيادة المدنية للدولة جاءوا من قيادات "التيجراى" لضمان فرض هيمنة كاملة على الحكم. لعل أشهر هذه النماذج "تيدروس أدهانوم" المدير الحالى لمنظمة الصحة العالمية، الذى شغل منصب وزير الصحة لسنوات طويلة من حكم "ميليس زناوى" وقبلاً كان عضواً بقيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى»، الذى اتهمه مؤخراً "آبى أحمد" وقيادات الجيش باتهامات قاسية، بسبب أفعال يتصور أنه قام بها لصالح الجبهة فضلاً عن انتمائه لقومية "التيجراى" وذلك حسب كلام خالد عكاشة.

لكن دعونا نعود للتاريخ لنكشف الأبعاد الحقيقية في هذا الموضوع، ففي عام 1974 شهدت أثيوبيا كغيرها من بلدان الكثيرة في تلك الفترة، انقلابا عسكريا علي آخر أباطرتها، والذي كان يدعي "هيلا سيلاتي"، ووصل للحكم تهمة عسكرية حكمت البلاد بالحديد والنار، ونُصب لاحقا علي أثيوبيا دكتاتورا عسكؤي يدعي " منغستو هيلامريام"، حكمها حتي عام 1991، وفي عهده انتشرت المجاعة وعم الخراب البلاد، فراحت القبائل الأثيوبية تنظم ضده حركات مسلحة علي شكل ميلشيات مسلحة انتشرت بشتي يقاع البلد الإفريقي الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث المساحة في القارة السمراء، ومطلع التسعينات نجحت المعارضة المسلحة بإقصاء دكتاتورها، وقد كانت ميلشيات إقايم يدعي "تيجراي" هي من تقود جميع جبهات المعارضة، نظرا لكون إقليم "تيجراي" هو أكثر الأقاليم تسليحا وتنظيما .

وبعد بدء حقبة جديدة في أثيوبيا نجح التيجرايون بإيصال قادة للبلاد من إقليمهم فحكم بداية شخصية من التيجراي تدعي " تأميؤات لاينه"، واستمر حتي عام 1995، ثم خلفه شخص يدعي " مليس زناوي"، وهو أيضا من إقليم " تيجراي" واستمر في الحكم حتي وفاته عام 2012 .

وهذا يعني أن السلطة في إثيوبيا ظلت حكرا بيد التيجراي قرابة عشرين عاما بالرغم من كون الإقليم ليس أكبر الأقاليم الأثيوبية، فهو واحدا من عشرة أقاليم في البلاد، وسكانه يقدرون بستة ملايين نسمة ؛ أي 6% فقط سكان أثيوبيا الـ 100 مليون، وهو يقع شمال البلاد ويحده من الشرق إرتيريا ومن الغرب السودان، كما يتمتع بحكم ذاتي، وفي عام 2012 بعد وفاة " زناوي" نجح شخص يدعي " هايلي مريام ديسالين" بالوصول للحكم وهو من جنوب إثيوبيا ما أثار حفيظة أقاليم أخري طالبت بالحكم، فاستمرت حالة من القلاقل في البلاد بعد مظاهرات من عرقيات كالأورومو والأمهرة أكبر الأقليات الإثيوبية، ما أدي لوصول رئيس جديد للوزراء في البلاد عام 2018، وهو " أبي أحمد علي " المنتمي لأقلية الأورومو والذي أخذ علي عاتقه إجراء مصالحات في البلاد التي تنتعش فيها الحركات الانفصالية والنزعات الحدودية ونال علي جهوده هذه جائزة نوبل للسلام .

وبعد أسابيع من تسلم الجائزة رفض إقليم تجراي الانضمام إلي تحالف الحكومة، فالإقليم اعتاد ان يقود ولا يقاد بحسب اعتقادهم، فاتهمهم " أبي أحمد" بمحاولة زعزعة الاستقرار في البلاد، واستمرت المناوشات الكلامية بين حكومة أديس أبابا وحكومة إقليم تيجراي حتي جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، فمع تفشي جائحة كورونا طالب "أبي أحمد" من البرلمان تأجيل عقد الانتخابات في البلاد، والتي كانت مقررة منتصف عام 2020 دون تحديد الموعد القادم لإجرائها،وسرعان ما تلقف إقليم تيجراي النبأ، فاستقالت رئيسة البرلمان الإثيوبي " ثريا إبراهيم"، والتي تنتمي لإقليم تيجراي، ثم تبعتها استقالات أخري لمناصب في الدولة تنتمي للإقليم، واكتمل التصعيد من قبل التجراي بعد إعلانهم إقامة انتخابات في الإقليم دون الرجوع لأديس أبابا ما اعتبره " أبي أحمد " تحديا واضحاً ورفض الاعتراف بها، فرد الإقليم بسحب اعترافه بحكومة " أبي أحمد" وردت الحكومة بوقف التحويلات المالية للإقليم، فاعتبر التيجراي هذا القرار بمثابة إعلان حرب، وبدأت الحرب .

وانطلقت مناوشات عسكرية بين الطرفين، تبعها قرار لأبي أحمد بإرسال تعزيزات عسكرية أكثر للإقليم ما أدي لمقتل المئات، وتهجير وتشريد عشرات الآلاف نحو إرتيريا والسودان، وللسودان بدرجة اكبر ما جعله يدفع فاتورة النزاع الأهلي في جارته إثيوبيا، حيث استقبل السودان عشرات الآلاف من النازحين، ويتوقع أن تصل الأعداد لمئات الآلاف هذا من ناحية، ومن ناحية أخري، قد تساهم الأوضاع المضطربة علي حدود السودان لازدياد أنشطة الجماعة الخارجة عن الدولة هناك، الأمر الذي فتح باب السؤال عن الرابح والخاسر مما يجري في إثيوبيا، وأين سد النهضة من هذه الأحداث !

كما قلنا تمر إثيوبيا حاليًا بحالة عدم استقرار قد تؤدي إلى تفككها إلى دويلات صغيرة، والعرق والدين ليسا فقط المحركان الرئيسيان للصراع الحالي. فهناك ثلاثة أسباب أخرى للصراع، أولها التنافس بين الجماعات على السلطة والموارد الشحيحة، والثاني الثورات الشعبية والتمردات على السلطة بسبب انتهاك الحقوق الاقتصادية والسياسية الأساسية؛ وثالثاً، تسييس الهويات القبلية من قبل السياسيين الساعين لمصالحهم الشخصية وذلك حسب كلام نبيل السجيني.

ولا شك أن إثيوبيا هي الخاسر الأكبر من تدهور الأوضاع الداخلية، ما يجعل البلاد علي شفير الحرب الأهلية، التي قد تمزق البلاد برمتها ولا شك أن دول الجوار الأخرى لن تكون بمنأى من دفع تكاليف ما يحدث في إثيوبيا، وعلي رأسهم السودان وإريتريا، أما سد النهضة والذي يهمنا نحن المصريون بدارجة الأولي فلما يحدث في إثيوبيا احتمالين، أولهما أن مفاوضات السد ربما قد تتوقف وبالتالي تتملص إثيوبيا من إلتزماتها، وهذا في مصلحتها ومصلحة سدها، اما الاحتمال الآخر فهو أن عملية بناء السد وتشييده ستتوقف لفترة طويلة إلي حين استقرار الأوضاع في البلاد، وهذا أمر لصالح الدول التي كان من المفترض أن تضرر من السد،وهي مصر والسودان علي وجه الخصوص، وهذا الآن لا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات، فالأمر مرهون للتطورات بالداخل الإثيوبي الذي وعد أبي أحمد أنه لن ينزلق لحرب أهلية في انتظار قادم الأيام .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

......................

1- مئات الضحايا وآلاف اللاجئين.. إثيوبيا علي أبواب حرب أهلية وسد النهضة أكبر الخاسرين.. يوتيوب..

2- خالد عكاشة: الحرب الإثيوبية.. سؤال الهيمنة واحتقان القوميات (مقال) جريدة الوطن المصرية..

3- نبيل السجينى: نحو الحرية – إثيوبيا تتفكك .. مقال

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5197 المصادف: 2020-11-27 03:32:58