 قضايا

التقريب بين الإيمان والعلم

يسري عبد الغنيقضية التقريب بين المذاهب، هي في نظر الكثيرين من أهل العلم والفكر قضية إيمان وعلم معًا. فإذا رأينا أن نحل مشكلاتها أو نقف أمامها بالدرس والتحليل على ضوء من صدق الإيمان وسعة العلم فمن المحال أن تستعصي علينا عقدة، ولن يقف أمامنا عائق بإذن الله تعالى طالما صدقت النيات .

أما إذا تركنا ـ للمعرفة القاصرة واليقين الواهي ـ أمر النظر في هذه القضية، والبت في مصيرها، فلن يقع إلا الشر والعياذ بالله .

وهذا الشر الواقع إذا جاز له أن ينتمي إلى نسب، أو يعتمد على سبب، فليبحث عن كل نسب في الدنيا، وعن كل سبب في الحياة، إلا نسبًا إلى الإيمان الصحيح، أو سببًا إلى المعرفة الحقة المنزهة عن الأغراض والأهواء والميول والتعصب الأعمى الذي يضر دائمًا دون أن يفيد ..

نعم، هي قضية علم وإيمان ... فأما أنها قضية علم، فإن أهل الشيعة وأهل السنة يقيمان صلتهما بالإسلام الحنيف على الإيمان بكتاب الله المجيد وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) محمد بن عبد الله المبعوث هدى ورحمة للعالمين، ويتفقان اتفاقًا مطلقًا على الأصول الجامعة في هذا الدين القيم، وما سمعنا أو قرأنا لأي أحد من الفريقين إلا أكد لنا ذلك تمام التأكيد، فإذا اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية والتشريعية، فإن مذاهب المسلمين كلها سواء، معلنة بوضوح لا مواربة فيه أن للمجتهد أجره، أخطأ أم أصاب .

وثبوت الأجر له قاطع بداهة في إبعاد الظن ونفي الريبة أن تناله من قرب أو بعد، على أن الخطأ العلمي ـ وتلك سماحة الإسلام ـ ليس حكرًا على مذهب بعينه، ومن الشطط أو عدم المنطقية القول بذلك .

وعندما نقرأ ونبحث في مجال الفقه المقارن، ونقيس الشُقة التي يحدثها الخلاف العلمي بين رأي ورأي، أو بين تصحيح حديث وتضعيفه، نجد أن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة النعمان، والمذهب الفقهي لمالك أو الشافعي، أو المدى بين من يعملون ظاهر نص ومن يأخذون بموضوعه وفحواه، ونحن نرى الجميع سواء في البحث عن الحقيقة، وإن اختلفت الأساليب والطرائق ..

ونرى الحصيلة العلمية لهذا الجهد الفقهي جديرة كل الجدارة بالحفاوة وإطالة النظر وإحسان الدراسة، فهي تراث علمي محترم مقدور مشكور ..

وأما أنها قضية إيمان فإني لا أحسب على وجه الإطلاق ضمير مسلم في أي مكان أو زمان يرضى بافتعال الخلاف والشقاق وإشعال البغضاء وإعلاء الأحقاد بين أبناء أمة واحدة، ولو كان ذلك لعلة قائمة، أمة عليها أن تعتصم دائمًا وأبدًا بحبل الله المتين، كي تكون بحق وحقيق خير أمة أخرجت للناس .

فكيف لو لم تكن هناك علة قط ؟ ... كيف يرضى المؤمن صادق الإيمان، صادق الصلة بالله العلي القدير، كيف يرضى أن يختلق الأسباب لإفساد ما بين الأخوة من محبة وتضامن وتكافل وتعاون، و إقامة العلاقة بينهم على اصطياد الشُبه وتجسيم التوافه، وإطلاق الدعايات الماكرة الخبيثة الهدامة، والتغرير بالسذج والعوام والهُمل ...

تصور معي ـ أيها القارئ المفضال ـ أن هذا يقع فيه امرؤ تنقصه التجربة، أو العلم القائم على أسس منهجية سليمة، أو تنقصه الخبرة، فكيف تقع فيه أمة ذاقت على مر العصور الويلات من شؤم الخلاف، ولم يجد عدوها ثغرة للنفاذ إلى صميمها إلا من خلال هذا الخلل المصطنع عن خطأ أو عن تهور أو عن اندفاع أو عن عقول لا تدرك بحق الواقع الذي نحياه، وما الذي يدبر لنا بليل حتى نزداد انقسامًا وتفتيتًا، ونتحول إلى دويلات أو طوائف تذروها الرياح ..

ولقد قرأنا ودرسنا فكر رجال التقريب الأفاضل ـ جزاهم الله خيرًا على كل ما قدموا ـ هؤلاء الذين قاموا بعمل إيجابي مشكور نأمل أن يتكرر هذا العمل في أيامنا هذه من أهل الرأي والفكر، وأن يكون هذا العمل حاسمًا دائمًا تشارك فيه جميع مؤسساتنا الدينية و الثقافية والتعليمية والتربوية يضاف إلى ذلك منظمات المجتمع المدني على كل الأصعدة، سدًا لهذه الفجوة التي صنعتها الأوهام، وإنهاءً لهذه الجفوة التي خلقتها الأهواء .

وأذكر هنا أن وزارة الأوقاف المصرية في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، قامت بضم المذهب الفقهي للشيعة الإمامية إلى فقه المذاهب الأربعة التي تدرس في مصر، كما قررت إنشاء إدارة ثقافية تقوم بتقديم أبواب العبادات والمعاملات من هذا الفقه الإسلامي إلى جمهور المسلمين . 

وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة مجموعة من الكتب التي أصدرتها وزارة الأوقاف المصرية في هذا المجال، منها على سبيل المثال كتاب : المختصر النافع في فقه الإمامية، والذي ألفه الشيخ الأجل المحقق / أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (رضي الله عنه)، والمتوفى سنة 676 هـ، وعندما يطلع القارئ هذه الجهود العلمية سيجد أن الشبه قريب بين ما كتبه أهل السنة من كتابات فقهية، وبين ما باعدتنا عنه الأحداث السيئة .

ويجدر بالذكر أن الذي قام بمراجعة النسخة الخطية لكتاب : المختصر النافع للحلي، وتحقيق نصها، والمقابلة بينها وبين أصولها للمؤلف وغيره، والإشراف على إخراج الكتاب، لجنة علمية من حضرات السادة: صاحب السماحة العلامة الأستاذ / محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن أعضاء اللجنة الثقافية لدار التقريب كل من : صاحب الفضيلة الشيخ / محمد محمد المدني رئيس قسم العلوم الإسلامية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وصاحب الفضيلة الشيخ / عبد العزيز محمد عيسى أستاذ الفقه المساعد في كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف، وصاحب الفضيلة الشيخ / عبد الجواد البنا الأستاذ بقسم البعوث الإسلامية بالجامع الأزهر الشريف، وعن وزارة الأوقاف المصرية : صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ / محمد الغزالي مدير إدارة تفتيش المساجد بوزارة الأوقاف، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ / السيد سابق مدير إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف، مع مراعاة أن مناصبهم ودرجاتهم العلمية المذكورة موافقة لما كانوا عليه أيام صدور الكتاب المشار إليه، كما يجدر بالذكر أن الذي كتب كلمة تقديم كتاب: المختصر النافع، هو صاحب الفضيلة الشيخ / أحمد حسن الباقوري الذي كان وزيرًا للأوقاف آنذاك، بينما كتب المقدمة العلمية له صاحب السماحة العلامة الأستاذ / محمد تقي القمي .

في هذه السطور المتواضعة أطالب وألح على ضرورة عمل تصفية شاملة تقوم على أساس علمي سليم لتنقية تراثنا الثقافي والتاريخي من الأدران التي علقت به وهي ليست منه، وقد دعوت مرارًا وتكرارًا خلال مقالاتي ودراساتي وأبحاثي إلى هذا الأمر، وبكل أسف لم أجد من يستجب، شفى الله الجميع من الصمم الأزلي الذي نعيش فيه، وعليه أحسب أن كل بذل في هذا السبيل مضاعف الأجر مذخور عند المولى جل شأنه، وأن أي ثمرات منه عاجلة أو آجلة تحتم علينا المزيد من العناية والاهتمام، والمزيد من التحمل والمصابرة .

أقول لكم : إنه لن ينجح في هذا المجال ـ مجال التقريب بين أهل الشيعة والسنة أو بين جميع المذاهب الإسلامية ـ إلا من استجمع خلتين اثنتين: سعة العلم، وصدق الإيمان، ومن كان يحمل هاتين الصفتين فدون شك سيكون من أهل الأفق الرحب والوسطية والاعتدال والإدراك والوعي والاستنارة ..

إن الأصالة الفكرية في مجال البحث عن الحق وتعليمه، تلتقي مع متانة الخلق القويم، وبراءة النفس من العقد والخلل والتعصب البغيض والمصالح الذاتية الدنيوية الفانية، والثروة الطائلة من الثقافة والمعرفة تورث النفس الإنسانية رحابة تشبه الرحابة التي يورثها الإيمان الخالص النقي ...

ذلك أن الحصيلة العلمية الضخمة تجعل دائمًا وأبدا صاحبها بعيد النظر، وتجعله يعرف عن خبرة ووعي ودراية آراء معارضيه ومنطلقاتهم، وكيف تكونت هذه الآراء، ومدى ما للملابسات والأحوال والظروف المختلفة من عمل في تكوينها ...

إن صدق الإيمان يجعل المسلم بادي التلطف مع الناس، حذرًا من قطع أواصرهم، لبقًا في بيان الحق والدعوة إليه بالتي هي أحسن، أمنيته الغالية أن تنشرح الصدور بالهدى، وتستنير العقول بالفكر الجاد المستنير، وأن تنأى عن مواطن الخلل والشطط والردى ... هيهات .. هيهات .. أن يشمت، أو يعتد، أو يحقد، أو يشارك في مراء أو نفاق أو كذب أو ادعاء وهو يريد لنفسه الغلب، ويبغي لصاحبه العطب، كلا .. كلا .. فشرط الإخلاص بالله ينفي كل هذا .

وختامًا لسطورنا هذه نؤكد على أننا نحن المسلمين في أمس الحاجة إلى أن نبني على هذه الأسس القويمة، وأن نزيح من طريقنا المستقبلية الهادف إلى الأمن والأمان والاستقرار والبناء والتنمية، نزيح ما خلفته الأيام والأهواء من عقبات حالت دون وحدتنا وتضامننا وتعاونا مما أعاق إلى يومنا هذا نهوضنا وتقدمنا ورقينا . ..

نسأل الله القوي القادر التوفيق لأمتنا، وهو المسئول برحمته التي وسعت كل شيء، أن يقيها عوادي السوء، ومغبات الفرقة والتمزق والانقسام ...

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5288 المصادف: 2021-02-26 02:06:47


Share on Myspace