 كتب وإصدارات

دانيليفسكي وقضية الأوهام الأيديولوجية واليقظة السياسية الروسية (6)

ميثم الجنابي"الأوربة الروسية" تقليد ومرض

عندما وضع دانيليفسكي كامل استنتاجاته تجاه الإشكالية الواقعية للتقليد الأوربي في روسيا، فإنه توصل إلى أن الشعب الروسي منقسم إلى طبقتين متختلفتين بعضهما عن بعض. الطبقات الاجتماعية الدنيا ظلت روسية الروح والشخصية، بينما تحولت الطبقة العليا إلى أوروبية المنزع. فالطبقات المتأوربة تأخذ كل ما هو أوربي. وتعتقد بأن كل ما هو جيد في الغرب جيد بالنسبة لروسيا. وبهذه الطريقة تم نقل العديد من الأنماط الأوربية في مختلف مفاصل الدولة والثقافة والحياة. بينما كشفت التجربة بشكل تام وواضح، بأن كل هذه الأشياء غير مقبولة. وإنها تجف وهي في المهد. الأمر الذي يجعلها تطالب بإمدادات مستمرة وجديدة. وفي الوقت نفسه تقول التجربة التاريخية للروس، بأن التغييرات في الحياة الاجتماعية العامة والحكومية النابعة من الاحتياجات الداخلية للشعب قد جرى قبولها بنجاح. ومن ثم، فإن أعظم الإصلاحات التاريخية التي جرى تطبيقها في روسيا والتي عادت عليها بفوائد جمة لم يجر إحداثها وفقًا لنموذج غربي. بل على العكس. لقد جرى تطبيقها وفقًا لخطة مميزة عززت رفاهية الناس وحريتهم. أما الصيغة المتطرفة والأكثر ضررا وضراوة من بين أولئك المتأوربين، فهي تلك التي تنظر إلى كافة مظاهر الحياة الداخلية والخارجية لروسيا من وجهة نظر أوربية. إذ تسعى هذه النظرة بكل الوسائل المتاحة أن تدرج وتدخل كل ظواهر الحياة الروسية تحت معايير الحياة الأوربية أما بصورة غير واعية بسبب استلابها أمام الفكر الأوربي، أو  بوعي من أجل إعطاء هذه الظواهر هيئة التشريف والتكريم والتبجيل. ومنها يمكن أن نفهم خلوهم من كل هذه المظاهر في حال انعدام "شخصيتهم الأوربية"، كما يقول دانيليفسكي. ولعل أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد هو الموقف من قضية القسطنطينية (اسطنبول). فأوربا تتهم الروس بسعيهم للهيمنة عليها. بينما نشعر نحن بالخجل من هذا الاتهام، كما لو انه بالفعل فعلاً سيئاً. فقد استولت إنجلترا على جميع المضايق البحرية في أغلب مناطق العالم. بل من غير المعروف لماذا استولوا على صخرة على الأراضي الإسبانية (جبل طارق) من اجل السيطرة على مدخل البحر الأبيض المتوسط. أما ما يتعلق بنا فيجري رفض حتى فرضية حقنا في الدخول الحر إلى منازلنا، دعك عن الالتزام الأخلاقي بإبعاد الأتراك عن الأراضي السلافية واليونانية. إن كل هذه الأمثلة مؤشر على أعراض المرض، الذي يمكن أن نطلق عليها تسمية ضعف الروح الوطنية في طبقات المجتمع الروسي الأكثر تعليمًا. وهي في الوقت نفسه السبب الجيني للمرض، والذي تنشأ منه وتدعمه باستمرار. إن هذا المرض يعوق بلوغ الأهداف الكبرى للشعب الروسي. كما يمكنه استنزاف ربيع الروح الوطنية، ويحرم الحياة التاريخية للشعب الروسي من القوة الحيوية الداخلية، بحيث يجعل من وجوده شيئا عديم الجدوى والفائدة. أما الاستنتاج النهائي الذي توصل إليه دانيليفسكي في مجرى دراسته وتحليله ونقده لمرض التقليد أو مرض الأوربة الروسية، فيقوم في إقراره، بأن كل ما هو خال من المحتوى الذاتي لا يتعدى كونه قمامة سوف يجري جمعها ووضعها في نيران الحساب التاريخي.

الحضارة الأوربية ليست عالمية

لقد أدى هذا الإستنتاج الفكري والثقافي العميق الذي توصل إليه دانيليفسكي إلى وضع ونقد السؤال الأعم والأعمق في الوقت نفسه عما إذا كانت الحضارة الأوروبية متطابقة مع الحضارة العالمية أو الإنسانية العامة؟ أي عما إذا كانت الحضارة الأوربية تتطابق مع مفهوم وفكرة العالمية والإنسانية العامة.

إن الوعي الأوربي، كما يقول دانيليفسكي، ينطلق من مقدمات ترتقي عنده إلى مصاف البديهة التاريخية والثقافية. وهذه المقدمات هي كل من تصوير الشرق والغرب على أنهما نقيضان وقطبان؛ وأن الأوربي الغربي هو قطب التقدم والتطور والتقدم بينما الشرق (آسيا) هو قطب الركود والغباء؛ وأن الغرب محبوب والشرق مكروه؛ وأن الفكرة الأوربية تنطلق من أنها الكلّ والمطلق والحقيقة والجمال والخلاص، وما عداها ركود وموت؛ وأن أوروبا هي إنسانية كاملة وبدونها لا يمكن أن تكون هناك حضارة. بمعنى انه لا وجود للتقدم خارجها.

أما من حيث الواقع والتاريخ والثقافة الفعلية، فإن كل هذه المقدمات "الفكرية" هي هراء مطلق وسطحية إلى درجة يجعل حتى من دحضها امرا مخجل، كما يقول دانيليفسكي. لاسيما وأن تقسيم العالم نفسه إلى أجزاء هو تقسيم مصطنع. أما المعيار الحق فهو أن البحر أو البحار هي التي تقّسم الكرة الأرضية. وبالتالي، فإن أي جزء من أجزاء العالم لا يمثل ولا يمكنه أن يمثل الخصائص التي قد يضعها أحدهم في معارضة الآخر. فمصر وساحل البحر المتوسط عمومًا أكثر البلدان قدرة على الثقافة. وأن أوروبا في الواقع هي جزء من آسيا. ومن ثم لا تختلف عن الأجزاء الأخرى. وبالتالي لا يمكنها أن تعارض بشكل كامل وتختلف اختلافا تاما عن الآخرين. كما أن الواقع يبرهن على أنه في جميع أنحاء العالم توجد بلدان قادرة وأخرى أقل قدرة على تطوير المدنية. وبالتالي، فإن السمعة التي تتمع بها أوربا هي نتاج حالة نعرفها. رغم أن بقية آسيا لديها ثقافة أكثر أصالة على الإطلاق من الأوربية. فالعديد من فروع الصناعة الصينية لا تزال في درجة من الكمال لا يمكن للصناعة الأوربية بلوغها. وينطبق هذا على صناعات أخرى عديدة. كما تحتل الصين المكان الأول على الكرة الأرضية بالزراعة العقلانية. والبستنة الصينية أيضا ربما تكون الأولى في العالم. وينطبق الشيء نفسه على وسائل الراحة. وقد عرف الصينيون قبل الأوربيين بقرون عديدة البارود والطباعة والبوصلة وورق الكتابة. كما أن لأهل الصين أدب هائل ونمط من الفلسفة. وعندما كانت مذاهب الإغريق القدماء تؤمن بالخرافات، فإن علماء الفلك الصينيون لاحظوا بالفعل هذه الأجرام السماوية علميا. بل أنهم تركوا الإغريق والرومان في الكثير من مجالات التطور العلمي وراءهم بمساحات شاسعة. أما السبب الآخر والأكثر أهمية لرفض فكرة انعدام أية حضارة مستقلة خارج أنماط الثقافة الجرمانية الرومية أو الأوروبية، والتي يجري لصق كلمة العالمية بها، فيقوم في أن التاريخ السابق طوّر حضارات تاريخية كبرى. وبالتالي، فإن هذه الفكرة الأوربية هي نتاج سوء فهم واسع الانتشار.

في نقد النزعة الأوربية وحضارتها

انتقد دانيليفسكي نمط التقسيم التاريخي الذي صنعه الأوربيون لأنفسهم على مثال تاريخهم الخاص، والذي حاولوا جعله نموذجا للتقسيم التاريخي للجميع. من هنا قوله، بأن فكرة الأوربيين عن التاريخ القديم والوسيط والحديث مرتبط بتاريخ الدولة الرومانية. وهو تاريخ أوربي بحت وجزئي في الوقت نفسه. أما محاولة سحبها على تواريخ الأمم الأخرى أو العالم ككل فهو أما سوء فهم أو خرافة. إذ لكل أمة وحضارة تاريخها القديم والوسيط والحديث. وذلك لأن لكل منهما مراحل تطور خاصة به. لاسيما وأن لهذا التقسيم نماذجه في أمور أخرى عديدة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لنمو الإنسان وحياته. إذ يمكننا التمييز بين ثلاث مراحل فيها وهي الطفولة والشباب والشيخوخة. كما يمكننا تقسيمها إلى أربع مراحل وهي الطفولة والمراهقة والرجولة والشيخوخة، أو مراحل أكثر مثل الطفولة والمراهقة والشباب والرجولة والشيخوخة والهرم. وبالتالي، يمكن ابتداع أعداد أخرى لفترات التطور في حياة الأقوام التاريخية،كما يقول دانيليفسكي.

وعندما ننظر إلى نشوء وتطور الأنماط التاريخية الثقافية الكبرى أو الحضارات الأصلية، فإننا نراها مرتبة ترتيبًا زمنيًا على التوالي وهي: المصرية، والصينية، والآشورية – البابلية – الفينيقية - الكلدانية أو السامية القديمة، والهندية، والإيرانية، والعبرية، واليونانية، والرومية، والسامية الجديدة أو العربية، والجرمانية الرومية أو الأوروبية1 . وأضاف دانيليفسكي إلى هذه المجموعة العشرة مما أسماه بالنمطين الأمريكيين وهما كل من المكسيكي وحضارة البيرو، اللذين ماتا قبل أن يكتملا. وعلى هذا الأساس استنتج، بأن الشعوب التي شكلت هذه الأنماط التاريخية الثقافية هي الوحيدة التي كانت تمثل قوى إيجابية في تاريخ البشرية. وذلك لأن كل منها وضع بصورة مستقلة بداية تطوره الذاتي انطلاقا من خصوصيته وطبيعته الروحية. ومن الناحية التاريخية عادة ما كان يجري نقل ثمار كل منها للآخر بصفتها مواد للتغذية أو سماد للتخصيب بمواد متنوعة قابلة للهضم ومستوعبة للتربة التي كان من المقرر أن يتطور فيها النمط التالي، كما نراه على مثال ظهور وتدرج وتطور الأنماط التاريخية الثقافية. فقد طورت هذه الأنماط الثقافية والتاريخية شخصياتها الفردية، كما يقول دانيليفسكي. وبالتالي ساهمت في تنوع مظاهر الروح البشري، ناهيك عن تلك الاكتشافات والاختراعات مثل النظام العشري من علامات الأرقام، والبوصلة، وصناعة دودة القز، والبارود وغيرها من الانجازات العلمية الكبيرة، التي تم نقلها إلى أوروبا من الشرق بمساعدة العرب.

ووضع دانيليفسكي هذه الحصيلة وكثير من الجوانب التي اخضعها للتحليل والاستعراض والنقد في استنتاج دقيق يقول، بأن تقسيم التاريخ إلى ثلاث مراحل هي فكرة أوربية خالصة. ومن ثم تخصها لحالها فقط ولا علاقة لها بتاريخ الأنماط التاريخية الثقافية أو الحضارات الكبرى للماضي والحاضر.

إن تسلسل الانماط التاريخية الثقافية الكبرى، أو الحضارات الأصيلة، كما يصفها دانيليفسكي، يشير إلى أنها عرضة للزوال التاريخي. بمعنى انه ليست هناك حضارة أو نمط تاريخي ثقافي قادر على العيش دوما. والمصطلح الدقيق الذي وضعه واستعاض به عن مصطلح الحضارة يتضمن فكرة التاريخي، أي العابر بمعايير الزمن. وذلك لأن بدايته هو نشوء وتكون وتكامل ذاتي مديد، أي تاريخ الصيرورة الأولية والانتقال من المرحلة الاثنوغرافية إلى مرحلة الأصالة الذاتية كما اسماه دانيليفسكي. وما بعدها هو إنتاج مثمر قصير، شأن كل ما في الطبيعة. وبقدر ما ينطبق ذلك على الأنماط القديمة، فإنه ينطبق بالقدر ذاته على النمط الأوربي. من هنا ظهور الفكرة النقدية المتعلقة بمستقبل هذا النمط الثقافي. فهو من حيث البداية والأصل نمط تاريخي. ومن حيث ثماره هو نمط أوربي. وبالتالي، فإن حالة الإثمار التي لازمت إبداعه العظيم تفترض، شأن من سبقه، بالضرورة للانحلال. من هنا سؤاله عما إذا كان الغرب، بوصفه حامل الثقافة الأوربية، سيتعرض للتعفن والانحلال أم لا؟

موت الحضارة الأوربية

وفي معرض اجابته على هذا السؤال- الإشكالية انطلق دانيليفسكي من فكرة مفادها أن الشعوب الأوربية أنتجت أسس تفكير جديدة وطريقة جديدة للبحث العلمي. وبدأ أثرها منذ عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر بإعطاء نتائج نظرية وعملية وفيرة. حيث جرى إبداع وتأسيس كل شيء أصلي في الفن والعلوم الأوروبية. مما حدد تطورها اللاحق ضمن هذا الإطار. وتمثل حالة نمو الثمار وحصادها مرحلة الانحدار التاريخي والنفوذ الزمني للحضارة. فالثمار هي بداية الخريف. وألوانه هي نهاية الربيع. الأمر الذي يؤيد الاستنتاج القائل، بأن القوى الإبداعية لأوربا قد دخلت بالفعل في هذا المسار المحتوم منذ مائة وخمسين أو مائتي عامًا مضت،كما يقول دانيليفسكي. وهي الفكرة التي سيكررها شبنغلر لاحقا في موقفه من "أفول أوربا". وشدد دانيليفسكي أيضا، على انه قد يكون من الصعب القول ما إذا كان الصيف بمعنى كونه الوقت المبكر أو أواخر الخريف، فإن الشمس هي التي تزرع هذه الفاكهة، وأنها تمر بالفعل وراء خط الطول وتميل بالفعل نحو الغرب. سوف يصبح هذا الوضع أكثر وضوحًا إذا استطعنا أن نحدد طبيعة القوى التي بنت وحافظت على بناء الحضارة الأوروبية.

ومن هذه المقدمة والنتيجة في الوقت نفسه، حاول دانيليفسكي الإجابة على ما في الزوال المحتمل والقريب للنمط التاريخي الثقافي الأوربي من آفاق جلية بالنسبة للنمط التاريخي الثقافي السلافي. وانطلق في تأسيسه لهذه الفكرة من أن للأحداث التاريخية في مجرى تطورها ومستويات كمالها، فوارق كبرى لا معنى للمقارنة بينها بما يتعارض مع قواعد النظام الطبيعي. وأن التمييز النوعي للأنماط التاريخية الثقافية هو أعلى مبدأ في التقسيم. بمعنى انه يبلور الفكرة التي تعارض مختلف النماذج البدائية والضيقة في ما يخص تقسيم وتقييم الأمم وحضاراتها. بمعنى انه يريد الرجوع بالأقوام إلى أنماطها الثقافية، أي التركيز على أولوية وجوهرية الإبداع الثقافي الحضاري، بوصفها المساهمة الذاتية الفعلية في تاريخ الأمم والعالم ككل. وسبب ذلك يقوم في أن الأقوام والشعوب، كما يقول دانيليفسكي، تختلف من حيث مكوناتها الإثنوغرافية. وعلى أساسها تنقسم البشرية إلى عدة مجموعات كبيرة. وواحدة من هذه المجموعات هي أسرة الشعوب السلافية. وهي تتميز بذاتها ومن ثم تختلف عن المجموعات البشرية الأخرى مثل السنسكريتية والإيرانية والهيلانية واللاتينية والألمانية. ويترتب على ذلك أن أسرة الأمم السلافية تشكِّل نمطا تاريخيا ثقافيًا متميزًا. ومع أن دانيليفسكي يتكلم عنه بمعايير الاحتمال، إلا انه احتمال يرتقي بالنسبة له إلى مصاف اليقين.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- هنا ثمة خطأ تاريخي يقوم في تجاهله للحضارة السومرية. كما أنها الأقدم من كل تلك الحضارات التي أشار اليها دانيليفسكي. وقد يكون السبب هو عدم اطلاعه آنذاك على هذا الجانب، أو أن المعارف بالحضارة السومرية وتاريخها لم تكن بعد واسعة الانتشار في الدراسات المتخصصة بتاريخ الحضارات بشكل خاص.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5291 المصادف: 2021-03-01 02:35:59


Share on Myspace