 كتب وإصدارات

كيف تُشاهد فيلمًا سينمائيًّا؟

عدنان حسين احمدالفيلم ليس "الحدّوتة" وإنما هو تجربة سمعية بصرية مُتقَنة

يأخذنا الناقد السينمائي المصري محمود عبدالشكور في جولة ممتعة وشائقة بين ثنايا كتابه الجديد "كيف تُشاهد فيلمًا سينمائيًّا؟" الصادر عن "دار نهضة مصر للنشر" بالقاهرة. وهي محاولة جدّية لتبسيط الفنون والعلوم السينمائية وتقديمها بسلاسة إلى القارئ غير المتخصص بغية توسيع معارفة ومَداركه الفنية وخلق أواصر جديدة مع شرائح واسعة من المجتمع العربي المتعلّم.

يتضمّن الكتاب سبعة فصول وثبْتًا بثلاثين كتابًا سينمائيًا عربيًا وأجنبيًا لمن يريد النهْل والتوسّع في الثقافة السينمائية.

في كل فيلم ثمة حِكاية أو "حدّوتة" يمكن أن يستشفها المتلقّي الذي يشاهد الفيلم، ويستوعبه ثم يستمتع به، ويفيد منه، لكن هذه الحكاية ليست الفيلم كله، فهناك الأداء، والتصوير، والموسيقى، والديكور، والمؤثرات السمعية والبصرية، واللمسات المونتاجية وما سواها من العناصر الفنية التي تصنع الفيلم، وتقدّمه إلى الجمهور على طبق من ذهب. الفيلم ليس "الحدّوتة" كما يقول الناقد عبد الشكور، وإنما هو "تجربة سمعيّة بصريّة. والحدّوتة هي فقط الغلاف الخارجي للفيلم". ولو لم تكن العناصر السمعية والبصرية مُتقنة أو جيدة الصنع لما وصلت إلينا "الحدّوتة" آخذين بنظر الاعتبار أن الأفلام هي خطابات سمعية بصرية محتشدة بالأفكار والمعاني والأحاسيس البشرية الكامنة وراء الحكايات والقصص السينمائية. وفي كل فيلم ثمة فكرة أو ثيمة مُهيمنة تُعبِّر عن وجهة نظر مُبدِعها ولابد لمُشاهد الفيلم أن يُمسك بها، ويفهمها جيدًا وإلاّ فلتَ من بين يديه الخيط والعصفور معًا. مُشاهدة الفيلم في صالة السينما يشبه تمامًا أداء الصلاة في  مسجد أو كنيسة توفر الطقس الجمعي للعبادة والتأمل والتفكير.

يستعيد الناقد عبدالشكور في الفصل الثاني "قصة السينما" والعروض الأولى التي نظّمها الأخوان لوميير في 28 ديسمبر 1895 في مقهى باريسي للأفلام التي صوّراها وما تخللها من مفارقات ما تزال ماثلة في الأذهان. كان حلم السينمائيين أن تتحرّك الصورة، وأن تخرج عن صمتها، فكان لهم ما أرادوا رغم أن صالات العرض آنذاك كانت توفر عازفين على أجهزة البيانو، وأحيانًا فرقة أوركسترا تعزف موسيقى مصاحبة للفيلم تعوّض عن الموسيقى التصويرية التي نعرفها اليوم.

السينما حقل واسع للتجريب والابتكار

يتوقف المؤلف عند عدد المخرجين الفرنسيين والأمريكيين والروس الذين أحدثوا نقلات نوعية في الفن السابع مثل جورج ميلييس الذي اكتشف الحِيل والخِدع السينمائية المُبهرة، بينما اكتشف المخرج الأمريكي ديفيد ورك غريفيث وسائل السرد السينمائية، أي رواية الحكاية بالصورة والحركة. كما تيقّن هذا الأخير بأن المونتاج هو سرّ السينما. واستعمل تقنية العودة إلى الماضي "الفلاش باك"، وأسلوب القطع بين حدثين يقعان في الوقت نفسه بواسطة المونتاج، أي القطع المتوازي، علمًا بأن الرواية قد سبقت السينما في هذا المضمار واستعملت "الفلاش باك"، وتابعث حدثين يقعان في الوقت ذاته. ومع ذلك يُعدّ غريفيث أول من وضع اللغة السينمائية ليس بواسطة استعماله للمونتاج، وإنما في اكتشاف إمكانيات أحجام المناظر، ودلالات تغيير العدسات. وفي السياق ذاته أشار الناقد عبدالشكور إلى المخرج السوفييتي فسيفولود بودوفكين ومبادئه الخمسة المعروفة في المونتاج وهي "التباين، والتوازي، والرمزية، والتزامن، والجملة المكررة"، ونوّه إلى أن آيزنشتين "يعتبر المونتاج وسيلة لخلق الأفكار أيضًا". لقد تطوّرت السينما "ولم تعد أداة تسلية فقط وإنما أصبحت أداة تعبير وحقلاً واسعًا للتجريب والابتكار".

2269 كيف نشاهد فلمايسلط الناقد الضوءَ على عدد من التيارات والموجات السينمائية الأوروبية مثل "الواقعية الجديدة" التي تألقت على أيدي عدد من المخرجين الإيطاليين مثل لوكينو فيسكونتي وروبيرتو روسلّيني وفيتوريو دي سيكا الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين العامة بعد أن دمّرت الحرب العالمية الثانية الأستوديوهات السينمائية. وفي فرنسا ظهرت"الموجة الجديدة" التي تبنّى روّادها "سينما المؤلف" مثل جان- لوك غودار، وفرانسوا تروفو، وكلود شابرول. وفي بريطانيا ظهر تيار "السينما الحرة"، وهي حركة تعنى بالأفلام الوثائقية، وتتفادى الدعاية، ولا تضع الكمال كهدف لها ومن أبرز ممثليها ليندسي أندرسون، كارل رايتس، توني ريتشاردسون، ولورنزا مازيتي. كما ظهرت أفلام مميزة لكبار المخرجين الأوروبيين والأجانب مثل الإيطالي فديريكو فلّيني، والأمريكي أورسون ويلز، والياباني أكيرا كوروساوا، والسويدي أنغمار بيرغمان، والهندي ساتياجيت راي.

جذبت السينما العديد من الكًتّاب والشعراء والروائيين حيث أصبح الشاعر جان كوكتو مُخرجًا، وتمّ إغراء العديد من الأدباء ليكتبوا السيناريو مثل سكوت فيتزجيرالد، وآرثر ميلر، وتنيسي وليامز، وغابرييل غارسيا ماركيز، ونجيب محفوظ.

تتطور السينما بشكل دائم وتُصبح أكثر إبهارًا فقد ظهرت أشكال عرض جديدة مثل السينما سكوب، وسينما البعد الثالث والإيماكس. وهذه التقنيات الحديثة تجعل من الحضور إلى الصالة السينمائية أشبه بطقسٍ ثقافي مقارب للطقس الديني الذي نجده في دور العبادة.

سبع قواعد ذهبية للتعامل مع الفيلم السينمائي

يحدّد عبدالشكور سبع قواعد ذهبية للتعامل مع الفيلم السينمائي وأوّلها أنّ دافع صنع هذه الأفلام ذاتي ويرتبط بمن يصنعها، وليس بالضرورة أن يتفق المُشاهد معها لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون.

لا تقتصر السينما على نوع واحد وإنما تتكون من مائدة عامرة مختلفة النكهات، ويمكنك أن تنتقي منها ما تشاء. الفيلم السينمائي هو مُنتج فني معقد يقوم على بنية رصينة من العناصر الفنية كالسيناريو  والحوار والتصوير والموسيقى والديكور والإنارة. وقد استعمل الناقد تعبير "البناء" غير مرة في وصف تماسك السيناريو لتعزيز رأي المخرج الفرنسي روبير بريسون الذي يقول:"إن الأفلام العظيمة تشبه الكاتدرائيات في بنائها". وإن نجاح الفيلم يعتمد كثيرًا على قوّة السيناريو ورصانته.

تُعد الذاتية والرؤية الخاصة للفنان هي شرط الفن، وأنّ الفنان لا ينقل الواقع، وإنما يقدّم رؤيته وانحيازاته الخاصة لهذا الواقع.

يعتقد الباحث أنّ السينما والفنون عمومًا تترجّح بين طريقتين في التعبير وهما: التجسيد والتجريد؛ الأول يحاول أن يجسد الأصل، أمّا التجريد فهو يُطلق العنان للمخيّلة، ويسعى إلى التلخيص والاختزال في التفاصيل.

لكل فيلم شكل ومضمون يعبّر عنه، وكلّما تناغما واتسقا أصبح العمل أقرب إلى الجودة. وينبغي للشكل أن يعبّر عن المضمون، ويكون خادمًا له.

يفترض عبد الشكور في القاعدة السابعة والأخيرة أنّ هناك فيلمين يؤثران على المتلقّي في أثناء المُشاهدة؛ فيلم داخلي يدور في عقلك وأفكارك المسبّقة، وحالتك النفسية والعاطفية، وفيلم خارجي يمثل العمل الذي تشاهده على الشاشة. وينصح الباحث بالانفصال عن الفيلم الذي يدور في ذهنك، أو أن تقلل من سطوته وتأثيره إلى أبعد درجة ممكنة.

يتضمّن الفصل الرابع المعنون بـ "الدراما والسيناريو" موضوعات متعددة كالقصة والسناريو والحوار ويؤشر المؤلف إلى أنّ مأزق الفيلم المصري منذ انطلاقته الأولى وحتى الآن هو السيناريو. ثم يقترح علينا خمسة محاور يجب الانتباه إليها في حال كتابة السيناريو وهي تحليل واستيعاب جوهر الطبيعة البشرية الرمادية لأن الإنسان كائن مركّب. وأنّ الدراما أفعال لا أقوال وينبغي على الكاتب أن يتفادى المباشرة والنفس التقريري، ويتجنب استنساخ الواقع، وأن يقدّم رؤية جديدة له، وأن يركّز على وجود الصراع في العمل الدرامي. ويختم عبد الشكور بأن الشكل التقليدي للدراما لا يمنع من التجريب كما فعل بريخت حينما ناقض الدراما الأغريقية، وصموئيل بيكيت حينما هشّم قواعد الدراما التقليدية.

يُورد عبدالشكور أسماء الذين أتقنوا اقتباس الروايات وحوّلوها إلى سيناريوهات سينمائية جيدة مثل يوسف جوهر، وعباس صالح، ومصطفى محرّم، ومحسن زايد، أمّا أبرز من كتبوا الحوار فهم السيد بدير وأبو السعود الإبياري، وبديع خيري، وأحمد رامي، وتوفيق الحكيم وغيرهم. وينصح الناقد عبدالشكور كُتّاب السيناريو أن يستوعبوا فكرة القصة ومغزاها كي يمضوا على هدْيها حتى النهاية، ويضرب مثلاً في هذا الصدد بفكرة "تايتانك" التي تقول "إنّ الحب أقوى من الموت، السفينة غرقت لكن قصة الحُب باقية". ولا يحبّذ أن تُكتب الجملة التعريفية على الأفيش Affiche لأن المتفرّج يجب أن يبذل جهدًا في التعرّف عليها، وأن يتفاعل مع الفيلم بطريقة إيجابية.

المخرج مهندس المبنى، والمونتير هو البنّاء

يشتمل الفصل الخامس على موضوع "المخرج وتوظيف العناصر الفنية"، ولعل من المناسب أن نقتبس هذا المقطع الذي يقول فيه:"الفيلم عمل جماعي يقوده مايسترو، وليس مطلوبًا من المايسترو أن يعزف على كل الآلات، وإنما عليه أن يعرف حدود كل آلة، وكيفية توظيفها في إطار العزف الجماعي للأوركسترا". وبالمقابل دعونا نتأمل رأي المخرج الياباني الشهير أكيرا كوروساوا الذي قال ذات مرة:"هناك أمران يجب أن يفهمها المخرج ويتقنهما تمامًا: كتابة السيناريو والمونتاج". لأنهما أساس نجاح كل فيلم إذا قُيّض له مخرج جيد. وعودًا على رأي الناقد عبدالشكور الذي يقول: "إذا كان المخرج هو مهندس المبنى فإن المونتير هو البنّاء الذي سيقوم ببنائه لقطةً لقطة، ومَشهدًا مشهدًا".

يتضمّن الفصل السادس موضوعات متشعبة عن تكوين الصورة السينمائية والاستعمال الفذ للمكان لعمل تكوين درامي، ومهام الإضاءة وما سواها من موضوعات لكننا سنكتفي بالإشارة إلى فيلم واحد وهو "بين السماء والأرض" لصلاح أبو سيف الذي حشر 15 شخصية في ديكور مصعد تمّ تشييده في الأستوديو وأتاح له التصوير من ست جهات، ويُعدّ من أنجح أفلامه من حيث التقنية وإدخال أكبر عدد من الشخصيات في الكادر الواحد.

ننتقي من الفصل السابع "خمسة أفلام سياسية ماكرة" ونترك جانبًا قواعد قراءة الأفلام التي مررنا على بعضها مثل الإمساك بالفكرة، واندغام العناصر الفنية، والأسلوب الفني الذي يختاره صانع الفيلم. ومن بين هذه الأفلام "عنتر ولبلب" 1951 للمخرج سيف الدين شوكت الذي يعدّه الناقد عبدالشكور من أفضل الأفلام الكوميدية في السينما المصرية، وأذكاها، وأكثرها إمتاعًا. يتألف الفيلم من سبعة مقالب لكن مغزاه السياسي والوطني أبعد من تلك المقالب بكثير. ويرى المؤلف أن فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين هو فيلم تاريخي من حيث الشكل لكنه سياسي من حيث المضمون، ويعزز فكرة القومية العربية التي تمتد من صلاح الدين الأيوبي إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر. أمّا الفيلم الثالث فهو "إمبراطورية ميم" 1972 لحسين كمال الذي ينطوي على حكاية مجازية عن معنى السلطة والعلاقة مع الآخر. وفي الفيلم الرابع "على منْ نطلق الرصاص؟" 1975 لكمال الشيخ الذي يتكئ على أكثر من فكرة مهيمنة؛ الأولى حين يتحوّل المجتمع إلى غابة، والفكرة الثانية هي الفساد الذي يفضي إلى العنف والإرهاب. ونختم بفيلم "المواطن مصري" للمخرج صلاح أبو سيف الذي يقول فيه بأنّ الفقراء هم الذين حاربوا في أكتوبر، وأنّ الأغنياء هم الذين كسبوا ثمار الحرب.

يقدّم الناقد محمود عبدالشكور في الفصل الثامن والأخير 30 كتابًا سينمائيًا يحرّض فيه محبي الفن السابع على قراءتها والإفادة منها لأنها تفتح لهم آفاقًا جديدة، وتقرّب السينما إليهم. ومن بين المؤلفين الذين يقترح قراءة كتبهم هاشم النحّاس، صلاح أبو سيف، سعيد شيمي، علي أبو شادي، علي بدرخان، وأحمد الحضري.

لا تستطيع أي قراءة نقدية الإحاطة بكل الآراء والأفكار والمفاهيم التي تتخلل في ثنايا هذا الكتاب، وحسبنا أننا قد أحطنا القارئ الكريم علمًا بأهمّ المحاور التي وردت فيه، ونحرّض المتلقي على قراءته سواء أكان متخصصًا أو مجرد قارئ عادي.

أصدر الناقد محمود عبدالشكور حتى الآن 15 عشر كتابًا سينمائيًا وأدبيًا من بينها "يوسف شريف رزق الله.. عاشق الأطياف"،"سينمانيا"، "كنت صبيًا في السبعينات"، "كنت شابًا في الثمانينات"،"وجوه لا تُنسى"، "أقنعة السرد"، "سينما محمد خان.. البحث عن فارس"، "علي أبو شادي .. في رحاب السينما والثقافة".

 

عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5294 المصادف: 2021-03-04 00:41:41


Share on Myspace