 قراءات نقدية

خليل قطناني: قيمة العمل الأدبي (2)

قدمت في المقال الأول محددات العمل الأدبي، ورصدت تنويعات القيمة التي تحقق عدا أدبية الأدب قيما أخرى كالقيمة الاجتماعية والوطنية، والانسانية، والأخلاقية والمعرفية والتاريخية، وأكدت أن عملا أدبيا ما سيحمل قيمة ما، غير أنها تختلف في الدرجة والكثافة والحيوية والطزاجة، وزاوية التقديم.

في هذا المقال سوف أعرض لنماذج من الأعمال الأدبية التي تؤكد ما ذهبت إليه، شارحا ومفسرا، تاركا للقارئ الحكم الأخير.

في البدء أستطيع التأكيد أن الأدب الذي قيل إبان الاستعمار الغربي الأقطار العربية سيحمل بالضرورة القيمة الوطنية التي تتفرع إلى قيم وجوب النضال والكفاح ضد المستعمر، وتمجيد الشهداء، ودور المرأة في معركة النضال الشعبي، والموقف من النظام السياسي، وإدانة التخاذل الرسمي.

هذا وقد شكّل وقوع فلسطين تحت الوصاية الإنجليزية ومن ثم احتلالها شكّل بؤرة كثير من الأعمال الأدبية، فقارئ شعراء من مثل: عمر أبو ريشة، وعلي محمود طه، ونزار قباني، والرصافي، وغيرهم سيعثر بيسر على تلك القيمة القومية والوطنية والسياسية أيضا.

صواب القول إن القيمة في أعمالهم الأدبية حققت مبدأ الأدبية والفنية مضافا إليها قيمتها القومية، غير أن المميز هو زاوية التقديم والقدرة على تناول القضية من وجهة نظر خاصة، ولغة خاصة أيضا. ونزار قباني واحد من هؤلاء العرب المبدعين الذين قدموا نصوصا تبرز القيمة الأدبية والوطنية والسياسية من وجهة نظر خاصة وأسلوب فردي يترك بصمة واضحة على تلك القيمة.

ولكني سأتناول في هذا الخضم الكاثر نصا من شعر إبراهيم طوقان الذي يتغنى بشعره كل عربي حتى اللحظة من خلال نشيده الوطني بعنوان " موطني".

ولكن ليس هذا هو الطابع الوحيد؛ فالإضرابات العامة ضد بريطانيا، وإدانة الأحزاب العربية، وبائع الأرض والجاسوس، كانت محاور تؤكد قيمة وطنية ذات بعد سياسي وقومي أيضا ولكن بلغة ساخرة، ومن منا لا يذكر نصه الساخر من المسؤولين العرب، ومنهم بعض الفلسطينيين، بنكهة لغة يومية مفصحة دالة شعبية وفنية في ذات الوقت .

أنتم المخلصون للوطنية .. أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قول .. بارك الله في الزنود القوية

وبيان منكم يعادل جيشا .. بمعدات زحفه الحربية

واجتماع منكم يرد علينا .. غابر المجد من فتوح أميّه

وخلاص البلاد صار على الباب .. وجاءت أعياده الوردية

ما جحدنا أفضالكم غير انّا .. لم تزل في نفوسنا امنية

في يدينا بقية من بلاد .. فاستريحوا كي لا تضيع البقية

أنتقل إلى الماغوط ونصه الإشكالي" سأخون وطني" الذي بالتأكيد يحمل قيمة سياسية ساخرة وعالية فنيا، يقف فيه أمام مرآة العربي الخائف والجبان والمستكين أمام النظام العربي الرسمي، حتى وهو في بلاد الغرب، ينظر نص " وجه عربي ومرآة إنجليزية ". وبوسع للقارئ أن يطالع نص " برتوكولات حكماء العرب" ليكتشف تلك النبرة السياسية الساخرة التي وسمت نص الماغوط بفن " الساتير" الذي يستدعي القيمة الضد ليؤكد القيمة الأصل

لا تكن ودودا فهذا زمن الحقد

لا تكن وفيا فهذا زمن الغدر

…….

إذن لا مفر

سنظل أبرياء ولو بقوة الرصاص…

ولكن، انا الفلسطيني المرقع بألف وطن ولا وطن لي

أنا الهائم في البحار العربية كبقعة الزيت العائمة، كل الشواطئ ترفضها، ومعظم الدول تطاردها، أين المستقر؟

فلسطين،

ليس لي أطفال، أنت طفلتي

ليس لي مستقبل، أنت مستقبلي

..ثم يقفل نصه

يا إلهي

امنحني عقل أينشتاين لأستوعب ما يجري على الساحة العربية

امنحني غباء الأوزة لأصدق ما أرى ..

 شعر طاغور جله في الإنسانيات، ونص "خطبة الهندي الأحمر قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" لمحمود درويش عمل أدبي إنساني حتى أقصى خلية فيه، وإن كان يحمل في نسقه المضمر قضيته الوطنية المرمزة.

 تتنزل ورائعة الشاعر والأديب الدنماركي (هانس كريستيان) " بائعة الكبريت" قيمتها الاجتماعية كأشد ما تكون وأقسى، حافية تشعر بالجوع الشديد، تخشى العودة إلى البيت خوفاً من أبيها الذي طلب منها بأن تبيع أعواد الكبريت. تموت من شدة البرد مع أنها تحمل أعواد الكبريت الدافئة، لتلتقي بجدتها العطوف، ويتابع أبوها الظالم النظر إلى جثتها على قارعة الطريق في صباح عيد الميلاد، أية قيمة تلك ! قيمة مركبة، بل فيض من الفن والإنسانية والواقعية الاشتراكية، بل محو وتقويض ما يسمى البرجوازية ونذالة النبلاء.

في نص " هكذا أصبح جاسوسا" الذي أهدانيه وليد الهودلي الذي لاقى رواجا وتقبلا ؛ يسائل أدب الأسرى عن جدواه ويحاكم السجان وأساليبه في إسقاط الضحية، وأساليب التعذيب لأجل الحصول على اعتراف، واستهانة الفلسطيني الشاب بالمقابلات التي يجريها ضباط الشاباك ، إنْ على الجسر، أو في مراكز الارتباط العسكري، والعبارة البؤرية التي تؤكد جدوى المقابلات ترد (ص١١٥) على لسان ضابط الخلية المسؤول:" دوما يقول لأعضاء فريقه: تخيل أنك أنت الفلسطيني وفي موقع هذا الذي ترصده، أنت محتل وتعاني ويلات الاحتلال ماذا عليك أن تفعل؟!"، والكاتب في خضم معاركته السجن يدخل عميق نفسيات السجناء ويفتض أسرارهم بل أخطاءهم التنظيمية التي أودت بهم إلى الانكشاف، يصل النص إلى الأسبوعين الثامن عشر والتاسع عشر اللذين يمثلان العمود الفقري للرواية ويحملان عنوانها، ليبقى سؤال الجنس الأدبي (رواية) حاضرا ؛ هل هي حقا رواية، أم مجموعة قصصية صغيرة وحكايات واقعية انتظمها سارد مشارك ؟ .

وتحمل رواية " حليب التين " لسامية عيسى، تحمل قيمة جدلية وتراجيدية، وتحكي قصة البطلة (صديقة) زوجة المناضل الشهيد أحمد التي أصبحت بعد استشهاده تحمل عار جسدها بعد وقوعها في شرك الأصدقاء والثوار القدامى، إنها تحمل قيمة "محاكمة ثائر" وسلطة " المخيم " في الشتات، وفي بعض زواياه العتمة ." نسيت وجه صبحي الدنيء صديق زوجها أحمد حين حاول التحرش بها بعد أقل من شهر على استشهاده / ص١٨٦.

نجد قيمة الثائر السجين السياسي الذي وقع على صك الاستسلام والخروج تترنح في "شرق المتوسط ".

وتتنزل قيمة تصوير الآخر في العمل الأدبي حداثيا حين تتعثر بأعمال أدبية تستدعي اليهو/دي كمضمون وكقيمة وطنية (يمكن مراجعة كتاب : اليهود/ في الرواية العربية جدل الذات والآخر/ ٢٠١٢) ، لكن هذه القيمة يجري تحويلها وتحوريها، بل وقلبها في بعض النصوص الأدبية، بعد مرحلة ترسيخ صورة الآخر العدو .

نص "السيدة من تل أبيب" ونص "صديقتي اليهودية"، ونص " في قلبي امرأة عبرية " وكذا " الرقص الوثني" والقائمة تطول في ظل موجات التطبيع واستحداث لغة مشتركة ودين أبراهام الجديد.

بالتأكيد تتسلل في العمل الأدبي قيم نفسية وأخرى تاريخية ومعرفية ثقافية، وطورا أيديولوجية تتراءى فوق سطح العمل الأدبي، قد تكون سطوحا مهشمة أو مهمشة، وعلى الرغم من ذلك تبقى لها قيمتها المنبعثة من مضمونها تارة، ومن لغتها تارة أخرى، ومن موقف الكاتب والقارئ كليهما معا.

بقي أن نقول إن عبثية القيمة في بعض الأعمال الأدبية ولا معقوليتها، وامحائها وتشظيها في لا غائية الوجود الإنساني هي قيمة بحد ذاتها. قد تكون من وجهة النظر الأخلاقية والدينية لا قيمة لها، ولكتها في ذات الوقت تعبر عن إنسان هذا العصر الذي لم يعد يفهم كينونته، وهدفية وجوده، ومآسيه، وحروبا ليست حروبه.

ومسرح العبث واللامعقول مجال لدراسة تلك القيمة العبثية.

ومهما يكن، فقد أضأت بعض جوانب كامنة في أعمال أدبية منجزة لها حضورها الفلسطيني والعربي والعالمي، وإن كان لدي الكثير لأقوله، فإنني أفسح للقارئ النموذجي أن ينور المقال، ويزيل التباساته

ومجاهيله الثاوية.

 

د. خليل قطناني / فلسطين المحتلة

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5395 المصادف: 2021-06-13 02:58:30


Share on Myspace