 شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: عبد العظيم رمضان.. المؤرخ المصري الذي سقط في بئر النسيان!

محمود محمد عليهناك مؤرخون مصريون انحسرت عنهم أضواء الشهرة بعد موتهم بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس التاريخي سواء الحديث منه أو المعاصر، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال داخل تخصصهم، مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات التاريخ الحديث والمعاصر المختلفة، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا بالمجتمع المصري من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور "عبد العظيم رمضان"- أستاذ التاريخ والمعاصر بكلية الآداب – جامعة القاهرة – بجمهورية مصر العربية)؛ قلما يذكر اسمه بعد وفاته ، مع العلم أن هذا الرجل كان من أهم المؤرخين العظام الذي تخصصوا في الكتابة الموسوعية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ علاوة علي أنه كان واحداً من الأساتذة الجامعيين العظماء الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم في التاريخ والمعاصر من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارما إلي أبعد حد: فالوثائق التاريخية لديه هي المصدر التاريخي الأولي، وتحليل مضمونها هو أساس التقييم، والهدف منها هو الذي يحدد اتجاه صاحبه أكاديمياً.

والدكتور "عبد العظيم رمضان" هو واحداً من كبار مؤرخينا المصريين المعاصرين الكبار، ومن الضالعين الأصلاء في القضية الفلسطينية وإسرائيل، وهو والله مؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيرا من جوانب التاريخ المصري الحديث غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج كبار المؤرخين الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على علم التاريخ الذي أفنيت فيه الأعمار.

علاوة علي أنه كان أحد مؤرخي ثورة 1919م، وأستاذ التاريخ بجامعة المنوفية سابقاً، وعضو مجلس الشورى، ورئيس تحرير سلسلة تاريخ المصريين، كما كان له مساحاته الثابتة في مجلة أكتوبر الأسبوعية،‏ وجريدة الأهرام،‏ وجريدة الجمهورية.

والدكتور " رمضان عبد العظيم" من أكثر المؤرخين المصريين إثارة للجدل حيث كان متحمسا لتجربة الرئيس المصري "جمال عبد الناصر" الاشتراكية، ثم انتقد تلك التجربة بشدة في كتابه "تحطيم الآلهة" وغيره. وقد جمع الدكتور " عبد العظيم رمضان" بين دقة البحث وسلامة المنهج، وجمال الصياغة والأسلوب، والمزج بين علمي الحديث والتاريخ، والانطلاق من الوقائع والأحداث إلى النقد والتحليل الذي يعطينا عبرة التاريخ بجانب سرد قصة الماضي.

وبرغم ذلك لم يحظ الدكتور "رمضان عبد العظيم"، مثل غيره بما هو أهل له من الاهتمام والتقدير الذي بتناسب مع جهوده، فهو ينتمي للرعيل الأول من رواد المتخصصين في التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة ومع ذلك فلا يعرفه إلا المتخصصون الذين درسوا علي يديه ، أو رجعوا إلي مؤلفاته وترجماته . وللأسف ليس بين أيدينا أية بيانات أو معلومات يمكن أن تكون عوناً لنا في رسم صورة كاملة عنه فكرياً وتاريخياً، ولا نملك إلا شذرات قليلة جاءت من (ويكبيديا) لا تتعدي بضعة كلمات معدودة جاءت عرضاً في سياق الحديث عن كتاباته أو في سيرته الذاتية، وما كُتب عنه من نقد كان للأسف أغلبه كلام مرسل.

وُلد الدكتور " عبد العظيم رمضان" في 18 ابريل 1928، التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة ؛ حيث حصل على ليسانس التاريخ من الكلية الآداب في عام 1958، وفي عام 1964 حصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث، ثم درجة الدكتوراه في عام 1970 من ذات الكلية.

عمل الدكتور "عبد العظيم رمضان" في بداية حياته الأكاديمية مدرساً للتاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنوفية فأستاذا، ثم عميدا بكلية التربية وشغل منصب عضو في المجلس الأعلى للثقافة ورئيس لجنة التاريخ وعضو مجلس إدارة هيئة الكتاب المصرية وإشرافه علي سلسلة تاريخ المصريين إضافة إلى عضويته في كثير من اللجان وكذلك مساحاته الثابتة في مجلة أكتوبر الأسبوعية أو جريدة الأهرام ثم الجمهورية فيما بعد. وعضوية مجلس الشورى.

وقد نال المؤرخ الدكتور "عبد العظيم رمضان" على العديد من الجوائز والأوسمة منها: جائزة "مصطفى أمين" و"على أمين"، عام 1962، وسام الجمهورية من الدرجة الثانية، عام 1985، وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، عام 1992، جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام ‏1998‏‏. وقد ورحل في هدوء في الرابع من يوليو لعام 2007م.

وقد أصدر الدكتور "عبد العظيم رمضان" العديد من المؤلفات منها: تطور الحركة الوطنية في مصر، القاهرة عام 1986، الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر من ثورة يوليو إلى أزمة مارس1954، القاهرة، عام 1975، عبدالناصر وأزمة مارس، القاهرة، عام 1976، الجيش المصري في السياسة، القاهرة، عام 1977، صراع الطبقات في مصر، بيروت، عام 1978، الصراع بين الوفد والعرش، بيروت، عام 1979، الفكر الثوري في مصر قبل ثورة 23 يوليو، القاهرة، عام 1981، مصر في عصر السادات، القاهرة، عام 1986، حرب الخليج في محكمة التاريخ، القاهرة، عام 1990، الاجتياح العراقي للكويت في الميزان التاريخي، القاهرة، عام 1990، تاريخ مصر والمزورون، القاهرة، عام 1993، الصراع الاجتماعي والسياسي في عصر مبارك، القاهرة، عام 1994، مذكرات سعد زغلول (تحقيق)، عام 1996، تاريخ النهب الاستعماري لمصر ( 1798ـ 1882)، (ترجمة) من تأليف: جون مارلو، القاهرة، عام 1986.. إلخ .

وبسبب الطريقة التي حقق بها الدكتور "عبد العظيم رمضان" مذكرات سعد زغلول، وبسبب كثرة معاركه، فقد كان أحد المؤرخين المقربين من نظام الرئيس "حسني مبارك" ، وكان مشرفا علي سلسلة تاريخ المصريين، فنقل رسائل الماجستير والدكتوراه من رفوف المكتبات الجامعية إلى رفوف مكتبات المهتمين بالتاريخ والمعنيين بالقراءة فيه.

وقد جمع الدكتور "عبد العظيم رمضان" بين العمل الأكاديمي وجهده الأكاديمي محترم أما كتابته السياسية، فاشتملت آراء ومواقف شخصية مثيرة بطبيعتها للخلافات لموقفه من التطبيع فدخل معارك لا تنتهي منها ما هو دائم مع اليسار المصري، وهو أحد مؤسسي حزب التجمع الذي استقال منه في عام ،1985 ونشر هذه الاستقالة في كل الصحف المصرية.

بالإضافة إلي ما سبق كانت معركة الدكتور "عبد العظيم رمضان" الأشرس مع حزب العمل وجريدته الشعب، وكذلك جريدة الأحرار التي طلب من المسئولين رسمياً سحب ترخيصها، وإغلاقها، لأنها تجرأت وهاجمته والجريدة من جانبها جيشت كل المختلفين معه، للنبش في تاريخه والهجوم عليه.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول: تحية طيبة للدكتور "عبد العظيم رمضان" كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمؤرخ الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء، وسوف يبقى الرجل نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور "عبد العظيم رمضان" ، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كان الدكتور عبد الععظيم رمضان متقلباً بل وحتى انتهازباً، كان ناصريا مجّد جمال عبد الناصر ورفعه الى عنان السماء، ثم انقلب عليه بعد وفاته ووصفه بأقذع النعوت،،
وكان هذا شأنه مع اليسار حيث أسس وساهم بحزب التجمع التقدمي اليساري، ثم انقلب عليه وراح يعادي الشيوعية والشيوعيين ويسمهم بما ليس فيهم!!
ولا أدري أيها الكاتب الذي رفعته الى مصاف المؤرخين العظام، كيف يكون شأنه مع التاريخ وتقلباته؟ هل تقلب معه؟!

خالد شبيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5444 المصادف: 2021-08-01 02:04:02


Share on Myspace