2436 sally rooneyترجمة: صالح الرزوق

أول مرة وقعت عينه عليها كانت تدخل في سيارة أخيه. هو احتل المقعد الخلفي وهي الأمامي، ثم أغلقت الباب الذي بجانبها. ثم انتبهت لوجوده. استدارت نحوه، ورفعت حاجبيها، ثم توجهت نحو ديكلان وقالت: من هذا؟.

قال ديكلان: إيدان. أخي.

قالت بهدوء: لم أعلم أن لك أخا.

التفتت للخلف مجددا، كما لو أنها تقبل الكلام معه مضطرة، وسألته:من منكما الأصغر ومن هو الأكبر؟.

قال إيدان: أنا الأصغر.

كان جو السيارة من الداخل مظلما، وضيقت ما بين حاجبيها وأكدت: هذا واضح من مظهرك.

قال ديكلان: لكنه أصغر بعام واحد فقط.

التفتت المرأة لتهتم بفتح نافذة السيارة. كان عليها أن تفتحها باستعمال القبضة المثبتة على الباب.

قالت بشكل عفوي: أبواك لم يضيعا وقتهما. كم يبلغ عدد أفراد العائلة؟.

قال ديكلان: نحن فقط.

قالت: لم يتابعا لفترة طويلة على نفس المسار إذا. هذا التصرف معقول.

خرج ديلان من الباحة، وانحدر إلى الطريق الرئيسي مجددا. كان الليل البارد يتدفق من النافذة المفتوحة. ثم أشعلت المرأة سيجارة. وتمكن إيدان من ملاحظة قفا رأسها وذراعها الأيسر، المطوي بشكل زاوية عند الكوع.

قال ديكلان: سأقل هذا الشاب إلى البيت ثم نذهب بدورة في الأرجاء.

قالت المرأة: هذا التصرف وحي من الرب.

على الجهة اليمنى صف من البيوت والدكاكين، وكانت تغيب عن البصر كلما اقتربوا من نهاية المدينة. ثم ظهرت حديقة الكارافان، وبعدها منعطف الغولف. هل تعلم المرأة أين يقطن إيدان؟. لم يكن يبدو عليها الفضول لتعرف كم تحتاج من وقت للوصول إلى بيته. نفخت الدخان من النافذة. كان سطح ملعب الغولف يلمع بلون داكن. بعد دقيقة أو اثنتين سألت: ماذا تعمل لتكسب قوتك يا إيدان؟.

أعمل في فندق.

آه؟. كم مضى عليك فيه؟.

قال: عدة سنوات.

هل أنت مرتاح فيه؟.

لا بأس.

ألقت عقب سيجارتها من النافذة وأغلقتها. وخيم الهدوء على السيارة، وجمدت الكلمات وبقيت معلقة بحبال الصمت. لم يقل ديكلان شيئا. وقضم إيدان بتأن طرف إبهامه الأيسر. هل عليه أن يسألها كيف تكسب قوتها؟. ولكنه لا يعرف اسمها. وكأن ديكلان قرأ أفكاره فقال: بولين كاتبة.

قال إيدان: آه. أي نوع من الكتابة؟.

قالت: سيناريو الأفلام.

ولحكمة ما لم يسبب ذلك أية دهشة لإيدان، مع أنه حسب علمه لم يسبق له التواجد بسيارة مع كاتبة أفلام. قال آه، كأنه أراد أن يقول: حسنا فهمت. وعلى نحو غير متوقع تنحنحت المرأة التي اسمها بولين واستدارت لتنظر إليه. ولاحظ أن شعرها مربوط من جبينها للخلف بواسطة ربطة مخملية. وكان على وجهها ابتسامة غريبة.

قالت: ماذا؟  ألا تصدقني؟.

واستيقظت مشاعره. واعتقد أنه استفزها، وسيغضب ذلك دكلان ويتشاحن معه لاحقا. قال: طبعا أصدقك. لم لا؟.

ولعدة لحظات لم تنطق بكلمة، ولكنها تابعت النظر إليه في  صمت وعتمة السيارة. في الواقع حدقت به، ووضعت عينها بعينه، واستمرت كذلك عدة ثوان دون أي كلام، وربما لمدة تزيد على أربع ثوان، لفترة ملموسة. لماذا تنظر له بهذه الطريقة؟. وبوجه محروم من التعابير. كان جبينها شاحبا وشفتاها شاحبتين، حتى أن فمها يشبه خطا رفيعا. هل تنظر إليه لتعرض عليه وجهها، وجه كاتبة الأفلام؟. وحينما تكلمت كانت نبرتها مختلفة تماما. قالت ببساطة: حسنا. وتوقفت عن إمعان النظر به واستدارت مجددا. ولم تتبادل معه الكلام في بقية الرحلة. وعوضا عن ذلك انخرطت بالحديث مع ديكلان، عن أشخاص ومناسبات لا يعرفها إيدان. وأصغى لهما كأنهما في مسرحية، وهو المشاهد الوحيد لها. سألها ديكلان متى ستتوجه إلى باريس فردت عليه. ثم أخبرها أن المدعو ميشيل لم يتصل به لينقشه بالمسألة، فقالت بولين: آه. سيكون ميشيل هناك. لا تقلق. وخلف النافذة كان الظلام ينقطع عند الأضواء التي يمرون بها، وبعيدا بين التلال، كانت أضواء البيوت المرتعشة تختفي وتظهر من بين أوراق الأشجار. وتمكن من إيدان شعور غير محدد، فهو لم يكن متأكدا من طبيعة هذا الشعور. هل هو القلق؟. ولكن لماذا عليه أن يقلق؟. وأصدر ديكلان إشارة الانعطاف يسارا نحو الحي. واشتد نور الأضواء مع دنوهم منه، ثم أصبح العالم مسكونا ثانية، تشغله بيوت نصفية وحاويات متحركة ومواقف سيارات. وتوقف ديكلان أمام بيت إيدان.

قال إيدان: شكرا للتوصيلة. مساء طيبا. لكن بولين لم ترفع عينيها عن هاتفها.

*  

التقى بها مرة إضافية، بعد عدة أسابيع، في الفندق. فقد حضرت في إحدى الأمسيات لتناول العشاء مع مجموعة من الأشخاص الذين لم يسبق لإيدان أن التقى بهم. ولم تكن تضع ربطة الشعر في هذه المرة - كان شعرها مثبتا فوق رأسها بحباسة - ولكن لم يتغير فيها أي شيء حتما. أحضر إيدان زجاجة من الماء للطاولة. كانت بولين مشغولة بالكلام والبقية يصيخون السمع، وضمنا الرجال، وبعضهم كانوا متقدمين بالعمر ويرتدون البذات. وكان يبدو على الجميع الافتتان بها - وفكر إيدان: شيء مستغرب أن تشاهد الرجال الناضجين متعلقين بكلمات بنت شابة بهذه الطريقة. وتساءل هل هي مشهورة، أم أنها مهمة بشكل من الأشكال. وعندما ملأ كوبها نظرت إليه وشكرته. ثم قطبت ملامحها وقال له: هل سبق أن التقينا؟.

والتفت الجميع ليتأملوا إيدان. وشعر بالارتباك. قال: أعتقد أنك تعرفين شقيقي ديكلان.

ضحكت، كأنه قال لها شيئا سارا، وقالت: آه، أنت شقيق ديكلان كيرني. ثم استدارت لجماعة الأصدقاء وأضافت: أخبرتكم أنني أعرف كل السكان المحليين.

فضحكوا بامتنان. ولم تعاود النظر إلى إيدان. وانتهى من سكب الماء في الأكواب وعاد إلى البار. وفي نهاية الليلة ساعد جماعة بولين باستعادة معاطفهم من غرفة الثياب. كان الوقت بعد منتصف الليل. والخمر قد تمكنت منهم قليلا. ولم يكن إيدان يعلم العلاقة التي تجمعهم - أصدقاء أم زملاء أو أفراد عائلة؟. كان الرجال يخالسون بولين النظر، وبقية النساء يتضاحكن ويتكلمن مع بعضهن البعض. وطلبت منه بولين أن يستدعي سيارات أجرة لهم. فذهب إلى الطاولة والتقط الهاتف. ووضعت هي يدها الرقيقة على الطاولة، بجوار الجرس.

قالت:سنتابع الشراب في بيتي. هل تود أن تنضم إلينا؟.

قال إيدان: آه، كلا. لا أستطيع.

ابتسمت بهدوء وعادت لأصدقائها. وطلب إيدان رقم سيارة الأجرة، وهو يضغط بقضبته على سماعة الهاتف لتلتصق بجمجمته وسمع صوت زئير الهاتف يتغلغل في أذنه. كان عليه أن يشكرها على الأقل. لماذا لم يفعل؟. كان مهموما، ويتساءل أين عساه يقع بيتها. فهي لا تعيش في المدينة، وإلا لعرف بذلك. ربما جاءت للمدينة من توها، أو لعلها تعمل بفيلم جديد. لو أنها حقا تكتب الأفلام. وفكر لحظة باقتراحها، ثم قرر أن يشكرها. طلب بالهاتف سيارتي أجرة ثم أغلق الخط.

قال: ستكون السيارات هنا عما قريب.

وأومأت له بولين دون أن تلفت له.  ها قد بدأنا. هل ضجرت منه. سأل نفسه ثم قال لها: لم أكن أعلم أنك تعيشين بجوارنا.

أومأت مجددا فقط. وكانت بمرمى بصره بالوضع الذي رآها به في السيارة، في ذلك الأسبوع: خلفية رأسها، ورقبتها وكتفيها. وعندما وصلت سيارات الأجرة، قالت دون أن تنظر إليه: انقل تحياتي لديكلان. ثم غادروا جميعا. بعد ذلك أخبره النادل الذي نظف طاولتهم أنهم دفعوا بقشيشا ضخما.

*

بعد أيام قليلة كان يعمل في الاستقبال في فترة ما بعد الظهيرة، وتكون طابور خلال رده على الهاتف. وبعد أن أغلق الخط، اعتذر عن فترة الانتظار الإجبارية، وقدم خدماته لنزلاء أزمعوا على مغادرة حجراتهم، وجرد بطاقاتهم، ثم جلس على الكرسي. ليس على النزلاء أن يتعرضوا لذلك - أن ينتظروا لدفع الأجور. بإمكانهم ترك بطاقات الدخول فوق الطاولة قبل المغادرة، ودون أي وداع رسمي. ولكن افترض إيدان أنهم أرادوا الحصول على الإذن، أن تكون مغادرتهم مصحوبة بطقوس من نوع ما. أو ربما هم لا يدركون أن الانصراف مسموح، وافترض أن أحدا لم ينبئهم بذلك، ففي النهاية الإنسان مخلوق استسلامي بطبيعته.

نقر بأصابعه على الطاولة بإيقاع رقيق ومشوش. كان ديكلان وإيدان بمنتصف عملية بيع بيت أمهما. ديكلان لديه بيته الخاص، ولكنه أصغر، وأقرب للمدينة، ومرهون للبنك لمدة عشرين عاما. وكان الناس يعتقدون أن إيدان سيعود للبيت القديم، باعتبار أنه يسكن ببيت إيجار خارج المدينة، ويشترك بالسكنى مع آخرين، ولكنه لم يرغب بالعودة. وكان يريد التخلص من ذلك المكان. كانت أمهما مريضة لفترة طويلة، مع أنها ليست مسنة، وكان متعلقا بها، ومن المؤلم أن يضطر للتفكير بها طوال الوقت. والحقيقة أنه حاول طرد ذكرياته عنها. وخلقت هذه الفكرة عنده بعض الأحاسيس - التفكير يبدأ بشكل صورة أو ذكرى مجردة، ويتبعها إحساس ناجم عنها ولا يمكن مقاومته. ربما هو يرغب أن يتعايش مع ذكرياتها، فهي الشخص الوحيد على وجه الأرض الذي تولهت به، ولكن هذا غير ممكن دون آلام وحزن - وعلى الأرجح لن يخلو الأمر من ذلك. في كل الأحوال الألم لا يتلاشى إن لم يفكر بالموضوع. فقد يتضاعف الوجع في صدرك كلما بلعت، وقد يتحول لألم لا يحتمل حين تبلع، ولكن هذا لا يعني أنه يزول إن لم تبلع. نعم، الحياة حافلة بالمعاناة، ولا توجد طريقة لتحرر نفسك منه. عموما هما على وشك بيع البيت، وسيحصل إيدان على مبلغ من المال، مبلغ زهيد وليس ضخما.  

في تلك الليلة حضر ديكلان ليقوده بالسيارة من عمله، ولكن بوقت متأخر، بعد الثانية ليلا، وكانت بولين تستلقي في المقعد الخلفي للسيارة، ومن الواضح أنها مخمورة. قال ديكلان: يمكنك أن تتجاهلها.

قالت بولين: إياك، هل تجرؤ على ذلك؟.

سأله ديكلان: كيف كان عملك اليوم؟.

أغلق إيدان الباب، ووضع حقيبته عند قدميه، وقال: لا بأس. كانت رائحة الكحول تخنق السيارة. وكان إيدان يشعر أنه لا يعرف من هي هذه المرأة، مع أنها تستلقي وراءه. كانت تفرض نفسها بقوة على حياته في لحظات محرجة، ولكن من هي؟. في البداية اعتقد أنها صديقة ديكلان، أو على الأقل مرشحة لتكون حبيبته، ولكن في تلك الأمسية ظهرت على نحو مختلف في الفندق - كانت متوهجة بطريقة ما، وعدد كبير من الرجال يتحلقون حولها بإعجاب - وطبعا لم يكن ديكلان بينهم، حتى أنها دعت إيدان لشراب بعد ذلك. وأوشك أن يسأل أخاه، كيف تعرفت على تلك البنت؟. أعني، هل تقلها بالسيارة فقط أم ماذا؟. ولكن قد يستفز ذلك مشاعر ديكلان.

سألته بولين: كيف تعود للبيت إن لم تحصل على توصيلة؟.

قال إيدان: على الأقدام.

و كم يستغرق المشوار؟.

حوالي ساعة.

هل الطريق خطير؟.

قال إيدان: ماذا؟. لا. ليس محفوفا بالخطر. ماذا تعني كلمة خطير عندك؟.

ردد ديكلان: بربك تجاهلها.

قالت بولين: إيدان من أفضل أصدقائي. ولن يتجاهلني. تركت له بقشيشا كبيرا في المطعم، أليس كذلك؟.

قال: سمعت بذلك، وهذا كرم منك.

تابعت تقول: ودعوته لبيتي. غير أنه رفض الدعوة.

سألها ديكلان: ماذا تقصدين، دعوته لبيتك؟. متى؟.

قالت: بعد العشاء، غير أنه رفضني بلا تردد.

ارتفعت حرارة إيدان وقال: حسنا، آسف لأنك فكرت بالأمر هكذا. لم يكن بمقدوري ترك العمل لتلبية دعوة لأحد المنازل.

قال ديكلان: ولكن لم توجهي لي دعوة مماثلة.

قالت بولين: كنت مشغولا مثل أخيك. هل يمكنني يا إيدان أن أسألك سؤالا عن عملك؟.

قال: ماذا؟.

هل شاركت السرير إحدى نزيلات الفندق؟.

قال ديكلان: لعنة الله عليك يا بولين.

كانوا يمرون من حديقة الكارافان، حيث تلتمع أسقف الكارافانات المستوية، وتعكس إشعاع القمر، بلون أبيض مثل أظافر يد الإنسان. وبعد ذلك انتبه إيدان إلى المحيط، لكن لم يكن بوسعه رؤية أو شم أو سماع هديره، باعتبار أنه مضغوط داخل السيارة مع بولين وهي تضحك، وروائح الكحول والعطر تتبخر منها. ألا تعلم أن ديكلان لا يستمتع بهذا النوع من الثرثرة؟. أو لعلها تعرف وتريد أن تستفزه مدفوعة بهدف لا يخطر لذهن إيدان.

قال ديكلان: لا تستمع لثرثرتها.

ولمعت سيارة بشكل خاطف ثم اختفت. والتفت إيدان لينظر إليها. من هذه الزاوية ظهر جانب وجهها. كان طويلا جدا وبيضاويا، مثل شكل حبة وجع الرأس.

قالت: يمكنك أن تتكلم معي. ولو همسا.

قال ديكلان: هل تغازلينه. تغازلين أخي أمام عيني. في سيارتي!. ومد يده وقرص ذراع إيدان. وقال له: توقف عن النظر لها. استقم بظهرك وانظر أمامك. أنت تلعب لعبة أنا لا أحبها.

قال إيدان: من هم أولئك الناس الذين كانوا برفقتك في الفندق تلك الليلة؟. هل هم أصدقاء؟.

فقط معارف.

كانوا أشبه بمعجبين بك.

قالت: الناس يتصرفون بهذه الطريقة إن كانوا يريدون منك شيئا ما.

وسمحت له بمتابعة النظر نحوها. واستلقت بمكانها وهي تمتص نظراته، وتبتسم بسذاجة، على سبيل التشجيع. قرصه ديكلان مجددا. فعاد إيدان لمجلسه الطبيعي. كان الزجاج الأمامي دون أي مشاهد مثل شاشة كومبيوتر مغلق.

قال: لا يسمح لنا النوم مع النزيلات.

كلا. طبعا غير مسموح. ولكن أراهن أنك تلقيت دعوة ما.

نعم، حسنا. غالبا من ذكور.

وبدت الدهشة على ديكلان. وقال: حقا؟. وضحك إيدان ضحكة خشنة.

لم يعمل ديكلان في الفنادق، ولا في بار أو مطعم. كان مديرا لشركة، ويحمل إجازة بالتجارة وإدارة الأعمال.

قالت بولين: وهل تغريك هذه الدعوات؟.

بالعادة لا.

 لمس إيدان قبضة النافذة المثبتة على باب السيارة، ولكنه لم يحركها لا للأسفل ولا الأعلى. عبث بها فقط قليلا، وقال: في تلك الليلة وجهت كاتبة دعوة لي لزيارة منزلها.

هل كانت جميلة؟.

قال ديلان: بولين!. أنت تثيرين أعصابي. توقفي من فضلك. يا للمسيح. هذه آخر مرة أقدم لك فيها خدمة.

ولم يمكن إيدان أن يعلم إن كان ديكلان يكلم بولين أو يكلمه. كان صوته يدل أنه يكلم بولين. ولكن إيدان من يتلقى خدمة التوصيلة للبيت، ليس هي، إن لم يكن هناك خدمة ترافق هذه بنفس الوقت. وخيم الصمت عليهم. فكر إيدان بغرفة الملاءات في العمل، حيث تودع الأغطية النظيفة، تطوى بإحكام في الرفوف الخشبية، بلونها الأبيض المزرق، ورائحتها الناجمة عن المساحيق والصابون.

و عندما توقفوا أمام منزله، شكر أخاه على التوصيلة. ورد عليه ديكلان بإيماءه من يده في الفراغ لينصرف. قال: هذه مسألة بسيطة. كان شكل وجه بولين واضحا من النافذة الخلفية، ولكن لم يتأكد إن كانت تسترق النظر منه أم لا.

*

بعد أسبوعين حان موعد انعقاد المهرجان الفني في المدينة، وازدحم الفندق، وتوجب على مدير إيدان أن يطلب منه القيام بمناوبة إضافية يوم الجمعة لأن إحدى البنات أصيبت بالتهاب بالبلعوم. أنهى أعماله ليلة السبت في التاسعة، وتوجه من فوره للجبهة البحرية ليحضر العرض النهائي للمهرجان. كان مكررا مثل السنوات السابقة، استعراض ألعاب نارية عند نهاية المرفأ. لقد شاهد الاستعراض ربما عشرة أو اثنتي عشرة مرة، بعدد سنوات عمر المهرجان. أول مرة كان مراهقا، وطالبا بالمدرسة. كانت حياته في بداية مشوارها. وورد في ذهنه خاطر: أنه وقف يوم ذاك بمواجهة منعطف حاسم، وأنه في أي يوم - أو في أية دقيقة - يمكن للانتظار أن ينتهي وتبدأ الأمور الحقيقية المعقدة.

في نهاية الشاطئ أغلق سترته حتى ذقنه. كان المكان مزدحما ومصابيح الشارع مضاءة وتلقي نورا رماديا على الرمال والبحر. تابعت العائلات طريقها على الشاطئ مع عربات الأطفال وهم يتجادلون ويضحكون. والأبواط تطرق الرصيف، بأصوات مثل جرس يدق، ولكنها عشوائية وغير مترابطة. وجلس المراهقون على السلالم، يشربون ويضحكون من عروض الفيديو. وهناك من وضع اللاسلكي على أذنيه وهو يتجول.  نظر إيدان بهاتفه، وتساءل إن كان ديكلان موجودا، أو ريشي أو أي فرد آخر من الزملاء، ولكن لم يشاهد أثرا لأحد من جماعة التواصل. أصبح الطقس باردا مجددا. فأخفى هاتفه وفرك يديه. وحينما انتبه إلى بولين كانت تتقدم باتجاهه، بمعنى أنها من شاهدته أولا. وكانت ترتدي سترة صوفية فضفاضة وصلت لركبيتها. وشدت شعرها من جبينها للخلف بواسطة شريط كالسابق.

قالت له: لديك إذا أيام للاستراحة.

قال: بالواقع انتهت النوبة بالتو. والعطلة غدا.

هل بمقدوري مراقبة الألعاب النارية برفقتك أم أنك مشغول مع إنسان آخر؟.

وتأثر بسؤالها فورا. وفكر به، ورأى فيه زوايا إيجابية إضافية.

قال: لا. أنا بمفردي. يمكننا أن نكون معا. بكل امتنان. فوقفت بجواره وفركت ذراعها بحركات توحي بالبرد. نظر إليها وتساءل هل هذا الأداء يستدعي منه استجابة خاصة.

قالت: آسفة لأنني كنت مضطربة تلك الليلة. متى حصل ذلك؟. الأسبوع الماضي أم ماذا. وأعتقد أن ديكلان شعر بالامتعاض مني.

هل امتعض منك؟.

هل أخبرك بشيء عن ذلك؟.

قال إيدان: أنا. لا. نحن لا نتبادل الكلام حول أمور شخصية. وانطفأت الأنوار المرتفعة وحل الظلام على الشاطئ. ولم يتوقف الناس عن التجول من حولهم. كانوا يتبادلون الكلام ويتعانقون أو يحملون هواتفهم والمشاعل الملتهبة، وفي نهاية المرفأ بدأت الألعاب النارية. انطلقت للأعلى خطوط من شرارات ذهبية وبلغت عنان السماء وانتهت بنقاط ملونة: في البداية وردية، ثم زرقاء، ثم وردية مجددا، وألقت ضوءها المخدر للحظة عابرة على الرمال والمياه. وتبع ذلك صوت صفير خافت مثل التنفس، وفوقهم في السماء، كانت تنفجر بلون زهور حمر، وصفر، ثم خضر، مخلفة وراءها مسننات ذهبية ناعمة. بع ذلك انفجرت الألعاب النارية، أولا بلونها الصامت والمضيء، أعقبها صوت فرقعات: فرقعة عالية مثل شيء ينكسر، أو زئير منخفض وعميق يتغلغل في الصدور، وحينها أمكن إيدان أن يرى المقذوفات الصغيرة تطير عاليا للسماء من المرفأ، ويصاحبها الفحيح، وكانت في البداية غير مرئية تقريبا، ثم تنفجر للخارج وتتحول لشظايا مضيئة. وكانت تلمع مثل البكسيل، بلون أبيض براق يخفت بالتدريج للون أصفر ثم ذهبي وأخيرا ذهبي داكن قبل أن يصبح أسود. وكان أجمل لون هو الذهبي الداكن الذي سبق الأسود: بلون الجمر، لكنه أعمق من الفحم المشتعل. وفي النهاية حينما أصبحت في القبة السماوية تعين عليهم أن يمدوا رقابهم لرؤية المشهد كله، ثلاثة شهب صفر مخدرة، غطت السماء، والتهمت الظلمة المخيمة عليها. ثم انتهى كل شيء. واشتعلت أنوار الشارع ثانية.

وكانت بصحبته بولين تفرك وجهها وأنفها بيديها. البرد مجددا. وأدرك إيدان بشكل مبهم أن أشياء كثيرة تعتمد الآن على انطباعات بولين حول هذه الألعاب: هل استمتعت بها - إن لم تعجبها، ولو اعتقدت أنها مضجرة، فهو لن يكتفي بالامتناع عن حضور المهرجان، وإنما أيضا بالمثل لن يشعر بالرضا لمرآها، وسيموت في قلبه إحساس طيب وجميل لازمه في الفترة المنصرمة.

لم ينطق بكلمة. واستدارا للخلف مثل البقية وابتعدا عن الشاطئ. كان من الممكن أن يسيرا بسرعة واحدة، سرعة الحشود، وكانت تبدو بطيئة ومتعبة بالنسبة لحركة أي إنسان. بهذه الخطوات تابع إيدان الاصطدام بالآخرين، وكان الأطفال ينطلقون بسرعة غير متوقعة أمامه، وخلفهم العربات والمقاعد المتحركة. ويتركونه وراءهم إلا بولين استمرت بجانبه، وفي نهاية الرصيف سألته هل سيرافقها للبيت. قال: بالتأكيد.

كانت تقيم في أحد البيوت عند جبهة النهر. وكان يعرف المكان، وهو مكان كل بيوت الاستجمام، له جدران زجاجية تقابل المحيط. وخلال المشوار، أصبح الزحام وراءهم. وعندما وصل إلى مكان إقامتها، كانا وحدهما فقط والصمت يطبق عليهما. كانت هناك أشياء كثيرة لا يعرفها عن بولين - الكثير، وألح عليه على نحو مدهش ومختلف وغريب أنه يجب أن يفهمها - ولكن من المستحيل أن يبدأ بطرح الأسئلة دون سبب. فهو لا يعرف كنيتها، ولا مسقط رأسها، وماذا تفعل في أيامها ولياليها، ومن هي عائلتها. وهو لا يعرف عمرها. ولا كيف تعرفت على ديكلان، ولا درجة عمق هذا التعارف.

ثم قال إيدان: لمعلوماتك، إضافة لكلامنا السابق في تلك الليلة، في الواقع شاركت السرير مع إحدى النزيلات لليلة واحدة. ولن أعترف بذلك لديكلان، لأنه لا يؤيد مثل هذه العلاقات.

خطفت عينا بولين منه نظرة وسألته: ومن هي تلك النزيلة؟.

لا أعرف. امرأة وحيدة. كانت أكبر منك قليلا، ربما في الثلاثينات من عمرها.

وهل كانت ليلة طيبة؟ أم سيئة؟.

قال إيدان: لم تكن عظيمة. هذا لا يعني أن الولوج كان غير مريح، ولكن إحساسي به لم يكن مطمئنا. كان تصرفا طائشا.

لكن استمتعت بالجنس.

لا بأس. أعني بالتأكيد كان ممتعا. إنما لا أتذكره الآن. في حينها اعتقدت ربما هي متزوجة. ولكن لا أعلم على وجه اليقين - فكرت بذلك في حينه فقط.

قالت بولين: ولماذا شاركتها السرير؟.

صمت لدقيقة. ثم قال: لا أعلم. كنت آمل أن لا تستفسري عن التفاصيل.

ماذا تعني؟.

يبدو عليك التفهم لهذه العلاقات. ولكن سؤالك الأخير جعلني أشعر كأنني قمت بعمل غريب وغير مستحسن.

توقفت بمكانها ووضعت يدها على عمود إحدى البوابات، ولا بد أنها بوابة بيتها. وتوقف مثلها. كان وراءها بيت واسع بنوافذ كبيرة، مفصولة عن الشارع بحديقة، وكانت الأنوار مطفأة.

قالت: لا أعتقد أنه عمل غير مستحسن. كانت لدي علاقة مع صديق متزوج. وكنت أعرف زوجته - معرفة خفيفة، ولكن أعرفها. وأنا لا أسأل لماذا فعلتها لأنني أعتقد أنه من المحزن أن تنام مع إنسانة متزوجة. أفترض أنني سألت نفسي لماذا نقوم بتصرفات لا نقر بها؟. وأعتقد أن لديك الجواب، ولا بأس إن لم يكن عندك تبرير. أنا مشاعري غامضة بهذا الخصوص.

جيد. حسنا، هذا يحسن من حالتي النفسية. ليس لأنني مسرور لأنك غير واضحة، ولكن أشعر بالإطمئنان لأنني لست وحدي بهذا الموقف.

هل أنت بحالة نفسية مضطربة الآن؟.

قال: لا. الآن يسعدني أن أقول إنني بلا أي موقف محدد. أشعر كأن حياتي لا تتطور بشكل طبيعي. وأعتقد لو سقطت جثة هامدة لن يهتم أحد بي سوى الشخص الذي سيكلفونه بتغطية نوبتي في العمل. ولن ينتابه الحزن لموتي، بل الانزعاج من عناء العمل الإضافي.

قطبت بولين ملامحها. وفركت حديد البوابة بيدها كأنها تفكر. وقالت: حسنا، لست أعاني من هذه المشكلة. في حالتي أعتقد ستقع تطورات كثيرة. الآن أرى أن كل من قابلتهم يريدون شيئا مني. وأشعر لو أنني سقطت ميتة سيقطعون جسمي إربا إربا ويبيعونه في المزاد.

تقصدين أولئك الذين كنت معهم، في الفندق.

ضحكت. وحكت ذراعها مجددا. وسألته: هل يريد أن يرافقها إلى داخل بيتها، فقال نعم.

كان البيت واسعا، ومع أنه مفروش يبدو فارغا بشكل غريب. فالسقف مرتفع وبعيد عن متناول الأيدي. تركت بولين المفاتيح على طاولة في الممر وتقدمت في أرجاء البيت لتشعل الأنوار بنمط عشوائي. وبلغا غرفة المعيشة فجلست على كنبة خضراء عملاقة تحتل زاوية، وكانت مسطحة مثل السرير، ولكن الوسائد موزعة في الخلف. ولم يجد جهاز تلفزيون وهناك رفوف خاوية تماما. جلس على الكنبة ولكن بعيدا عنها.

قال: هل تعيشين هنا بمفردك؟.

نظرت حولها بطفولية، كما لو أنها لم تفهم ماذا يقصد بـ “هنا”. وقالت: آه. حسنا. فقط حاليا.

كم سنة تعني كلمة حاليا؟.

دائما الناس تسأل أسئلة من هذا النوع. وهي غير ضرورية. الجميع يريد أن يعرف ماذا أفعل وكم مضى علي وأنا هكذا. وأحب أن أكون وحدي فعلا لبعض الوقت وأن لا يعرف أحد أين أنا أو متى سأعود. ربما لن أعود أبدا.

نهضت من الكنبة وسألت: إن كان يرغب بشراب. وكانت قد تحررت من تأثير كلامها السابق، عن حب الانزواء، وعدم الرغبة بالعودة. وبدا له ذلك مثل مجاز. لكنه نفض كتفيه بغير اهتمام.

قالت: عندي زجاجة ويسكي. ولا أريد أن تفهم أنني مدمنة. أحدهم قدمها هدية لي - لم أشتريها بنفسي. هل ترغب بنصف كأس، وسأشاركك بنصف مثله؟. إن كنت لا تريد لن أشرب بدوري.

قال: ولم لا. سأشرب كأسا.

غادرت الغرفة، ليس من الباب، ولكن من قوس مفتوح. كان البيت مفتوحا وممدودا على نحو يدفع الإنسان للقلق. ولذلك لم يكن بوسعه أن يدرك أين ذهبت وكم يبعد مكانها. فقال بصوت مسموع: إن كنت تريدين أن تنفردي بنفسك أنا مستعد للانصراف.

ظهرت تحت القوس فورا وقالت: ماذا؟.

كرر قوله: إن أردت الانفراد بنفسك كما أخبرتيني منذ قليل لا يسعني التطفل على حياتك.

قالت: آه، كان كلامي ... فلسفيا. هل كنت تهتم له؟. هذه أول أخطائك. كل ما أقوله لا معنى له. أخوك يعرف كيف يتصرف معي. هو لا يسمع ولا يهتم. سأعود بعد ثانية.

واختفت مجددا. ماذا يعني أن “ديكلان يعرف كيف يتعامل مع ” بولين؟. هل على إيدان أن يسأل؟. ربما هذه فرصته ليستفسر. ثم عادت وبيديها كأسا ويسكي امتلآ لمنتصف المسافة. قدمت له واحدا. ثم جلست على الكنبة قربه، أقرب من السابق بقليل. ولكن دون تلامس. رشفا من الويسكي.   لم يكن إيدان يشربه طوعا، لكن كان مذاقه مقبولا.

قالت بولين: أنا آسفة من أجل أمك. أخبرني ديكلان أنها توفيت.

نعم. شكرا لعاطفتك.

صمتا. رشف إيدان مجددا. رشفة أكبر. ثم قال: أنت تقابلين ديكلان كثيرا، أليس كذلك؟.

هو صديق بالسيارة فقط. أقصد هو الصديق الوحيد الذي يمتلك سيارة. وهو لطيف، ودائما يقودني بجولات عامة. وعادة يتجاهل سخافاتي. وأعتقد أنه يعتبرني امرأة مزعجة. ولم يعجبه في تلك الليلة الأسئلة الفظة التي وجهتها لك. ولكنك أخوه الأصغر - ويعتقد أنك بريء جدا.

وانتبه إيدان بشكل خاص لحقيقة أنها استعملت كلمة “صديق” أكثر من مرة لتشير إلى ديكلان. وشعر أن للكلمة معنى واحدا فقط - وارتاح لهذه النتيجة.

رد بقوله: هل يعتقد هذا؟. أنا لا أعرف طبيعة أفكاره عني.

قالت بولين: أخبرني أنه لا يعرف إن كنت شاذا أم عاديا.

آه، حسنا، كما أخبرتك، أنا لا أتبادل الكلام معه حول الخصوصيات.

لم ترافق امرأة لبيتك على الإطلاق؟.

قال إيدان: ها أنا أمامك هنا. وهو أخبرك كل شيء عني لكن أنا لا أعرف شيئا واحدا عنك.

ابتسمت. كانت أسنانها بيضاء تماما ومتناسقة، لها مظهر رومنسي، مع ظل أزرق تقريبا. قالت: ماذا تريد أن تعرف؟.

حسنا، ينتابني الفضول لأعرف ماذا أتى بك لتعيشي هنا. لا أعتقد أنك من هذه المنطقة.

هل هذا كل ما يقلقك؟. يا للمأساة. بدأت أعتقد أنك فعلا بمنتهى البراءة.

قال إيدان: هذا ليس مقبولا منك.

جرحها رده، وحدقت بكأسها لدقيقة، وقالت بحزن: لست مضطرا لتعتبر أنني إنسانة مقبولة.

ولم يجد ردا مناسبا على قولها. والحقيقة أنه لم يكن يتصورها شخصية لطيفة ومقبولة. اللطافة برأيه مجرد مقياس عام يتطلب من الناس التحلي به.

وضعت كأسها الفارغة من يدها على طاولة المكتب وعادت للكنبة وجلست عليها. وقالت: حياتك ليست مضطربة كما قد تعتقد.

رد قائلا: حسنا. ولا حياتك.

كيف لك أن تعلم على وجه اليقين؟.

قال إيدان: الجميع يريدون أن تهتمي بهم، وماذا بعد؟. لو شعرت بالبغضاء بمقدورك التحرر من القيود في أي مكان - ماذا يمنعك من الشيطنة؟.

أمالت رأسها لأحد الطرفين، ووضعت يدها بنعومة تحت ذقنها، وقالت: هل تقصد أن أبتعد لبلدة نائية على البحر؟. وأعيش حياة هادئة - ربما أستقر مع ابن بلد يعمل بجد ونشاط ليكسب قوت يومه. هل هذا كل ما يدور في رأسك؟.

آه. اللعنة.

أطلقت ضحكة عصبية خفيفة ومنغمة.

فأضاف: أنا لا أطلب منك أي شيء.

ماذا تفعل هنا معي إذا؟.

وضع كأسه من يده. وقال: أنت من وجهت لي الدعوة. وتذكري أنك اقترحت أن نشاهد الألعاب النارية معا. ثم طلبت مني مرافقتك للمنزل سيرا على الأقدام، وفي النهاية دعوتني للدخول. فهل أنا الرجل الذي يقحم نفسه على حياتك الخاصة؟. لم أطلب منك أي شيء.

وفكرت بأقواله بتجلد وصبر. وفي النهاية قالت: حسبت أنك معجب بي.

ما معنى ذلك؟. هل إعجابي بك أمر يسيء لسمعتي؟.

ردت كأنها لم تسمع قوله: وأنا معجبة بك.

وشعر بالاضطراب يعصف به بعد هذا الجدل. اضطراب وصل لدرجة اليأس الشامل. وقال: جيد. اسمعي. يجب الآن أن أنصرف.

كما تشاء.

وفجعه الشعور بهذا الفراق - فراق طلبه شخصيا ثم وضع نفسه تحت رحمته - مثل محنة عظيمة، تقريبا ألم محسوس. ولم يمكنه أن يقتنع تماما أنه سيحتمل ذلك، ووقف بقامته أمام الكنبة والتفت ليتوجه نحو الباب الذي جاء منه. لماذا كل شيء يأخذ منعطفا غريبا الآن؟. في أية نقطة بدأت علاقته ببولين تعتدي على القواعد الطبيعية للتواصل الاجتماعي؟. كانت عادية. أم هل كانت عادية فعلا؟. حتى الآن لا يعلم هل هي فتاة أخيه التي تشاركه السرير.

لم تنهض عن الكنبة لتودعه. وتوجب عليه أن يشق طريقه نصف المضاء، عبر البيت الموحش وحده، وهو يتعثر في الممر المعتم ثم فجأة من خلال غرفة الطعام المشعة بأضواء تعمي البصر، حتى بلغ الباب الأمامي. لماذا تكلمت معه بتلك الطريقة، عن الاستقرار برفقة “شاب محلي لطيف”؟. لا بد أنها حاولت استفزازه. لكن لماذا؟. فهي لا تعرف شيئا عن حياته الشخصية. ولكن لماذا يفكر بها إذا؟. في هذه اللحظة وهو يمد يده لباب بيت بولين الأمامي، بزجاجه اللماع العاكس للإضاءة، لاحظ خيال وجهه غير الواضح، شعر إيدان بهذه الأسئلة وهي تبحث عن جواب غير جاهز في ذهنه.

*

بعد عدة أسابيع وهو في الغرفة الخلفية يبحث عن محول أوروبي للطاقة من أجل أحد نزلاء الطابق العلوي جاءت ليديا وأخبرته أن شخصا بانتظاره في غرفة الاستقبال.

قال: وماذا يريد؟.

قالت ليديا: يريدك أنت. إنهم يطلبونك.

أغلق إيدان الدرج السحاب الذي يحتفظ فيه بمختلف أنواع المحولات الخاصة بالفندق، وكما لو أنه يمر بحلم أو يخرج من لعبة فيديو، وأصبحت تصرفاته تحت تأثير نوع من أنواع الذكاء الفائق. فوقف على قدميه وتبع ليديا وغادر الغرفة الخلفية برفقتها، واتجه للمكتب الأمامي. وحتى قبل أن يرى بولين أو يسمعها كان يعلم أنها من تنتظره هناك. وتأكد من ذلك. كانت ترتدي ثوبا يبدو أنه من قماش ناعم ومرتفع الثمن. وبرفقتها رجل أكبر بالعمر وذراعه حول خصرها. وانتبه إيدان لكل ذلك دون مشاعر خاصة. كانت صورة بولين في ذهنه مضطربة أساسا وغامضة. وحينما رآها أمامه لم يكن وضعها يدل على أي شيء إضافي أو جديد حقا.

قال إيدان: حسنا. كيف يمكنني مساعدتك؟.

قال الرجل: نريد حجرة.

ولمست بولين أنفها بطرف أصابعها. وربت الرجل على ذراعها، وقال: أنت تزيدين الوضع سوءا. انظري. سينزف مجددا.

قالت: ولكنه ينزف.

كان يبدو من صوتها أنها مخمورة. واستطاع إيدان أن يلاحظ أن أصابعها ملوثة بالدم حينما أبعدتها عن وجهها. انحنى على الكومبيوتر المركون على الطاولة ولكنه لم يفتح صفحة حجز الغرف مباشرة. بلع وتظاهر أنه ينقر شيئا ما، في الواقع نقر لا على التعيين. هل كانت ليديا تراقبه؟. فهي قرب الطاولة، على يمينه قليلا، و لم يتمكن من التأكيد أنها تنظر.

قال إيدان: كم ليلة؟.

قال الرجل: واحدة. هذه الليلة.

قالت بولين: لن يكون لديهم أي شيء محترم لهذه الفترة القصيرة.

قال الرجل: حسنا. لنر إذا.

قالت له: لو أخبرتني بقدومك لرتبت نفسي.

قال الرجل: تمالكي نفسك رجاء.

بلع إيدان ثانية. وبدأت موجة من المشاعر تنتفض في داخل رأسه، مثل صوت ضغط زر الإضاءة، إشعال وإطفاء. حرك الماوس حول الشاشة بتكبر ثم، على نحو مفاجئ، تظاهر أنه يطبع شيئا مع أنه لم يفتح لوحة المفاتيح على الشاشة. وتأكد له أن ليديا تراقبه. وأخيرا ابتعد عن الكومبيوتر ونظر للرجل.

قال: كلا. آسف. ليس لدينا غرف شاغرة الليلة.

نظر له الرجل. وكذلك فعلت ليديا. سأله الرجل: ليس لديكم غرف؟. هل كل الغرف محجوزة في الفندق؟. في وسط نيسان؟.

قالت بولين: أخبرتك سلفا.

قال إيدان: آسف. يمكننا تقديم غرفة في الأسبوع القادم إن أحببت.

وفتح الرجل فمه كأنه يضحك، ولكن لم تصدر ضحكة عنه. وأبعد ذراعه عن خصر بولين، ورفعها بالفراغ، وسمح لها بالهبوط إلى جانبه. كان إيدان حريصا أن لا ينظر لبولين أو ليديا أبدا.

كرر الرجل: لا توجد غرف. كلها محجوزة. وهذا فندق.

قال إيدان: آسف لا يمكنني مساعدتك.

نظر الرجل لبولين. فقالت: حسنا، ماذا تريد مني أن أفعل؟.

وبردة فعل منه رفع الرجل ذراعه مجددا وأشار إلى إيدان. وقال: هل هذا من تنامين معه في السرير؟.

قالت بولين: آه، لا تكن أحمق. هل ستصاب بالبارانويا الآن بعد كل ما حصل؟.

قال الرجل: ولكنك تعرفينه. فقد سألت عنه.

هزت بولين رأسها، ولمست أنفها بنعومة، وابتسمت ابتسامة اعتذار خاطفة وجهتها لإيدان وليديا من وراء الطاولة. وقالت: آسفة. سنغادر حالا. هل يمكن أن تطلب لنا سيارتي أجرة؟. سأكون ممتنة لذلك حقا.

قال الرجل: آه. ألا يمكننا تشارك سيارة أجرة؟.

ردت بولين ببرود: لا. سنذهب باتجاهين متعاكسين.

قال الرجل بصوت خافت مع ابتسامة جمدت على وجهه: لا أصدقك. لا أصدقك.

ثم استدار وتوجه نحو الباب المزدوج لمدخل الفندق. تناولت ليديا الهاتف لتستدعي سيارة أجرة من الشركة. وحملت بولين قلم الفندق من الطاولة دون أي تبدل بهيئتها، وسجلت شيئا، ثم مزقت الورقة من الدفتر. وأخرجت بعض النقود، وطوتها داخل الورقة، ودفعتها بكل هدوء نحو إيدان على الطاولة. ثم ابتسمت وقالت وهي تنظر إلى ليديا فقط: شكرا جزيلا. وانصرفت، وخرجت بعد الرجل من الباب المزدوج.

وبعد أن تأرجح الباب وأغلق نفسه، كانت ليديا لا تزال قرب الهاتف. جلس إيدان وتأمل الفراغ الممدود أمامه. وسمع ليديا تقول مع السلامة، ثم سمع الصوت الخفيف للسماعة وهي تهبط على الحامل. واستمر بجلوسه دون حراك. ومدت ليديا يدها إلى الورقة المرمية على الطاولة ودفعتها باتجاه إيدان بطرف القلم، كما لو أنها لا تريد أن تلمسها. ثم قالت: تركت هذه الورقة لك.

لا أريدها.

واستعملت ليديا القلم لتفتح الرسالة.

قالت: فيها مائة يورو.

قال: حسنا. احتفظي بها لنفسك.

ولم تنطق ليديا بكلمة لعدة لحظات. واستمر إيدان بجلوسه وهو ينظر بلا هدف أمامه. 

قالت ليديا كأنها عزمت رأيها: سأضيفها إلى البقاشيش. وتوجد رسالة لك أيضا. ألا تريدها كذلك؟. أعتقد أنها تشكرك بها فحسب.

قال: أهمليها. أو بالحقيقة هاتيها.

قدمتها ليديا له. ودون أن ينظر إليها، أودعها في جيبه. ثم نهض من الكرسي وعاد للغرفة الخلفية ليواصل البحث عن محول طاقة للنزيل الموجود في الأعلى. و بعد ذلك لم يقابل بولين مجددا، فقد غادرت المدينة بغضون أيام قليلة.

2019

***

........................

سالي روني   Sally Rooney كاتبة إيرلندية معاصرة. من أهم أعمالها: أناس عاديون، الثرثرة مع الأصدقاء. والترجمة عن “أفضل القصص القصيرة لعام 2021: الفائزون بجائزة أو هنري”. تحرير شيماماندا نغوزي أديشي. محرر السلسلة: جيني مينتون كويغلي. أنكور بوكس. 2021

 

 

2431 لويز غليكترجمة: عادل صالح الزبيدي


 الهجرات الليلية

هذه هي اللحظة التي ترون فيها مجددا

الثمر الأحمر لشجرة الدردار الجبلية

وفي السماء المظلمة

هجرات الطيور الليلية.

 

يحزنني التفكير

في أن الأموات لن يروها—

هذه الأشياء التي نعتمد عليها،

انها تختفي.

 

ما الذي ستفعله الروح لعزائها حينها؟

أقول لنفسي إنها ربما لن تحتاج

الى هذه الملذات بعد الآن؛

ربما مجرد عدم الوجود هو ببساطة كاف،

ولو ان من الصعب تخيل ذلك.

***

................

شاعرة أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1943. تلقت تعليمها في كلية سارة لورنس وجامعة كولومبيا. شغلت غليك منصب شاعر الولايات المتحدة  للفترة 2003-2004 ونالت أعمالها جوائز عديدة توجت أخيرا بفوزها بجائزة نوبل لعام 2020. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (منزل الهور) 1975؛ (انتصار اخيل) 1990؛ (السوسنة البرية) 992؛ (الحياة الجديدة) 1999؛ (بوابة الجحيم) 2006؛ و(حياة قروية) 2009.

 

 

2432 murrayترجمة صالح الرزوق

خفت حدة حرارة الصيف، واجتمعت نساء القرية بحلقات صغيرة في الساحة بين الأكواخ الخشبية، وأصبح الجميع محاصرا بغابة خضراء معشوشبة ويكثر فيها الكتان.  انشغلت بعض النساء بحياكة أقمشة خشنة من الكتان وألياف مختلفة، والبقية انشغلن بتحويل جلود الحيوانات إلى أثواب وسجاجيد. بعض الرجال أعادوا إغلاق الأكواخ، ومن تبقى كانوا يبحثون عن أغصان متساقطة بعيدا من أجل الوقود. وجلست جماعة من أربع نساء، بسيقان متقاطعة، لغزل خيوط الكتان. نظرت راشيل، امرأة قصيرة بالعشرينات، بشعر أسود وعينين كتيمتين بنيتين، إلى الأعلى وسألت بهدوء صديقاتها، هل لاحظن أي تبدل واضح بحياتهن في الشهور الماضية. هل تبدل شيء مع دورة القمر؟.هز البقية رؤوسهن. 

فقالت:“لست متيقنة إن كنت أتخيل ذلك. لكن يبدو أن ناتان تبدل قليلا. هو إنسان طيب ومحب مخلص، ولكن يبدو مختلفا قليلا. كان دائما حريصا، والآن يفرط بالحرص”. نظر البقية إلى الأعلى، ولكنها أشارت لهن لمتابعة العمل والاستماع دون أن يكلفوا أنفسهن عناء النظر. وتابعت تقول:”كان دائما جيدا في ممارسة الحب حتى أبلغ الذروة. ولا يزال كذلك. ولا يوجد من هو أفضل منه بهذا الخصوص”. وصمتت وسمحت لعينيها بالتقاط نظرة مما حولها دون أن تحرك رأسها. وبدا أن بقية النساء الثلاثة على وشك الكلام. لكنها رفعت يدها قليلا نحو ديبورا الجالسة على يمينها. فترنحت للأمام والخلف وقالت:” ما دام الموضوع أصبح مفتوحا.  وجد زاك أيضا عدة أساليب ناجعة للتعامل مع مناطقي الحساسة. يا إلهي!. لم أتصور أنني قادرة على الكلام عن أشياء حميمة جدا. أنتن من فتح هذا الباب فأطلقت لنفسي العنان”.

وأشارت ليه التي لها هيئة تمثال وقالت:”نعم، الأشياء الصغيرة، الأشياء الجميلة التي تدفعني لأتفتح مثل وردة ملونة، كما لو أنني إنسانة خاصة حقا. ولكن الآن أعتقد أن جيديون ليس كالسابق. لم يكن جيديون فنانا بهذا الشكل”.

والتفتت كل العيون نحو هانا المليئة. اشتعلت عيناها وانتشر لون أحمر على كل وجهها. ونكست نظرتها. وقالت:”هذا شيء طبيعي. وليس عليكن أن تتسترن عليه”.  ثم تنهدت ونظرت للأعلى مع ابتسامة ناعسة وأومأت بقوة وقالت:”نعم هذا صحيح. ولكنه مدعاة للتعجب قليلا”.

قالت راشيل بدماثة:”بدأنا نتعلم من أنفسنا، ولكن لا يمكنني الادعاء أننا نعرف الحقيقة بعد. ولدي إحساس أن هناك خطأ ما. وهذا بالنسبة لنا. لكن ماذا عن بقية نساء القرية؟ هل لاحظن شيئا طارئا”.

قالت ديبورا:”أفهمك. أنت تعتقدين أنه علينا أن نسأل الأخريات بشكل غير مباشر عن أي تغيير على العلاقات الحميمة”.

أكدت راشيل قائلة:”بالضبط. يبدو من المستغرب قليلا أن رجالنا لم يكونوا في السابق ماكرين معنا لهذه الدرجة. لم نشعر بالرضا من قبل مثل الآن”. ردت ديبورا:”وما معنى هذا برأيك؟”. 

“لا أعرف بعد. دعينا نتبادل الرأي لنتأكد أن الحالة ظاهرة عامة”.

“نعم”.

“في كل الأحوال احرصي أن لا يتسرب شيء من كلامنا للرجال. هذا أفضل. لا نريد أي فم ثرثار أو إشاعات. اخفضي صوتك قدر المستطاع”.

***

في بواكير ما بعد الظهيرة تبدل الطقس في البلدة. وهبت من الجنوب ريح حارة وجافة ليس هذا وقتها. حملت الغبار من الأرض. والتصقت الأوساخ بالجلد المتعرق. وتورمت زوايا العيون. وغطى الغبار مقلة العينين، وجفت الخياشيم ويبست، وزادت كثافة اللعاب في البلعوم. وتجمع العرق تحت الآباط، وتحت الثديين وفي بقية الغضون والتجاعيد. كانت خطوات راشيل غير متساوية. فلحقت بها ديبورا حينما كانت بالطريق لكوخها، ولمست ذراعها. التفتت راشيل. وتمتمت ديبورا تقول:”هل بمقدورنا أن نتكلم؟”.

“طبعا. من الأفضل أن لا نتكلم في أماكن عامة. يمكننا أن نتابع إلى بيتينا ومن هناك نواصل على طول الممر لمكان الاستحمام”. صمتت قليلا وأضافت:”الطقس مناسب للمسير، والطريق مظلل تقريبا، والهواء أبرد بين الأشجار وفي الغابات”.

ردت ديبورا:”من الأفضل أن نكون بين الأشجار دائما. وربما نغتسل من الغبار والعرق حينما نصل إلى هناك، أو نسبح في البركة العميقة عند الجدار الحجري في الطرف الثاني من الجدول”.

“نعم. هذه فكرة جيدة”.

وتقدمتا بصمت بين الأكواخ المتقابلة واختارتا الممر الرملي لتصلا إلى مكان الاستحمام.

سألتها ديبورا:”هل لديك أخبار مؤكدة عن أولويات الرجال. أود أن أكون متيقنة وأن لا أتسرع بأي شيء”.

“ولكن هل هناك شيء آخر؟”.

“إذا جد جديد يجب أن نعلم به”.

“لعله شيء خطير؟ أقصد خطير جدا. هل بمقدورك أن تخبريني؟. لقد حركت أشجاني”.

وضعت راشيل ذراعها على كتفي ديبورا وقالت:”نعم، بمقدوري ذلك. أنا واثقة من تكتمك”.

“إذا ماذا يجري برأيك؟”.

“لدي عدة أفكار مزعجة. واستشارتك بها قد يساعد في حلها”.

“أنطقيها إذا”.

“سأفعل. ولكن تذكري أنني لست مرتاحة لها. وربما هي غير صحيحة. واحذري قد تبدو لمسامعك سخيفة حين أخبرك بها”.

أومأت ديبورا ووضعت يدها على كتف راشيل القريب منها وقالت:”أفكاري تذهب باتجاه جنوني الآن. وناثان يبدو بنظري مختلفا عما قبل. وصلت لذلك بعد عدة مناسبات غرامية. يبدو لي أن عوده أصلب. وهو شيء لا أعترض عليه.  لقد أصبح ممتعا حقا. المشكلة أن هذا ليس أسلوب ناثان، أو على الأقل لم يكن كذلك. فهو الآن يباشرني بطريقة ألطف قليلا، وأبطأ، وأحيانا أتمنى لو أستعيد ناثان السابق”.

“وهل من دليل على أقوالك؟”.

“كلا. لا يوجد. تقريبا أصبح مختلفا تماما. وهذا شيء مرعب. كما لو أنه غريب عني. كأنه يبالغ ودائما أشعر بالإنهاك. هل تفهمينني؟”.

“هذا شيء متوقع وممكن. ولكن لم أفكر به بطريقتك. مع ذلك كأنه يؤثر بأحاسيسنا المختلفة. أعتقد أنه يشبه الاغتصاب”.

“بالضبط. أنا أتفق معك. لقد مرت على ذلك عدة دورات قمرية”.

وبلغت المرأتان الماء ووصلتهما رائحة الماء الخفيفة المختلطة بعبير الزهور البرية. وكان الهواء راكدا وباردا. وارتفعت روحاهما لمرأى الانعكاسات. وتخلصتا من ثيابهما، وتركتاها عند الحافة ووضعتا عليها حجرة حتى لا تنجرف، ودخلتا في المياه، وتابعتا حتى المياه العميقة عند الجدار الحجري. وبعد ذلك غاصتا في الماء. وسبحتا حتى طهرتا نفسيهما، ثم تبادلتا الكلام وهما ظهرا لظهر، وخرجتا عن صمتهما الذي يقطعه خرير الماء.

قالت ديبورا متعجبة:”نعم، أنا أفهمك. مع أنها فكرة مخيفة. ولكن لم تخطر لي. أنا أشعر بذلك الآن. من المخيف أن نكون على علاقة قوية بأغراب، أغراب شريرين ويتركون نطافهم في أرحامنا. ماذا جرى لرجالنا؟. لو صح ذلك أين ذهبوا؟. هذا شيء جنوني فعلا”.

وتبدل المزاج لهذه الفكرة. واقتربتا من الحافة بعدة ضربات من الذراعين، وغسلتا ثيابهما ثم نفضت كل منهما ملابسها بالحجرة، وبعد أن عصرتاها قامتا بنشرها على الأشجار لتجف بالهواء الحار.

سألت ديبورا:”وماذا الآن؟”. قالت راشيل:”لا يمكننا أن نتصرف حتى نتأكد. نحتاج لعدة أيام إضافية. وهذا سيوضح حقيقة الموضوع. وحتى ذلك الحين علينا أن نصبر ونتظاهر أن كل شيء على ما يرام”.

“كم مضى عليك مع هذه الأفكار؟. ولا سيما أثناء ممارسة الحب؟”.

“هذا أحد الأسباب التي تدعوني لعدم إقلاق الأخريات. لو أن هؤلاء الرجال متنكرون، وهم من قتل أزواجنا الحقيقيين، فهم بمنتهى الخطورة. أنا خائفة يا ديب. ليس علينا فقط ولكن على أولادنا”. 

ارتديتا الملابس التي لم تجف تماما، وعادتا من نفس الممر المغبر.  كانت الشمس منخفضة، ولكن استمرت الحرارة تخنقهما ببربرية.

***

بعد سبعة أيام ترافقت أربع صديقات نحو بقعة الاستحمام. اثنتان معا، واثنتان على انفراد. وجلسن على الشاطئ المغطى بالحصى ووجوههن للداخل.

سألت راشيل:”عن ماذا أسفرت تحرياتنا؟. هل لديك شيء يا ديب؟”.

“نعم. تكلمت مع خمس عشرة امرأة، على انفراد أو بأزواج أو بمجموعات من ثلاث. كانت الاستجابة أفضل مع الجماعات. اثنتا عشرة منهن أكدن ملاحظة التغير”. التقطت أنفاسها وتابعت:”من الأفضل أن أبدأـ مما وصلت له”.

سألت راشيل:”هل تتذكرين من هن؟- اللواتي لاحظن التبدل”.

“بالتأكيد”.

“وأنت يا ليه؟”.

“نفس الشيء. اثنتا عشرة من ثمانية عشرة. وأعرف من لاحظت شيئا”.

“هانا؟”.

“ليس كثيرات. تسعة من اثنتي عشرة”. 

“وهل تتذكرين من؟”.

أومأت هانا عدة مرات. وقالت راشيل:” سبعة عشرة من واحدة وعشرين في حالتي”.

وبعد عدة دقائق تابعت تقول:”أعتقد يكفي أن أقول إننا متأكدات من حدوث شيء ما. والنتائج تختلف بين المجموعات التي تحريناها. ولكن يبدو أن أكثر من نصف عدد النساء شهدن الحالة”.

ووافقت الأخريات بإيماءة. 

تابعت راشيل تقول:”ما معنى ذلك؟. لقد تبادلت الرأي مع راشيل. ولكن من الأفضل لو استمعنا لرأيكن أولا”.

دخلت هانا بالحوار وقالت:”جميعكن تعلمن جيدا أنني استمتعت بالتغير. ولكن بعد التفكير بالأمر، وتبادل الرأي مع الأخريات، تكونت عندي فكرة خبيثة مفادها أن التبدل فاق كل التصورات.  لقد حصل مع عدد كبير من النساء اللواتي تكلمت معهن وسألتهن هل يقوم رجالنا بخدع جديدة، أم أنهم استبدلوا بنسخ مزيفة، وهو شيء يصعب قبوله. هل رجالنا نظائر بالشكل والرائحة واللهجة والإحساس. في كل حال لا يمكنني تصديق أي من هذه المزاعم”. صمتت وتابعت:”ولا يمكن أن أفكر بحل وسط”.

“وأنت يا ليه؟”.

“نعم. هذا مرعب. أن أفكر أنني أقمت علاقة مع غريب متنكر واستمتعت بها. ربما هي علاقة طيبة لكن هل هي حقيقية. ومن يمكنه أن يستمر بهذا الجو لفترة طويلة دون أن يخطئ؟. أن يتنكر بالمظهر والصوت والرائحة وحتى اللهجة دون تردد. هذا يفوق قدرات أي رجل”.

سألت ديبورا:”هل تعتقدن أن هذا يعني أن شركاءنا بالحياة ليسوا رجالنا؟. هل يعني أنهم ليسوا رجالا حقيقيين؟. بل ملائكة سود أشرار مثل الحكايات التي رواها لنا آباؤنا؟”.

قالت ليه:”لست متيقنة. لو أنهم جواسيس علينا من الصعب أن يتقنوا التنكر لهذه الدرجة. وإذا نجحوا بالتنكر في البداية فنحن نشك بهم الآن بسبب ملاحظة الاختلافات البسيطة التي نلمسها. ولكن أن تستمر اللعبة هكذا فهو شيء فوق طاقة أي رجل. نعم، ربما هم ملائكة الله السود”.

“أنا وراشيل لدينا سؤال فظيع آخر. لو تم استبدال أزواجنا ماذا  جرى للأزواج الحقيقيين؟”.

وقالت ديبورا:”هناك نقطة إضافية يمكن أن أثيرها. أراهن أن رجالنا المحبوبين والمخلصين، كعشاق وأشخاص من عامة الناس، هم مثاليون وكاملون. أحيانا يسرعون بممارسة الحب، ونحن لن نتذمر لو أنهم بلغوا النشوة بعدنا بقليل، ولكن هذا يحصل أيضا. أما زاك - سأدعوه بهذا اللقب -  حاليا يقذف بوقت ممتاز”.

اتسعت عينا هانا وليه معا وتنفستا بصوت ثقيل. ووضعت هانا يدها على فمها.

قالت راشيل:”فعلا. هذه نقطة ممتازة. وصحيحة جدا. وأعتقد أننا لاحظنا هذا كلنا. أقول هو تطابق”. ودخلت بفترة صمت مهيب ثم قالت:”ولا زلت أفكر بالموضوع. هل هذا ما أتمناه؟. أم أن عيني ناثان أصبحتا بنيتين؟ هل لاحظتن شيئا من هذا القبيل على رجالكن؟”.

أيدتها الأخريات. ثم سألت راشيل:”ما العمل إذا؟”.

تركت السؤال معلقا قليلا ثم قالت:”أعتقد علينا أن ننظر لهذا الموضوع بحذر شديد. أنا وديبورا نشترك بفكرة واحدة: أن رجالنا قتلوا. وإلا كيف يمكن أن يختفوا بهذه الطريقة؟”.

هقت هانا ثم عوت، وتردد صدى صوتها عند الجدار الحجري في الطرف البعيد من النهر. وعوت مجددا وقالت:”كلا. لا. لا”. وكررت ذلك حتى ابتلع الظلام صوتها وحوله إلى نواح. وفي النهاية تدبرت أمرها وقالت:”هل يمكن أن يكون هذا الغريب سفاحا بربريا. وأنني وقعت بغرامه. وأحببته. وتناكحت معه. واستمتعت برفقته دورات قمرية. وكأننا نكتشف بعضنا بعضا من جديد”.

ورفعت بصرها نحو راشيل، وكانت وجنتاها مبللتين بالدموع. وأضافت:”وأعتقد أنه بعد كل تلك السنوات أحمل في بطني جنينا. فأنا لم أنزف في الشهر الماضي”.

حضنتها الأخريات وربتن على رأسها، وتقاطرن عليها دفعة واحدة، ودمدمت راشيل:”أعلم أنني أحمل طفلا معي. أخفيت هذه الفكرة طوال أسابيع. ولكن هذا مخيف. وعلينا أن نواجه ذلك بجرأة، مع ذلك لم يحن وقت الولادة. لا يزال أمامنا عدة دورات قمرية. وفي نفس الوقت علينا أن نقرر ماذا يتوجب علينا أن نفعل. كي لا يصبح أبناؤنا أيتاما”.

قالت لي:”هل علينا أن نقرر يا راشيل؟. فنحن لم نسأل بقية النساء عن ما مر بهن مؤخرا”.

“معك حق. هذه نقطة ممتازة. ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكننا التفكير بالموضوع على انفراد. هذا يساعد الجميع على اتخاذ قرار”. 

وصمتت راشيل. وبدت الموافقة على الجميع. فقد أومأن ورفعن أيديهن.

قالت هانا:”أمامنا سؤالان. ما هو أفضل تصرف، وهل يمكننا نحن معشر النساء أن نتصرف”. ثم أضافت:”أود لو أقتل هذا اللعين”.

سألت ليه:”وكيف يمكننا قتله؟. فهم أقوى منا”.

قالت هانا:”نباغتهم أثناء نومهم”.

وتدخلت راشيل بقولها:”وكيف تفعلينها دون أن يتنبهوا ويستيقظوا؟”.

واعترضت هانا بقولها:”هل أنت معي قلبا وقالبا أم ضدي؟. دائما لديك اعتراضات”.

ردت راشيل:”أنا لا أرفض فكرتك. ولكن علينا التفكير بطرق بلا أغلاط. أول ضربة ستوقظهم. وستدب الفوضى ويفتضح أمرنا”.

وصاحت ليه:”لنقطع خصياتهم”.

وانفجرت البنات بالضحك، وصاحت الثلاثة بصوت واحد ومرتفع:”نعم”.

سألت راشيل:”وهل يمكن أن نفعل ذلك دون أن يستيقظوا؟. ولو صحا أحدهم سيوقظ بصراخه كل القرية. ثم سنقع بالمتاعب”.

”لا أستطيع أن أفكر بطريقة الآن ولكن سأصل لحل مناسب”.

وقالت ديبورا إنها ليست متأكدة أنه بمقدورها أن تقوم بعمل عنيف من هذا النوع. كانت تود أن تحمل أولادها وتهرب. وردت راشيل:”شكرا يا ديبورا. علينا أن نفكر بالموضوع. لدينا ثلاث احتمالات ونحن أربع نساء. أن نقتلهم،  أو نخصيهم، أو ببساطة أن نهرب. وعموما نحن جميعا نود أن نهرب. وبقي علينا البحث بالتفاصيل”.

ثم سألت:”هل يجب أن نفاتح بقية النساء بخطتنا”.

وافقت ليه بقولها:”هذا معقول حاليا. وأقترح أن ندعوا النساء المستعدات لتنفيذ خطتنا برجالهن. والأفضل أن نتكلم معهن فرادى أو اثنتين اثنتين. وبعيدا عن القرية. لنقل حين نكون بعيدات نجمع الطعام”.

ردت راشيل:”هذا معقول أيضا”

تدخلت هانا بقولها:”وأنا أشد من أزرك. علينا أن نتجنب اجتماعا واسعا. وهذا يجعل الأمر واضحا ويضعه على نار ساخنة”.

قالت راشيل:”فكرة طيبة يا هانا”.

قالت راشيل:”بقي أمر واحد قبل أن ننتهي. وهو ليس بالهين. علينا أن نخفي كل شيء وعلينا أن نتصرف مع رجالنا كالسابق قبل أن نشتبه بهم. وعلينا أن نكون عاطفيات دائما وبكل الأساليب الممكنة، وأن نمارس الحب بالحماسة المعتادة”.

وغرست نظراتها بعيون بقية النساء، وبالأخص هانا. فاعترضت هانا بقولها:”هذا صعب جدا. هذا يجعلني أشعر أنني مغدور بها ومهانة”.

وعانقتها كل من ليه وديبورا عناقا شديدا للتخفيف عنها. وقالت لها راشيل:”أعلم أنه صعب يا هانا. ولذلك تكلمت بصراحة. أنا أفعل ذلك لما يزيد على دورة قمرية كاملة. ولو انتبه رجالنا لأي شيء ستفشل الخطة، وسنكون كلنا نحن معشر النساء بخطر داهم”.

“ولكن كيف تمكنت من التمثيل كل هذا الوقت؟”.

“لا يمكنني أن أتكلم بالنيابة عن الجميع. ولكن من جهتي كنت أضع في ذهني حبيبي نايثان كلما نمنا معا. وسأكون هنا جاهزة للكلام والاستماع حتى نحل المشكلة”.

عانقتها ديبورا وليه بقوة أكبر وقالت:”شكرا”.

وقالت ليه:”هذه هي الغاية من الصداقة”. وما أن شرعن بالاستعداد للاستحمام حتى قالت راشيل:”علينا أن نؤكد لكل امرأة نتكلم معها أن تستمر بعاطفتها الفياضة بشكل طبيعي، حتى لا ينتبه الرجال لأي تبدل. وأن نتعاون كلما اشتدت الحالة”. صمت لحظة وتابعت:”يا إلهي أمامنا خطط يجب الاهتمام بها. أين يمكن أن نختبئ لاحقا، وأين نجتمع، وما هي المؤن التي يجب حملها، وهكذا. وكيف نوزع أطراف الخطة بين النساء”.

وأضافت ليه:”وعلى كل امرأة أن تتمرن حتى تتقن دورها وتصبح قوية، وذلك بعد أن نحدد لكل امرأة واجبها. ومن تقرر أن تخصي رجلها يجب أن تستعد أيضا لتقتل. لو أن الفرصة لم تسنح للحل الأول”.

***

 وحلت ليلة التنفيذ أخيرا. ليلة معتدلة في نهايات الربيع، بعد عدة أيام من اكتمال القمر. ولدت راشيل وهانا طفليهما، وجهزتا حمالات قوية لحملهما على الصدر، وحرصتا على ترك ظهريهما حرين لحمل الأمتعة. وكانت ليه وديبورا في مرحلة مختلفة من الحمل. ومن اعترضن على العنف جهزن أنفسهن للهرب فقط.

ربما تقدم أخريات على قتل أزواجهن. مع ذلك أن يبقى القليل من الرجال دون حصاد وقطع عنق ليس شيئا سيئا. هذا يساعد على نشر الخبر وردع الغرباء. وقدمت ليه لـ “جيديون” حساء كثير التوابل، وأضافت له خلاصة الخشخاش والعسل. وحينما غلبه النوم قربها، وبعد أن تركت الوقت الكافي للأخريات لضرب أزواجهن بالفؤوس أو بالعصا الرفيعة، سمعت صوتا محسوسا خارج كوخها. مدت يدها، وبدأت، بخفة ورشاقة لبتر عضو جيديون. غير أنه تقلب قليلا وندت عنه أنة قصيرة ولكنه لم يستيقظ.  ثم التفت نحوها. وقدم نفسه بلباقة، ومد ساقه اليمنى نحو وركها. تمكنت أن تمرر أنشوطة من الكتان حول خصيتيه وشدتها بقوة حتى لا تنزلق ولو تمزق الجلد. ثم بحرص مدت يدها اليسرى للأسفل وربتت على عضوه، وبيمناها لمست كيس الصفن، وبهدوء شدت الأنشوطة من الطرف الثاني فوق قدمه اليمنى حتى تمكنت من الضغط على كاحله. ودمدمت بأذنه أنها ستخرج قليلا لتريح نفسها. وارتدت ثيابها على عجل وهدوء. وغادرت الكوخ، ولملمت أشياءها من المكان الذي أودعتها فيه مسبقا تحت شجرة قريبة جدا من صف الأشجار، وتابعت للانضمام للأخريات في الموضع المتفق عليه. وتحرك فورا جمع من خمسين امرأة. اثنتان بلا أولاد وكانتا في نهاية الطابور، وحرصتا على محي آثار أقدامهن بأغصان مورقة.  وما أن ابتعدن قليلا، حتى شقت سواد الليل صرخة من أول مخصي.  بعد دقائق، تبعها سلسلة من النباح والعويل الذي رن في الأرجاء. من بقي في القرية تسبب بالكثير من الضجيج. قالت ليه مخاطبة هانا:”لا أعتقد أنهم سيطاردوننا. ستكون الصدمة ثقيلة عليهم. ثم إن اكتشاف القتلى سيضاعف من اضطرابهم”.

 ***

..........................

*شاعر أسترالي يقيم في أديلايد.

ترجمة / صالح الرزوق بالاشتراك مع الكاتب. وهذه الترجمة معدلة وملخصة عن نسخة أوسع يعدها الكاتب للنشر.

 

2425 ريتشارد بروتيغانتنبوء بروتيغان بهيمنة الحاسوب قبل خمسة عقود

بقلم: ريتشارد بروتيغان

ترجمة: سوران محمد

كل ما راقبتها آلات محبة أناقة

أود أن أفكر (و

كلما كان عاجلا كان أفضل!)

في مرج  سبراني

حيث الثدييات وأجهزة الحاسوب

تعيشان معا بشكل متبادل

تبرمج  الوئام

كماء  نقي

يلمس  سماء  صافية

.

أود أن أفكر

(الآن، رجاء)

في غابة  سبرانية

مليئة بالصنوبر والألكترونيات

حيث تمشي الغزلان بسلام

متجاوزا الكمبيوتر

كما لو كانت  زهورا

تغزل أزهارا .

.

أود أن أفكر

(يجب أن يكون !)

في علم البيئة السبراني

حيث نتحرر من أعمالنا

وننضم إلي الطبيعة،

نعود إلي  ثديتنا

الأخوة والأخوات،

و كل مراقب

بآلات محبة أناقة

.............................

* دلالات النص:

كتب بروتيغان هذه القصيدة والمجموعة التي تحمل نفس الاسم بين 17 و 26 يناير 1967، عندما كان شاعرًا مقيمًا في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا. تصف القصيدة المدينة الفاضلة التكنولوجية التي يعمل فيها البشر والتكنولوجيا معًا من أجل الصالح العام. يكتب عن  "الثدييات وأجهزة الكمبيوتر تعيش معًا في انسجام برمجي متبادل"، حيث تعمل التكنولوجيا كقائم على الرعاية العامة، بينما "نتحرر من عملنا ونعود إلى الطبيعة." يختلف النقاد حول ما إذا كان هكذا في الواقع يعتبر الامر شيئا جديا أم انها  سخرية و لا تمت بصلة الی الجد.

يعتبر معظم النقاد القصيدة كثقافة مضادة، وتبنيًا مجتمعيًا للرؤى التكنولوجية لحقبة الحرب الباردة. قال ناشر بروتيغان (كلود هايوارد) إنه "لفت انتباهي بإشاراته السحرية للآلات الحميدة التي تحافظ على النظام ... [والتي] تتناسب تمامًا مع تفاؤلنا بشأن وعد الكمبيوتر". إنها طفولية جدًا وبريئة جدًا، غير ان هذه التنبٶات لاحقا و في عصرنا الرقمي صارت جزءا من حياتنا اليومية، أي-تدخل الحاسوب في ادارة الامور-

وقد فسره آخرون على أنه نقد ساخر لليوتوبيا الممكّنة تقنيًا التي تدعي أنها تتوق إليها. وفقًا لكارلوس سيليجو من جامعة ستانفورد هناك مفارقة في القصيدة "دقيقة ومعقدة مثل استعاراته المختلطة"، والتي يقول سيليجو إنها "تقوم دائمًا علی ثلاثة أشياء على الأقل - وغالبًا ما تكون أربعة أو خمسة أو ستة أشياء في وقت واحد." لاحظ روبرت ج. جرانجوير كيف أنه من غير المعتاد أن يأخذ الشعراء الأمريكيون نظرة إيجابية لعلاقتنا بالتكنولوجيا، ولكن إذا نظرنا إليها على أنها من المفارقات، فإنها "تنضم إلى التيار الرئيسي للشعر الأمريكي المضاد للتكنولوجيا.

* من هو الشاعر والروائي ريتشارد غاري بروتيغان؟

* ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من أهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحري كي ينسى بهذه الطريقة مآسي حياته الشخصية و ينتقد من خلالها الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول علي الاكل اللكافي في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الي المستشفي النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهي مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

* أما بالنسبة لأسلوب کتابة قصائده فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثر القصائد بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز علي المعني و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود علي هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظي بشعبية واسعة من بين القراء -خاصة من الجيل الصاعد، و له سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب أسلوبه المتميز في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

ولم أجد وصفا أدق لأسلوبه في الكتابة غير الذي كتب  عنه في  جريدة الحياة ذات مرة: (أن قصائد بروتيغان هي من بين النصوص الأكثر ابتكاراً في الأدب الأميركي الحديث، سواء بالدعابة المسيَّرة داخلها أو باستعاراتها الغريبة أو بالتلاعب الفريد في صياغتها. ولا عجب في ذلك، فبروتيغان كان يعتبر الشعر أرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات. وهذا ما يفسّر الأشكال المتنوّعة التي تحضر فيها هذه النصوص: قصائد هايكو عرجاء، سونيتات مخرَّبة عمداً، عناوين صحف، إعلانات ذات فائدة عامة، أفكار تتداعى بطريقة آلية، نشرات جوية سورّيالية، شذرات سير ذاتية، مزامير، أوراق نعي، شتائم، قصائد تقتصر على عنوانها أو يتجاوز هذا الأخير بحجمه نصّها، من دون أن ننسى التجليات على طريقة جايمس جويس أو النكات الماركسية أو اليوميات المقطّعة).

* المصادر/

١-allpoetry.com

٢- en.wikipedia

........................

النص بالانجليزية:

All Watched Over By Machines Of Loving Grace

I like to think (and

the sooner the better!)

of a cybernetic meadow

where mammals and computers

live together in mutually

programming harmony

like pure water

touching clear sky.

 

I like to think

(right now, please!)

of a cybernetic forest

filled with pines and electronics

where deer stroll peacefully

past computers

as if they were flowers

with spinning blossoms.

 

I like to think

(it has to be!)

of a cybernetic ecology

where we are free of our labours

and joined back to nature,

returned to our mammal

brothers and sisters,

and all watched over

by machines of loving grace.

.

 

.

2416 shirleyكانت العربة تقريبا فارغة حتى أن الصبي الصغير احتل مقعدا لنفسه، وجلست أمه على الجهة المقابلة من الممر في المقعد التالي بجوار أخته، وهي رضيعة بيدها قطعة خبز محمص وخشخيشة باليد الثانية. وكانت محزومة بسيور جلدية ربطتها بمقعدها لتتمكن من الجلوس والالتفات. وحينما تنزلق ببطء نحو الجوانب يحميها الحزام يثبتها بمنتصف المسافة حتى يمكن لأمها أن تستدير وتعدل من وضعيتها مجددا. وكان الولد الصغير ينظر من النافذة ويأكل كعكة محلاة، وكانت الأم تقرأ بهدوء، وترد على أسئلة الصبي دون أن تعنى بالنظر له.

قال الولد الصغير:”نحن فوق النهر. هذا نهر ونحن فوقه”. قالت والدته:” حسنا”. قال الطفل لنفسه:”نحن نمر على جسر فوق نهر”. وتكوم بقية الركاب القليلين في الطرف الآخر من المركبة، وكلما تقدم أحدهم في الممر كان الطفل يتلفت ويقول له:”مرحبا” فيرد الغريب بقوله:”مرحبا”. وأحيانا هناك من يسأل الصغير هل يستمتع بركوب القطار، أو أحيانا يمتدحه بقوله إنه إنسان بالغ وخلوق. وكانت هذه التعليقات تزعج الصغير فيستدير بعصبية واضحة، ويتابع المشاهد من خلف النافذة. ثم يقول:”هناك بقرة” أو يتنهد ويقول:”كم بقي علينا لنصل؟”. فتقول أمه في كل مرة:”ليس الكثير”.  وذات مرة سقطت الطفلة الصامتة والمشغولة بخشخيشتها وخبزها المحمص والذي كانت تجدده لها أمها باستمرار، وتدحرجت بعد سقوطها لمسافة بعيدة وارتطم رأسها بالجوانب، وبدأت تبكي. وتبع ذلك حركة وصخب حول مقعد أمها لبعض الوقت. وانزلق الصبي من مقعده الخاص وأسرع عبر الممر وربت على قدم أخته وطلب منها أن لا تبكي. ثم في النهاية ضحكت الطفلة وعادت إلى خبزها، وتلقى الولد مصاصة من أمه فعاد إلى نافذته. وقال لأمه بعد لحظة:”شاهدت ساحرة. هناك في الخارج ساحرة عجوز صلعاء شريرة”.

قالت أمه:”حسنا”.

تابع الصبي الصغير يتمتم لنفسه بلهجة هادئة:”ساحرة عجوز دميمة وطلبت منها أن تنصرف فانصرفت. ثم جاءت وقالت: سآكلك عما قريب. فقلت لها: لا، لن أسمح لك. وطاردتها حتى اختفت، يا لها من ساحرة شريرة عجوز وسيئة”. وتوقف عن الكلام ورفع بصره للأعلى حينما فتح رجل باب العربة ودخل. كان عجوزا بوجه هادئ وشعر أبيض، وله بذة زرقاء تأثرت قليلا بالعناء الناجم عن رحلة القطار الطويلة. وكان يحمل سيجارا، وعندما قال له الصبي الصغير:”مرحبا”، رد عليه بإيماءة من السيجار، وقال:”مرحبا بك يا بني”. ووقف قرب مقعد الصغير تماما، ومال للخلف، ونظر للولد، الذي مد رقبته للأعلى ليراه. سأله الرجل:”عما تبحث وراء تلك النافذة؟”. قال الصغير بلا تفكير:”عن ساحرات عجائز شريرات وضارات”. قال الرجل:”فهمت. وهل رأيت العديد منهن؟”.

قال الصبي الصغير:”والدي يدخن السيجار مثلك”.

قال الرجل:”كل الرجال يدخنون السيجار. في المستقبل ستدخن السيجار أنت أيضا”.

قال الصبي:”ولكن أنا رجل كبير منذ الآن”. 

سأله الرجل:”كم يبلغ عمرك؟”.

نظر الصبي الصغير بشك بعد هذا السؤال المتكرر، وثبت عليه عينيه للحظة وقال:”ستة وعشرون. وثمانمائة وثمانية وأربعون”.

رفعت الأم رأسها عن الكتاب وقالت:”أربع سنوات”. وابتسمت بحنان للطفل.

قال الرجل للطفل بتهذيب:”هل هذا صحيح؟. ستة وعشرون”. ثم أومأ برأسه نحو المرأة الجالسة على الطرف المقابل من الممر وقال:”هل تلك أمك؟”.

مال الصبي الصغير للأمام لينظر ثم قال:”نعم. هي كذلك”.

سأله الرجل:”ما اسمك؟”.

بدا الشك على الصغير مجددا وقال:”السيد يسوع”.

قالت أم الولد:”جوني”. ووضعت عينها بعين ابنها الصغير وقطبت وجهها بعتاب.

قال الصغير للرجل:”تلك هي أختي الثانية. عمرها اثنتا عشرة سنة ونصف”.

سأله الرجل:”هل تحب أختك؟”.

نظر به الولد مليا، واقترب الرجل من جانب المقعد وجلس قرب الصبي. وقال له:”اسمع. هل تريد أن أخبرك شيئا عن أختي؟”.

بدا القلق على الأم حينما جلس الرجل بجانب ابنها الصغير، ثم عادت بهدوء لكتابها.

قال الصغير:”حسنا. كلي آذان صاغية. هل كانت ساحرة؟”.

قال الرجل:”ربما”.

وضحك الصغير باهتمام، وتراجع الرجل بمقعده، ونفخ دخان سيجاره، ثم قال:”في قديم الزمان كانت لي أخت صغيرة، مثلك تماما”. نظر الصبي للرجل، وهو يهز رأسه لكل كلمة. وتابع الرجل قائلا:”كانت أختي الصغيرة جميلة جدا ولطيفة جدا وكنت أحبها أكثر من أي شيء آخر في العالم. هل أخبرك الآن بم فعلت لها؟”.

أومأ الصبي باهتمام أكبر، ورفعت الأم عينيها عن كتابها، وابتسمت، وهي تصغي.

قال الرجل:”اشتريت لها حصانا خشبيا هزازا ودمية ومليون مصاصة. ثم حملتها ووضعت يدي حول عنقها وبدأت أضغط وأضغط حتى ماتت”.

شهق الصغير والتفتت الأم وقد اختفت ابتسامتها عن وجهها. وفتحت فمها، ثم أطبقته مجددا حينما تابع الرجل قائلا:”ثم باشرت بقطع رأسها وحملته معي -”.

 سأله الصغير بأنفاس لاهثة:”وهل قطعتها كلها لقطع صغيرة؟”.

قال الرجل:”قطعت رأسها ويديها وقدميها وشعرها وأنفها. ثم ضربتها بعصا وقتلتها”.

قالت الأم:”من فضلك لحظة”.

ولكن الرضيعة انزلقت جانبا في تلك الدقيقة، وفي الوقت الذي استغرقته الأم لتأمينها وحمايتها تابع الرجل يقول:”ثم حملت رأسها واقتلعت منه شعرها و..”.

وصاح الصغير بانفعال:”شعر أختك؟”.

قال الرجل بثقة:”أختي الصغيرة. ثم وضعت رأسها في قفص دب فالتهمه الدب”.

سأل الصغير:”هل أكل كل رأسها؟”.

وضعت الأم كتابها جانبا، وتخطت الممر. ووقفت بجوار الرجل وقالت:”بربك ألا ترى ماذا تفعل؟”.

نظر الرجل لأعلى بتأدب فقالت له:”أرجوك انصرف من هنا فورا”.

قال الرجل:”هل أفزعتك؟”. ووجه نظراته للأسفل نحو الصبي الصغير، ونهره بكوعه ثم انفجر كلاهما بالضحك.

قال الصغير لأمه:”هذا الرجل قطع أخته”.

قالت الأم للرجل:” احذر. سأستدعي ملاحظ القطار”. 

قال الصغير:”الملاحظ سيأكل أمي. وسنبتر لها رأسها”.

قال الرجل:”ورأس أختك الصغيرة أيضا”.

ثم وقف على قدميه، فتراجعت الأم لتفسح له الطريق ويغادر مقعده. وقالت:”إياك أن تعود لهذه العربة”.

قال الصغير للرجل:”أعتقد أن أمي ستأكلك”.

ضحك الرجل، وضحك الصغير، ثم قال الرجل للأم:”والآن اسمحي لي” وتخطاها وانصرف من العربة.

بعد أن أغلق الباب وراءه قال الصغير:”كم سيطول بنا السفر على متن هذا القطار القديم؟”.

قالت الأم:”ليس كثيرا”.

ووقفت ونظرت لابنها الصغير، كأنها تريد أن تقول شيئا. وأخيرا قالت:”اجلس بمكانك وتصرف كولد مهذب. ويمكنك أن تحصل على مصاصة ثانية”.

هبط الصغير من مقعده بحماس وتبع أمه إلى مقعدها. وأخرجت له مصاصة من كيس كان في جيب غلاف كتابها وقدمتها له. وسألته:”ماذا يجب أن تقول؟”.

رد الصغير:”شكرا. هل حقا قطع ذلك الرجل أخته لقطع صغيرة؟”.

قالت الأم:”كان يثير أعصابك فقط”. ثم أضافت بإلحاح:”إثارة أعصاب فحسب”.

قال الصغير:”ربما”. وعاد برفقة مصاصته لمقعده الخاص، واستقر عليه وثبت نظراته على النافذة. ثم قال:” ربما كان هو أيضا ساحرة شمطاء”.

***

.......................

شيرلي جاكسون Shirley Jackson : كاتبة أمريكية مولودة 1916. توفيت 1965. مشهورة بروايات وقصص الرعب والغموض. من أهم أعمالها: ورقة اليانصيب. العالم المفقود. بيت التلال المسكون.....

ت: صالح الرزوق

 

بن يونس ماجننص باللغة الفرنسية

للشاعر بن يونس ماجن


Ecrivain de classe et de bonté

je te salue

plein d’audace et d’humanité

écrivain bohême

de la torture et la sagesse

cendrillon et épée

horizon enflammé

haine et amertume

gloire imperissable

tu es parfois l’inconnu au visage déhalé

 

Ecrivain de folie passionnée

tu es un héro crucifié sur l’extase indicible

tu mènes une lutte pantelante

tu existes dans l’ivresse humaine

quand tu meurs au fil de l’évasion

l’idolatrie se rivalise

tu es un astre intouchable

mais tu cèderas à la faiblesse des pages timorées

et à l’orgueil des Dieux enchainés

rien n’adhère à ta gloire insaisissable

je salue ton ubiquité

 

Ecrivain des temps lustres

tu ouvres toutes les portes voilées

tu enivres tous les miroirs

où jonchent tes idées scintillées

tu es comme un sultant obsédé de mille et une nuits

tu es l’ultime cavalier

je te salue respectueusement

 

Ben Younes

Majen

 

 

2408 شكري بلعيدترجمة: الشاعرة التونسية زهرة الحواشي


قليلا من الوقت

قليلا من الوقت

حتى أرتب مملكتي

فأنا متعب

و بي شغف لجنون المساء

قليلا من الوقت

ها أنذا

‏أستعد لأن تفتحي الباب

أو تدخلي كغزال الصحاري

على وحدتي

المهلكة

قليلا من الوقت

حتى يمد دمي راحتيه

ويجمع عمر النساء

قليلا من الوقت

يا وردة سرقت فرحي

اختفت في تفاصيلها الخائفة

سوف أنشدك في العذاب

وأنشدك في حضور الغياب

وأنشدك في مسيرة عمر الخراب

وأهجو جنوني على حافة الوقت

يا وردة ذابلة

قليلا من الوقت

كي أغسل الروح من لحظة خائنة

قليلا من الوقت

كي أزرع الموت في دهشتي

وأسمي دمي ملكا

من جديد

وأذرو إلى الريح

امرأة هالكة

قليلا من الوقت

حتى أرتب مملكتي

ها هنا جسد الخريف

هناك قرنفلة مائلة

وهنا نهدها ينحني

ثم يغادر دمع النزيف

على شفة حالكة

قليلا من الوقت

وحدي أرتب

أسطورتي المقبلة

***

........................

من ديوانه: أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة

................................

Un peu de temps

pour que je mette de l'ordre dans mon royaume

Je suis fatigué

et j'adore la folie du soir

Un peu de temps

voilà que je me prépare à ce que tu ouvres la porte

ou bien que tu entres comme une gazelle du désert

franchir ma solitude dans laquelle je péris

Un peu de temps

pour que mon sang s'étende

et rassemble l'âge des femmes

Un peu de temps

Ô rose qui a volé ma joie

En se cachant dans ses détails avec peur

Je te chanterai dans ma galère

dans mon absence

dans mon parcours en ruine

Et je marquerai ma satire et ma folie au bord du temps

Ô fleur fanée

Un peu de temps

Pour que je me lave de ma trahison

un peu de temps

Pour que j'assassine ma surprise

et que j'élise mon sang

de nouveau roi

et je parsème au vent

Une femme crevée

Un peu de temps

Pour que je mette de l'ordre dans mon royaume

voici le corps de l'automne

voilà un oeuillet décliné

et voici son sein qui s'incline

et quitte l'hémorragie

sur un bord assombri

Un peu de temps

je tracerai seul

ma prochaine légende

Texte du martyr tunisien Chokri Belaid.

Traduction de Zohra Hawachi .

 

 

2404 سليفيا بلاثقصيدة للشاعرة الامريكية سليفيا بلاث

ترجمة : سالم الياس مدالو


 

كل وحل امسي

يتعفن في تجويف

جمجمتي

 

واذا ما تقلصت معدتي

بسبب ظاهرة غير قابلة للتفسير

كالحمل او الامساك

 

لن  اتذكرك

 

ام كان ذلك بسبب النوم الغير المعتاد

او بسبب الطعام

المغذي كوريقات الاشجار

البنفسجية

او كقمر الجبنة الخضراء

اوبسبب كل ذلك

 

وبقليل من الياردات المهلكة على العشب

وببعض من الفراغات في السماء ورؤوس الاشجار

 

المستقبل قد اضاع الماضي

بكل سهولة ويسر الى غير رجعة

ككرة تنس  عند الغسق

***

....................

النص بالانكليزية

 

april 18

by sylvia plath

the slime of all my yesterdays

rots in the hollow of my skull

 

and if my stomach would contract

because of some explicable phenomenon

such as pregnancy or constipation

 

I would not remember you

 

or that because of sleep

infrequent as a moon of greencheese

that because of food

nourishing as violet leaves

that because of these

 

and in a few fatal yards of grass

in a few spaces of sky and treetops

 

a future was lost yesterday

as easily and irretrievably

as a tennis ball at twilight

...........................

سليفيا بلاث: 1932 - 1963 - شاعرة وروائية وقاصة امريكية لها عدة مجموعات شعرية هنا اذكر، منها (جرة الجرس) (والعملاق) (وانا ابداعك)  في عام 1956 تزوجت من زميلها الشاعر تيد هيوز. وكانت حياتها الزوجية غير مستقرة اصيبت بالكابة ولم يفلح العلاج معها وفي  11 شباط من عام 1963 انهت حياتها بالانتحار .

 

 

 

 

2400 roth 1ترجمة: صالح الرزوق


الليلة

عدد منا يستلقي

وحده

في هذه العتمة

بين

دقات

الساعة

حيث العتاد،

أسنان

الساعات

المنسية،

يطحن

مستقبلنا

حتى يتوقف،

وهناك

ضمن

الحكمة

المستترة

أحلامنا

تحفظنا بصعوبة

من السقوط

والعودة للنوم.

 ***

.............................

* من مجموعته  Owasco- passage of lake poems - ص 21.

Finishing line press- kentucky 2018

بول روث  Paul B. Roth شاعر أمريكي يعيش في نيويورك مع الفنانة التشكيلية جورجينا روث. تلقى علومه في جامعة غودارد- فيرمونت. ثم حصل منها على ماجستير في الشعر الفرنسي المعاصر.  يرأس تحرير مجلة بيتر أولياندر منذ عام 1976. من أهم أعماله:

بعد العنب - منشورات جامعة تامبا 1969

 أقبية الدموع - منشورات آن أربور ريفيو 1973

 نصف إعلان - منشورات بيتر أولياندر 1976

 لا شيء هناك - منشورات فيدا 1996

 حقول تحت الصفر - منشورات سايبريس 2002

 مفردات الكلام المقطوع - منشورات مارش ستريت 2011

 طريق طويلة لنعود إلى النهاية - منشورات راين ماونتن 2014

* ترجمة صالح الرزوق / بإذن مسبق من الشاعر

 

2396 مارك ستراندترجمة: عادل صالح الزبيدي

 خرائط سود

لا حضور الصخور،

ولا تصفيق الريح،

سيدعك تعرف

انك قد وصلت،

 

ولا البحر الذي

لا يحتفي الا بالرحيل،

ولا الجبال،

ولا المدن المحتضرة.

 

لن يخبرك شيء

أين تكون.

كل لحظة هي مكان

لم تكنه.

 

تستطيع ان تسير

معتقدا انك

تسقط ضوءا حولك.

ولكن كيف ستعرف؟

 

الحاضر دائما مظلم.

خرائطه سود،

وهي تطلع من اللاشيء،

وتصف،

 

في ارتقائها البطيء

داخل نفسها،

رحلتـَها هي،

خواءها،

 

ضرورة اكتماله

الكئيبة المؤقتة.

واذ تظهر الى الوجود

فكأنها نفـَـس.

 

وان دُرست بأية حال

فما ذلك الا لتجد

بعد فوات الأوان،

ان ما حسبتها همومك

 

لا وجود لها.

منزلك ليس مؤشرا

على أي منها،

ولا أصدقاؤك،

 

الذين ينتظرون ظهورك،

ولا أعداؤك،

الذين يعددون أخطائك.

انت حسبُ موجود،

 

تحيـّـي

ما ستكونه

والعشب الأسود

يحتجز النجوم السود.

***

........................

مارك ستراند (1934-2014) شاعر ومترجم أميركي من مواليد كندا. تلقى تعليمه في كندا والولايات المتحدة وايطاليا، ألتحق عام 1962 بمشغل كتاب ايوا ليحصل بعدها على درجة الماجستير في الفنون. نشر ستراند إحدى عشرة مجموعة شعرية، فضلا عن ترجمته أعمالا للشاعرين رافائيل البرتي وكارلوس دراموند دي آندرادي وشعراء آخرين. انتخب في 1981 عضوا في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، ونال شعره جوائز عديدة لعل أهمها جائزة البوليتزير عام 1999 عن مجموعته بعنوان (زوبعة ثلجية لأحدهم). من عناوين مجاميعه الشعرية الأخرى: (النوم بعين مفتوحة واحدة) 1964، (قصة حياتنا)1973، (الساعة المتأخرة) 1978، (مرفأ مظلم) 1993، و(رجل وجمل) 2006.

 

 

2393 Sally Roonالهدف الأخير المدهش لروبي برادي يؤثر في حياتنا الشخصية

ترجمة: صالح الرزوق

خابرها كونور من الصالة من جوار ستارة بلاستيكية. ستوشك هذه المكالمة على التهام رصيد هاتفه لو ردت، وعلى ضوء ذلك توقع شخصيا أن تتأخر ولا ترد، ولكن رغم ذلك وجد نفسه يأمل أن تكلمه. وكلمته. قالت له بصوت غريب ورقيق “ألو” كما لو أن هذه المخابرة جزء من طرفة مستمرة بينهما.

قال:”هل كنت تشاهدين ذلك؟”.

“آه. كنت أشاهده. كان الجو في الإستاد أشبه بالعيد”.

“كان جيدا، أليس كذلك؟”.

قالت هيلين:”أنا أحسدك قليلا. كنت أشاهدها بالإنترنت طوال آخر ساعة”.

شعر بالارتخاء واستند على جدار الصالة. كان الوقت متأخرا في لايلي لكن الجو في الخارج دافئ، حرارة ورطوبة، وكان يشرب منذ أواخر ما بعد الظهيرة.

قال:” المبارة؟. وهل تعرض الآن؟".

“أه - نعم. كما لو أنها مباشرة. مثيرة جدا بمعنى - حسنا، هل ترغب بسماع رأيي عن البرنامج أم أنك مشغول؟”.

“كلا، تابعي”.

“هل يتوجب دفع تكاليف تجوال؟”.

كذب بلهجة غير حاسمة وقال:”لدي مكالمات مجانية”.

على الطرف الثاني من الخط، لم تفكر هيلين بمصداقية كونور حول موضوع المكالمات المجانية، مع أنه في فرنسا، فهي لم تحمل كلامه محمل الجد، واعتبرت أنها إشارة منه لتتكلم معه عما كان يجول في ذهنها طوال الوقت السابق. جلست على سريرها، وظهرها على ظهر السرير. جلست كذلك طوال مشاهدة مباراة إيرلندا وإيطاليا والتي عرضتها الإنترنت حينما كانت وحدها، تلتهم من طبق النودلز السريع التحضير بواسطة عصا الطعام الرفيعة، وكان الضوء في نافذتها ينحسر بالتدريج من أزرق مبيض إلى أبيض رمادي قبل أن يحل الظلام أخيرا.

قالت: "يهمني مشاهدة إعادة أي حدث ثقافي كما تعلم. لكن مشاهدة الإنتاج الثقافي في حينه أفضل من وقت الإعادة. ولا أعلم هل أنا وحدي من يشعر بذلك؟".

“نعم. أنا أفهمك. وآه. أنا ثمل جدا ولن أكون دقيقا تماما، ولكن أريد أن أعبر، كما ترين، عن سقوط فكرة المؤلف”.

“تماما. هذا كلام دقيق. أنت دقيق جدا. ولا أعتقد أنك مخمور”.

قال:”أنا أهتم كثيرا ببرامج الإنترنت”.

حملت هيلين كومبيوترها المحمول من حضنها وتوجهت إلى الجزء الفارغ من السرير، كما لو أنها تريد أن تتعمق بالحوار.

قالت: “ولكن يصعب تحديد موضع القوة، وأن تحلل ثقافيا طرق عمل القوة. وأعتقد أننا اعتدنا على ذلك من خلال شخصية المؤلف المسيطرة، أو على الأقل من خلال بنية يمكن تحديدها، مثل استوديو صناعة الأفلام أو شركة دعايات تجارية".

“نعم، والآن تتطور مثل مشاركة جماهيرية آنية”.

“أعتقد يمكنك القول إن فضاء الإنترنت يتبع الجندر وهو مرتب بفئات متشابهة، لكن هل هي متساوية؟”.

قال كونور:”يجب أن لا ننسى الجندر. الجندر في كل مكان. هذا رأيي. هل تسمعين ضجة على الخط؟”.

غادرت مجموعة من المشجعين الحانة المجاورة للتو وفاضوا في الطرقات بهياج. وتحت الضوء المنسكب من البار كانت قمصانهم الجورسيه تبدو رخيصة مثل نايلون لماع. كانوا يغنون شيئا يذكرنا بألحان موسيقا الريف عام 1979 ولا سيما الأغنية المشهورة “اذهب غربا”. وتقريبا كل الكلمات، لسبب ما، كانت تشبه أنغام “اذهب غربا”. وأصبحت الكلمة المفردة والمستقلة صعبة على الأفهام، ولها معنى آخر وموحية ومن بنات أفكار المشاركين.

قالت: “قليلا. هل أنت بمكان مزدحم؟. كان هادئا من قبل واعتقدت أنك عدت إلى النزل”.

“لا. ما زلت في الحانة. مع، نعم - الجمهور الإيرلندي الأسطوري”.

“هذا أنت، أنت حاليا جمهور إيرلندي أسطوري. هل ترتدي الجورسيه؟”.

قال:”لا. أنا أحتفظ بمسافة عنهم. وأحاول أن لا أغني كثيرا، وأسخر من أي شرطي”.

“السخرية من الشرطة برأيي مشكلة دولية”.

“ضمنا الشرطة الفرنسية أيضا. شرطة الريف هم عنصريون تماما. ولكن عموما، انظري، نحن هنا الآن”.

بعد أن قال كونور ذلك، أدرك أنه كمن يريد تبديل اتجاه المحاورة لنقطة جديدة. ويمكنه عمليا أن يسمع صدى الانتباه المشترك، وأنه لم يشرح لماذا خابرها، وأنه خفف من أحماله قليلا خلال المكالمة والآن يجب أن ينتقل للشرح والتبرير، ولكن لم يكن لديه شيء يقوله، أو أي شيء يضيفه. وفكر أن يغلق السماعة، ثم يرسل لها رسالة إلكترونية يدعي بها أن الخط انقطع.

آخر مرة قابل فيها هيلين كانت قبل ستة اسابيع، في مطلع أيار. زارها في كامبريدج في عطلة الأسبوع. وبعد رحلة طويلة ومتعبة استغرقت يوما كاملا تخللها قلق مبهم حول النقود، وصل يوم الجمعة ليلا. وطوال اليوم كان يحول بذهنه الإسترليني إلى يورو بمحاولة لتحديد مقدار النقود التي أنفقها على تذاكر الحافلة وأكواب القهوة، والنثريات، لكن هذه الجهود المستمرة أنهكته وجعلته يشعر بالبؤس وضرورة الاستيقاظ. وكان الظلام قد حل حينما غادر الحافلة. ويتذكر الآن السطح الأزرق الساكن للحديقة المجاورة لموقف الحافلات، وهي مستسلمة لنور الشارع، وكانت رائحة الطقس تنتشر حوله، وتحول الهواء لشيء رقيق، بينما النهار يبرد تدريجيا بعدما كان حارا ودافئا. وهكذا قابل هيلين. كانت بانتظاره بسترتها القصيرة ووشاحها، وانتابته الدهشة لمرآها، وأطلق ضحكة خففت من عناء وثقل مشاعره.

وترافقا إلى شقتها، وهما يتبادلان أحاديث عشوائية. وتذكر الواجهة الحجرية المصفرة لمسكنها وهي تبحث عن المفاتيح في أعماق حقيبتها. وفي البيت حضرت الشاي وقدمت بعض الطعام. واستمرا بالمحادثة لوقت متأخر. وفي الخاتمة، في غرفتها، تخلصت من ثيابها للنوم. وجلس هو على الكنبة، حيث ألقى كيس النوم، وكلمته عن شيء يلزم لأطروحتها، وكم مرة قرأتها من قبل وتوجب عليها الآن أن تبذل جهدا صادقا ومخلصا، وجعلها ذلك تبدو ضعيفة قليلا، وحينما كانت تتكلم بهذا الشكل، كانت واقفة قبالة الخزانة وتحاول ارتداء منامتها. وكانت جزئيا، وعلى ما يبدو دون تحكم أو وعي، مختبئة خلف باب الخزانة المفتوح. ولكن أمكنه رؤية كتفها الأيسر العاري، وساعدها الأبيض النحيل. ألقت بلوزتها على حامل معدني، وعلقتها في الخزانة، ودون أن ترفع نظرها قالت:”هل أنت تراقبني؟”.

قال:”أنا أنظر نحوك بشكل طبيعي. ولكن لا - أراقبك-”.

ضحكت وأغلقت باب الخزانة. كان ثوب نوم أسود، طويل، بحمالات على الكتفين.

قال:”كنت استمع لكلامك”.

“آه. مفهوم. أنا حساسة جدا من فقدان انتباه من أكلمه”.

ووجد ردها مخيفا على نحو يدعو للسرور في ذلك الحين. والآن وهو معها على الهاتف انتظر أن تقول شيئا له، ولكن حسب قواعد المحادثات الطبيعية من الواضح أن “دوره” بالكلام قد حان. ووصلته الإشارة أنه عليه أن ينطق بشيء ما.

قال:”مباراة جيدة في كل حال”.

“تمنيت لو كنت حاضرة. هل جرفتك العواطف الملتهبة؟”.

“نعم. جرفتني قليلا. وذرفت دمعة”.

ضحكت وقالت:” هذا لطيف منك. هل بكيت حقا؟”.

“دمعة وصلت لمقلتي، ولا أعلم إن سالت منها أم لا”.

قالت:”كنت أشاهدها وحدي ولذلك لا يمكنني أن أشعر بالموجة العاطفية بكل عنفوانها”.

مثل أن تذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم. أحيانا تضحك ولكن هذا لا يحدث في المنزل. وهذا لا يجعل الضحكة زائفة، أليس كذلك. الإنسان يفقد متعته حين يكون وحيدا.

“هل تشعرين بالوحدة؟؟”.

فكرت بالسؤال، فهي غير معتادة أن تسمع مثله من كونور، كانت هذه أول مرة، وضمنا المرة السابقة التي ادعى بها أنه مخمور، وتبادر لها احتمال أنه مخمور الآن.

قالت: “يجب أن اقول أنا لا أحب معظم الإنكليز كثيرا، لذلك نعم. الحياة في إنكلترا، تميل للعزلة. ربما أنا أحمل انطباعا سيئا عنهم ولا سيما مع اقتراب الاستفتاء”.

“نعم. هذا يبدو صعبا. أعتقد أنهم يفضلون البقاء”.

“آمل ذلك. مهما كانت النتيجة اكتشفنا أشياء مزعجة تماما”.

قال:”لا أحسدك لأنه عليك أن تعيشي هناك”.

وفكرت هي بدورها بزيارة عطلة الأسبوع، والطقس الرائع الذي استمتع به. استيقظا يوم السبت بوقت متأخر، كانت السماء زرقاء مشعة تتخللها غيوم صغيرة. جهزت إبريقا من القهوة، وتناولا الخبز المحمص مع البرتقال. وضبت أطباق الإفطار وحصل هو على حمام سريع، وارتاحت هي لصوت غلاية الماء الحار وصوت تدفق الماء من الحنفية.  وعندما برز مجددا في المطبخ كان بثيابه، بينما هي لا تزال بثوب النوم، مع حزام ملفوف حوله. وحان وقت لحظة تلاقي النظرات المباشرة، وشعرت كأنهما لم يتبادلا النظر منذ وقت وصوله. وخيم الهدوء من نظراتهما على الغرفة. وفكرت بالسخرية من هذه اللحظة قليلا لتقلل من جديتها، ربما بأسلوب ساخر وعاطفي، ولكن لم يسعها الاعتماد على العاطفة لتبدو هزلية بنظره وليس متوحشة. وعوضا عن ذلك تراجعت للخلف، وتعثرت، وتلكأ هو هناك دون أن يقول شيئا. كان يوما دافئا وتذكرت هيلين ماذا ارتدت للخروج: بلوزة بيضاء بسيطة، وتنورة شاحبة رقيقة، وحذاءها الخفيف. ولم تهتم، أو لا تتذكر أنها اهتمت بمظهرها فعليا، ولكن تعلم بشكل غامض أنها كانت تبدو متعبة أكثر من كونها تحاول أن تبدو معافاة. وتجولا حول متحف فيتزوليام فيما بعد الظهيرة، وهما يتبادلان الأحاديث. وبعد أن تناولا الغداء، شربا القهوة. وأخبرها كونور بحكايات مسلية عن العمل وضحكت هيلين كثيرا حتى أنها سكبت قهوتها على تنورتها، وكان ذلك من دواعي سروره. وعلمت أنه استمتع بضحكتها. وبدا أنها توفر له بعض الرضا الرخيص ولكن الخاص. وحينما تضحك كان يبدل نظرته قليلا، كما لو أن النظرة المباشرة شيء لا يستحقه.

كانت تقابل الكثير من الأشخاص الناجحين في كامبريدج، أشخاص لديهم كبرياء قوية، ويعبرون عن ذكائهم بها. وكانت نوعا ما تستمتع بالكلام معهم، وتتبادل معهم الثرثرة حتى تصبح الحفلة مضجرة ومقلقة. ولكن المتعة في النهاية تتلاشى، كما لو أنها تعاقبها وتلهو بها. هناك شيء خاص بذكائهم وهو لا يجلب لها المرح ولا الفضول. كان كونور يعمل في مركز مكالمات لتقديم خدمات الموبايل، وهو شريكها المثالي بالحديث، الشخص الذي تشعر حياله بالصفاء الذهني والمسافة القريبة. كانا متفاهمين بالكلام دون عناء، وربما لهذا السبب، أو ربما بسبب العاطفة الصادقة وطويلة الأمد، لم تتحول محادثاتهما إلى مبارزة. ووجدت هيلين فلسفيا أنهما اثنان متوافقان بكل شيء، و لا يزال لديهما أشياء كثيرة يمكن الكشف عنها.

قالت له:”معظم الناس هنا متحررون، وهم يغبطون أنفسهم على ذلك. ويمكن أن تلاحظ أنهم يقللون من شأن الناس العاديين، الذين لا يعرفون كامبريدج أو لا يحملون درجة جامعية. وأعتقد أن الحط من شأن الآخرين هو فعليا ما يهنئون أنفسهم عليه”.

“وهل أنا شخص عادي بنظرك؟”.

“هل أنت... تعترض على طريقة استعمالي لعبارة - ناس عاديين -، أم أنك تشير لعلاقتنا؟”.

ابتسم. كانت عيناه مرهقتين. أطبقهما. شعر بجفنيه رطبين نوعا ما. قال:”حسنا. أنا أحب أن أعتقد أنني خاص جدا على نحو من الأنحاء”. وسمع ضحكتها.

قالت:”أنا أريد أن أعرف لماذا اتصلت. ولكنني سعيدة بالكلام معك ولا أمانع إن لم يكن لديك سبب وجيه”.

“سأكون صادقا معك. لقد حركتني متابعة تلك المباراة. موجة العاطفة التي تكلمت عنها. وشعرت بدافع لمكالمتك. أردت أن أخبرك أنني أحبك، وهذا كل شيء”.

لعدة ثوان لم يسمع ردا. ولم يمكنه أن يقرر ماذا تفعل على الطرف الآخر من الخط. ثم جاء صوت خافت مثل ضحكة، ثم أدرك أنها تضحك.

قالت:”أنا أحبك. كنت أفكر بشيء لبق لأشير لمشاعرنا وللتعبير عن حبنا من خلال هذا التواصل الثقافي الطقوسي ككرة القدم، ثم اعتقدت، آه يا إلهي، اصمت. أنا أيضا أحبك وأفتقد لك”.

مسح عينيه بيده التي لا يمسك بها الهاتف. كان لصوتها بسمعه نبرة ناعمة وسائلة ترابطت مع أعمق مشاعر العزاء لديه.

قال:”عطلة الأسبوع التي أمضيتها معك، فكرت بشيء قد يحدث. ولكن لا أعلم. ربما الأفضل أنه لم يحصل”. بلع و تابع:”كذبت بشأن المكالمات المجانية. وربما لا يجدر بي أن أتابع لفترة أطول”.

قالت:”آه. حسنا. هذا شيء طيب. اذهب الآن واحتفل”.

ساد صمت نهائي. وشعر خلاله كلاهما بمشاعر متماثلة ومجهولة، باندفاع متشابه نحو تصرف غير مفهوم، وكل منهما يريد من الآخر أن يقول مجددا: أحبك، أحبك كثيرا، ولكن لم يكن بوسعه أن يقولها تلقائيا. ورغم هذا الشعور بالممانعة غير المتوقعة، بشيء لم يكتمل بعد، كما لو أنهما مسروران بانتزاع كل واحد منهما اعترافا من الآخر، كانت هيلين تعتقد أنها أكثر سعادة لأن كونور هو من بادر بالكلام، وكان كونور يعتقد أنه هو الأسعد بالحقيقة لأنها لم تكن مخمورة بل واعية. أخيرا تبادلا تحية الوداع بذهن شارد.

أعاد كونور هاتفه لجيبه، وابتعد عن جدار الصالة. وفي الطريق الرئيسي تدحرجت سيارة الشرطة، وإشارتها تدور صامتة، وحيا المشجعون الشرطة أو جهة مجهولة لا علاقة لها بكل الحكاية. وأعادت هيلين هاتفها لطاولة قرب السرير وسمعت صوت ارتطام باهت، زجاج يطرق على الخشب، ثم فكرت لحظة بسكون مطبق. ونظرت للجدار المقابل كما لو أن فكرة محددة تبادرت لذهنها للتو. ودون وعي لامست شعرها، لم تغتسل اليوم. ثم بحركة واحدة وتلقائية وطبيعية ظاهريا، أعادت كومبيوترها المحمول لمكانه فوق ساقيها المتقاطعتين ونقرت عليه بأصبعين ممدودتين لتشعل الشاشة.

***

.....................

سالي روني Sally Rooney كاتبة إيرلندية من مواليد عام 1991. أولى رواياتها هي “حوار مع أصدقاء”. وهذه القصة مترجمة عن نيوستايتمان. عدد 12 آب 2017.

 ت: صالح الرزوق

 

 

2386 ماترين ايسيباداترجمة: عادل صالح الزبيدي

(كيف كان بامكاننا ان نحيا او نموت هكذا

ليست هذه اغنيات موالاة حسب،

انما هي اغنيات ثورة ايضا،

لأنني انا من اقسم على ان يكون شاعر كل ثائر شجاع في العالم اجمع.

 وولت وتمن)

ارى الأجسادا السوداء البشرة تسقط في الشارع مثلما سقط اسلافها تحت السياط والحديد، ارى آخر دم يسيل في بركة، آخر نفس يُبصق. ارى بائعا جوالا مهاجرا يخرج محفظته للشرطة، فيطلقون النار عليه مرات عديدة حتى ان ثمة ثقوب رصاص في اخمصي قدميه. ارى نقاش الخشب الأصم وسكينه، يعبر الشارع امام شرطي يصرخ به ثم يطلق النار. ارى غارة مكافحة المخدرات،  تركل الباب الخطأ، قلب القس ينقبض. ارى الرجل الذي ينادي لبيع حفنة من السجائر، وقبضة الشرطي التي تجعل رئتيه اللتين تصفران اثناء التنفس تتوقفان عن الصفير الى الأبد. انا بين الحشد، عند النافذة، راكعا جنب الجسد المتروك على الاسفلت لساعات مغطى بملاءة.

ارى حالات الانتحار: عازف الطبلة الذي تقيد يداه بسبب عزفه في قطار الأنفاق، معلقا في زنزانة السجن بيديه المقيدتين خلف ظهره؛ المشتبه به ينضح الدم من صدره في المقعد الخلفي لسيارة الدورية؛ الفتى ذا الـ 300 باون الذي قيل انه فر مذعورا واعزل نحو وابل الرصاص الذي ملأ جبهته بالثقوب.

ارى المحقق يهز رأسه، الكلمات التي يطبعها في تقريره تحفر في الجلد كأنها مزيد من الرصاص. أرى تحقيقات الحكومة تتكدس، الكلمات تطنطن على الصفحة، ثم تختنق مثلما يختنق النحل في جرة.

ارى الرجل الأسود التالي، يفر مثلما فر العبد الآبق في الماضي من صائد العبيد، ويطلقون النار على ظهره بسبب مصباح سيارة خلفي مكسور. ارى الشرطي يقيد يدي الجثة.

ارى الثوار يتقدمون، رافعين ايديهم امام قوات مكافحة الشغب، وجوها ملفعة بالمناديل لتتفادى الغاز المسيل للدموع، وامر بجانبهم متخفيا. ارى الشعراء، الذين سيكتبون اغاني الثورة التي ستقرؤها او تسمعها  الاجيال التي لم تولد بعد قرن من الآن، كلمات ستجعلهم يتساءلون كيف كان بامكاننا ان نحيا او نموت على هذا النحو، كيف لا يزال ذرية العبيد يفرون ولايزال ذرية صائدي العبيد يطلقون النار عليهم، كيف كنا نستيقظ كل صباح دون ان ينضح دم الأموات من كل مسامة.

***

..........................

مارتين ايسبادا: شاعر أميركي من أصول لاتينية ولد في بروكلين، نيويورك عام 1962 . تلقى تعليمه في جامعتي وسكونسن-ماديسن ونورث ايسترن . نشر أول مجموعة من القصائد السياسية تحت تأثير والده الناشط السياسي البورتوريكي عام 1982 تحت عنوان (فتى الجليد المهاجر بوليرو) ثم تلاها بمجموعة (أبواق من جزر طردهم) في 1987 و(الثورة دائرتا يدي عاشق) في 1990. نال ايسبادا العديد من الجوائز والمناصب الفخرية. من عناوين مجموعاته الشعرية الأخرى (تخيلوا ملائكة الخبز)) 1996؛ (عالم فلك من المايا في مطبخ الجحيم)) 2000؛ (جمهورية الشعر) 2006؛ (كرة المتاعب) 2011 و(يحيا أولئك الذين فشلوا) 2016.

 

2384 serinaترجمة: صالح الرزوق

أجد أن أمسيات تشرين الثاني غير مناسبة  لتسلق الأشجار. بتعبير أوضح أوشكت الحفلة أن تنتهي وتوجب علي أن أغادر. ولم يكن أمامي فرصة للمغادرة، فهربت. صعدت على السلالم، وتسللت من نافذة الحمام، وأصبحت فوق سطح الملحق، ثم انزلقت على حواف جدار يحيط بالمنزل، وبارتفاع ثمانية أقدام، وحاذرت أن لا أعلق باللبلاب الذي يغطيه، وهكذا بلغت الشجرة. وهناك بدأت بالتسلق. لم أشعر بالبرد. لم أكن أشعر بأي شيء، وأنا أتابع طريقي. كنت أود أن أكون معك بقدر ما يمكنني. انتظرت حتى أرسلت الوالدة صديقا ليعيدني للبيت. لم تكن الشجرة مرتفعة جدا. بل هي أعلى من الجدار بحوالي عدة أقدام. وعارية من الأوراق، باستثناء عدد محدود تدلى من الأغصان الجافة. غير أن غصنا متينا يصلح ليكون مقعدا طبيعيا، وهناك يمكن أن تجدني كلما دعت الضرورة للتفكير، أو سمحت لي الحالة النفسية.

من هنا، بمقدوري أن أستمع لجوقة العائلة والأصدقاء معا، كانت أصواتهم تدمدم بوقت واحد حتى أنني لم أفهم كلمة واحدة، كنت أستمع للنغمات، فقط الألتو والسوبرانو في غنائهم الحزين والخاص. وتلك هي الكلمة التي اعتادت الوالدة أن تصفك بها. حالته خاصة. ولا تقول إنه معوق. أو “عاجز فيزيائيا وعقليا”. لم يخبرنا أحد باسم حالتك، ولذلك كنت بالنسبة لنا وببساطة شيئا خاصا. ولكن أتذكر أول مرة أدركت فيها أن “الحالة الخاصة” ليست شيئا جيدا. كنت بكرسيك المتحرك، وتوقفت الوالدة لتتبادل الكلام مع الجيران. فاستلمت أنا القيادة. وكنت بعمر ست أو سبع سنوات وبصعوبة يمكنني أن أشاهد ما وراء كرسيك. لم يكن هناك من يحب الطرق الوعرة مثلك تماما. بدأت أعدو، وأنا أدفعك أمامي، نحو أسفل السفح، وانطلقت ضحكتك بصوت مرتفع ومرح مثل الموسيقا بينما كرسيك يهتز ويرتجف فوق حفر وفراغات الطريق.  كنت لا تزال تضحك. وأنا كذلك. وحينها رأيت الأولاد الآخرين. توقفوا عن اللعب. وقفزت الكرة دون أن يلاحظها أحد وهم يحملقون. فهم لم يشاهدوا مثلك من قبل. وأخطأت بفهم فضولهم معتقدة أنه الرعب. لأول مرة بحياتي القصيرة، شعرت بالرعب الحقيقي. ليس رعب الصغار، ولكن الشعور بالعار والضرر. واتقد الغضب بأوجاع قلبي. وارتعشت منه. ومر كالسهم في جسمي اليافع مع كل دقة قلب. وكان حارا وعميقا مثل الدم الذي يجري في عروقي. وبدأت أصيح:"علام تحملقون؟”. وتابعوا التحديق، حتى حضرت أمنا ورافقتنا للبيت.

الكلام عنه

لم أكن أرغب بالكلام عن الموضوع، وتلك هي المشكلة.

الشخص الوحيد الذي كنت مهتمة بالتكلم معه كان ابن عمي الأصغر، ربما لأنه لا يثرثر. كنا في السابق وفي أيام المراهقة نشترك بحب التمرد، كنا نحبو إلى المطبخ لنسرق علب المشروبات ثم نشربها على السطح معا. ولم أجد في ذلك شيئا غير طبيعي حتى استاء هو. وسألني هل أنا مرتاحة. لم أكن كذلك. والآن يعلو صوته فوق نبرته المعتادة من الأسفل. كان ثملا، وربما سيلومونني على ذلك. ولكنها ليست غلطتي. ليس تماما. مع ذلك ربما سيتهمونني بالإهمال. كنت أجمع أجزاء من الخشب المتساقط من الشجرة، وأقشر منه الطبقة الواقية، حتى يظهر الجلد اليافع تحتها. كان اللحاء يخلف الغبار على أصابعي، وخطوطا سوداء تحت أظافري. ويتسلل بين الأخاديد الرفيعة في أطراف الأصابع. كنت أحرم الشجرة من إمكانياتها. فهي لم تكن جاهزة للذبول. ولكن كانت أظافري متحمسة للحفر بشيء ما وإلا اخترقت راحة يدي. علام يحدق هؤلاء الأولاد؟ ماذا بمقدورهم أن يشاهدوا؟.

الطريقة التي تفرك بها أصابعك معا؟. تحتفظ باليدين متباعدتين وتلمس أطراف الأصابع فقط؟. أم هو فمك العريض، وطريقتك بالابتسام؟. فالزوايا تبدو كأنها تريد أن تبقي الفم مغلقا. هذا غير مناسب. لن تظهر بمظهرك العادي. أنوار الشارع تسرق النجوم. والسماء صلبة، مثل مخمل أسود، ولكن بمقدوري رؤية تلك النجوم المسروقة وهي موزعة مثل بريق مهدور في أرجاء المدينة، وتزحف وراء بيتي. كنت معتادة على رؤيتها. حينها ينتفخ قلبي من هذه الشموس المقيدة بالأرض، هذه الخرافات التي صنعها البشر لتمييز السماء عن الأرض. كما أخبرتكم لا يمكنني أن أشعر بأي شيء، ليس الآن. 

موجود لتستمر

قبل وفاتك لم أكن أعلم أنك لست مخلوقا لا يفنى. من سيعتني بك بعد وفاة والدينا، أتساءل. هل أنا سأفعل ذلك؟. أم أحد أشقائنا، سيحملك، ويطعمك دون الخوف من أن تختنق وهو الشعور الذي يلازمني. هم دائما يتصرفون بطريقة أفضل، ولا يبدو أن الخوف من ضعفك ورقتك يغلب عليهم. وأنت لا تعرف ذلك. ولكن قبل أن يغادر أخوتنا إلى أستراليا، أوقفوني جانبا وأخبروني أنه يجب أن أزيد من اهتمامي بك. والعار لا يزال يلازمني. لم أكن أقصد أن أتعامل معك كشيء مسلم به. كنت أعتقد أنك هنا لتبقى. سألني بالهاتف كيف وافتك منيتك، قلت له كنت أقبض على يدك، وشعرت بك وأنت تنزلق وتضيع مني. فلزم الصمت ولم يجد كلاما ينطق به بعد ذلك. انتظرت بقدر مستطاعي، ولفترة طويلة للغاية. لكن تمنيت لو أنني لم أكن موجودا عندما جرى ما جرى. كان الأجدى أن تتواجد أمي عوضا عني. فأنت ستبذل قصارى جهدك في هذه الحالة من أجلها. وأعلم أن هذا غير عادل، ولكن ما جرى لم يكن منه مهرب. غير أنه ملموس وحقيقي. وشعرت أن الحقيقة دفنت بين أضلاعي حيث يوجد القلب بالعادة.

أغنيات مؤلمة

كانوا ينشدون، المشاركون بالمهرجان، والمعزون، وعائلتي. لم أكن أعرف الأغنية، لكن تخللت نغمتها البطيئة وإيقاعها الرتيب، التنهدات. كانوا يغنون ليتأكدوا من مشاعرهم، ليضيئوها، ليركزوا على شيء مؤلم ومحزن. كنت أفضل الهدوء. لم أسمع أبانا يبكي قبل هذه الليلة. حتى لو كنت بالخارج، ويجب أن أشم الدخان البعيد الذي يهب من نار مواقد الشتاء، ورائحة الجليد النظيف الرقيق، كنت لا أنتبه إلا لعبير البخور. فهو مزدحم في رئتي. وأشم أيضا التوابل والمواد الحافظة. وهذا لا يشبه رائحتك التي تفوح منها المواد المطرية السائلة اللطيفة والنفاذة أيضا. كل ليلة، كان الوالد يرفعك فوق السرير بذراعه القوية، وتدهنك الوالدة بالمراهم بمحبة شديدة حتى تغطي بها كل بشرتك بطبقة سميكة. ما هو المرهم الآخر، المرهم الشبيه بالجلاتين؟. مراهم وسوائل لبشرتك الحساسة. كنت مستلقيا على سريرك لأنه ما من أحد يرغب أن يراك في التابوت.  كانت الغرفة صغيرة ومحصنة، بعيدة عن الضجيج وسكان الوسط، ولكن أمكن للشمس أن تخترقها بطريقة ما، حتى في شهر تشرين الثاني. ونور الشتاء الهزيل كان مخنوقا بالغبار الذي يدور حولك في الفضاء. وهناك ركعت قربك من الصباح للمساء. انتظرت معك، أملا بنتيجة إيجابية، ولم أكن مستعدة لأصدق أن هذا صحيح. وحدقت بصدرك ورغبت لو يتحرك. وأقسم أنه تحرك مرة أو اثنتين. ولكن بقيت يداك باردتين وشعرت بشيء خاطئ.

عناق الصباح

تذكر. ذلك الصباح الباكر حينما كنت أول من استيقظ، وأتيت لأطمئن عليك؟. تدفق نور الشمس وغمر غرفتك. ورفعت وجهك نحوه، وابتسمت بنعومة. ثم نظرت لي، وأعتقد أنك توقعت أنني الوالدة. فقد فتحت ذراعيك بانتظار أن أعانقك. واقتربت من تلك الشرنقة الطرية المشمسة وتلقيت عناقك. كان ذراعاك النحيلان أقوى مما اعتقدت. وعانقتني بقوة، أقوى من عناق أي إنسان عادي. كانت لدينا تحفظات دائمة، نخاف من الحب الحقيقي، ولا نفقد وعينا بالشخص الآخر. لكن ليس أنت. كان عناقك بلا كوابح. ولمست يدك وجهي وضغطته على وجهك، ثم ضحكت ضحكة قصيرة ودافئة. ولم أهتم .أنك تعتقد أنني شخص آخر. فعناقك كان جائزة نادرة بالنسبة لي. وكنت أعلم أن هذا ليس تصرفا شخصيا. لم تكن تحب سقوط شعري على جسمك. لقد سرقت تلك الضمة، وكم أتمنى لو سرقت المزيد. في النهاية أظن أنك لم تمانع أن الزائرة هي أنا. ومن مجلسي، كان البيت يبدو كما هو، ولكن كيف حصل ذلك؟. ماذا سيكون مصير غرفتك؟. وهل سنحتفظ بسرير المستشفيات؟. وهل سنفتح الستائر لننظر من المطبخ  إلى أرجاء غرفتك، المسرح اليومي لصراع الحياة والموت والذي نحتاج لمن يذكرنا به؟. ضغطت قبضتي على صدري ورغبت أن يتابع قلبي المفطور بالحزن عمله. زاد جليد الليل، وغطت البقع ذراعي المكشوفين، ولكن لم يواتني الشعور بالبرد. كل ما انتابني هو الألم. وتوقفت لقمة صلبة في حلقي. بلعت شيئا ضارا كأنه حجرة ولكنه استقر في تجويف رقبتي. وتفرقت دمدمة الأصوات وسمعت كلمة واحدة ملحنة تردد اسمي. سؤال، أين أنت، ماذا تفعلين، تعالي هنا. ولم أفكر بالعودة.

لم أود أن أحتفل، أو أن أعزي، أو أن أبتسم ابتسامات باردة وبسيطة. أردت أن أجلس هنا وأفكر بلحن ضحكتك. كنت مرعوبة من النسيان. وفي نهاية المطاف سأهبط من مقعدي. وسأقترب بحذر من اللبلاب، وأتسلق إلى حافة البيت، وأتسلل من نافذة الحمام. وسأتلقى عناقا قويا ومكبوتا، لكنه ليس مثلك. فالأطباء لم يخبرونا باسم حالتك. أنت وحدك من تعاني من هذه الأعراض بالإضافة إلى طفل آخر في جنوب إفريقيا. أنتما نادران جدا. ولا زلت أفضل أن أفكر بك على أنك “حالة خاصة”.

***

...........................

سيرينا لوليس Serena Lawless كاتبة إيرلندية. متخصصة بالكتابة الإبداعية. حازت على منحة من مجلس بلدية غالواي للفنون. تعمل حاليا على روايتها الأولى لليافعين.  والقصة منشورة في آيريش تايمز. عدد 28 نيسان 2018.

ت: صالح الرزوق

 

 

 

علي القاسميبقلم: جاك كيرواك

ترجمة: علي القاسمي


كنتُ قد اشتريتُ تذكرتي، وأخذتُ أنتظر الحافلة المتوجّهة إلى مدينة لوس أنجلس، عندما رأيتُ، فجأةً، أملحَ فتاةٍ مكسيكيةٍ صغيرةٍ بملابس خفيفة، تعبُر أمام ناظري. كانت جالسةً في إحدى الحافلات التي توقّفتْ لتوّها مع آهة كبيرة أطلقتها الفرامل الهوائية، وراحتْ تُفرغ ركّابها خلال توقُّف للاستراحة. كان نهداها بارزيْن منتصبيْن، وبدا ردفاها الصغيران لذيذين، وشعرها طويلاً أسودَ فاحماً لامعاً، وعيناها نافذتيْن زرقاويْن واسعتيْن مع ظلالٍ من الخجل في غوريْهما. تمنيتُ لو كنتُ في حافلتها. وطعن قلبي ألمٌ ممضٌ، كما يحصل لي كلَّ مرّةٍ رأيتُ فيها فتاةً أحببتُها بيدَ أنها ذاهبةٌ في الاتجاه المعاكس في هذا العالَم الكبير جداً.

أعلن مسؤول الاستعلامات في محطة الحافلات: " إن الحافلة المتجهة إلى لوس أنجلس تحمّل ركّابها الآن في الباب رقم 2." فصعدتُ إلى الحافلة. رأيتها جالسةً وحدها. جلستُ قبالتها بالضبط إلى جانب النافذة الأخرى، وشرعتُ في التخطيط حالاً. كنتُ أشعر بالوحدة جداً، وحزيناً جداً، ومتعباً جداً، ومرتبكاً جداً، ومفلساً جداً، ومنهكاً جداً، لدرجة أنني استجمعتُ شجاعتي، الشجاعة الضرورية للاقتراب من فتاة غريبة، وأقدمتُ على الفعل. ومع ذلك، كان عليَّ أن أُمضي خمس دقائق، وأنا أربتُ بيدي على فخذي في الظلام فيما الحافلة منطلقة في الطريق. " يجب، يجب، وإلا ستموت. أيها الأحمق اللعين، تحدَّث إليها. ما خطبكَ؟ ألستَ متعباً من نفسك بما فيه الكفاية الآن؟" وقبل أن أعرف ما كنتُ أفعل، ملتُ على الممر في اتجاهها (كانت تحاول النوم على مقعدها): " آنسة، هل تودين أن تستعملي معطفي وسادةً؟" فنظرتْ إليّ بابتسامةٍ وقالت: " لا،  شكراً جزيلا ً لكَ". عدتُ مستوياً في مقعدي وأنا أرتجف، وأشعلتُ عقب سيجارة.

انتظرتُ حتى التفتتْ إليّ بنظرة جانبية سريعة حزينة، فاعتدلتُ وملتُ نحوها: " هل لي أن أجلس معك، يا آنسة؟"

ـ " إذا ترغب."

وهذا ما فعلتُه. " إلى أين ذاهبة؟"

ـ " لوس أنجلس."

أحببتُ الطريقة التي ينطق بها كلُّ واحد في الساحل الغربي اسم لوس أنجلس. فهي مدينتهم الذهبية الوحيدة، بعد أن يُقال كلُّ شيء وبعد أن يُفعَل كلُّ شيء.

صرختُ: " وهذه وجهتي كذلك. وأنا سعيد جداً، لأنك سمحتِ لي بالجلوس معك. فأنا أشعر بالوحدة  حقاً، وأنا مسافر منذ وقتٍ طويل جداً."

ورحنا نسرد قصَّتيْنا. قصتها كما يلي: كان لها زوج وطفل. وكان الزوج يضربها، فتركته خلفها هناك في بلدة سابنال جنوب مدينة فرزنو، وهي الآن ذاهبة إلى لوس أنجلس لتعيش مع أختها مدة من الزمن، وقد تركتْ ابنها الصغير مع عائلتها التي تعمل في قطف العنب وتسكن في كوخ في حقول العنب. لم يكن لديها ما تفعله سوى الجلوس والاكتئاب والجنون. وأحسستُ برغبةٍ في وضع ذراعي حولها في الحال. وتحدّثنا وتحدّثنا. قالت إنها تحب أن تتكلَّم معي. وسرعان ما قالت إنَّها تتمنى لو تستطيع الذهاب إلى نيويورك كذلك. ضحكتُ قائلاً : " ربما نستطيع".

تسلّقت الحافلةُ، بأنينٍ مسموع، ممرَّ النبيذ، ثم صرنا نهبط في منفسحٍ واسعٍ من الضوء. ومن دون التوصُّل إلى اتفاقٍ معيّن، أخذنا نمسك بيدَي بعضنا. وبنفس الطريقة، تقرَّر بصورة صامتة وجميلة ونظيفة، أنّه عندما أحصل على غرفتي في أحد فنادق لوس أنجلس، ستكون بجانبي. كان جسمي كلُّه يتوق إليها. وغمرتُ وجهي بشعرها الجميل، وجعلني كتافاها الصغيران أُجنّ، فضممتها وضممتها إليّ، وأعجبها ذلك.

قالت وهي تغمض عينيها: " إنني أُحبّ مطارحة الغرام."، فوعدتها بغرام جميل. ورحتُ أتأملها بإعجاب ونشوة. لقد سُرِدت قصتينا، وخلدنا إلى الصمت، وإلى التأملات والتوقعات الحلوة. هكذا بكلِّ بساطة. وأنتَ تستطيع أن تحظى بجميع الفتيات في هذا العالَم، أمّا هذه فهي فتاتي، وهي نوع الفتاة التي تتمناها روحي. وقد أخبرتها بذلك. فاعترفتْ لي بأنَّها رأتني وأنا أراقبها من مسطبة محطة الحافلات " حسبتُ أنَّك فتىً لطيفٌ في إحدى الكلِّيات."

أكّدت لها قائلاً: " آه، إنني طالب في الكلِّيَّة.".  وصلت الحافلة إلى هوليوود، في الفجر القذر الرمادي، تماماً مثل ذلك الفجر الذي التقى فيه جويل ماكري  بفتاته فيرونكا ليك وهو في مطعم القطار في فيلم " رحلات سوليفان". ونامت في حضني. تطلعتُ بنهم إلى خارج النافذة. بيوت مطلية بالجص، وأشجار نخيل، ودور سينما مكشوفة، وجميع تلك الأشياء المجنونة، أرض الميعاد المهترئة، النهاية الخلابة لأمريكا.

نزلنا من الحافلة في الشارع الرئيس الذي لا يختلف عن أيِّ شارعٍ تتوقَّف فيه الحافلة في مدينة كنساس أو شيكاغو أو بوسطن. فهو مبنيٌّ بالآجر الأحمر، وقذر، ويتجوَّل فيه الناس، والعربات ذات القضبان الحديدية، في فجرٍ بلا أمل، ورائحة المدينة الكبيرة القذرة.

وهنا اختلّ عقلي. لا أدري لماذا. راحت تراودني رؤىً مرعبةٌ مفادها أن تيريزا، أو تيري، اسمها، هي مجرد محترفة عاديّة تعمل على الحافلات لحساب مجرم، بحيث ترتِّب هي مواعيد مثل موعدنا في لوس أنجلس، فتجلب الضحية المغفَّل أوَّلاً إلى مكانٍ يتناولان فيه الفطور، وهناك ينتظرها صاحبها، ثمَّ إلى فندقٍ يستطيع هذا دخوله وهو يحمل مسدسه أو ما أشبه. لم أصارحها بهذه الرؤى. تناولنا فطورنا، وظلَّ قوادٌ يراقبنا. تخيّلتُ تيري وهي تبعث إليه بإشارات سرّيّة بعينيْها. كنتُ متعباً وشعرتُ غريباً وضائعاً في مكانٍ مُقرِفٍ بعيد. وسيطر رعبٌ أبله على أفكاري، وجعلني أتصرَّف بطريقةٍ رخيصةٍ تدعو إلى الرثاء. فقلتُ:

ـ " هل تعرفين ذلك الرجل؟"

ـ " أيُّ رجل تعني، يا عزيزي؟"

تخلّيتُ عن سؤالي.

كانت بطيئة، وتتمهل في كلّ شيء تفعله، فاستغرق منها الأكل وقتاً طويلاً، فقد كانت تمضغ ببطء، وهي تحدّق في الفراغ؛ وتدخِّن سيجارتها ببطء، وهي تواصل الحديث. وكنتُ أنا مثل شبحٍ منهكٍ يشكُّ في كلِّ حركةٍ تقوم بها، ظنّاً منه بأنّها تتباطأ كسباً للوقت. كانت تلك نوبةً من نوبات المرض، وكنتُ أتصبب عرقاً، فيما كنا نسير في الشارع ويدي في يدها. وظلَّ الناس يلتفتون وينظرون إلينا. وجدنا غرفةً فارغةً في أول فندق ولجناه، وقبل أن أدري، وجدتني أغلق الباب خلفي وهي جالسة على السرير، تخلع حذاءها. قبَّلتُها، وأنا خائف. ومن الأفضل أن لا تعرف حالتي. ولكي نريح أعصابنا، أدركتُ أنَّنا في حاجة إلى قنينة ويسكي، خصوصاً أنا. أسرعتُ خارجاً وبحثتُ بسرعة عبر اثني عشر شارعاً حتى وجدتُ قنينة ويسكي للبيع في كشكٍ لبيع الصحف. وجريتُ عائداً بنشاط. كانت تيري في الحمام تزيِّن وجهها. صببتُ شراباً في كأس زجاجي كبير، وتناولنا جرعات منه. آه، لقد كان شراباً حلواً ولذيذاً، ويساوي حياتي، جميع حياتي، ورحلتي الحزينة. وقفتُ خلفها أمام المرآة ورقصنا في الحمّام بتلك الوضعية. وطفقتُ أتحدّثُ عن أصدقائي في الساحل الشرقي. قلتُ: " ينبغي أن تقابلي فتاةً رائعةً أعرفها، اسمها دوري، طولها ستة أقدام وشعرها أحمر. إذا أتيتِ إلى نيويورك، فإنَّها ستُريكِ أين تحصلين على عمل."

سألتْ بشيءٍ من الريبة:

ـ " مَن هي هذه الفتاة ذات الشعر الأحمر التي يبلغ طولها ستة أقدام؟ لماذا تتحدّث إليّ عنها؟"

في فهمها البسيط، لم تستطِع أن تتصوَّر أن كلامي كان نتيجة حالتي العصبية المبتهجة. لم أتابع الحديث. وأخذتْ تنتشي وهي في الحمّام. ورحتُ أردِّد: " تعالي إلى الفراش."

ـ " فتاة ذات شعر أحمر وطولها ستة أقدام، أليس كذلك؟ وكنتُ أحسب أنكَ طالب كليّة لطيف. رأيتكَ مرتدياً كنزتك الجميلة، وقلتُ في نفسي: أليس هو لطيفاً؟ لا، لا، ثمَّ لا. لا بُدَّ أنكَ قوّاد لعين مثلهم جميعاً."

ـ " ماذا تقولين بحق الجحيم؟"

ـ " لا تقف هناك وتخبرني أنَّ تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر والتي يبلغ طولها ستة أقدام ليست عاهرة، لأنَّني أعرف العاهرة عندما أسمع عنها، وأنتَ مجرَّد قوّاد مثل بقية الآخرين الذين ألتقي بهم. كلُّ واحدٍ قوّاد."

ـ " اسمعي، يا تيري. أنا لستُ قوّاداً. أقسم لك بالكتاب المقدَّس، أنا لستُ قوّاداً. لماذا أكون قوّاداً. أنا مهتمٌّ بكِ فقط."

ـ " طوال الوقت، كنتُ أحسب أنني التقيتُ بفتى لطيف. كنتُ مسرورة جداً. هنّأتُ نفسي وقلتُ: آه إنه فتى لطيف حقاً، بدلاً من قواد لعين."

توسّلتُ إليها بكلِّ جوارحي، قائلاً:

ـ " تيري، استمعي إليَّ رجاءً وافهميني. أنا لستُ قوّاداً. أنا مجرّد فتى برئ. انظري إلى محفظتي."

وقبل ساعةٍ، حسبتها محترفة. ما أحزن ذلك. اختلف عقلانا بما كانا يخزنانه من جنون. أيتها الحياة الفظيعة، كم أننتُ، وشكوتُ، وغضبتُ، ثم أدركتُ أنني أشكو إلى فتاة مكسيكية صغيرة غبيّة، وقد أخبرتها بذلك. وقبل أن أعرف ما أفعل، أخذتُ فردتي حذائها الأحمر ورميتهما على باب الحمّام، وأمرتها بالخروج فوراً: " اخرجي. اذهبي". أما أنا فسأنام وأنسى، لي حياتي الخاصة، حياتي المهترئة الخاصة الحزينة إلى الأبد. ران هناك صمت ثقيل في الحمّام. وخلعتُ ملابسي وأويتُ إلى الفراش. خرجتْ تيري من الحمّام ودموع الندم في عينيها، فقد رسخت في فكرها الصغير البسيط والمضحك حقيقةٌ مفادها أنَّ القواد لا يرمي باب الحمّام بحذاء المرأة، ولا يطلب منها الخروج من غرفته. وبصمتٍ وقورٍ وحلوٍ، خلعتْ ملابسها ودسّت جسمها الصغير في المُلاء معي. كان جسدها أسمر كالعنب، ووركاها ضيقيْن جداً، بحيث إنها لا يمكن أن تحمل بجنين دون أن تنشرخ، ولهذا لاحت ندبة عمليّة قيصرية على بطنها المسكين. وكانت ساقاها مثل عُصيَّتيْن صغيرتيْن. وكان طولها أربعة أقدام وعشرة بوصات. طارحتها الغرام في حلاوة الصباح المرهَق. ثم حلّق ملاكان صغيران من نوع ما في موضع من مواضع مدينة لوس أنجلس، بعد أن عثرا على ألذِّ شيء في الحياة معاً، فقدغشانا النعاس وبقينا نائميْن حتى الظهر.

وفي الخمسة عشر يوماً التالية، كنا معاً في السراء والضراء. قررنا أن نسافر إلى مدينة  نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب"، وستكون صديقتي في المدينة. وتصوّرتُ تعقيدات غريبة، وتصورت فصلاً، فترة جديدة. أولاً، ينبغي علينا أن نعمل، ونكسب مالاً كافياً للرحلة. وكانت تيري مستعدة للبدء حالاً بدولاراتي العشرين. لم أحبّذ الفكرة. ومثل أحمق ملعون، فكَّرتُ في المشكلة مدة يوميْن وأنا أقرأ الإعلانات عن عروض العمل في صحف مدينة لوس أنجلس الجديدة التي لم أرها في حياتي من قبل، في المطاعم وفي الحانات، حتى تضاءلت دولاراتي العشرين إلى اثني عشر دولاراً، وازداد الوضع سوءاً. كنا فرحيْن كطفليْن بغرفتنا الصغيرة في الفندق. في منتصف الليل نهضتُ، لأنّني لم استطع النوم، وسحبتُ الغطاء على كتفَي الحبيبة السمراوين، وأخذتُ أتفحّص لوس أنجلس في الليل. ما أوحش هذه الليالي الحارة الشبحية. عبر الشارع، ثمة مشكلة. هناك نُزلٌ قديم متهالك صار مسرحاً لفاجعة من نوع ما؛ فقد توقَّفت سيّارة الشرطة تحتنا، وأخذ رجال الشرطة يستجوبون شيخاً ذا شعر أشيب.  وراح صوت النحيب يصلنا من داخل النُّزل مع طنين مصابيح النيون. كان في وسعي أن أسمع كل شيء مع طنين مصابيح النيون في فندقي.  لم أشعر بالحزن في حياتي أبداً كما شعرتُ به آنذاك. فلوس أنجلس هي أكثر المدن الأمريكية وحشة وقسوة. تصبح نيويورك باردة جداً في الشتاء، ولكن يخامرك شعور بأنَّ ثمَّة رفقة حميمة في مكان ما في شارع ما، أما لوس أنجلس فهي الغاب.

في الشارع الرئيس الجنوبي، حيث كنا أنا وتيري نتمشى فيما نتناول السجق، كان هنالك مهرجان من الأضواء والهياج؛ فقد كان رجال الشرطة الذين يلبسون أحذيتهم الطويلة العنق، يلاحقون مجموعة من الشباب المرحين في كل زاوية تقريباً. وعلى قارعات الشوارع، تتمشى جماعات من أفظع الأشخاص المسحوقين. كلُّ ذلك يجري تحت نجوم جنوب كالفورنيا الناعمة الضائعة في الهالة الداكنة للمخيّم الصحراوي. في وسعك أن تشمّ رائحة الشاي، ورائحة الأعشاب، أعني رائحة الميراوانا وهي طافية في الهواء ومختلطة بروائح اللوبيا بصلصة الفلفل الأحمر والبيرة. وتصلك أصوات موسيقى الجاز الصاخبة من صناديق الموسيقى في حانات البيرة، لمغنين مثل ديزي وبيرد وباغز ومايلز في أغانيه الأولى، وتختلط هذه الأغاني بكل نوعٍ من أغاني رعاة البقر والأنغام النشاز في الليل الأمريكي. كلُّ واحدٍ من المارّة يبدو مثل هونكي. وجاء زنوج طوال ذوو لحى، وهم يعتمرون خوذاً صغيرة ومرّوا وهم يضحكون. وقدِمَ شبان طوال الشعر مفلسون من الطريق رقم 66 من نيويورك،  ثمٌّ وصل رعاعٌ وهم يحملون أكياساً ويتجهون إلى مسطبة في الحديقة الكائنة في الميدان. ثم ظهر قسسٌ من الكنيسة المثوديستية بأكمامهم المطرّزة، وبرز قديس بلحيته ونعله. كنتُ أودّ أن أقابلهم جميعاً وأتحدّث مع كلِّ واحد منهم، ولكن تيري أسرعت إليّ، فقد كنا مشغولين في محاولة الحصول على عمل لنا معاً، مثل كلِّ فرد آخر.

ذهبنا إلى هوليوود في محاولة للعمل في صيدلية تقع عند ملتقى شارع الغروب وشارع الكروم. كانت الأسئلة التي وُجِّهت إلينا، في المكاتب الكائنة في الطابق الأعلى، للتأكد من صلاحيتنا للعمل في نضد المشروبات اللزج القذر، خبيثة لدرجة أنها أضحكتني. إنها قلبت معدتي. زاوية شارعي الغروب والكروم ـ أية زاوية!  الآن هناك زاوية! الآن وصلت عائلات كبيرة من المناطق الخلفية وترجلت من سياراتها القديمة ووقفت على قارعة الطريق تتحيّن الفرصة لإلقاء نظرة على نجم سينمائي، والنجم السينمائي لم يظهر أبداً. وعندما تمرُّ سيارةٌ فارهةٌ، يتسابق الواقفون بلهفة إلى حافة الطريق لينظروا إلى مَن فيها. وهناك في السيارة تجلس شخصيّةٌ ترتدي نظارة سوداء بصحبة شقراء مرصٌّعة بالجواهر. " إنه الممثل ألدون أميش، إنه ألدون أميش." ، " لا، إنه الممثل جورج ميرفي، جورح ميرفي." ويستديرون بلا نظام وينظر أحدهم إلى الآخر. وتسرع فتيات صغيرات جميلات وهن يحملن صينيات الأطعمة. فقد جاءت تلك الفتيات بالآلاف إلى هوليوود ليصبحن ممثلات في السينما، ولكنهن بدلاً من ذلك اشتغلن في مزابل الآخرين، بما فيه مطاعم داريل زانوك. ووصل فتيان  وسيمون شاذون، كانوا قد جاءوا إلى هوليوود ليصبحوا رعاة بقر في الأفلام، وصلوا يتنزهون وقد صبغوا حواجبهم بأصباغ الأظافر. أولئك الفتيات الصغيرات الجميلات يسرن وهن يرتدين الملابس الخفيفة في موكب طويل لا يُصدَّق، حتى تظنَّ أنك في الجنة، ولكنك في حاجز التطهير فقط، وكل فرد على وشك أن يُغفَر له. جاءت أولئك الفتيات ليكن ممثلات، وانتهى بهن الحال ليكن نادلات في دور السينما المكشوفة، العبوس على وجوههن، وندبات على سيقانهن العارية.

حاولنا أنا وتيري أن نجد عملاً في المطاعم أو دور السينما المكشوفة. لم يكن هناك عمل في أي مكان. الحمد لله. كان شارع هوليوود مزدحما بالسيارات العظيمة ذات الصخب المجنون. كانت هناك حوادثُ سيرٍ طفيفةٌ مرةً كلَّ دقيقة على الأقل. كلُّ واحد منطلق إلى آخر نخلة...وفيما وراء ذلك لا توجد سوى الصحراء والخلاء. هكذا حسبوا. وأنتَ لا تتوقع أن يعرف كل واحد بأنك تستطيع أن تجد الماء في الصبّار ولا حلوى التوفي في نبات المسكيت الشائك.  ووقف فتيان هوليوود أمام المطاعم الراقية، وهم يتجادلون بصوتٍ عالٍ مفعم بالخيلاء تماماً بنفس الطريقة التي كان فتيان برودواي يتجادلون فيها على أرصفة الشوارع في " جاكوب بيتش" في نيويورك، مع فارق واحد هو أنهم هنا يرتدون بدلات خفيفة وكلامهم أكثر تفاهة ومملاً بصورة لا توصف. ومرّ بنا كهنة طوال نحاف الأجسام. وهناك مجموعة من سيدات في السبعينيات من عمرهن، ينتمين إلى جمعية الرزكروشي الدينية القديمة، وهن يعتمرن عصابات في شعرهن، وقفن تحت أشجار النخيل بصورة لا تدلُّ على شيء. وجرت نساء غليظات وهن يصرخن وعبرن الشارع ليقفن في طابور المشاركين في العروض الاختبارية. ورأيتُ الممثل جيري كولونا وهو يشتري سيارة في محلِّ سيارات " بيوك"، كان وراء النافذة الزجاجية الكبيرة وهو يفتل شاربيه. أمرٌ لا يُصدَّق ولكنَّه حقيقي، تماماً مثل رؤية  الممثلين البدلاء الثلاثة المضحكين ذوي الوجوه المطلية باللون الأبيض، وقد غطّوا وجوهم بالرماد في غرفة حقيقية. أكلنا أنا وتيري في كافتيريا في وسط المدينة، وكانت مزخرفة بطريقة تجعلها تبدو مثل كهف، مع عصافير معدنية منتشرة في جميع أنحاء المكان، مع تماثيل صخرية تمثل حوريات البحر ونبتون الزلق. وكان الناس يتناولون وجبات تعيسة حول الشلالات، ووجوههم كئيبة يطبعها حزن البحارة. وجميع رجال الشرطة في لوس أنجلس يبدون مثل رجال بغاء وسيمين؛ من الواضح أنهم قدِموا إلى لوس إنجلس ليكونوا ممثلين. كلُّ شخص كان قد جاء إلى لوس أنجلس ليعمل في السينما، حتى أنا. وأخيراً اضطررتُ أنا وتيري إلى تخفيض توقعاتنا إلى محاولة الحصول على عمل في الشارع الرئيس الجنوبي، مع عمال المطاعم المتعبين وفتيات غسل الصحون الذين لا يخفون الإنهاك الذي يصيبهم؛ وحتى هناك لم نحصل على عمل. ما زال لدينا اثنا عشر دولاراً.

قالت تيري:

ـ " سآخد ملابسي من أختي، وسنسافر إلى نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب". هيّا يا رجل لنفعلها. إذا لم يكن في وسعك التصرف، فأنا أعرف ، وسأريك كيف." والجزء الأخير من كلامها عبارة عن أغنية من أغانيها التي تنشدها دوماً، محاكيةً إسطوانة مشهورة. أسرعنا إلى منزل أُختها في الأكواخ المكسيكية المنتشرة فيما وراء شارع الميدا. انتظرتُ في زقاقٍ مظلمٍ خلف المطابخ المكسيكية، لأنه ليس من المفروض أن تراني أُختها، فذلك لا يروق لها. كانت الكلاب تجري بالقرب مني. وثمة مصابيح صغيرة تضيئ أزقة الفقراء الضيقة. وقفتُ هنالك وأنا أرتشف جرعات كبيرة من قنينة نبيذ، وأرقب النجوم، وأستمع إلى الأصوات الصادرة من الجوار. وكان في وسعي أن أسمع تيري وأختها تتجادلان في تلك الليلة الدافئة الهادئة. وكنتُ مستعداً لأي شيء. خرجتْ تيري وسحبتني من يدي إلى الشارع المركزي الذي هو الممشى الرئيس الملوَّن في لوس أنجلس. وأي مكان غريب هو، فقد كان يضم أكواخاً صغيرة لا تتسع بالكاد إلا إلى صناديق الموسيقى التي كانت تطلق لاشيء سوى الأغاني الخفيفة والشعبية والراقصة. وارتقينا سلم بناية قذرة ووصلنا إلى غرفة صديقة تيري، واسمها مرغرينا، وهي فتاة ملوّنة يبدو أنَّ أمها الحنون أسمتها بذلك الاسم  بعد أن تهجّت الاسم مكتوباً على علبة زبدة اصطناعية. وكانت مرغرينا، وهي خلاسية لطيفة، قد استلفتْ من تيري فستاناً وحذاء، وكان زوجها زنجياً أسود كالمسك ولطيفاً. خرج في الحال واشترى قنينة ويسكي للقيام بواجب الضيافة نحوي بطريقة لائقة. حاولتُ أن أدفع له بعض ثمنها ولكنَّه رفض. ولهما طفلان صغيران كانا يتقافزان على السرير الذي كان ساحة لعبهما. وضعا أذرعهما حولي وأخذا ينظران إليّ بعجب. وكان ضجيج الليل الغريب الصادر من الشارع المركزي يعوي ويدوي في الخارج، مثل موسيقى " رقصة الشارع المركزي" التي وضعها الموسيقار هامبتون. كانوا يغنون في القاعات، ويغنّون عبر نوافذهم، وما عليك إلا أن تنظر إلى الخارج. أخذت تيري ملابسها وقالت وداعاً. ذهبنا إلى أحد المطاعم في الأكواخ الصغيرة ورحنا نستمع إلى الأغاني التي نضع اسطواناتها في صندوق الموسيقى. قرّرنا ما سنفعله ونحن نتناول البيرة: لقد قررنا أن نسافر، بما تبقى لنا من نقود،  إلى نيويورك بطريقة الـ " أوتو ستوب". كان لديها خمسة دولارات من أختها. أسرعنا عائدين إلى الأكواخ. وهكذا وقبل أن يحل موعد تسديد أجرة الغرفة ليوم جديد، حزمنا أمتعتنا وسافرنا في سيارة حمراء متجهة إلى أركاديا، كاليفورنيا، حيث يوجد ميدان سباق الخيل  "سانتا أنيتا" تحت جبال مكللة بالثلوج، كما كنتُ أعرف ذلك أيام فتوتي من ملصقات صور سباق الخيل في دفاتري القديمة الحزينة، التي يظهر فيها أزوكار وهو يربح الجائزة الكبرى التي قيمتها مائة ألف دولار سنة 1935، وفي إمكانك أن ترى الثلوج الباهتة مكومة على ظهور الجبال المنحنية. كنا في الطريق رقم 66، والوقت ليل. وكنا متجهين إلى الفضاء الشاسع الذي هو القارة الأمريكية. ومشينا، ويدينا متلازمتان، عدة أميال في الطريق المظلم، لنخرج من المنطقة المأهولة بالسكان. كانت ليلة السبت. وقفنا في الطريق تحت أحد المصابيح ونحن نشير بإبهامينا عندما مرّت بنا فجأة سيارات محملة بالصبيان وهم يرفعون الرايات ويصرخون: " ياه، ياه، نحن انتصرنا، نحن انتصرنا." ثم رفعوا أصواتهم في اتجاهنا، وقد أصابتهم نشوة كبيرة لرؤية فتى وفتاة يسيران في الطريق. عشرات منهم مرّوا علينا في موجات متعاقبة، "وجوه غضة وأصوات فتية مبحوحة"، كما يُقال. لقد كرهتُ كلَّ واحدٍ منهم. مَن يظنّون أنفسهم ليصرخوا في وجه شخصٍ ماشٍ في الطريق. ألأنهم صبيان مدرسة ثانوية، وآباءهم من الأغنياء الذين يهيئون المشويات عند الظهر أيام الآحاد؟  لم نحصل على أحد يأخذنا معه بسيارته إلى نيويورك. فتوجّب علينا أن نعود مشياً إلى المدينة، والأسوأ من ذلك كله أننا كنا بحاجة لفنجان فهوة، ومن سوء حظنا أننا رجعنا إلى نفس المكان المبهرج الموشى بالأخشاب الذي يضم نضد البيرة في مقدِّمته. ونفس الصبيان كانوا هناك، ولكننا لم نعِرهم بالاً. وارتشفنا أنا وتيري قهوتنا والكاكاو. لدينا حقائب بالية والعالم كله أمامنا... وجميع تلك الأرض هناك، تلك الصحراء المتربة، والضوضاء. كنا نبدو مثل زوجين متجهميْن من الهنود الحمر أمام طاولة المشروبات الغازية في ينابيع النافاهو ورأساهما منحنيان على الطاولة. والآن لاحظ تلاميذ المدرسة أن تيري مكسيكية، قطة باشوكو برّيّة، وأن رفيقها أسوء من ذلك. سارت تيري بين التلاميذ وأنفها الجميل مرتفع في الهواء، ونحن نخرج من هناك. وتجولنا معاً في الظلام على طول قنوات صرف الطريق السيار. كنتُ أحمل الحقائب وأردتُ أن أحمل أكثر من ذلك. سلكنا الطريق وواصلنا السير وكنا نتنفس الضباب في هواء الليل البارد. لم أرِد أن أستمر دقيقة أخرى دون أن أستمتع براحة ليلة دافئة في فراش دافئ معاً. اللعنة على الصباح، ولنختفي عن أعين العالم ليلة أُخرى. أردتُ أن أضمّها بين أطرافي كلها، لا تحت ضوء المصابيح بل تحت ضوء النجوم المطلة علينا من النافذة. ذهبنا إلى نُزل في الطريق، وسألنا ما إذا كان لديهم غرفة. نعم. حجزنا غرفة صغيرة مريحة لقاء أربعة دولارات. كنتُ سأنفق نقودي على أية حال. ثمة حمّام، ومناشف، وراديو على الجدار، وكلُّ شيء، مجرَّد لليلةٍ واحدةٍ أُخرى. تعانقنا بقوَّة. وتبادلنا حديثاً جديّاً طويلاً، واستحممنا، وناقشنا أموراً على الوسادة وتحت أضواء المصابيح. وتمّ الاتفاق على شيءٍ ما، فقد أقنعتها بأمرٍ قبلتْه، وختمنا اتفاقنا في الظلام، بلا أنفاس. ثم رضينا مثل حمليْن وديعيْن.

في الصباح، انطلقنا بجرأة لتنفيذ خطتنا الجديدة. ارتدت تيري نظارتها الشمسية الغامقة، فأعطتها هيبة ووقاراً، وهي على وجهها الحاد الصغير الجميل، ذي الأنف النبيل، الذي يشبه أنفاً هندياً صقري الشكل، ولكن مع خدين أسيلين لطيفين لاستكمال تورّد حياء وجهها البيضاوي، مع شفتين ممتلئتين ياقوتيتين، وأسنان منظومة مثل حاشية فستان العمّة جميما، وليس هنالك من لون طيني عليها، ولكنْ لونٌ مثل خضاب على بشرتها المغولية. كنا ذاهبيْن لنستقل حافلة متوجهة إلى بيكرسفيلد لقاء آخر ثمانية دولارات لدينا ونعمل هناك في قطف العنب. " فبدلاً من الذهاب إلى نيويورك الآن، استقر رأينا على أن أعمل لفترة ونحصل على ما نحتاج، ثم نذهب إلى  نيويورك بالحافلة دون أن نضطر إلى السفر بطريقة الـ " أوتو ستوب"، فقد رأينا أن هذه الطريقة لم تفلح.."

وصلنا بيكرسفيلد مساءً، مع خطتنا لمقابلة كلِّ بائع فواكه بالجملة في المدينة. قالت تيري إننا نستطيع أن نسكن في خيام أثناء العمل. وقد راقت لي فكرة النوم في خيمة، وقطف العنب في صباحات كالفورنيا الباردة، بعد تمضية الليالي على موسيقى الغيتار واحتساء النبيذ مع العنب المغموس. " لا تقلق لأي شيء".

ولكن لم يكن هناك عمل يمكن الحصول عليه، وإنما كثير من الارتباك حيث أعطانا كلُّ واحد قابلناه معلومات مشوشة وكثيراً من النصائح.(" اذهبا إلى الطريق الزراعي وستجدان ساكانو")، ولم تتبلور فرصة العمل. وهكذا ذهبنا إلى مطعم صيني وتناولنا ما قيمته دولار من أكلة (تشو ميان) مع عائلات مساء السبت الحزين، نراقبهم، ثم ننطلق بجسم مقوّى. ذهبنا، عبر طرق المحيط الجنوبية، إلى الحي المكسيكي. ورطنت تيري مع أبناء جلدتها طالبة عمل ما. حلّ الليل الآن وليس لدينا سوى بضعة دولارات. وكان الشارع في تلك البلدة المكسيكية مرصوفاً بالمصابيح الكهربائية المتوهجة، وسرادق الأفلام، وبسطات الفواكه، وأروقة الدكاكين، ، وخمسة وعشرة ومائة من الشاحنات المهترئة والسيارات المغطاة بالوحل الواقفة في كلِّ مكان. وكانت عائلات مكسيكية بأكملها تعمل في قطف الفواكه تتجول في المكان وأفرادها يأكلون حبوب الذرة المشوية. وتحدّثتْ تيري مع كلِّ واحد منهم. وأخذ اليأس ينتابني. ما كنتُ في حاجة إليه وما كانت تيري في حاجة إليه كذلك، هو مشروب. ولهذا اشترينا قنينة من نبيذ كاليفورنيا بمبلغ 35 سنتاً وذهبنا إلى ساحة تجمع القطارات لشربها. وجدنا مكاناً حيث جلس العمال المتجولون على صناديق بالقرب من النار. جلسنا هناك وشربنا النبيذ. ثمة سيارات شحن إلى يسارنا، وقد بدت حزينة وحمراء قاتمة تحت ضوء القمر؛ ولاحت أمامنا مباشرة أضواء مطار باكرسفيل؛ وعلى يميننا مخزن ضخم للألمنيوم. تذكّرت ذلك فيما بعد عند المرور عليه. آه، كانت ليلة لطيفة، ليلة دافئة، ليلة شرب النبيذ، ليلة مقمرة، ليلة تصلح لعناق حبيبتك والتحدُّث إليها وـتضرم النار وتحلم بالنعيم؛ وهذا ما فعلناه. كانت حمقاء صغيرة مولعة بالشراب، وسايرتني وتفوّقت عليَّ، وواصلت الكلام حتى منتصف الليل، ولم نتحرك أبداً من ذلك الصندوق الذي كنا نجلس عليه. وبين الحين والآخر كانت تمر بعض الحسناوات، وتمر أمهات مكسيكيات مع أطفالهن، وتقترب سيارة الشرطة منا ويخرج منها الشرطة ليسيروا قليلا، ولكن معظم الوقت كنا وحدنا وتمتزج روحانا أكثر فأكثر حتى أصبح من الصعب جداً أن نفترق. وفي منتصف الليل نهضنا وسرنا في اتجاه الطريق السيّار.

وخطرت فكرةٌ جديدةٌ لتيري. سنسافر، بطريقة الـ "أوتو ستوب"، إلى سابينال، بلدتها في أعالي وادي سان جوكان، ونسكن في مرأب أخيها. أيّ شيء كان يناسبني، خصوصاً مرأب لطيف. وفي الطريق، جعلتُ تيري تجلس على حقيبتي لتبدو مثل امرأة في محنة، وسرعان ما توقَّفت سيارة شحن، فجرينا نحوها ونحن نتضاحك. كان السائق رجلاً لطيفاً وسيارته بائسة، وزمجرت وزحفت صاعدة إلى أعلى الوادي. ولم نصل سابينال إلا في ساعات الصبح الباكر، بعد أن قاد ذلك العاشق النعسان المتعب عربته المجلجلة القديمة من ليون سبرنغز في أسفل الوادي إلى إلى حقول العنب والليمون مدة أربع ساعات، لينزلنا من سيارته مع وداع بهيج قائلاً " إلى اللقاء، يا رفيقي الرحلة"، وها نحن مع قنينة النبيذ الفارغة ( أنا، فيما كانت هي نائمة في سيارة الشحن). الآن أنا ثمل. السماء رمادية في الشرق. " أفق، فالصبح في صحن الليل...". كانت هناك ساحة مورقة هادئة، مشينا فيها ومررنا على محلات بيع المشروبات الغازية، وصالونات الحلاقين، كلّها ما زالت نائمة، ونحن نبحث عن مرأب. ولم يكن هناك مرأب. بيوت بيضاء شبحية. بلدة صغيرة من أيام الباحثين عن الذهب، لا يتوقّف فيها القطار إلا ليطلق صفارته. لم تستطع أن تعثر تيري على مرأب أخيها. ولكننا الآن سنذهب للعثور على أخيها نفسه الذي يعرف مكان مرأبه. لم يكن هناك أحد في المنزل. كل ذلك جرى في الأزقة الكسيحة لبلدة سابينال المكسيكية الصغيرة، الواقعة على الجانب الخطأ من الطريق. وعندما أخذ الفجر ينبلج، تمددتُ على ظهري في عشب ساحة البلدة. وكنتُ قد فعلتُ ذلك من قبل، عندما حسبوا أنني غرقتُ في منتجعٍ في الساحل الشرقي، وأخذتُ أردد مرة تلو الأخرى: " أنتَ لن تخبر أحداً بما فعله في (ويد)، أليس كذلك؟ ما الذي كان سيفعله في ويد؟ أنتَ لن تخبر أحدا ما الذي كان سيفعله في (ويد)؟" وهذا مقتبس من فيلم " فئران ورجال" حينما كان (برغس ميريديث) يتكلَّم مع رئيس العمال في المزرعة؛ كنتً أظنّ أننا اقتربنا من (ويد). ضحكت تيري. أي شيء اقعله كان حسنا بالنسبة إليها. كان في وسعي أن أنطرح هناك وأردد: " ما الدي كان سيفعله في ويد؟" حتى تخرج السيدات من بيوتهن إلى الكنيسة، وتيري لا تعبأ بذلك.

ولأن أخيها في تلك الأنحاء، حسبتُ أن أمرنا جمعياً سيسوى عمّا قريب، ولهذا أخذتها إلى فندق قديم قرب الطريق وأوينا إلى الفراش بارتياح. بقي لدي خمسة دولارات. كانت رائحة الصباغة الجديدة تفوح في الفندق، حيث المرايا المؤطَّرة بخشب المهاغوني، والصرير الصادر من السرير. استيقظتْ تيري مبكّرة في الصباح المشمس الساطع، وذهبتْ تبحث عن أخيها. نمتُ حتى الظهر، وعندما ألقيتُ نظرةً عبر الشبّالك، رأيتُ قطار شحن بطئ يمرُّ بالقرب منا وهو محمّل بمئات العمال المشرَّدين المتكئين على العربات المسطحة وهم يهتزّون بسعادة  مستخدمين صررهم بمثابة وسائد، ووضعوا أوراق جرائد على أنوفهم، وبعضهم يمضغ عنب كالفورنيا الجيد الذي التقطوه بالقرب من خزان الماء. فصرختُ: " اللعنة، إنها فعلاً الأرض الموعودة". جميعهم جاءوا من بلدة فريسكو، وخلال أسبوع، سيعودون كلهم بنفس الطريقة الفخمة.

وصلتْ تيري مع أخيها، وصديقه، وابنها. أخوها شاب مكسيكي رائع وفيه عطش للسُّكر. فتى طيّب عظيم. وصديقه مكسيكي ضخم ومترهل، يتكلَّم الإنجليزية بقليل من اللكنة الأجنبية، وكان تواقاً ليرضي الآخرين، ومهتمّاً بالبرهنة على شيءٍ ما. كان في وسعي أن ألاحظ أنَّ عينيْه دائماً على تيري. ابنها الصغير ريموند، وعمره سبع سنوات، له عينان سوداوان ولطيف. حسناً، نحن هنا، وبدأ يوم غريب آخر.

كان اسم أخيها فريدي، وعنده سيارة شحن من نوع شيفي 1938. انحشرنا في تلك السيارة واتجهنا إلى مناطق غير معروفة. فسألتُ: " إلى أين نحن ذاهبون؟"  تولى الإجابةَ صديقه، بونزو، كما يدعوه الجميع، وكانت رائحته كريهة، وعرفتُ سبب ذلك، فهو يبيع السماد للفلاحين، ولديه سيارة شحن، ونحن ذاهبون لذلك. ويمتلك فريدي دائماً ثلاثة أو أربعة دولارات في جيبه، وهو يؤمن بالحظِّ، ويردّد دائماً : " هذا صحيح، يا رجل، ها أنتَ سائر، داه، أنتَ سائر، داه أنتَ سائر." وهكذا سار، فقد كان يقود تلك السيارة القديمة بسرعة 70 ميلاً في الساعة [ السرعة القصوى المسموح بها في كاليفورنيا]. وذهبنا إلى بلدة (مديرة) ما وراء (فرنزو)، وعجلات السيارة ترمي بالغبار وراءنا، وقابلنا الفلاحين بشأن السماد. وتناهت إلينا أصواتهم المتباطئة في الفضاء المشمس الحار. وكان لدى فريدي قنينة خمر." اليوم خمرٌ، وغداً عملٌ. داه أنتَ سائر، يا رجل، ـــ خذ جرعة". وكانت تيري جالسة مع طفلها في مؤخَّر السيارة. أدرتُ وجهي إلى الخلف ونظرتُ إليها، فرأيتُ على وجهها وهجَ سعادة العودة إلى الأهل. فقد كانت تسافر هكذا لسنوات. وانتشرت حولنا الحقول الخضراء الجميلة في كاليفورنيا في شهر أكتوبر. وشعرتُ بالفرح والاستعداد للانطلاق.

ـ " إلى أين نحن ذاهبون الآن، يا رجل؟"

ـ " نذهب للعثور على فلاحٍ عنده سماد مرمي هناك، وغداً سنعود إليه لتحميله بالشاحنة. سنحصل على كثير من المال يا رجل. لا تقلق بشأن أي شيء."

زعق بونزو الذي لا يحصل على السماد بنفسه قائلاً :

ـ " نحن جميعا في هذا معاً."

وقد رأيتُ هذا أينما ذهبت ـــ فكلُّ واحدٍ في كلِّ شيءٍ معاً. وتسابقنا في الشوارع المجنونة في بلدة فرنزو، وواصلنا السير إلى الوادي لمقابلة الفلاحين في الطرق الفرعية. وكان بونزو يخرج من السيارة ويجري محادثات مع المكسيكيين الكبار في السن، وطبعاً لا شيء يتمخَّض عن ذلك.

صاح فريدي قائلاً: " ما نحتاج إليه هو الشراب".

فذهبنا إلى حانةٍ عند تقاطع الطرق. فالأمريكيون يشربون دائماً في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مساء يوم الأحد، ويصطحبون أطفالهم، فهناك أكوام من السماد خارج الباب ذي الستارة، ويحصل لغط وخصام حول كؤوس الشراب، وتجري المساومة، وتسمع ضحكات خشنة، ترتفع من الرعاع فوق صوت الأغاني، لا أحد يستمتع حقاً، ولكن الوجوه تمسي أكثر احمراراً، ويتطاير الوقت بصورة أسرع. كلُّ شيء على ما يرام. وعندما يحلُّ الليل يحلّ البكاء لدى الأطفال، ويغدو الآباء سكارى. ومن حول جهاز الموسيقى، يعودون مترنحين إلى المنزل. وحيثما ذهبتُ في أمريكا، كنتُ أشرب في الحانات الواقعة على تقاطع الطرق مع عائلات بأكملها. الأطفال يأكلون الذرة المشوية، والبطاطس المقلية، ويلعبون في الساحة الخلفية أو يشربون البيرة خِفيةً. جلسنا أنا وفريدي وبونزو وتيري هناك نشرب البيرة ونرفع أصواتنا. كائنات صاخبة. صارت الشمس حمراء ولم ننجز شيئاً. ما الذي هناك لننجزه؟ قال فريدي:

ـ " منيانا/غداً. غداً يا رجل، سنفعل ذلك. تناولْ قنينة بيرة أُخرى، ــ داه أنت سائر، ـــ داه أنت سائر."

وترنّحنا إلى السيارة، وانطلقنا إلى حانة على الطريق السيار. وهذه الحانة لها مصابيح نيون زرقاء وأضواء قرمزية. وكان بونزو شخصاً صاخباً كبيراً، يعرف كلَّ فرد في وادي سان جوكان، وهذا ظاهر من تصرُّفه كلما وصلنا إلى ملتقى طرق، فهو يطلق صوته العالي بـ " هو ــ يو/ مرحبا". الآن بقي لي قليل من الدولارات، رحتُ أعدّها بحزن. ونُسِجتْ في عقلي أفكارَ العودة إلى أهلي في نيويورك في الحال مع هذه الحفنة من النقود، بالسفر على طريقة الـ " أوتو ستوب" كما فعلتُ في بلدة بيكرسفيلد تلك الليلة، وترْك تيري مع أخيها العظيم وأكوام السماد المكسيكي المجنون، وصرخات منيانا/غداً الناتجة من البيرة الحمقاء. ولكني واجهتُ وقتاً عصيباً. ومن حانة الطريق السيّار، ذهبتُ وحدي مع بونزو  في السيارة للعثور على فلاحٍ بعينه. ولكن، بدلاً من ذلك، انتهينا إلى الحي المكسيكي في بلدة مديرة، نتصيّد الفتيات للالتقاط بعضهن لرفقة بونزو وفريدي؛ ثم بعد أن هبط الغسق الأرجواني على بلاد العنب، ألفيتُ نفسي جالساً بغباء في السيارة، فيما راح بونزو يتجادل مع فلاح عجوز عند باب المطبخ حول ثمن بطيخة زرعها ذلك الرجل المسنّ في ساحة منزله الخلفية. وحصلنا على البطيخة وأكلناها في الحال ورمينا بقشورها على الممشى الترابي لمنزل ذلك المكسيكي. كان هنالك جميع أنواع الفتيات الصغيرات الجميلات سائرات في الشارع المظلم. فقلتُ: " اللعنة، أين نحنُ؟

قال بونزو الكبير : " لا تقلق، يا رجل، غداً سنجني مالاً وفيراً. أمّا الليلة فلا نقلق."

رجعنا واصطحبنا تيري والآخرين واتجهنا إلى فرزنو في أضواء الطريق السيار الليلية، وكنا جائعين. تخطينا السكة الحديد ووصلنا شوارع الحي المكسيكي. وكان بعض الصينيين الغرباء يطلّون من النوافذ متفحصين شوارع ليلة الأحد، ومجموعات من الفتيان المكسيكيين يمشون باختيال وهم يرتدون الملابس الخفيفة، وموسيقى المامبو تصدح من أجهزة الموسيقى، والأضواء منتشرة في المكان مثل عيد " الحلوين". دخلنا مطعماً وتناولنا أكلة " التاكو" والفاصوليا المطحونة ملفوفة بالكعك. كانت وجبة لذيذة. أخرجتُ دولارات أربعة لامعة والصرف، أي ما يقف بيني وبين الساحل الأطلسي، ودفعتُ عن الجميع. والآن لم يبقَ لديّ سوى ثلاثة دولارات. ونظرنا أنا وتيري أحدنا إلى الآخر: " أين سننام الليلة، يا عزيزتي؟"

ـ " لا أدري."

فريدي كان سكرانَ، وكل ما يستطيع قوله الآن بصوت رقيق ومُتعَب، هو: " ـــ داه أنت سائر، يا رجل. ــ داه أنتَ سائر، يا رجل." كان يوماً طويلاً. ولم يكن أحدٌ يعرف ما يجري أو ما قدّره لنا الربُّ الرحيم. ونام الصغير المسكين ريموند على ذراعي. عدنا بالسيارة إلى بلد سابينال. أوقفنا السيارة بسرعة مفاجئة أمام حانة على الطريق السيّار رقم 99، لأن فريدي يريد قنينة بيرة أخرى. وخلف ذلك الدكان كانت هناك بيوت متنقلة وخيام وقليل من الغرف المتهالكة على شكل نُزل. سألتُ عن الثمن، فكان دولارين للغرفة. سألتُ تيري ما رأيها في ذلك، فقالت: عظيم، لأنَّ الطفل على يدينا الآن، وعلينا أن نريحه. وهكذا وبعد بضعة كؤوس من البيرة في تلك الحانة التي يترنّح فيها سكارى متجهّمون من أهالي أوكلوهوما على أنغام موسيقى رعاة البقر، وصخب بعضهم الآخر المتجمِّع على طاولات وسخة وهم يكرعون البيرة منذ الساعة الواحدة بعد الظهر والآن تشرف الساعة على الثانية عشر ليلاً، وقد اختفت جميع النجوم وخلدت إلى النوم منذ وقت طويل. ذهبتُ أنا وتيري إلى الغرفة وتهيئنا للنوم. وبقي بونزو يدور حولنا ويكلّمنا عبر الباب المرصَّع بالنجوم، فلم يكن له مكان ينام فيه، أما فريدي فقد نام لدى والده في كوخ مزرعة العنب. سألتُه: " أين تسكن، يا بونزو؟"

ـ " لا مكان، يا رجل. من المفروض أن أسكن مع صديقتي روزي الكبيرة، ولكنّها طردتني الليلة الماضة. سآخذ شاحنتي وأنام فيها الليلة."

ودندن غيتار. ونظرنا أنا وتيري إلى النجوم معاً من نافذة الحمام الصغيرة، واغتسلنا بمرشّةٍ، ونشّفَ أحدنا الآخر. قالت:

ـ " منيانا/ غداً كلّ شيء سيصبح على مايرام، غداً، فلا تفكّر في شيء، يا حبيبي."

ـ " طبعاً، يا حبيبتي، منيانا/ غداً".

كان هناك غدٌ دائماً. وكلّ ما سمعته خلال الأسبوع التالي هو " منيانا/غداً"، كلمة محبوبة، ربما تعني الجنَّة. وكان الصغير ريموند قد قفز إلى الفراش بجميع ملابسه وبكل شيء ليخلد إلى النوم، وتساقط رمل ماديرة من حذائه. وكان عليّ وتيري أن ننهض في منتصف الليل لمسح ذلك الرمل من مُلاء الفراش. وفي الصباح نهضتُ، واغتسلتُ، وقمتُ بجولة حول المكان. وجعلني الطل الحلو أستنشق الضباب الإنساني. كنا على بعُد خمسة أميال من سابينال في حقول القطن ومزارع العنب على طوال الطريق السيار رقم 99. سألتُ السيدة السمينة الضخمة مالكة المخيم ما إذا كانت هناك خيام فارغة. وكانت أرخص خيمة فارغة بدولارٍ لليوم الواحد. أخرجتُ ذلك الدولار الأخير وانتقلنا إلى الخيمة. ثمة فراش، وموقد، ومرآة مكسورة معلقة على عمود. كانت الخيمة سارّة، وكان عليَّ أن أنحني لأدخل فيها، وعندما فعلتُ، كانت هناك حبيبتي وولد حبيبتي. انتظرنا وصول فريدي وبونزو بسيارة الشحن. وصلا مع البيرة وطفقا يشربان في الخيمة. " خيمة عظيمة".

ـ " وماذا عن السماد؟"

ـ " الوقت متأخِّر جداً اليوم ــــ غداً يا رجل، سنحصل على مال وفير، أما اليوم فستناول بضعة كؤوس من البير. ماذا تقول: بيرة؟"

لم أكن بحاجة إلى تشجيع. وصاح فريدي: " داه، ها أنت سائر ـ داه، ها أنتَ سائر."

وراح يتضح لي أن خططنا للحصول على مالٍ بسيارة شحن السماد لن تتبلور. كانت سيارة شحن السماد متوقّفة خارج الخيمة. وكانت لها رائحة مثل رائحة بونزو. في تلك الليلة، خلدنا أنا وتيري إلى النوم في نسيم الليل العليل وتطارحنا الغرام الحلو القديم، فقد كنتُ على وشك النوم عندما قالت لي: " هل تريد أن تطارحني الغرام الآن؟"  قلتُ: " وماذا عن ريموند".

ـ " لا يكترث، إنَّه نائم"

ولكنَّ ريموند لم يكن نائماً، ولم يقُل شيئاً.

جاء الشابان في اليوم التالي بسيارة السماد وذهبنا للحصول على ويسكي، ورجعنا وأمضينا وقتاً طيباً في الخيمة. وتحدّثا عن الزمن الماضي الجميل عندما كانا طفلين هنا، وعندما كانا طفلين في كاليكسو، وعن أعمامهما الحمقى المسنين من المكسيك القديم، وعن الشخصيات الرائعة في الماضي الذي فاتني. وصرخ فردي وعيناه الواسعتان يغطيهما شعر رأسه: " أتظن أنني مجنون!" في تلك الليلة، قال بونزو إنَّ الجو بارد للغاية ونام على أرضية خيمتنا وهو ملفوف بقماش مشمّع واسع له رائحة سرجين البقر. كانت تيري تكرهه وتقول عنه إنَّه يحوم حول أخيها لمجرّد أن يكون قريباً منها. من المحتمل أنه يحبّها، وأنا لا ألومه على ذلك.

لن يحصل شيءٌ ما عدا الجوع الذي سيصيبني ويصيب تيري، فلم يبق لديّ سوى عشرة سنتات. ولهذا فقد ذهبتُ في الصباح أسير في الحقول سائلاً عن عمل قطف القطن. وأشار علىَّ كلّ واحد بالذهاب إلى مزرعةٍ عبر الطريق السيار من المخيم. ذهبتُ إلى هناك وكان صاحب المزرعة في المطبخ مع زوجته. خرج، واستمع لقصتي، وحذّرني بأنه سيدفع مقداراً معيناً عن كل مائة رطل من القطن المقطوف. وتصوّرت أنَّني أستطيع أن أجمع ثلاث مائة رطل على الأقل في اليوم، فقبلتُ العمل. وأخرج أكياساً جنفاصية طويلة قديمة من مخزن الغلال، وأخبرني أن قطف القطن يبدأ في الفجر. وأسرعتُ عائداً إلى تيري وكلي مرح. وفي الطريق كانت سيارة شحن محمَّلة بالعنب قد عبرت طسّة وأسقطت كمية كبيرة من عناقيد العنب على الإسفلت الساخن. فقمتُ بالتقاطه وأخذته إلى المنزل.

كانت تيري سعيدة بي: " أنا وريموند سنأتي ونساعدك في عملك."

قلتُ : " بشـ . لا شيء من ذلك."

ـ " سترى، سترى، إنَّ قطف القطن عملٌ شاق جداً. وإذا لا تستطيع تدبير الأمر، فأنا أعرف وسأريك كيف تفعل ذلك."

أكلنا العنب، وفي المساء ظهر فريدي ومعه رغيف من الخبر ورطل من الهامبرجر، وقمنا بنزهة. في الخيمة الكبيرة المجاورة لخيمتنا، تعيش عائلة من أكلوهوما تعمل في قطف القطن. ويمضي الجدّ نهاره بأكمله وهو جالس على كرسي، فقد كان مسناً جداً بحيث لا يستطيع العمل. أما الابن والبنت وأطفالهما، فإنهم يخرجون عند الفجر كلَّ يوم ويعبرون الطريق السيار إلى المزرعة نفسها حيث يعملون. وعند الفجر في اليوم التالي، ذهبتُ معهم. قالوا إن القطن يكون أثقل في الفجر بسبب الندى، وهكذا تستطيع أن تحصل على مال أكثر مما لو اشتغلت بعد الظهر. كان الجدُّ قد قَدِم من  ولاية نبراسكا إبان الكارثة الاقتصادية في الثلاثينيات، نفس الزوبعة الترابية المتكررة، فجاء مع جميع أفراد عائلته بسيارة شحن قديمة. واستقروا في كاليفورنيا منذ ذلك الحين. وكانوا يحبون العمل. وخلال السنوات العشر الماضية، رفع ابن الرجل المسنّ عدد أطفاله إلى أربعة، وكبر بعضهم الآن بما يكفي ليذهبوا لقطف القطن. وفي ذلك الوقت، تقدّموا من فقر مدقع في مزارع (سيمون لغري) إلى نوع من العيش المحترم في خيام أفضل، وهذا كلّ ما هنالك. وهم فخورون جداً بخيمتهم.

ـ " هل ستعودون إلى نبراسكا؟"

ـ " بشو، لا شيء هناك. ما الذي نريد أن نفعله هو شراء مسكن متنقِّل.:

وانحنينا إلى الأسفل، وشرعنا بقطف القطن. شيء جميل. وكانت الخيام عبر الحقل، وخلفها كانت حقول قطن داكنة ذابلة تمتد إلى مدى البصر، وبعدها وفوقها تلال داكنة ذات غدران، ثم، كما في الحلم، سلسلة من الجبال المغطاة قممها بالثلوج، في نسيم الصباح الأزرق. وهذا العمل أفضل بكثير من غسل الأطباق في الشارع الرئيسي الجنوبي في المدينة، ولكني لم أكن أعرف شيئاً عن قطف القطن، فأمضي وقتاً طويلاً في تخليص الكرة القطنية البيضاء من قوقعتها الهشّة، والآخرون يفعلون ذلك بضربة سريعة واحدة؛ وفوق ذلك، راح الدم ينزف من أطراف أصابعي. كنتُ بحاجة إلى قفازيْن، أو إلى خبرة أكثر. وكان هناك معنا في الحقل زنجي وزوجته، وكانا يقطفان القطن بنفس الصبر المبارك الذي كان يمتلكه أجدادهما في ولاية ألباما قبل الحرب. كانا ينطلقان منحنييْن بلونهما الأزرق طوال الصف المخصص لهما، ويكبر كيساهما. وأخذ ظهري يؤلمني. وكان من المريح الركوع والاختباء في تلك الأرض، فعندما كنتُ أشعرُ بالحاجة إلى الراحة، كنتُ أضطجع، ووجهي على وسادة من الأرض الرطبة السمراء، برفقة الطيور المغردة. ظننتُ أنني وجدتُ العمل الصالح لحياتي. ووصلت تيري وريموند، وهما يلوّحان لي عبر الحقل، في الظهيرة الهادئة الحارة، وشاركاني في العمل. اللعنة عليَّ إن لم يكُن ريموند أسرع مني ـ وهو مجرد طفل! وطبعاً، كانت تيري أسرع منه مرَّتيْن. كانا يسبقانني في العمل ويخلفان لي أكواماً من القطن النظيف لأضيفه إلى كيسي.، كيسي الكابوس الكئيب الطويل، الذي ينسحب ورائي مثل أفعي أو تنين ملطخ بالوحل في أحد أحلام كافكا أو أسوء. يتهدَّل فمي هولاً بمجرَّد التفكير في ذلك الكيس العميق. كانت تيري تترك لي أكوماً شبيهة بتلك التي يقطفها الرجال، وريموند أكواماً طفولية. وكنتُ أضع تلك الأكوام في كيسي بندم. أيُّ نوع من الرجل البالغ أنا إن لم أستطِع أن أعيل نفسي، ناهيك بإعالتهما. أمضيا العصر كلَّه معي؛ الأرض شيء هندي. وعندما أمست الشمس حمراء؛ قفلنا راجعين متعبين معاً. وفي آخر الحقل، أنزلتُ حملي على الميزان، ولشد دهشتي، لم يزن سوى رطل ونصف الرطل فقط، وحصلتُ على دولار ونصف الدولار. ثمَّ استعرتُ دراجةً من أولاد الأوكلوهومي، وذهبت إلى دكان بقالة على تقاطع الطرق في الطريق السيار رقم 99 حيث اشتريتُ معلبات من معكرونة السباغيتي وكريات اللحم المفروم، وخبزاً، وزبد، وقهوة، وكعكاً ثمنه خمس سنتات، وعدتُ بالسلّة معلَّقة على مقود الدراجة. وكان أزيز السيارات المتجهة إلى لوس أنجلس بالقرب مني، وأزيز السيارات المتجهة إلى فرنزو يضايقني من الخلف. ولعنتُ، ولعنتُ. ونظرتُ إلى الأعلى لأرى السماء المظلمة، ودعوت الله أن يمنحني وقتاً مريحاً أفضل في الحياة، ونصيباً أحسن لأفعل شيئاً ما لأجل الصغار الذين أحبهم. لم يعرني أحدٌ هناك في الأعالي أي اهتمام. كان عليَّ أن أعرف أفضل. تيري هي التي رفعت معنوياتي، فعلى موقد الخيمة، سخّنت الطعام، وكان من أشهى الوجبات في حياتي، إذ كنتُ جائعاً ومرهقاً. وتأوهتُ مثل قاطف قطن زنجي عجوز، وأنا أضطجع على الفراش وأدخن سيجارة. وكانت الكلاب تعوي في الليل البارد. وانقطع فريدي وبونزو عن المجيء في الأمسيات، وكنتً راضياً بذلك. وجلست تيري القرفصاء بجانبي، وجلس ريموند على صدري، ورسما صور الحيوانات في دفتر مذكراتي. وكانت فتيلة مصباح خيمتنا تحترق في السهوب المريعة. وصدحت موسيقى رعاة البقر في النُّزل على الطريق السيار، فحملتِ الحزن العميم عبر الحقول المجاورة. وكنتٌ راضياً بذلك، وقبّلتُ حبيبتي وأطفأنا الأنوار.

في الصباح، جعل الندى خيمتَنا ترتخي، نهضتُ وأخذتُ منشفتي وفرشاة أسناني وذهبتُ إلى المرحاض العام في النُّزل لأغتسل؛ ثمَّ رجعتُ وارتديتُ سروالي الذي كان ممزقاً بسبب الركوع في الأرض وقد خيَّطته تيري في المساء، واعتمرتُ قبعتي المهترئة المصنوعة من الخوص، والتي كانت في الأصل لعبة ريموند، وعبرتُ الطريق السيار حاملاً كيس القطن المصنوع من الجنفاص. وكان القطن رطباً وثقيلاً، والشمس حمراء على الأرض الندية.

كنتُ أكسب دولاراً ونصف الدولار تقريباً كلَّ يوم. ويكفي ذلك لشراء البقالة في المساء بالدراجة. ومرَّت الأيام ونسيتُ كلَّ شيء عن الساحل الشرقي وهذيان الطريق الملعون. كنتُ ألعب مع ريموند طوال الوقت، وكان يحبّ أن أرميه إلى الأعلى في الهواء ثم أحطُّه على الفراش. وكانت تيري تجلس ترقّع الثياب. كنتُ رجلاً عادياً تماماً، كما كنتُ أحلم أن أكون في نيويورك. ووصلنا كلام مفاده أن زوج تيري عاد إلى سابينال وأنه يبحث عني، وكنتُ مستعداً له. وذات ليلة جُنَّ جنون الأكلوهوميين في النزل فربطوا رجلاً إلى شجرة وانهالوا عليه ضرباً بعصاً خشبية سمكها أربعة سنتمترات في سنتمترَين. كنتُ نائماً آنذاك وسمعتُ عن ذلك فقط. ومنذ ذلك الحين أخذتُ أحتفظ بعصا غليظة في الخيمة، في حالة ما راودتهم فكرة أننا ـ نحن المكسيكيين ـ نفسد مخيّمهم، فقد كانوا يظنّون أنَّني مكسيكي، طبعاً، وأنا كذلك.

ولكن حلَّ الآن شهر أكتوبر/ تشرين أول، وصار الجو أبرد بكثير في الليل. كانت عائلة أوكي تمتلك موقداً يشتعل بالحطب، وهم ينوون البقاء أثناء الشتاء. ونحن لا نمتلك موقداً، إضافة إلى أن وقت أداء كراء الخيمة قد حان. ولهذا قررتُ أنا وتيري بمرارة أن نغادر المكان ونحاول شيئاً آخر. قلتُ وأنا أُصرُّ بأسناني: " عودي إلى عائلتك، بالله عليك، لا يمكنك أن تتشردي في الخيام مع طفل مثل ريموند، فهذا الطفل الصغير المسكين يعاني البرد." وبكتْ تيري، لأنَّني كنتُ أنتقد عاطفة الأمومة لديها، ولم أكن أقصد شيئاً من ذلك. وعندما جاء بونزو بسيارة الشحن ذات عصر مغبر، قررنا أن تعرض وضعها على عائلتها. ولكن ينبغي أن لا يروني، بل أختفي في حقول العنب.

ـ " أخبري أُمّكِ أنكِ ستحصلين على عمل وستساعدين في شراء البقالة. أيُّ شيءٍ خيرٌ من وضعك هذا."

ـ " ولكنكَ سترحل. أستطيع أن أسمع ذلك في كلامك."

ـ " حسناً، لا بُدَّ أن أذهب في وقتٍ ما ـــ "

ـ " ما الذي تعنيه بقولك في وقتٍ ماــــ. لقد قلتَ إننا سنبقى معاً وسنذهب إلى نيويورك معاً. فريدي يريد أن يذهب إلى نيويورك كذلك! الآن سنذهب كلُّنا إلى نيويورك."

ـ " لا أدري، تيري، اللعنة، لا أدري ـــ"

صعدنا إلى سيارة الشحن، وانطلق بونزو إلى سابينال. وتعطّلت السيارة في طريقٍ فرعي، وفي الوقت نفسه تهاطلت أمطارٌ غزيرة. جلسنا في السيارة القديمة ونحن نلعن. خرج بونزو وراح يصلح السيارة في المطر بقميصه الأبيض الممزق. وبعد كلِّ شيء، فهو ولد طيّب. ووعد أحدنا الآخر أن نمضي وقتاً رائعاً آخر. وذهبنا إلى حانة متهرئة في الحي المكسيكي في بلدة سابينال، وأمضينا ساعة ونحن نكرع البيرة فيما كان المطر يتسرَّب إلى الحانة من الباب، وجهاز الموسيقى يصدح، لعشاق الموسيقى ذوي القلوب الكسيرة القادمين من المكسيك القديمة، بموسيقى حزينة، حزينة مثل غيوم تمرّ فوق الأفق، مثل كلاب الصيد تنقضّ على سيقان الغزالة، وكان المغني يكسِّر صوته، يا، يا، حنّة، مثل صوت بكاء جرو ذئب صغير، نصفه ضاحك ونصفه باكٍ. لقد انتهيت من عملي الرتيب في مزرعة القطن؛ وكان في مقدوري أن أحسَّ بذلك فيما راحت البيرة تجري في جسدي مثل نار مستعرة.  وكنا نجري محادثاتنا اللامعقولة بصياح وانشراح. سنفعل ذلك. سنفعل كلَّ شيء. كان في وسعي أن أشعر بأنَّ مسيرة حياتي كلها تدعوني إلى العودة. كنتُ في حاجة إلى دولار ونصف الدولار للعودة إلى نيويورك. وفيما كانت تيري وبونزو يواصلان الشراب، أسرعتُ في المطر إلى دائرة البريد، وكتبتُ بسرعة على بطاقة بريدية ثمنها سنت واحد، طلباً بتزويدي بـ 50 دولاراً، وأرسلتها إلى عمتي؛ ستستجيب لذلك. وشعرتُ بالراحة كما لو أنني أُنقِذتُ، الأضحوكة الكسول أُنقِذ مرَّةً أخرى. وأبقيتُ ما فعلتُه سراً كتمته عن تيري.

توقَّف المطر وقدنا السيارة إلى كوخ عائلة تيري. وكان الكوخ يقع على طريق قديم يمتدّ بين حقول العنب. وكان الظلام قد حلّ عندما وصلنا إلى هناك أخيراً. أنزلوني قبل ربع ميل في الطريق، وقادوا السيارة إلى الباب. وكان الضوء يتسرب من الباب؛ وإخوة تيري الستة الآخرون يعزفون على آلات الغيتار، ويغنون سوية مثل تسجيل مهني جميل: " آه لو كان قلبك..." وكان الأب المسنّ يحتسي النبيذ. وسمعتُ صراخاً ونقاشاً يعلو على الغناء. ونعتوها بالمومس، لأنَّها هجرت زوجها الذي لا نفع فيه وذهبت إلى لوس أنجلس وتركت ريموند معهم. وبين الفنية والأخرى، كان إخوتها يتوقفون عن الغناء لتنسيق غنائهم الجماعي. وكان الأب المسنّ يولول. ولكن الأم السمراء الغليظة الحزينة هي التي انتصرت، كما تنتصر الأمّ دوماً في شعوب الفلاحين في جميع أنحاء العالم، وتمّ السماح لتيري بالعودة إلى البيت. وأخذ الإخوة ينشدون أغانٍ مرحة سريعة. وكنتُ رابضاً في الريح الممطرة الباردة أراقب كلَّ شيء عبر حقول العنب الحزينة لشهر أكتوبر في ذلك الوادي. وكان تتردد في ذهني تلك الأغنية الرائعة " الرجل العاشق" كما يغنيها (بيلي هولداي)، فأنا كذلك كانت لديّ فرقتي الموسيقية تحت الشجيرات التي كنتُ اختبئ فيها، " في يومٍ ما سنلتقي، وستمسح جميع دموعي بمنديلك، وستهمس في أُذني أحلى كلماتك، وأنتَ تقبّلني وتضمني إلى ضلوعك. آه، كم فاتنا أنا وأنت، أيها الرجل العاشق، أين يمكن أن تكون...". والرائع في هذه الأغنية ليس كلماتها فحسب، وإنما كذلك لحنها الهارموني الجميل، وطريقة أداء بيلي لها، مثل امرأة تمسّد شعر فتاها في ضوء مصباح خافت. وعوتِ الريح، وشعرتُ بالبرد. وعادت تيري وبونزو، وذهبنا بالسيارة القديمة لملاقاة فريدي الذي يسكن الآن مع امرأة بونزو روزي الضخمة؛ وأطلقنا بوق السيارة له في الممشى ذي السياج الخشبي. كانت روزي الضخمة ترمي به خارج المنزل، وسمعنا زعيقها، ورأينا فريدي يهرب وهو يحني رأسه لتفادي ما ترميه عليه. كل شيء كان ينهار، وكنا جميعاً مستغرقين في الضحك. في تلك الليلة، ضمّتني تيري إليها بشدّة، طبعاً، وطلبت مني ألّا أرحل. وقالت إنّها ستعمل في قطف العنب، وتحصل على مالٍ يكفينا كلينا؛ وفي تلك الأثناء أستطيع أن أسكن في مخزن الغلال العائد لصاحب المزرعة (هفلنفنغر) الكائن في آخر الطريق حيث أهلها. لن أفعل شيئاً سوى الجلوس على العشب وأكْل العنب. " أنتَ تحبّ ذلك."

حككتُ حنكي. في الصباح، جاء أبناء عمها إلى الخيمة ليأخذوها بسيارة الشحن. وهؤلاء كذلك مغنون. وفجأة أدركتُ أن هنالك آلاف المكسيكيين في جميع أنحاء الريف يعرفون عن علاقة تيري بي، ولا بدّ أن ذلك شكّل لهم حكاية رومانسية شهية.  كان أبناء عمها لطاف، بل في الحقيقة ساحرون. ووقفتُ على منصة الشاحنة معهم فيما كنا نقطع الطريق المتعثِّر إلى المدينة، وأنا أتمسك بالعارضة وأبتسم للنكات، ونحن نتكلم عن أين كنا خلال الحرب وما غرضها. كان هنالك خمسة من أبناء عمومتها، وكل واحد منهم لطيفاً. يبدو أنهم ينتمون إلى ذلك الفرع من عائلة تيري الذي لا يتصرف مثل أخيها فريدي. ولكنني أحببتُ ذلك المتوحّش فريدي. وقد أقسم بأنه سيأتي إلى نيويورك ليلتحق بي. تخيّلته في نيويورك وهو يؤجِّل كل شيء إلى منيانا/ الغد. لا بُدَّ أنه ثمل في حقلٍ ما في مكانٍ ما هذا اليوم. نزلتُ من الشاحنة عند تقاطع الطرق، وقاد أبناء العم الشاحنة حاملةً تيري وريموند إلى البيت. ثمَّ لوّحوا لي بأيديهم عند مدخل المنزل بالإشارة الإيجابية أن أدخل. لم يكن الوالد ولا الوالدة في البيت. ولهذا كان قياد البيت بيدي خلال المساء، وأعجبني ذلك، فهناك أخوات تيري الثلاث السمينات الضاحكات، والأطفال الحمقى جالسين في منتصف الدرب وفي أيديهم شيئاً من كعكة الذرة. إنّه كوخ يتألَّف من أربع غرف. ولم أستطِع أن أتصوَّر كيف أنَّ العائلة كلّها تدبّر إقامتها هناك، وتجد فيه متسعاً. وكان الذباب يتطاير حول المغسلة. ولم تكن هناك أية ستائر، تماماً كما في الأغنية: " شباكها مكسور، والمطر يتسرّب منه..." . وما إن أصبحت تيري الآن في البيت، حتى أخذت تعبث بالقدور. وكانت أخواتها تتضاحكن، وهنَّ تقلّبن أعداد مجلة " الحب الحقيقي" باللغة الإسبانية ذات الأغلفة الرمادية والمزينة بصورة ملونة لعشاق منفعلين عاطفياً، ولهم شوارب طويلة، وعيون لامعة مثقلة بالأسرار. وراح الأطفال الصغار يتصايحون في الدرب، وانبرت الديكة تجري في المكان. وعندما أطلت الشمس حمراء من بين الغيوم خلال ذلك العصر الأخير في الوادي، أخذتني تيري إلى مخزن الغلال العائد إلى صاحب المزرعة (همفيلفنغر). ويمتلك (همغيلغنغر) مزرعةً مزدهرةً في أعلى الطريق. وضعنا أنا وتيري الصناديق الخشبية بعضها بجانب بعض، وجلبتْ بطانيات من البيت، وتمَّ ترتيب كلِّ شيء لنومي، ما عدا عنكبوتة ذئبية كبيرة غزيرة الشعر مختبئة في جُحرٍ صغيرٍ في سقف مخزن الغلال. وقالت تيري إنّها لن تسبب لي ضرراً إذا لم أزعجها. اضطجعتُ على ظهري وحدّقت فيها. خرجتُ إلى المقبرة وتسلّقتُ شجرة. ومن على الشجرة، أخذتُ أنشد أغنية " السماوات الزرقاء". وجلست تيري وريموند على العشب؛ وتناولنا العنب. في كاليفورنيا، تمضغ العنب وتمتص عصيره وتتفل القشور. فعصير العنب هو النبيذ دائماً. وحلّ الليل. فذهبت تيري إلى البيت لتناول العشاء، وعادت إلى مخزن الغلال في الساعة التاسعة مع عشائي السرّي المؤلَّف من كعكة الذرة اللذيذة واللوبيا المطحونة. أشعلتُ ناراً من الأخشاب على أرضية مخزن الغلال السمنتية لأجل الإضاءة. وتطارحنا الغرام على الصناديق الخشبية. نهضت تيري وسارت عائدة إلى الكوخ. وراح والدها يصرخ بها، وكان في وسعي أن أسمعه من مخزن الغلال: " أين كنتِ؟ ماذا تفعلين بالتجوال في الحقول في هذا الليل؟" وكلمات من هذا القبيل. وكانت قد تركت لي سلهاماً طويلاً لأتدفأ به، وهو عبارة عن كساء إسباني قديم. فوضعته على كتفيّ وتسللتُ أتمشى في مزرعة العنب في ضوء القمر، لأرى ما يجري هناك؛ زحفتُ إلى نهاية الممر وركعتُ في التراب الدافئ، لأنظر. كان إخوتها الخمسة يُغنُّون أغانٍ شجية بالإسبانية، وانحنت النجوم على السقف الصغير؛ وتصاعد الدخان من مدخنة الموقد. وتناهت إليّ رائحة اللوبيا المطحونة وصلصة الفلقل الأحمر. وراح الرجل المسنّ يدمدم. وواصل الإخوة غناءهم، فيما ظلّت الأُمّ صامتة. أما ريموند والأطفال، فكانوا يتضاحكون وهم على فراش واسع في غرفة النوم. بيت في كاليفورنيا. ومن مخبئي في حقل العنب، استمتعتُ بكل شيء. وشعرت بنشوة كما لو كنتُ أملك مليون دولار، فقد كنتُ أغامر في الليل الأمريكي المجنون. خرجت تيري وهي تصفق الباب بشدّة. دنوت منها في الطريق المظلم: " ما الخطب؟"

ـ " إنَّنا نتشاجر طوال الوقت. يريدني أن أذهب إلى العمل غداً. يقول إنّه لا يريدني أن أعبث مع الفتيان. يا حبيبي، أريد أن أذهب معك إلى نيويورك."

ـ " ولكن كيف؟"

ـ " لا أدري، يا حبيبي. سأفتقدك، وأنا أحبّك."

ـ " ولكني لا أستطيع أن أبقى هنا."

ـ " قل ما تشاء، فأنا أعرف ما تعني، نعم، نعم. لنتطارح الغرام مرّة أُخرى، ثمَّ ارحل."

ورجعنا إلى مخزن الغلال. وتطارحنا الغرام تحت العنكبوتة الذئبية. ما الذي كانت تفعله تلك العنكبوتة؟ ونمنا وهلةً على الصناديق الخشبية فيما راحت النار تخفت شيئاً فشيئاً. ورجعت تيري في منتصف الليل، وكان والدها سكران؛ وفي وسعي أن أسمعه وهو يصرخ، ثمَّ ساد الصمت عندما غشاه النوم. وأطلت النجوم على الريف النائم.

وفي الصباح أطلَّ صاحب المزرعة (هفيلفنغر) برأسه من باب الحصان، وقال:

ـ " كيف حالك، أيها الفتى؟"

ـ " طيب. آمل أنك لا تمانع في بقائي هنا"

ـ " بالتأكيد. هل أنتَ في صحبة تلك العاهرة المكسيكية الصغيرة؟"

ـ " إنّها فتاةٌ طيبة جداً"

ـ " وجميلة كذلك. ولها عينان زرقاوان. أظنُّ أنَّ الثور عبر الحاجز هناك..."

وتحدّثنا عن مزرعته.

جلبت تيري فطوري. وكنتُ قد حزمتُ حقيبتي اليدوية استعداداً للعودة إلى الساحل الشرقي، حالما أستلم نقودي في بلدة سابينال. أعرف أنّها هناك في انتظاري. أخبرتُ تيري بأنَّني راحل؛ وكانت تفكِّر بذلك طوال الليل واستسلمتْ للأمر. قبّلتني بلا عاطفة في حقل العنب، وسارت في الممر. وبعد بضع خطوات التفتنا، فقد كان الحب مبارزة، ونظر أحدنا إلى الآخر للمرة الأخيرة.

قلتُ : " إلى اللقاء في نيويورك، يا تيري.". وكان من المفروض أن تسافر بالسيارة مع أخيها إلى نيويورك خلا ل شهر. ولكن كلانا يدرك أنها لن توفَّق لأمرٍ ما. وبعد مسافة مائة قدم، التفتُ أنا لأنظر إليها. ولكنّها كانت تواصل سيرها عائدة إلى الكوخ وهي تحمل صينية فطوري بإحدى يديها. طأطأتُ رأسي وأنا أراقبها. وبوهن ظاهر، كنتُ على الطريق مرة أخرى. سرتُ في الطريق السيار إلى بلدة سابينال وأنا آكل الجوز الذي التقطته من شجرة الجوز، ثمّ مشيتُ على خط السكة الحديد وأنا أتأرجح على السكة.

***

.........................

* ينتمي الروائي الشاعر الرسّام الأمريكي جاك كيرواك Jack Kerouak  (1922ـ 1969) إلى " الجيل المُتعَب" من أدباء أمريكا، بل هو أحد مؤسّسيه وقادته ويلقَّب بـ " ملك المُتعَبين"، وهو الذي أطلق هذا الاسم على مجموعة من أصدقائه الشبان الموهوبين الذي كانوا يلتقون معه في جامعة كولومبيا في نيويورك حيث كان يدرس، بعد الحرب العالمية الثانية. وعُرِف عن هذه المجموعة رفضهم للثقافة المادية الأمريكية وقيمها السائدة، وانجذابهم للنزعات الروحية الآسيوية، وشذوذهم الجنسي، وولعهم بتناول المخدرات والمسكرات، حتى إنه توفي في سن السابعة والأربعين بسبب إفراطه في ذلك.

نُشِرت قصة " الفتاة المكسيكية" في دورية (إيشيو Issue ) شتاء سنة 1955، واختيرت ضمن كتاب " أحسن القصص الأمريكية لعام 1956". وتشكّل هذه القصة جزءاً من رواية جاك كيرواك " على الطريق " التي نُشِرت سنة 1957، والتي تعدّ من أهم الأعمال الأدبية للجيل المُتعَب. بيدَ أن جون أبدايك لم يضمّنها في كتابه “ أحسن القصص الأمريكية في القرن العشرين”، لأنها كانت مقتطعة من رواية، ولم تُكتَب في الأصل قصة قصيرة.

أتعبتني ترجمة هذه القصة بقدر ما أمتعتني، ذلك لأنَّ كيرواك كتبها بأسلوبٍ أطلق عليه اسم " النثر التلقائي"، فهو يدوِّن ما يعنُّ له، ويتنقّل بين لغةٍ شعريةٍ راقية ولهجة عامية دارجة، مع إحالاتٍ خاطفةٍ كثيرة على شخصيات وأعمال أدبية وفنية وموسيقية وغنائية وسينمائية ورياضية، كانت معروفة في زمانه، إضافة إلى استعمال ألفاظ وتعبيرات وتراكيب لهجية بعضها لم يعُد مستعملاً اليوم ولا تجده في معاجم اللهجة الأمريكية، كما يقوم أحياناً باشتقاق ونحت كلماتٍ جديدة قد لا يُكتَب لها الشيوع. ولهذا فقد استعنتُ أثناء الترجمة بثلاث أديبات من الناطقات باللغة الإنجليزية: أستاذة الأدب الأمريكي الدكتورة لوسي مِلبورن Dr. Lucy Milborne ، وأستاذة المجتمع الأمريكي وآدابه الشاعرة مورين كريسِك Maureen M. Crisick ، والأديبة الصحفية البريطانية مارغريت أوبانك Margaret Obank  محررة مجلة " بانيبال " الإنكليزية زوجة الصديق الأديب صموئيل شمعون. وقد استعصت بعض تعبيرات كيرواك العاميّة على بعضهن، بسبب ظرفية اللهجة العامية المكانية والزمانية وعدم تمتعها بثبات نسبي. وأغتنم هذه الفرصة لأعبّر لهن عن شكري وتقديري.

.......................

* من كتاب " مشاعل على الطريق: أبدع وأروع القصص الأمريكية الحديثة" ترجمة الدكتور علي القاسمي ( بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2018)

 

 

حسين علي خضيرالروائي والشاعر باولو كويلو

نقلها عن اللغة الروسية: حسين علي خضير


أحياناً عليك ان تسير

لترى من يسير خلفك.

وأحياناً عليك ان تتحدث بلطف

لترى من يستمع اليك بالفعل.

وأحياناً عليك أن تخطو خطوة إلى الوراء،

لترى من الذي لايزال يقف بجانبك.

وأحياناً عليك أن تتخذ قرارات خاطئة

لترى من معك عندما تنهار الأمور.

وأحياناً عليك أن تترك شخصاً تحبه

فقط لترى هل يحبك لكي يعود اليك!

***

فوزية موسى غانمترجمة: فوزية موسى غانم


نحن نعيش في مدن سرية

ونسافر في طرقات مجهولة

نحن نتكلم كلمات ندركها

والتي لا نستطيع البحث عنها

هي كلماتنا

تأتي من ابعد مكان في أفواهنا 

أنت وأنا، نحن مواطنون سريون  في المدينة

في داخلنا، في داخلنا

 

هناك ذهبت كل السيارات التي قدناها

وكذلك هناك كل الناس الذين رأيناهم

 

نحن نعرف وقد عرفنا

كل الإمكان هناك

 

ولكن اعتدناها كذلك .

وهنا حيثما ذهبوا، ولم يختفوا

 

كل منا اخذ قطعة

أما بالعين وأما بالإذن

 

أنها عالية في داخلنا .هناك.

 وعندما نتكلم في العالم الخارجي

 

نحن  نتمنى بان بعض من  ذلك الصوت

لا يخرج، انه  السلاح

بان لا يصل بدلا عن  اللسان 

***  

.......................

* البرتو ريوس (1952): أكاديمي وكاتب أمريكي، ومؤلف لعشرة كتب في الشعر وثلاث مجموعات من القصص القصيرة ومذكرة آب في سنة 2013. وحصل على لقب أول شاعر في ولاية أريزونا، وظل البرتو حامل اللقب حتى عام 2015.

* رابط القصيدة باللغة الانكليزية

 https://poets.org/poem/cities-inside-us

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

11- العنزة والحمار

ربّى رجلٌ عنزة وحماراً. انتابتِ العنزةَ الغيرةُ من الحمار لأنه كان يُغذّى تغذيةً حسنةً للغاية. لذا قالت له: " بكلِّ ما تبذله من عناء لتدير حجر الرحى، وكلّ الأعباء الملقاة على كاهلك، غدت حياتُكَ مجرّد عذاب لا نهاية له".

ونصَحَتْهُ بالتظاهر بأنه مصابٌ بداء الصَّرْعِ، وبالسقوط في حفرة بغيةَ الحصول على قسطٍ من الراحة. أخذ الحمار بنصيحتها وسقط في الحفرة وأصيب بكدمات ٍ في جميع أرجاء جسمه. ذهب سيّدُهُ لإحضار الطبيب البيطريِّ وسأله عن علاجٍ لما لحق به من أذى. وصفَ  الطبيبُ نقيعَ رئة عنزة وهذا العلاج كفيلٌ بإعادته إلى جادّة الصحة. وعليه، ضحّى الرجلُ بالعنزة ليعالج الحمار.

**

12- الثعلب والتمساح

كان الثعلب والتمساح يتباريان بنبالة محتدهما. مطَّ التمساح نفسَه إلى أقصى طاقته ليعطي مثلاً توضيحيّاً عن أسلافه، وقال إن أجداده كانوا أخصائيين متعدّدي البراعات بالرياضة الجمنازيّة. فقال الثعلب: " لا حاجة لك إلى إخباري بذلك. فبمجرّد النظر إلى جلدك أستطيع أن أرى أنك كنتَ تمارس التمارين الجمنازيّة سنوات كثيرةً إلى حدِّ أنك ملأتَ نفسك تماماً بالتشقّقات".

**

13- القاتل

ارتكب رجلٌ جريمةَ قتلٍ فطارده أهلُ ضحيّتِهِ، وفي فراره وصل إلى حافة نهر النيل فرأى نفسه وجهاً لوجهٍ أمام ذئب. وارتاع ارتياعاً شديداً إلى حدِّ أنه تسلّقَ شجرة ً كانت بجانب الماء وأخفى نفسه، بَيْدَ أنه لمح وهو هناك أفعى ضخمة ً تسعى في اتجاهه فسقط في النهر، لكنّ تمساحاً فيه التهمه.

**

14- الزوج والزوجة المزعجة (39)

كان لدى رجلٍ زوجةٌ تتصرّف في غاية الفظاظة مع جميع خدم المنزل. وأراد أن يعرف ما إذا كانت ستتصرّف على النحو نفسه مع خدم ِ وعمّالِ أبيه، فأرسلها بذريعة ما لزيارة منزل أبيه. وحين عادت بعد بضعة أيام سألها كيف استقبلها الخدم. قالت: "رعاةُ البقر والخراف عبسوا في وجهي".

فردّ الزوجُ: "حسناً يا امرأة. إذا لم تكوني موضع ترحيب ٍ لدى الخدم الذين يخرجون بالقطعان عند الفجر ولا يعودون حتى مغيب الشمس، فماذا عن أولئك الذين كان عليك أن تنفقي اليوم كله معهم؟".

**

15- الفلكيّ

دأب فلكيٌّ على الخروج كلَّ مساء ليراقبَ النجوم. ثمّ، وذات ليلة، وبينما كان في الضواحي مستغرقاً في تأمُّلِ السماء، وقع مصادفةً في بئر. سمعه عابرُ سبيل ٍ يئنُّ ويستنجد. وحين أدرك ما حدث ناداه من حافة البئر قائلاً: " أيُّهذا الموجود هناك. أنتَ في غاية التحمُّس لمراقبة ما يحدث في الأعلى في السماء، إلى درجة ِ أنكَ لا ترى ما هو موجود هنا في الأسفل على الأرض".

***

.....................

إيسوب (620  ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

عادل صالح الزبيديترجمة: عادل صالح الزبيدي

الليلة الأولى


 "لابد ان اسوأ شيء في الموت هو الليلة الأولى".

.. خوان رامون خيمينيث

 

قبل ان افتحك يا خيمينيث،

لم يحدث لي قط  ان الليل والنهار

سيواصلان الدوران حول بعضهما في حلقة الموت،

 

لكنك الآن تجعلني اتساءل

هل سيكون هناك ايضا شمس وقمر

وهل سيتجمع الموتى ليشاهدوهما يشرقان ويغربان

 

ثم يذهبون، كل روح لوحدها،

الى شيء ما مرادف شاحب لسرير.

او هل ستكون الليلة الأولى الليلة الوحيدة،

 

ظلاما لا نملك اسما آخر له؟

كم هو ضعيف قاموسنا بوجه الموت،

يا لاستحالة تدوينه.

 

هذا هو المكان حيث ستتوقف اللغة،

الحصان الذي امتطيناه طوال حياتنا

قافزا على قائمتيه الخلفيتين عند حافة منحدر صخري شاهق.

 

الكلمة التي كانت في البدء

والكلمة التي تحولت جسدا—

تلكما وكل الكلمات الأخرى ستتوقف.

 

حتى في هذه اللحظة، وانا اقرؤك على هذه الشرفة المتعرشة،

كيف لي ان اصف شمسا ستشرق بعد الموت؟

لكنها تكفي لتخيفني بما يكفي

 

لحملي على اعارة المزيد من الانتباه الى القمر النهاري للعالم،

لضوء الشمس الساطع فوق الماء

او المتشظي في ايكة اشجار،

 

او انظر بمزيد من الدقة الى هذه الأوراق الصغيرة ها هنا،

الى هذه الأشواك الحارسة،

التي ما وظيفتها الا حراسة الوردة.

***

...........................

بيلي كولينز: شاعر أمیركي من موالید مدینة نیویورك عام ١٩٤١ یتمیز شعره بكسر جمیع الأشكال والأوزان التقلیدیة فھو یكتب شعرا متحررا من جمیع القیود وله أیضا آراء حول الغموض في الشعر وتعقید الشكل الشعري وفي تأویل القصائد یعبر فیھا عن انحیازه إلى البساطة ووضوح التعبیر والشعر الذي یسھل فھمه معترضا على الشعر الذي یكتبه الشعراء لغیرھم من الشعراء ولیس لجمھور عریض من القراء. شغل كولينز منصب شاعر الولایات المتحدة بین عامي 2001- 2002 وخلال فترة إشغاله ھذا المنصب حرر كولینز مختارات شعریة بعنوان (شعر ١٨٠) تتألف من ١٨٠ قصیدة على عدد أیام السنة الدراسیة. وھي مجموعة یسعى كولینز من خلالھا إلى إیصال الشعر إلى أكبر عدد من طلاب المدارس وإشاعته بین المراھقین.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980؛ (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988؛ (فن الغرق) 1995؛ (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001؛ (تسعة خيول)) 2002؛ و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى) 2005.

 

 

2342 EganPicAترجمة: صالح الرزوق

حينما وصلوا في النهاية إلى الكثبان، فتح جان المصور المظلة الفضية. كانت هذه آخر صورة لليوم. كان الضوء ساطعا وهجوميا. وانتشرت أكوام الرمل حولهم وهي تلمع كأنها أكوام من مسحوق الزجاج. غرست البنت أصابع قدميها في الرمل، وهي ترتدي تنورة قصيرة من القطن، وقميصا خفيفا عريضا. وعلى مبعدة أقدام منها، بحثت المصممة عن شيء ما في حقائب اليد المزدحمة ببذات الاستحمام. اسم المصممة برناديت. وكانت تقوم بهذا العمل منذ سنوات طويلة.

قالت:”خذي”. وقدمت للبنت البكيني. كان من مادة حمراء لماعة. رمقت البنت جان، المشغول بتحميل الكاميرا بفيلم. وتخلت عن سروالها الداخلي من تحت التنورة، وارتدت النصف السفلي من ثوب الاستحمام. ولم تكن على مشارف العشرين بعد.

سألت البنت واسمها أليس:”هل هذا هو غطاء المصورة”. كلما كانت تلتقط صورة تسألها السؤال نفسه.

 قالت المصممة:”أين كنت قبل شهرين؟”.

ردت:”ماذا تقصدين؟”. واتخذ وجهها شكل ألماسة. بينما التمعت عيناها بلون أصفر ذهبي.

سألتها برناديت مجددا:”أين كنت قبل شهرين؟”.

“كنت في البيت. قبل أن يكتشفوني”.

“وأين بيتك؟”.

“في روكفورد، إلينويز”.

قالت برناديت للبنت:”سواء كان غطاء الكاميرا أم لا، أنت تبلين بلاء حسنا”.

وفاجأ ذلك أليس. فتحت فمها لترد، ولكنها استدارت ورفعت القميص الخفيف لما فوق رأسها. كانت حركات كتفيها غير متوازنة. وغطت ثدييها الصغيرين بالنصف العلوي من ثوب الاستحمام. وربطت برناديت العقدة. ونظرت أليس للحظة للأمواج، وكانت زرقاء باهتة ومضطربة.

سألت:”أين نحن الآن؟”.

قالت برناديت:”في لامو”.

ووصل مصفف الشعر والعناية بالبشرة، وهو يخبط بقدميه الممشى. كان اسمه نيك، وبدأ بالعمل على عيني البنت والتي احتضنت نفسها.

سألت:”أين كنا بالأمس؟”.

قالت برناديت:”في مومباسا”.

وأصبح المصور جاهزا. ورفع المظلة الفضية لاستقبال الإضاءة. ووضع عداد الضوء على صدر البنت. ودخن مصفف الشعر سيجارة. كان في الرحلة عارضتان إضافيتان. والتزمتا بالمراقبة بحذر وعن بعد. دمدم البحر أمام الكثبان. بدت البنت عارية بشكل خاص، ومحاصرة بالناس المحتشمين. كانت جديدة بعملها والكاميرا تخيفها. خلصها جان من الحامل الثلاثي وقربها من وجهها، وقال وهو يقف بطريقة تمكنه من رؤية المتبقين:”من فضلكم انظروا للوجه. انظروا من فضلكم للوجه هناك”.

نظروا جميعا. كان رقيقا وناعما مثل قمر أشرق للتو. وطرف جان بعينيه وراء الكاميرا. وتناغم صوت الإغلاق مع هدير تكسر الأمواج. وبعد الصورة بدأت البنت تتحرك.

صاح جان:”هناك. انتهينا”.

نظروا جميعا. ومثلهم فعلت برناديت، وشعرت أن الآخرين ينظرون مثلها. كان هناك شيء في طريقة سقوط الضوء، في يدي البنت المتحفزتين، بفمها الحزين. وسقط سكون عميق. لا يمكن أن تقول إنها مجرد بنت نحيلة وشابة على الشاطئ. بل هي بنت شابة وحزينة بشعر طويل، تراقب خط الأفق الرفيع. وفرقعت الكاميرا. ثم مرت لحظة أخرى.

ومالت أليس نحو الأسفل وحكت ركبتها. نظرت برناديت إلى جان ولاحظت أنه يبتسم. فقالت :”أحسنت”.

***

هبت الرياح في المدينة، وشحنت الهواء بالغبار وأوراق لف السكاكر. توجد نوافذ كثيرة في لامو، ونساء كثيرات جالسات تتمسكن بنقاب أسود ليحميهن من الرياح. وفي ساحة السوق كن تجتمعن قرب سلال الفواكه المجففة، والبذور، والحبوب الحمر. وكان للريح رائحة حريق. كانت الجماعة تنتظر في فندق قديم من طابقين قرب الجبهة المائية - مكان يناسب عازفي البيانو والرجال الأشداء الذين يشربون نخب أوطانهم. وذكر برناديت بالفندق الذي نزلت به في نيو أورليانز حيث أمضت شهر عسلها. ومثل الفندق كان لهذا المكان مراوح سقفية. وبالأمس استلقت بالسرير وراقبتها وهي تدور حول نفسها. بعد الغداء، أخبرتنا أليس كيف تم اكتشافها. قالت حدث ذلك في مجمع التسوق. كانت البنات تتسكعن فيه، كان من المناسب التقاط الصور فيه، وحصلت على صورة لنفسها وهي تستند على كتف أخيها. وبدا السأم على العارضتين الأخريين. أشعلت برناديت سيجارة، والتفتت إلى جان، والتي كانت تقلب في صفحات مجلة، وقالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

نظر إلى الأعلى، ورفع حاجبيه الأشقرين. كان لطيفا وقويا مثل محارب فايكنغ في كتاب للأطفال.

قال:”وماذا تنفع الذكرى؟”.

“لهذا. من أجلنا جميعا”.

وبدا الارتباك على جان. ولكن تابعت. قالت:”ألم تلاحظ كيف أن أحدا لا ينسجم مع أحد. مع أننا عائلة واحدة”.

شعر بالدهشة. أخذ جرعة كبيرة من البيرة وتخلل شعره بأنامله. قال:”تكلمي عن نفسك”.

ضحكت برناديت ثم توقفت وقالت:”ماذا يحمعنا برأيك؟”.

قال جان وهو يميل للخلف على كرسيه:”الجواب بسيط”. وسمعت أنين خشب الكرسي القديم. وأردف:”الأمر لا يحتاج لإعمال الذهن”.

قالت برناديت:”خفف عني إذا بذكر رأيك”.

مال للأمام، واستند بكوعيه على غطاء الطاولة الشمعي، وحملت الريح ألحانا خفيفة من موسيقا تنبعث من الشوارع الضيقة. وابتعدت العارضات، وازدحمت الغرفة بأناس شديدي السواد وتلمع بشرتهم بلون أزرق تحت الضوء. قال:”نحن في برنامج أزياء”. ولم يكن للكلام أي معنى.

ولعب بعود ثقاب على راحتيه ثم أشار للساقي لإحضار كوبي بيرة إضافيين. واستقرت ذبابات على طرف الطاولة. نظر إلى برناديت وقال وهو يرفع كأس البيرة:”لالتقاط تلك الصور”. كان صوته غامضا. وشربت برناديت من زجاجتها، وسمحت لرأسها أن يستلقي للخلف. كان عنقها أبيض وطويلا. وراقب جان بلعومها يتحرك وهو يبتلع. قالت:”نخب اليد التي تطعمنا”.

والآن كانت البنات تتبخترن للأمام، وأبدين الرغبة بالذهاب للرقص في مكان ما. في مومباسا يوجد ديسكو مزدحم بالعاهرات الإفريقيات اللواتي ترقصن بمهارة وتنتظرن الإشارة. وسحرت البنات بذلك.

قال جان:”ليس في لامو. تذكرن. هنا لا يوجد حتى سيارات”.

تثاءبت أليس علنا مثل قطة، ولمع الضوء على أسنانها. مالت للأسفل وأراحت رأسها على كتف جان. وبطريقة المراهقين اليائسة شعرت نحوه بالوله منذ البداية. قالت:”أنا نعسانة”.

نظر جان لبرناديت وجر البنت إلى أحضانه، ومرر راحته على شعرها الناعم، وأرخى ثقله عليها، ورمت ساقيها الطويلتين على الأرض، وخيم الصمت عليهما. طرفت الفتاة بعينيها وحركت رأسها. في هذه الساعة قبل شهرين، كانت تطبع قبلة مساء الخير على وجه أبيها. وقفت على قدميها ونأت بوجهها عن برناديت وجان وقالت:”حسنا. أراك في الغد”.

تجولت بحثا عن الاثنتين المكتبقيتين اللتين تركتاها خلفهما.

قال جان:”صغيرة مسكينة”.

وراقبوها وهي تبتعد، ومدت برناديت يدها تحت الطاولة ولمسته، بنعومة أولا، ثم بمزيد من الجرأة. وفكرت: من المدهش كم من السهل أن تتصرف هنا مع الآخرين كأنك تسرق. ومن حسن الحظ البنات الصغيرات لا تعرفن هذه الأمور. ونظر جان نحوها وابتلع فمه. واقتنعت أنه أصغر مما تعتقد. رشفت من البيرة، وكان لها طعم الدخان، ولم تحرك يديها. قالت:”بماذا يذكرك هذا؟”.

هز رأسه، واحمر خداه. قالت برناديت:”هيا بنا للطابق الثاني”.

***

غادرا البار وتسلقا سلما ضيقا قادهما إلى حجرات الفندق. مررت برناديت راحتيها على الجدران. كانت مخمورة أكثر مما تصورت. وتوقفا في نهاية السلالم، حيث كانت الحشرات تلقي نفسها على ضوء كهربائي. وغرس جان أصابعه بقفا جينز برناديت وحركها بنعومة. وانتقلت لها الرغبة الفولاذية وانتشرت من الأسفل حتى بلعومها. قالت:”إلى حجرتك؟”.

كان سرير جان مرتبا، والشبكة الواقية من البعوض ملتفة بشكل كومة فوقه. ذهب إلى الحمام وأغلق الباب. وقفت برناديت أمام النافذة. لم يكن لها زجاج، فقط أغطية خشبية مفتوحة لتسمح لقليل من الهواء بالدخول ليلا. وانسكب ضوء القمر الفضي على الأمواج. ولونت الشاطئ أشرعة زوارق مطلية بألوان متعددة. وسمعت صوت الماء في الحمام ولكنها بقيت قرب النافذة، وتوقعت أن يأتي جان من خلفها. ولكن لم يفعل. وأن السرير تحت وزنه. قالت وهي تواجه البحر:”كما تعلم هذا يذكرني بشيء”.

قال:”كل شيء يذكرك بشيء”.

“هذا صحيح. وذات يوم سأحزر ما هو”.

“هل من اقتراح؟”.

تمطت وشدت عضلات بطنها وقالت:”كلا. لا بد أنه شيء من بين أشياء قليلة لم أشاهدها ولم أمر بها”.

لزم جان الصمت. وتساءلت برناديت إن كان قد أغلق الشبكة الواقية. قال:”حسنا. من الصعب إذا تحديده. حينما يقع”.

تخلصت برناديت من قميصها. كانت حمالة الصدر سوداء، وثدياها ممتلئان وشديدا البياض في الحمالة. كان عريها فاضحا. وهذه هي الحالة دائما، ولكن بعد يوم من من العناية بثياب البنات ذوات الخصور النحيلة والبطون المسطحة التي تشبه صحونا غير عميقة وفارغة فاجأها جسدها. والتفتت إلى جان. قالت:”سأعرف حينما يحصل لأنه لن يذكرني بأي شيء آخر”.

كان مستلقيا ويداه معقودتان وراء رأسه. وعينه الفوتوغرافية عليها. وشعرت أن جسدها عرمرم لكن بلا مذاق. وتمنت لو أنها لم تتخلص من قميصها. قالت:”لو أغلقت عينيك لن يكون هناك فرق”.

هز جان برأسه. وتابعت المروحة السقفية دوراتها. ولامست كتفي برناديت بتيار الهواء. اقتربت من طاولة الزينة ولاحظت النقود المعدنية مبعثرة، مع علب الأفلام، وعلب السجائر. وأخرجت سيجارة وأشعلتها. كانت هناك صور بولارويد: اثنتان في صباح المدينة، والبقية من المرفأ. وانتبهت لصورة أليس بين الرمال. حملتها وقالت:”ما رأيك بها؟”.

قال جان:””ظريفة. لكنها متصلبة. جديدة العهد على الجو”.

قالت برناديت:”هي مفتونة بك. وأنا متأكدة أنك تعلم”.

قال جان:”طفلة مسكينة. عليها أن تنتسب لمدارس التعليم العالي”.

نظرت برناديت مجددا للصورة. كان ضوء الشمس يغطي شعر البنت. الرمال شاحبة وبراقة كالثلوج، والبحر بلون أزرق خفيف. واشتاقت فجأة لأن تستلقي على تلك الرمال البيض، كما لو أنها لم تشاهد ما يشبهها من قبل. ولا بد أنها ذكرت نفسها أنها واقفة خارج المشهد، وأنها من اختار ثوب استحمام البنت.

 سألته:”هل لاحظت من قبل المعنى الموجود في مضمون هذه الأشياء؟”.

ضحك جان وقال:”هل لاحظت؟. أنا من التقط هذه الصور”.

وضعت برناديت الصورة وراء البقية، وقالت بصوت هامس:”بعموم المعنى هكذا يسير العمل”.

 وامتلأت الغرفة بأشعة نفاذة. وتوجهت برناديت إلى السرير. وفكرت: مدهشة طريقة تداخل الرغبة مع الضرورة وهي تدفعك باتجاه شخص ما. وجلست على السرير ثم تمنت لو أنها ذهبت نحو الباب. وكانت تريد منه أن يطلب. وقالت لنفسها: لا بد أنه سيطلب. واستلقت قربه تحت المروحة الدوارة. وذكرتها بالمقص. ولم يتلامسا. قالت تخاطب المروحة:” والآن هل تخطط لتحصل على إيراداتك؟”.

“إيراد ماذا؟”.

“من أليس”.

و توتر ذراعاه. وسأل:”هل أنت هكذا دائما؟”.

قالت برناديت:”أنت من تخاطب أفضل شريحة من نفسيتي”.

وحضنت وجهه بيديها وقبلت فمه. وارتفع الرضاب بين حلقها وأسنانها. وتساءلت هل بمقدور جان أن يتذوق هذا الرضاب. وضغطت بطنها على بطنه وجرت قميصه نحو رأسه. تخليص إنسان من ثيابه شيء سهل - كانت تكسب قوتها من هذا العمل. وانتشرت من جان رائحة الشاطئ. وكان صدره تقريبا حليقا دون شعر. قال:”ماذا بك؟”.

وبدت عيناه صغيرتين يغطيهما الضباب. وسحبها نحو الأسفل وأصبح فوقها، وسحب سروالها الجينز.. كل ساق على حدة. وتأملت ذراعيه. شاهدت نفس العضلات الطويلة والرفيعة والشرايين التي تراها كلما حمل الكاميرا في الأيام الماضية. وتلمستها بأناملها، وصنعت على جلده أهلة صغيرة بلون أبيض. ولم يحتج. لقد امتلكته الآن، وهي موقنة من ذلك. وقالت لنفسها: هل يوجد فرق بعد الآن؟

***

لاحقا حينما مارسا الحب اختنقت الأصوات الآتية من البار، واستلقى برناديت وجان ساكنين.

قالت:”أنت تعلم أن هذه الحجرة تشبه كثيرا غرفة شهر عسلي. في نيو أوليانز”.

قال:”شهر العسل؟”.

قالت:”بالتأكيد. وهل لديك خيار آخر في السبعينات؟”.

لم يرد جان. أضافت:”كنت جميلة، وكان شعري طويلا ويبلغ طوله إلى هنا”.

واستدارت قليلا، ولامست أسفل عمودها الفقري. كان جسمها نديا. قال جان:”ولكن أنت جميلة الآن”.

قالت برناديت:”من فضلك لا تبالغ”.

ومرر جان أصبعه على خدها. قالت:”توقف من فضلك”.

“لماذا؟”.

“الجسم العجوز يكون دائما مشققا”.

سألها:”كم يبلغ عمرك؟”.

“ستة وثلاثون”.

ضحك وقال:”ثلاثة وستون. يا إلهي. أي تجارة تورطت بها”.

ولامست برناديت خدها في المكان الذي لمسه جان من لحظات. وضغطت على الجلد كما لو أنها تبحث عن بثور. قالت:”كنت مصممة منذ بلغت السادسة عشرة. وكنت أنافس العارضات في البداية. الآن أشعر نحوهن بعاطفة الأمومة”.

قال جان وهو يهز رأسه:”في السادسة عشرة”.

قالت:”الآن يبدأن من عمر أقل. أنت تعلم ذلك”.

“ولكنهن يتقدمن بالعمر مثلك. فكري كيف سيكون الحال حينها”.

“من يعلم؟. فهن يختفين فورا”.

قال جان:”بالضبط”.

وأخلدا للصمت وهما مضطجعان. وقررت برناديت أن تعود إلى غرفتها. فالهدف من أي حوار أن يحملك لمكان ما، أما هي وجان فقد التقيا وافترقا. قال:”أنت تعلمين. من الصعب أن أتصورك متزوجة”.

“كنت شبه متزوجة. لم يستمر الأمر أكثر من لمح البصر”.

”كيف انتهى؟”.

قالت:”يا للمسيح. لقد ورطت نفسي هنا بكلام لا ضرورة له”.

قال:”ولكن أخبريني”.

ضيقت ما بين عينيها وجلست على السرير. وبحثت على الأرض بأصابع قدميها عن صندل. قال جان:”لا يمكنك الإجابة على سؤال بسيط. أليس كذلك؟”.

وضعت برناديت عقد أصابعها على شفتيها. كان الباب على بعد عشر أقدام من السرير. وتمنت لو أنها ترتدي ثيابها. قالت:”أنا مضطربة”.

قال جان:”مضطربة”.

قالت:”مضطربة. كما تعلم - مضطربة؟ لا أزال أفكر بالأماكن التي عملنا بها”.

ضحك جان وقال:”أعتقد أنك اخترت الحياة الصحيحية”.

 قالت برناديت:”أعتقد ذلك”. وبحثت عن ولاعتها. وأضافت:”ألا ترى أنك تلح بكثير من الأسئلة؟”.

وأشعلت سيجارة ودخنت بعمق. وأطلقت الدخان من منخريها وسمحت له بالتدحرج من فمها. كانت تحب التدخين، وإلا كيف سيكون إحساسها بحوارات من هذا النوع.قال جان وهي تخمد عقب السيجارة في صحن رماد بشكل نصف محارة:”إذا. هل توافقت مع حسن ظنك؟. الأماكن؟”.

لوحت ذراعها نحو السقف وقالت:”بالتأكيد كانت جميلة. جميلة جدا. وهذا شيء رائع”. وأضافت:”تجولت في كل العالم. وأنت فعلت ذلك. هل أنا محقة؟”.

قال جان:”وأنا تجولت في العالم”.

شهقت، ثم زلقت قدمها في صندلها وأشعلت آخر سيجارة. قالت لنفسها: هذه للطريق. ثم قالت بصوت مسموع: ”ندمت على أمر واحد. أنني دون صور شخصية إلا فيما ندر. كل ما علي أن أصور العارضات وهن ترتدين تصاميمي”.

أومأ جان برأسه وقال:”هذا مثل التلصص على ألبوم الآخرين”.

التفتت برناديت لتواجهه. كان له وجه مليح القسمات حسب رأيها. قالت:”هذا صحيح. هذا بالضبط هو الحال”.

أطفأت ما تبقى من سيجارتها. وتمنت لو أنها غادرت قبل عشرة دقائق. وقالت لنفسها: ستتريث لنصف ساعة أخرى. استلقت على ظهرها، وجسمها قبالة جسم جان، كان كتفه حلو الرائحة قليلا، مثل شمع الشمعة. وضعت راحتها على بطنه، وعندما حاولت أن تزلق يدها غطاها جان بيده.

قال:”ما هو المكان المفضل لديك من بين كل تلك الأماكن التي زرتها؟”.

تنهدت برناديت. تعبت من الأسئلة. وعلى نحو غريب، لم تتذكر أحدا وجه إليها مثل هذا السؤال من قبل. وتساءلت هل هذا ممكن. لا بد أن أحدا سأل هذا السؤال، ولا بد أنها قدمت إجابة. وحاولت مجددا تحريك يدها. ولكن منعها جان. قالت:”أحببتها كلها”.

“هراء”.

وانتابتها فورة من الندم لأنها وجدت نفسها لا تزال هنا، وأنها وقعت في هذا الحوار. وحركت يدها وأبعدتها عن بطن جان نحو صدره. كان جلده هناك أدفأ، وأقرب للعظام. وأمكنها الشعور بقلبه النابض.

قال:”لا بد أن أحدها ترك انطباعا دائما”.

ترددت برناديت. وقالت:”نيو أورليانز. شهر عسلي”.

هل هو المكان الوحيد الذي يمكن أن تفكر به. وشعرت فجأة أنه قد تنخرط بالبكاء. وسمح جان ليدها بأن تتحرر من قبضته. واستدار على جانبه ليكونا وجها لوجه. وتلامس وركاهما. قال:”لا بد أنه مكان هادئ”. وأصبح صوته ناعما.

وتحركت برناديت لصقه. لم يمكنها أن تمنع نفسها. وضع جان يده على رأسها واحتواه وأجبرها أن تنظر إليه وقال:”هيييييي. وبماذا يذكرك هذا؟”. كان يلعب بأعصابها ويضايقها. ولاحظت سلسلة فضية رفيعة حول رقبته. قالت:” لا شيء”. وتوقف شيء في بلعومها. ولدقيقة من الوقت لم يحرك أحدهما ساكنا. قال جان وهو يجرها نحوه:”حسنا. نحن هنا. وهذه بداية”.

***

في الصباح التالي ترنحا باتجاه الكثبان، وهما مغموران بالإرهاق. كان الوقت باكرا، والضوء شاحبا وجليديا. كان يضفي لونا أبيض على الأمواج. لم يحلق جان وجهه. ولم تتمكن برناديت أن تمنع نفسها من التحديق به. كان الوقت متأخرا. وتسكع بقية الموجودين قرابة الشاطئ، ثم التفتوا نحو الرمال ليتأكدوا عما حل بهما. كان وجه العارضة غامضا في شمس هذا الصباح الباهت. وفكرت برناديت: ربما سيخمنون. ورغبت أن يفعلوا ذلك.

قالت:”شيء غريب أن نعود”.

أشار جان للمجموعة بيده وقال:”إليهم؟ أم للخلف؟”.

قالت:”كلاهما”.

في وقت لاحق من هذا اليوم سيسافرون بالطائرة إلى نيروبي. وفي صباح الليوم التالي إلى نيويورك. وبعد أسبوعين من الآن ستتابع إلى الأرجنتين. قالت برناديت:”كل شيء يتلاشى في نفس اللحظة التي تبدل بها مكانك”. ولكن من الخطأ أن تتكلم تستعمل كلمة “تتلائى” في هذا السياق. ونقل جان كاميرته من كتف لآخر. وبدأت لحيته تلمع بقطرات العرق. ثم قال وهو يبتسم لها:”شيء ما يجب أن يستمر. وإلا لن يتبقى لنا غير صور من تصميمك وبتصويري”.

لوح لهما مصففة الشعر والمسؤول عن المكياج. وتوقف البقية على الرمال بنفاد صبر وملل. كانت الأرض ناعمة ولا يصدر عنها أي صوت. قالت برناديت:”هذا لا يكفي”.

قال جان:”لا. لا يكفي”. وحاولت أن تنظر بعينيه، لكنه كان مسرعا. وفكرت لقد كان صريحا. ولكنها لم تتمكن من القفز من فوق الحوار. ورددت:”لا. لايكفي”.

وانضما للمجموعة. ونظر إليهما الجميع بحذر. واستمتعت برناديت بهذا الاهتمام بطريقة طفولية وعارية عن الخجل. ولم يمكنها أن تتذكر هذا الشعور منذ أيام المدرسة الثانوية. هناك شيء مثير في أن تكون موضع التعجب والتساؤل. أول صورة كانت لأليس وهي ترتدي قطعة واحدة سوداء قصيرة موشاة بخيوط ذهبية. وهو ما تفضله برناديت. قالت وهي تبرم خيطا شاردا:”يبدو أجمل عليك مما لو أنه علي”. كان ثديا البنت صغيرين جدا ولم يكن لبرناديت أن تخمن صدرها من ظهرها. ولم تبتسم أليس. كانت عيناها عابثتين اليوم، كما لو أنها لم ترقد أبدا. أما نيك، المسؤول عن التجميل، لم يتمكن من إضافة الظل المناسب. وقال لها وهو يضيف الكحل:”أنت متورمة”.

شخرت برناديت تقول:”متورمة.كيف سأكون بعد عشرين عاما”.

وعندما شعر نيك بالرضا، انصرفت أليس نحو حافة المياه. وأحاط بها بقية العارضات، وأدرن ظهورهن للكاميرا. ومدت أليس ذراعيها بعيدا عن كتفيها قليلا، بوضعية راقصة باليه. وعندما بدأ جان بالتصوير، رفعتهما ببطء. وقفت برناديت بجانب جان. واعتقدت أنها طفلة رفيعة، ذات جسم مضغوط بصعوبة داخل انحناءات ضعيفة وأولية. كان هناك شيء ما يستسلم في وجه البنت، شيء يمكن بسهولة تعبئته. ونظرت إلى جان.

قال:”ثبتي نظراتك. اجعليها أقسى”.

رفعت البنت ذقنها، وأصبح خط فكها الناعم واضحا. كانت عيناها لماعتين وضيقتين. نظرت إلى جان وبرناديت بنظرة حزينة وشرسة كأنها لإنسانة رأت شيئا وتعلم مسبقا أنه ليس لها. وشعر جان بالاهتمام وصاح:”يا بنوتة! أحسنت”.

وفكرت برناديت: بالفعل لقد نجحت. وربما بغضون ثلاث سنوات ستصبح مشهورة. ولن تتذكر لامو، وإذا شاهدت صورها على هذا الشاطئ ستتساءل من التقطها.

بعد الانتهاء من الصورة، تمخترت أليس نحو الماء وبدأت تتجول فيها. كانت لا تزال ترتدي ثوب الاستحمام الأسود. وهي تقف وحدها بدت مثل مراهقة على وشك أن تغطس. بعد ارتداء بقية العارضات، جاءت برناديت. كان لديها شيء تريد أن تقوله. وتجولت هي وأليس بصمت معا. قالت أليس:”أريد العودة للبيت”. وكانت عيناها محمرتين.

قالت برناديت:”أمامنا أربع وعشرون ساعة”.

“أقصد الوطن يعني الوطن”.

“أين. روكفورد، إلينويز؟”.

وافقت البنت بحركة من رأسها. وقالت:”أنا هنا مستوحشة”.

وفكرت برناديت: شيء عجيب. كيف يمكن للشابات أن تتكلمن بهذه البساطة. كم هذا الكلام سهل بالنسبة للشباب.وقالت للبنت:”نحن في أفريقيا”.

وشهقت أليس ونظرت للشاطئ. كانت الأشجار الغريبة الشكل تبزغ من خلف الكثبان. والتقط جان المزيد من الصور. كانت بقية العارضات مستلقيات على الرمال.

قالت برناديت:”لا يكون الوطن فاتنا وساحرا هكذا إن لم تكوني في إفريقيا”.

استدارت أليس نحوها، وطرفت بعينيها أمام الضوء المتوهج وقالت:”ماذا تقصدين؟”.

قالت برناديت:”أقصد بمقدورك العودة لبيتك حينما ترغبين، لا أحد يمنعك”.

وثبتت البنت نظرتها المشوشة على الأفق. كانت المياه كثيفة مثل سائل الفضة ودافئة على فخذي برناديت.

قالت:”ثم سوف تجدين نفسك في البيت”.

غمست أليس أصابعها في الماء ورسمت خطوطا مائية على طول ذراعها. وبدت دون أمل، كما لو أنها توقعت أن تسمع شيئا آخر.

قالت برناديت:”ولكن الآن باعتبار أنك تذوقت السفر. ربما لن ترغبي بالعودة”.

شعرت بلحظة من الزهو بخصوص الطريقة التي وجهت بها حياتها الخاصة. وفكرت:أنا لن أعود للبيت.

قالت أليس:”أراهن أنني لن أفعل”.

وشيء ما تراخى حول فم البنت. وبدت مرتاحة. من الصعب أن تتابع حياتك الاستثنائية والمذهلة.

قالت برناديت:”عموما يمكنني أن أسعدك قليلا”.

شهقت أليس، وتمسكت بغموضها. هي في النهاية مراهقة.

قالت برناديت:”الصورة التي انتهينا منها للتو - صورتك؟ ستكون هي الغلاف”.

تخللت البنت شعرها بأصابعها. وافتر ثغرها، وامتلأت عيناها بالدموع. وحاولت أن تكبت الابتسامة. والتفتتا نحو صخب أصوات. كان جان يهرول نحوهما برفقة نيك وراءه. فقد انتهيا من اللقطة. قال جان لبرناديت:”تلزمني واحدة منكما. أنا بحاجة لنسخة”.

ورمقت برناديت بنظرها أليس. كانت البنت تنظر للبعيد. ويداها المنداتان تتدليان على طرفيها.

قالت برناديت:”لثلاثتنا”.

وقدم جان الكاميرا إلى نيك. واقترب من جانب برناديت. ووقفت هي في الوسط بين جان والبنت. وحضنت كلا منهما بأحد ذراعيها. كان بمقدورها أن تشعر بعظام كتف أليس، هش ودافئ مثل عصفور. وأبعدت بيدها بعض الشعرات عن وجه البنت.

قال نيك:”ابتسامة لو سمحتم”.

خمدت حركات الثلاثة، واتضحت حدود المشهد لدقيقة من الوقت. ولاحظت برناديت النسمات، كان زحف الماء يغسل أصابع قدميها. وداهمتها أوجاع نوستالجيا خفيفة، وضغطت يد جان على ظهرها. وبين الثلاثة امتدت خطوط من نسيج خفيف، مثل شبكة العنكبوت. وشعرت برناديت بعاطفة جارفة لهذه اللحظة، شوق يشبه الحنين لأمر انتهى، أو شيء كان ثم اختفى. مع ذلك ها هي الآن.. هنا.

 ***

 ..........................

جنيفر إيغان Jennifer Egan كاتبة أمريكية. من أهم أعمالها رواية (زيارة من فرقة الأغبياء)2011، ورواية (شاطئ مانهاتن/)2017. وهذه القصة من مجموعتها (مدينة الزمرد/ 1996).

ترجمة صالح الرزوق / عن مجلة ناراتيف الأمريكية (السرديات الأمريكية)، عدد 2021.

 

 

2334 براين بيلستنترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 قاموس روجـر للمترادفات

كي ينمـّي، يوسـّع، يمدّد

نتاجـَه المعجمي،

اشترى، ابتاع، استحصل روجـر

موسوعة مترادفات، قاموس تيسوروس.

 

وفي الحال، حالا، دون تأخير

لم يعد مستنفذا الأشياء التي يقولها،

يتكلمها، ينطقها، يعبر عنها، يلفظها،

يجهر بها، يعلنها، يوصلها.

 

كان كل ذلك حسنا، جيدا جدا، عظيما،

مدهشا، فائقا، رائعا،

لكن أصدقاءه، رفاقه، أصحابه وجدوه

مملا، مضجرا، مسئما، مبرما.

 

لذا فليكن ذلك تحذيرا،

إنذارا، إشارة، هاجسا،

بأنه من المستحسن جدا إظهار المعرفة،

الثقافة، التعلم، الاطلاع،

 

لكن إليك فائدة، تلميحا،

اقتراحا، نصيحة،

لا تدعه أبدا يمنعك

من أن تكون موجـِزا،

 

مختصرا، مبتسرا، واضحا، مفصحا،

محكما، مستخلصا، مقتصدا،

مكتنزا، مقتضبا، مـُقـْصرا،

بليغا.

***

................... 

* عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.