علي رسول الربيعيهذه أسئلة في الفلسفة وأجوبتها من قبل علي رسول الربيعي و أنيسة بوزيان.

س: ما هي الفلسفة بالنسبة لك؟

ج: د.علي رسول الربيعي: البحث عن الحقيقة غير الرياضية عن طريق ممارسة قوى الحكم والتفكير، والبحث عن المعنى.

ج: أنيسة بوزيان: الفلسفة بالنسبة لي هي رحلة بحث و ليست محطة وصول تعتبر مدرسة للحرية و صانعة للحياة فهي نهر هاديء و ليست سيل جارف، علمتني الفلسفة محبة الحكمة و عودتني على ممارسة حكمة الحب

س: لماذا الفلسفة مهمة؟

ج: د.علي رسول الربيعي: لأن العديد من الأسئلة المهمة - بما في ذلك الحقائق حول الأخلاق/ والقيًم، والجمال، والبنية العامة للواقع، وعلاقاتنا بهذا الواقع - لا يمكن معرفتها، على الإطلاق، إلا من خلال الفلسفة.

ج: أنيسة بوزيان: لأنها علمتني أن الثابت الوحيد هو أن لا وجود لشيء ثابت كما علمتني النقد والشك في كل الاشياء واخضاعها للغربلة حتى اتمكن التميز بين الراجحة منها والتخلى عن غير الراجحة و علمتني تفادي الأحكام المسبقة و أصبحت نظرتي للأشياء بعيدة و عميقة.

س: كيف تفكر في التفلسف؟

ج: د. علي رسول الربيعي: أفكر في فلسفة الحاضر، أيُ رفع قضايا ومشكلات اللحظة التاريخية المشخصة الـــى مستوى النظر الفلسفي.

ج: أنيسة بوزيان: أفكر في التفلسف من خلال فلسفة حياتي وعيش فلسفتي التي حلقت بي من قفص السطحية و المحدودية إلى أفق اليقظة والمغامرة.

س: ما هي أكبر مشكلة نواجهها في المجتمع المعاصر؟

ج: د.علي رسول الربيعي: الجهل.

ج: أنيسة بوزيان: تقديس التخلف وضعف الوازع الديني والإنحلال الخلقي والضياع.

س: ماذا تأمل أن تحققه من ممارسة الفلسفة؟

ج: د.علي رسول الربيعي: استنزاف الجهل أو تخفيضه.

ج: أنيسة بوزيان: محاربة تقديس الحمقى والأوهام والمغالطات المزوقة التي في ظاهرها خطابات ملائكية وفي باطنها أفكار وأفعال شيطانية.

 

 

انور بن حسين* بعد مئتي عام سيختفي الشعر ويصبح مجرد تراث

كان حواري مع الشاعر محمد المثلوثي على إثر زيارة للاطمئنان على صحته بعد تعرضه لجلطة قلبية فأردت أن أنتهز الفرصة لإدارة حوار معه خاصة وأنه من الشعراء القلائل الذين كتبوا كثيرا في غرض المدح وكذلك الأغراض الشعرية الأخرى ومن الذين تمسكوا بالأصالة وبالتراث الشعري العربي وله رصيد محترم من الإصدارات التي تستحق الاهتمام رغم موجات التجديد وشعر ما بعد الحداثة.هكذا ظل وفيا إلى بداياته وإلى الأوائل الذين ورثنا عنهم حجر الأساس في فن الكلام المقفى.فكتب عديد الدواوين نذكر منها "روض الخلود" تغنى فيه بمناقب العرب وشجاعتهم، "حدائق البيان في سلطنة عمان"، "عاشق الكويت"، "روض الربيع في المغرب البديع"، "جديد السعودية في القوافي التونسية" وغيرها كثير ولديه خمسة كتب في التوثيق التاريخي والسياسة.هو من مواليد 1943 ميلادية بالقلعة الكبرى وهي مدينة صغيرة بالساحل التونسي، له صولات وجولات بين الدول العربية حتى أنه صار متنبي عصره يجول بلاطات السلاطين والملوك، كما تحصل على بعض الأوسمة منها وسام الاستحقاق الثقافي من المملكة العربية السعودية سنة 2005 والوسام الفضي للاستحقاق الأدبي بفرنسا سنة 1988 من قبل وزير الثقافة الفرنسي شارلي بوناردي، وتحصل على عديد رسائل الشكر من عديد الملوك والرؤساء كجلالة الملك محمد السادس ورئيس فرنسا السابق جاك شيراك. وإن للشاعر علاقات عريقة بكل من الأمير الشاعر خالد الفيصل والشاعر الوزير غازي القصيبي (رحمه الله) وكذلك بالمستشار الثقافي لفقيد الأمة العربية السلطان قابوس، ويقول لكل أصدقائه الذين أحبهم ومن هؤلاء من كتب فيهم قصائد ولازال يذكرهم وهو على فراش المرض:

"أنا الذي قلت شعرا ليس يفقهه

إلا الذين ببيت العلم هم خلقوا

وما انكسرتُ بدهري رغم شدته

والجاهلون ببحر المال قد غرقوا

دقوا الكؤوس بكأسي وهي خاوية

من عسر هذا الدهر وارتاحوا واغتبقوا

دمي على الهجر موهوب لكم قسما

لو مات قلبي من حبي لكم فثقوا"

ويمكن لهذا الحوار السريع أن يقدم لمحة عن شخصه وأفكاره وإن وردت باقتضاب فإنها تفتح المجال للبحث في كتاباته وإنتاجاته.

1- ما الشعر في نظركم وما سر تمسككم بالقصيدة العمودية وبأغراضها الشعرية وما موقفكم من أشكال الكتابة الشعرية المعاصرة؟.

- كانت بدايتي مع الشعر منذ الصغر وكنت مولعا بحفظ القصائد وكانت لي ذاكرة شعرية حادة وهذا شجعني على مواصلة المشوار والمضي قدما في التجربة بالإضافة إلى تشجيع بعض الأصدقاء والأساتذة أذكر منهم الميداني بن صالح ومنور صمادح وكانوا يحثونني باستمرار على كتابة الشعر لما رأوا لدي من نبوغ وولع بالقصيدة العمودية.وقد كتبت في عديد الأغراض الشعرية كالمدح والرثاء والهجاء والغزل وكنت وفيا في تجربتي إلى التراث الشعري العربي وميالا إلى شعر المدح وتأثرت بأبي تمام وأبي الطيب المتنبي والأخطل وابن أبي ربيعة وغيرهم من فطاحل الشعراء، وحفظت عنهم الكثير من الشعر ما يقارب عشرة ألاف بيت.وعندما مدحت الملك المغربي محمد السادس بمناسبة عيد العرش سنة 2005 لما رأيت فيه من طموح ورغبة في إصلاح أوضاع بلده ارتجلت الشعر عنده ورأيت ما يوليه من تبجيل للمبدعين وتشجيعهم كما مدحت السلطان قابوس من سلطنة عمان وكتبت فيه قصيدة رثاء بمائة بيت بعد وفاته. فالمدح ليس ضرورة انتظار بعض المكافآت من الممدوح ولكنه ذكر للمناقب والقيم الأصيلة والتي تقدم دروسا في الشهامة والكرم وحب الناس.

أما في خصوص موقفي من أشكال الكتابة الشعرية فأنا لا أرى أنواعا في الشعر والذين جعلوا للشعر أنماطا وأشكالا هم مخطئون وأقولها على مسؤوليتي فهذا ينضوي تحت ما يمكن أن نسميه الجهل بقواعد الكتابة الشعرية فكيف يكون الشعر شعرا ونثرا في نفس الوقت. فمنذ القديم اصطلح العرب على مقومات القصيدة وعلى النثر كجنس أدبي مختلف. إن الكلام عند العرب نوعان لا ثالث لهما شعر ونثر فما يميز الشعر عن النثر انه موزون وذو تفعيلة وذو جمالية لغوية تختلف عن أصناف الكتابة الأخرى ولا يمتلك صفة الشاعر إلا من كانت له ميزات منها سرعة البديهة والتمكن من اللغة وأعتبر الهروب من القصيدة العمودية هو إما ضعف وإما تقصير ونرى اليوم كل من يكتب كلاما منثورا يعتبره شعرا وهكذا اختلط الحابل بالنابل ويصعب التمييز بين الجيد والرديء. التطاول على الشعر كفن من الفنون العريقة يعتبر تكريسا للرداءة و تجنيا على ثقافتنا العربية التي تقوم على القول الفصيح والبيان والبلاغة . وهذه الرداءة ستقضي على الأصالة الشعرية التي تمثل جزءا من هويتنا وإذا تواصلت موجات العزوف عن الشعر فإنه سيختفي بعد مائتي عام ويصبح مجرد تراث.

2095 المثلوثيوقلت في هذا السياق قصيدة منها هذه الأبيات:

"توهموا من جهلهم أن يفلحوا

بالغرس في أرض البقاع البلقعِ

وتمردوا ضد الأصالة والأولى

وأتوا بشعر في هزال الأنسعِ

وتماسكوا مثل الهباء بشعرة

وقلوبهم حسرى لشعر المبدع

فيقايضونه في المجال وقاحة

ورياحهم مثل الدّبور السُّفعِ

يتشدّقون لدى الملا بجهالة

ويضخّمون القول عند المطلع

وترى الدواوين لديهم ما بها

إلا هراء لا يطيب لسامع"

2- باعتبارك شاعرا كيف تعرف الإبداع وهل ترى في الخصوصية ضرورة لتمييز تجربة عن أخرى؟

- في كل ميدان هناك مبدعون وفي الشعر كذلك يوجد مبدعون فبدون إبداع ليست هناك ميزة في عملية الكتابة.هو شيء ضروري لتقدم الإنسان وللرقي بالذائقة ولكي نميز بين الغث والسمين. والشاعر له نظرة تختلف عن نظرة الإنسان العادي فالشاعر فيلسوف ومفكر فهو لا يكتب من فراغ، وكانت له في القديم مكانة مرموقة وحظوة اجتماعية والقبيلة التي ينبغ فيها شاعر كانت تحتفل وتفتخر بهذا الحدث لعشرات السنوات ويشعلون النار لمدة سبع سنوات فوق قمة الجبل تمجيدا للشعر والمسألة رمزية بالأساس ذلك أن هذه الأقوام رغم أنها عاشت في ظروف مختلفة وأقل تطورا إلا أنها كانت تبجل أصحاب المعارف والمواهب لأنهم يساهمون في وضع نظام قيمي للقبيلة وحث الهمم في الحروب من خلال قصائد الحماسة وخلق بيئة يكون فيها المعنى همزة الوصل بين الأفراد.

3- هل ترى أنه بإمكان الشعر تغيير الواقع اليوم؟ أم أنه يبقى مجرد تعبيرات وجدانية لتجارب ذاتية؟

- يؤسفني أن أرى الشعر يتخلى عن مكانته التي كان عليها وذلك لأسباب نعرفها فمعطيات الواقع تغيرت والكون تطور والإنسان أصبح له اهتمامات أخرى وأصبح يعبث حتى بالتاريخ ويزوّره ولا يؤمن أن الشعر يمكن أن يغير واقعه الاجتماعي أو المادي وسيأتي يوم وتنقطع فيه الكتب الورقية تماما في ظل استلاب التكنولوجيا وهيمنتها على تفاصيل حياتنا ومآل الشعر أن يصبح في يوم من الأيام من التراث ومن يصير لديه كتاب شعر ورقي يمكن أن يبيعه بالمزاد العلني بمئات الملايين.

4- كيف تقيّم المشهد الثقافي في تونس وهل ترى أن ما تقوم به الهياكل الرسمية يقدم الإضافة للمبدع؟

- دوام الحال من المحال. المبدع في تونس لازال لا يحظى بالقيمة التي يستحقها فمساهمات الوزارة والمؤسسات الحكومية محتشمة في هذا المجال والمبدع يتكبد عناء الإنتاج بمفرده وكأننا بالإبداع أصبح مسألة شخصية. وها أنا أشهد على هذا العصر الرديء بنفسي خاصة بعدما تعرضت إلى وعكة صحية على إثر جلطة قلبية حيث لم يزرني ولم يسأل عني أحد من المؤسسات الثقافية سواء الحكومية كالمندوبية وممثليها أو الغير حكومية كالجمعيات الناشطة في الحقل الثقافي ما عدى صديق وحيد وهو الأستاذ محمد البدوي الذي تنقل من ولاية المنستير لزيارتي والاطمئنان على صحتي . وهناك الكثير من المبدعين في شتى المجالات من ضاق بهم الحال أو تعرضوا لأزمات ولم يجدوا من يلتفت إليهم أو يساعدهم على تجاوز محنتهم فالمبدع مفلس في تونس نتيجة لسياسات التهميش. في حين أن الدول المتقدمة وحتى بعض الدول العربية الأخرى تولي اهتماما كبيرا بالكتاب والمثقفين وتوفر لهم أسباب النجاح والتفوق إيمانا منهم بدورهم في النهوض بمجتمعاتهم، وماذا ننتظر من شعب لا يقرأ ومن بلد لا يعترف بالجميل لمن يصنعون تاريخه. وقلت الشعر في تخاذل الساسة والغربة التي يعانيها المبدع في أرضه واليكم هذه الأبيات:

"لعنتم حكاما إذا الشعب جائع

يجري وراء الخبز والخبز هاربُ

حملتم بطونا بالمتاخم أُتخمت

بأموال شعب للزمان يغالبُ

لُعنت دماءٌ في العروق وخافقٌ

ضجت به الأحرار وهي تطالبُ"

5- هل يمكن أن تعلق بجملة على كل كلمة من هذه الكلمات:

الشعر: هو حديقة الكئيب وجنة الروح.

اللغة: هي أساس الثقافة وليست هناك كتابة دون لغة.

الإبداع: هو ما نصبو إليه من أجل تحقيق الأفضل.

التجربة: التجربة تُثبّت الإبداع.

السياسة: هي سلاح الفاشلين فلن تجد عالما يطمح لسياسة.

الحلم: هو نزوع إلى الأجمل.

***

حاوره: الكاتب أنور بن حسين

.....................

* الصورة الأولى للكاتب أنور بن حسين

 

 

يوسف ابوالفوزيوسف أبو الفوز، كاتب عراقي، من مواليد مدينة السماوة، جنوب العراق، في 1956، اضطر لمغادرة العراق صيف 1979، مشيا على الإقدام عبر الصحراء إلى العربية السعودية ثم الكويت.

في الكويت للأعوام 1979 ـ 1980 كتب في الصحافة الكويتية بأسماء مستعارة عديدة، خصوصا في مجلتي العامل والطليعة وصحيفتي الوطن والسياسة، وحرر عمود سياسي ساخر باسم” دردشة” وكان أسبوعيا في مجلة الطليعة الكويتية، ووقعه باسم “أبو الفوز” الذي من يومها صار اسما فنيا له.

مقيم ويعمل في فنلندا منذ مطلع 1995. وهو عضو نقابة الصحفيين في كردستان العراق، عضو نادي القلم الفنلندي، عضو المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم Kiila، أسست 1937، وانتُخب لعضوية هيئتها الإدارية لعدة دورات، منذ 2006، كأول كاتب من الشرق الأوسط يُنتخب لهذا الموقع. درَّست بعض المدارس الفنلندية الثانوية وجامعة هلسنكي نماذج من قصصه، ونوقشت بحضور الكاتب.  إضافة إلى لغته الأم العربية يتحدث الكردية والإنجليزية والروسية والفنلندية. إلى الحوار:

** في رواية (كوابيس هلسنكي) تحدثت عن خطر عنف التشدد الديني على أوربا، ولم تحمل الجماعات وحدها سبب ذلك العنف، حيث أرجعت أحد الأسباب إلى تجاهل الحكومات الأوربية إدماج اللاجئين خاصة المسلمين منهم في المجتمع الأوربي بقيمه وقوانينه.. حدثنا عن ذلك؟

- انتهيت من العمل في هذه الرواية عام 2008، وجاءت أثر دراسة متفحصة استمرت لأكثر من عامين، لنشاط الجماعات التكفيرية في البلدان الأوربية، خصوصا فنلندا. أردت منها أن تكون صرخة تحذير وتنبه إلى واقع معاش، وأيضا تكشف عن عجز الحكومات الأوربية، والمؤسسات المعنية في إيجاد سياسات اندماج فاعلة وناجحة لاحتواء الشباب المهاجر، خصوصا القادمين من البلدان الإسلامية، مما وفر مناخ مناسب لنجاح الجماعات المتأسلمة والتكفيرية الناشطة بفعالية، في كسب أعداد ليست قليلة من الشباب إلى صفوفهم، خصوصا ممن يعانون من البطالة والتهميش. كَتبت الرواية قبل تأسيس منظمة (داعش) وإعلانها رسميا ويمكن القول إنها تنبأت بظهورها، كما أشار إلى ذلك الأستاذ علاء المفرجي في معرض كتابته عن العمل بعد صدوره، كونها استقرئت الواقع والمستقبل. إن سياسة التوطين على شكل (غيتوات) معزولة، المتبعة في العديد من الدول الأوربية، ساهم في تقوقع المهاجرين على أنفسهم. من جانب آخر، إن سياسة الدول الأوربية في التعامل مع الجماعات الدينية، على اختلافها، كونها (مؤسسات ثقافية)، منحها فرصة استغلال آلية الديمقراطية الأوربية لمد نشاطاتها وامتلاك أماكن خاصة بها، بحجج العبادة وأداء الطقوس، لكنها تحولت عمليا إلى أماكن للتقوقع والتنظيم وللتثقيف الخاص، سواء ضد المدنية والتطور الحضاري أو للتنظيم لأغراض تكفيرية وجهادية. خصوصا تلك الأماكن التي تم بناءها أو استئجارها بمساعدة أموال خليجية. في ندوات عامة وأحاديث لوسائل الإعلام، أقول دائما للفنلنديين أن التعدد الثقافي لا يعني تذوقك للكباب والدولمة وسماع شريط موسيقي عربي أو أفغاني، أنه يتمثل في دعم سياسة اندماج حقيقية، والسعي لمحاولة فهم أن المهاجر لا يقطع تذكرة باتجاه واحد، وكونه يبقى مرتبطا بجذوره وثقافته، من هنا ضرورة دعمه للحفاظ وتطوير ما هو ايجابي وإنساني في ثقافته الأم ومساعدته لامتلاك معارف وتجارب حضارية جديدة ومنح عموم المهاجرين واللاجئين، والشباب خصوصا، المزيد من الفرص في العمل والتوظيف في مؤسسات الدولة ليكونوا جزء منتجا ومثمرا من المجتمع، وزجهم في النشاطات والفعاليات ليس باعتبارهم ديكورا أو رقما انتخابيا وإنما جزء من نسيج المجتمع. ما زلت أرى أن أوربا بانتظارها الكثير لتعمله لأجل انجاز عملية اندماج حقيقية. ويجب التأكيد على أن عملية الاندماج، هي مهمة مشتركة ومتبادلة، فالمهاجرين واللاجئين عموما مطالبين بأن يكونوا إيجابيين ومتسامحين في فهم متطلبات الحياة في هذه البلاد الأوربية العلمانية المتطورة، ما داموا اختاروا بأنفسهم القدوم إليها، فعليهم السعي لتعلم لغة البلاد واحترام قوانينها والسعي لاحترام ثقافة وعادات المجتمع. إن البعض من الأخوة المهاجرين، للأسف، يفهم أن هدف الاندماج وكأنه التنكر لهويته الوطنية، وهو هنا يخلط بين ما نسميه (الانصهار) وبين عملية (الاندماج). أن الاندماج هو عملية طويلة وعميقة ولها عدة مراحل، وإذ تحرص فيها على الحفاظ على الأساس الإيجابي من هويتك وجذورك، يتطلب مراعاة قوانين وثقافة البلد الأوربي. وقبل أن تطالب بحقوقك عليك أن تعرف واجباتك أولا وعندها ستكون المعادلة متوازنة.

2088 كوابيس هلسنكي** في رواية (كوابيس هلسنكي) اخترت إطارا خياليا يتمتع البطل فيه بقدرات كشف الحقائق عن طريق الأحلام، وقدمت نموذج للشرطي المتعجرف، وللمتشدد الديني الملتوي المتلون، هل هناك بالفعل خطر أن ينفجر عنف الجماعات المتشددة دينيا في أوروبا، وماهي المؤشرات في رأيك؟

- حوت الرواية، شخصية ضابط شرطة، ينعته الراوي بلقب (الجنرال)، قاد التحقيق مع الراوي، الذي جاء بنفسه للشرطة يحمل معلومات ما عن جماعة إرهابية. أرادت الرواية أن يكون هذا (الجنرال) ممثلا للمنظومة البوليسية، وأجهزة الدولة المعنية بقضية الأمن، وأساليب تعاملها مع موضوع الإرهاب، وليس بدون معنى أظهرت الرواية العجز الجنسي للجنرال في معرض الحديث عنه. فالأجهزة الأمنية الأوربية ظلت لسنوات طويلة عاجزة ومشغولة بتفاصيل ثانوية بدل التركيز على ما هو أساسي، وتطلب منها وقتا لتخرج باتفاقات أمنية موحدة، بينما المنظمات التكفيرية، سبقتها وتجاوزتها في التنسيق والعمل، وكان هذا واضحا في القدرات على التجنيد وتمكن العشرات بل المئات من حاملي الجنسيات الأوربية، خصوصا من الشباب ومن مواليد هذه البلدان، من الالتحاق بالمنظمات المتطرفة والإرهابية كالقاعدة وداعش في العراق وسوريا، رغم عيون البوليس الأوربي المنتشرة في كل مكان. وهؤلاء (المجاهدين) تزودوا بالخبرة والمعرفة بأساليب التخريب والإرهاب وعاد العشرات منهم إلى بلدانهم ليكونوا نوات وبؤر مستقبلية لمنظمات تعمل تحت السطح ستظهر نتائج أعمالها يوما ما تبعا للظروف والأزمات، طالما أن أسباب تشكيل وظهور هذه المنظمات لا يزال قائما. وأن أعمال العنف يمكن أن تتفجر لأي حجة تنفخ الرماد عن جمّر الأسباب الكامنة، وعندها تستطيع الجماعات التكفيرية والمتشددة استغلاله لتنفيذ سياساتها الإرهابية.

** في رواية (كوابيس هلسنكي) أكدت على أن العنف ليس مرتبطا بالإسلام كدين، وأن العنف معروف في تاريخ الإنسانية بشكل عام، وفي تاريخ أوربا والغرب بشكل خاص، هل ذلك كان في مواجهة ما يحاول الإعلام الغربي تكريسه دوما من أن العنف مرتبط بالدين الإسلامي؟

- حاولت الرواية أن تقدم قراءة ما في تأريخ العنف عموما، لتقول لنا بأن العنف لا يرتبط بالدين فقط، كما شهد تأريخ أوروبا تبعا لسياسة الكنيسة الأوربية في القرون الوسطى، ولا بالإسلام التكفيري، كما شهدت العقود الأخيرة الماضية، بل أن العنف مرتبط بأسباب اجتماعية وسياسية أيضا، وان الدين ما هو إلا غطاء للجهات والطبقات المنتفعة من هذا العنف، والذي يمكن أن يندلع في أي مكان لأسباب لا علاقة لها بالدين فقط. اجتهدت الرواية في الحديث عن آليات عمل الجماعات التكفيرية، واستغلالها الدين كغطاء، من خلال متابعة إحداث وأعمال إرهابية متخيلة في بلد أوربي مثل فنلندا، وحاولت استقراء نتائج التشدد والتطرف السياسي والديني في أوربا، وأطلقت صرخة تحذير من أن أسباب العنف والإرهاب اجتماعية واقتصادية قبل أن تكون دينية، وهي كامنة ويمكن أن تنفجر في أي حين عند توفر الظروف المناسبة، وهكذا فالرواية تحدثت عن أعمال عنف سبق وحصلت في فرنسا وفنلندا وحذرت من احتمال تجددها في أي مكان من أوربا، كما حصل في لندن والنرويج لاحقا بعد صدور الرواية، والرواية أيضا ربطت  بشكل مباشر الأحداث بما حصل في العراق من نتائج الاحتلال الأمريكي ونشاط المنظمات التكفيرية في التجنيد والتمويل والتدريب والإسناد. ولابد من القول بأن الرواية كذلك تحذر من اندلاع العنف على يد منظمات اليمين المتطرف الأوربية، أو أحداث فردية، كرد فعل على واقع اجتماعي. وما يسجل لصالح الرواية أن بعض مما حذرت منه تحقق بشكل أو آخر، في العديد من البلاد الأوربية، ومنها فنلندا، والأمر هنا ليس عملية تنجيم، وإنما هو عملية استقراء للواقع، فالرواية صدرت خريف عام2011 تحمل على غلافها صورة شبح رجل يحمل سكينا على خلفية دموية، وفي فنلندا ظهيرة 18 آب 2017 أندفع شاب داعشي في ساحة عامة وهو يهتف (الله وأكبر) بذات المنظر في صورة غلاف الرواية وقتل بسكينه امرأتين وجرح ثمانية آخرين قبل أن يوقفه رصاص الشرطة.

** سافرت إلى السعودية ثم الكويت سيرا على الأقدام في الصحراء هل ما عانيته في العراق كان له تأثير على أدبك.. وكيف ذلك؟

- في نهاية سبعينات القرن الماضي، عاش العراق سنينا عصيبة، مع صعود وسيطرة جناح صدام حسين في حزب البعث العراقي، وأتباع سياسة (تبعيث المجتمع) فشنت مختلف الأجهزة الأمنية، حملة بوليسية، استهدفت الآلاف من أبناء الشعب العراقي، من كتاب وفنانين ومثقفين، ممن رفضوا الانضمام لصفوف حزب البعث، وممن كان له أفكارا مختلفة، بغض النظر عن كونهم شيوعيين أو ديمقراطيين غير متحزبين، مما أدخل البلاد في دوامة من العسف السياسي المنظم، فأضطر الآلاف من هؤلاء لترك البلاد بطرق مختلفة. كنت وأفراد عائلتي، من الرافضين لسياسة التبعيث، فنلنا حصتنا من المداهمات والاعتقالات والمطاردات. شخصيا اضطررت لترك دراستي الجامعية ربيع عام 1978 والاختفاء والعيش بشكل سري مطاردا في وطني لحوالي عام ونصف، ذاقت خلالها عائلتي، خاصة أمي، الويل من قسوة أجهزة حزب البعث، مما اضطرني في النهاية لترك وطني والابتعاد عن أهلي وأحبتي، ولتعذر السفر عبر المنافذ الرسمية، كوني مطلوبا للأجهزة الأمنية، اضطررت إلى السفر عبر الصحراء متخفيا مع البدو الرحل في رحلة قاسية، في شهر تموز 1979، إلى العربية السعودية وثم إلى الكويت، فقط لأجل الحفاظ على حياتي وكرامتي. كنت مطلوبا للسجن أو التصفية، كحال ألاف من أبناء العراق، فقط لكوني تحدثت وعملت وكتبت لأجل مستقبل أفضل للإنسان العراقي، بطريقة مغايرة لما يريده الحاكم الأوحد. بالتأكيد أن كل هذا ترك أثره البالغ على مسار حياتي وكتاباتي. إن هذه المعاناة والتجارب، والحلم الدائم بعراق مدني ديمقراطي تحكمه المؤسسات، وحياة حرة كريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وامتلاك مساحة واسعة من الحرية للكتابة بعيدا عن كل (التابوات) المعروفة، كل هذا يفرض وجوده كموضوعات في أعمالي الأدبية ونشاطاتي الثقافية. في رواية (كوابيس هلسنكي) اجتهدت لعكس جزء من هذا ومن خلال تطلع بعض شخصيات الرواية لعالم مختلف. وفي عموم أعمالي القصصية والروائية، أحاول باستمرار فضح العنف السياسي ضد الإنسان، وأكشف زيف الأنظمة الديكتاتورية المتسلحة بالفكر الشمولي، مهما كان لونه، ديني أو دنيوي، وإن معظم شخصيات أعمالي المنشورة تمجد الحرية وتحلم بها بل ويقدمون حياتهم ثمنا للنضال لأجلها.

** انضممت إلى الأكراد للنضال معهم احكي لنا عن تلك الفترة والتي أثرت أدبك فيما بعد؟

- من بعد حوالي أربعة أعوام من العيش خارج العراق وعشت وعملت في العربية السعودية والكويت واليمن الديمقراطي، كان قراري بترك الحياة في المنفى، والعودة للوطن والالتحاق بحركة الكفاح المسلح ربيع 1983، ضمن صفوف مقاتلي وفدائي الحزب الشيوعي العراقي، الذين عرفوا باسم (قوات الأنصار)، وكان قرارا واعيا. وكانت منظمة سياسية عسكرية عراقية مستقلة عن التأثيرات الإقليمية والدولية، عملت في مناطق كردستان العراق، الجبلية، ونالت تأييد ودعم أبناء الشعب الكردي الذين فتحوا أبوابهم لها، وكانوا مصدرا أساسيا لاستمرار ودوام الحركة، وتعاونت منظمة الأنصار مع القوى الكردية العاملة في المنطقة لأجل زوال النظام الديكتاتوري. كنت أدرك، مثل غيري، أن بنادق الأنصار لن تسقط نظام صدام حسين الديكتاتوري، لكنها ستساهم في زعزعة نظامه، وتكون عاملا للتعجيل بتفكيكه وثم سقوطه ليترجل حصان جواد سليم ويملأ العراق صهيلا.  لم يترك النظام الديكتاتوري حينها لأبناء جيلي فرصة، للعمل السياسي الديمقراطي لأجل التغير سوى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح.

هذه الفترة، التي استمرت بالنسبة لي حوالي ثمان سنوات، كانت غنية جدا،  ليس فقط بتفاصيل الحياتية اليومية، وصعوباتها التي كنا نواجهها كل يوم بل وكل ساعة، حيث تفتقد حياة الأنصار لأبسط متطلبات الحضارة، في أبسط قرية، إذ كنا نعيش في كهوف ووديان زاحمنا الذئاب والثعالب عليها،  بل لأن تلك السنوات الوعرة كانت فرصة لاختبار النفس والمبادئ ولفهم أهمية الحياة الأفضل ومواصلة العمل لأجل ذلك حد الاستشهاد، خصوصا كوني عشت تلك السنين البهية مع كوكبة رائعة من شباب العراق من كل المكونات، يربطهم الانتماء للوطن، والذين وهبوا أنفسهم وحياتهم لقضية سامية متخلين عن حيواتهم في البلدان الأوربية، حالمين مثلي بيوم سقوط القتلة. وبينهم جمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب والفنانين المحترفين ذوي الخبرة، ومنهم من صاروا أصدقاء لي تعلمت منهم الكثير. وهكذا، وجدت نفسي هناك أكتب باندفاع وحيوية وأتعلم كل يوم، فكتبت القصة القصيرة ونصوص نثرية وشعرية والمقالات، نشرت في دوريات أدبية مختلفة وصدر بعضها لاحقا بكتب مستقلة. في كل هذه النصوص، كان للمستقبل الذي نحلم به ولأجل الأجيال القادمة المساحة الأرحب، وكنا ندرك بأننا نعمل لمستقبل لن نراه، وكنا نواصل الكفاح بإصرار واستشهد لنا على يد قوات ومرتزقة النظام الديكتاتوري العشرات من خيرة شباب العراق، بينهم أعداد ليست قليلة من الكتاب والفنانين الواعدين. لقد رسخت سنوات الحياة في الجبال فكرة أن الأعمال العظيمة لا يمكن إنجازها دون مشاركة الآخرين، وأن بناء المستقبل الأفضل للناس ليس مشروعا فرديا أبدا. في الجبل، كانت الحياة قاسية، وخشنة جدا، وحقيقية بشكل مريع. لا يوجد زيف فيها، فتعلمنا عمليا بأن الشجاعة فعل مكتسب، والشجاعة هنا ليس على صعيد الأعمال العسكرية، إذ كانت هذه في الغالب دفاعا عن النفس، لأن حركة الأنصار لم تكن ذات إستراتيجية هجومية أبدا، وأقصد هنا الشجاعة الفكرية والاجتماعية. وهكذا أستطيع القول إنه حتى مؤسسة سياسية مثل الحزب الشيوعي العراقي، نمت وتطورت أفكار التغيير في داخلها وضرورة إعادة بنائها على أسس أفضل بين المقاتلين الشيوعيين في الجبل. كل هذا انتقل بهذا الشكل أو ذلك للكتابات التي أنجزتها في الجبل وما تلا ذلك، ويشرفني أن مجموعتي القصصية (عراقيون) التي طبعت في آب 1985 كانت أول مجموعة قصصية تطبع هناك وفق الإمكانيات المتواضعة التي تملكها الحركة الأنصارية. ولاحقا صدرت لي كتب أخرى كتبت أساسا في سنوات الجبل، مثلا كتاب (تضاريس الأيام) صدر سنة 2002، وكتاب توثيقي بعنوان (أطفال الأنفال) 2004 وفي 2020 صدرته ترجمته إلى اللغة الكردية ومجموعة قصصية بعنوان (تلك القرى… تلك البنادق) 2007، ترجمت المجلة الكردية الثقافية چيا (الجبل) بعض نصوصها، على أمل استكمالها لاحقا ونشرها ككتاب مستقل.

**هل يمكن الحديث عن نهضة ثقافية في الأدب العراقي وما هي الأسباب؟

- إن هذه العملية معقدة جدا، فمتطلبات النهضة الثقافية في العراق متعددة ومتداخلة، وللأسف لا تتوفر الأهم منها حاليا. من ذلك غياب وجود شريحة أو فئة مثقفة متجانسة قادرة على خلق هذه النهضة أو المساهمة فيها، وأيضا غياب فعالية مؤسسات ديمقراطية وأطر ثقافية قادرة لرعاية ودعم هذه النهضة، في بلد تقوده فعليا جماعات الإسلام السياسي ويتسيد الشارع فيه سلطة المليشيات الطائفية، في حين تنتشر الأمية وتغيب الوعي ويشهد النظام التعليمي فيه تدهورا مريعا. ولا ننسى أنه خلال سنوات الحكم الديكتاتوري البعثي، وسيادة سياسة الحزب الواحد، وثم مجيء الاحتلال الأمريكي ومؤسساته، وثم ما أنتجه من حكومات المحاصصة الطائفية والإثنية، ولعدة عقود، تعرضت الثقافة العراقية لنكسة مريعة، إذ تهدمت البنى التحتية للدولة العراقية واختفت العديد من المؤسسات المدنية الفاعلة وتشوه تركيب المجتمع العراقي، مع زوال الطبقة المتوسطة، وظهور طبقة طفيلية ساعدت على انقسام المجتمع العراقي طائفيا وإغراقه في الطقوس الغيبية ترافقا مع نتائج حكم المليشيات الطائفية. وإن التدهور الكارثي في حياة البلاد الاقتصادية، في القطاعات الصناعية والزراعية، وواقع كون العراق بلدا ريعيا، يعيش على عوائد النفط فقط، يعني أنه بلد غير منتج لأي بضاعة، فهو بلد استهلاكي أولا، وغالبية العاملين في حقل الثقافة يتعاملون مع الدولة الريعية كموظفين. أيضا أن تركة النظام البعثي الثقيلة خلفت لنا، ضمن ما خلفته، كمّا من أنصاف المثقفين أكثر من المثقفين الحقيقيين، وجاءت حكومات المحاصصة الطائفية فزادت من الطين بلة، وانتفاضة أكتوبر العام الماضي فضحت ذلك جدا، فغالبية المثقفين للأسف، كانوا بلا موقف، يتحركون في منطقة أسميتها في مقالات لي ولقاءات صحفية،  (المنطقة الرمادية)، فهم لا يريدون اتخاذ موقف يثير غضب مؤسسات الدولة، التي يعملون موظفين لديها، ولا إزعاج المليشيات الطائفية التي تتسيد الشارع، وبنفس الوقت يتملقون الثوار بإعمال أدبية وفنية سطحية، فكيف لهؤلاء أن يساهموا في نهضة ثقافية؟ كيف لمجتمع استهلاكي لا ينتج أي بضاعة، أن ينتج نهضة فكرية. أن العراق يحتاج إلى دورة عدة أجيال قادمة، لم تتلوث بكل هذا الذي حكينا عنه، لينهض من كبوته الحادة ويستعيد مكانته المنشودة.

سماح عادل** حصلت على عضوية المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم “Kiila”، وانتخبت لعضوية هيئتها الإدارية لأكثر من دورة، كأول كاتب من الشرق الأوسط ينتخب لهذا الموقع. كيف كان تفاعلك الثقافي خارج العراق، كيف استطعت أن تتواجد وتفرض وجودك ككاتب؟

- أنا فخور جدا بما حققت في فنلندا، على صعيد مجمل نشاطاتي، الثقافية والسياسية والاجتماعية. بذلت جهدي واجتهدت في العمل وكان العراق المدني الديمقراطي الذي حلمنا به هو الهم الأول دائما. فمنذ الأيام الأولى لوصولي إلى فنلندا كلاجئ لأسباب إنسانية مطلع عام 1995، تواصلت مع المنظمات والجمعيات الفنلندية، ككاتب وناشط سياسي واجتماعي. شاركت في كثير من الفعاليات الثقافية والسياسية داخل العاصمة وخارجها، فتولدت لي شبكة واسعة من المعارف والأصدقاء، خصوصا من المثقفين والعاملين في الوسط الثقافي والإعلامي، فساعدتني لتلمس طريقي بشكل أوضح. ككاتب وصحفي ولغياب وجود إطار ثقافي واجتماعي عراقي أو عربي، تواصلت مع المنظمات الثقافية الفنلندية التي نلت عضوية بعضها من خلال نشاطي وعملي بين صفوفها. والشعب الفنلندي شعب مثقف، محب للقراءة، فالمكتبات العامة تعمل كمراكز ثقافية، وتوجه الدعوات للكتاب لإقامة أمسيات ثقافية بناء على اقتراحات من القراء، هكذا سافرت شخصيا لعدة مدن فنلندية تلبية لمثل هذه الدعوات. ولابد من القول إن صدور كتابي (طائر الدهشة) عام 2000 مترجما إلى اللغة الفنلندية من قبل الدكتور ماركو يونتنين، وإذ نال إقبالا جيدا، عَرّف الفنلنديين أكثر باسمي ونشاطاتي وفتح لي المزيد من الأبواب للنشاطات الثقافية والاجتماعية والإعلامية. أيضا أن عملي في التلفزيون الفنلندي ولاحقا كباحث جامعي، ساهم أكثر في فتح المزيد من الأبواب، وسهل لي التعامل والعمل مع العديد من المؤسسات الفنلندية الثقافية والأكاديمية. وساهم الإعلام الفنلندي من خلال متابعته نشاطاتي بالتعريف بها. ثم جاء منحي (جائزة الإبداع) السنوية عام 2015، من قبل منظمة (كيلا)، ولأول مرة تمنح لكتاب من أصول أجنبية، و(كيلا) منظمة ثقافية عريقة تأسست عام 1936، ليعزز هذا أكثر من حضوري ونشاطاتي في الوسط الثقافي، أعقبها أن مدينة كيرافا (ضواحي العاصمة هلسنكي)، محل سكني، كرمتني بمنحي راية المدينة تقديرا لنشاطاتي وأعمالي التطوعية في المجال الثقافي والاجتماعي، وهذه أيضا أول مرة تمنح لمواطن من أصول أجنبية، وسبق ذلك في عام 2014 اختياري من جمعية الأدب الفنلندي، المعنية بحفظ التراث الأدبي في فنلندا، كأول كاتب من الشرق الأوسط، لتحفظ أعماله وقصة حياته وتفاصيل عن عمله ونشاطه الثقافي، ضمن أرشيفها المتاح للباحثين والمعد للحفظ للأجيال القادمة، علما أن الجمعية تأسست عام 1831، وتضم في أرشيفها أعمال المئات من الكتاب الفنلنديين. إن المثابرة في العمل والنشاط لخدمة الناس والمجتمع، والاجتهاد لتقديم دائما الأفضل، ساهم كثيرا في تعزيز شخصيتي ككاتب عراقي عربي مقيم في بلد أوربي. واجتهدت في عموم عملي ونشاطي لأكون صارما وجادا في التعامل مع الوقت وأداء أي مهمة أقوم بها، وساعدني كثيرا تحدثي بأكثر من لغة وكوني تعلمت احترام الرأي الآخر المختلف وتعلمت عرض أفكاري بشكل صريح دون المساس بمعتقدات الناس وأفكارهم. ولا يمكن هنا تجاوز أن شريكة حياتي وحبيبتي وملهمتي شادمان كانت من أهم أسباب نجاحاتي، إذ كانت صخرتي التي استند إليها دائما في كل حين.

** في رأيك هل تحاول الرواية العراقية توثيق ما حدث في المجتمع العراقي طوال السنوات الفائتة من قمع ووحشية، سواء من النظام السابق أو من الاحتلال الأمريكي.. وما مقدار نجاحها في ذلك؟

- إن الأعمال الروائية، بمختلف مدارسها، تندرج بهذا الشكل أو ذاك، في كونها أعمال بحثية أنثروبولوجية تطبيقية، تدرس الإنسان والمجتمعات. من هنا، فإن كل عمل روائي، يجتهد ليس لكشف معاناة شخوصه، بل وللإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية، والإحاطة بتفاصيل المكان، وكثير من التفاصيل الأخرى، فالسرد سيكون هنا راصد حيوي لجميع مناحي الحياة، بل وفي جانب منه يكون عملا توثيقيا هاما.

وإن رواية مثل (المخاض ــ صدرت عام 1974) للكاتب الرائد الراحل غائب طعمة فرمان، تعرض للقارئ ليس فقط معاناة بطلها الباحث عن أهله من بعد غياب سنين خارج العراق، ونبذة عن التغيرات الاجتماعية والسياسية، بل وأجواء وروائح وتفاصيل منطقة المربعة في بغداد منطقة سكن بطل الرواية، في تلك الحقبة.

وأيضا أن رواية مثل (مقتل بائع الكتب ـ صدرت 2016) للكاتب للراحل سعد محمد رحيم، تكون من الأمثلة المناسبة، للأعمال الروائية التي تتحدث عن فترة ما بعد ديكتاتورية نظام صدام حسين، فمن خلال استخدام المذكرات والرسائل والتأملات ارتباطا بشخصية المكتبي بطل الرواية، استحضر لنا الكاتب حياة شريحة المثقفين بكل الالتباسات التي عاشوها من تهميش ومضايقات ونفي وثم اغتيال، ونتعرف في الرواية لواقع العراق والتقلبات السياسية والاجتماعية ونطلع على صفحات من تأريخه المأساوي ونتائج حروب الديكتاتور صدام المجنونة وثم أيام الاحتلال الأمريكي وتسيد المليشيات الطائفية. وإن براعة أي كاتب في السرد هنا غير كافية وحدها، ليكتب لنا أعمالا أدبية تنجح في التوثيق لما حدث في المجتمع العراقي من قمع ووحشية، إن الكاتب مطالب بامتلاك موقف واع في رفض هذا القمع ومن يقف خلفه، سواء كان سلطة دينية أو دنيوية، والتحريض ضده، ومن هنا فإن هذه الكتابة ستكون أمينة للشرط الإنساني، والانتصار للإنسان كقيمة عليا في هذه الحياة. وفي هذا الأمر، أجدني متفائلا مع وجود العديد من الأسماء من كتاب القصة والروائيين العراقيين، البارعين في مهمتهم، وعلى يدهم اعتقد أن القصة والرواية العراقية ستنجح لتحقيق رسالتها الأساسية

** قمت بالمشاركة في عمل أفلام تلفزيونية عن العراق وعن المنفى واللجوء.. كيف قوبلت تلك الأفلام من الجمهور الفنلندي؟

- عملت وتعاونت مع  القسم الثقافي في التلفزيون الفنلندي لعدة سنوات، فقدمت فكرة سيناريو فيلم لقسم الأفلام الوثائقية، تم قبولها ثم بعد انجاز السيناريو، ومناقشته، تم تكليفي بإخراجه، وبقدر ما كانت ممتعة كانت تجربة متعبة جدا، اجتزتها بدعم من زملائي فريق العمل من القسم الثقافي، هكذا قدمت فيلمي الأول (رحلة سندباد) عام 2000، كان من نصف ساعة، افترضت فيها رحلة ثامنة للسندباد البحري يقوم بها الشعب العراقي في هجرتهم إلى بقاع العالم هربا من عسف ديكتاتورية البعث وحروبه المجنونة ووصول بعض منهم إلى فنلندا كلاجئين. وتم عرض الفيلم مرتان من خلال البرنامج العام للتلفزيون، وفي مهرجان خاص باللاجئين وفي نشاطات بعض المنظمات المعنية بالهجرة. ثم في عام 2006 أنتج التلفزيون الفنلندي فيلمي الثاني، (عند بقايا ذاكرة)، وكنت عندها تسلحت بتجربة عمل جيدة، وفي نصف ساعة حاولت بالصورة، مناقشة فكرة التغيرات في العراق من بعد سقوط نظام صدام حسين. لم يحاول الفيلم تقديم الانطباعات بنبرة سياسية مباشرة، بل حاول تقديمها بشكل إنساني دون تعليق مباشر تاركا للصورة أن تتحدث وإثارة الأسئلة أكثر مما تقدم أجوبة. فبعد أن توفرت لي فرصة زيارة العراق من بعد غياب 27 عاما، وبالنسبة لشادمان شريكة حياتي زيارة كردستان من بعد غياب تسع سنوات حاولت رصد ذلك بالكاميرا. أية انطباعات وأية أسئلة في البال؟ ماذا تبقى من الزمن الماضي وتغير؟ كيف تحرك العراق من احتلال حزب البعث للعراق إلى احتلال أمريكي؟ وفي حينه، تم اختيار الفلم لافتتاح الدورة الجديدة لقسم البرامج الثقافية في التلفزيون الفنلندي، وعرضه التلفزيون لأربع مرات خلال عدة أسابيع. وكان هناك عرض خاص للمراسلين الأجانب بحضور المخرج وأعضاء من فريق العمل، في المركز الصحفي في وزارة الخارجية الفنلندية، وعرض عام ضمن الفعاليات الثقافية لبرنامج منظمة “كيلا” الثقافية، وعروض للجالية العراقية، وثم توّج ذلك باختيار الفيلم لتمثيل فنلندا في مهرجان في سويسرا. أستطيع القول أن عملي في انجاز الأفلام الوثائقية، وتعاملي مع الصورة، شحذ كثيرا من إمكانياتي في الكتابة وطور من أدواتي، وانعكس كثيرا في كتابة رواية (كوابيس هلسنكي)، إذ استعرت من حرفة السينما بعض أدواتها عند الكتابة. ولابد من القول أن في كلا الفيلمين، كان إلى جانبي لإنجاز كل فيلم، فريق عمل محترف في الإدارة والتصوير والمونتاج، إذ استغرق انجاز كل فيلم عدة شهور من العمل المتواصل ساده التعاون والتكاتف.

** ما تقييمك للنقد في العراق وهل واكب الإنتاج الغزير خاصة فيما بعد 2003؟

ـ كتبت عن حال النقد في العراق، مقال نشر خريف 2011، في الصحافة العراقية وعدة مواقع اليكترونية، صرخت فيه وطالبت النقاد أن يشتمونا، نحن الكتاب المساكين إن شاءوا، المهم أن يكتبوا شيئا. ولا أعتقد أن الحال تغير من ذلك اليوم، فلا يوجد لدينا، حركة نقدية موضوعية رصينة، شأن بقية شعوب العالم، رغم وجود نقاد، بعضهم لهم قدرات فذة في الكتابة والتحليل، والأمر متعلق بعموم الواقع المريع الذي تعاني منه الثقافة العراقية وعموما الثقافة العربية. وإن كل ما ترينه ـ سيدتي ـ من إنجازات في الأدب هو إنجازات فردية لكل الكتاب وحتى الفنانين أيضا، عراقيين أو عرب، فكل كاتب ـ إن صح التعبير ـ أراه “ذئبا منفردا” يعوي في صحرائه الخاصة. حين صدرت رواية (كوابيس هلسنكي) وذهبت لتوقيع الكتاب في بغداد وكان يوما مفعما بالمشاعر، همس لي أحد المعارف باني بحاجة إلى دعوة عشاء سمك مسقوف على نهر دجلة أو حفلة في مطعم فاخر ليقتنع الناقد الفلاني والعلاني بجودة عملي ليكتب عنه عدة مرات لا مرة واحدة. لم استغرب هذا أبدا، فللأسف إن الحال وصل بـ (أمة اقرأ) أن تكون المحاباة والإخوانيات عند بعض نقادنا على حساب جودة الإبداع الأدبي.  أيضا، هناك إشكالية هامة، تتعلق بالناشر العربي، فهو يعتقد أن مهمته تنتهي فقط عند طبع الكتاب وعرضه في المكتبات، بينما في العالم المتحضر، يتولى الناشر مهمة الاتصال بوسائل الإعلام وأهم المجلات الثقافية ومؤسسات الترجمة، وشركات السينما والتلفزيون، للتعريف بالكتاب، لينال حظوته من الاهتمام والتقدير المناسب وبالتالي يساهم كل ذلك في تسويقه.

* آخر رواية لك (كوابيس هلسنكي)، صدرت عام 2011، هل هذا كسلا أو تأني في الكتابة، أم لديك تفسير للقراء؟ 

ــ على طاولتي ـ ياسيدتي ـ ترقد عدة مخطوطات أدبية قيد العمل وبعضها جاهز للطبع، ولدي الآن خمس كتب عند الناشرين، روايتان ومجموعتان قصصية وكتاب عن السينما، بعضها ينتظر أكثر من أربع سنوات والآخر ثلاثة. أستطيع القول إني غزير الإنتاج في الكتابة، بل وربما جدا، فما أن انتهي من مشروع، حتى انتقل لمشروع آخر، وحصل أن عملت بأكثر من مشروع في آن واحد. أن مشكلتي ــ إذا كان هذا مشكلةــ إني لا أدفع للناشرين مقابل طباعة كتبي، كما أني لا أريد أن أغتني منها. هكذا تجديني مجبرا للخضوع لاجتهادات، بل ويمكن القول رحمة الناشرين، حتى يطبعوا المخطوطات التي سلمتها لهم وأأتمنتهم عليها. ولا اعتقد أن هذه مشكلة شخصية أو فردية فهي مشكلة عامة، ستستمر طالما غاب وجود المؤسسات الثقافية التي تتعامل مع الكُتّاب والكِتاب بشكل موضوعي ووفق معايير رصينة، ومنها تلك التي تحدد وترسم علاقة الناشر بالكِتاب وتضمن حقوق الكاتِب.

  

حاورته: سماح عادل

 

2079 رحاب يوسفكان لي هذا الحوار مع الكاتبة الفلسطينية رحاب يوسف حول تجربتها الأدبية ومسائل ثقافية أخرى:

* من هي رحاب يوسف؟

- رحاب هي كاتبة ومعلمة اللغة العربية، ابنة قرية رامين قضاء طولكرم، درست اللغة وآدابها في جامعة النجاح الوطنية، بناءً على رغبة والدي الذي كان شغوفا بالشعر والزجل ومتابعة نشرات الأخبار. كان يؤلف أشعار العتابا والميجانا والشّروقي والمربعات والمخمسات والزجل، وهي قصائد شعبية الحادي والزجّال. وهو أب فلاح شجاع صّلب كريم عصاميّ عبقريّ الأبوّة، يرسم خريطة حياتنا بذكاء، وقد اختار تخصصاتنا أنا وأخوتي وأخواتي جميعًا، فوضع كل شخص في مكانه المناسب، وتربيت أيضا على يد أم صابرة صالحة متدينة ومثقفة بالفطرة، يعتبرها أهل قريتي من المقدسات لسمُوّ خُلُقِها، وقفتْ إلى جانب والدي – رحمه الله – في كل الظروف ، أمي تحب البيت، وأنا مثلها بيتيّة، ولو خرجنا أنا وأمي في شوارع قريتنا لاحتجنا مَنْ يَدلّنا ويعرّفنا الأماكن والطرق لأننا بيْتيتان بامتياز، نشأت في بيئة متشبعة بالإنسانية والأخلاق العالية بيئة نشِطة بالعمل والمسؤولية، في بيت يضج بالحياة والأحلام. علاقتي بأمي علاقة طفل رضيع بأمه، لا أتخيل حياتي بدونها يومًا، أقترب من أنفاسها في جوف الليل وأتفقدها لأطمئن هل مازالت على قيد الحياة، طلبت من الله مرة أن نموت أنا وأمي في ذات اللحظة ونُكفن نفس الكفن ويُلحدّنا نفس اللحد. اللافت كنت وما زلت أميل إلى الصمت والهدوء، كنت أختار ركنًا خاصًا بي في بيتنا الكبير القديم المليء بالأشجار، فأقضي ساعات طويلة في التدبر والتأمل والقراءة والكتابة. ورثت هذه الصفة عن والدي – رحمه الله - كان لا يحب الحديث كثيرًا.

* كيف ومتى بدأت بالكتابة، وماذا تعني الكتابة لك؟

- كانت الأحداث تسوقني إلى الكتابة سوقًا، لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وكيف لي أن أمضي في هذا الطريق الوعر وأنا أحمل على كتفي ثِقل إرث عائلتي الديني والعلمي والأخلاقي، والكتابة تتطلب عدم مجاملة أحد. فكان لا بد من خطوتين: الأولى الانتقال من مدرسة قريتي إلى مكان آخر، والثانية: أكتفي باسمي واسم والدي على أغلفة الكتب، حتى لا تتعارض أفكاري واسم عائلتي، مع أنها الأفكار مَفخرة ومُشرّفة، ثم امتشقت قلمي وبدأت بإصدار كتاب تلو كتاب منذ شهر أكتوبر 2018، وهكذا كانت البداية .

* ماذا تعني الكتابة لكِ؟

- الكتابة تعني لي ملاذًا من الآلام والعذابات بسبب إحساسي المرهف الحريري الناعم تجاه ما يحيط بنا من أحداث، وهي البحر الذي أغرق فيه لأنجو بنفسي وأُنجي معي من أخشى عليهم من المصير نفسه . أحيانا أتمنى أن أنام ولا أصحو، بسبب ألم الإدراك والوعي الكبير في عقلي، والمتوجس ممّا تخبيه الأيام للأجيال القادمة، عندما سئل الكاتب الروسي ديستوفسكي: كيف يصبح المرء كاتبًا؟ أجاب: " أن يتعذب ..أن يتعذب .. أن يتعذب " وأنا ككاتبة أشفق عليه كثيرًا، لأنني أعرف ما يعنيه، فعلى الكاتب أن يعيش الحياة بإنسانية، أن يتجرع مُرّها وعذابها مِرارًا وتِكرارًا، فيشعر بغيره من المعذبين فتتحدُ آلامُهم وتكون مِدادًا لقلمه .

* من كان له النصيب الأوفر في التأثير على تجربتك الأدبية خلال مشوارك الإبداعي؟

- أنا مدينة لأستاذي الكبير مشرف اللغة العربية الشاعر أشْجع دُريْدي، أول شخص وثق بقلمي فأطلق عنانه، فضلًا عن دعمك أستاذي شاكر فريد حسن.

أما الشخصيات الأدبية التي تأثرت بها فهي: ابن القيم الجوزية، وشمس التبريزي، وجلال الدين الرومي، والإمام الشافعي، والكاتب الروسي تولستوي، والكاتب الروسي دوستويفسكي، والكاتب والمفكر الأمريكي عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، والروائية التركية إليف شافاق، ومن الأدباء العرب: جبران خليل جبران، ومحمود مصطفى، والرافعي، وحديثا بدأت أحب قراءة شعر ابن الرومي.

* حدّثينا عن إصداراتك، وماهي الموضوعات التي تتناولينها في كتاباتك؟

- أصدرت بفضل الله - تعالى - ثلاثة كتب، وهي: (آمن بذاتك)، (حديث المساء)، (داخل الغرف المغلقة)، وجميعها قطعة من القلب ولا أفرق. أتناول في كتبي التي كتبتها بدم القلب والروح موضوعات تربوية وتعليمية واجتماعية على شكل خواطر وجدانية وسردية بأسلوب أدبي بديع كامل متكامل يشد القارئ، فلا يفلت من يديه حتى ينتهي ويعيد قراءته مرات كثيرة.

وللغة دور أساسيّ في صناعة نصوصي، فأنا أمسك بزمامها جيدًا، فهي متدفقة بفضل الله، كما أجمع النقاد والنخبة المثقفة، ولدي خبرة في توظيفها توظيفًا يتناسب مع أي موضوع أطرحه، فأضع كل كلمة في مكانها الملائم لها، بل كلّ حرف، وأعزف على الحروف ببراعة أحملها مالا تحتمل، صانعة أجمل سيمفونية، أسقطها في أذن القارئ ضمن مفاهيم وقيم ومعارف، دون تعقيد أو تكلف، بعيدة عن وحشي الكلام وغريبه، حتى لأشعر بأنها تتعلق بعناق بعضها البعض، تآلفًا وانسجامًا، فما أن آخذ قلمي بين يدي حتى يشرع بمداعبة حروفي المتدفقة، يصيغها لبنة لبنة، بتسلسل أدبي بديع، ومعنى عميق، وأسلوب رشيق، حتى أصنع نصًا إبداعيًا كاملًا متكاملًا.

* كتاباتك فيها جمال وابتكارات مجازية، من أين يتأتى لك كل هذا، من صدق التجربة أم من شحنات الروح؟

- من كليهما: صدق التجربة وشحنات الروح، وأسلوبي في الكتابة مزيج بين الغرب والشرق، اطلعت على الأدب الغربي، فوجدته بكل صراحة شاهقا، لذا أريد أن أصنع أدبا فخما كالقصور، لا أدبا كالأخواخ ، أدبا يعيش مع الزمن، خالدا في ذاكرة الأجيال .

* ماهي آخر قراءاتك؟

- الآن أقرأ رواية " في قبوي " للكاتب الروائي الروسي العبقري دوستويفسكي العبقري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

* أي من الشخصيات العربية في المجال الثقافي هي الأقرب إليك؟

- الأقرب إلي من الشخصيات الأدبية العربية: الأديب جبران خليل جبران، والكاتب مصطفى محمود.

* هل أنت راضية عن نفسك؟

- الحمد لله رب العالمين، نعم راضية، يستطيع القارئ أن يفتح كتبي ويغرف منها ما شاء: لغة، ومعرفة، وثقافة، وحكمة، ودواء على الرغم من صغر حجمها، ولا عيب في ذلك، فالخير دائمًا في القليل، يقول سبحانه وتعالى:" وقليل من الآخرين " فالمسألة ليست بالكثرة أو بالحجم . لكنني سأظل أكتب حتى أتعب من الكتابة .

* حدثينا عن مشاريعك الأدبية القادمة؟

- بين يديّ عملان: الأول تأملات في اللغة والأدب، وسيصدر قريبًا إن شاء الله، والثاني مجموعة قصصية .

* ماهي الكلمة الأخيرة التي توجهينها للقراء؟

- كلمتي للقارئ، فلتفغر لي أيها القارئ زلاتي - إن كانت هناك زلات – فأنا في سباق مع الزمن، ألا تسمع صوت ضَرَبات قلبي، ولُهاثي بين السطور، أجري بأقصى سرعتي إلى أعماق نفسك، لأضيء ما انطفأ، أرمم ما اهترأ بكلمات ومفردات تلامس داخلك، وأقول له: اقرأ الكتب التي تكون مُؤشرك وبوصلتك في ظلمات أحداث الحياة، التي تنهض بمعنوياتك، وتنتشلها، وتصعد بها إلى أعالٍ ومعالٍ لتصبح هامة، وقامة، متحصنة نفسيًا، وأخلاقيًا ودينيًا، لا يحطمها الوهم والوهن، والتي تنعش ثقافتك، وذائقتك اللغوية، وابتعد عن الكتب المليئة بالثرثرة والمفرغة من أي مضمون وفائدة، والعبرة ليست بتكديس المعلومات، فلو قرأت سطرًا أو صفحة كل يوم غنية ثرية مرشدة مُداوية أفضل من تكديس المعلومات دون أن يمضغها ويهضمها عقلك، والأهم من ذلك كله لو قرأت كل ما في دور الكتب دون أن تقرأ القرآن الكريم كأنك لم تقرأ شيئًا.

 

حاورها: شاكر فريد حسن

 

علي رسول الربيعينمر في زمن تزداد فيه الكراهيات بين الجماعات في مجتمعاتنا لذا يكون لافتًا الحديث عن الحب. ولهذا لفتني مقالكم المنشور في صحيفة القبس بعنوان: الحب عاطفة محيرة، والآخر المكمل عن الحب من وجهة نظر فلسفة الأخلاق في روافد بوست ما دفعني لأجراء هذا النقاش معكم .

 س1: د. نابي بوعلي: يدعي كانط أن الموقف المناسب تجاه مخلوق عقلاني هو اعتباره "غاية في حد ذاته، وعلى هذا النحو هو يستحق الأحترام. إن الحب مثل الاحترام، وعيًا مثيرًا للإعجاب بقيمة الشخص كغاية لكنه يتجاوزه بما يطلق العنان لمجموعة من الاستجابات العاطفية الإيجابية، مثل التعاطف والافتتان والانجذاب، لكنه يجعلنا أيضًا عرضة لمشاعر الأذى والسخط والاستياء.

على الرغم من أن هذه أطروحة مذهلة، إلا أن هناك شيئًا مألوفًا في فكرة الحب هذه كحساسية تُجرح سريعا وكضعف تجاه شخص آخر تم تصوره من خلال وعي مثير للإعجاب بإمكانيات هذا الشخص للخير. ماذا ترى؟

ج1: د. علي رسول الربيعي: حسنًا، لكلمة "حب" معانٍ عديدة ومختلفة. دعني أنا لا أتحدث عن الحب الرومانسي - الشعور "بالحب". ولا أتحدث عن التعلق ايضًا. ثم هناك نوع من المودة الخيرية التي نمتلكها، ليس فقط للناس، ولكن أيضًا للحيوانات الأليفة، وحدائق الزهور، وغيرها، والتي نعرضها عندما نتصرف تجاههم بنوع من الرعاية المحبة. لكن لا أتحدث عن ذلك أيضًا.

أود أن أقول شيئًا آخر، هو أن للحب عنصر إدراكي. نحن نحترم الشخص الآخر بوصفه شخص ولكن لكي نحبه، علينا أن نرى الأنسان الذي في داخله- ننظر إليه حقًا ونستوعبه ونحس به. الفكرة التي اريد أن اصل اليها هي أن الهيئة الخارجية لا تكشف عن حقيقة الكائن البشري بالضرورة. ولذا يجب أن تكون هناك خصائص يمكننا من خلالها رؤية ذات الشخص. أن ما ما يقصده الناس عندما يقولون إنهم يحبون شخصًا ما بسبب مظهره أو تصرفاته أو حديثه أو مشيته: هذه هي التي تمكنهم من رؤية الشخص مما يجعله محبوبًا. إنهم يحبونه من خلال هذه الخصائص، لكن هل هو هذا الشخص الذي يحبونه حقًا؟

س2: د. نابي بوعلي: يبدو أن وجهة نظرك بأن الحب هو استجابة لشيء ندركه بدقة في شخص ما يتعارض مع ما نعتقده عمومًا من أن الحب أعمى !

ج2: د. علي رسول الربيعي: حسنًا، هذه هي مشكلة الوقوع في الحب. ينطوي الوقوع في الحب على تصور خاطئ، وهو ما أسماه فرويد بالتحويل، ولايعتمد تقييم الشخص على خصائص ذلك الشخص الآخر، ولكن بما تتخيًل من خصائص أشخاص من ماضيه، مثل والدته أو والده. بصفتك استاذا، على سبيل المثال، قد تكون هدفأ او موضوعا لحب طالب. قد يكون لدى هذا الطالب بعض الخيال عن الرجل الحكيم، ولكن مهما يكن إنه لا يحبك - إنه معجب بك.

كل هذا ليس هو نوع الحب الذي أتحدث عنه. أعتقد أن إريز مردوخ قد فهمت الأمر حقًا، حينما تقول: أن الحب هو القدرة على رؤية الآخر حقًا. هناك نوع من الحب لا يبالغ في تقديره، وليس خيالًا، يعتمد على وضوح رؤية العين، ورية الآخر حقا وفعليًا. إن الطريقة لمعرفة جاذبية وجهة نظر مردوخ هي التفكير في الأمر من منظور كيف نريد أن نكون محبوبين.

هل نريد المبالغة في تقديرنا؟ هل نريد أن نكون موضوع تخيلات شخص آخر؟ هل نريد من الشخص الآخر أن يسقط علينا صور الآخرين، بما في ذلك والديه، الذين كانوا مثاله في الماضي؟ لا أعتقد ذلك. نريد أن يرانا الآخر على ما نحن عليه. عندما أريدك أن تحبني، أريدك أن تراني. لتشعر بي. لإزالة الأوهام بعيدًا، قم بإزالة المغالاة في التقييم، وانظر إلى ما أنا عليه الآن.

س3: د. نابي بوعلي: هل هذا لأن كونك محبوبًا بسبب خصائص لا تمتلكها حقًا أمر غير مريح، لأنه يعرضك لخطر أن يتخلى عنك حبيبك أوحبيبك إذا كانت ستراك على ما أنت عليه؟

ج3: د. علي رسول الربيعي: هذا النوع من عدم الراحة ليس هو المشكلة الحقيقية. فبعد كل شيءقد يكون من غير المريح للغاية، بالنسبة لبعض الناس، أن يكونوا محبوبين كما هم . لنأخذ مثلا مشهورا قرأه أغلبنا منذ ايام الدراسة اقصد مسرحية الملك لير لشكسبير، واريد اشير هنا الى قراءة لفتتني وهي قراءة ستانلي كافيل حيث لاحظت لديه تفسير للملك لير وهو أن ما يحرك القصة هو تألمه من أن يراه من يحبونه على حقيقته.

س4: د. نابي بوعلي: كيف تريد ان تجعل الحب على مسافة واحدة مع العلم أن الناس مختلفين؟

 إذن، ما هو جاذبية أن تكون محبوبًا بالطريقة التي تصفها؟

ج4: علي رسول الربيعي: حسنًا أعتقد لدينا بوصفنا أشخاص في جوهرنا شيء يمكن أن يكون قوة للخير. وأعتقد أنه مهما كانت الازدواجية التي لدينا تجاه أنفسنا - وحتى إذا كنا نكره أنفسنا - فإننا ندرك أنه، في أعماقنا، يوجد شيء جيد أو خير فينا. أعتقد أيضًا أننا نريد أن يرى الآخرون الخير فينا وأن نفكر في ذلك على أنه أنفسنا الحقيقية. إن ذاتي الحقيقية هي أفضل ما لدي - هذه القوة من أجل الخير هي التي تجعلني شخصًا. ونريد الاعتراف بذلك وتقديره.

والآن، إذا كنت تعتقد أنك لا تستحق الحب لما أنت عليه حقًا فإن أشكال الحب التي تتضمن أن تكون محبوبًا أسباب خاطئة. قد تعتقد مرة هذا جيد. لكن في كثير من الأحيان، عندما يحبك شخص ما لأنك لست أنت في الحقيقة، فأنت تريد أن تحرره من وهمه وتنأى بنفسك عن رأيه، لأنك تعتقد، هناك أسباب أخرى وجيهة تمامًا لمحبتك، لأنه يوجد في داخلك شيء يستحق الحب حقًا، شيء يمكن للمرء رؤيته دون اللجوء إلى الخيال.

س5: د. نابي بوعلي: كيف تحل وجهة نظرك الألغاز التي تنشأ من فكرة أننا محبوبون لكوننا قيمين بشكل فريد للشخص الذي يحبنا؟

ج5: علي رسول الربيعي: أعتقد أن التفرد ليس ما نريده حقًا - أو على الأقل، أنه يمكننا أن نشعر بالرضا عن شيء مختلف: أن تكون محبوب بوصفك شخص، هو ما ينطوي على تقييمك كغاية وأن يولي الآخرأهتمامًا بك حقًا دون النظر في البدائل. إنها إحدى تلك المواقف التي تعتقد فيها أنك تريد شيئًا معينا، وتحصل على شيء آخر، ثم تدرك أن ما حصلت عليه هو ما كنت تريده طوال الوقت.

في البداية، تعتقد أنه لكي يتم تقييمك على أن لك خصوصية أو كانة خاصة، يجب أن تعتبر لك فرادة، ولكن بعد ذلك تدرك أنك تريد أن يتم تقييمك بطريقة غير مقارنة. والنظر في حالة التنافس بين الأشقاء التي ذكرناها في مقالنا المنشور بعنوان: "الحب مو وجهة نظر الأخلاق": ستدرك أنك لا تريد حقًا أن يتم تقديرك على أنك مختلف عن أشقائك أو أفضل منهم، فأنت تريد فقط أن تكون موضع تقدير كما انت، ايً لنفسك، دون مقارنة بالآخرين.

وكما تعلم، أعتقد أن ما يخلق المشكلة هو عدم القابلية للقياس أو المضاهات بالآخرين، أي أن الناس لديهم مفهوم خاطئ للقيمة، مفهوم تسمح فيه كل القيم بإجراء مقارنة. ولأن الناس لديهم هذه الفكرة الخاطئة عن القيمة يتم إفسادهم بطريقة معينة. اقصد طريقة التنافسية. أنهم يحاولون ربطك بهم بطرق لا ترتبط فيها بأشخاص آخرين، لأنهم يعتقدون أن حبك لهم مبني على الخصائص التي تجعلهم مميزين بالنسبة لك، مثل تاريخكم المشترك. لذلك يحاولون الحصول على أشياء مشتركة معك لا تشترك فيها مع أشخاص آخرين، ويصابون بالغيرة عندما يكون لديك أشياء مشتركة مع أشخاص آخرين. يمكن أن نقول أنهم بهذا مرتبكون.

نابي بوعليس6: د. نابي بوعلي: هل هم حقا مرتبكون؟ إذا أحببنا شخصًا لما اشتركنا معه وحده، فلن يتمكن أحد من امتلاك الخصائص التي نقدرها فيه. لذلك يمكن للتاريخ المشترك أن يجعله ذا قيمة فريدة بالنسبة لنا بطريقة من شأنها إثبات الخصائص القائمة على نموذج الحب.أنه يوضح ، على سبيل المثال، لماذا، بصفتنا عشاق، لا نهتم عادةً بـالمفاضلة، حيث لا يمكن لأي شخص آخر أن يكون لديه أكثر منا في ما نقدره في غاية أو موضوع حبنا. خذ، على سبيل المثال، نظرية الحب الموجودة في كتاب الأطفال قصة الأمير الصغير (المشهورة والطريفة والتي أتذكر قرأتها ايام كنت صبي). يحب الأمير الصغير ويهتم بوردة وحيدة تنمو بالقرب من منزله، لأنه يعتقد أنها أجمل زهرة في الكون. ومع ذلك عند مغادرته منزله، وجد حديقة فيها خمسة آلاف وردة، وكلها جميلة مثل تلك الوردة. يأتي إدراكه أن وردته ليست جميلة بشكل فريد بمثابة صدمة كبيرة له، ويواجه الأمير الصغير أزمة، ويتساءل عما إذا كان حبه لها منطقيًا. ينجح الثعلب الودود في حل أزمته بالإشارة إلى أن وردته "فريدة من نوعها في كل العالم" بسبب الوقت الذي أمضاه معها. كما يقول الأمير الصغير لخمسة آلاف وردة عند عودته إلى الحديقتة بعد درس الثعلب:

من المؤكد أن أي عابر سبيل يظن أن وردتي تشبهك تمامًا. لكنها في نفسها وحدها أهم من كل مئات الورود الأخرى منكم: لأنها هي التي سقيتها؛ لأنها هي التي وضعتها تحت الكرة الزجاجية ؛ لأنها هي التي احتميت بها خلف الشاشة لأنني قتلت اليرقات من أجلها؛ لأنها هي التي استمعت بها، عندما تذمرت ، أو تفاخرت، أو حتى في بعض الأحيان عندما لم تقل شيئًا. لأنها وردتي.

ج6: علي رسول الربيعي: حسنًا، لم أركز على أزمة الأمير الصغير- لقد كنت أتناول الأمور من منظور الوردة. أعني، كأنها تقول: "أعلم جيدًا أن هناك حديقة كاملة من الورود مثلي تمامًا. فكيف يمكن أن يحبني بالطريقة التي أريد أن أكون محبوبة فيها وأنا لست أفضل من أي وردة أخرى؟ أعتقد أن إجابة الأمير الصغير على هذا السؤال تستند إلى مفهوم أناني للغاية عن الحب، وهو مفهوم يقول للحبيب: "ما يجعلك تستحق حبي هو ما أنت عليه بالنسبة لي؛ ما كنت عليه بالنسبة لي، الدور الذي لعبته في حياتي. الإجابة الأفضل هي: "بصفتك وردة، فأنت تستحق نوعًا من التقدير وهو الأهتمام بك، ولا يقارنك بالورود الأخرى."

س7: د. نابي بوعلي: إذا لم تكن علاقات الرعاية هي أساس الحب ، فما هي الروابط بين الحب وتلك العلاقات؟

ج7: علي رسول الربيعي: من وجهة نظري، الحب هو عاطفة تتماشى عادة مع الرعاية والتعلق، لكنه يختلف عنهما. وأنه من الصحيح ، أن إحدى الطرق لرؤية الشخص بالطريقة التي أتحدث عنها هي أن تكون في علاقة رعاية معه. في مثل هذه العلاقة ترى شخصيته. غالبًا ما ينشأ الحب الذي أتحدث عنه في أوضاع علاقة الرعاية. هناك أيضًا أوقات يمكن أن تتمزق فيها علاقة راسخة بدون هذا النوع من الحب الذي أتحدث عنه. لذا فإن الحب والتعلق يسيران معًا، وفي بعض الأحيان يحتاج كل منهما إلى الآخر. لكنني لا أعتقد أن الرغبة في الحصول على علاقة رعاية أمر ضروري للحب.

س8: د. نابي بوعلي: إذا كان ما يحبه الإنسان - فقط شخصيته- يظل ثابتًا، فكيف يمكن لرأيك أن يفسر اختفاء الحب؟ لماذا يذبل الحب ويتلاشى؟ اين هم أولئك الاصدقاء الذين كانوا يكنون لنا الحب في الماضي. لماذا تغير كل شيء واصبح باهتا؟

ج8: علي رسول الربيعي: إن هذا له علاقة بصعوبة رؤية الشخص بالطريقة المطلوبة لحبه، أيً حتى نحبه. هناك اشياء أو صفات معينة نقول إننا نحب شخصًا طبقًا لها. ولكن هذه ليست الأشياء التي نقدرها في الشخص؛ ونحبه من خلال تلك الأشياء. على الرغم من أن ما يقدره الناس فيك حقًا لا يتغير، فإن الأشياء التي يرى الناس هذه القيمة يمكن أن تتغير. حتى يتوقف الناس عن حبك. وذلك لأن تقديمك لذاتك لم يعد يُظهر لهم ما يقدرونه فيك.

س9: د. نابي بوعلي: ليست هذه هي الطريقة التي قد يصفها الشخص الذي يقع خارج الحب. كيف تتصور حالة شخص خارج دائرة الحب ويظل منبوذا للابد؟ أو دعنا نقول عن الشخص الذي اعتدت أن تحبه أنه أصبح شخصًا مختلفًا. عليك أن تقول له: "أنت تقول حقًا أن السمات التي رأيت من خلالها الشخص الذي تحبه، والتي من خلالها أصبحت منفتحًا عليه، قد تغيرت. ولكن ما تقدره فيه لم يكن كذلك. لكنني أعتقد أنه يمكن أن يرد: "لا على الإطلاق. أنا أراه، بشكل جيد. أنا فقط لا أحب ما أراه بعد الآن.

ج9: علي رسول الربيعي: حسنًا ، جزء مما تصفه ليس اختفاء الحب الذي أتحدث عنه. قد تكون نهاية الارتباط أو نهاية العلاقة. وقد يتوقف الشخص عن رغبته في أن يكون مع شخص ما أو يهتم به على الرغم من أنه لا يزال يحبه. لكن رؤية شخص ما، والانفتاح عليه، أمر صعب، وما مكن المرء من القيام بذلك يمكن أن يتغير.

س10: د. نابي بوعلي: في الختام، أود أن أنتقل إلى اللغز الثاني حول الحب، فيما يتعلق بعلاقته بالأخلاق. يعتقد الكثيرون أن الأخلاق الكانطية تتطلب منا أن نتبنى وجهة نظر محايدة تمامًا عن الآخرين وأن هذا يقف في طريق حب بعض الناس بكل إخلاص. لماذا تعتقد أن هذا المنظور لفكر كانط خاطئ؟

ج10: علي رسول الربيعي: أعتقد أن كلاً من الحب والاحترام ينطويان على الوعي بنفس القيمة، والاستجابة لها هي معاملة كل شخص على أنه غاية، وتقدير كل شخص على طبيعته، دون مقارنة بالآخرين. لذا على مستوى المواقف، احترامك للجميع لا يهدد حبك لأشخاص معينين، وحب أشخاص معينين لا يهدد الموقف الأخلاقي المتمثل في الاحترام الذي يجب عليك للجميع.

لذا فإن الحب والاحترام الأخلاقي للناس يدعم كل منهما الآخر. تجربة الحب هي تجربة تنمي الإحساس الأخلاقي. وإذا كانت لديك وجهة نظر عن الحب تكون معادية للأخلاق، فسيصبح هذا لغزًا كاملاً: كيف يمكن أن يكون الأشخاص المحرومون من حب عائلاتهم هم الذين ينتهي بهم الأمر الى ضعف أخلاقي، والأشخاص الذين نشأوا في أسر محبة يميلون إلى أن يكونوا هم الذين يتمتعون بنواة أخلاقية قوية؟ الحب هو التربية الأخلاقية. أنت بحاجة إلى وجهة نظر تفسر ذلك، ويجب أن تكون وجهة نظر يكون فيها هذان الموقفان داعمين لبعضهما البعض، وليس تقويضًا لبعضهما البعض.

 

حاوره: ا. د. نابي بوعلي

.................................

* الصورة الأولى للاستاذ الدكتور علي رسول الربيعي

* الصورة الثاني للاستاذ الدكتور نابي بوعلي

 

 

 

 

عبد الستار نورعلي(الملف الأول من فعل التحرّر الكتابي والمشروع المعرفيّ الحداثيّ مع الأديب عبدالستار نورعلي في بؤرة ضوء)

فاطمة الفلاحي

1- التحرّر الكتابي:

أول معصم الليل تتوالى شهقات قلبه النابض بالشعر، فقد باغتنا بجنون "رقصَ الحبُّ" ونزف النغـم في عروق"شرخٌ على القلبِ" بين الدهر والحلم .

و"قصيدة تائهة" تغتال أنفاسي وهي تضلُّ طريقها في "المنافي" لتحطَّ على قارعة قلب"الشاعر العاشق"، كان ذلك في " يوميات مدينة" حيث "الساحات ملأى بالخيل وأزهار الشوق" و"هند" تملي علينا بــــ"وصايا داخلية" قائلةً: "ولّى الشبابُ!؟ فلا!"

و"يا..... حمد"، "أنا مغرمٌ بالشعرِ لستُ بشاعرٍ" فقد "شُغفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا"

و"اهجمْ هجومَ السهمِ...! فـــــ" أطفئيني بنارك" نقدًا. وما كان بيني وبينك أقسم "والليلِ إذا يغشاها" "والقمرِ إذا تلاها""والشمس وضحاها " لم تك " ثرثرة غير فارغة"

"إنها مدينة العطور والدماء ".. "قالتِ الشمسُ " عنها هامسة أن لك قصائد عذبة ولك من الدواوين الشعرية تخلب الألباب لغتها ...

الأديب عبد الستار نورعلي:

- يوم وقفْتُ أولَ مرةٍ ألقي شعراً، وأنا على مقاعد مرحلة الدراسة الإبتدائية، من على شرفةِ الطابق الثاني المطلّة على باحة الطابق الأول (مدرسة الفيلية الابتدائية) في خمسينات القرن المنصرم، وفي احتفال رفعة العلم صباحَ الخميس من كلِّ أسبوع، لألقي قصيدةً على تجمُّع الطلاب المنظَّم بحسب الصفوف بالطابقين، وقد أختاروني لألقي قصيدة ميخائيل نعيمة:

أخي ! إنْ عادَ بعدَ الحربِ جُنديٌّ لأوطانِهْ

وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضانِ خِلاّنِهْ

فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطانِ خلاّنَا

لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صَحْبَاً نناجيهم

سوى أشْبَاح مَوْتَانا

وبنبرة عالية حاولتُ من خلالها أنْ يصلَ صوتي الى كلِّ المصطفين في ساحة المدرسة المُغلَقة، إذ كانت بيتاً واسعاً، يعود في الأساس لملكية أول رئيس وزراء في العراق (عبد الرحمن النقيب) بعد الاحتلال الإنجليزي. وجرى في غرفة الإدارة ـ كانت غرفة الضيوف ـ أول لقاء بينه وبين الملك فيصل الأول عند قدومه للعراق، شعرتُ بزهوٍ طفوليٍّ، مازالَ في داخلي يسري، وكأنّني صاحبُ القصيدة. كنتُ أحفظها عن ظهر قلبٍ، وعددٍ من أبيات قصيدة إيليا أبي ماضي (الطلاسم):

جئتُ لا أعلمُ منْ أينَ، ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرْتُ قدّامي طريقاً فمشيْتُ

وسأبقى سائراً إنْ شئْتُ هذا أم أبيْتُ

كيفَ جئتُ؟ كيف ابصرْتُ طريقي؟

لستُ أدري

وغيرها من الأبيات ـ حتى للمتنبي ـ من قصيدته عن الحمى:

وزائرتي كأنَ بها حياءً

فليسَ تزورُ إلا في الظلامِ

وكانت، على ما أذكر، ضمن كتاب (المطالعة) بمادة (اللغة العربية) في منهج الصفين الخامس والسادس الابتدائي، إذا لم تخنّي الذاكرةُ. ولاحظي هنا (ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي والمتنبي) في منهج اللغة العربية في المدارس الابتدائية أيام الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تصوّري!! وقارني مع اليوم!

يوم ألقيتُ القصيدة، وبالمضبوط لغةً وحركاتٍ وإلقاءً، حاولتُ أن أنقلَ من خلاله أجواء القصيدة ومضمونها، أحسستُ أنّ هناك شيئاً في داخلي يشدّني، أنا الطفل، فأحسستُ بنشوةٍ تسري في عروقي وبفخرٍ. كنتُ أستعير من مكتبة المدرسة العامرة بكتب المنفلوطي والزيّات والرافعي وجبران ونعيمة وايليا أبي ماضي، إلى جانب قصص ومجلات الأطفال التي كنتُ أستعير منها، فشدّتْ اهتمامي روايات المنفلوطي المترجمة (في سبيل التاج) (الشاعر/ سيرانو دي برجراك) (الفضيلة) (ماجدولين)، وكتاباه (النظرات) و(العبرات). وأنت تعلمين أنّ أسلوبه كان ممتعاً قريباً الى الفهم، والقصص كانت مثيرةً تشدّ القارئ، مع أنّ لغة الكتابة في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين يطغى عليها السجع والتقليد. كما بدأتُ بقراءة ما يتيسّر لي ويسهل عليّ من الزيّات والرافعي، مع أنهما كان يصعبان على ذهن صبيٍّ غِرٍّ، ولكنْ كما يقول المتنبي:

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ

وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

فكنتُ على قدرِ عزمي ووعيي وإدراكي.

وبعد ذلك أصبحْتُ مشدوداً إلى الروايات بنهم، فكانت روايات (أرسين لوبين/اللص الظريف) وروايات (روكامبول) البوليسية الرائجة حينها تلتهمني، ثم روايات (اجاثا كريستي) و(آرثر كونان دويل) ورواياته عن شخصية (شرلوك هولمز)، وقصص (أدغار ألان بو) الغامضة، وذلك لعنصري الإثارة والشدّ اللذين يطغيان عليها، إضافةً إلى الأحداث المثيرة، بحيث كنتُ لا أترك الروايةَ أو القصة حتى نهايتها. الروائيُّ والقصصي الناجح حتى اليوم، مع كلِّ تقنيات التقدم والتجديد في القصة والرواية، هو الذي يحرص على هذين العنصرين في كتابته لكي يلقى النجاح، فيشدُّ القارئ ويثيرُه. ونحن نلاحظ أنّ الكثيرين من القُرّاء، ومنهم المتخصصون، يتوقفون عن قراءة بعضَ الروايات من الفصول الأولى، ومن أسباب ذلك المللُ والضجرُ نتيجةً للترهل الوصفي، أونقصٍ أو ضعفٍ في الإثارة والشدِّ والحبكة. وهذا يشمل كلّ الروايات، ليس البوليسية فحسب. وأنا هنا أتحدث كقارئ ومتابع، فالكثير من الأدباء والنقاد يذكرون أنهم يركنون جانباً بعض الروايات دون إكمالها، ومن بداياتها. ثمّ كانت للرواية العربية على يد روادها والذين أعقبوهم، المصرية والعراقية، نصيبها الكبير في قراءاتي، وتأثيرها الذي نحت في الذاكرة آثارها وشخصياتها لحد اليوم. وبعدها الرواية العالمية: الروسية والأنجليزية والفرنسية والأمريكية وغيرها.

وفي أثناء ذلك وفي المراحل اللاحقة دراسياً وعمرياً واظبتُ على قراءة الشعر للعديد من الشعراء، وكان شعراءُ المهجر في المقدمة ومنذ البدايات هم أكثر من استحوذ على القراءة والحفظ: (جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة...) ثم جاء دور (أبو القاسم الشابيّ)، فأحببتُ فيه رومانسيته، وقصائده في وصف الطبيعة وفي التعبير عن آلامه في مرضه الذي أودى به، وهو في الخامسة والعشرين:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُحْبِ والأمطارِ والأنواءِ

أحببْتُ إصرارَه على الحياة ومقارعةِ الموت. هذا الرجل لو عاشَ لكانَ من أكابرِ الشعراءِ العرب ـ إنْ لم يكنْ أكبرهم ـ في القرن العشرين. ثم توالى الشعراء عليَّ، منهم شعراء العراق المجددون (السيّاب، بلند الحيدري، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي). أحببتُ فيهم (الحيدري) أكثر، فحفظتُ له الكثير، لبساطته وسهولته الممتنعة وقصائده العامرة بالحسّ والصدق. ثم حين دخلتُ الجامعة/ كلية الآداب/ قسم اللغة العربية/بغداد وابتدأت بالتخصص والدخول في عوالم الأدب العربي منذ الجاهلية، والشعر خاصةً، لأنه الفن الأدبي الأول في العربية. وبعدها بدأ مشواري الشعريّ، ومشواري المهني في التدريس. عُيّنْتُ مدرساً في ثانوية المدحتية بالحلة 1964. ثم بعد عامٍ أصبحتُ مديراً لمتوسطة المدحتية، حيث انشطرت الثانوية إلى متوسطةٍ وإعدادية عام 1965.

* وعدد من القصص والحكايات منح فيها الحرية" لأبطاله، يولجون ذاكرتنا دون استئذان، فتملؤنا بالمتعة والخوف من تبعات مجريات الأحداث والحياة...

كتبها وهو يقول:

ـ عبد الستار نور علي:

" أنا ابنُ بغداد، وُلدْتُ في محلة سراج الدين بباب الشيخ وفي دربونة الملا نظر، وقد سُميَتْ باسم جدي الكبير (الملا نظر)، فهو الذي بنى أول دارٍ في المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسعَ عشرَ على بستان من اثنتين وعشرين نخلةً. وقسّمها دارين: الكبرى للعائلة، والصغرى ديواناً للضيوف مع اصطبل ملحق. الكبرى جمعتْ عائلته الكبيرة بأولاده وأحفاده، وفيها كانت ولادتي ونشأتي ودراستي، وقراءاتي الأولى، ومكتبتي الصغيرة التي أسستها من مصروفي الخاص..."

* صاغ من أحكامه النقدية وشومًا تجدها في كلّ مكان في كتاباته:

- "كتبتُ عن الكثير من الأدباء والشعراء العراقيين والعرب والسويديين، نشرتُ بعضها في كتابي (باب الشيخ) الصادر عام 2003 في السويد، وكتاب (شعراء سويديون: دراسات ونصوص)، كما يضمها كتابان مخطوطان: (في رحاب الكلمة)، و(شعراء سويديون) الجزء الثاني. وقد كتبتُ دراسات عن شعراء وقصاصين عرب شباب في بداياتهم: (نعيمة فنو) من المغرب، (عمران عزالدين) و(هوشنك أوسي) و(خلات أحمد) و(محمود عبدو عبدو) و(عماد موسى) من سوريا، وعلاء الدليمي وضرغام عباس من العراق، وقد أصبح لهم اليوم شأنهم في فنهم الأدبي الشعري والقصصي وحصل بعضهم على جوائز أدبية، (عمران عز الدين) في القصة القصيرة مثالاً. كما كتبتُ عن (علي عصام الربيعي) شاعراً وإعلامياً عراقياً ناجحاً. وكتبتُ عن الكثير من الشعراء والروائيين العراقيين والعرب."

لتزيد من شساعة المجال البصريّ للقارئ لتغذّي مخيّلته .

**

2- خارج أسوار الوطن استوطنت روحه السويد كمهاجر:

- "كيف للسويد أنْ لا تستوطن الروح والقلب، وقد كنتُ غريب الروح واليد (القلم) في وطنٍ مثقلٍ بجراح القريب والبعيد، الداخل والخارج. كان للعسس دورٌ في الاستعداد للنفاذ بالجلد، جلدي وجلد عائلتي، إذ كان باب البيت يُدقُّ، لا بيدٍ مضرجةٍ بالدم، كما تمنّى أحمد شوقي:

وللحريةِ الحمراءِ بابٌ

بكلِّ يدٍ مُضرجةٍ يُدقُّ

كانت أيدي رجال الأمن تدقّهُ، والتحقيقات جاريةٌ بخبثٍ مُبطّنٍ بلسانٍ من حرير. تصوري أنَّ أحدها جرى في بارٍ في (ساحة حافظ القاضي) ببغداد، وحول مائدةٍ عمّروها بقاني البيرة (فريدة) و(شهرزاد) مع المزّة، بعد أنْ أخذوني بتاكسي من بيتنا في مدينة الحرية، كان عصر جمعةٍ، وأنا غاطٌّ في قيلولة بعد رجوعي من غداءٍ في مطعم (الشاطئ الجميل) في شارع أبي نؤاس، مع البيرة المثلجة بمعيةِ جمع من الأصدقاء. والمضحك أنَّ رجلي الأمن قالا بالحرف الواحد:

ـ أستاذ، لا تدفعْ الأجرة، الدائرة هي التي تدفع!

وقد دفعوا ثمن المائدة العامرة في البار. لكنني لم أذقْ قطرة بيرةٍ واحدة، ولا ملعقة مزة. مرّت في خاطري قوافل المسمومين الذين راحوا ضحايا الطعام أو الشاي أو الماء داخل المعتقلات، أو أثناء التحقيق. طبعاً السم الذي يقتل ببطء. قال أحدهما:

ـ أستاذ، أشو متشرب ولا تاكلْ مزّةْ؟

بماذا أجيبهم؟ قلتُ: "هو الواحد في هذه الحالة يقدر أنْ يشرب ويأكل!"

ثم بعدها أخذوني الى مكوىً خلف سينما الزوراء داخل زقاق ضيق. وتحدث أحدهم في التليفون مخاطباً من اسماه بـ(المقدّم صالح):

ـ مقدّم صالح، الأستاذ ويانه (معنا) انجيبه (هل نأتي به)؟

ثم أغلق الهاتف. وقال بأنّ المقدم يقول لا، ماكو داعي. وبأنه يجوز لي أنْ أعود الى بيتي. على موعد في الساعة الواحدة من اليوم التالي (السبت) عند حديقة الزوراء قرب مقر المخابرات العامة. ثم استأجروا تاكسي وأوصوه بان يوصلني إلى باب بيتي، ودفعوا له أجرته. وأوصلني.

تصوري حالي تلك الليلة وحال أهلي! وقد وصل الخبر الى الجيران والأقارب، فعاشوا في رعبٍ، وحين رأوني عائداً تنفسوا الصعداء بعد أنْ يئسوا من عودتي، وأنّي خلاص رحلتُ!

وماذا عن اليوم التالي! ذهبتُ على الموعد، وليكنْ ما يكون، وتاكسي الى شارع الرشيد ومطعم قرب (مقهى البرازيلي)، وفي السيارة أخرج أحدهما مجموعة من الملفات وقال: هذه لأناسٍ آخرين.

وفي المطعم وصّوا على ثلاث نفرات قوزي على تمن، فاعتذرت عن الأكل، وأصرّوا وأصرّيتُ قائلاً:

ـ هو باقي عندي نفس آكل!

بعد الغداء استأجروا لي أيضاً تاكسي ليوصلني الى البيت ودفعوا الأجرة. وقبل ذهابي قالوا:

ـ احسبْ الى يوم الثلاثاء، إذا لم نأتِ، فلن نأتي.

ولم يأتوا!!!

تخيّلي حالي وحال أسرتي والقلق الذي عانيناه الى الثلاثاء!

الغريب أنّه لم تكن هناك تحقيقات مثلما تعودنا. مجرد كلام.

وهذه واحدةٌ من حالاتٍ سبقتها، من زيارات للبيت مجرد دقّ الباب، ثم الاعتذار، ومرات استدعاء الى مركز الأمن في المدينة، ثم: تعالْ غداً! وهكذا.

بعد كلِّ هذا وجدت أنّه حفاظاً على حياتي وحياة عائلتي لا مفرّ من الهجرة والفرار, وكان التخطيط ثم التنفيذ فالهجرة. استغليتُ توقف القتال بعد حرب الكويت وفتح باب السفر، أخذت عائلتي عن طريق الأردن الى بلغاريا، ومنها الى السويد. وكانت مغادرتنا في 27 كانون الأول/ديسمبر 1991، وحين سُئلنا عن سبب السفر قلنا لقضاء اعياد رأس السنة في الأردن.

**

3- كمين الكتابة ينسل من تجاويفه رائحة البخور والضوء:

نصبت أصابعه كمين الكتابة بحق توجعات مَن في المهجر، متسللًا إلى قلوبنا كقصيدة احترفت الصلاة على حافة الشجن؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

- "الغربةُ صعبةٌ. كنتُ أذكرُ دائماً أغنية رضا الخياط وأردّدها مع نفسي:

"بالله ياطير الحمام اللي مسافرْ

بلِّغْ أحبابي السلام."

وقد كتبْتُ قصيدةً في السويد بتاريخ 29 نيسان 1994:

يا طيورَ الشوقِ، رفِّي

فوق أهدابِ الفرات.

وانثري قلبي رذاذاً

بين أمواج المياهْ

ونسيماً عاطراً يحضنُ قاماتِ النخيلْ.

ياطيورَ الشوقِ، ردِّي لي السلامْ.

حدِّثي السعفَ وشهدَ النخلِ،

أسرابَ الحمام .

بلِّغي أهلي واصحابي وجيراني الكرام،

خبِّريهم أنَّ في الروحِ جراحاً

وحنيناً، ورياحاً.

خبِّريهم أنّهمْ ضلعٌ من الأضلاعِ

ما فيهِ انفصامْ.

باللهْ ياطير الحمامْ،

سلِّمي لي، باللهْ ياطير الحمامْ .

قبِّلي وجنةَ طفلٍ..

ليس فيهِ غيرُ آثارِ العظامْ.

خبِّري دجلةَ والأحبابَ..

أنَّ الحبَّ ما زالَ لهيباً في ضرام ْ.

باللهْ ياطير الحمامْ،

خبِّريهم أنَّ شمَّ الهيلِ نبضٌ لا ينامْ.

وأبو نوّاسَ في الأقداحِ ذكرىً لنْ تُضام .

إنَّ في الذكرى السلامْ!

إنَّ في الذكرى السلامْ!

وتكاد مجموعتي الشعرية التي أصدرتها في السويد عام 2003 (على أثير الجليد) يطغى عليها هذا الحنين والشوق ومعاناة الغربة:

في شارعٍ يحفلُ..

بالأشجارِ والضياءْ

تمشي....

ويمشي خلفك الخوفُ..

منَ القادمِ والمجهولْ....

وينظرُ الناسُ إليكَ:

إنّكَ المجهولْ!

فكيفَ تستقبلُ في عيونهمْ

تحفُّزَ الخيولْ!

وظلَّ هذا الهاجسُ يلعبُ فينا في ملعبِ الهجرةِ صراعاً بين عالمينِ: الوطن الأم، والوطن البديلْ:

أوّاهِ من هذا الرحيلِ الصعبِ،

يا زمنَ البديلِ الصعبِ!

خيلٌ هوتْ بينَ الخرائطِ ..

(البدائل)،..

تنزوي في الركنِ،

تحلمُ بالسباقْ....

(من قصيدة "الرحيل")

**

4- استيقظت العائلة على رائحة البخور وإشراقة فجر ندي لتحتضن وليدها وهو ينسلّ من تجاويف الضوء:

الأديب عبد الستار نورعلي:

-  في يومٍ مجهول، وفي شهرٍ غير معلوم،ومسجّل في الجنسية العراقية (1/7) ـ كعادة الملايين من العراقيين ـ ومن العام 1942 انطلقت الزغاريد في دار الملا نظر في محلة سراج الدين في باب الشيخ:

ـ جابت ولد ! .....

على ثلاث بنات. والوالد كان وحيدَ أبويه. ولي (علي) واحدٌ على بنتين. لا أعرف: هل هو القدر المكتوب، كما يؤمنُ العامةُ؟ ربما! قالوا أنّ والدي قد حلم بعد ولادتي أنّ ملائكةً بأجنحةٍ بيضاءَ قد رفعتني ووضعتني على القمر، فقال:

ـ هذا الولد راح يصعد نجمه ويصير اسمه عالي!

كان الناس ينعتونه بـ(الملا)، إذ كان مؤمناً تقياً صالحاً مرجعاً في الأمور الدينية. لا أذكر أنّه غضب عليّ يوماً، أو صرخ في وجهي، أو لامني على شيء، فقد كنتُ هادئاً وديعاً مجتهداً في المدرسةِ، أقرأ كثيراً المجلات والكتب، وقد كوّنتُ لنفسي مكتبةً خاصةً في غرفتي، أصفُّ فيها المجلات والكتب بعناية وفرحٍ وترتيب. كنتُ أشعرُ بمتعةٍ كبيرةٍ وأنا أنظر في المكتبة الصغيرة التي اشتراها لي والدي هديةَ تخرّجي من المدرسة الإبتدائية بتفوق (مدرسة الفيلية الإبتدائية) في باب الشيخ/بغداد. بعد الإبتدائية أكملتُ الدراسة المتوسطة في (مدارس كلية بغداد) في الوزيرية، والتي كانت تابعة للكنيسة اليسوعية الأمريكية. كان أساتذتها من الآباء اليسوعيين الأمريكان، وكانت مواد الدراسة باللغتين الإنجليزية والعربية، العربية كان أساتذتها عراقيين.

**

5 - منذ ريعان صباه، امتهن الأدب والشعر فغرس قصائده في الوريد:

الأديب عبد الستار نورعلي:

- "أذكر أول بيتين قلتهما وأنا صغير، ربما في المتوسطة، كنتُ خارجاً من إحدى دور السينما بالباب الشرقي عائداً الى البيت مشياً، فقلتُ:

قلبٌ تحطّم في الهوى

ويهيمُ ليس له دوا

ما لي أراهُ يفتشُ

عن قلبهِ بين النوا

ما زلتُ أذكرُ هذين البيتين وبنشوة، مع بدائيتهما الشعرية.

**

6- في صحيفة (Folket ) السويدية كتب بحبر نبضه:

الأديب عبد الستار نورعلي:

2053 عبد الستار- "نشرت في صحيفة (Folket.) عدداً من المقالات العامة والقصائد باللغة السويدية، وكانت إحداها قصيدة في اغتيال وزيرة الخارجية السويدية (أنّا ليند) التي أغتيلت في الحادي عشر من سبتمبر 2003 ونشرت في الصفحة الثانية من الصحيفة (لسان حال الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي كانت تنتمي اليه الفقيدة ذات التوجهات اليسارية الاشتراكية الحقيقية."

**

7- سبر أغوار اللغة لإظهار جمال وقبح الحياة والتمرد على قبحها

أسلوب عبد الستار نور علي جمع بين الأسلوب الكلاسيكي والحديث، وأظهر جمال وقبح الحياة والتمرد على قبحها... هل تحتاج اللغة العربية إلى التفقه فيها وسبر أغوار بحورها حين تجلد أو تجمِّل الآخر؟

الاديب عبدالستارنورعلي:

التفقُّهُ باللغة بمعنى: العلم بها والتمكّن منها، وإدراك أسرارها نحواً وصرفاً ودلالةً، وفهم مكامن العلاقات بين الكلمات لإيصال المعنى بشكل متكامل الى المخاطَب، دون لبس أو غموض. ولذا فإنَّ التفقُّهَ باللغة ـ لأنها أداة التعبير وإيصال المعنى ـ عنصرٌ أساسٌ من عناصر الفنِّ الأدبي عموماً، ومنه الشعر، ليتمكنَ الأديبُ (الفنان) أنْ يوصلَ المضمونَ المُبتَغى إلى المتلقي بأبهى حلّة، وبأقوم أسلوب، وبلغةٍ نقيةٍ بليغة ذاتِ أثر، سواءٌ أكانَ الكلامُ جَلْداً أم تجميلاً. وفهمُ حالتَي الجَلْد (القبح) والتجميل وكيفية التأثير في المتلقي، والتعبير الدقيق عن المعنى والصوَر، هو في التفقّه باللغة، ففيها مكامن الجمال، ومكامن الجلد، والشاعر المتفقّه في اللغة هو القادر على اصطياد هذه المكامن، جمالاً وجلْداً . وإلا لنْ يصلَ النصُّ إلى غايته المرتجاة.

التفقّه باللغة لا يعني التقليد الصارم لمقتضياتها وقواعدها وبلاغتها ومنهجيتها المتوارثة نحواً وصرفاً، فقد يخلق الشاعرُ المتبحِّرُ في اللغة لغتَه وبلاغتَه الخاصةَ التي تشير إليه، وتكون خصيصةً فيه مختلفاً عمّن سبقَه أو جايلَه, وهنا أذكر نزار قباني وهو يرى: "بأنَّ الشعر حالة يضعنا فيها الشاعر بعيداً عن إطار اللغةِ والبلاغة المعروفة والقواعد المدونة، شاعر يستطيعُ أنْ يأخذ المساحة الكبيرة من الحرية عندما يكتب النص."

وهو ما أثبته (ت.س. إليوت) حين قال:

"إنّ قسماً من الشعر يبتدعُه الشاعر، وإنّ قسماً آخر يدرّ له التراث ."

فالابتداع ـ كما تعلمين ـ يعني الابتكار والاستحداث خارج الأشياء السابقة، وأشياؤنا نحن هي الشعر واللغة، فهما واسطة نقل مشاعرنا وأفكارنا وأحلامنا ومشاهداتنا وتجاربنا إلى الآخرين.

ومنْ منطلق قول إليوت ذاك وجدتِ أنتِ من خلال قراءتك لشعري أني أجمع بين الأسلوب الكلاسيكي والحديث، وهو ما ذكرتِه في دراساتك عن فني الشعري. وهي دلالة عملية ميدانية لقول الفرنسيين: "الأسلوب هو الرجلُ نفسُه." فدراستي واختصاصي هما في القديم والحديث من الأدب، وهو ما حفرَ ملامحه في شعري.

**

8- معارك تتويج الألقاب الشعرية والكتابية المنسلة من ثقافة.

لله درُّ معارك تتويج الألقاب الشعرية والكتابية المنسلة من ثقافة مهمشة، هل نُصبت الكتابة كمينًا لشبابها من الكُتَّاب والكاتبات على محك الريح في جملة من التعتيم " لا إبداع شبابي " أم ترى إنهم بحاجة إلى دعم كبار الكُتَّاب قبل مشوارهم الإبداعي،ولاسيما أن الثقافة يتم تهميشها في بلادنا، لمَن إنتشلت؛ ومَن دعمت؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

- كما ذكرتُ سابقاً: لي ولع دائم في متابعة كتايات الشباب مما تقع تحت يدي، وليس كلُّ ما يُنشر، وذلك لكثافته، إضافة الى صعوبة وصول المنشور والمطبوع إلى كلّ زاوية في العالم لنحصل عليها. ولولا نعمة النت ووسائل التواصل الألكترونية لظلَّ الكثيرون مجهولين، ولبقي ما يُنشر ـ حتى للكبار ـ في دائرة الظلّ. لكنَّ الزحمةَ الشديدة للمواقع الأكترونية، وغزارة ما تنشره، تجعلنا لا نتمكن من مواكبة هذا الكمّ الهائل من النشريات والأسماء.

لقد وفّرت صفحاتُ التواصل الاجتماعي، وحرية النشر على النت، حيث لا تابو، ولا رقابة، ولا مَنْ يمنع، وفرّتْ فرصةً للشباب أنْ يكتبوا ويقدموا إبداعهم الى العلن، والى عامة القرّاء والمهتمين، كما دفعتهم الى إنشاء مواقع وصفحات شخصية، ينشرون من خلالها ما تجود به قرائحهم وأفكارهم من إبداع فنيّ، ورأي ثقافي أو سياسي. كلّ هذا أتاح لنا أن نعثر على الكثير من المبدعين الشباب الذين أستحقوا ويستحقون أنْ يأخذوا مكانهم في عالم الأدب الذي يبرعون فيه وتدور مواهبهم في واديهِ. وبالتأكيد احتاجوا ويحتاجون دعمَ الكبار للاستفادة من خبراتهم ليواصلوا مسيرتهم الإبداعية بجدارة الموهبة والمقدرة الفنية.

تحت ظلِّ هذا الاهتمام بالشباب كتبتُ عن عدد منهم وهم في مبتدأ ولوجهم عالم الأدب ولذاذته مع وعورة مسالكه، والجهد الذي يُثقل كاهلَ مرتاده من تعبٍ تحت وطأة المثابرة والمتابعة والاتساع في نهل قديمه وجديده والثقافة بعوالمها المتنوعة، لأني لقيتُ في منتجهم الأدبي، شعراً كان أم قصّاً، ما يشي بفنٍّ يحمل في طياته موهبةً عاليةً وقدرةً فنيةً تنمُّ عن مستقبل واعدٍ، وقد كان ما تنبأتُ به. ومن الذين كتبتُ عنهم دراسات نقدية: (نعيمة فنو) من المغرب وهي الى جانب موهبة الشعر فنانةٌ تشكيلية. وقد ترجمت الدراسة الى اللغة الفرنسية. (عمران عزالدين) و(هوشنك أوسي) و(خلات أحمد) و(محمود عبدو عبدو) و(عماد موسى) من سوريا، وقد أصبح لهم اليوم مكانتهم المشهودة على الساحة الأدبية العربية. وقد حصل بعضهم على جوائز: (عمران عز الدين) في القصة القصيرة مثالاً. كما كتبتُ عن (علي عصام الربيعي) شاعراً وهو إعلاميّ عراقيّ ناجح وكذلك (علاء الدليمي) و(ضرغام عباس). إضافةً إلى مداخلاتي على ما ينشر البعض منهم على مواقع التواصل الاجتماعي و المواقع الثقافية، ومن خلالها أقيّمُ نصوصهم مشجعاً.

لا أظنُّ أنَّ أحداً قادرٌ اليوم على التعتيم أو التهميش، ففضاء النشر واسعٌ سعَةَ فضاءِ الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة للكلّ، فهي تستقبل ما ينشر الشبابُ، غثّناًاً كانَ أم سميناً، والزمن والقارئ والناقد المُبصرُ والمهتمّ كفيلون بالغربلة. فلا أحدَ ـ أياً كانَ ـ له حقُّ رفع تابو في وجهِ أحد، فنُّ الكتابة هو الذي يقرّر.

أما توزيع الألقاب الشعرية فهو من آثار تراثنا الثقافي والاجتماعي الميّال الى حبّ التفخيم والتعظيم والتغنّي بالألقاب والصفات المُعظِّمة: جلالته، فخامته، سيادته، عظمته.... وليس الشعراء ببعيدين عن هذا: (شاعر السيف والقلم)، (أمير الشعراء)، (شاعر النيل)، (شاعر القطرين)، (شاعر الشباب)، (شاعر العرب الأكبر)....الخ. وليس حال الشعر اليوم بمختلف عن حال الأمس، مع الفارق بين الحالين من رقيٍّ وامتلاء.

يدخلُ اللقب عند البعض الأخر في إطار خصيصة من خصائص شعر الشاعر الغالبة على الأخريات، قد تكون غرضاً شعرياً، أو مضموناً، أو أسلوباً فنياً لغوياً أو جمالياً، أو قصيدة أشتهر بها، أو بيئةً: (شاعر الخضراء/ أبو القاسم الشابي)، (الشاعر القروي)، (بدوي الجبل). وقد تكون أثراً لشاعر قديم، أو صفةً مشتركةً بينهما: (الأخطل الصغير). أو تكون صفةً من صفات الشاعر الذاتية. وهذا شيء آخر خارج التعظيم والتفخيم.

ويبقى ـ مع كل ذلك ـ شعر الشاعر هو القول الفصلُ.

**

9- طقوس الحرف في محراب الكتابة

هل لك طقوسٌ في مراسيم الكتابة ؟ هل تضجر مما تكتبه أحيانًا؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

إنْ تسألي عنْ طقوسي فهي ماضيةٌ

خلفَ التي بالنوى والوصلِ تسـقيني

ليسَتْ لخيلي طقوسٌ تستفيءُ بها

إلّا التي في هـزيعِ الليـلِ تأتـيني

طـَلْقاءُ مُقبلةً، غـَنْجـاءُ مُـدبرَةً

في خطوها نبضاتُ القلبِ والعينِ

سيدتي،

أنتِ تدرين وأدري ـ هكذا نحن كتبْنا، نكتبُ ـ أنّ للكتابة عند كلّ كاتب، شاعراً كانَ أم ناثراً، طقوساً خاصةً تحت ظلّها يستريحُ وحيُهُ (شيطانُه عند الشعراء)، فتسترسلُ أحاسيسُه وعواطفُه وخيالُه وأفكارُهُ بأريحية وانسياب وتدفّق.

(الناثر) يُفكّرُ ويُخطّطُ،ليكون النصُّ واضحاً عنده، ثمّ يستعدّ ويتهيّأ منْ قبلِ أنْ يبدأ بمراسيم الكتابةِ وطقوسها. أما (الشاعرُ) فلا يدري متى وأينَ وكيفَ يهبطُ شيطانُه طائراً من وادي عبقرَ ليلقي رحالَه في حسّه. قد يكون (الشاعر) ماشياً في الطريق، أو راكباً في باص عمومي، أو مقتعداً زاويةً في مقهىً، أو جالساً في مكانٍ عام (متنزهٍ، مكتبةٍ)، أو مستيقظاً في جوفِ الليل/في الفجر ....إلخ. وهذه حالي، فلستُ باستثناءٍ. يقول الكبير محمود درويش:

"حين تكون القصيدة واضحة في ذهن الشاعر قبل كتابتها، من السطر الأول حتى الأخير، يصبح الشاعر ساعي بريد، والخيال درّاجة"

سيدتي،

عادةٌ لي أنْ تكونَ في جيبي ـ معطفاً أم قميصاً ـ وأنا خارج من البيت، أوراقٌ بيضٌ وقلمٌ، وإلى يومي هذا. أعثر أحياناً على أوراق قديمة بيضاء خالية، أو فيها شخبطات من كلمات وأبيات منفردة، في جيوب معاطفي التي أهملْتُ ارتداءَها منذ زمن، أو مللْتُ منها. اعتدت هذا تحسباً للحظةٍ، غير مُخطّطٍ لها، يهبط فيها الشيطانُ ـ على مزاجه واختمار التجربة الحسية ـ فيوحي إليّ، فأسارع بإخراج ورقةٍ والقلم خشيةَ أنْ يغضبَ الشيطانُ فيولّي دبرَهُ مُتحيّزاً للنسيان. وغالباً ما أهرعُ إلى المكتبة العامة، أو مقهىً قريب، أو أيّ مقعد يصادفني في الطريق، لأسطّرَ ما تفضّل به الوحيُ.

مثلًاً، مجموعة (يوميات مدينة) هي مِنْ موحيات مشاهداتي للمدينة التي أقيمُ فيها: (أسكلستونا/السويد)، كلُّها انطلقتْ وأنا على طريقي إلى المكتبة العامة عند الظهر بعد الساعة الثانية عشرة، وبالتحديد في الساعة الواحدة ظهراً وما بعدها، فوُلدتْ كاملة. وقد كتب عنها الناقد والشاعر العراقي الراقي الأخ (هاتف بشبوش) دراسةً نقديةً مهمة تجوّلَ في ثناياها تجوالَ سائحٍ مشدود بمشاهداته.

وللعلم كلُّ القصائد التي تولد في هذه الأجواء أعيد النظر فيها ليلاً فأكتبها نقيةً صافيةً قبل أنْ تطير لتهبط في عالم النشر.

أما (هزيع الليل الأخير) فله حصة الأسد من قصائدي، فأثناءه وُلدَتْ الغالبية العظمى، ووسط هدوئه وصمته ووقاره ارتدتْ حلتّها الأخيرة.

اعتدتُ أن أكتب القصيدة على ورقةٍ أوليةٍ بمسودة ولادتها الأولى، ثمّ الكتابة فوق البيت أو تحته أو بين كلماته ممّا يستجدّ من اضافاتٍ أو حذفٍ أو تغيير وتنقيح. ثمَّ أعيد كتابتها بعد ذلك، ربما ثانيةً وثالثةً على أوراق أخرى، حتى تستوي على عودها الأخير خاليةً من كلّ الشوائب الشكلية تلك، نظيفةً تامةً، وأنا أتنفسُ بارتياح بعد هذا المخاض العسير.

(القصيدةُ) حسناءُ تتبختر أمام الشاعر، تتدلّل، تتغنّج، تتمنّع، تنأى، تقتربُ، إلى لحظة أنْ ترتمي في أحضانِ قلب الشاعر وحسّه وعاطفته الجيّاشة، راضيةً مرضيّةً، فتدخلُ فردوسَ كلمة الشاعر، تعانق روحَه المبدعة الخلّاقة، فيستسلمُ لها مسترخياً في نشوةٍ علويةٍ، لا تدانيها نشوة، مستلقياً على فراشٍ من ريش الجمال، وحلاوة الكلام المباح وغير المباح!

سيدتي،

أما اليوم فإنّ الهاتف المحمول قد استولى على دور الورقة المحمولة، فاحتلّ مكانها احتلال غازٍ مقيم. لكنْ يبقى للورقة طعمُها ولذاذتها التي لا تقدرُ الآلة أن تصلَ إلى حواشيها. لكنني لم أنفكّ عن عادة الأوراق البيض والقلم وما يسطّر ما تبثّه النفسُ، وينبضُ به القلب، ويُبصرُ الفكرُ، وترى العينُ. وإنَّ لها لسحرَها الذي لا يُضاهَى، وطعمَها الذي لا يُجارى، وعرشَها الذي لا يُدانى.

وللمعلومة، لا حضورَ اليوم للسيجارة والكأس، ولا للشاي والقهوة، في حضرةِ طقوسي، مع أنّ الكأسَ والسيجارة والسيجارَ والغليون، كانوا ندماني في محرابِ القصيدة، في ماضي الأيام، حتى طلّقتها جميعاً بالثلاث في العاشر من الشهر العاشر لآخر عامٍ من الألفية الراحلة 2000.10.10، والحمد لله. وللعلم أيضاً، لم أكنْ مدمناً على أيٍّ منها، إنَما لـ(متعة لحظةٍ)، أو تسلية في جلسات (ليالي الأنس) والسهر البريء في بغداد (الزمن الجميل)، مع الندامى الأنقياء الحلوين.

أمّا الضجر من قصيدة!!؟

أيضجرُ القلبُ منْ عشقٍ يلوذُ به

في القرِّ والحرِّ دفآناً وبردانا !

هو الوتينُ، فما للروحِ مِنْ نفَسٍ

منْ دونهِ، وفـراغُ الكونِ مـأوانا

ليس ضجراً:

أحياناً، تراودني القصيدةُ لحظةَ اختمارٍ وتوقٍ للولادةِ، أقولُ: هيتَ لكِ! فإذا بها تفرُّ منْ يدي، لتختفي تاركةً أثراً (مطلعها)، وقد لايكون مطلعها. ثمّ بعد زمن تعود "مشتاقةً تسعى إلى مشتاق" لترتمي في أحضانِ صدري معانقةً، فتحفر نفْسها تامَّةَ الخِلقةِ والصياغة، شكلاً ومضموناً، كاملةً بحلّتها القشيبة، واقفةً على قدميها، لتسقيني خمرتها المعتقة في كأسٍ منَ اللذةِ، فتثمل الروحُ نشوةً علويةً، ويرقص القلبُ، فأجرُّ نفَساً عميقاً وأسترخي على فراشٍ منْ ندىً وورد، وربما في أخدودٍ منْ نارٍ ووقود.

**

10- نهر شعره ينهض على كتف فتنة الكتابة

فتنة الكتابة تقتحم أحيانًا ماتيسر من (التناصّ) بغية الوصول إلى نصّ يقبع فينا، كم مرة اكتشفتَ روحك متلبسةً بتهمة كتابة التناصّ ؟ ومَن كانت تناصّك الروحي في ساحة الشغف والجنون الآثم فلا مجال لفنائها؟

الشاعر والمترجم عبد الستار نور علي يحدثنا،قائلًا:

- بدءً ليس التناصّ تهمةً يتنصل منها الشاعر، بل هو غنىً مضاف إلى غنى النصّ، حين يأتي متعالقاً مع نصٍّ آخر، أدبياً أم دينياً أم تاريخياً أم منْ منابع أخرى، تجذّر في روح الشاعر منحوتاً معلّقاً في ذائقته وذاكرته الحافظة، فاستقرّ في وعيه وفي لاوعيه، لدرجة التوحّد، بحيث يخرج ممتزجاً بالنصّ بعفويةٍ تعبيرية وتلقائية لحظة ولادة النصّ، وبوح الشاعر عن تجربته الحسيّة، يجد متنفسه للإنطلاق عند العلاقة بين ما يخلقه الشاعر من نصٍّ وبين النصّ المخزون، بوعيٍّ مسبق من الشاعر أو بلا وعيٍّ تلقائيّ. هنا يكون الغنى والتعالق الولادي الطبيعي. أما حين يكون مُقحَماً متكلفاً (مُصطنَعاً) فلا يكون عندها غنىً بل صناعةً ميكانيكية جامدة مع سبق الأصرار والتخطيط.

ربما كان التناصّ عند القدامي يوضع في خانة (السرقات الأدبية). لكنه اليوم مصطلح نقدي أدبيّ، وباب من أبواب فن النقد، قال فيه النقاد غرباً وشرقاً الكثير، ليصبح مادةً للدراسات الأكاديمية والنقدية العامة.

تدرين جيداً أنّ النصّ الأدبي لا يأتي من فراغ. إنه صياغة لغويةٌ ذات علاقات وأبعاد ودلالات نحوياً وتعبيرياً ومعنىً مقصوداً إيصاله الى المتلقي، سامعاً كان أم قارئاً. فليس الشاعر إلاهاً لغوياً ليخلق لغته الخاصة ـ بمفهوم الألفاظ والتعابير والصور ـ بعيداً عن لغته الأم وتراثها اللفظي (النطقي) اليومي والكتابي والتعبيري نثراً وشعراً (التراث الأدبي)، إضافةً الى التراث الديني (الكتب المقدسة وأحاديث الأنبياء والرسل والأولياء)، ثم أقوال الحكماء والأمثال والقصص والروايات والشعر، وغيرها من مناحي الحياة الإنسانية الأخرى. إذ ترى الناقدة الفرنسية (جوليا كريستيفا) "أنّ النصّ الأدبي لا يولد من الصفر، بل له سوابق ينبع منها وينطلق ليتشكّل، فهو جزءٌ من نصٍّ عام". مثله مثل الماديات التي تُبنى على ماديات سبقتها وتتطوّر منها، ليُصنعَ من مجموع ما سبقها شكلٌ جديد مضاف، بتقنية وذوق وجمالية وصياغة وهدف الصانع الجديد ومهارته وحذقه. فلا شيء يأتي من فراغ.

الشاعر ـ مبدعاً في الأمة ـ يمرُّ عبر هذه السلسلة المترابطة والمتنامية في مسبحة الكلام خِرزاً فنيةً، ترفد ذائقته ووعيه ولاوعيه، لتجد مستقراً لها في مخزن ذاكرة اللاوعي مع مرور الزمن، شبيهاً بـ(الفلاش USB) ـ المخزن الإضافي للنصوص التي نحفظها في الكومبيوتر كي لا تضيع ـ هذه النصوص المخزونة تجد لها متنفساً ومنفذاً عندما تعثر على فرصة سانحة مواتية ـ تجربة دربٍ أو حدثٍ أو حسٍّ أو مضمون تتلاقى تشابهياً (تعالقياً) ـ فتنسلّ من بين أصابع الشاعر ـ وعياً أم لاوعياً ـ لتستقرّ بين خلايا قصيدةٍ ملائمة المعنى والحسّ والصورة والتجربة، فتزيّنها بوشيٍّ منْ جمالها وتجانسها وزخرفتها لتضفي حلاوةً وحسناً وحرارةً وبعداً فنيّاً جميلاً، وإغناءً معنوياً (مضموناً) ثقافياً. فالتناصّ إشارة لثقافة الشاعر وسعتها وثرائها، واستثمارٌ لها لإثراء نصه والارتقاء به وإحداث الأثر المبتغى منه.

يقول الأستاذ الدكتور (نوزاد شكر مصطف)، من جامعة صلاح الدين/ أربيل كلية اللغات/ قسم اللغة العريبة، في بحثه الأكاديمي الموسوم بـ(التناصّ في شعر عبد الستار نورعلي):

"أخذ التناصّ في شعره أشكالاً متعددة، ومرجعيات متنوعة ارتكنت إليه نصوصه. يُعدّ عبد الستار نورعلي أحد شعراء الحداثة المغتربين عن الوطن، نستشفّ من شعره أصالة ثقافته، وغوصه في التراث العربي والاسلامي والأخذ منهما، ومن يتصفح دواوينه الشعرية وما نشره على صفحات الدوريات والأنترنيت يجد ومضات دينية ووطنية وتراثية تضيء جوانب كثيرة من شعره، استثمرها لإثراء نصّه الشعري على صعيد البلاغة ودلالة الحدث، لذلك يشكل التناصّ ملمحاً أسلوبياَ بارزاً في شعره وقد الشعرية، منها الدينية والأدبية وغيرها."

أظنُّ أنّ الأستاذ الدكتور (نوزاد شكر مصطفى) أجابَ ضمنياً ـ في دراسته عمّا استفهمتِ عنه في سؤالك:

"ومَن كانت تناصّك الروحي في ساحة الشغف والجنون الآثم؟".

أقول أنه بالتأكيد ما هو مخزونٌ في حافظة الوعي واللاوعي عندي ـ حالي كغيري ـ خلال مسيرة عمرٍ يمتدُّ عميقاً في غور السنين، منذ أنْ بدأ الوعي يحبو: القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، الكتب المقدسة الأخرى، أقوال وحِكَم لرجال التاريخ العظماء، الشعر العربيّ القديم والحديث، الشعر في العالم لكبار شعرائه التاريخيين والثوريين، والثوار الكبار وما قالوه في مسيرتهم الثورية.

وهنا أورد أمثلةً من التناصّ في قصائدي ـ لبيان آثار النصوص في ماضيها وحاضرها المعلّقة على جدران الذاكرة ـ كما أرّخها أستاذنا الفاضل الدكتور مصطفى ـ في بحثه الأكاديمي القيّم والشامل، وتعالقها بنصوصي:

"ومن التناص القرأني قوله في قصيدة ( كاترينا):

هذه القريةُ غرقتْ في الدجى

أغلقتْ بابها

لملمتْ وجهها في غياب الخجل

ثم نادتْ دون أنْ تذرف دمعةً

إنَّهُ ثمنُ المارقينَ الجناة

أطيعوا أولي الأمر منكم !

نم نامتْ على هدهدة الليل

في سكون الكلام

يمتصّ هذاالمقطع الآية القرآنية [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...] النساء 59 "

هذا في التناص مع القرآن الكريم. وفي التناص مع الحديث النبوي الشريف يذكر الدكتور مصطفى:

" كما وردت للشاعر أبيات شعرية فيها تناص مع الأحاديث النبوية الشريفة في مواضع عدّة، ومن ذلك قوله في قصيدة ( الانهيار ):

جثةُ تهبطُ من علياءِ، تابوتها

جثةٌ لم تعاشرْ كفناً

لم تصاحبِ الفئة الباغية

تُدفنُ تحت بلاط الأمم المشرئبةِ الراقية

ثمةَ وجهٌ، طفلٌ، رقصةٌ، غانية.

لقد ظهر التناص واضحاً لاسيما في استعمال عبارة ( الفئة الباغية) مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حق سيدنا عمّار ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعو الى الجنة ويدعونه الى النّار). لقد افاد الشاعر من هذه القصة لإدراكه قيمتها الدلالية ولتوضيح فكرته وتأييدها. يظهر الشاعر من خلال هذا التناص سخريته من الحكام الذين يقتلون الناس لأتفه الأسباب، فكم من بريء قتل دون سبب إلا لموقف رفض لقرار ظالم أو من موقف جبان متخاذل، فإذا كانت مصاحبة الأشرار والباغين تستحق العقوبة والجزاء فهذه شريعة لابأس بها، أما أن يقتل المواطن بلا سبب فهذه جريمة لا تغتفر، إنها ديدن الطغاة في كل مكان لاسيما عند الحكام العرب، ويؤكد الشاعر هذه الفكرة في قصيدته ( الويل ) التي يقول فيها:

الويلُ إنْ كانَ الذي تقولُهُ

ليس كما يريدُهُ الاخوانْ،

الويلُ إنْ أفلتَ من عِقالهِ الثعبانْ

لاتِنتوي

فإنّما الأعمال بالنياتْ

وأنت تنوي الشرّ بالسلطانْ

وركبهِ الزاحفِ نحو النورِ

والسرورِ

والأمانْ،

فالويلُ لكْ...!

لقد ورد التناص في هذا النص مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم( إنّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنّما لكل امرىء ما نوى...) "

ويورد الدكتور مصطفى تناصاً مع الإنجيل:

" كما ورد التناص مع نص في الانجيل في قصيدته ( الأحجار):

فوقَ الصدرِ الضامِر حجرٌ

ما أثقلهُ!

ما أوهنَهُ!

تصغي ...

مَنْ كانَ بلا إثمٍ

فليرمِ الأحجارْ!

إنه تناصّ مع قول سيدنا عيسى عليه السلام عندما قال: ( من كان بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر ) لقد جعل نصب عينيه نصاً مركزياً مقدساً مُستمداً من الكتاب المقدس ليستمد منه ويجعله مرجعيته الفكرية."

كما أورد الدكتور مصطفى أمثلة على "التناص الأدبي " وهو التناص مع نصوص أدبية لأدباء آخرين (التضمين)، شعراً أو نثراً:

" وقد ورد هذا النوع من التناص في شعره بشكل لافت للنظر، ومنه ما تناص به مع قول امريء القيس في قصيدة (أغاني الأغاني)، إذ يقول:

زنبقاتُ الكلامِ تسقطُ في الكلامِ

اليومَ خمرٌ،

وغداً في رفيف النوارسِ أمرٌ

مَنْ يقرأ هذا النصّ يقفز الى ذهنه قول امريء القيس (اليوم خمر وغداً أمر) في دعوة الى الأخذ بثأر أبيه"

ويواصل الدكتور مصطفى في هذا الباب قائلاً:

"ويبدو التناص الأدبي مع قول الشاعر سعدي يوسف، إذ يضمن الشاعر عبدالستار نورعلي ثلاثة أشطر من قصيدة ( السبب) لسعدي يوسف من قصيدته (رسالة الى الأخضر بن يوسف)، في قوله:

يا الأخضرُ، أنتَ تعانقُ قريتكَ بعيداً،

من دون صيارفةٍ

وجلاوزةٍ

وأزقة بغدادَ، وباب الشيخِ.

يا الأخضرُ،

ما كنتَ نديمَ صيارفةٍ

وجلاوزةٍ

بل همسةَ نخلِ ضفافِ الشطِّ

وقلوبٍ أرَّقها الطوفانْ.

يا الأخضرُ،

(لم ترحلْ خوفاً...

فبلادكَ يفتحُ فيها الأعمى عينيهِ

ويموتُ الشعراء)

وبعد قراءة قصيدة سعدي يوسف تبين لي أنّ هموم الشاعرين متشابهة الى حد بعيد، إذ يجمعهما وحدة الفكر والتصور، والغربة، وحبّ الوطن الذي تركوه من دون إرادتهم، وطن الخيرات والنعم، إلا أنّ المثقفين من أمثال الشاعرين لا يفيدون من هذه الخيرات،"

سيدتي،

هذه الخزانة المُثقلَة بالرفوف المضيئة لزوايا الروح والشعور والحسّ والعقل، هي الثروة التي خرجتُ بها في مسيرتي الطويلة العريضة، وهي التي تمدّني بالدم الذي ينبض في القلب، لمقاومة الأيام بما تحملها منْ أثقالٍ وأغلال وأنواء وعواصف وقصائف، فتتغذّى بها نصوصي حين تتعالق مع نصوص ما مرَّ ومَنْ مرّوا من الذين ذكرتُ، وتتمازج مع أرواحها وأرواحهم وكنوزها وكنوزهم، الحسية والعقلية واللغوية والأسلوبية التي تولدت من حياتهم وأفكارهم وقلوبهم، فانطلقت في صفحاتهم وعلى ألسنتهم وجمرات أناملهم. أظنّ أنه محيطٌ لا قرارَ له، ولن يجفَّ ما دامت الحياة على الأرض، وما دمنا ننهل من ينابيعها الصافية المتدفقة.

لنا عودة معكم في حلقات قادمة، حين يرفدنا بها أديبنا (عبد الستار نورعلي) يومًا ما.

حاورته: فاطمة الفلاحي

نوفمبر 2020

.................

نشر الحوار في الحوار المتمدن أيضا

 

 

 

 

2003 عدنان حسين 4عدنان حسين أحمد قاص ومترجم وصحفي وناقد عراقي مقيم في لندن من مواليد مدينة جلولاء عام ١٩٥٧، كاتب متعدد الاهتمامات شق طريقه الإبداعي بين العديد من حقول المعرفة المختلفة، قبل بروزه على المستوى العربي كناقد أدبي وسينمائي وتشكيلي وفوتوغرافي يشار إليه بالبنان، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب، جامعة بغداد عام ١٩٨١، والماجستير في النقد الأدبي من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن عام ٢٠٠٧، ولديه أكثر من دبلوم في السيناريو، والصحافة الاستقصائية، والكتابة الإبداعية، عمل في الصحافة العربية لأكثر من أربعين عامًا في العراق والأردن وهولندا والمملكة المتحدة.

عند الحديث عن فخامة التجربة الإبداعية المتنوعة لدى عدنان حسين، لا بدّ من العودة إلى ما قبل الهجرة والمنفى، فقد كان منذ مطلع شبابه ذا نزعة يسارية، نشأ قريباً من شخصيات سياسية وفكرية يسارية ساهمت بتحريك الوضع الثقافي في المدينة، وحرضت بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة، حتى شكلت لاحقًا طابعًا شخصياً قاده إلى عالمه الإبداعي، وبالرغم من قراءاته الماركسية المُبكرة، فقد طوع عقله المتمتع بآلية مرنة إلى النهل من مشارب ثقافية، وفنية مختلفة. ومع مفتتح سبعينات القرن الماضي سجل أول انقلاباً في تلافيف ذهنه، وتغلغلت القصة في وحدات دمه بعد قراءته المجموعات القصصية لنجيب محفوظ، كان قد اقتناها من مكتبة «الحاج أبو كامل» في المدينة، فقد حركت هذه القراءة مخيلته وشكلت عنده القاعدة القصصية الرصينة التي انطلق منها إلى الكتابة القصصية، وانبثق منها رصيده في السرد القصصي .

ولم تنبثق علاقته مع النقد السينمائي والتشكيلي من فراغ، فلهذه العلاقة جذور تمتدّ إلى أيام الصبا، والشباب فقد كان متلقي عاشقاً للسينما، مواظب على السفر من مدينة جلولاء إلى خانقين، كي يشاهد فيلماً إيرانياً كلّ أسبوع، ويحرص على تدوين أحداث الفلم، ومسار شخصياته الرئيسة، كما كان أسير شراهته البصرية التي كانت دائماً ما تقوده الى تفحص غالبية المعارض التشكيلية في ديالى، وبغداد والكتابة عنها.

ومع التحاقه بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب، تنازعت لغتان في الاستحواذ على عقله وروحه، وانصب اهتمامه على اكتشاف الأدب الإنجليزي، وبدافع حُب اللغة الإنجليزية، والولع بالآداب العالمية، ترجم عشرات القصص، والمقالات الأجنبية، فتتلمذ على ترجمات الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا حينئذ، وكان لجبرا إبراهيم جبرا دوراً في تشجيعه على مواصلة الترجمة، والانقطاع إليها، حينما وقعت يداه على ترجمته لواحدة من قصص جيمس جويس كان قد نشرها في مجلة " الطليعة الأدبية" فقال له " أنتَ مترجم ناجح ".

وسجل عدنان حسين الانقلاب الثاني في تلافيف عقله، بعد ما استمد الأدب والعلم والمعرفة من مرحلة الحياة الجامعية، التي زادت من روافده الثقافية، وغيرت من طريقته في التفكير، فاكتشف أن الحرية والإبداع صنوان لا يفترقان، ولم يجد أمامه خياراً سوى الهجرة والاغتراب في المنافي البعيدة، بحثاً عن الحرية، وتنقيباً عن بيئة يعبر بها ذاته، وتحفزه على الإبداع، فشكلت المنافي إحدى أهم المحطات في تجربته الإبداعية، التي ضخت فيه نبض الكتابة والإبداع، فأسهم في إثراء المكتبة العربية، بسبعة كتب في حقولٍ أدبية متعددة أصدرها خلال سنوات إقامته في عمان وهولندا ولندن، كما أنجز عددا مماثلا من الكتب المخطوطة تنتظر النشر، بالإضافة إلى حضوره المميز في المؤتمرات الثقافية والأدبية، ورئاسته تحرير مجلتي (أحداق) و(علامات) الثقافيتين في هولندا.

دخل عدنان حسين ميدان النقد مزوداً بمواهب في فروع مختلفة من الأدب، وثقافة سينمائية رصينة، تُلم بعملية صناعة الفيلم من الألف إلى الياء، بالإضافة إلى ذائقة أدبية مدربة بالقراءة والمتابعة، انعكست بشكل كبير على نتاجه في مجال النقد، الذي عكف على الكتابة فيه منذ أربعة عقود، ولديه كم كبير من المقالات في صحف "الزمان" و "الشرق الأوسط" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب" و "المدى" وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل "الجزيرة الوثائقية" التي ينشر فيها مقالاته السينمائية بشكل منتظم، وله عدة مؤلفات في النقد السينمائي، والتشكيلي، والأدبي.

 قبل أن نعرج للحوار لا يسعني في هذا المقام ألا أن اقدم شكري وتقديري على إتاحة لنا هذه الفرصة للتواصل، والتعرف على شذرات من فيض السيرة والآراء والأفكار.

الحوار:

2003 عدنان حسين 1* يقال إن الإنسان ابن بيئته التي تصنع فلسفته منذ ولادته وحتى يكبر، كيف شكّلت البيئة التي عشتها في جلولاء ملامحك الفنية والأدبية؟

- دعني أستعين بالشاعر المتوهج أبي تَمّام الذي قال ذات مرة بيتين من الشعر فذهبا مَثلاً لما ينطويان عليه من فلسفة أنيقة، وحكمة دقيقة:

"نَقِّلْ فُؤَادَك حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى / مالحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ

كَمْ مَنزلٍ في الأرضِ يَألَفُهُ الفَتَى  /  وحَنِينُهُ أبَدًا لأوَّلِ مَنزلِ"

وعلى وفق هذا التصوِّر التَمّاميّ فإننا جميعًا نَحِّنُّ إلى المنزلِ الأول، والمدينة الأولى، ومسقط القلب، إن شئتَ، فثمة علاقة سرّيّة مُبهَمة لا تُفَسّر بيننا وبين المكان الأوّل لعلّي أسمّيها الإيقاع الجغرافي أو النبض المكاني الذي ينتظم فقط عندما تستلقي على فراش مُلاصق للأرض وتُصغي إلى ذلك الإيقاع العجيب الذي تسمعهُ كما يسمع الجنين المرتبط بحبل السُرَّة دقّات قلب الأم، وكلّما نأينا واشتط بنا المَزار تلاشى ذلك النبض وأصبح أثرًا بعد عين.

لا ينفع المكان لوحده من دون وجود الكائنات البشرية، وخاصة الموهوبينَ والمثقّفينَ والمتعلِّمينَ، فهم ملحُ الأرض في كل زمانٍ ومكان. وهؤلاء هم الأوفر حظًا في الخلود أما العامّة فيذهبون، مع الأسف الشديد، إلى مدارج النسيان حيث يأكلهم الصدأ، وتلفظهم الذاكرة الجمعية. هناك عدد غير قليل من المثقفين مرّوا بهذه المدينة أمثال الإعلامية غلاديس يوسف، ومقداد عبد الرضا، وجمال نوري، وصلاح زنكنة لكنّ كُتابها الأساسيين هم جلال زنكَابادي، وشاكر نوري، وتحسين كَرمياني، وجلال جميل الخالدي، وسعد محمد رحيم، وعدنان حسين أحمد، ومجموعة من الفنانين في المسرح والتشكيل والصحافة والغناء أبرزهم د. محمد صبري، والنحّات حميد شكر، والفنان عادل أصغر، والصحفي خميس سبع، والفنان علي قادر، والمسرحي والي العزاوي، والتشكيلي محمد شوقي حقي، والمطرب عامر العلي وآخرين كانوا في طور اكتشاف مواهبهم الأدبية والفنية ولعل بعضهم ظهر في السنوات الخمس والعشرين التي غِبتُ فيها عن الوطن مثل صفاء الصالحي، علي حمد الصوفي، أحمد المرواني، حسام الدين مصطفى، وحيد يوسف ولي وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

على الرغم من غِنى مدينة جلولاء وثرائها الثقافي إلاّ أنه ليس كافيًا لوحده فلابدّ من توابل السياسة التي تعطي المدينة المهجّنة بعربها وكوردها وتركمانها وفيليها نكهة خاصة حتى وإن كانت مؤلمة في كثير من الأحيان. وربما يعود الفضل الأكبر إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي حرّك الوضع الثقافي في المدينة، وبثَّ فيها حياة من نوع آخر ولابد من الإشارة إلى أبرز الشخصيات السياسية اليسارية أمثال الرفيق محمد أحمد إسماعيل "أبو جيفارا"، والأستاذ خير الدين، وحسن ميرزا، وعبد اللطيف عبد الوهاب، وما سواهم من شخصيات سياسية وفكرية حرّضونا بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة التي أخذت لاحقًا طابعًا شخصيًا يقود كل واحد منّا إلى عالمه الإبداعي الذي يخفّف عنا وطأة الحياة في تلك المدينة النائية التي تسترخي على ضفة نهرها الناعس الذي يُقال إنّ مياهه الفضيّة قد انحسرت في السنوات الأخيرة.

* في إطار تجربتك القصصية رغم موهبتك ومهنتيك العالية في الاشتغال السردي، لم تصدر إلا مجموعتين قصصيتين باللغة العربية (جولة في مملكة السيدة هاء، وأقواس المتاهة) وظّفت فيها ممكنات ذاكرة معتّقة برائحة الماضي، هل ذبلت تلك الذاكرة ومخزونها الحكائي؟ أم هي انعطافه لطرق أبواب تعبير أدبية مغايرة؟

- تنازعني منذ سنوات الصبا والشباب أربعة هموم ثقافيّة وفنيّة تبدأ بالتوق لمعرفة اللغة الإنكَليزية، وتمرّ بكتابة القصة القصيرة والرواية لاحقًا، ومُشاهدة الأفلام السينمائية والتخصص في نقدها، وتنتهي بالنقد بأشكاله المتعددة، كالنقد الأدبي، والسينمائي، والتشكيلي، والفوتوغرافي. وبما أنّ خلفيّتي الفكريّة يسارية أميلُ فيها إلى العمّال والفلاحين وبقية الشرائح الفقيرة في المجتمع العراقي فقد وجدتُ نفسي وأنا أكتب المقالة السياسية أو سمِّها المقالة الفكرية التنظيرية إن شئت، وهكذا بدأ التشظّي الذي لم يكن صحيًّا بالتأكيد ولكنه أخذ مني جهدًا ووقتًا كبيرين. ومما زاد الطين بلّة أن المذيع العراقي المشهور مشتاق طالب سمعني ذات يوم ونحن نعمل في إذاعة "المستقبل" المعارضة لنظام صدّام حسين في عمّان وقال بأنّ "صوتك جميل جدًا وخامته مميزة، وأنك تصلح لأن تقرأ نشرتَيّ الأخبار الطويلة والقصيرة" وبين ليلة وضحاها أصبحتُ مذيعًا. إن التنقّل بين مِهنٍ واختصاصات وهوايات متعددة بعثَر اهتمامي السردي وفرّقني أيدي سبأ! ولا تنسى، أخي صفاء، أن الحاجة المادية وأنتَ في المنفى تدفعك إلى ما لا تريده من المِهن. لقد عملتُ في الصحافة الفنيّة والاستقصائية لسنوات طوالاً من أجل أن نصمد، أنا وعائلتي الصغيرة، لتلبية المتطلبات الأساسية للعيش الكريم، ولكنني دفعتُ الثمن غاليًا على الصعيد الأدبي. وفيما يتعلّق بذاكرتي الشخصيّة فلا أظن أنها ذبلت أو انكمشت أو تراجعت إلى حدودها الدنيا، فأنا أكتب القصة القصيرة بين أوانٍ وآخر وأنشرها في بعض الصحف العربية أو المهجرية ولديّ مشاريع مؤجلة في الرواية أو "النوفيلا" التي أحبّذها أكثر من الرواية لأنها مكثّفة وتخلو من الترهّل والإطناب. لعل اهتمامي النقدي واطلاعي على النظريات والمناهج الأوروبية الحديثة قد حدّد من "تهوّري" في الكتابة السردية التي تحتاج إلى إلمام كبير، وتقنيات تتجدّد كل عام تقريبًا. ولو وضعنا كل هذه الامتيازات جانبًا فأنا أتوفر على خزين هائل من الذكريات القاسية للحرب العراقية - الإيرانية التي شاركتُ فيها لثماني سنوات مليئة بالألم والتوحّش "البشري" بين الطرفين المُتحاربَين اللذين يُلبيان أوامر النظامين المتخلفَين في العراق وإيران معًا. وإضافة إلى هذا الخزين الذي لا ينضب فأنا أمتلك باقة نادرة من القصص العاطفية التي تكاد تكون بعدد المكوِّنات العراقية وأنا لم أكتب لحد الآن إلاّ عن اثنتين فقط؛ واحدة عربية من بغداد، والثانية تركمانية من جلولاء وتركت الباقيات للسنوات القادمة. أما الشق الأخير من السؤال فيتعلّق بطرائق التعبير الأخرى التي سلكتها وهي كثيرة لكنني لست نادمًا عليها لأنها فتحت لي آفاقًا كبيرة لم أكن أحلم بها من قبل. فحينما أتحدث عن الفن التشكيلي لابد من القول بأنني رأيت بتمعنِ شديد غالبية المتاحف الفنية في أمستردام ولندن وبعض العواصم الأوروبية التي أزورها بدعوات أدبية وفنية وسينمائية مجانية تخفِّف عني تكاليفها الباهظة علمًا بأنني زرت 36 دولة حتى الآن وبعضها لسبع مرات أو أكثر بسبب تكرار الفعالية الأدبية أو المهرجان السينمائي.

* لنبقَ قليلاً بعد في إطار تجربتك القصصية، إذ أصدرتَ مجموعتك القصصية "كوابيس منتصف الليل" (بالإنكَليزية)، ما هُوية هذه المجموعة؟ هل هي أدب عراقي مكتوب بالإنجليزية أم أنها تنتمي إلى ثقافة اللغة التي كتبت بها، وما موضوعاتها وعوالمها، وهل لك أن تضعنا في صورة هذه المجموعة؟

2003 عدنان حسين 2- هذه ليست مجموعة قصصية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إنها قصتان طويلتان بعض الشيء يصل طولهما معًا إلى أربعة آلاف كلمة تقريبًا مع مقدمة مكثفة كتبْتُها بنفسي على وفق طلب المؤسسة البريطانية المعروفة بـ "كُتّاب المنفى" Exiled Writers Ink وقامت بترجمتهما الشاعرة الأردنية فتحية سعودي فيما راجعت النصوص المترجَمَة الشاعرة البريطانية سالي ثومبسون. أما المشروع الأساسي الذي كنت مُنهمكًا به فيعود إلى مُفتتح الألفية الثالثة الذي كنت منشغلاً فيه بكتابة مجموعة قصصية تحمل عنوان "كوابيس منتصف الليل". تتألف المجموعة من عشر قصص أنجزتُ أربعًا منها وتركتُ المشروع معلّقًا في الهواء. ما يميّز هذه القصص أن البطلة واحدة وهي المرأة الهولندية ليليان، والراوي العليم هو أنا شخصيًا الذي أسرد الأحداث بضمير المتكلم. وهذه القصص يمكن أن تُقرأ منفردة أو مُجتمعة لأن فيها أكثر من خيط تنتظم فيه هذه القصص العشر التي رَسمتُ المخططات العامة لأحداثها والفضاءات التي تدور فيها وأنّ منْ يقرأها متصلة يشعر بأنه يقرأ "نوفيلا" قصيرة ولا يشعر بالملل أو التذمّر خصوصًا وأنّ الحَبكات تنطوي على مفاجآت كثيرة، ونهايات تنويرية لا تخلو من روح الدُعابة.

تناصَف الشخصيتان الرئيستان؛ الراوي والمروي لها أحداث القصص، ويمكن القول إنها قصص عراقية وهولندية في الوقت ذاته وإن كانت الهيمنة للراوي العراقي. فهي ليست قصص عراقية خالصة، كما أنها ليست قصصًا هولندية بالكامل، ويمكن أن نسمّيها بالقصص المُهجنّة التي تجمع بين ما هو عراقي وما هو هولندي أيضًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا نتحدث عن أدب السجون وهم يتحدثون عن أدب الحريّات.

لا أحبِّذ الحديث عن قصصي شخصيًا ولعلي أشبه الرسّام الذي ينجز لوحته ويترك تفسيرها للمتلقين الذين يتوفّرون على ذائقة فنية تؤهِّلهم للاستمتاع بالعمل الفني. فالقصة مثل اللوحة ما إن ينتهي منها القاص حتى تُصبح مِلك الجمهور الذي يملك الحق في تفسيرها مثلما يشاء شرط أن لا يشطح كثيرًا في الابتعاد عن تيمتها ومضمونها المركزي. ومع ذلك دعني أحيطك علمًا ببعض التفاصيل المفيدة في هذا الصدد. فالقصة الأولى المعنونة "كوابيس منتصف الليل" التي كتبتها عن شخص لا أعرفه وإن أسميتهُ في القصة للضرورة الفنية "ابن عمي إحسان" كدليل محبة وحنوّ وتعاطف معه. فخلال السنوات الثماني للحرب العراقية - الإيرانية برزت إلى السطح عقوبات "قره قوشية" ما أنزل الله بها من سلطان مثل وسْم الجباه، وصلم الجزء العلوي من صيوان الأذن، وقصّ طرف اللسان لمن يشتم الرئيس أو يتطاول على مقامه "الرفيع". لقد شاهدت بعينيّ حادثة قصّ الأذن في المتنزّه المقابل لمركز شرطة مدينة جلولاء وقد استغرق عرضها المسرحي قرابة نصف الساعة وسمعتُ صرخة الضحية الحادّة التي لما تزل تتردّد في أذنيّ حتى ساعة الإجابة على هذه الأسئلة ولعلها ستمتدّ معي إلى الساعات من حياتي.

أما قصة "متوالية الفزع" فهي تدور حول مقتل اللواء الطبيب راجي التكريتي "طاب مثوىً". فقد قرأت لصديقي الكاتب والصحفي هارون محمد مقالاً يصوِّر فيه الطريقة البشعة التي قتلَ فيها صدام حسين قريبهُ راجي التكريتي لكنني أدخلت الحادثة في مختبر فني ينحرف بالحدث صوب امرأة هولندية سوف تُصاب بالفزع حتى من الكلاب المدجّنة.

* أشرتَ مرة إلى أنّ الرعيل الأول من المترجمين أمثال (المنفلوطي، أحمد رامي، فيتزجيرالد) كانوا معنيين بنقل المعنى فقط، أما المترجمون المحدثون فهم معنيون بنقل التقنية التي كُتب فيها النص، فما هي استراتيجيتك التي تنتهجها لترجمة نص معين؟

- قيل قديمًا أن "الترجمة خيانة" وهذا التوصيف صحيح لكنه يجب ألا يقف عائقًا أبديًا أمام المترجمين الدؤوبين. كان الرعيل الأول وحتى الثاني الذي امتدّ حضوره حتى نهاية الألفية الثانية مَعنيًا بترجمة المعنى من دون العناية بالشكل، وكلنا يعرف أن الترجمة الأمينة هي ترجمة شكل ومضمون في آنٍ معًا، وفي حال ترجمة الشعر لابد من إدخال الإيقاع الموسيقي الذي يضحّي به حتى المُترجِم البارع مع وجود استثناءات قليلة في ثقافات الشعوب. التقنية التي أقصدها هنا هي: كيف نترجم النص كوحدة متضامه، لا كمقاطع متناثرة كما يذهب صلاح نيازي، اعتمادًا على البُعد المنظوري للمترجم الذي يضع في حسابه النسق السردي الذي يترجمه كما فعل في ترجماته لـ "هاملت" و "ماكبث" و "الملك لير" وغيرها من تراجيديات شكسبير. في السابق لم تتوفر هذه التقنيات والكمّ الكبير من المعلومات التي يمكن أن تجدها على شبكة النت، ومُحرّكات البحث المتعددة، والكتب والمصادر الإليكترونية المتاحة للجميع مجانًا الأمر الذي سهّل عمليات الترجمة في مختلف أرجاء العالم الذي تحوّل إلى قرية كونية فعلاً تزوّدك بالكثير من المراجع والمعلومات التي تعينك على ترجمة أي كتاب مهما بلغت صعوبته.

أنا، على الصعيد الشخصي، لديّ تجربة متواضعة في الترجمة توقفت عنها بسبب التشظّي الذي ذكرته في إجابتي السابقة، فقد ترجمتُ "دبلنيون" ونشرتها حينما كنت في العراق في عدة صحف ومجلات عراقية لكنني اكتشفت أنها مترجمة غير مرة فلم أنشر المجموعة في كتاب. ولعل هذا الأمر ينسحب على قصص متفرقة أخرى. ويجب التنويه إلى أنّ المترجمين الذين يعيشون في أوروبا وأميركا وبقية البلدان المتقدمة يتوفرون على مصادر كثيرة تعينهم في فكِّ أسرار وطلاسم عديدة وجدت طريقها إلى كتب نعُّدها عسيرة وصعبة الفهم مثل قصص وروايات جيمس جويس التي اكتشفنا لاحقًا أنّ هناك كتبًا توضيحية لكل الإشكالات التي كانت تعيق المترجم العربي وتمنعه من ترجمة النصوص المعقدة التي كتبها جيمس جويس وأقرانه من الروائيين الحداثيين الذين غيّروا ذائقة القارئ في كل مكان من كوكبنا الأرضي.

* أصدرتَ من منفاكَ كتاب نقدي مهم "أطياف التعبيرية.. غواية الحركة، ورنين اللون" عن تجربة الفنان التشكيلي العراقي المغترب ستار كاووش، هل لك أن تحيطنا علمًا بفحوى هذا الكتاب والطريقة التي نظرتَ بها إلى هذا الفنان التعبيري الذي شذّ عن السرب؟

- تعود معرفتي بالفنان ستّار كاووش إلى أواسط الثمانينات من القرن الماضي يوم كان طالبًا في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وإثر تخرجه فيها، ولعله الفنان التشكيلي العراقي الوحيد الذي حقّق نجومية تضارع نجومية المطربين والفنانين السينمائيين والمسرحيين العراقيين، فصار معروفًا وهو في ذروة شبابه، وربما عزّز هذه الشهرة عمله في الصحافة العراقية خلال أوائل التسعينات. وستّار بخلاف العديد من أقرانه ومجايليه كان صاحب مشاريع فنية تبدأ بالمدينة والأرصفة، وتمرّ بالسيارات الحُمر الفاقعة اللون، وتنتهي بثنائية الرجل والمرأة. فالإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة هو الموضوع الأثير لديه مُعزِّزًا إياه بالتقنيات والأساليب الأوروبية الحديثة كالتشخيصية، والتعبيرية الألمانية، والتنقيطية، واليوغند ستيل وما سواها من أساليب وتيارات فنية معروفة. عاش ستار في أوكرانيا، وحسنًا فعل حينما غادرها عند أول فرصة ليأتي إلى هولندا التي منحته الكثير كما منحت العديد من الفنانين العراقيين الذي لاذوا بهذا المنتجع الفني وتوزعوا بين جنباته الوثيرة ويكفي أن نشير هنا إلى عدد من الفنانين من بينهم سعد علي، وقاسم الساعدي، وزياد حيدر، وعفيفة العيبي، وعلي طالب، وسلمان البصري، وتركي عبد الأمير، وإسماعيل زاير، وناصر مؤنس، ورملة الجاسم، وإيمان علي، وبشير مهدي، ويوسف غاطي، وقرني، وآراس كريم، وجلال علوان، وحسام الدين العقيقي، وحسن عبود وغيرهم من الأسماء الفنية الكثيرة التي قدِمت إلى هولندا واستقرت في مدنها الرئيسة والثانوية. ولعل ستار يشبه في دأبه ونشاطه سعد علي حيث انتظم في عمله اليومي وقدّم العشرات من المعارض الفنية الشخصية والمشتركة وكتب عنه العديد من النقاد العراقيين والهولنديين ولعل آخر كتاب صدر عن تجربته الفنية هو "نساء التركواز" للناقدة التشكيلية الهولندية شارلوت هاوخِن. يُعدّ ستار كاووش من الفنانين العراقيين القلائل القادرين على الاندماج مع المدارس والتيارات الأوروبية الحديثة وامتصاصها، فهو يزور المعارض والمتاحف الفنية المحلية والعالمية بشكل منتظم، ويتناهل معها ليقدّم لنا في نهاية المطاف أعمالاً مُهجّنة تجمع بين خصائص المنبع والمصبّ في آنٍ واحد. لقد تقصيتُ في كتابي "أطياف التعبيرية. . غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية" الذي صدر عام 2005 أثر المدرسة التعبيرية الألمانية، إضافة إلى التيارات الأوروبية الأخرى التي نهل منها ليخلق هُويته الفنية الخاصة به والتي تحمل بصمتهُ التي لا تُخطئها العين الخبيرة. لوحات ستار كاووش عالم من الجمال المُبهر، ومنجمٌ من الموضوعات التي لا تنضب.

* في النقد السينمائي أصدرتَ كتابًا بعنوان " الفلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية "، حلّلت فيه ( 27) فيلمًا وثائقيًا لعدد من المخرجين العراقيين الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ما المعايير التي اعتمدتها في اختيار هذه الأفلام، وما المنطلقات المنهجية والمعرفية التي أسّست مسار هذا المنجز؟

- لا يحتاج الناقد المُحترِف الذي ينغمس لأربعة عقود في مشاهد الأفلام السينمائية وتحليلها إلى معايير مُحددة وإنما يضع ثقته في ذائقته الشخصية المدرّبة التي تستطيع أن تستشعر نجاح الفيلم أو فشله من اللقطات والمَشاهِد الأولى لأي فيلم روائي أو وثائقي أو قصير. أنا لا أنكر أهمية المعايير الفنيّة التي نحدِّد بواسطتها جودة الفيلم أو رداءته ولكن هذه المعايير باتت تسري في دمائي ولم أعد بحاجة لوضعها على الورق. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أشاهد أحيانًا خمسة أفلام في اليوم الواحد، وبمعدل ثماني إلى عشر ساعات مشاهدة يوميًا وخاصة في المهرجانات الدولية أو حتى في بعض الأيام العادية التي أكرّسها للأفلام العالمية التي يجب أن تُشاهَد لأهميتها الفنية العالية وما تنطوي عليه من تقنيات حديثة ومُبهرة.

في هذا الكتاب المعنون بـ "الفيلم الوثائقي في المنافي الأوروبية" هو حصيلة مشاهدة عدد كبير من الأفلام الوثائقية التي أنجزها مخرجون عراقيون يتوزعون في عدد كبير من البلدان الأوروبية وقد ارتأيت أن أدرسها وأحللها نقديًا اعتمادًا على الرؤيتين الفرنسية والبريطانية وطريقة تعامل المخرج الفرنسي الذي يريد أن يلامس الحقيقة من دون أن يتدخل هو شخصيًا ولا يسمح للمصوِّر وحتى كاتب السيناريو فيما بعد من إضفاء لمساته الشخصية على الفيلم على العكس من المخرج البريطاني الذي لا يجد ضيرًا في أن يُقحم رأيه الشخصي في الفيلم الذي يسعى لإنجازه.

هذه الأفلام الـ 27 أثارت انتباهي وهزّتني من الأعماق فكتبتُ عنها، فتارة أركّز على قصة الفيلم أو ثيمته الرئيسة، وتارة أخرى أتناول نموّ الشخصيات، وتارة ثالثة أسلّط الضوء على الرؤية الإخراجية. فالكتاب، عمومًا، ليس تخصصيًا وإنما هو مكتوب للقارئ العادي أيضًا الذي يقرأ ويستمتع ويستفيد. كما أوثِّق فيه للمنجز السينمائي لأصدقائي المخرجين الذين تربطني بهم علاقة شخصية وفنية وإبداعية، وأحيانًا اساهم في ترجمة هذا السيناريو أو ذاك، أو أقدّم ملحوظة هنا أو هناك يأخذها البعض على محمل الجد أو ينفر منها من دون أن يفلح في تقديم الأسباب أو الأعذار المنطقية التي توضِّح سبب هذا النفور.

أنا سعيد لأنني قدّمتُ في هذا الكتاب ثلاث مخرجات عراقيات وهنّ ميسون الباجه جي، ورانيا توفيق، وعايدة شليبفر، فالمُخرجات العراقيات مثل العُملة النادرة التي يجب أن نحتفي بها، ونضعها في المكان الصحيح ضمن المَشهد السينمائي العراقي.

أمحض بعض المُخرجين حُبًا من نوع خاص مثل المخرج المتألق محمد توفيق الذي كتبت عنه مقالات كثيرة تصلح أن تكون كتابًا كاملاً يوثّق تجربته الإخراجية المتفردة، فثمة شيء جديد ومميز في كل فيلم ينجزه. وهذا الأمر ينسحب على مخرجين آخرين ولكن ليس كلهم بالتأكيد.

* مع توقف كل الجهات السينمائية الرسمية عن الإنتاج ظلّ المنجز السينمائي العراقي متعثرًا لسنوات، لكن في الآونة الأخيرة أحدثت حماسة وإرادة الشباب السينمائي مفارقة إنتاجية مدهشة كمًا ونوعًا، ففي عام ٢٠١٩ شاركت السينما العراقية في (170) مهرجانًا عربيًا ودوليًا، في (52) دولة في مختلف القارات، وفازت أفلام عديدة مشاركة فيها بـ (43) جائزة، هل السينما العراقية على أعتاب عصر الانبعاث والنهضة؟ وما هي رؤيتك لمستقبلها؟

2003 عدنان حسين 3- دعنا نعترف بشجاعة ونقول ليست هناك سينما عراقية وإنما هناك محاولات فردية لمخرجين عراقيين مجتهدين يعملون في غياب أي برنامج حكومي أو مؤسساتي. وكل الأفلام التي أُنجِزت منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي وحتى الآن لم تتجاوز المئتين فيلم بما فيها أفلام إقليم كردستان. ربما انتظمت السينما العراقية خلال سنوات الحكم الدكتاتوري السابق "وتأدلجت" لأنّ بعضها كان يمجد "القائد" وبعضها الآخر يمجِّد فكر البعث وخطابه السياسي ويمكن القول إن السينما العراقية في غالبيتها أخذت طابعًا "بعثيًا" أو "تعبويًا" أو "قوميًا" أفقدها حلاوتها الفنية.

لا نريد أن نُحبط المخرجين الشباب ولا نقلِّل من أهمية الجوائز التي حصلوا عليها ولكنها تظل جوائز ثانوية فهي ليست الأوسكار أو السعفة الذهبية وما سواهما من جوائز تمنحها مهرجانات معروفة مثل برلين وفينيسيا وكارلو فيفاري وروتردام والقاهرة وقرطاج ومراكش والجونة.

السينما الحقيقية تحتاج إلى أموال طائلة تقدّر بمئات الملايين وهذا الأمر لن يحصل حتى في السنوات العشرين القادمة لأن الحكومات العراقية المتعاقبة لا تعرف أهمية السينما ودورها في بناء المجتمع لذلك سيظل الإنتاج مقصورًا على الجهود الفردية التي لا تصنع تيّارًا سينمائيًا محددًا.

تحتاج السينما، أولاً وقبل كل شيء، إلى فضاء الحرية الكامل، ثم تأتي المتطلبات الأخرى تباعًا كالطاقات والكوادر الفنية، وكُتّاب السيناريو، والمخرجين النوعيين، وحضور المرأة، والتمويل وما إلى ذلك. عند ذلك نستطيع أن نفكّر بنهضة سينمائية. فقطار السينما ما يزال على الرصيف ويحتاج إلى قوة جبّارة كي نضعه على السكة، ونشهد انطلاقته الحقيقية صوب الإبداع والجمال والمتعة البصرية.

تبدأ السينما، من وجهة نظري المتواضعة، إذا ما جاءت حكومة ديمقراطية، حرة، وغير متديّنة تخصص للثقافة والتربية والتعليم والفنون نصف ميزانيتها وتعيد الجمهور إلى الصالات السينمائية وتغريه مع كل فيلم جديد إلى ارتيادها والاكتظاظ أمام شاشاتها البيضاء عندها نشعر أن الرهان على الخطاب البصري قد بدأ قولاً وفعلاً.

* يُتهم البعض من النقاد بالمزاجية في تناول أعمال البعض من الروائيين وتسويق نصوصهم، والحجب عن البعض الاخر، وهذا المزاج قد يخضع للفئوية، أو الجهوية، أو الفكرية، إلى أي حد هذا الاتهام واقعي؟ وما هي محفِّزات تذوقك الأدبي والفني للنص لتقصّي نواحي الجمال والإبداع فيه والكتابة عنه؟

- لسنا أنبياء، كما تعرف، وكلنا مزاجيون بقدْرٍ أو بآخر، ولكنني أعوّل على ذائقة النقّاد الحقيقيين الذين لا يجاملون في الأقل، لأن المجاملة قد لا تضرّ بالناقد فقط ولكنها تُسقط المنقود في شِراك الوهم التي لا يستطيع أن يتخلّص منها طوال حياته. أنا، من جهتي، تفاديت هذا الإشكال منذ سنوات طويلة وعاهدتُ نفسي ألا أكتب عن أي نص ضعيف لا يتوفر على الاشتراطات الإبداعية المقبولة. ومع هذا لم تنتهِ المشكلة عند هذا الحدّ فهناك نصوص وأعمال أدبية (بينَ بين) تحضُّ الناقد على أن يرتدي وجهًا صارمًا، ثقيل الملامح، وأن يبدي بعض القسوة النقدية المطلوبة لأنك لا تستطيع أن تتساهلَ مع أي أديب وتختلق له الأعذار خصوصًا إذا كان قد تجاوز مرحلة البدايات، وعليه أن يستقبل القراءات النقدية بروح رياضية مرحة.

لا أدري إذا كان هناك نقد مكتوب بدوافع "فئوية وجهوية وفكرية" فأنا نفسي تخلّصتُ حتى من انتمائي القومي، أما الفئة والطائفة والعِرق وغيرها من التوصيفات فهي لا تحتل في نفسي أي مكانة. وعلى الرغم من أنني عربي بالولادة لكنّ ما كتبته عن الكورد والتركمان والإيزيديين والفيليين يفوق ما كتبته عن الأدب العراقي أو العربي حتى ظنّني البعض أنني كوردي أو تركماني! مع أنني كوردي الهوى، وتركماني الزوجة، وإنسانيّ التوجّه والنزعات. أستغرب وجود نقاد فئويين أو جهويين أو عِرقيين، وإن تواجدوا فأقرأ على نقودهم السلام لأنهم سيكتبون مقالاتهم بعين حولاء في أقل تقدير.

أعتمِد، يا صديقي، على ذائقتي الأدبية التي درّبتها بالقراءة والمتابعة والمِران وهي البوصلة التي لا تُخطئ الاتجاه وتقود صاحبها إلى الهدف المنشود. أما النقّاد الفئويون فستقودهم بوصلاتهم الصدئة العاطلة إلى فئاتهم، وتستثير فيهم أحقادًا دفينة قد تأكل الأخضر واليابس في آنٍ معًا. في أوروبا والغرب عمومًا يعلّمون الإنسان أن يتخلص من "أناه" ويخاطب الآخرين بصيغة الجمع "نحن" التي تشير إلى التواضع، وتحرّض الإنسان، شيئًا فشيئًا، للقضاء على جرثومة التعالي ولعنة الغرور.

* شهدت الساحة النقدية مجموعة من الاتجاهات والمناهج ولكل منهج إطار علمي يسترشد به الناقد في محاكمة النص و تأويله ما المنهج النقدي الذي تسترشد به في مقارباتك النقدية؟

- أنا أعتقد، وبتواضع شديد، أنّ النصّ المنقود، سواء أكان قصة أم قصيدة أم رواية، هو الذي يُحدّد طبيعة المنهج النقدي الذي نتوسلهُ في دراساتنا وأبحاثنا النقدية. ومعطيات النص هي التي تأخذكَ للمنهج الواقعي أو النفسي أو التاريخي أو البنيوي أو الحداثي أو المابعد حداثي. المشكلة أن السرد يتطور بشكل محموم ولابد للأدوات والمناهج النقدية أن تتطور أيضًا، وفي بعض الأحيان يجب أن تتقدم على النصوص الإبداعية الجديدة. أنا، قدرَ تعلّق الأمر بي، أركِّز على بعض المُعطيات الأساسية التي ترصد المبنى والمعنى في آنٍ واحد. وألتفت إلى الروايات التي تُحدِث قطيعة مع السردية الروائية الماضية مثل رواية "يوليسيس" لجيمس جويس، و "الصخب والعنف" لوليم فوكنر، و "الأمواج" لفرجينيا وولف وما سواها من الآثار الأدبية التي استقرت في المخيّلة الجمعية للقرّاء الدؤوبين. فعندما يُمسك الناقد بالثيمة الرئيسة عليه أن يلتفت إلى أصدائها في ثنايا الرواية، فهي أشبه بالخيط الذي تنتظم فيه خَرَزات المسبحة. هذا التزاوج بين رصد الشكل والمضمون هو الذي يجعل الناقد ممسكًا بأطراف النص. وعلى الناقد أحيانًا، مع فارق التشبيه، أن يكون مثل لاعب السيرك الماهر الذي يُمسك العصا من منتصفها، ويظل مُحافِظًا على توازنه وهو يعبر المسافة الخطرة بين ناطحتي سحاب بينما يتسمّر الجمهور على الأرض مبهورًا، متقطِّع الأنفاس.

أركِّز في دراساتي النقدية على الميتاسرد ولديّ كتاب لم يُنجز بعد في هذا الخصوص أوضّح فيه أهمية ما وراء السرد والتعالقات النصية التي يعقِدها الروائي مع أنساقه السردية ضمن وحدات مدروسة بعناية فائقة كما فعل شاكر نوري في روايتيه الأخيرتين "خاتون بغداد" و "طائر القشلة". ولكي لا أطيل في الإجابة أركّز أيضًا على اللغة السردية وضرورة توهجها الدائم، كما أمنح فسحة لدراسة الشخصيات التي تتحرك على مسرح الأحداث من دون أن أغفل الزمان والمكان ودورهما المهم في بنية النص المعماري لأي عمل أدبي.

* لجأ المؤرخون الذين تعرضوا للقرن التاسع عشر إلى روايات تشارلز ديكنز كمرجعٍ هام من مراجع التأريخ الإنجليزي، وفي فرنسا أصبحت قصص بلزاك وثيقة مهـمة لمن يريد أن يدرس فرنسا في القرن التاسع عشر، لقد شهد العراق بعد ٢٠٠٣ حراكا ثقافيًا وتراكمًا غزيرًا في الإنتاج السردي، إلى أي حد كان هذا الإنتاج أمينًا في نقله وثمينًا للمؤرخين، وهل بلغ من الأهمية كمرجع تاريخي سيلجأ له المؤرخون؟

- ثمة فرق كبير بين الرواية والتاريخ، فالرواية يجب أن ترصد ما أهمله المؤرخون. وإذا كان التاريخ يوثِّق للوقائع والأحداث فإن الرواية ينبغي أن تلامس وجدان الأمة، وتحرّك مشاعر الجماهير، وتستفز أشواقهم اللاعجة. ويبدو أنك سهّلت عليّ المَهمة عندما أوردتَ هذين المثالين الرائعين، فلقد درستُ بعض روايات تشارلز ديكنز حين كنتُ طالبًا بكلية الآداب، جامعة بغداد 1978 - 1982 واستشعرتُ مثل طلبة آخرين أن هذا الروائي البريطاني ما هو إلاّ رجل قد استعار من الكاميرا عدستها السينمائية التي تستطيع أن تلمّ بلقطاتها البعيدة والقريبة مساحات شاسعة من أحياء لندن القديمة بحيث تبدو بالنتيجة وكأنه يوثّق لكل شيء ولكنه كان يهدف لشيء آخر هو رصد مشاعر الناس، وملامسة عواطفهم الداخلية، ورسم معاناتهم المُوجعة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنه كان يكتب عن الفقراء والمعوزين والأيتام بأسلوب تهكمي لاذع يقترب كثيرًا من السخرية السوداء كما هو الحال في روايات "أوليفر تويست"، و "قصة مدينتين" و "أوقات عصيبة". أما بلزاك فهو الآخر نقلَ إلى القرّاء روحيّة الشعب الفرنسي في عصره، ورسم الأمكنة بما تنطوي عليها من أحداث واقعية. وكلما ملَّ من الواقع جنحَ صوب الفلسفة والخيال والشاعرية. كان بلزاك مدمنَ أدب فلا غرابة أن يكون غزير الإنتاج متنوعهُ تُوحي كتاباته بالتوثيق لكنها تحلّق أبعدَ من ذلك بكثير لأنها لا تستهدف الواقع بحد ذاته وإنما تتوق لملامسة الحلم.

لا يمكن مقارنة العراق ببلدَين متطوِّرين جدًا مثل المملكة المتحدة وفرنسا لأن هذه المقارنة ستكون ظالمة وغير متوازنة، لكنني سآخذ بطرف سؤالك عن التراكم الكمّي والنوعي الذي بدأ منذ عام 2003 ولحد الآن حيث أنجز الروائيون العراقيون في الداخل وفي المنافي العالمية أكثر من 1000 رواية نفترض أن 700 منها ناجحة فنيًا بحسب المراجعات النقدية الكثيرة، ولعلي أكون واحدًا من بين ثلاثين ناقدًا يقومون بهذا الفعل التقييمي بشكل منتظم ولا أجد حرجًا في القول بأننا بتنّا نؤسس لهذه المرجعية التاريخية التي قد يلجأ إليها الباحثون والمؤرخون سواء من جهة استثمار الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية أو رصد الأمكنة وتوظيفها في النصوص السردية والدليل على ذلك أن مُدنًا مثل جلولاء والسعدية وخانقين صارت تشتمل على أسماء روائية معروفة في المشهد السردي العراقي، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى الفرنسيين والإنكَليز الذين لا تفلت منهم شاردة أو واردة.

* في إشكالية الخطاب النقدي بين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة الثقافية هناك من يؤشر إلى أن هناك فجوة بينهما، ما مدى انعكاس اتساع هذه الفجوة أو تضيّيقها على الحركة النقدية، وماذا تقترح لتضيّيق هذه الفجوة؟

- لابدّ من الاعتراف بالفجوة بين الخطاب النقدي الذي يُنجزه نقّاد المؤسسة الأكاديمية وبين الخطاب النقدي الذي ينجزه نقّاد المؤسسة الثقافية. وعلى الرغم من رصانة النوع الأول إلاّ أن القارئ يجد صعوبة في قراءته، واستساغة طروحاته النقدية التي تميل إلى الاعتماد على المصادر والمراجع التي تجعل من الدراسة الأكاديمية وكأنها عملٌ جماعي تضيع فيه فردية الناقد وخصوصيته. أما المقال النقدي الذي يكتبه الناقد أو الأديب الذي ينتمي إلى الوسط الثقافي فسوف تجده سلسًا، ونابضًا بالحياة لأنه ينطوي على حُفنة من الآراء والأفكار النقدية التي تعود لكاتب المقالة ومُبدعها من دون الاستعانة بآراء الآخرين. وهناك نمط ثالث يمكن أن نضعهم في منتصف المسافة بين الأكاديميين والذين ينتمون إلى الوسط الثقافي مثل الدكتور محسن جاسم الموسوي، والدكتور عبدالله إبراهيم، والدكتور صالح هويدي، والدكتور سلمان كاصد، وفاضل ثامر، وسعيد الغانمي وغيرهم من أساتذة الجامعات. وفي الوسط الثقافي هناك العديد من الأدباء الذين يكتبون هذا النمط السلس والمقروء من المقالات الأدبية التي لا تتعالى على القارئ، ولا تلوذ بالنظريات النقدية الحديثة والمعقدة ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى كتابات فاضل العزاوي، وعبدالرحمن مجيد الربيعي، ومحمد خضيّر، وسامي مهدي، وياسين النصير، ووارد بدر السالم، وإبراهيم أحمد، ونجم والي وعشرات الأسماء الأخرى التي يزخر بها الوسط الثقافي العراقي.

أنا أعتقد، أنه من الصعوبة بمكان، ردم هذه الهوّة تمامًا ولكن ذلك لا يمنع من "تجسّيرها" برفد الطرفين، والإطلالة بين أوانٍ وآخر، بمقالة تعزّز هذه المنطقة الوسطى التي يرتادها الطرفان كلما شعر أحدهم بالحنين إلى هذه المنطقة الليّنة التي تخلو من وعورة الطرق، ووحشتها. فهذه المنطقة أشبه بالحديقة الغنّاء التي تفصل بين الأحراش المتهالكة والغابة اللفّاء.

* في جدلية الأصالة والمعاصرة هناك من يقول إن النقد العربي فقدَ أصالته وأصبح نقدًا شكليًا وانساق مع التيارات البنيوية والشكلية أو الشكلانية في الثقافة العالمية المعاصرة، إلى أي مدى تتفق مع هذا القول؟ وأين يقف عدنان حسين من دعوات موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه؟

- تقترن الأصالة بعدد من النقّاد العرب أمثال ابن سلاّم الجمحي، والجاحظ، وقَدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن قتيبة، وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم وهؤلاء جميعًا إضافة إلى نقّاد آخرين كانوا بمستوى الشعراء العرب الذين عاصروهم، وحلّلوا قصائدهم، وهذا الأمر ينطبق على الشعر الجاهلي الذي سبقهم بحقبة زمنية معينة كان فيها الشعر والأدب يحتلان منزلة كبيرة لدى خاصة الناس وعامتهم. والمتتبع لتلك الحقب يكتشف أن الأدب العربي كان في ذروة تألقه حيث انتقل شيئًا فشيئًا من أدب البادية إلى أدب القرية والمدينة حتى ظهر شعراء مدن بامتياز مثل أبي نواس ومن درجَ على منواله في العصر العباسي الذي تألق على مدى خمسة قرون أو يزيد.

وبما أنّ الحياة متطورة بطبيعتها ولا تستقر عند حال معيّنة فإن الأجناس الأدبية والنقدية تتطور وتغادر أنماطها القديمة. فليس من المستغرب يا صديقي أن يتطوّر النقد ويغادر طرقه ووسائله القديمة التي لا تتماشى مع النصوص الحديثة، ولا تستطيع أن تسبر أغوارها. وعلى الرغم من ازدهار الأدب في العصر العباسي إلاّ أنّ بغداد، حاضرة الدنيا آنذاك قد سقطت على أيدي المغول ودخلت في سبات عميق لم تفِق منه إلا بانهيار الدولة العثمانية ومجيء الاستعمار الحديث الذي أعاد إيقاع الحياة إلى طبيعته الأولى وبدأت الثقافة تنتعش من جديد مع ظهور الأدب المُترجَم عن لغات أوروبية حيّة كالإنكَليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والإيطالية، إضافة إلى لغات شرقية كالتركية والكردية والفارسية والهندية التي بعثت في القارئ العربي دماءً جديدة، وكانت حصة النقد كبيرة ومن بينها هذه التيارات والمدارس النقدية التي أشرتَ إليها في متن سؤالك. فهذه المدارس لا غنى عنها، ومن غير المعقول أن ترى أمامك تياراتٍ نقديةً عظيمة وتغضُّ عنها الطرف، فالثقافات تُشبه إلى حدٍ كبير الأواني المُستطرقة التي تغذّي بعضها بعضًا ويستوي عند سطحها الماء.

هناك شعور بأنّ الثقافة الأوروبية أو الغربية عمومًا هي ثقافة مركز، وبقية العالم هي ثقافات أطراف، وهذا ما كنا نلتمسه كمثقفين عربًا وإسلاميين لكن دورة الحضارة لابد أن تمرّ بعد الولادة والشباب والنضج بمرحلتيّ الشيخوخة والموت.

لقد لجأ النقاد العرب إلى استعمال الأساليب النقدية الغربية ولا أجد ضيرًا في ذلك فمثلما هم أفادوا من أساليبنا النقدية والفكرية والعلمية على مدى خمسة قرون نستفيد منهم الآن. أنا، على الصعيد الشخصي، أمارس النقد مستفيدًا من معرفتي المهجّنة التي لا تنتمي كليةً إلى العالم العربي، وإنما هي خليط معرفي متجانس من ثقافات ومنابع متعددة لا تفرّق بين الجهات الأربع. أطمئنكَ، يا صديقي، بأن النقد الأدبي لن يموت، وأنّ النقد الثقافي هو صنّوه الموازي الذي يحمل نكهة مختلفة قد تجذب البعض وتنفِّر البعض الآخر.

* أغلب الكتّاب حذرين من كتابة ما يزعج توجُّه الجهات المانحة للجوائز، إلى أي قدر قولبت الجوائز النصوص الأدبية خاصة الروائية منها؟ وما مدى مشاركتها في دفع فن الرواية العربية نحو التطور والتجديد؟

- هناك مجموعة من الجوائز العربية التي لا تتجاوز عدد أصابع اليدين أبرزها الجائزة العالمية للرواية العربية "بُوكَر"، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة كتارا للرواية العربية، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة الطيب صالح، وجائزة الملتقى الثقافي للقصة القصيرة العربية في الكويت، إضافة إلى جوائز عربية أخرى هنا وهناك. أنا شخصيًا أكتب عن بعض الروايات الفائزة بجائزة البُوكر العربية إن لم أقل أغلبها بموضوعية لا تخلو من قسوة نقدية كما يتصورها البعض، وأعرف العديد من الزملاء الذين كتبوا عن الروايات الفائزة بطريقة جارحة لا أحبِّذها أنا. وفي حالات نادرة فازت الروايات التي تستحق الفوز بينما ذهبت الجوائز في دورات لاحقة إلى آخرين لا يستحقونها من وجهة نظرنا. ومع ذلك أنا أقول إن لجنة التحكيم لها الحق في أن تسند الجائزة الأولى لمن تريد شرط أن تتحمل، في خاتمة المطاف، المسؤولية التاريخية والأخلاقية في حال إبعاد مواهب حقيقية لا غُبار على تجربتها الروائية الفذّة.

من أبرز إيجابيات هذه الجوائز، وخاصة الخليجية منها، أنها شجعت على كتابة الرواية، بل أن عدد الروايات التي تصل إلى أي مسابقة خليجية تتراوح بين 150 إلى 200 رواية أو أكثر، وهذا يعني أن روائيي العالم العربي صاروا ينجزون قرابة 500 رواية ومجموعة قصصية بهدف المشاركة في هذه الجوائز المُعزّزة بمبالغ مادية كبيرة تصل إلى ستين ألف دولار أمريكي وهو مبلغ كبير في العديد من بلدان العالم العربي. كما أنّ هذا الكمّ الكبير قد أفرز فعلاً روايات عربية جيدة وصل بعضها إلى البوكر البريطانية وتنافس على الجائزة الأولى مثل رواية "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي، بينما فازت الروائية العُمانية جوخة الحارثي عن روايتها المعنونة "سيدات القمر" وهذا اعتراف صريح بموهبة الروائيين العرب وقدرتهم على منافسة الشعوب الأخرى. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أتمنى أن تكون هناك جائزة بُوكَر كوردية على غرار شقيقاتها العربية والروسية والإفريقية كي نكتشف بعض المواهب الكوردية المخبأة في المدن والأقاليم الكوردستانية المترامية الأطراف.

* خصائص وسمات الصحافة الإلكترونية ألزمت الصحف المطبوعة مواكبة هذا التطور التكنولوجي وأن تنشئ لنفسها مواقع إلكترونية تخاطب بها جمهور الإنترنت الذي يتزايد بصورة مذهلة عالميًا، من خلال متابعتي لمتطلبات محاورتك رصدت لك (1070) مادة صحفية منشورة في الحوار المتمدن، وقد بلغ عدد زوار موقعك (3801861)، كيف تنظر إلى ظاهرة الصحافة الإلكترونية الحديثة وتقيمها؟ ولماذا خصصتَ الحوار المتمدن بالنشر الإلكتروني؟

- أنا أُعدّ الصحافة الإليكترونية نعمة هبطت من السماء لأنها أصبحت منصة للحرية، ورئة يتنفس من خلالها الجميع. قد تنطوي هذه الصحافة على العديد من السلبيات لكن إيجابياتها أكثر بكثير مما نتوقعه، إذ أصبح بإمكان الكاتب أن ينشر ما يشاء من دون وصاية أو رقيب.

حين وصلت إلى هولندا عام 1996 اقتنيت من فوري جهاز كومبيوتر وأتقنت استعماله بمساعدة بعض الأصدقاء المقرّبين، وصرتُ أكتب مقالاتي على الشاشة مباشرة، وأرسلها بواسطة البريد الإليكتروني إلى الصحف والمجلات وبعض المواقع التي وجدت طريقها إلى هذا الفضاء الأزرق، وكان "الحوار المتمدن" هو الفضاء الأول الذي أغراني فواظبتُ على مراسلتهم بعد أن لمست ترحيبًا حارًا من المنسِّق العام للموقع السيد رزكار رشيد عقراوي الذي يقيم في الدنمارك، وكنتُ في حينه مُراسلاً لصحيفة "الزمان" في أمستردام، وقد دأبت على إعادة نشر مقالاتي الكثيرة في هذا الموقع الذي أصبح خِزانة أمينة أحفظ بها غالبية ما أكتبه من مقالات وتغطيات ودراسات. كما أنّ الموقع يساري، وديمقراطي، ينادي بحقوق المرأة، والطفل، والإنسان بشكل عام. وبالفعل ازدادت نسبة القرّاء وأخذت تتضاعف يومًا بعد يوم حتى قاربت الأربعة ملايين وهو رقم كبير حقًا، بعضهم يحبّ لغتي، وبعضهم يحب مقارباتي النقدية، وآخرين يفضِّلون الموضوعات التي أتناولها بشيء من الجرأة، أعني المقالات السياسية التي كنت أكتبها في أكثر من صحيفة ورقيّة أتهجمُ فيها على السياسيين العراقيين الذين حملوا راية اللصوصية ونهبوا حاضرنا ومستقبلنا، وتركونا عُراة في الحرّ والقرّ.

ونظرًا لعلاقاتي الاجتماعية الواسعة نسبيًا بالثقافة والمثقفين تعرّفت إلى أشخاص عديدين يديرون مثل هذه المواقع الإليكترونية فصرتً أنشر بعض المقالات في صحيفة "المثقف" الإليكترونية في سدني، والناقد العراقي في بغداد وهكذا دواليك توسعت دوائر النشر حتى أصبحتْ أكثر من حاجتي الفعلية. لديّ كم كبير من المقالات في صحف "الزمان" و "الشرق الأوسط" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب" و "المدى" وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل "الجزيرة الوثائقية" التي أنشر فيها مقالاتي السينمائية بشكل منتظم، وأتقاضى عنها أجورًا مُجزية تؤمِّن لنا بعض الهواجس اليومية المُلحّة.

* تكتنف مسارات تجربتك الحياتية في جميع أبعادها الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية وقائعَ وأحداثاً وصراعاتٍ عديدةً، يدور في خلدي سؤال وددت أن أعرف إجابته منك لمَ لا يوظف عدنان حسين ما يملك من الحرفنة السردية والمهارة اللغوية والبلاغة الأسلوبية، في تصوير هذه التجربة بقالب روائي؟

- شكرًا جزيلاً على هذا الإطراء الكبير الذي يعزّز الثقة بالنفس، ويدفعها لخوض مغامرات عديدة قادمة. وهذا السؤال المنطقي يطرحه عليّ العشرات من الأصدقاء والقرّاء الذين يتابعون ما أكتب ويتمنون لو أنني أشرع فعلاً بكتابة الرواية خصوصًا وأنا أعرَف بدروبها ودهاليزها السريّة والعلنية كتابة ونقدًا وتنظيرًا. وأعدكَ مثلما وعدت الكثيرين بأنني سأعود إلى السرد ثانية وأكتب ما أراه مناسبًا لهذه الحقبة الزمنية العسيرة التي يكاد فيها الإنسان يفقد أي أمل في هذه الحياة العصيبة المشحونة بالخوف والقلق والترقّب.

الرواية هي حلمي الكبير ولعل هذا التأخر في كتابتها سيكون واعزًا لأن أقدّم شيئًا لم يطرقهُ أحد من قبل على الصعيد المحلي خاصة وأن حياتنا سواء في العراق أو في المملكة المتحدة محتشدة بالكثير من الموضوعات الإشكالية التي تصلح لأن تكون مادة خصبة ومثيرة للرواية، هذا الجنس الأدبي الذي أصبح ديوان الأمم برمتها.

لقد تأخرت كثيرًا ولا أريد أن أختلق الأعذار للظروف الحياتية التي جعلتني أكرّس حياتي للصحافة والنقد بأنواعه المختلفة وأعرِض عن هذا العالم المكتظ بالحُب والدُعابة والفلسفة والجمال. وفي الختام دعني أشكرك من القلب لأنك جعلتني أبوح بكل هذا الكلام الذي كان مُخبئًا في تضاعيف القلب، وتلافيف الدماغ.

النتاجات الأدبية:

* في القصة القصيرة:

1- جولة في مملكة السيدة هاء 1996- دار أزمنة

2- أقواس المتاهة 1998- دار أزمنة

3- كوابيس منتصف الليل (بالإنجليزية)

* في الترجمة إلى العربية:

1- ترجم (دبلنيون) للكاتب جيمس جويس ونشرها في صحف ومجلات عراقية.

2- ترجم (هدية المجوس) للكاتب أو. هنري ونشرها في عدة صحف ومجلات عراقية.

* في النقد التشكيلي:

1- أطياف التعبيرية: غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية. سيصدر له لاحقاً كتاب (تشكيليات عراقيات في المنفى)2005- مؤسسة أقواس

سيصدر له لاحقاً في التشكيل:

 1- تشكيليات عراقيات في المنفى.

* في النقد الروائي:

1- الرواية العراقية المُغترِبة الصادر عن المركز الثقافي العراقي في لندن ودار الحكمة عام 2014.

2- أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق (1963- 2003) دراسة نقدية تطبيقية 2014- دار الحكمة لندن.

* في النقد السينمائي:

1-الفيلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية 2114- دار الحكمة لندن

سيصدر له في السينما:

2- السينما التركية المستقلة

3-الذاكرة المرئية العراقية (استفتاء لأكثر من ثلاثين مخرجاً وناقداً سينمائياً عراقياً).

* منهمك في كتابة رواية (الرحيل تحت جنح الظلام) منذ سنوات طويلة.

*نشر مئات المقالات في النقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي ويحاول جمعها وتبويبها بَغية إصدارها في كتب تخصصية. هناك أكثر من 1000 مقالة في موقع الحوار المتمدن وهي منشورة سلفًا في صحف عربية مثل الحياة والشرق الأوسط، والقدس العربي، والعرب اللندنية، والمدى العراقية.

* الجوائز:

1- الجائزة الثانية في القصة القصيرة عن قصة "كوة الخلاص" عام 1993.

2- الجائزة الثانية عن أدب الاستذكارات من اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عن ثلاثية " الأخيذ، الديماس، وأسير حرب" عام 1995.

3- الجائزة الأولى في القصة القصيرة من مؤسسة الهجرة في أمستردام عن قصة "خرقة سوداء" عام 1998.

4- الجائزة الأولى في القصة القصيرة في لندن عن قصة "كوابيس منتصف الليل" عام 2009 عن مؤسسة الكُتّاب المنفيين.

 

حاوره: صفاء الصالحي

 

حسن السالميحوار بين الصّحفيّة وحيدة المي والرّوائي حسن سالمي/تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول نقل عدسة السّرد إلى المواضع والأماكن المعتّمة. يسعى إلى التّجديد، ينتصر لمبدأ الاختلاف ويستثمره جماليا ودلاليّا، ويرى أنّه على الكاتب اليوم التّفكير بجدية في استعادة القارئ الهارب... الكاتب حسن سالمي جمعنا به هذا الحوار:

أجدّد التهاني بفوز روايتك " الطيف" بجائزة توفيق بكار للرواية العربية.

- شكرا أستاذة وحيدة على هذه التهنئة اللّطيفة وشكراعلى هذه الفرصة للحوار.

حرصت في هذه الرواية المتوّجة على التجديد من حيث التقنيات والآليات الفنية وتعدّد الأصوات، هل التجديد توجه ذاتي أم هو نتاج اطلاع على التحوّلات في الرواية العالمية؟

- الرّواية هي بنت عصرها وسابقة له أحيانا، لكن لا يمكن أن يُكتب لها البقاء لو كتبت بشروط عصور سالفة. يمكن أن تستفيدمن الإرث السرديّ الكبير في العالموتهضم تجاربه العميقة على نحو ما. بيد أنّ التصاقها بواقعها الرّاهن ضمن دوائره المتشعّبة والمتداخلة، يفرض عليها أن تقوم على نظام أشبه ما يكون بالنّظام الذي تقوم عليه الدّول المتقدّمة. تقطع مع نظام الاستبداد والتعسّف وانحصار الفعل في جهة واحدة وتبشر بنظام جديد يقوم على التعدّد والموازنة بين مكوّناته،ويؤمن بحقّ الاختلاف وواجبه معا...في كلمة، التجديد في الكتابة على ضوء مبدأ التعدد، هو موقف ورؤية تنبع من ذات الكاتب أوّلا وقد تلتقي مع التجارب الأخرى في العالم.

هناك اشتغال كبير في روايتك على التّنوّع والتعدد في الشخوص والأحداث والمكان والزمان، ما الذي أراد حسن سالمي الكاتب قوله من خلال ذلك؟

- عندما نتأمّل الكون من حولنا ونتأمّل مظاهر الحياة... سريعا ما نكتشف أنّ التعدّد في الأنواع والأجناسوالألوان والأشكال والأحجام والمسافات والأبعاد والأصوات والرّوائح والطّعائم ونحو ذلك هو قانون محوريٌّللكون يحفظ توازنه وتماسكه... كذلك عندما نتأمّل أنفسنا: مختلفون في كلّ شيء. سواءً من حيث الخِلقة أم من حيث الفكر والهوى والميل والمعتقد وما إلى ذلك... ما أريد قوله أنّ الاختلاف سنّة كونيّة كبرى، عندما تعسّف عليها الإنسان جنى على نفسه وحوّل تاريخه الى سلسلة فظيعة من الجرائم والمظالم. مهمّة المبدع أن ينتصر لمبدأ الاختلاف على طريقته وينزّله في نسيج العالم الذي يصنعه، ويثبت لنفسه ولغيره أنّه قادر على استيعاب المختلف ومن ثُمّ استثماره جماليّا ودلاليّا.

رغم الحرص على التجديد البنيوي والتقني لروايتك إلا أنّ مشغلها سرديّا أو تمثّلك للحياة لم يخرج عن هموم ومشاغل التونسي ما قبل الثورة وبعدها، ألا ترى أن التجديد يجب أن يكون شاملا أي شكلا ومضمونا؟

 

- لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء. هي تراهن على منطقة ما وتحاول أن تسلّط عليها الضّوء بما يخدم أهدافها. وأن تشتغل رواية الطّيف على هموم ومشاغل التّونسي فلا يعني أنّها فوّتت عليها فرصة توسيعدائرة تجديدها الى الحدّ المأمول. عندما خلَقَتْ نماذج تونسيّة هي في الحقيقة تعبّر من خلالها عن مشاكل وهموم الشّعوب العربيّة التي مرّت بزمن الاستبداد، ثمّ فاجأتها الثورة وما انعكس عنها من ردود أفعال ومواقف متباينة.  وأمام القضايا الحارقة التي طرحتها اشتغلت على شكل النّص الذي يلائمها ويلائم شخوصها. وهذا الشّكل أزعم أنّه راهن على التّجريب الى الحدود القصوى الممكنة، ولا يسع المجال كي نأتي على مظاهره.

كيف يمكن للكاتب أن يتحرر من مسألة التجنيس الإبداعي ولا يغيّب روح النص وهويته سواء كان رواية أو قصة؟

- تلك هي المعادلة... أمام التّحديات الجمّة التي تنتصب في وجه الرّواية، خصوصا قدرتها على منافسة طوفان الصّورة ووسائل التّواصل الاجتماعي ونحوهما، فإنّه توجّب تغيير قواعد كتابتها والتّعديد من منابع استلهاماتها. لقد أضحت الرّواية ملتقى لفنون شتّى وطرائق تعبيرية مختلفة من كلّ العالم. التّحدّي كيف تتعامل مع تلك الأجناس المفارقة لهويّتها وتحسن هضمها دون أن تذوب فيها؟ كيف تخرج من تلك الخلطة العجيبة دون أن تفقد هويّتها وما يمكن أن يميّزها من غيرها. المسألة دقيقة وحسّاسة جدّا. وأعتقد أنّ السّرّ يكمن في التمييز بين الثّوابت التي تضمن القدر الكافي من هويّتها والمتّحوّلات المفتوحة على آفاق الجمال وأشواق الفنّ.

تصر من خلال كتاباتك على حماية الهُويّة العربية من الذوبان وتنتقد الأعمال الرغبة في تحقيق النجاح على حساب القيم والمبادئ... ألا ترى أنك تضعنا أمام معادلة صعبة وتزج بالإبداع في الأحكام الأخلاقوية؟

- أختلف معك في هذه النّقطة. أوّلا، لا يمكن الحسم بهذا الرّأي القاطع إلّا إذا أحطت بتجربة حسن سالمي ككل، ليس إلى حدود هذه اللّحظة فقط بل يجب أن تمتدّ الى كلّ المسيرة والتي لم تنته بعد.  ثانيا من خلال الأعمال التي كتبتها ونشرتها والتي لم أنشرها بعد صنعت نماذج من الشّخصيات مختلفة في السّلوك والموقف والرّأي والفكر والانتماء والمنشأ من دون أن أسقطها في النّمط الواحد المكرور. وأزعم انّني وقَفت منها جميعا مسافة واحدة. ولم أجعل منها ظلّا لي. صحيح أن ذاتي تتسّرب أحيانا هنا وهناك ولكن المبدأ الغالب هو انعكاس الحياة على صفحات ما أكتب، والحياة كما أسلفت تقوم على التّعدّد والاختلاف في كلّ شيء.  فضلا عن أنّ محاولة نقل عدسة السّرد دائما الى الأماكن والمواضع المعتّمة دون اعتبار للأحكام الأخلاقوية لأنّها نسبية تماما.

ألا ترى أنه أصبح من الضروري أن يغيّر الكاتب طريقته في الكتابة وأسلوبه في ظل مغريات عديدة قلّصت من أفق انتشار المكتوب الورقي؟

-  الحقيقة لم يتقلّص انتشار المكتوب الورقي فقط لأنّ الكاتب لم يغيّر من قواعد اللّعبة. والدّليل أنّ كثير من الأعمال الجيّدة التي راعى فيها كُتّابها هذا الجانب انحصر انتشارها فقط في جزء ضئيل من النّخبة. في حين لم تصل الى البقيّة الباقية والاختصار على أنّها مجرّد أغلفة على صفحات الفيسبوك... المشكلة أكبر بهذا بكثير. وعموما على الكاتب من جانبه أن يتنبّه الى هذه النّقطة المهمة ويجعل نصب عينيه كيفيّة إعادة الجماهير الهاربة من الكتاب الورقي وشدّها على نحو ينافس فيه جمال الصّورة والعوالم الافتراضية ووسائل التّواصل الاجتماعي مع مراعاة نمط عيش الانسان الجديد والضغوط التي يتعرّض إليها.

إذن كيف نعيد ترميم علاقة التونسي المعطوبة بالكتاب؟

- سؤال كبير وصعب. ولا يمكن لبضعة أسطر أن تفي حقّه في الإجابة. لكن يمكن القول أن يساهم كلٌ من موقعه في حلّ هذا الاشكال. ابتداء من المناهج والبرامج التربويّة وتشجيع النّاشئة ومحاولة تعديل علاقتها بالحواسيب والهواتف الجوّالة، فظلا عن افساح المجال للكتاب والمبدعين في وسائل الاعلام المسموعة والمرئية بعد أن احتلّتها وجوه لا علاقة لها بالثقافة... بالإضافة الى مراجعة طرق النّشر وتطويرها وفق دراسات علميّة والخروج بالكتاب الى العالم الرّحب دون سجنه في الرفوف والمخازن.

كتبتَ القصة والقصة قصيرة جدا والرواية والنقد. ألا ترى أن التعدّد يؤدي إلى التشتّت؟

- دائما يوجد شيء ما لا يستطيع ان يقوله هذا الجنس أو ذاك.  ثمّة من يصمت عن أكثره ويحوّله إلى مجرّد حديث في المجالس مكتفيا بما استطاع جنسه الادبي من استيعابه. وثمّة من يُوهَب طرق القول فيجعل منها خزائن جميلة لمشاغله الإبداعية وقضاياه الحارقة. لا أعتبر ذلك تشتتا بل ميزة تثري تجربته وتنضج رؤيته الى الكتابة... فضلا عن هذا الاشتغال المتعدّد في طرق التعبير تأتي به سياقات خاصة تعترض الكاتب في حياته وليس له إلّا أن يلبّي.

صرحت في حوار سابق "ما ابتلينا به هو ظهور طبقة من الكُتَّابِ لا تقرأ كثيرا. والنّتيجة هي نصوص متعثّرة مازالت تحمل وهن البدايات "... نقرأ موقفك بين القسوة على الأقلام الجديدة والتعالي، ما رأيك؟

- محدثّك أبعد ما يكون عن التّعالي.  أنا صدعت بالحقيقة من وجهة نظري ونتيجة لما استقرّ في ذهني من تجارب عاينتها شخصيّا. وما دفَعني لهذا الموقف الذي وسمتيه بالقسوةإلّا الغيرة على الرّواية والكتابة عموما. انظري إلى حال الشّعر كيف أصبح بعد أن دخل عليه من ليس منه، ومن اقتصرت همّته على تسويد البياض دون أن يفوِّتَه إلى منازل الإبداع الحقيقيّة. انحصرت دائرته انحصارا شديدا، وكثير من دور النشر عزفت عن طباعته لكساده في السوق، وحينما يقام له مهرجانا لا يحضر فيه إلّا القلّة القليلة. ذلك أنّ الكثرة الكثيرة التي لم تمرّ بغربال النّقد أعطت صورة للمتلقّي على أنّ الشّعر كلّه أصبح رديئا... والحق أخشى على الرواية من هذا المصير. وللعلم فإنّ الكتّاب الذين لا يقرؤون لا أعنى بهم الأقلام الجديدة حصرا. فمن هؤلاء تجارب على حداثتها غاية في الأهميّة وأمامها الوقت كي تنضج وتأخذ المشعل عن جدارة.

انت بصدد كتابة ثلاثية "المحاق" في شكل مجلّد،والحال أن الإطالة لم تعد اليوم من سمات الكتابة الروائية، ما الدّاعي لذلك؟

- لقد وضعت يدك على الجرح. عندما كتبت المحاق كتبتها بمعزل عن ظروف النّشر وعن القارئ. تركتها تنساب تلقائيّا في سبع سنوات كاملة. ولقد استنزفت منّي وقتا وجهدا وقلقا. لكنّي لم أتركها حتّى استوت على سوقها... وقسّمتها الى ثلاثة أجزاء في ألف صفحة. المفاجأة هي أنّني اصطدمت بالواقع بعد ذلك. اصطدمت بظروف النّشر سواء من حيث جديّة انتشارها أو من حيث كلفتها أو من حيث ذهابها إلى ناشر يأكل عرقي ويحتكرها لنفسه بضع سنين مع الدّفع من جيبي مسبقا! حتّى المسابقات كان حجمها الكبير عائقا أمامها. فمن هي اللّجنة التي تصبر على قراءة ألف صفحة كاملة؟ !... بعد سنوات أخرى أعدت الاشتغال عليها وتعاملت معها بصرامة كاتب القصّة القصيرة جدّا، ولكن بحذر شديد ووعي شقيّ. فالمهمة كانت صعبة للغاية... المهم صارت اليوم في جزئين في حجم مقبول ولكن ما زالت تنتظر حظّها في النّشر...

من هو حسن سالمي؟

- حسن سالمي أديب تونسي من مواليد 1971 بتوزر. صدر له: "التيه" (مجموعة قصصيّة) /"البدايات" (رواية)/"زُغْدَة" (مجموعة قصصيّة) /"الدّماء لا تنبت القمح" (قصص قصيرة جدّا) /"مأدبة للغبار" (قصص قصيرة جدّا) /"الإشارات" (دراسات نقديّة) /"الطيف"(رواية).

له في انتظار الطبع: "المحاق" (رواية في جزئين) /"غوانتانامو " (رواية)/ "أرض الزّعفران" (رواية للناشئين) /"وطن وضباع"(رواية للناشئين).

شارك في عدد من المسابقات وفاز بعدة جوائز منها جائزة توفيق بكار للرواية العربيّة هذه السّنة، عضو باتحاد الكتاب التونسيين وأمين مال جمعيّة مداد للقراءة والكتاب...

 

حاورته: وحيدة المي

 

1989 لبنى شرارةالأدب والشعر جزء ٌ منه مرآة المجتمع الانساني

- مشكلة التجنيس الادبي بوضفها ظاهرة في تاريخ الادب المعاصر تبقى قائمة مع إنتشار ظاهرة ما بعد الحداثة .

- أن مهمة الناقد اليوم التفتيش عن كتابة نوعية تتخطى قواعد الاجناس الادبية .


 

لبنى شرارة صوت نسائي شعري مغترب يتسم بهدوء النبرة وينساب بخطى ثابتة في فضاء الشعر، تمتاز تجربتها الشعرية برصانة الموضوعات وبجمال المبنى اللغوي وبطاقته على إنتاج الدلالة من خلال دينامية التأويل التي تستبطن جملتها الشعرية التي نقلت من خلالها همومها وهموم الناس وقضاياهم من خلال صور شعرية معبرة عميقة ومكثفة، وتمكنت من تحقيق حضور متميز في المشهد الشعري الاغترابي العربي في الولايات المتحدة، من خلال إصدارها ديوانين ومشاركتها في فعاليات شعرية أقامتها مؤسسات ثقافية في المهجر، إلتقيتُها مؤخرا ً فكانت معها هذه الدردشة السريعة:

س: من هي لبنى شرارة بزي

- لبنانية من بلدة بنت جبيل الجنوبية. درست في مدارس بنت جبيل حتى تخرّجت من ثانويتها الرسمية. التحقت بجامعة بيروت العربية ودرست ادارة الاعمال، كما درّست في عدد من المدارس الخاصّة في بنت جبيل. هاجرت الى الولايات المتحدة والتحقت باحدى الجامعات فدرست فيها المحاسبة. وُلد حبّ القراءة والكتابة معي وكنت مدمنة على قراءة كل انواع الكتب، من شعر ورواية وقصّة وحتى المجلات والجرائد. تأثّرت في مرحلة الصبا بأسلوب الاديب الكبير جبران خليل جبران وبدا ذلك جليّاً في صياغة الموضوعات الانشائية التي كانت مدرّستي آنذاك الاستاذة سكنة شرارة، حفظها الله واطال عمرها، تطرحها علينا في مادة الانشاء العربي، لدرجة انها لقّبتني ب"جبران"، وكان موضوعي الذي يحظى بإعجابها دائما يُقرَأ امام طلاب الصف في كلّ مرة. ورغم انّي اخترت الاتجاه العلمي الذي كنت متفوّقة في شتى موادّه، في المرحلة الثانوية، الا انّ اسلوبي الادبيّ كان يحظى دائما بإعجاب اساتذة مادة اللغة العربية في كل سنوات دراستي الثانوية ومنهم الاستاذ السيد محي الدين فضل الله، الذي كان يشجّعني بإستمرار على الالتحاق بفرع من الفروع الادبية في الجامعة، ولكنّي لم استمع الى نصيحته، فاتّجاه بيتنا كان علميا محضا، اذ كان الفكر السائد عند الاهل ان الادب والشعر لا يُطعمان خبزا، كما يقال. تابعت نشاطي الادبي في الغربة، فكتبتُ الكثير من الخواطر والومضات والنصوص النثرية والسردية وتجارب في القصيدة، قبل ان ابدأ بالنشر في مواقع الكترونية رصينة مثل موقع"مشارف" الادبي العالمي، وهو موقع يديره اديب وناقد تونسي كبير له عشرات المؤلفات اسمه د. محمد صلاح بن عمر، وقد قام الدكتور محمد بترجمة بعض قصائدي الى اللغة الفرنسية، وهذا الموقع له فرع آخر باللغة الفرنسية وينشر فيه كبار الشعراء الناطقين باللغة الفرنسية من جميع انحاء العالم؛ لي ايضا صفحة مخصّصة لمنشوراتي في موقع "الحوار المتمدّن" ونشرت ايضا في موقع "الفكر الحرّ" وموقع "كتابات في الميزان"، وكلها مواقع الكترونية كما ذكرت. نشرت ايضا في الصحف الورقية المحليّة ومنها صدى الوطن واليمني الاميركي والرأي الحر. اشارك ايضا في مجموعات ادبية على صفحات الفيسبوك يقوم بالاشراف عليها ادباء وشعراء كبار وقد حصدت الكثير من شهادات التكريم والتميّز. اكتب الشعر الحر، وشعر الهايكو والتانكا والهايبون والسنريو، وهذه الاخيرة كلها اجناس ادبية يابانية، كما اكتب أيضاً القصة القصيرة جدّا.

اصدرتُ ديوانين، الاول"ابتسامة من رحم الالم" شعر حرّ، والثاني "حديث الفصول الاربعة" شعر هايكو. ولي مشاركة في مجموعة شعرية ستصدر قريبا يقوم باعدادها وترجمتها الى الفرنسية الناقد الدكتور محمد صلاح بن عمر، وقد اسماها "الشعر اقوى من الكوفيد"، يشترك فيها سبعة وستون شاعرا من جميع انحاء العالم، وستكون كلّ قصيدة فيها باللغتين العربية والفرنسية.

س: أصدرتم ديوانين شعريين ينتميان الى قصيدة النثر الحديثة كيف تنظرين الى مسيرة تجديد القصيدة العربية وكيف تنظرين الى مفهوم الشعرية وامتداداتها في فضاء التراث العربي؟

- تُعدّ الشعرية العربية موضوع جدل وذلك لتعدّد تعاريفها وتشابك معانيها. ويمكن القول بإختصار انّ الشعرية هي "قوانين الابداع الفنّي". وقد اسّس الشعرية العربية مجموعة من الادباء والشعراء وكان منهم الأصمعي، ابن سلام الجحمي، ابن معتز، والمرزوقي الذي اطلق مصطلح "عمود الشعر"، الذي اتّصف بإمتلاكه لمعايير الشكل الجميل، والصحّة والاعتدال من حيث شرف المعنى وصحّته واللفظ الجزيل والاستقامة وصدق الوصف والتقريب في التشبيه وترابط الاجزاء والتحامها في النظم والوزن ووجود القافية الشعرية. وقد نظر العرب القدماء الى الشعرية بوظيفتها التي تعبّر عن انتمائهم واحتياجاتهم على عكس الشعريات الحديثة التي تهتمّ بشكل الشعر وليس مضمونه.

فالشعر القديم لعب دورا مهما جدا في حياة العرب، حيث انهم عكسوا من خلاله صورة حقيقية دون تزويق او تشويه. اذ وثّق الشعر حياة العرب وما تحتويه من جماد وحيوان اضافة الى ذكر اسماء فرسانهم ومعاركهم وغيرها من الاحداث والمعلومات التاريخية، فأعتُبر سجلا مهمّا لحياة العرب قبل الاسلام ومصدرا موثوقا للمعلومات، حيث اعتمد علماء اللغة على هذا الشعر في وضع قواعد النحو والتأكّد من صحتها. تغيّر مفهوم الشعرية مع ظهور الشعر الحديث واتسع ولم يعد مقتصرا على بناء القصيدة الشكلي وضبط الايقاع الذي كان يقيد حرية الشاعر، في إختيار المفردات والعبارات التي تتلاءم وموضوع القصيدة. فزاد الخيال والتصوّرات وتنوّعت الاساليب. وتنوّع استخدام الاساليب البلاغية في القصيدة الواحدة وصار يلجأ الشاعر الى الترميز والتأمّلات في الحياة والكون وخلق الانسان والغاية من وجوده، وظهرت اتجاهات جديدة في القصيدة كالاتجاه السياسي، والقومي، والاتجاه الانساني والوطني والاجتماعي واختفت اتجاهات المديح والهجاء والفخر. انّ مفهوم الشعرية في الشعر العربي الحديث تعتمد على اسس جديدة تختلف عن اسس القصيدة الكلاسيكية، فالقصيدة الحديثة تُقاس جودتها بالوحدة المتماسكة اي صياغة القصيدة صياغة وحدة عضوية واحدة متسلسلة بحيث لو اسقط بيت واحد لاختلّت القصيدة ؛ كذلك يعتمد مفهوم الشعرية في عصرنا الحالي على قدرة الشاعر الابداعية في استخدام الرمزية وخلق الصور الشعرية الجديدة والمميزة والاخذ بعين الاعتبار ما تحتوي عليه من اساليب البديع والبيان، كالاستعارة والكناية والتشبيه والمجاز المرسل وغيرها من الاساليب اللغوية والتعبيرية البليغة. اذا فالشعرية الحديثة تختلف في قواعدها عن الشعرية القديمة، وحتى اذا القينا نظرة على تقييم الشعرية والبحث عن قواعدها واسسها في الشعر العمودي الحديث، اذا صحّت التسمية، فإننا نجد ان الرمزية والصور القوية تهيمن على تقييم مقدار شعرية القصيدة؛ اما انا فإني ارى ان هذه التطورات التي طرأت على القصيدة العربية في مسارها الطويل من العصر الجاهلي الى يومنا هي امور جيدة ولمصلحة الادب العربي وتاريخه، اذ أغنته بالتجارب والتنوّع ولم تتركه محصورا في قوقعة القصيدة العمودية وحسب، وهذا الامر قد فتح باب الترجمات على مصراعيه، وبالنتيجة فتح باب التبادل الثقافي والادبي والمعرفي، حيث انّ القصيدة الحديثة هي الوحيدة القابلة للترجمة الى اللغات الاخرى. وبفتح باب الترجمات وتحرر القصيدة من القيود العروضية، دخلت الى الشعر العربي اجناس ادبية جديدة كقصيدة الهايكو اليابانية على سبيل المثال.

س: كيف تنظرين الى الفوضى الحاصلة في المشهد الشعري خصوصا والأدبي عموما في ظل أزمة تجنيس النص الأدبي؟

- يتلخّص مفهوم الجنس الادبي في كونه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعية. وقد نشأ الجنس الادبي على مرحلتين:

-المرحلة القديمة: التي بلغت ذروتها الكلاسيكية، حيث دعت الى فصل الانواع الادبية عن بعضها لينكفئ كلّ نوع ضمن اسوار مغلقة، لا يتراسل فيه مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب" نقاء الانواع".

- المرحلة الوصفية: التي ظهرت حديثا والتي تفترض إمكانية المزج بين الانواع لتوليد انواع جديدة. وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة، التي تعطي انفتاحا للنوع الادبي كي لا يبقى منغلقا على نفسه.

لذلك يمكننا القول إن الجنس الادبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من ابرز منجزات الحداثة.

من هنا يمكننا القول أنّ مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الادبي المعاصر، تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكّلت خرقا واضحاً لكلّ معطيات الحداثة ولا سيّما التداخل بين الادبي واللغوي والثقافي، "لانّ ما بعد الحداثة صوّرت اختلاط الأجناس واختلاط النصوص واختلاط القرّاء والنصوص". انّ تشكّل الاجناس النظرية في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيس. هذا المنطق يشكّل ظاهرة إبداع وتلقي نصية تختلف من ناقد إلى آخر.

فمهمّة الناقد اليوم هي التفتيش عن كتابة نوعية تتخطّى قواعد الاجناس الادبية بما فيها من صفة ادبية، إلى مرحلة العفوية التي يشكّل فيها الجنس الادبي نفسه بنفسه، حيث يتطلب الامر تكريس اعراف جديدة في قراءة النصوص.

ان حال المشهد الادبي وبالتحديد الشعري العربي مرتبط ارتباطا وثيقا بتطور الانسان والمجتمع الانساني، والانفتاح على الثقافات الاخرى غير العربية. وهذا ليس حال الادب او الشعر فقط، فهذا يشمل كل مجالات الحياة، العلمية، العقائدية، الفلسفية، الاجتماعية، النفسية...الخ

وما دام الادب، والشعر جزء منه، هو مرآة المجتمع الإنساني، فلا بدّ وان يتأثر بهذا الانفتاح والتوسع، حتى بتنا نشعر ان الفوضى قد دبّت في الساحة الادبية وكدنا نفقد السيطرة عليها. لكن يظل لكلّ جنس ادبي سمته التي تميّزه، وارى ان القارئ، حتى متوسط الثقافة، يستطيع تمييز النص الشعري عن غيره او اي جنس ادبي عن الآخر، ولا اعتقد ان هناك أزمة تجنيس حقيقية، صحيح أننا في عصر اجتهادات وهذا راجع الى العولمة والانفتاح وازدياد اعداد البشر واختلاف اساليب التفكير، لكن ما زلنا في حالة سيطرة على المشهد الادبي، وفي نهاية المطاف وان كثر الخلط فلا تصل الى يد القارئ الا المادة الجيدة شعرا او قصة او رواية، وبعد هذا المخاض لا بد من حدوث "غربلة" وولادة مرحلة ادبية واضحة المعالم.

س: كيف تقيمين المشهد الشعري العربي في الداخل والخارج؟

- على الرغم من الفوضى الحاصلة في المشهد الشعري العربي، والتراجع في وظيفة القصيدة وتراجع الرغبة في القراءة، الا ان الاقبال على الشعر وقراءته في داخل المجتمعات العربية ما زال بحالة جيدة، فرغم المسافة التي تفصلني عن المجتمع العربي فاني اراه بحال افضل بكثير من المشهد في الخارج. ومن خلال متابعتي على وسائل التواصل الاجتماعي ارى الكثير من المنتديات واللقاءات والامسيات والنشاطات الادبية والثقافية، وما لفت نظري هو الاهتمام الذي يحظى به الشعر والثقافة في دول المغرب العربي اكثر من غيره. هذا من ناحية الاقبال على الشعر وحركة المشهد الثقافي والادبي. من ناحية الكتابة ارى اقبالا كثيفا على الكتابة ومحاولات الكتابة اكثر من قبل، واعتقد ان سبب ذلك عائد الى حاجة الانسان في عصرنا الى التعبير عما يختلج في صدره من الحزن والفرح واستخراج مكنونات النفس التي تعاني من ضغوطات الحياة العصرية وما تتميز به من كثرة المتطلبات والمشاكل التي تنتشر في اصقاع الارض من امراض واوبئة وحروب ومشاكل سياسية واجتماعية وغيرها.

لكن مع هذا الاقبال على الكتابة تُطرح اشكالية التقييم والتجنيس، وهذه مسؤولية ملقاة على عاتق النقّاد وذوي الاختصاص. فنحن بامسّ الحاجة الى النقد اكثر من اي وقت مضى، وهو للأسف شبه متغيّب عن الساحة الادبية داخل الوطن العربي عامة، وشبه معدوم في خارجه.

كما ان دور الجامعات مقصّر في ايصال الصورة الحقيقية للشعر وماهيته واسراره. اذ تقتصر دراسة الشعر على تقديم النصوص ودراسة جماليتها وخصائصها اللغوية. واقترح ان تُشكل ندوات او تقام معاهد للاهتمام بالشعراء الموهوبين والاخذ بايديهم الى شاطئ الأمان بدل تركهم يكتبون على سجيتهم دون تقييم او تقويم او اصلاح.

 

حاورتها إستبرق عزاوي – ديترويت

 

 

1954 هدى الكفارنةقالت الشاعرة: بلا قصيدة، أسافر مصطحبة كل هذا الغياب، ومشقة اللا عودة إلى الضحكة، مسربلةً بالعناء، يراود أحلامي فتهفو لضمة عطر وانتشاء في كوني كما الرحيق . وتلك البحة تسكن سمع أنيني.. مازال ذاك الوجه مورقاً في عين السؤال، ما زالت بصمات الأمنية الوحيدة ترسم الدوائر فوق ذراع الشغف . وما من سفر يتسع لنحيب القصيدة .

الصديقة الراقية الرقيقة أهلا بك:

أهلاً وسهلاً صديقتي المبدعة الجميلة.. سعيدة جداً بهذا الحوار واللقاء مع الأصدقاء الكرام

1- صديقتي هدى عرفينا على نفسك بالقدر الذي تريدين .

ج: أريد أن أشكرك في البداية على تقديمي بهذا النص القريب جداً إلى قلبي، قريب بشكل يكاد يختصر ويفسر ما أريد أو يمكن أن أقوله في التعريف بنفسي وروحي . فأنا المسافرة بلا قصيدة..المصطحبة كل ذاك الغياب.. ولا سفر يتسع لنحيب قصيدتي !

هدى كفارنة / كاتبة من سوريا / إجازة في الاقتصاد /لي تسعة كتب إلكترونية موزعة بين الشعر والقصة القصيرة وشعر الهايكو، صادرة عن "نادي الهايكو العربي " و"دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني

2- هناك من يقوم بعرقلة إبداع المرأة بوسائل كثيرة منها الهجوم الدائم على ابداعها والتشكيك فيه والتقليل المتعمد من حجم نجاحاتها.. كيف السبيل للمرأة أن تتخطى ذلك؟

ج: صحيح ومؤسف جداً، في الواقع، إننا نعيش الإحباط والضعف الإنساني بكل أشكاله، نحيا مرارة السعي والجري في كل نواحي الحياة، وهذا ينعكس على الجميع بمختلف أنواع الهزيمة، لسنا محكومين بالأمل، نحن قوم بات عنواننا اليأس القاتل للأسف، وكل هذه الهزائم والخسارات تعود إلى الرجل والمرأة أضعافاً مضاعفة، فكيف لا تعاني المرأة المبدعة بمشاعرها وعالمها وأحلامها وتطلعاتها، وهي ترزح تحت عبء هكذا حياة !؟ للأسف كانت المرأة ومازالت تحاول النهوض والتخلص من تبعيتها رغم كل ما حققته من إنجازات على كافة الأصعدة، أتحدث هنا عن شرائح كبيرة من مجتمعاتنا العربية، وفِي اعتقادي أن المرأة المبدعة في حالة حرب مع ما يمثلها أو ما هو مفروض عليها.. مع نفسها.. مع بيئتها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية، ولكن لاننسى أنها وبكل شغفها وعنادها وإيمانها بذاتها، استطاعت وتستطيع أن تجتاز الكثير من المعوقات وتثبت وجودها في مجتمع يصعب عليه التخلص من النظرة المحدودة أو الناقصة إليها . بالنسبة إلي ومن حسن الحظ، لم تكن لدي هذه المعاناة بشكلها المتضخم، فقد لقيت التشجيع من أسرتي وأهلي ومن هم حولي .

3- مثل كل الشعراء كان لك بداية.. كيف كانت بدايتك؟

ج: أعدتيني إلى عالم الطفولة بوداعته وحيويته وأسئلة وجوده...منذ سنوات الدراسة الأولى تميزت في الإنشاء والشعر والإلقاء، أذكر أن أول قصيدة كتبتها وحازت على استحسان معلماتي آنذاك كانت عن أبي رحمه الله والذي فقدته في سن مبكرة وكان لهذا الفقد الأثر الكبير في تكويني... محاولاتي في التعبير عن نفسي تبلورت أكثر في دراستي الجامعية، رغم أني درست الاقتصاد إلا أن هذا لم يؤثر على عشقي للكتابة، حيث كتبت الشعر والخاطرة والقصة القصيرة. ولأنني الأخت الصغرى بين إخوتي فقد كانت هوايتي هذه محط رعاية وتشجيع من قبلهم جميعاً، وأعود هنا إلى مكتبة عائلتي القديمة التي كان لها بالغ الأثر في ترك مخزون جميل لديّ بما احتوته من كتب رائعة وقيّمة مكنتني من قراءة الكثير من الشعر والنثر . ومع أنني انقطعت عن الكتابة لفترة بسبب انشغالي بأسرتي إلا أنني عدت مجدداً من خلال صفحتي على الفيسبوك، حال الكثيرين ممن لم تسنح لهم الفرصة والظروف ليثبتوا وجودهم في عالم الأدب والكتابة، كنت اكتب لحظاتي وأنظر إلى الصفحة الخاصة بي على أنها مدونة أوثق فيها بعض فرح أو حزن أو تعب، كنت أكتب روحي، وهنا كان لي الحظ الكبير بوجود الأستاذ المبدع بسام جميدة الذي ساند كتاباتي وشجعني، فكانت بدايتي الحقيقية. أذكر هنا تجربتي المميزة في مجموعة "سنا الومضة القصصية "هذه المجموعة الرائعة التي اعتمدت الومضة القصصية السردية وقد ساهمت بالإشراف والكتابة فيها مع مجموعة من الأصدقاء والأساتذة المبدعين، لكن للأسف الآن متوقفة وأتمنى عودتها وبشكل أقوى . في ذلك الوقت قدِّر لي إصدار ستة كتب إلكترونية عن "دار كتابات جديدة للنشر الالكتروني" .بإشراف الأستاذ محمود الرجبي والدكتور جمال الجزيري . وفِي عام 2017 كان لي شرف الانضمام إلى "نادي الهايكو العربي " الذي كان انطلاقة كبيرة وبصمة تحمل كل الفرح في حياتي وكتاباتي .وهنا أقدم أسمى آيات الشكر للأستاذ المدهش محمود الرجبي . وإلى الآن أَجِد في الحرف قيدي وانعتاقي .

فاديا سلوم4- يقول الشاعر الامريكي سانتياغو باكا (القصيدة الجيّدة قائمة بذاتها، منقطعة النظير، ولا تمنح نفسها إلى رجعيّة الزمن الراهن، ولا تسير على هَدْي الحاضر وأفانينه السائدة، إنها قائمة في حدّ ذاتها كتمثال حريّة تُعظّم قلوبَ الناس في كل العصور)

هل ينطبق هذا لكلام على قصيدة الهايكو؟

ج: تعبير جميل حقاً وينطبق على قصيدة الهايكو.. في اعتقادي أن قصيدة الهايكو بشكلها الخاص ومع مميزاتها التي تملأ النفس بالدهشة لا بد أن تكون خالدة.. صالحة لأي وقت ومكان بما تمثله من معنى وروح.. فهي ترفض القيود والتقوقع داخل قالب جامد لا يتناسب مع العصر والبيئة واللغة . أرى أن الهايكو بشكله القديم أو الحديث لا ينفصل عن الإنسان فهو في قلبه فعلاً.. ويمثل قلوب الناس، ويعيش فيها على مر التحولات ولا يستطيع أن يكون قصيدة قائمة بذاتها إن تنصل من وجود الإنسان الباقي في الماضي والحاضر والمستقبل . والزمن كفيل بهدم كل جمود وقانون التطور لن يقف عند حد أو شخص أو فكرة . الهايكو بما له من قدرة على اختصار حياة في كلمات وسطور معدودة يمتلك قوة تشبه السحر، في عالم يسوده الضجيج وتلاحقه السرعة التي تمقت الانتظار والوقوف على أطلال الآخرين .

5- أحب أن أطرح هذا السؤال.. طقوس الكتابة عند شاعرتنا؟

ج: طقوس الكتابة عندي ! صدقيني أجهل كل الطقوس هنا، أشعر أن الكلمات تنتقيني.. هي التي تكتبني بمزاجيتها الطاغية، بانكفائها وطربها، بألوانها التي آثرت الحزن دون إذن مني . أكتب في كل وقت، ولا أملك لدفق ما في الروح ما يكفي من الوقت . تلاحقني الصور والحروف والحالات وأحاول أن أقبض عليها قدر استطاعتي رغم نجاحها في الهروب . مثل حلم تراودني الفكرة.. وترسمني الأيام كما تشاء.. وفي كثير من القصائد والنصوص أرى ارتباط الحروف يتجسد من أحلامي.. وينبت ورداً او حقلاً من الأشواك.. كل خصب أهازيج فرح.. وكل جدب موال حزين.. لكن أكثر ما يحرك رغبتي في الكتابة هو المطر.. الشتاء بغيمه الواجم وذهوله المرتبط بالأرض ونداءات الظمأ.. المطر طقس فرحي والبكاء .

6- إن الشعر والأدب والفنون بكافة تجلياتها تتجسد من خلال الذات تجاه أي موضوع وتأثيره في تلك الذات الإنسانية المرهفة، كيف تجد ذاتها الشاعرة هدى كفارنة من خلال أعمالك وخاصة أنك تكتبين في أكثر من صنف أدبي؟

ج: نسير مع القدر في اتجاهات يفرضها أغلب الأحيان.. وحين يحين الوقت فإن التجربة الواعية لما تريد تفرض مسارها.. كنت ومازلت أحاول الحياة، وبالنسبة لي فإن الأدب هو وسيلة لإخراج مكنونات النفس من مشاعر وهواجس وتطلعات ومخاوف أياً كانت بشكل جميل ولغة متماسكة ترسم نقاطاً مشتركة مع النفس المقابلة وتؤثر فيها، سواء أكانت هذه المكنونات وُضعت في قالب الشعر أو النثر، وكل فن أو جنس أدبي منها قادر على استيعاب الإنسان وما يحيط به.. وحين يستخدم الأدب لغة مناسبة تخدمه بتقنياتها فإنه سيصل إلى هدفه.. وحين أشعر بطوفان الحروف فإنها هي التي تختار القالب الذي يتسع لامتدادها وصفاتها.. قد تأخد شكل الشعر الموزون أو قصيدة النثر أو الشعر المحكي..وقد تجد الراحة في القصة القصيرة أو القصيرة جداً.. فأنا أكتب هذه الأصناف وأعشقها وعندي مشروع رواية أتمنى أن يكتب له التوفيق ويرى النور يوماً ما.. وكم أحلم أن يسعفني القدر بالوقت والحظ لتجد كلماتي دفّتيْ كتاب ٍ ورقي يجوب الزمن والمكان حاملاً أثري .

7- بعض القصائد ترتبط بموقف معين وتكون بمثابة توثيق لهذا الحدث، ما الحدث الذي أثر فيك وكتبت عنه،،!

ج: كثيرة هي النصوص التي ارتبطت عندي بأحداث فارقة.. ذكرت لك أنني كنت أدوّن كلماتي كتوثيق لحالات من فرح أو حزن.. أمل أو تعب.. وكثيرة هي القصائد التي تنسكب فيها الروح وتصعد إلى سابع سماء ثم تهبط بانكسار أو تتهالك على مقعد قديم وموسيقا باهتة . لا أريد ذكر واحدة فقط كي لا أظلم باقي القصائد والأحداث وكلها بالأهمية ذاتها عندي . لكن القصيدة التي كانت ومازالت في قلبي هي تلك التي كتبتها عن فقد والدي في محاولاتي الأولى للكتابة والتعبير . ورغم ان هناك نصوصاً كثيرة أيضاً بعيدة عن تجربتي او حياتي الشخصية إلا أنني وفي كل الحالات والأحداث التي رافقتني أو استطاعت أن تحفر بصمتها في روحي فإنني كنت أرنو إلى عالم يسوده الأمل ويجد الحلم فيه بعض سبيل.. أن يرسم حرفي ابتسامة على الوجوه المتعبة في طريق مزروعة بالأسئلة والوجوم.. ويجد في روحه الصدى فيسافر مع حزنه النبيل ليعود مصطحباً حقائب الفرح وغبطة الألوان .

8- من خلال مشاركاتك في ملتقيات وأمسيات، كيف وجدت تقبل القارئ العربي لقصيدة الهايكو؟

ج: الهايكو هذه القصيدة التي فرضت وجودها وانتشرت بسرعة خاطفة رغم وجود المتربصين والمستنكرين.. تمتلك من التميز والدهشة الفريدة ما يجعلها محببة عند الكثير من الكتاب والقراء على حد سواء.. لكن إلى الآن هناك شريحة واسعة منهم لا تقبل الهايكو بحجة أنه غريب ووافد دخيل على ثقافتنا ولغتنا العربية ولا يعترفون بها على أنها شعر.. الواقع أن هذه النظرة المتزمتة تحاول حصار كل تطور بحجة وجوب المحافظة على هوية اللغة والشعر العربي وحمايتها من دنس الثقافات القادمة من بعيد...حتى قصيدة النثر ما زالت تعاني بعض الشجب رغم قطعها أشواطاً كبيرة جداً في الوجود وانتزاعها مكانتها الخاصة.. فكيف بالهايكو الياباني . وباعتقادي أشد المتربصين بهذا الفن هو التزمت ومحاولة احتكار الحقيقة حول شروطه وخصائصه.. والذي يضع الكاتب والقارىء ضمن دوامة من القبول والرفض لهذه القصيدة الجميلة.. بالنسبة للأمسيات التي شاركت بها.. كان للهايكو مكانة وحضوراً رائعاً وسط باقي الأجناس الأدبية وخاصة الوجيز منها..

9- حدثينا عن تجربة الكتابة لديك بشكل عام وعن شعر الهايكو بشكل خاص .

ج: الكتابة هاجسي والفلك الذي يذوب عالمي ويدور فيه.. الأرق الذي يعيش معي.. والقلق الذي أسلمت له أيامي.. وكل نص هو مخاض جميل بكل مايحمل من وهم أو حقيقة.. ألجأ إلى الحروف وأحمّلها ما يعجز عنه طَيّ قنوطي وتواتر آمالي وآلامي.. وكل فكرة تجول في خاطري تهبني الضجيج الحبيب وتعود لتتجسد أمامي فتمنحني السلام . سأبقى أحاول وأجرب إلى أن يسطع وجه قمري أو يهدأ الشغف بتوقف طرقات خافقي.. أكتب لأني أتجسد الحقيقة الغائمة في قصائدي.. لأني أعلن حلمي.. وأراود في غياهب القدر ربحي أو خساراتي.. والخيار ليس لي حين تطل من نافذة روحي قصيدة أو تتكئ على سُور ليلي قصة أو خاطرة.. أما عن تجربتي في الهايكو.. فقد عرفته في هذا النادي الرائع "نادي الهايكو العربي "الذي أعلن انتمائي وتقديري الدائم له.. كنت أقرأ السطور القليلة وأَعدها وأتساءل ما هذا الشيء الذي يلتقط ويصف في الطبيعة والإنسان ما يشغل المَلَكات بهذا الاختصار والقدرة العجيبة التي تلامس قلبي.. قرأت الكثير من النصوص والمقالات التي تعرّف بالهايكو.. وتعلمت من الأستاذ محمود الرجبي بأسلوبه المميز الذي رسم بتعليمه أبهى لوحة صادقة للهايكو.. كتبت وكانت سعادة غامرة حين لاقت محاولاتي القبول والتميز عند أستاذ مبدع حقيقي لا يتوانى عن بذل الجهد في سبيل تعليم وتشجيع وتكريم أعضاء النادي وفِي سبيل نشر الهايكو والارتقاء به في عالم الأدب من خلال لغة عربية متقنة وروح شاعرية مع الحفاظ على هويته الجميلة.. وفِي نادي الهايكو العربي حظيت بأجمل تكريم لقصائدي بثلاثة كتب إلكترونية وهي: - ١- قصائد من شتات - ٢- الزاجل الحزين - ٣- أنا كتابٌ للحزن .

10- لأي مدرسة تحبين أن تلجأي الكلاسيكي التقليدي أم هناك منحى آخر لنصوصك؟

ج: أحب كتابة الهايكو بنمطيه القديم والحديث.. أدع المشهد يختار المدرسة التي تحتويه بحب وتصل إلى قلب القارىء.. لا أجبر الصور على شكل معين.. فلكل مدرسة خصائصها وشكلها الذي يظهر ذاته من خلال حالة انسجام البصر والبصيرة.. ولكنني لا أعتقد بالتزمت الذي تفرضه نظرية الهايكو الكلاسيكي.. فالتطور دائم وموجود في كل الأجناس الأدبية.. ولن يستطيع الجمود أن ينتج سوى الجمود.. أحب كتابة الهايكو باللغة العربية بكل ما تحوي من خصائص مبهرة ولا أستطيع تذوق الجمال دون لمستها الرائعة على المشهد .

11- ما إشكالية التسمية بالنسبة لك أقصد التسمية اليابانية وهل سيتم الاستعاضة عنها بتسمية عربية برأيك؟؟

ج: في نادي الهايكو العربي وضمن سلسلة من المقالات والكتب التي لم تبخل بدراسة وتعليم الهايكو وفق نظرة شاملة وكاملة وذات أبعاد ترفض المحدودية قرأت عن الهايكو باسم هو الهكيدة، وقد أعجبني الاسم وفكرة إيجاده باللغة العربية ليكون أقرب إلى نفس وأذن القارىء والكاتب العربي.. لكن أرى أن اسم الهايكو لاقى القبول الأكبر والانتشار الأوسع فلا ضير من ذلك.. والتجريب ممكن أن يأتي بالمزيد والجديد.. فالزمن كفيل بإبقاء الأنسب لهذا الفن الرائع .

12- نود في هذه الفسحة قراءة لحروفك المنوعة.....

ج: يسرني ذلك أيتها الرائعة لك كل الحب والتقدير..

رحم الله الأستاذ المبدع عصام زودي

هايكو

سماءٌ غائمة –

ترقدُ في القبر نفسه

ظلال ٌ حزينة !

*

- طلاسم الريح

ظل وقيثارة

على الطريق الشجراء !

*

- لوحات النجوم

وجوه فانية

الطريق الأخيرة !

*

- خيبة

تصرخ بها نفسها:" واهمة"، وترسم بريشتها دوامة غضب، لتبتلع اللوحة.

**

المرآة

حائرة أمامها، تحاول تذكر ذلك اليوم الذي ابتاعتها فيه . محل قديم يكاد يخلو إلا من بعض الأنتيكا وتلك المرآة الجديدة نسبياً، وضعت بهدوء في الركن البارد، كأن هاتفا دعاها لشرائها، لم تفاصل في الثمن، ولم يبد البائع أي مانع في التخلص منها ولو بدون مقابل. غلفها ببعض الأوراق الصفراء، وبصوت خافت مرتاح " مبروك". خطوتان خارج المحل، فوجئت بسيارة أجرة تفرغ حمولتها والسائق ينظر إليها، دون تفكير ناولته المرآة وانطلق بها إلى الشارع المقابل. في شقتها الصغيرة أخذت تطوف وتجول باحثة عن أنسب مكان تربع فيه ما اقتنت، صرخت منتصرة على الضيق، نعم، هنا يستطيع الزائر أن يطمئن إلى منظره ويكون شاكراً في الدخول والخروج. كان مساء هادئا لم تعرف أنه سيكون آخر عهدها بالهدوء. في الصباح التالي، استيقظت محاولة أن تسترجع مارأته في حلمها، لكنها لم تنجح في استجماع طلاسم الصور التي أرهقتها، خطت باتجاه المطبخ لتعد قهوتها الصباحية، مالت نحو المرآة، ألقت نظرة سريعة، ومالبثت أن أعادتها، تمعنت خائفة، ماهذا الوجه!، كانت بعض ملامح مرسومة دون وضوح، حاولت أن تتعرف إلى صاحبة الوجه ففشلت، فركت عينيها وأكملت طريقها إلى المطبخ. تجاهلت الأمر لكنه تكرر طيلة شهور، إلى أن كان صباح يوم بارد كئيب، وقفت أمام مرآتها تستعد للخروج، تحسست بطنها وهي تجبر شفتيها على الابتسام، لكن ملامح الوجه كانت قد ارتسمت بوضوح شديد، تمتمت مندهشة " رباه، وجه هذه الميتة، مالذي أتى به إلى هنا". في آخر النهار، كانت هناك ملقاة على سرير المشفى، ذاهلة منهمرة الدمع، تحاول أن تفهم سبب موت جنينها، ثمرة أحشائها الوحيدة التي منحها القدر إياها بعد رحلة علاج طويلة. مر أمامها وجه الميتة، غرقت في أسئلة ونحيب. جاهدة كانت تقنع من حولها بشؤم ماحدث وأن قوة غريبة انبعثت من مرآة الموت، واجهتها سخريتهم واتهاماتهم لها بالضعف والاستجابة للخرافات. مر عامان استطاعت أن تتناسى الأمر وتمضي قدماً بلا ذكريات تؤرق حياتها، لكنها اليوم عاجزة تماماً عن النسيان، جلست خائرة القوى تبكي وتحملق في المرآة لمعرفة ملامح الوجه الجديد، حائرة صرخت " أي فقد قادم في الطريق؟. همت بكسر المرآة، لكن قواها كانت أضعف من المواجهة، جاهدة نادت الخلاص، أخيراً وقبل أن تتناثر الأشلاء، فُتحت عيناها وخرجت من سطوة الكابوس .

**

وصول

لستُ على عجل فكل الوصول هباء حتى عبقر الجميل لم تعد تغويه نداءاتي

يرمي إليّ بفتات منك في مدينة أغناها الحزن بالحلم والصور يتعثر صوتي تتعسر الأنغام وتولد كل قصائدي كسيحة

أراهن الإشارات الكونية أسدل ستائر الرثاء وأمضي الوقت العصيّ بلا يقين في اكتمالي وكلما اوشكت على الصعود استباحت روحي العتمة دمي المتحجر ينسكب في طريقي الموءودة ولا مداد ينقذ الفجر من عشوائية الثواني

**

حنين

لَعمرُك ما ارتاحَ الحنين ُبمهجري

ولا انزاح ليل ٌعن فؤادي وما انزوى

أُهدهدُ حزناً في الصباح وأصطلي

بصبر ٍيعاني في الظنون بلا قوى

وعينٍ بلا دمعٍ تؤرّقُ خاطري

فتذروه مدحور َالخواطر في النوى

ليضحكَ جرحٌ من خضاب ِخميلتي

وتَرقُدَ أحلام ُ المشقّةِ في غِوى

أنا إِنْ تكبّدتُ الحياةَ بوحشتي

فللروح ِما همّتْ على وجع ِالرّوا

وللهم ّ أوتار ٌ أحاكي شغافَها لتُلهم َ أيامي

وتعزف َمانوى أسائل ُورداً إن تشّرب بالندى

وأقسِمُ مغلوباً يغني وإن ذوى

ألا ليت هذا العمرَ يدرك

وقتَه فيملأ آمالَ الحياة بما ارتوى

أخوض ُعراكاً لا يغادر ساحتي

و أصبحُ للكون الغريب على الطوى

يجاهرني اليأسُ المسافر بالرؤى

فأنقش سفراً بالحروف قد اكتوى

***

هدى كفارنة

هذه هي الكاتبة السورية التي نثرت عبق الياسمين مع كل حرف من حروفها، سعدت جدا صديقتي في هذا الحوار الموفق والنقي مثل روحك الجميلة، تحياتي

 

حاورتها: فاديا سلوم

 

1975 سعد جاسمالشاعر سعد جاسم غني عن التعريف فهو قد استطاع وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود؛ إن يكون ذا صوت خاص في الشعر العراقي والعربي.. وقد تمكّن من خلال طاقته ومثابرته وقدرته الشعرية اللافتة ان يكون ذا مشروع شعري قد حقق له مكانته وحضوره الشعري البارز. والشاعر جاسم حاصل على دبلوم الإخراج والتمثيل المسرحي من معهد الفنون الجميلة -بغداد -1982 وحاصل على بكالوريوس الإخراج والتمثيل أكاديمية الفنون الجميلة -جامعة بغداد -1986. وشهادة الماجستير في النقد والاخراج المسرحي من جامعة (تورنتو) الكندية.

ناظم ناصر القريشيوكان الشاعر قد بدأَ النشر في مرحلة مبكرة من حياته وكانَ ذلكَ في منتصف السبعينيات وصدرت له العديد من الاعمال الشعرية التي نذكر منها: فضاءات طفل الكلام وموسيقى الكائن وقيامة البلاد وأرميكِ كبذرة وأهطل عليك وقبلة بحجم العالم وطائر بلا سماء. وقد صدر له قبل فترة قصيرة كتابه الشعري (أنتِ تشبهينني تماماً). وللشاعر اهتمامه بأدب وثقافة الاطفال؛ حيث انه عملَ كمحرر ومشرف في مجلات وصحف متخصصة بأدب الطفل العراقي والعربي؛ ولديه منجزه في هذا الميدان الابداعي الذي تجسّد في الكثير من قصائد وقصص وحكايات الأطفال التي نُشرت ومازالت تُنشر في معظم مجلات وملاحق الأطفال العراقية والعربية ..

* غاية الشاعر أن يعبر عن الجمال وعن ذات الشاعر وروحه؛ وأنت سافرت في اللغة عميقاً وبعيداً؛ ولك أسلوبك المميز ولغتك الشعرية التي تتفرد بها.. تُرى ما هي أبعاد وعناصر تجربتك الشعرية؟

- بعدَ رحلة تمتدُّ لأكثر من ثلاثة عقود في مجاهيل وغابات وكوابيس واشراقات وأوهام وأطياف وعوالم الشعر والحياة بعدَ رحلة تمتدُّ لأكثر من ربع قرن في مجاهيل وغابات وكوابيس اكتشفتُ انني لا اعرف شيئاً سوى

 أَنْ أَغور عميقاً في الحياة - الحلم - الحقيقة

لمعرفة الملغَّز والغامض والخفي والجوهري..وأَكتشفتُ أَنني

لا أَعرف سوى أَنْ اكتب الشعر.

لأنَّهُ الضرورة ذاتها...

وأَدري تماماً لماذا أَكتبهُ

وكذلكَ أمضي في مراودة الحياة

أنثى بدائية القصيدة بوصفها

 عصية.. طازجة.. متوحشة.. شهية.. باذخة.. وشمولية..

ولهذا أَحسستُ أَنَّ قصيدتي ينبغي أنْ تكونَ لها شمولية حياة

ولها شمولية موت ايضاً .

حيثُ لا جدوى من القصيدة اذا لم تكن شمولية كالحياة والموت .

* أَنت كشاعر تحاول أن تمسك اللحظة التي مرت والتي ستمر بإحساس تترجمه الى نصوص وقصائد ورؤى تجعلها تومض كأنها تشع لأول مره هل بالإمكان أن تحدثنا عن تجربتك في شعر الهايكو باعتبارك من رواد هذا النمط الشعري؟

- يُعتبر الهايكو جنساً ونوعاً ونمطاً وفضاء شعرياً مختلفاً ومغايراً لما هو سائد من أنواع وأنماط وأشكال الشعر الأخرى. ويمكنني القول بكل ثقة وصراحة وجرأة ووضوح : أنا أَول شاعر عراقي كتبَ قصيدة الهايكو في الحركة الشعرية العراقية؛ وكذلك انا واحد من روّاد الهايكو في الشعرية العربية . وأستطيع أَن أُضيف : في الحقيقة أنا لم أقرأ أَي نص او قصيدة لشاعر عراقي كان قد كتب ونشر اية نصوص وقصائد هايكوية البنية والرؤية والفضاء؛ قبلي .

* حسب ما نعلم ان لديك مشروعاً بهذا الاتجاه تعمل عليه منذ تسعينات القرن الماضي هل ممكن ان توضح لنا ماهية وابعاد هذا المشروع ؟

* فيما يخصُّ مشروعي الهايكوي؛ فقد سبقَ لي أن قرأت وأطّلعت على كل ما تُرجمَ من نصوص تعتمد أُسس (الهايكو) وأصوله وطرائق كتابته اليابانية الأساسية.. وقد استفدتُ منها كثيراً.. ثم حاولتُ ان أُكرّس فهمي وخبراتي لكتابة هايكو معني بالواقع والحياة العراقية بكل أبعادهما وتفاصيلهما وإشكالياتهما.. وكذلك فقد كرّستُ اهتمامي بالاشتغال على نصوص تتناول الحياة والوجود والعالم؛ وكنتُ قد بدأت الاشتغال في هذا الفضاء الشعري منذ بدايات التسعينيات؛ وبعد فترة قمتُ بنشر عدّة أقسام من مشروعي هذا في عددٍ في الصحف والمواقع الألكترونية العراقية والعربية تحت تسمية (هايكو عراقي – أو مفاتيح النصوص) وقد كان البعض من محرري الصفحات والمواقع الثقافية يحذفون عنوان (هايكو عراقي) ويبقون على عنوان (مفاتيح النصوص) وعندما كنت اعترض وأعاتبهم على حذف عنوان (هايكو عراقي) كانوا يردّون عليَّ امّا مازحين أو ساخرين: (يا أخي هل نحن يابانيون؟) أو (نحنُ لسنا يابانيين يا صديقي) الا أن بعض المواقع الثقافية الألكترونية كانت قد نشرت العنوانين معاً وأذكرُ منها مواقع (الحوار المتمدن ومركز النور الثقافي والبيت العراقي وبنت الرافدين وأبسو قبل توقّفه وغيرها من المواقع .

وكذلك نشرتُ قسماً من الهايكوات ومفاتيح النصوص في كتابي الشعري (موسيقى الكائن) الصادر ضمن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في عام -1995- وفي مجموعتي الشعرية (طواويس الخراب)

الصادرة عن دار الخليج للنشر في العاصمة الأردنية عمان عام 2001.

ولكنَّ المفاجئ والغريب والمثير للدهشة في الأمر؛ أنَّ هناك من استحوذ على مشروعي هذا وراح يصرّح ويدّعي انه هو صاحب هذا المشروع؛ متوهماً ومتناسياً إن الادعاء شيء والمنجز شيء مختلف؛ حيث أنني وعند اطلاعي وقراءتي للبعض من الشذرات والومضات التي يُطلق عليها هؤلاء المدّعين {هايكوات} وجدتُ أنها ليست لها أَية علاقة بهذا الجنس الإبداعي الصعب الذي يعتمد التكثيف اللغوي والدهشة والمفاجأة ومشاهد الطبيعة وكائناتها وكذلك يستلهم الهايكو الرؤى والافكار الفلسفية والتأملية؛ و أنا الزاهد والعارف والرائي فلا تضيرني مثل هذه ادعاءات واساءات {الهؤلاء والادعياء ولصوص السرقات الادبية} لأن مؤمن بـ " وأَمّا الزبد فيذهبُ جُفاءً) والحقيقة لا تُغطّى بغربال كما قيل ويقال . واريد الاشارة الى أنني ومنذً ذلك الوقت ولغاية الآن مازلتُ مستمراً بالاشتغال في مشروعي هذا؛ حيث أنني وبين آونة وأخرى أعود اليه وأكتب مجموعات من الهايكوات الجديدة وقد تسنّى لي أن أُنجز كتابين شعريين هايكويين بالكامل؛ وهما :

{غابة هايكو}؛ وقد صدر عن مؤسسة {فكرة}

للدراسات والنشر في القاهرة .

والثاني هو :

{نهر يركض حافياً}

هايكو عراقي.. هايكو كوني.. وهو الآن في المطبعة .

اما كتابي الهايكوي الجديد؛ فيحمل عنوان: {سيلفي مع شجرة}

1976 سعد 2

هنا نصوص جديدة :

هايكو عراقي.. هايكو كوني

-1-

ملاكٌ بشري

يهبطُ في مستشفى

طبيب الاطفال

-2-

كلٌّ ينتظرُ مصيرَهُ

في مشفى الأَمل

مدمنو الأَلم

-3-

بفراسةَ حكيمٍ سومري

يعرفُ كلَّ نبضٍ

طبيب القلوب

-4-

كلَّما يسمعُ ضحكتَها

يخفقُ كجناحِ عصفور

قلبُ العاشق

-5-

1976 سعد 3كلُّ مَنْ تلمسُ جبينَهُ

يشعرُ بدفءٍ أُمومي

ممرضةُ الرحمة

-6-

كُلّما يقولُ لها : أُحبّكِ

تضحكُ كشجرة

عاشقة الحقول

-7-

أشباحٍ غامضون

تَقْنصُهم بنادقُ الرجال

وحوشُ داعش

-8-

هلْ هُنالكَ أكثرُ وحشةً

من سنديانةٍ عتيقةٍ

على رصيفٍ مهجور ؟

-9-

واحدةً واحدةً

تتساقطُ من الأَشجار

اوراقُ الخريف

-10-

لم يتركوا حمامةً

ولا قلبَ أمٍّ

دواعشُ الخراب

 

* الطفولة حلم لا يغادرنا رغم أننا غادرناها مجبرين وأنت كتبت الكثير من القصائد والقصص والحكايات الخاصة بالاطفال؛ فما هي ابعاد تجربتك المهمة في هذا المضمار؟

- بدأ اهتمامي بأدب وثقافة الطفل في مرحلة مبكرة من حياتي؛ وكان ذلك في بدايات سبعينيات القرن المنصرم.. حيث كتبتُ الكثير من القصائد والقصص – آنذاك - وقد نُشرتْ لي أول قصيدة في جريدة طريق الشعب العراقية بصفحة (مرحباً يا أطفال)؛ التي كان يديرها الأستاذ الشاعر (نبيل ياسين) ومن ثم أخذتُ انشر قصائدي وقصصي في معظم المجلات والصفحات المتخصصة بأدب وثقافة الطفل في العراق وأذكر منها : مجلة مجلتي وملحق تموز وصفحة الجيل الجديد وغيرها . وكذلك انشر في بعض الصحف والمجلات العربية مثل مجلة (أحمد) اللبنانية و(براعم عمان) الأردنية ومجلة (قطر الندى) المصرية.. ومواقع الكترونية متخصصة بأدب وثقافة الطفل العربي

و بالنظر لإهتمامي بإدب وثقافة الطفل؛ فقد عملتُ وشاركتُ في عدة مؤسسات وفعاليات تعنى بالطفل ومنها مجلات وصحف ودور نشر ومهرجانات ومؤتمرات الخ

ومن اهم تجاربي في هذا العالم هو قيامي بتأسيس ملحق ثقافي شامل مخصص لأدب وثقافة الطفل بالكامل؛ وكان تحت مسمّى

 (قوس قزح) حيث صدرَ عن جريدة الأسواق (الأردنية) حيثُ حررته وأشرفتُ عليه لعدّة سنوات؛ وقد كان تجربة تربوية وثقافية وأبداعية رائعة ومهمة حققت حضورها اللافت في صحافة الأطفال العربية .

 

*هل بالامكانِ أَنْ تقرأ أو تُدوّن لأطفالنا واحدة من قصائدك الجميلة ؟

- حاضر..على الرحب والمحبّة والاعتزاز بكل اطفالنا الاحبّة والاذكياء والرائعين:

 أَجراس الصباح

شعر : سعد جاسم

ترِنْ ترنْ ترنْ تراتْ

دقتْ أجراسُ الساعاتْ

قالتْ: (إِصْحو

جاءَ الصبحُ

وأَطلّتْ شمسُ الخيراتْ)

فصَحَتْ سلمى

وصحا رافعْ

وصَحَتْ سلوى

وصحا ساطعْ

بعدَ دقائقْ

 صارَ الشارعْ

حقلاً رائعْ

لحمائمَ بيضٍ ونوارسْ

تمشي في فرحٍ لمدارسْ

فتَحَتْ ابوابَ محبتِها

لتضُمَّ جميعَ احبتِها

من ازهارٍ وحماماتْ

ترنْ ترنْ ترنْ تراتْ

غَنّى تلميذٌ في الصفِّ

وغَنَّتْ كلُّ التلميذاتْ

***

حاوره : ناظم ناصر القريشي

 

 

 

علي القاسميأطروحة دكتوراه عن جعفر الخليلي في جامعة مشيغان

تمهيد: في العام الدراسي 1970ـ1971، كنت أدرس مرحلة الدكتوراه في اللسانيات في جامعة تكساس في أوستن. والمشرف على دراستي الدكتور آرتشبولد أ. هيل، Archibald A. Hillشيخ المدرسة البنيوية رئيس الجمعية اللغوية الأمريكية آنذاك. وكانت تلك الجامعة من الجامعات الكبرى القلائل التي تدرِّس اللغة العربية، والمسؤول عن شعبة اللغة العربية الدكتور بيتر عبّود الذي أستطاع أن يكوَّن فريق مؤلِّفين من عدد من أساتذة الجامعات الأمريكية لتأليف كتابٍ منهجي حديث لتدريس اللغة العربية الفصحى للمبتدئين عنوانه بالعربية " مبادئ اللغة العربية المعاصرة"1 . ثم نجح ذلك العام كذلك في الحصول على دعمٍ ماليٍّ لتأليف الجزء الثاني من الكتاب، الخاصِّ بالمرحلة المتوسطة من متعلِّمي اللغة العربية.

كان فريق المؤلِّفين سيجتمع في مقرِّ جامعة مشيغان ـ آن آربر خلال العطلة الصيفية سنة 1971 مدّة ستة أسابيع. وشُكِّل الفريق من عددٍ من أساتذة للغة العربية وآدابها في الجامعات الأمريكية وهم: بيتر عبود (جامعة تكساس)،  صالح جواد الطعمة (جامعة إنديانا)، والاس إيروين  (جامعة جورج تاون)2 .إيرنست مكيريوس، إيرنست عبد المسيح، راجي راموني (الجامعة المضيّفة، جامعة مشيغان).

ورأى بيتر عبود أن يستعين بثلاثةٍ من طلاب الدكتوراه بصفة مساعدي مؤلِّفين. وعرض عليَّ أن أكون واحداً منهم. فاعتذرتُ شاكراً. فسأل عن السبب فقلتُ إنني أريد أن أتابع مسارَين (صفين) خلال هذا الصيف في جامعة تكساس، أحدهما في علم اللغة التطبيقي والآخر في الأدب، فأحصل على 6 نقاط، لكي أستطيع التخرُّج بسرعة والعودة إلى بلدي. فقال: أنا أعطيك 6 نقاط إذا كتبتَ دراسةً عن طريقة تأليف الكتاب، ودراسةً عن الأدب العراقي الحديث، وحضرتَ مستمعاً لمسارَين في جامعة مشيغان: أحدهما في علم اللغة التطبيقي والآخر في الأدب. (ومعظم دروس الدكتوراه لا تشتمل على امتحانات بل يقدّم الطالب دراسات وبحوثاً، وما طلبه الدكتور بيتر عبود يقع ضمن مرونة النظام الجامعي الأمريكي والثقة بالأستاذ). فقبلتُ عرضه.

ونظراً لأنني كنتُ في السنة السابقة، قد أصدرتُ كتاباً في تعليم اللغة بالاستعانة بمختبر اللغة، وعنوانه "مختبر اللغة"3 . كما صدر لي، بالتعاون مع المستعرب الأمريكي وليم فريزير، كتاباً باللغة الإنكليزية عن القصة العراقية الحديثة، يشتمل على دراسات نقدية وإحدى عشرة قصة اخترناها وترجمناها إلى اللغة الإنكليزية، وإحدى هذه القصص لجعفر الخليلي4.

ولهذا فإنني حضرتُ في جامعة مشيغان مسارين (صفَّين) بصفة مستمع أحدهما عن تقنيات مختبر اللغة، والآخر عن القصة العربية الحديثة لأستاذ الأدب العربي في جامعة مشيغان المستعرب البريطاني الدكتور تريفور لكاسك.

وتشتمل الدراسة الأدبية التي قدَّمتُها باللغة الإنجليزية للدكتور عبود حواراً مع الأب اليسوعي توماس هيمل المدرّس في جامعة مشيغان والذي كان على وشك إنهاء أطروحته للدكتوراه عن جعفر الخليلي، أحد رواد القصة الحديثة في العراق. وفيما كنتُ أرتّب بعض الأوراق القديمة قبل أيام، عثرتُ على ذلك الحوار الذي أجريته قبل ما يقرب من خمسين عاماً، ولم أكن قد نشرته من قبل، وهذا نصه:

أطروحة دكتوراه عن جعفر الخليلي في جامعة مشيغان

بعد أكثر من خمسة عشر حولاً، تقوم جامعة مشيغان في آن آربر، إحدى كبريات الجامعات الأمريكية، برد الجميل للأستاذ جعفر الخليلي5 الذي ذكر تلك الجامعة، غير عامدٍ، في أُقصوصته " إنسان من العراق"، فتختاره اليوم بعد درس وتمحيص، موضوعاً لأوّل أطروحة دكتوراه عن الأدب العراقي المعاصر يعدّها توماس هيمل، Thomas Hamel، وتنتدب للإشراف على  هذه الأطروحة نخبةً من أساتذتها المختصين باللغة العربية وآدابها. فرئيس اللجنة المشرفة التي ستضطلع بمناقشتها، هو الأستاذ تريفور لكاسك.  والدكتور لكاسك  Trevor LeGassick مستعرب إنكليزي، ولد سنة 1934، وحاز البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة  لندن، وكتب أطروحته عن " القومية العربية" ونال الدكتوراه من الجامعة ذاتها سنة  1961، وعاش في البلاد العربية ما ينيف على أربع سنوات، دارساً آدابها، متصلاً بكتّابها، موثقاً أواصر الصداقة مع عدد من قصّاصيها  المرموقين، كنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وحليم بركات وديزي الأمير. وكان أول من ترجم بعض روايات نجيب محفوظ إلى الإنكليزية فقد ترجم له رواية " زقاق المدق"، وترجم لعدد آخر من الأدباء العرب، مثل مسرحية " الفرافير" ليوسف إدريس، التي ستنشرها جامعة كاليفورنيا قريباً، و "أنا حرة وقصص أخرى" لإحسان عبد القدوس، و"عودة الطائر إلى البحر" لحليم بركات وهي رواية حول القضية الفلسطينية، وتصوّر ما يعانيه اللاجئون، وتمجّد العمل الفدائي. وأخبرني الأستاذ لكاسك أنه يواجه صعوبة في الحصول على ناشر أمريكي للرواية الأخيرة، على الرغم مما تمتاز به من بناء فنّي جيد وأسلوب شيّق. ونشر لكاسك مقالاته عن الأدب العربي في أوربا وأمريكا، مُبرِزاً الخصال الإنسانية فيه، مشيداً بنضال الأدباء العرب بوصفهم حملة مشاعل الوحدة العربية. ورحل لكاسك إلى الولايات المتحدة حيث درًّس الأدب العربي فترات قصيرة في بعض معاهدها العليا مثل جامعة وسكانسون، وجامعة إنديانا، قبل أن يستقرَّ أستاذاً في جامعة مشيغان.

ومن أعضاء اللجنة المشرفة على الأطروحة عن جعفر الخليلي، الأستاذ إيرنست مكاريوس رئيس دائرة لغات الشرق الأدنى وآدابها في جامعة مشيغان، وهو لغوي أمريكي من أصل عربي، ولد في فرجينيا الغربية سنة 1922، وحصل على البكالوريوس في اللغة اليابانية، ثم الماجستير في اللغة الإسبانية، ثم الدكتوراه في علم اللغة من جامعة مشيغان. وكان موضوع أطروحته للدكتوراه " اللغة الكردية: لهجة السليمانية". وعُرِف الأستاذ مكاريوس بدراساته وأبحاثه في اللغتين العربية والكردية، وتربو مؤلَّفاته على الأربعين كتاباً وبحثاً. كما يقوم الآن بالتعاون مع أساتذة آخرين بمشروع لغوي بدأه منذ ثلاث سنوات يهدف إلى إنشاء مدوَّنة نصوص عربية، وتحليل التراكيب العربية الفصحى ودراسة قواعدها، باستخدام الحاسوب. ومن المؤمَّل أن يتمخَّض هذا المشروع عن نتائج على جانب كبير من الأهمية في الدراسات النحوية والبلاغية.

أما مرشَّح الدكتوراه الذي يضطلع بإعداد هذه الأطروحة، فهو الأب اليسوعي الأمريكي توماس هيمل، الذي ولد سنة 1926، وحصل على بكالوريوس في الآداب سنة 1950، وحاز الماجستير في الفلسفة في السنة التالية. وذهب إلى العراق ليدرّس اللغة الإنجليزية في كلية بغداد في عاصمة هارون الرشيد ـ كما يحلو له أن يسمى عاصمتنا ـ مدّة أربع سنوات. ثم تابع دراساته الفلسفية واللاهوتية في أمريكا وبلجيكا مدَّة خمس سنوات وحاز شهادات أخرى. وعاد إلى بغداد مدرِّساً للفلسفة في جامعة الحكمة بين عامي 1963 و1966. ثم التحق بجامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة؛ وفي سنة 1967، انتقل إلى دائرة لغات الشرق الآدنى وآدابها في جامعة مشيغان بوصفه مرشحاً للدكتوراه ومدرِّساً  للغة العربية6.

التقيت الأب توماس هيمل، أوَّل مرّة، في أحد دروس الدكتور تريفور ليكاسك في جامعة ميشغان عن الأدب العربي. وخُصِّص ذلك الدرس لمناقشة " تطور الأقصوصة في العراق". وقد لفت انتباهي اطلاعه الواسع على الأدب العراقي الذي تجلّى في ملاحظاته القيمة التي أبداها في حصة المناقشة. والتقينا بعد ذلك للتعارف، واتفقنا على إجراء الحوار التالي:

سؤال: كيف بدأ اهتمامك بالدراسات العربية؟

جواب: كنتُ أعيش في العالم العربي في أوائل الخمسينيات، فقد ذهبتُ إلى العراق سنة 1950 لتدريس اللغة الإنكليزية في كلية بغداد. وفي السنة التالية بدأ الآباء اليسوعيون برنامجاً لتدريس اللغة العربية، فأُتيحت لي الفرصة لتعلُّم اللغة العربية تحت إشراف الأب ريتشارد مكارثي. وكان التركيز منصباً على اللغة العربية الفصحى، بالإضافة إلى الاهتمام باللهجة العراقية.

س: لماذا اخترتَ الأستاذ جعفر الخليلي موضوعاً لأطروحتك؟

ج: عندما كنتُ أعدُّ نفسي لمواصلة دراسة الدكتوراه، عقدت العزم على أن أكتب أطروحتي عن الأدب العربي، وبخاصة الأدب العراقي الحديث، وكان ذلك أمراً طبيعياً لا سيما أنني كنتُ أعيش في بغداد آنذاك. كما أني قمتُ باستطلاع رأي الأستاذين كوركيس عواد ويوسف مسكوني اللذين اقترحا عليَّ أن تكون الأطروحة عن أديب عراقي، ورشَّحا عدداً من الأدباء العراقيين ومن بينهم الأستاذ جعفر الخليلي، ولقد وقع اختياري عليه لفضله على القصة الحديثة في العراق. وهل هنالك اختيار أوفق من رجل كرَّس حياته كلًها لقضية الأدب في بلاده؟!

س: أنت تعلم أن الأستاذ جعفر الخليل هو صحفي، وقصاص، وناقد، ودارس أدب، ومفكر اجتماعي، ومؤرِّخ، وجغرافي. فأي جانب من كتاباته تناولت في اطروحتك؟

ج: تتناول أطروحتي أعمال الخليلي القصصية فقط؛ بل اقتصرت أبحاثي على الأعمال التي نُشِرت على شكل مجموعات قصصية، ولهذا فإني أعترف بأن دراستي هي مجرّد مقدِّمة لفنِّ القصّة لدى الخليلي.

س: هل التقيت بالأستاذ الخليلي؟

ج: نعم، لقد حظيتُ بمقابلة الأستاذ الخليلي لأوَّل مرَّة عندما كنتُ في بغداد. وقد غمرني بلطفه، وابدى استعداده لتقديم جميع التسهيلات اللازمة لبحثي، حتى قبل أن يعرف بأنه سيكون موضوع أطروحتي بالذات. ثم زرته بعد ذلك بضع مرّات. كما أني أراسله كلَّما احتجتُ إلى إيضاح.

س: هل تواجه صعوبة في الحصول على المصادر اللازمة للبحث؟

ج: إنني لا أزال أبحث عن أعداد جريدة "الهاتف" الكاملة.

س: لقد أخبرني الأستاذ الخليلي ذات مرة أنه باع مجموعة أعداد جريدة "الهاتف" إلى مكتبة جامعة شيكاغو التي وعدت بإرسال نسخة مصورة منها إليه. ولا تبعد شيكاغو كثيراً من آن آربر، فلماذا لا تذهب إلى المكتبة المذكورة؟

ج: لقد سمعتُ هذا الخبر من زميلك الأستاذ وليم فريزير، فسافرتُ إلى شيكاغو فور سماعي الخبر، ولكنّي لم أعثر على جريدة " الهاتف" في فهرس المكتبة.

س: كم فصلاً تضمُّ أطروحتك؟

ج: لقد أتممتُ حتى الآن أربعة فصول هي:

1) ظهور القصة الحديثة في العراق، والخلفية الأدبية والتاريخية والاجتماعية لها.

2) ترجمة حياة الخليلي.

3) قصص الخليلي حتى الحرب العالمية الثانية.

4) قصص الخليلي بعد الحرب العالمية الثانية.

وقد ظننتُ أن أطروحتي باتت معدَّة للمناقشة، بيدَ أن الأستاذ المشرف على الأطروحة، البرفسور لكاسك، طلب إليَّ أن أكتب فصلاً خامساً عن " مكانة الخليلي في الأدب العراقي الحديث". وأنت تعرف أنَّ ذلك يتطلَّب دراسةً شاملة للأدب العراقي، وتقييم معطيات الخليلي ومقارنتها بغيرها، ومدى تأثيرها، وتأثُّرها بالاتجاهات الأدبية التي برزت في السنوات الخمسين الماضية. ومنذ أربعة شهور وأنا أراجع المصادر اللازمة لهذا الفصل، وقد يستغرق البحث فيه أربعة شهور أخرى.

س: هلا تفضلتَ بالتحدُّث عن فحوى أطروحتك؟

ج: إن خدمات الخليلي البارزة في حقل القصة العراقية الحديثة حقيقةٌ تاريخيةٌ تتجلّى في قائمة المجموعات القصصية، وفي دراسته التاريخية عن القصة العراقية قديما وحديثاً، وفي تحليله للقصة العربية الحديثة مع تقييم لأساليبها وشخصياتها، وفي مختاراته لعدد من القصاصين العراقيين المعاصرين، وفوق ذلك كلِّه في إصداره جريدة "الهاتف"، ذلك العمل الجبار. وكان أملي أن أنجز بحثي في مكتبة الخليلي الخاصة في كرادة مريم ببغداد، وأن أتناول جميع معطيات الخليلي في مضمار القصة. ولكنني عندما انتقلتُ إلى الولايات المتحدة، أصبحتُ مضطراً إلى اتباع خطة أقل شمولاً، فاقتصرَ البحثُ على المواد التي يمكن الحصول عليها في الولايات المتحدة أو من المؤلّف نفسه بالمراسلة. وهو يستحقُّ كل ثناء وتقدير لمساعداته الكريمة لي. وهكذا تمركز البحث على المجموعات القصصية المنشورة ويبلغ عددها أحد عشر كتاباً. وقد تناولتها جميعها بالدرس والتقييم ما عدا قصة " التعساء" وهي باكورة أعمال الخليلي القصصية. ولقد قسمتُ الكتب العشرة الباقية طبقاً لفترتَين تاريخيتَين، إذ تقع خمس مجموعات منها في الفترة الأولى التي تمتد من ثورة العشرين العراقية حتى بداية الحرب العالمية الثانية. وتنتمي المجموعات الخمس الباقية إلى الفترة الثانية التي تبدأ باندلاع الحرب العالمية الثانية وتنتهي بقيام ثورة 14 تموز 1958.

س: ما هي أفضل قصص الخليلي في رأيه؟

ج: كان الخليلي ينظر إلى قصصه العديدة كأنّها " أولاده". ولهذا نستطيع أن نؤكِّد أن الأقاصيص التي نشرها في مجموعات هي أحسن ما أنتجه. ومع ذلك فإننا نجد بعض هذه القصص يتكرَّر في عدد من المجموعات. وفي ضوء ذلك يمكن أن نخلص إلى القول بأن الخليلي كان يستجيب بذلك إلى رغبة القراء واستحسانهم لتلك القصص بالذات، أو أنه يميل إلى تفضيلها. ويمكن أن نلاحظ في القصَّة التي يُعاد نشرها، بعضَ المراجعة ما يدلُّ على أن المؤلِّف كان في تجربة مستمرة لتطوير فنه، وأنه كان شغوفاً في العمل الأدبي الأصيل. إن غالبية القصص في كل مجموعة هي جديدة طبعاً، وتقدِّم للقارئ صوراً مؤثِّرة عن حياة العراق الاجتماعية بمُدنه وأريافه.

س: ما هي الحالة النفسية التي تعكسها قصص الخليلي؟

ج: لقد كانت قصص الخليلي هادفة دوما، ترمي إلى إثارة الشعور بضرورة الإصلاح الاجتماعي. وكانت نفسية الخليلي المتفائلة تطلُّ من بين سطور أقاصيصه وترتسم على وجوه أشخاصه.  ولعلَّ روح التفاؤل هذه أكثر ما تكون وضوحاً في قصَّتَيه الطويلتَين "الضائع" و " في قرى الجِّنِّ". وكانت الأولى قد كُتبت في أواخر العشرينيات، والثانية في أواسط وأواخر الأربعينيات، وهما يكشفان عن فرق ملحوظ من حيث الأسلوب والتقنيات، ولكنهما يشتركان في الروح التفاؤلية، إذ نجد نغمة أمل ورجاء تشيع في قصصه. ولا بدَّ أن تكون هذه الروح المتطلِّعة دوماً من مميزات أولئك الناس الذين كتب عنهم الخليلي.

س: هل تناولت أطروحتك جريدة " الهاتف"؟

ج:  يجب الإشادة بالدور الفعّال الذي لعبته جريدة " الهاتف" في تطوير القصَّة العراقية. فقد ترعرعت فيها أقلام قصاصي العراق. وكانت هذه الجريدة مضيِّفةً لعدد من قصاصي البلدان العربية المبرزين كذلك. هذا بالإضافة إلى ظهور سيل من القصص غير العربية المترجمة على صفحاتها. ويعترف جميع المنصفين بإنجازات " الهاتف" الرائدة وفضلها على تطوير القصة وتشجيعها وترويجها في العراق. ولا يوجد أدنى شك في أن " الهاتف" كانت خير تعبير عن حبِّ الخليلي للأدب وتفانيه في سبيل قضية الإنسان في العراق.

س: بالمناسبة، أتعرف لماذا سمّى الخليلي صحيفته بـ "الهاتف"؟

ج: لقد أسماها على اسم نجله " هاتف " الذي توفي قبيل إصدار الجريدة.

س: كانت الصحافة الغربية وما تزال أكثر العوامل تأثيراً في نمو القصة القصيرة وترويجها، فهل ينطبق ذلك على الصحافة العراقية؟

ج: إن الصحافة العراقية تشكّل أحد مفاتيح مخزون الثروة القصصية في العراق. ولكن معظم الصحف التي أسهمت في حقل القصة ماتت قبل الأوان، باستثناء " الهاتف". وأمسى من العسير تحديد الاتجاهات المختلفة التي سلكتها القصة العراقية في مراحل تطورها الأولى. وبالرغم من هذه الصعوبات، فإن الفصل الأول من أطروحتي استطاع رسم الخطوط العريضة للمشهد الأدبي في العراق في أوائل العشرينيات أبان قيام القصة الحديثة.

س: لقد حدد رائد القصة القصيرة في أمريكا، أدغار ألن بو، مفهومه للقصة القصيرة بدقّة، فهل فعل الخليلي ذلك7؟

ج: لقد ترك لنا الخليلي ملاحظاته الشخصية حول القصة بوصفها فناً من الفنون الأدبية في كتابه " القصة العراقية قديماً وحديثاً". كما نُشِرت آراؤه في القصة في مناسبات عديدة كالمقابلات الصحفية والتعليقات. وقد استفدتُ من كل ذلك لتكوين فكرة واضحة عن مفهوم القصة لدى الخليلي.

س: ما مدى التزام الخليلي بالمقاييس التي وضعها للقصة القصيرة الجيدة؟

ج: سيتكفل الفصل الخامس من الأطروحة بالإجابة عن هذا السؤال. وأنا لم انتهِ من كتابته بعد. ولكن يمكن القول بشكل عام إن الخليلي جاهد كثيراً في سبيل تطبيق المبادئ الفنية التي وضعها.

س: كيف تصف قصص الخليلي؟

ج: لقد سبق أن ذكرتُ شيئاً عن جدّية قصص الخليلي، وينبغي أن أضيف أن القاص العراقي غالباً ما يعمل وسط صعوبات ناتجة عن نظرة مجتمعه إلى القصة. لقد أشار الخليلي في مناسبات عدَّة إلى أنَّ العراقيين ظلّوا زمناً طويلاً وهم ينظرون إلى القصة كأنَّها مجرَّد تسلية لا تُقرأ إلا لتمضية الوقت. ولربَّما كان هذا الاعتقاد السائد سبباً في الجدّية التي تتَّسم بها قصص الخليلي؛ بالإضافة إلى أنها كانت تمثّل روح الفترة التي كُتبت فيها حين كان القصاصون العراقيون يستخدمون فنَّهم أولاً وقبل كل شيء للمساهمة في الإصلاح الاجتماعي. ولكن هذا لا ينفي تحلّي الخليلي بروح مرحة طالماً نشرت النكات الساخرة في العديد من قصصه. ومن سمات قصص الخليلي أن الكشف عن الشخصيات يتمُّ عبر سلسلة من الحوادث دون اللجوء إلى الحوار. أما عنصر الزمن فإنه يمثل نقطة انطلاق إلى أحداث جديدة. وهذه التقنية ـ في رأيي ـ تُضعِف وحدة الحركة الدرامية، أو على حد تعبير الأستاذ الخليلي نفسه، تعكس للقارئ شيئاً مشابهاً في طبيعته للشرائح أو الصور الثابتة، وليس الأفلام أو الصور المتحرِّكة. وإذا تركنا هذه الملاحظات العابرة جانباً، فإنَّ قصص الخليلي تُعتَبَر جريئة ونبيلة من حيث الأهداف الاجتماعية التي تتوخّاها، وذات نغمة عالمية من حيث معالجتها لمشاكل الحياة الواقعية؛ وهي فوق ذلك كلِّه تحتلُّ مكانةً هامة في تاريخ تطوُّر القصة العراقية الحديثة.

س: كيف تعزو عدم استحسان النقاد الغربيين للقصة العربية عموماً؟ أيرجع ذلك إلى الاختلاف في الذوق أم إلى تقييمهم للقصة العربية طبقاً لمقاييس فنية غربية؟

ج: أعتقد أننا يجب أن نميِّز بين المقاييس والذوق. قد يصحّ إخضاع القصة العربية الحديثة للمقاييس الفنّية الغربية. وهنا يشعر بعضُ النقاد الغربيين بأنَّ القصة العربية لم تصل مستوى مقبولاً لحدِّ الآن. ومع ذلك فإن آراء الناقد لا بُدَّ أن تتلوَّن بأذواقه الحضارية وميوله الشخصية، وليس من السهل عليه فصل المقاييس الموضوعية عن أذواقه الذاتية. وهكذا فغالباً ما يفشل الناقد الغربي في تحسُّس نقاط الجودة التي تتوافر في القصة العربية، لأنَّه يبحث عن هذه النقاط بمنظار حضارته. أنا شخصياً أودُّ أن أرى الأدباء العرب وهم يقيّمون القصة الغربية وينقدونها، لأنَّ هذا يدلّ على هضمهم للمقاييس الفنية الغربية من ناحية، ويلقي ضوءً على الفروق الحضارية، كما تعكسها الأعمال الأدبية من ناحية أخرى.

س: ماذا تنوي أن تفعل بأطروحتك بعد أن تقبلها اللجنة المشرفة في المناقشة؟

ج: سأقدِّم نسخة من أطروحتي للأستاذ الخليلي، خدمةً للأدب العراقي الذي ناضل من أجل إعلاء شأنه. ولكنك تعلم مدى صعوبة الحصول على ناشر في الولايات المتحدة لكتابٍ متخصِّص مثل أطروحتي.

س: أقترح أن تتصل بوزارة الثقافة العراقية فهي تُصدر سلسلة من الكتب الثقافية الأدبية باللغة الإنكليزية، وموضوع أطروحتك مناسب لأهداف هذه السلسلة، على ما أعلم.

ج: سأفعل ذلك.

س: ماذا تنوي أن تعمل بعد حصولك على الدكتوراه؟

ج: آمل أن أتولّى تدريس اللغة العربية في إحدى الجامعات الأمريكية، وأن تتاح لي الفرصة لترجمة خيرة القصص العراقية إلى اللغة الإنكليزية، وأن أزور بغداد، فكثيراً ما يشتدُّ بي الشوق والحنين إليها.

س:  وأنا كذلك، فإن شوقي لَأشدّ وحنيني لَأكبر8.

 

 علي القاسمي

آن آربر: جامعة مشيغان

صيف 1971

 .....................

هوامش

1-  Peter Abboud et al., Elementary Modern Standard Arabic, ( Ann Arbor: Michigan Univ. Press, 1968).

2- Peter Abboud et al, Modern Standard Arabic, Intermediate, (Ann Arabor : Michigan Univ. Press, 1972).

وصدرت لهذا الكتاب نشرة مُراجَعة سنة 2002.

3- Ali M. Cassimy & W. M. Frazier, Modern Iraqi Short Stories (Baghdad: Ministry of Culture, 1970).

4 - علي القاسمي، مختبر اللغة ( الكويت: دار القلم، 1970)

5 - جعفر الخليلي (1904ـ1985)، أديب وصحفي عراقي، أصدر جريدة "الراعي"، ثم مجلة " الهاتف" الأسبوعية التي استمرت من سنة 1935 إلى سنة 1954، وشجع فيها نشر القصص القصيرة التي يُعدُّ الخليلي من روّاد كتابتها.

 6 - ناقش الأب توماس هيمل Thomas Hamel     Father أطروحته عن جعفر الخليلي في جامعة ميشغان سنة 1972 ونال الدكتوراه. وشغل مناصب عليا في الكنيسة اليسوعية في أمريكا، وتوفي سنة 2013. ( هامش أُضيف مؤخراً)

7 - قد يوحي هذا السؤال بأن جعفر الخليلي هو رائد القصة القصيرة في العراق، ولكن المتفق عليه أنه من فرسانها الروّاد، وله فضل كبير في ترويجها وتطويرها من خلال صحيفته " الهاتف" التي دام صدورها قرابة عشرين عاماً. فقد نشر الناقد العراقي الكبير علي جواد الطاهر دراسة في مجلة " الآداب " البيروتية في عدد نيسان وعدد حزيران من سنة 1969 بعنوان " محمود أحمد السيد، رائد القصة الحديثة في العراق". وأصدرت دار الآداب كتابه الذي يحمل نفس العنوان، بعد ذلك. وقد تعزز هذا الرأي بأطروحة دكتوراه قدّمها لكلية الآداب في جامعة بغداد تلميذه الدكتور عبد الإله أحمد عنوانها " نشأة القصة وتطورها في العراق 1908ـ 1939".

8- يشكر محرِّرُ الحوار الدكتور صالح جواد الطعمة أستاذ الأدب العربي في جامعة أندياناـ بلومنغتون، لتكرّمه بقراءة الحوار وإبداء ملاحظاته عليه.

 

 

 

سوف عبيدسونيا عبداللطيفشاعر يكتب منذ السبعينات، اِنضم إلى المشهد الأدبي مبكّرا.. فتعرّف إلى مَن هُم في سنّه وإلى من هُم في سنّ أبيه أو في عمر جدّه... كان يشاركهم أنشطتهم وجلساتهم الأدبيّة ، ينصت إلى مداخلاهم، ونصائحهم بإمعان، فزاد ولعا وحبّا للحرف... ثم صار ينشر قصائده في بعض المجلاّت والصّحف المنتشرة منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين مثل جريدتي  ـ الصباح ـ و ـ العمل ـ  و مجلات ـ الفكر ـ الحياة الثقافية ـ وأصدر أوّل ديوان سنة 1980 بعنوان "الأرض عطشى" أي بعد عشر سنوات من نشر نصوصه ثم تواصلت كتاباته وإصداراته إلى يومنا هذا.. وبعد أن كان الحفيد والابن والصديق للأدباء أصبح هو الجدّ والأب للشّعراء ولهواة الحرف..

إنّه الشاعر الكبير ـ سُوف عبيد ـ الذي نتحدّث معه في هذا الحوار لنزيد التّعرّف على نواحي مسيرته

السؤال الأوّل: كيف تعرّف نفسك لمن لا يعرفك، أستاذ سُوف عبيد؟

الجواب: أوفَى تعريف وأكمله لمن لا يعرفني هو قصائدي ونصوصي فهي تمثلني في أتمّ تعريف وإذا كان من ضرورة وضع إطار لها في الزمان والمكان فيمكن القول إني من مواليد موسم حصاد سنة 1952 بدون تحديد اليوم لأن الولادة كانت في بادية ـ بئر الكرمة ـ من بلد غمراسن بالجنوب الشرقي التونسي تلك البيئة التي اِنغرست فيها كثير من جذور وجداني وظهرت معالمها في كثير من نصوصي وقد اِنتقلت صبيّا إلى ضاحية ـ سيدي رزيق ـ من ضواحي العاصمة لدى عمّي عبد الرحمان فدرست بالمدرسة الابتدائية بمقرين ثم بمدرسة نهج المغرب بالعاصمة عندما اِنتقلت عائلتي إلى العاصمة نهائيا مع العلم أن جدودي كانوا من قديم الزمان لهم صلات وثيقة بها فظلال المدينة واضحة أيضا في قصائدي .

دائما يخالجني شعور الحنين إلى البادية بما تمثله من فضاء شاسع على مدى البصر  وقيم إنسانية باتت نادرة الوجود لكن ذاك الجنوب مع الأسف أصبح جنوبا آخر لا صلة له أو تكاد بما عرفته فيه

أنا عرفت في طفولتي قيمة قطرة الماء وصوت دكّ مدافع جيش الاِستعمار وهي تلاحق الثوّار في الأودية والجبال وعرفت مذاق الخبز من الفرن بأصابع أمّي التي كان غناؤها  سنفونيات عذبة على إيقاع دوران الرحى ورأسي يتوسّد ركبتها ونحن في غار حوشنا القديم  .…

السؤال الثاني: أنت شاعر وأديب تكتب المقالات والسّيرة الذّاتية ولديك قراءات عدّة لأعمال متنوعة لمبدعين في الأدب والفنّ كما لديك دراسة في قصائد أبي القاسم الشابي النّثريّة "صفحات من كتاب الوجود" ودراسة في الشّعر التّونسي المعاصر.. فهل توضّح للقارئ أعمالك أكثر؟ وأيّ الأعمال التي واجهت صعوبة في إعدادها؟

الجواب: الشعر هو الأصل أو هو محور المسيرة غير أن بقية الاهتمامات صدرت عن شغفي بالأدب أساسا وكذلك بفضل دراستي في كلية الآداب بتونس حيث نهلت من معين أساتذة جهابذة في الدراسات الأدبية والتحقيق ولا شك أن قصائد الشابي النثرية التي نشرتها ببت الحكمة في تونس سنة 2009 كانت ثمرة تلك الدروس وأنا أعتبر تلك القصائد هي الديوان الثاني لأبي القاسم الشابي وقد جعلت لها العنوان الذي اختاره هو بنفسه في رسالته الثالثة لصديقه محمد الحليوي وهو - صفحات من كتاب الوجود - فكم أنا معتز بتحقيق أمنية الشابي في نشر تلك النصوص التي كانت مبعثرة في مصادرها الأولى.

أما كتاب - حركات الشعر التونسي الجديد - فهو عبارة عن شهادتي حول مسيرة الشعر التونسي حيث أني عايشت عديد الحركات فيه وهي حركات متنوعة وإن ذاك التنوع هو الذي دفع بالشعراء إلى معانقة الفضاءات الأرحب .

أما كتابي - الضفة الثالثة - فهو مجموع مقالات كتبتها على مدى سنوات طويلة ورصدت فيها قصائد وتجارب ومسائل مختلفة في الشعر التونسي والعربي

السؤال الثالث: أيّ جنس من الكتابات أحبّ واقرب إليك؟ لماذا؟

الجواب: الشّعر طبعا إذ منه وفيه لذائذ عديدة أولها لذة قراءته أو سماعه وما أمتع لحظات اِنبجاس إلهامه وأنت تحاول الإمساك بجناح من أجنحة الفكرة وهي ترفرف حواليك في كل آن ومكان مغرية حينا متمنّعة حينا وبين هذا وذاك أنت صابر لقنصها حتى إذا ما اِستسلمت منقادة وأرخت لك العنان تقبل عليها بحذر ولطف فتبدأ حينها في نسجها حرفا حرفا وكلمة كلمة وتظل معها كأنك تنسج من مختلف الخيوط والألوان والأشكال زربية من حرير أو كأنك تُهيّء من أرض بُور بستانا ليستحيل حدائق منسقة جميلة وجنات يانعة الثمار وارفة الظلال

السؤال الرابع: هل جرّبت كتابة القصّة والرواية؟ أو كتابة المسرح أو العمل فيه؟ لماذا؟

الجواب: كتبت في بدايتي بعض القصص القصيرة ولم أواصل الكتابة السردية ولم أجرّب الكتابة المسرحية ولا الرواية رغم أني قرأت كثيرا من الأقاصيص والروايات

أما سبب عدم ولوعي بكتابة القصّة والرواية فهو راجع لا محالة إلى أن الشعر قد غلب على مهحتي وملكة الكتابة في قلمي !

السؤال الخامس: لو لم تكن ـ سُوف عبيد ـ  الشاعر، من كنت تودّ أن تكون؟

الجواب: أحب السينما لأنها جامعة لفنون كثيرة فهي الصورة والسرد والموسيقى بحيث أن السينما شرفات مفتوحة على الدنيا وعلى الناس فهي جامعة للفنون وللمعارف أيضا ناهيك بالأفلام الوثائقية في شتى الميادين ولكن الظروف لم تسمح لي بالانخراط في مجال السينما فأنا أكتفي بالمتابعة وقد توحي لي بعض المشاهد السينمائية ببعض الخواطر الشعرية ومن المصادفات العجيبة أن أحد تلاميذي درس الإخراج السينمائي وجاءني يوما ليقترح أن أقوم بدور أساسي في فلم فاِعتذرت له بكل أسف

من ناحية أخرى كان بإمكاني مواصلة اِنخراطي في سلك ضباط الطيران بالجيش الوطني التونسي عندما تخرجت من الأكاديمية العسكرية وذلك عندما دُعيت بعد تخرجي من كلية الآداب لأداء واجب الخدمة العسكرية

وكان بإمكاني أيضا عدم الاِنخراط في سلك التعليم وحمل المحفظة والِاهتمام بتجارة مواد البناء مع الوالد رحمه الله ودخول عالم المقاولات من الباب الكبير فلقد كان الوالد اِكتسب الخبرة في هذا المجال بعد أن اِحترف صناعة الفطائر والحلويات التقليدية التونسية

كان بوسعي أيضا أن أهاجر إلى فرنسا حيث هناك كثير من أقاربي ومعارف والدي

نعم في شبابي كانت أمامي اِختيارات عديدة وكان النجاح فيها ممكنا غير أني اِخترت المحفظة والقصيدة

السّؤال السادس: بصفتك شاهد على ما يقارب الأربعة أجيال من الإبداع الثقافي.. كيف ترى الساحة الثقافية اليوم.. هل هي أسوأ أم أفضل..؟

وأيّ الفترات الأحبّ إليك وترى فيها نقلة نوعيّة من حيث التجديد والتطوير..؟

الجواب: لكل فترة ظروفها وخصائصها فقد أدركت حتى الشعراء الذين عاصروا أبا القاسم الشابي ومنهم الشاعر مصطفى خريف وعندما صدر ديوانه - شوق ذوق -  في منتصف ستينيات القرن العشرين كان حدثا أدبيا بارزا وقد استعرضه لنا في درس العروض الأستاذ الصادق بن عمران بمعهد الصادقية وأذكر أنه قرأ لنا منه عديد القصائد وقد شدّت انتباهي قصيدتان هما  - حورية الموج - التي راوح فيها بين التفعيلات والصور الشعرية حتى لكأنها سنفونية وقصيدة -  بين جبل بحر - تلك التي وردت على غير النسق العروضي ومن وقتها خاصة عرفت أن الشعر  يكون على غير البحور والتفعيلات ثم اكتشفت بعد أن اقتنيت الديوان من غد أنه يتضمن قصائد من الشعر الشعبي أيضا !!

لقد كان ديوان مصطفى خريف - شوق وذوق - نقطة انطلاق أولى كشفت لي أن الشعر يتمثل في أنواع مختلفة من الأشكال الفنية

إن الهاجس الشعري لدى الشعراء التونسيين الذين ظهروا ماببن الحرب العالمية الثانية إلى حدود السنوات الأولى من عهد الاستقلال كان تعبيرا عن الروح الوطنية في أبعادها المغاربية والعربية والإسلامية وإن عبّرت عن أبعاد أخرى فإن مداها كان لا يتجاوز الآفاق الرومنطيقية التي حلّق فيها الشابي قبلهم

غير أنّ الأدب التونسي لم ينطلق في مرحلة جديدة وحاسمة إلا في أواخر ستينيات القرن العشرين مع الموجة الطلائعية سواء في القصة والشعر أو في المسرح والرسم أو في الموسيقى والسينما وقد تواصلت ارتداداتها على مدى سنوات... وإلى اليوم مازال صداها واضحا في كثير من الآثار الأدبية والفنية

السؤال السابع: بماذا تنصح المبتدئين في الكتابة والشعراء عامة؟

الجواب: طبعا أنا أظل مبتدئا رغم الخمسين عاما في مزاولة القلم والورقة ففي كل قصيدة جديدة أنطلق مع كشف جديد وهدا الكشف يتأتى بفضل الاِطلاع على النصوص الأخرى قدبمها وحديثها وضمن الآداب والفنون الأخرى أيضا ولابد من صدق المعاناة والمكابدة ليتسنى القادح فتتجلى القصيدة في بهاها وإذا كان لي من نصيحة للمبتدئين فإنها تتمثل في ضرورة الاِطلاع على أشعار السابقين وعلى منجزات الآداب الأخرى في العالم كي تنشأ لديهم الخبرة والإصافة لأني أرى أن الشاعر المبدع هو الذي يرسم في قصائده كونا خاصا به وروحا متمبّرة لتكون بصماته واضحة المعالم .

السؤال الثامن: أنت مع التّجديد وقصيد النّثر.. ولكننا نراك من حين لآخر تعود إلى القصيد الموزون.. هل هو الحنين إلى القديم أم تريد التّحدّي وكأنّك تجيب أحبّاء القصيد العمودي أنَّك قادر عليها وتنتصر على العروض..؟

الجواب: هو كذلك فقد كانت اِنطلاقتي مع الشعر المتحرر من من التفعيلات والبحور حيث بدأت مع موجة كبيرة من شعراء المجدّدين الباحثين عن الإضافة وهذا لا يعني أبدا أن الشعر البديع لا يكون إلا في شكل واحد  فالقصيدة الجميلة يمكن أن تكون في أيّ شكل فنّي مناسب ولست مطمئنا إلى تصنيف الشعر حسب شكله فقط وعندما كتبت بغض القصائد الملتزمة بالبحور فهي من باب التنويع والحنين إلى العتيق المتأصل فينا

وفي هذا السياق أقول إنّي لست مطمئنا للنظرة الشكلانية التي تنظر إلى النصوص الشعرية من الجانب الشكلي فحسب لأنها تحجب الأبعاد الأخرى العديدة ...

السؤال التاسع: الشاعر سُوف عبيد منذ اِنطلاقته وهو فاعل وناشط في الأندية والمجالس الأدبية والشعرية.. محفّزا للشعراء الجدد... ماذا جنيت من كل هذا؟ وهل اِستفدت منها؟

ثم كيف أثّرت هذه الاحتكاكات على علاقتك بالأدباء عامّة وانعكاساتها على السّاحة الثّقافية..؟

الجواب: أعتبر أن الحياة عامة والحياة الثقافية والأدبية خاصة هي أخذ وعطاء وتفاعل كي نتجدّد ونتطور ومثلما كنت محظوظا بتشجيع أدباء وشعراء وأساتذتي لابدّ أن أمدّ يدي للقادمين وبذلك تتواصل الأجيال وتتلاقح التجارب لإغناء الأدب

السؤال العاشر: لو كنت وزير ثقافة ماهو أول شيء يخطر  ببالك تريد أن تفعله؟

الجواب: الوزارة لا تليق بي ولا أليق بها

السًؤال الحادي عشر: ماهي مواضيع كتابتك..؟ وكيف تختار كلمات قصيدتك؟

الجواب: ليس لي مواضيع محددة للكتابة فيها وإنما تخطر الفكرة عند حالة شعرية بذاتها فتختمر في الذهن ثم أشرع في عملية التخطيط كمثل المهندس أو الجغرافي يرسم خريطة ثم تأتي مرحلة البناء كلمة كلمة وهذه المرحلة تتطلب الدقة والمراجعة والتمعن في التفاصيل تماما مثلما يرتب بائع الورد باقته بالتسوية والتشذيب والتنسيق أو كما تتمعن الماشطة العروس لتضفي عليها اللمسات الأخيرة بل قد أعود لمراجعة القصيدة حتى بعد أعوام...

السؤال الثاني عشر: ماذا تمثّل المرأة بالنسبة لك؟ وأين تظهر في كتاباتك؟ هل يستهويك كتابة الغزل؟

الجواب: المرأة وما أدراك ما المرأة...!....هي إبداع الله الذي تتجلّى فيها قدرته وقد كتبت عديد القصائد من وحيها ومن رموزها وحاولت تطوير المواضيع فيها لأننا لن نضيف شيئا في الغزل بعد عمر ابن أبي ربيعة وجميل بثينة ونزار قباني مثلا

السؤال الثالث عشر: أنت شاعر تكتب منذ حوالي خمسين سنة.. هل تأثرت بما يسمى أدب الومضة أوالنبضة... وما مدى تأثير الأدب الغربي على نصوصك..؟

الجواب: إنّ اِطلاعي المبكر على الشعر الفرنسي ثم على شعراء العالم الكبار  هو الذي جعلني أنحو هذا المنحى الشعري الذي سلكته عن اِقتناع والفضل يعود ولا شك للمدرسة التونسية التي تعلمنا فيها اللغة الفرنسية تلك التي من خلالها اِطلعت على إنجازاتها الشعرية ثم من خلالها قرأت للشعراء الأفذاذ في مختلف اللغات مثل طاغور وبوشكين ولوركا وشعراء إفريقيا وأمريكا والصين واليابان الذين قرأت لهم في مكتبة المركز الثقافي بتونس أما قصيدة الومضة فقد كتبتها ونشرت منها منذ أوائل السبعينيات وأعتبرها شكلا جديدا يُضاف إلى مدونة الشعر العربي في الثلث الأخير من القرن العشرين .

السؤال الرابع عشر: هل وقع التلحين لبعض نصوصك وأدائها من قبل بعض الفنانين؟

الجواب: لحّنت لي فرقة الحمائم البيض قصيدة العصافير وأدّتها في بعض حفلاتها ولحّن الفنان عبّاس مقدّم  بعض الأبيات من قصيدة عروس البحر وقصيدة الصورة القديمة وعندما يطلب مني بعض الفنانين كلمات لأغانبهم أقول لهم اِقرؤوا قصائدي وقصائد غيري فأنا لا أكتب تحت الطلب

السؤال الخامس عشر: كيف ترى الأدب والشعر في الوطن العربي عامة وتونس خاصة؟

الجواب: مع الأسف نحن نمرّ بمرحلة تقهقرت فيها القراءة وصار الأدباء والشعراء يكتبون لبعضهم فقط وهذا يعود لأسباب عديدة متداخلة جعلت الثقافة في البلدان العربية من آخر اِهتمامات المواطن والمجتمع والأمة التي لا تقرأ ينتظرها التلاشي ولا شك...ولابدّ من ملاحظة أنّ إنجازات مهمّة ومتعدّدة نشأت في مختلف البلدان العربية ولكنّ الكتب لا تصل ممّا يجعل متابعتها أمرا غير يسير...

السؤال السادس عشر: ما هي الصعوبات التي تعترض المثقّف بصفة عامة ولماذا نقص الإقبال على شراء الكتب بحسب رأيك؟

الجواب: تشمل كلمة المثقف الذين تحصّلوا على قدر مهمّ من المعرفة في اِختصاصات كثيرة من رجال القانون والهندسة والطب والتقنية والإدارة والتعليم والإعلام وغيرهم وقد صاروا يمثلون نخبة المجتمعات أما الأدباء والشعراء فقد تراجع تأثيرهم فما عادوا في الصدارة لذلك تراجعت أهمية الكتاب الفكري والأدبي بالإضافة إلى اِنتشار وسائل الاتصال الحديثة التي اِستهوت الناس جميعا

السؤال السابع عشر: هل ترى أن المواقع الإلكترونية والاجتماعية والمشاركات عن بعد لها مزايا على السّاحة الثّقافية وأنْه بإمكانها تعويض الورق والواقع؟

الجواب: قد أفاد الأنترنت الذين يرومون الاِطلاع والثقافة إذ بواسطته يستطيعون قراءة الكتب التي ربما كانوا يسمعون بعناوينها فقط وكذلك أمكنهم نشر نصوصهم والاِستغناء عن الناشرين ونحن في الواقع نعيش مرحلة اِنتقالية في الوسائط الثقافية مثلما عاش أسلافنا عصورا من الكتابة والقراءة عبر ألواح الطين والحجارة والجلود ثم اِنتقلوا إلى عصر الورقة والقلم ثم اّنتقلوا إلى الطباعة والرّقن وها نحن نعيش مرحلة جديدة هي مرحلة الكتاية والقراءة الألكترونية وهي مرحلة ستؤثّر على الفكر والإبداع ولا شك....لكني لا أدري كيف...غير أني قد واكبت هذا التحوّل فتعلمت ما تيسّر وأنشأت موقعا يجمع أغلب ما كتبت ونشرت وشرعت منذ أكثر من عشر سنوات في إرسال نصوصي الشعرية وغيرها إلى بعض المواقع الجادة .

السؤال الثامن عشر: الشّاعر لا يموت ويظلْ شابّا على الدّوام، فما هي طموحاتك المستقبليْة ..؟ وهل لديك أعمال أو مخطوطات حيز الإعداد؟

الجواب: لكنّه قد يُصاب بالملل أو الإحباط أحيانا...فُتباغته السّكتة الأدبية...أشعر هذه الأعوام أن تونس ليست على ما يرام بل تعاني من تفشّي الجهل والِانتهازية وتتراجع عن كثير من مكتسباتها ولا أرى في الآفاق تباشير مشجعة مع الأسف... الحمد لله أنني تمكنت من نشر أعمالي الشعرية كاملة وما بقي إلا القصائد القديمة التي أراجعها وبعض القصائد الجديدة وهي تمثل مجموعة شعرية بعنوان ـ آخر العنقود ـ وقد سلّمت إلى دار اِتحاد الكتاب للنشر كتابا فيك ما تيسّر من سيرتي الذاتية والشهادات وتظل عشرات المقالات والكتابات مبثوثة في الصحف والمجلات تنتظر الجمع والتبويب والنشر...ولا أظن أنني قادر على ذلك

السؤال التاسع عشر: سؤال لمْ أطرحه عليك وكنت تودْ لو سُئلت فيه وتريد الخوض في شأنه؟

الجواب: شكرا....هذا حوار شامل و ـ بكفي القلادةَ ما أحاط بالعنق ـ كما يقول المثل القديم

السؤال العشرون: منْ مِن الأدباء والشعراء القدامى الذين تركوا بصمتهم فيك وتأثرت بهم، ومن في الجُدد تتوقّع لهم مستقبلا ناجحا..؟

الجواب: كثيرون هم الأدباء والشعراء الذين قرأت لهم وتركوا في وجداني أثرا كبيرا من خلال قصائدهم وكتبهم أو حتى بعض أبياتهم مثل قصيدة أبي فراس في سجنه وقصيدة أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه وقصيدة ـ صلوات في هيكل الحب ـ  للشابي وقصيدة ـ حورية الموج ـ لمصطفى خريّف ـ وقصيدة صالح القرمادي في رثاء نفسه...أمّا بالنسبة للشعراء الجدد فأرجو أن يواصلوا على درب السابقين ولا يستسهلوا النشر وأن لا يغترّوا  بالألقاب والتكريمات والجوائز وغيرها....عليهم أن يملؤوا وطابهم من منجزات السّابقين لعلهم يضيفوا....قد كتبت مرة مقالا بعنوان ـ ليس سهلا أن نكون شعراء. !!..

بهذه الأسئلة أكون ربّنا قد سلطت ضوءا أكثر على الشاعر المتألق سوف عبيد وجعلته أقرب إليكم.. وأرجو لشاعرنا المزيد من الإبداع والنجاح..

ولمزيد الغوص في هذه الشخصية الأدبية وأعمالها يمكن العودة إلى الموقع الإلكتروني الخاص بالشاعر سوف عبيد

 تحية تقدير ومحبة للجميع

 

أجرت الحوار سُونيا عبد اللطيف ـ تونس ـ

 

1860 خالد صبر سالمفي كتاباتي أجعل العشق والمحبة مقابل الإرهاب والكراهية والطغيان

(أغلب الاتحادات الأدبية العربية خاضعة لسياسات حكامها المتناحرة)

(على المثقفين أن يبتعدوا عن لغة الأظافر القاسية)


يرى الشاعر العراقي خالد صبر سالم أن التقارب في الرؤى والأفكار بين الاتحادات العربية ضعيف جدا بسبب الاختلاف بل والتناحر والاحتراب بين الانظمة العربية، لأن أغلب الاتحادات الأدبية خاضعة لسياسات حكامها المتناحرة، اثر ذلك على الحركة الأدبية، جعلت المتطفلين على الأدب والعابثين بخصائصه يلوثون الساحة الأدبية بما ينشرون ويدعون أنه أدب، ولذا علينا نحن المثقفين ان نبتعد عن لغة الأظافر القاسية وأن تكون علاقاتنا الأدبية علاقات إخاء ومحبة، ويعتبر الشاعر خالد صبر سالم  من دعاة "التجديد" حيث أعلن بشكل صريح بالقول: "أنا مع التجديد ليس في الأدب فقط وإنما في جميع ميادين الحياة"، في قصائده يتكلم خالد صبر سالم بلغة الورد، وهو في تحريكه القلم  لاعبٌ ماهرٌ، يداعبه بحنان وفعالية، قالوا عنه أنه شاعر الحرية والنضال، والإنسان الذي أحبته مدينة الناصرية المناضلة، في رصيده دواوين شعرية، شارك في لقاءات أدبية ومهرجانات، في لقاء افتراضي كان لنا معه هذا الحوار الشيق ولا شك أنه سوف يثري الساحة الأدبية

1) يريد القارئ أن يعرف من هو خالد صبر سالم؟

- خالد صبر سالم شاعر عراقي استاذ للغة العربية متخرج من جامعة بغداد متزوج ويعيش في مدينة الناصرية جنوب العراق وهي وريثة مدينة أور عاصمة الحضارة السومرية وهو شاعر يكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة ومقل بقصيدة النثر

2) متى اكتشفتم موهبتكم الشعرية؟ وإلى أي مؤسسة ينتمي خالد صبر سالم؟

- بدأت كتابة الشعر وعمري أربع عشرة سنة وصقلت موهبتي أثناء دراستي الجامعية حيث تخصصت بدراسة اللغة، حاليا أنا عضو في الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين

3) كيف تقيمون الحركة الأدبية اليوم في ظل انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي؟

- وسائل التواصل الاجتماعي أثّرتْ على الحركة الأدبية تأثيرين إيجابي وسلبي، الأول وثق الصلات بين الادباء العرب وجعلهم يتبادلون ابداعاتهم، وسهلتْ هذه الوسائل من نشر نتاجات الادباء الذين لا يستطيعون ايصالها إلى دور النشر الورقية وأمّا التأثير السلبي فهي جعلت المتطفلين على الأدب والعابثين بخصائصه يلوثون الساحة الأدبية بما ينشرون ويدعون انه أدب، وهناك الكثير جدا من المنتديات والمواقع والصحف الإلكترونية التي يتجمع فيها الآلاف من الادباء حيث ينشرون نتاجاتهم ويتبادلون التعليقات فيما بينهم اضافة لوجود النقاد الذين يتابعون ما ينشر ويكتبون القراءات النقدية حولها وأمّا التأثير السلبي فهي جعلت المتطفلين على الأدب والعابثين بخصائصه يلوثون الساحة الأدبية بما ينشرون ويدعون انه أدب ونلاحظ الكثير من المنشورات من قبل هؤلاء وهي تفتقر إلى ابسط عناصر النص الأدبي اضافة الى الأخطاء النحوية والاملائية والصرفية القاتلة.

4) هل استطاع الشعر الحديث (الهايكو) أن يقفز على القصيجة العمودية أو المُعلقات؟ وما هي مقاييس القصيدة الناجحة في نظركم؟

- أنا مع التجديد ليس في الأدب فقط وإنما في جميع ميادين الحياة ولكن ينبغي الحذر لأنه ليس كل جديد يحمل سمة الايجابية وفيروس الكورونا جديد ولكنه دمر العالم،  الهايكو طريقة حديثة في الأدب الياباني وكذلك الغربي وهو اتجاه جميل ولكن ينبغي الحذر من الإساءة له من مدعي الأدب كما حدثت الإساءة لقصيدة النثر من مدعي كتابتها، أمّا عن مقاييس القصيدة الناجحة فأعتقد أنها يجب أن تكون صادقة المشاعر ومعبّرة عن آمال الناس وآمالهم وأن تكون مستوفية للجوانب الفنية والصور المدهشة مع الحفاظ على قواعد لغتنا.

5) المتتبع لإصداراتكم الشعرية يرى أنها رافعة بالحب والشوق والحنين، فهل هذا له علاقة بالطفولة أو بالمراهقة؟

- لي أربعة دواوين مطبوعة وثمانية غير مطبوعة وتقريبا نصفها شعر سياسي وحتى في كثير من الغزل اضمن السياسة حيث أجعل العشق والمحبة مقابل الإرهاب والكراهية والطغيان، الغزل ليس شرطا ان تكون علاقته بالطفولة والمراهقة وإنما الغزل يشكل عندي موقفا من الحياة التي ساد فيها العنف والكراهية والشاعر يجب أن يبقى عاشقا إلى نهاية حياته.

6) كتبتم في القصيدة الغزلية فهل للوطن عندكم نصيب؟ وهل هناك شعراء تأثرتم بهم؟

- أجبت عن الشطر الأول من السؤال في الأجوبة السابقة،  أما عن التأثر فأنا رغم محبتي وتأثري بعدد من الشعراء القدامى والمحدثين أميل إلى التأثر بالقصيدة الجميلة أيًّا يكنْ شاعرها.

7) في ظل الحراك الشعبي والثورات العربية نجد غياب الشعر الثوري في الساحة وإن وجد فهو محتشم جدا، ما رأيكم؟

- لا أعتقد ذلك وإنما كان الشعر المعارض سابقا يتخذ من المهرجانات والامسيات الشعرية منصة له فيصل مدويا وبشكل مباشر للجمهور والآن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي المنصة لهذا الشعر،  ولا ننسى ان أدوات القمع من قبل السلطات الحاكمة أصبحت أقوى ومنذ سنوات انقطعت المهرجانات الشعرية التي كان يقيمها اتحاد الأدباء العرب بسبب الانقسام الحكومي العربي وبسبب الحروب الأهلية والفوضى والإرهاب والتدمير الحاصل في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان وغيرها.

8) بحكم عضويتكم في اتحاد الأدباء العراقيين هل هناك تقارب في الرؤى والأفكار بين الإتحادات العربية الأخرى وماهو القاسم المشترك بينهم؟

- التقارب في الرؤى والأفكار بين الاتحادات العربية ضعيف جدا بسبب الاختلاف بل والتناحر والاحتراب بين الانظمة العربية لأن أغلب الاتحادات الأدبية خاضعة لسياسات حكامها المتناحرة وأشير هنا الى ان عضوية اتحاد ادباء العراق ظلت مقطوعة عن الاتحاد العربي لسنوات بعد الاحتلال الأمريكي وهكذا الآن اتحاد سوريا معزول وباختصار ومع الأسف ان الحياة السياسية في الوطن العربي تلقى بظلالها القاتلة على الحياة الثقافية العربية بحيث ان مهرجان الشعر العربي الذي كان سقام سنويا في احد الاقطار قد توقف منذ سنوات.

9) هل اصطدم الشاعر خالد صبر سالم ببعض النقاد؟و ماذا كان رد فعلكم؟

- كتبت العشرات من الدراسات النقدية على قصائدي والحمد لله اغلبها إن لم تكن كلها لصالح القصيدة وشاعرها وحتى لو كانت هناك قراءات نقدية لا ترضيني فأنا أحترم رأي الناقد وأحاوره بروح الإخاء والتوضيح والكشف عن مواطن الخلل في النقد أو في القصيدة وعلينا نحن المثقفين ان نبتعد عن لغة الأظافر القاسية وأن تكون علاقاتنا الأدبية علاقات اخاء ومحبة والوصول للفائدة المتوخاة فالنقد ليس تجريحا وإنما هو عملية تقويم وتوضيح للوصول إلى النص الأدبي المنشود.

10) لو طلب منك أن تكتب قصيدة تهاجم فيها الحاكم، فهل تفعل؟

- الشعر الذي يأتي بطلب لا اعتبره صادقا وإنما موظفا وأجيرا وهو ليس هجوما لأنه ليس مقالة صحفي،  الشاعر واحد من مجتمعه يفرح بفرحه ويحزن بحزنه ويثور اذا ثار ذلك المجتمع والفرق انه يحمل وجدانه الحساس وادواته الفنية فإذن تكون مساهمته في إدانة الظالم تلقائية بلا تكلف او تصنع لذلك نجد ان المئات من الشعراء على مر العصور من ذهبوا فداء لمواقفهم ضد الحكام الجائرين وكما قال الجواهري:- -  لثورةِ الفِكرِ تاريخٌ يُحدِّثُنا بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صُلِبا

11) في هذا الزخم الإبداعي، أين يمكن أن نصنّف الشاعر خالد صبر سالم؟

- أترك ذلك لمن يقرؤون شعري وخاصة النقاد.

12) ماذا عن مشاريعكم، هل هناك إصدارات جديدة قيد الطبع؟

- كما قلت سابقاً عندي أربع مجاميع مطبوعة وثماني مخطوطة وأنوي قريبا أن أطبع مجموعتين الاولى بعنوان:العشقُ يغتالُ إبْليسَ والثانية جَدَليةُ الحزنِ

ماهي كلمتكم الأخيرة للقراء

الأمم تتقدم بتقدم علومها وثقافتها وفنونها وعلى شبابنا المداومة على التعاطي الايجابي الدائم مع منجزات هذه الحقول الحضارية.

مقتطفات من قصائده:

في قصيدة همسات الجوري يقول:

فـَتاتـيَ الحسْـــــناءَ، جوريَّتـي ..  روحي بمحْرابِ الهوى عاكِفــَـهْ

تـُرَتـّلُ العشـــــْـــقَ، تـُؤَدّي لـهُ .. كـُلَّ تـَراتيلِ الجَوى النـازفـــــَــهْ

قدْ عدْتِ لي بلْ أنتِ في خاطري .. ما غـبْتِ عنـْهُ لـَحْظـةً خاطـِفـــهْ

تـَحْيين بي كالنـَبْضِ في خافـقي .. مُوغِلـَةً فـي روحيَ الـواجفـــَــهْ

***

هـا أنـْتِ ذا أرْقـَصْــــتِ اُغـْنيَّتـي ... فـي لـَيْلـةٍ يائســــــــةٍ خائفــــَــهْ

جَعَـلـْتِ مِـنْ أوْردَتــي مِعْـزفـــــاً ... مَوْسـَــقـْتِهـا، أفـْديكِ يا عازفـهْ

صبّي بكأسِ الشوقِ خمْرَ الهوى ...وكـُلُّ أعْصــابي لـَهُ راشــــِـــفـهْ

طـبيبةٌ أنـْتِ وفـي هَمْســــَـــــــةٍ ... أحْيَيْتِ بي مُهْجتـيَ التـالـفــــَـــهْ

و يقول  في قصيدة الخريف:

هربَـتْ سنينـُكَ واسْــتبـدَّ زمـانُ .. والبئـْرُ جَفَّ ودَلـْوُكَ العطـْشــــــانُ

أحْلى الورودِ نـَفـَتـْكَ عنْ أطـْيابـِها .. وغـَفـَتْ وأغـْـلـَقَ بابَـهُ البســــتـانُ

وبقيتَ تحتَ الشمس لمْ ترحَمْكَ إذْ.. حرَمَتـْكَ طيبَ ظِلالِهـــا الأغصـــانُ

تمْشـي على رمْل ٍ وعَصْفٌ لاهِــبٌ .. وأمامَــكَ الكثـْبـانُ ...والكثـْبانُ

إلى أن يقول:

صـادقـْتَ ألـْفَ حمـامـةٍ وحمـامـةٍ ..لمْ تدْر ِ قـَبْلـَكَ ما هـــوَ الطـيَرانُ؟

لمْ تدْر ِ قـَبْلـَكَ أينَ تـَبْني عشَّـها؟ ..فإذا بحضْـنِكَ عشُّـها النعســـــــانُ

قدْ كنـْتَ صيّادًا وسَهْمُكَ لمْ يطـِشْ ..ولدَيْـكَ مِنْ صَـيْدِ الهــــوى غزلانُ

وأسَرْتَ ألـْفَ فـَراشــةٍ تـَيّـاهــةٍ ..ألـوانـُهـــا وجـمـالـُهــــا الـفـتـّــانُ

كنـْتَ الأثيـرَ لـدى أزاهـير ِ الهـوى ..ولدَيـْكَ كـانَ الحُكـْمُ والســــــلطـانُ

والآنَ لا طـَيـْرٌ يُغـرِّدُ صــــادحـًا.. لا مِنْ شــَــــذا تـَنـْدى بـــهِ الأرْدانُ

سَــطـَّرْتَ في كتبِ الغرام ِ فصولـَهُ ..ضـاعَتْ وأقـْفـَرَ بَعْدَهــا العنـْـــوانُ

مـا ظـَلَّ مَـيـْدانٌ تـَتـيـهُ بزهـــوهِ .. ماتَ الهـوى واسـْـتـَوْحَشَ الميدانُ

و من ديوان" العشق يغتال إبليس" يقول في قصيدة بعنوان: حمامة الشوق المجنونة

لا لسْتُ أرْحلُ..

أنتِ لي وَطَنٌ يُطَرَّزُ بالجَمالْ

أنتِ التي سَكنَتْ بعُمْري

مِثْلَ شَمسٍ ليسَ يُدْركُها الزَوالْ

أطَّرْتِ أمْسي بالغَرامْ

ومضى يسيحُ بهِ الهيامْ

وغَدي يُشَرِّعُ بابَهُ

وعلَيْكِ حَلَّقَ فوقَ أجْنِحةِ الخَيالْ

وتَوَقَّفَتْ في حاضِري روحي

تَزخُّ مَحَبَّةً

تَرْوي بَساتينَ الوصالْ

شدّي إلَيكِ يَدَيَّ

بلْ فَلْتُعْلِني فَوْقي احْتِلالَكِ

إنَّني راضٍ بهذا الاحْتلالْ

راض بحسنك ان يقيدني به

وأسيرَ خَلْفَكِ حاملاً أذْيالَ فسْتانِ الدَلالْ

أنتِ المَليكةُ تاجُها بالحُسْنِ صِيغَ وبالجَلالْ..الخ

***

حاورته من الجزائرعلجية عيش

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

تمهيد: "كتبت في الكلمات: "غالبًا ما كنت أفكر ضد نفسي". لم يتم فهم هذه الجملة أيضا. لقد رأينا المازوشية هناك. ولكن هذه هي الطريقة التي يجب أن تفكر بها: أن تثور ضد ما قد تكون قد غرسته في نفسك ".

- جان بول سارتر، في الكلمات وكتابات أخرى عن سيرته الذاتية

تتنزل تجربة التفكير عند بول ريكور ضمن المسار الذي خطه جان بول سارتر عندا قام بالربط بين النظرية والممارسة وبين المعرفة والالتزام وبين الحرية والمسؤولية وبحث عن اخلاقيات وجودية تعتمد على المسلكية الفنومينولوجية الأنطولوجية ولكن ريكور أضاف اليها الرمزية والهرمينوطيقا والسردية والايتيقا وبحث عن تأسيس فلسفة للفعل ضمن مسار جديد تتقاطع فيه المقاربات التحليلية وفلسفة اللغة والذهن والعلوم العرفانية. ألا يقع المرء في التناقض لما يفكر ضد نفسه؟ وكيف يمثل النقد الذاتي شرط تقدم الفكر الفلسفي عند ريكور؟

الترجمة:

"في عام 1996، بمناسبة نشر بعد طول تأمل، السيرة الذاتية الفكرية، التقت مجلة العلوم الإنسانية بول ريكور وكانت فرصة لهذا الأخير لشرح منهجه وحياته المهنية.

السؤال: تعود أصول أحد أفكارك الوجودية الأولى إلى الدراما العائلية خلال الحرب العالمية الأولى.

الجواب: نعم، لقد ولدت عام 1913، وقتل والدي في الخطوط الأمامية بعد ذلك بعامين. معنا، لم يكن الشعور بانتصار عام 1918 على هذا النحو، بل كان وقت حداد. بعد ذلك، كنت حساسًا للغاية تجاه الانتقادات التي وجهت لمعاهدة فرساي، والتي كانت شديدة القسوة تجاه ألمانيا والمسؤولة في النهاية عن الانهيار السياسي لذلك البلد، حيث أننا طالبنا الاستسلام، وما اعتبرته لاحقًا انتحارًا لأوروبا. عندما كنت مراهقًا، شعرت بإغراء شديد من النزعة السلمية المسيحية، خاصةً تحت تأثير حركة سيلون التي يقودها مارك سانجنييه، والتي أقنعتني حقًا أن فرنسا كانت مسؤولة عن الحرب العالمية الأولى.

بقيت متشبثًا بهذه المواقف السلمية حتى وقت متأخر جدًا، مما جعلني أشعر بهزيمة عام 1940 كنوع من العقوبة لخطئي. ثم اعتقدت أنه في مواجهة أدولف هتلر، لم يكن ينبغي نزع سلاح فرنسا.

ومع ذلك، عادت نقاشي الداخلي مع السلم إلى الظهور في ظروف غير متوقعة، عند عودتي من الأسر في عام 1945. لقد تم بالفعل تعييني أستاذًا في كلية بروتستانتية صغيرة، كلية سينيفول، الواقعة في شامبون سور لينيون، الذي ميز نفسه خلال الحرب لأنه أخفى العديد من الأطفال اليهود، تحت تأثير اثنين من القساوسة المقاومين للعنف. قادني هذا إلى كتابة نص عام 1949 بعنوان الانسان اللاعنفي ووجوده في التاريخ. كانت الحرب الباردة هي التي دفعتني مرة أخرى إلى إعادة التوازن إلى موقفي.

السؤال: العنف السياسي هو بالتحديد موضوع تناولته في عملك. أنت تشير إلى التناقض في سياسة وحشية ومفيدة في نفس الوقت.

الجواب: أنا أميز بين السياسي، كهيكل للعمل المشترك، والسياسة كنشاط يدور حول السلطة، وفتحها وممارستها. يقوم السياسي على توتر قوي بين البحث عن العقلانية التاريخية التي يتم التعبير عنها في المقام الأول من خلال بناء سيادة الحق، والاستخدام المحدود للعنف في خدمة السلطة.

في التأكيد على أن العنف السياسي هيكلي، أنا لا أقول أي شيء أصلي. قبل عدة قرون، أعلن توماس هوبز أن العنف يساهم في بناء حضارات عظيمة، وأنه لا يمكننا بالتالي أن يكون لدينا حكم أخلاقي على العنف، يجب أن نرى أيضًا إنتاجيته الهائلة. لكن أكثر من توماس هوبز أو نيكولاس مكيافيلي، المؤلفان اللذان أطلعاني أكثر على العلاقة بين السياسي والعنف هما عالم الاجتماع ماكس ويبر والفيلسوف إريك فايل.

ماكس ويبر تبنى وجهة نظر متشائمة للسياسي، مؤكدًا أن علاقة الهيمنة هي علاقة تأسيسية للسياسي. ووفقا له، ظلت السلطة في الأساس ظاهرة عنف، حتى لو لم تتوقف عن التبرير والتحضر من خلال البيروقراطية. الديمقراطيات على النمط الغربي هي على وجه التحديد محاولة لتقليل استخدام العنف إلى ما أسماه ماكس ويبر الاستخدام المشروع للعنف.

بالنسبة لإريك فايل، لم يكن العنف السياسي هو ما أكده على هذا النحو، ولكن حقيقة أن السياسي هو الهيكل الذي يسمح لمجتمع تاريخي باتخاذ قرار. سمح لي هذان المؤلفان بدمج مشكلة العنف وعقلانية السياسي بطريقة أقل انقسامًا. لاحقًا، ساعدتني حنة أرندت على التعبير بشكل أفضل عن "الرغبة في العيش معًا" والنفوذ والعنف.

السؤال: يبدو لي أن هذا التأمل في المفارقة السياسية يوضح النهج المعتاد بالنسبة لك، والذي يتمثل في ربط المواقف التي تبدو متناقضة بدلاً من معارضتها.

الجواب: إنه بالفعل نهج يمكن العثور عليه في جوانب أخرى من عملي الفلسفي. أنا أعتبرها محظوظة لأنها تعرضت دائمًا لتأثيرات معارضة بشدة. على سبيل المثال، خلال بداياتي في الفلسفة، تميزت بالوجودية المسيحية من ناحية، ولا سيما مع غابرييل مارسيل وإيمانويل مونييه، وبتقاليد العقلانية الفرنسية، من ناحية، خاصة مع جيل لانيو وجولس لاتشيلر، ثم لاحقًا جان نابير.

بالطريقة نفسها، بعد ذلك، كان على أن أجد طريقي بشكل مؤلم بين البنيوية وفلسفة الموضوع. في الواقع، ربما لدي جاذبية للتناقض. لا تكمن المشكلة في أن يتم سحقها، وإيجاد حل وسط لا يمثل تسوية ضعيفة، بل موقفًا قويًا، لكن قرائي فقط هم من يستطيعون معرفة ما إذا كنت قد نجحت.

السؤال: يكون هذا التوتر ملحوظًا بشكل خاص عندما تتعامل مع الفلسفة والدين بشكل مباشر

الجواب: فيما يلي مثال رئيسي على هذا الولاء المزدوج، والذي يمكن أن يظهر بهدوء نسبي في البروتستانت الذي أنا عليه، والذي لا يملك القيود العقائدية التي يمكن أن يشعر بها الكاثوليكي. تمثل المواقف البروتستانتية عقبات قليلة فيما يتعلق بالعقلانية الفرنسية، والتي هي مواتية تمامًا لفلسفة معينة للموضوع. لذلك، من أجل هذه المصلحة للموضوع يمكنني تشغيل التعبير. أعني التعبير، وليس الاتفاق، وحتى الانصهار أقل. بل هو بالأحرى حالة صراع تراجعت بوضوح مع تقدم العمر.

السؤال: غالبًا ما يكون لدينا انطباع بأننا نبني عملك استجابةً لعمل الآخرين

الجواب: هذا صحيح، إنه نوع من المحادثة الكبيرة مع أولئك الذين يفكرون بشكل مختلف عني. هذا صحيح تمامًا منذ أن درست لمدة 23 عامًا في الولايات المتحدة، وبالتالي أتيحت لي الفرصة لاكتشاف العديد من الأعمال غير المعروفة في فرنسا. تم إغلاق فرنسا بشكل رهيب على نفسها. وهكذا تُرجمت نظرية العدالة، العمل الأساسي للفلسفة السياسية جون رولز، إلى الفرنسية بعد عشرين عامًا من نشرها. بدأت ترجمة كتب المُنظِّر القانوني رونالد دوركين للتو.

لقد مكنني هذا الحوار الذي ألمحت إليه من المساهمة في جعل هؤلاء المؤلفين معروفين للجمهور الفرنسي. لعبت التيارات الفلسفية الأخرى في داخلي نفس الدور المتمثل في اختبارها بالخارجية. هذا هو الحال بشكل خاص مع الفلسفة التحليلية. بعد أن كان لدي دائمًا نوع من الانبهار بالتناقض، أشعر براحة تامة مع الأفكار المعارضة، لأنني بعد ذلك أقول لنفسي: "ما هي الأسئلة التي يطرحها هذا علي؟ ما الذي يجبرني ذلك على التغيير ؟ " لكنني أعترف جيدًا أنه يمكننا القيام بخلاف ذلك. هناك حالة معاكسة تمامًا هي حالة صديقي العزيز، الفيلسوف ميشيل هنري، الذي لم يقتبس أي شخص في كتبه. يقول: "أنا ذاهب في طريقي".

السؤال: سيغموند فرويد هو أحد المؤلفين الذين واجهتهم، فأنت تُظهر اهتمامك بعمله أثناء تحديد اختلافك.

الجواب: شكك فرويد جذريًا في الإيمان بسيطرة الذات على نفسه. تحدث بشكل خاص عن ثلاثة جرحى للنرجسية البشرية: مع غاليلي، اكتشف الإنسان أنه ليس في مركز العالم ؛ مع تشارلز داروين، أنه ليس محور الحياة ؛ مع فرويد، أنه ليس في قلب نفسية. أنا قريب من فرويد بمعنى أنني عارضت في وقت مبكر جدًا فكرة أن الإنسان يعرف نفسه بطريقة فورية وشفافة.

لكنني واجهت نفسي بشدة مع التحليل النفسي، من أجل استعادة رؤية للذات التي كانت ستمر بهذه المحنة الحقيقية لعدم معرفة نفسه. قادني هذا أيضًا إلى تغيير المفردات، حيث إنني اليوم أستخدم كلمة "الذات" بدلاً من أنا أو الموضوع. اخترت هذه الكلمة "الذات" لأنها بطبيعة الحال في وضع مكمل، كما تظهر التعبيرات: الاهتمام بالنفس، ومعرفة الذات؛ تنعكس الذات دائمًا، فهي تقع دائمًا في الدرجة الثانية، والدرجة الأولى هي بالضبط الممر عبر الخارج.

السؤال: التفكير في الشر حاضر جدًا في عملك. لكن في الأساس، ما هو الشر، الغريزة المنقوشة في قاع الإنسان، البنى الاجتماعية للاضطهاد، أو أي شيء آخر؟

الجواب: أنا كانطًا جدًا، أي أن الشر جذري، بالتأكيد، لكنه أقل من صلاح الإنسان. يعارض إيمانويل كانط الغاية من الخير، الذي يشكل الإنسان، والميل إلى الشر، الذي يتجلى كدستور مكتسب. من الآن فصاعدًا، يمكننا القول إن الشر جذري، لكن لأننا لا نضع أيدينا أبدًا في بدايته. إنه دائمًا موجود بالفعل، ولا نلاحظ سوى مظاهره. الاكتشاف العظيم في القرن العشرين حول هذا الموضوع هو أن الثقافة لا تحمي من الهمجية.

السؤال: يتطرق عملك إلى مجالات متنوعة للغاية: اللغة، والسياسة، والتاريخ، والعدالة، والدين، إلخ. لكن ألا يجعل نطاق تفكيرك منه ضعفًا؟ في الواقع، التناسق العام لعملك ليس واضحًا. هل هناك خيط إرشادي أم أن لكل عمل استقلاليته؟

الجواب: في الواقع، لكل عمل موضوع مميز. لكن كل كتاب جديد جاء من بقايا سابقة، كان في كل مرة ترتيب بقايا الطعام من نوع ما. في كتابي الأول الارادي واللاإرادي لم أتحدث عن النية السيئة. لذلك أصبح موضوع الموضوع التالي، بعنوان رمزية الشر. استند هذا العمل إلى استخدام الأسطورة والرمز. لكني قلت لنفسي أن فرويد لديه نظرية معارضة حول هذا الموضوع. لذلك كتبت مقالًا عن فرويد، عن صراع التأويلات، والذي وضع مواجهتي مع فرويد ومواجهة البنيوية بالتوازي. كان ردي على البنيوية أن أقول إن اللغة لا يتم التعبير عنها فقط في شكل رموز منظمة، ولكن يمكنها أيضًا ترك مساحة للإبداع. ومن هنا جاءت الاستعارة الحية. لكن الاستعارة لا تزال شيئًا مشفرًا للغاية، لأنها جزء من البلاغة. لذا، تساءلت إذا لم يكن هناك نوع من الكود الفائق للابتكار نفسه، وإذا لم يكن هناك مجال حيث يمكننا التحقق من ذلك بشكل أفضل من الاستعارة. هذا بالضبط ما يحدث في السرد، وهو ما دفعني لكتابة الزمن والسرد. ومع ذلك، هناك توازي بين الابتكار الدلالي على مستوى بنى الخطاب الخاصة بالسرد، والابتكار الدلالي في الترتيب الحملي للاستعارة. الأمر الذي دفعني إلى الرغبة في تلخيص كل ذلك بقول لنفسي: "ماذا حدث للذات؟" دفعني هذا السؤال إلى كتابة عين الذات غيرا، حيث أقوم بتحليل مجالات الكلام، والعمل، والسردية، قبل تطوير إيتيقا صغرى تتوج استكشاف القوى التي تصنع انسان قادر. ثم ينفتح المجال الأنطولوجي للوجود، كعمل ومعاناة. مما يسمح لي أن أصف الإنسان بأنه نشط ومعذب. يمكنك بالتالي أن ترى أنه إذا تناولت موضوعات مختلفة جدًا في عملي، فقد تم إنشاء كتبي من قبل بعضها البعض."

 

 كاتب فلسفي

.......................

أجرى المقابلة جاك ليكومت، العدد الخاص رقم 25 - يوليو - أغسطس 2020

ملف: المقابلات الرئيسية - 30 عامًا من العلوم الإنسانية

 

 

1783  مفيد صيداويكان لي هذا اللقاء مع الأستاذ الكاتب والأديب الرفيق مفيد صيداوي القادم من ربوع ورحاب قرية عرعرة الرابضة على صدر جبال الخطاف، وذلك بمناسبة احتفاله بعيد ميلاده السبعين، الذي يصادف في التاسع عشر من أيلول. ومفيد هو أحد الأسماء الإبداعية الطليعية والوجوه الأدبية المضيئة بكل ألق ونبوغ في فضاء ثقافتنا الوطنية التقدمية الفلسطينية المنحازة للجماهير وقضاياها اليومية والمصيرية، حيث انشغل منذ بواكير عمره بهوس الكتابة لإيمانه بها كرسالة حضارية وثورية هادفة وهامة وفاعلة في معارك الحضارة والتقدم والتغيير، ولإرساء قيم الخير والمحبة في نفوس وقلوب الناس، وإشعاع صور الفكر والجمال في عقولهم، وظل قابضًا على جمر المبادئ وقيم الشيوعية وأفكار الحزب التي آمن بها حتى النخاع، رغم الملاحقات والمضايقات السلطوية والزلازل والعواصف الفكرية العالمية، وفيًا بكل شغف لممارسة مجالاته الإبداعية في فن المقالة الأدبية والسياسية والصحفية والقراءات والمراجعات الأدبية النقدية والكتابات الشعرية والنثرية وأدب الاطفال.

س1: بداية حدثنا عن الخطوط العامة لحياتك الأدبية وتجربتك الإبداعية؟

مفيد: أستطيع أن أقول أن الهوايات والميول تبدأ لدى الإنسان منذ سنواته الأولى، والإنسان نفسه والأهل والمدرسة والمجتمع يساهمون في تطوير أو قبر هذه الهوايات والمواهب، ولذلك نستطيع أن نقرر أن آلاف المواهب قبرت أو تقبر لهذه الأسباب، والنموذج الذي أمامي كان دائمًا والدي الذي كان شبه أمي ولكن مداركه ووعيه وسلوكه العملي، كل ذلك كان ينم عن قدرة وموهبة لو رعيت في حينه لكان له شأن، علمي أو أدبي، وأنا ترعرعت في هذا البيت الذي فيه كان والدي الدينامو المحرك، وكان حرصه الأساسي على العلم والتعليم، وكان يقول لي ولإخوتي تعلموا وأنا معكم حتى لو اضطررت لبيع البيت والعيش في بيت شَعَر، وانعكاس ذلك بتوفير كل ما يخدم التعليم لنا مثلا تعرفت على مجلة الغد في الصف الخامس عن طريق والدي الذي اشترى المجلة من رفاق أم الفحم " لأن فيها ما يخدم الطلاب وأولاد المدارس .."، وذلك في أيام الحكم العسكري البغيض، واشتريت ديوان " أوراق الزيتون " لمحمود درويش  من موزع الاتحاد لأنني قلت لوالدي " قال البائع أن هذا الكتاب مفيد لطلاب المدارس" ولذا أذن بشرائهِ، ومنذ أن وعيت وأنا وإخوتي نسافر معه في كل عطلة إلى منطقة المركز " تل أبيب/ "رمات غان"، الشيخ مُوًنس.. وغيرها للعمل في الحدائق" نساعده ونتعلم الحياة، وكنت أتوقف منذ الصباح عند أكشاك الصحف فأشتري جريدة " لمتحيل  " למתחיל" باللغة العبرية المشكلة  وأبدأ في قراءتها، وهو راض عن ذلك، قائلً :" عندما تنهي القراءة تبدأ بالعمل"؟ كان يتيح لي الفرصة، ولم أكن رياضيًا بعكس أخي الثاني وبقية إخوتي فكنت أستعيض عن ذلك بقراءة أشعار تعلمتها في المدرسة أو من المجلات التي كانت تتوفر لي أحيانًا بسبب عمل خالي سليمان وتوفيق في تل أبيب فكانا يحضران لي مجلة " المصور" وأحيانًا " الجديد" ... وكنت أتفاعل مع قصائد أحمد الصافي النجفي وخاصة قصيدة " الأم المرضعة " التي تتحدث عن الفقر والعوز في العراق، وطبعًا بعد ذلك كانت تظهر الهوايات والمواهب في مواضيع الإنشاء، وأذكر ولا أنسى موضوع الإنشاء الذي كتبته في الصف الحادي عشر للمرحوم المربي درويش الخطيب في مدرسة الطيرة الثانوية، والذي وضع لي علامة جيد جدًا بسبب خطأ إملائي بكلمة" لئلا" حيث كتبت الهمزة على ألف بدلًا من الكرسي، فقد أثنى أمام الطلاب على الموضوع وأشار إلى الخطأ وقال: أنه لا يقبل خطأ من هذا النوع من طالب مثلي، وكما ترى لم ولن أنسى الحدث طيلة حياتي وأعتقد أن معلمي أصاب هدفه.

وخلال الدراسة الثانوية في الطيبة والطيرة بدأت أكتب للصحف عنواني للمراسلة وأحيانًا خواطر.. الخ، ولا أنسى ما كتبته على الصفحة الثانية من مجلة الغد، باسم شاب عربي (اسم مستعار بسبب ما مارسه الحكم العسكري على كل من يكتب في صحافة الحزب الشيوعي، وأذكر أنني سلمت الرسالة لأخي إسماعيل (محمد) الذي كان يتعلم في تلك الفترة في مدرسة الناصرة الثانوية البلدية (الجليل اليوم)، لئلا يعرف الوسواس الخناس بذلك. وطبعًا تابعت وأذكر أن الإذاعي والصحفي يوسف إسماعيل كان يحرر صفحة الفن في جريدة الأنباء الحكومية في ذلك الوقت ولكنه عرض قضية شاب عربي على الحدود اللبنانية وسأل القراء هل يغادر إلى لبنان أم يبقى في وطنه وانتصرت لبقائه في وطنه مع تعليل ذلك بأهمية الوطن، فاختار المحرر نصي لنموذج للحلول الصحيحة ونشر مقاطع منه باسم" ابن الخطّاف"، وإذا بأحد الشباب من بلدي يَدَّعي مفاخرًا أمام الجميع أن أخاه هو الكاتب وأنه هو ابن الخطاف، عزَّ علي ذلك جدًا، وقمت حالًا بتوضيح الموضوع أنني صاحب الرد وعرضت على الحضور ردي من خلال النسخة التي احتفظت بها على ورقة الحبر التي كنا نسميها" السرّاقة" لأنها تسرق النص من أصله وتضعه على ورقة ثانية. وهكذا استمريت بالكتابة والنشاط الثقافي والسياسي.

س2: هل أنت راضٍ عن نفسك من النواحي الشخصية والأدبية والحزبيّة والفكريّة؟

مفيد: ما دام الإنسان يعيش ويعمل ويتفاعل مع الحياة والأحداث فلا يمكن أن يكون هناك رضى كاملًا، فدائمًا بعد أن تعمل أي عمل تقول لو فعلت كذا لو عدلت كذا وسيكون الأمر كذلك في مقابلتك هذه معي، ولكن بشكل عام أنا متصالح مع نفسي ومع نشاطي، أسلوب حياتي، ومقتنع أن الظروف ومكان الحياة والنشاط وتطور الإنسان كل هذا يفرض نفسه على حياتنا وعلى إبداعنا ونشاطاتنا. والإنسان ابن بيئتهِ.

س3: في أي الألوان الأدبية تجد نفسك أكثر في المقالة أم الخاطرة أو الشِّعر؟

مفيد: في الواقع أجد نفسي في اللون الذي أكتبه حين الكتابة، الظرف والواقع والأجواء النفسية والروحية هي التي تفرض نفسها على النص وعلى نوعية النص، ففي المقالة السياسية أنت تحتاج للرد المقنع والصحيح والمؤثر على القارئ، في الشعر أنت أمام عاصفة عاطفية من الحب والثورية والغضب أو فرح تتنفسه  بقصيدة أو بنوع من الشعر، بينما القصة القصيرة، وقد كتبت قصصا قصيرة ونشرت، أنت تحتاج لنفس أوسع ولمسافة ولتفكير، الشعر شعور وهّاج يأتي عنيفً أحيانًا بكلماته في الحب والغزل والثورة، وطبعا الرواية بحاجة لمساحة ونفس أوسع.

س4: متى تكتب؟ وتحت أي الظروف؟

مفيد: الكتابة ابنة وقتها ... فمثلا أجيب على هذا الأسئلة بعد مدة.. والآن الساعة العاشرة صباحا في هذه اللحظة توفرت الظروف النفسية والبيئية للرد، وهكذا أي نص يحتاج لفترة مخاض ليلد وليصبح نصًا من أي نوع كان، هذه الفترة تماما كمخاض المرأة عند الميلاد، تنتظر، يشتد الألم ولكن توقيت الميلاد أنت تجهله بشكل عام، وبعد ميلاد النص أنت بحاجة لرعايته، مراجعته من الهنات، أنا أعير أهمية للعمل الجماعي فكثيرا ما أستشير بعض معارفي وحتى أهل بيتي، وأقرأ النص وأحيانًا أحصل على ملاحظات جيدة تضيف للنص، وكذلك أثناء القراءة الأولى والثانية أنتبه لبعض نقاط الضعف أنا بنفسي أصحح وأنقح .. ولكن في عصرنا لا يمكن وأد القصيدة حولًا أو ما شابه فوسائل الاتصال تغريك بالعجلة.

س5: أنت عاشق للأرض والوطن والجمال والمحبة والإنسانيّة، كيف يتجلى ذلك في كتاباتك الشعرية والنثرية التي تكثفت بشكل أوسع في العام الأخير؟

مفيد: موضوع النص الأدبي يفرضه الواقع أولًا والثقافة والفكر، ولذلك نحن بسبب هجرة شعبنا ونكبته تربينا على حب الوطن والبقاء ورؤية جمال الوطن، سواء في البيت عن طريق الوالدين، كان والدي يقول:" اقترحوا علي مغادرة البلد سنة 1948م،ولكنني رفضت، لأن ذرة تراب من عرعرة تسوى الدنيا بكاملها" هذا الرجل شبه الأمي كان يقول لنا ذلك بدون فلسفات ولا أيديولوجيا تعلمها، بل تجاربه ومفاهيمه فرضت ذلك، ومن ثم أدب المقاومة، فأنا تربيت كشاب على زاوية "أعتقد أن" لسميح القاسم في مجلة "هذا العالم" والتي أحتفظ بنسخها وبمقالاته حتى الآن، وكذلك أشعار محمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران، وأدب إميل حبيبي وكتابات د. إميل توما الفكرية والتاريخية وفكر حزبنا الشيوعي الذي رفض تاريخيًا مغادرة الوطن، ولذلك من الطبيعي أن تكون هذه الأفكار بجماليتها جزءًا من عدتي وعتادي للكتابة إلى جانب حياتي الشخصية وتجاربي الحياتية وتجوالي في وطني وغيره ومعاركة الحياة بحلوها ومرها، كل هذه مؤثرات على النصوص والكتابة، وطبعًا تجلت بأشكال مختلفة فنية ومباشرة أحيانا، تكثيف الشعر في الآونة الأخيرة هو تحصيل حاصل هذه السنوات من العمل " الفيزي" في المدارس والمعاهد ونوادي الحزب حيث استمعت لمحاضرات وألقيت محاضرات، والفكري والتعليم فقد علمت خلال ما يقرب من الخمسين عامًا الصفوف من الصف الأول حتى دور المعلمين والكليات بكل إخلاص ومحاولات المساهمة في خلق جيل يهمه مجتمعه وأهل  بلده، قادر على العطاء، والتعليم الأكاديمي فأنا تعلمت في " الأكاديميا " خلال كل حياتي وأنا أعمل وأنشط سياسيا، الكثير من الناس والرفاق كانوا يعتقدون أنني محترف حزبي وهذا غير صحيح بحياتي لم احترف حزبيا، وكل ما كنت أفعله وما زلت هو دافعه الوعي لأهمية  دور الإنسان في مجتمعه، وبين أبناء شعبه، كلّ هذا لا يمكن أن يكون بدون بيت داعم ومخلص وأبناء متفهمين وبيئة محترمة وواثقة بدورك وبك، هذا النشاط كنت أحس أن أهل بلدي يحترموه وزملائي في العمل حتى من اختلفت معهم، ورفاقي، وكما أن التعليم رسالة كما اعتقد فإن الكتابة رسالة أيضًا.

س6: هل برأيك كتابة الشعر، استثنائية أم حالة انفعاليّة أو نافذة يطل بها الشّاعر على عالمه الخفي؟

مفيد: كتابة الشعر حالة توهج وتوقد عاطفي لدى الشاعر، والشاعر الذي لا يكتب شعره على أنواعه المختلفة  وأدواته المختلفة بدون شعور لا يكون شاعرًا، والعرب ميزت بين الشاعر الذي يكتب من خلال شعور ومشاعر صادقة وبين الناظم الذي يكتب شعرًا موزونًا ومقفى ولغة صحيحة ولكن بدون روح شعرية ونعود أي بدون مشاعر، هذا ينطبق على كل أنواع الشعر القديم والحر والنثر الشعري أو الشعر المنثور، وحتى الموشحات والرباعيات، فالشعر يختلف عن غيره بحاجته وأساسه الشعور الصادق بالحب والعمل والتغيير وكل موضوع يطرقه. وتوقيته هو الانفعال، وقد يطل الشاعر من خلاله على عالمه الداخلي الشخصي وقد يطل من خلال تجاربه وقراءاته على عوالم الآخرين بإطارها العام، فعندما تقرأ "البدايات " ليعقوب زيادين، أو " دفاتر فلسطينية" لمعين بسيسو إلى جانب أعماله الكاملة، وإنها مجرد منفضة" لسميح القاسم إلى جانب أعماله الأدبية ولغيرهم،  فهذه نوافذ تطلّ بها على عوالمهم، وبدون شك أن هذا يثري عالمك، أو الآثار الشعرية لشكيب جهشان أوالشوقيات لأحمد شوقي والمعلقات، كلّ هذه القراءات وغيرها ثروة فكرية تؤثر على وعيك وتوجهك وعلى قاموسك الأدبي والفكري.

س7: كيف ترى واقع المرأة العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص، وما مدى حضورها في كتاباتك، وما رأيك بالأدب الذي تنتجه وتكتبه؟ وهل تؤمن بنسوية الأدب؟

مفيد: واقع المرأة ذو اتجاهين واضحين الأول هو هذا النشاط التعليمي،  ونحن منذ سنوات نشهد تطور وتوسع في تعليم المرأة الثانوي والجامعي، بل وهناك جامعيات رائدات في مجالاتهن، وهناك ضرورة ملحة لتوظيف كل هذا اجتماعيًا وسياسيًا فبدون ذلك تبقى الفائدة منقوصة، ولن تؤتي أكلها لشعبنا، وهناك محاولات شد الخيط للأسفل لجعل المرأة عورة ومنعها من تحقيق التقدم لها ولمجتمعها وهناك محاولات الابتذال للمرأة وجعلها سلعة، وغير مسيسة وغير مهتمة بمجتمعها، لدينا تقاليد رائعة خاصة في مجتمعنا الفلسطيني، من التعاون بين الرجل والمرأة لمصلحة المجتمع وللنضال السياسي والثقافي والأدبي، والأدب الذي تكتبه بناتنا وأخواتنا بشكل عام هو أدب مسؤول يعالج قضايا شعبنا وأهلنا، وأنا لا أحب أدب الموضات بمعنى أن الأديب أو الأديبة يلزم نفسه بكتابة نوع أدبي هذه الايام موضته ولذلك يتوقع له الانتشار، الأدب النابع من حقيقة الكاتب أو الشاعر هو الأبقى. في كتاباتي المرأة حاضرة بكل ثقلها، لم أخطط لتكون المرأة كذلك بل فكري وواقعنا وحياتنا فرضت هذا الواقع وأنا سعيد بذلك فهي موجودة في القصة القصيرة لدي قصة نشرتها الاتحاد بعنوان" المديرة"، وفي الشعر والكتابات النثرية، فهي الأم والزوجة والابنة والصديقة، والعاشقة، والجميلة والمناضلة، وقد حررت زاوية في جريدة الاتحاد للرفع من شأن المرأة بشكل لطيف من خلال الكتابة أحيانًا وأحيانًا أخرى من خلال نصوص عربية تبرز وتبيّن دور المرأة سميتها" حديث الخميس عن أنفس النفيس " نشرتها كل يوم خميس عندما كانت الاتحاد تصدر يوميًا، وهذه المادة تستحق أن تكون في كتاب لتوثيقها وقراءتها بين فترة وأخرى. الأدب هو الأدب قد تكتبه امرأة أو يكتبه رجل وكل يعبر إما عن تجاربه او ثقافته وربما تعبر كاتبة عن مشاعر امرأة لا يستطيع الرجل التعبير عنها والعكس هو صحيح أيضًا ولكن الأدب في النهاية هو الأدب وروح هذا الأدب.

س8: هل هذا زمن الشعر أم زمن الرواية بنظرك؟

مفيد: نحن نشهد في الآونة الأخيرة مساحة أوسع من الكتابات الروائية، وفي مجتمعنا العربي الفلسطيني في البلاد، هذا تطور طبيعي، فالشعر كان الأكثر حضورًا في أيام الحكم العسكري وربما حتى الثمانينات، ثم أتت بحضور بارز القصة القصيرة، ومن الأسماء البارزة في هذا المجال محمد علي طه وزكي درويش وحسين مهنا وغيرهم،  والآن ومنذ " المتشائل "تزداد الروايات على أنواعها وهي في ازدياد كما أشعر، - لم أدرس الموضوع علميا – الرواية في العالم العربي أيضا، أشير هنا في هذا المجال لدور الكاتب والأديب الرفيق محمد نفّاع في إنجازاته الغير مسبوقة في مجال الرواية وما زال يعطي وطبعًا غيره من الزملاء والزميلات في هذا المجال الذي نقتحمه بثبات يحتاج لدراسات جامعية وإشارات للجوانب السلبية والايجابية.

س9: كيف ترى الوضع الأدبي والثقافي الراهن، ومستقبل الحركة الأدبية في البلاد؟

مفيد: بطبيعتي أنا متفائل ... والثقافة تتجاذب السياسة أو السياسة جزء من الثقافة، ولذا لدينا أدب نعتز به وكما هناك خوف دائم على مستقبل شعبنا، هناك خوف على مستقبل أدبنا البعض يريد جره إلى مصاف الحرام والحلال، وعندما تضع للأدب حدودًا يبتعد عن كونه أدبًا، والبعض يجرنا إلى العدمية القومية والطبقية والجمالية وخاصة جمال هذا الوطن الذي يجب أن نغرسه في نفوس أبنائنا كما غرسه من قبلنا. ولنا مستقبل كجزء حي وفاعل من الأدب الفلسطيني وكذلك من المناخ الأدبي في البلاد، وكذلك في الأدب العالمي، وهذا واقع وليس مبالغة، محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي وغيرهم ترجموا إلى أكثر من لغة، وهذا فخر لنا بحاجة لتطوير أدواتنا ولفت انتباه الآخرين لأدبنا بشتى السبل المتاحة.

ص10: ما رأيك بالنقد المحلي؟ ومن يعجبك من نقّاد الأدب؟ وهل أنصفك النقد والنقّاد؟

مفيد: لدينا نقد ونقد أكاديمي ونقاد يشار لهم بالبنان نعتز بهم، وكما قلت لك أنا متفائل، فالنقد أيضا بحاجة لتطوير وبحاجة أن نأخذ من الآخرين تكوين جمعيات أو أطر للنقاد بحيث يجلسون معا يناقشون قضية نقدية معينة، يثري بعضهم بعضا، ومن النقاد الذين في ذهني الآن : د. بطرس دلة شيخ النقاد والذي ما أن يصله كتاب حتى يدلي بدلوه ويكتب عنه كتابة الأب الحنون، والناقد د. نبيه القاسم ( أبو فريد)، الذي أثبت مصداقيته من خلال متابعاته للأدب بشكل عام وأدب وشعر سميح القاسم بشكل خاص، والناقد الأكاديمي البروفسور محمود غنايم، والبروفسور إبراهيم طه، والمرحوم البروفسور فاروق مواسي الذي كان له كتابات نقدية ولكنه لم يتركز بالنقد، وهناك جيل جديد من الأكاديميين يكتب نقدا أكاديميا حول نظريات معينة وهناك المراجعات الأدبية والقراءات الأدبية كما تكتب حضرتك ود. يوسف بشارة مؤخرًا ومحمد علي سعيد وأحيانا أنا اكتب هذا النوع من النقد السريع الذي يعرف بالكتاب والكاتب ويقدم بعض الملاحظات النقدية التي تهم عادة القارئ العادي، ألا أبكي النقد وكأنه لا يوجد العكس النقد موجود وسيبقى ما بقيت الكتابة الإبداعية ولكن دائما يجب البحث عن وسائل العمق والتطوير.

س11: ماهي رسالة مجلة الإصلاح الثقافية الشهرية التي تصدرها منذ سنوات طويلة؟ وهل أنت راض عن مستواها؟

مفيد: بدأت الإصلاح صدورها كنشرة للثقافة والأدب والتوعية والإصلاح في عرعرة في 31-آذار 1971م، بادرت لإصدارها مع مجموعة من شاب القرية الغيور على بلده بهدف خلق نقاش وحوار محليين راقيين حول مجمل القضايا الاجتماعية وأعمارنا في ذلك الوقت بين (19 سنة وأكبرنا المرحوم الأستاذ فوزي محاميد 26 سنة)، ورغم اشتراك العديد من أبناء بلدنا بدعم المجلة ماديا وكتابة، إلاّ أن هيئة التحرير الفاعلة تكونت مني ومن جهاد عقل ( النقابي الجبهوي المعروف)، ويوسف جمّال ( كاتب القصة ومازال محررًا في المجلة)، والمرحومين: فوزي محاميد (معلم)، محمد أحمد عيسى(عامل وخريج الأرثوذكسية)، وعبد المنعم يوسف مصاروة، تعلم في إيطاليا وتوفي هناك. هذه الكوكبة الأساسية هي مجموعة عمال وموظفين تنتمي طبقيا للكادحين والعمال في عرعرة، فمعظم أهلنا كادحين بالتعبير العلمي للكلمة، وهم ممن  لا يملكون سوى البيت أو قطعة الأرض التي يعيشون عليها، هذا هو الواقع الموضوعي لهيئة التحرير مع أن المجلة كما اسلفت استقطبت جماهير واسعة من حياة القرية في شعاراتها الأساسية، وفي هذه الفترة لم يكن في عارة وعرعرة فرعًا منظمًا لا للحزب ولا للشبيبة الشيوعية، بل كانت البلدة مقسومة بين أحزاب العمل ومبام الصهيونية وأحزاب اليمين الصهيونية أيضًا. وأردنا أن نساهم  بتواضع في رفع الحياة الروحية لأهلنا وأن نرد لهم بعض الجميل، طبعنا المجلة على آلة الستانسل  وجلسنا معا لترتيب أوراقها ثم طبعنا الغلاف فقط على ورق برستول في مطبعة ابن خلدون في طولكرم، ووزعناها مجانا ومقابل تبرع من الأهل لمن رغب لنصدر العدد المقبل، ومن العدد الأول كانت في حوزتنا رخصة من وزارة الداخلية واخترنا المحامي الشاب في ذلك الوقت محمد مصاروة مستشارًا قضائيًا مجانيًا لنا، وأرسلنا المجلة للصحافة المحلية ومنها الاتحاد والنواب العرب في الكنيست بينهم توفيق طوبي وإميل حبيبي، فبدأت الصحف تتناول المجلة بالتقريظ والاقتباس وبينها الاتحاد، ونحن بدورنا ننشر ما كتبته الصحف عن مجلتنا، وربما لم تطق السلطة هذا النشاط، ولذا بدأت تنشر الاشاعات حول نشاطنا من أننا شيوعيين ومن تنظيم الأرض ... الخ وإذا بهم يستدعونني وجهاد عقل ( كان موظفًا في البنك في حينه)، وطلبنا من المحامي مرافقتنا لمركز التحقيق بالخضيرة للمثول أمام محقق كان اسمه (سكولوفيتش)، ودار حديثه معنا حول ما تكتبه الاتحاد عنا وحول نشرنا لما تكتبه، وعن عملنا كيف نلائم بين عملنا كمعلم (أنا)، وكموظف بنك (جهاد)، رفضنا التهم الموجهة أمام المحامي وأكدنا على دورنا في خدمة أهلنا ثقافيًا، ومرت الإصلاح أمام الإصرار على صدورها بمراحل مختلفة، منها إصدارها بورقة واحدة صفحتين لنؤكد استمراريتها، واليوم كما ترى تصدر بانتظام ب52 صفحة وبغلاف مصقول و بعمل تطوعي كامل ونحن نأمل أن نصل إلى إمكانية تمويل طاقم عمل، بالنسبة للمستوى دائما نطمح للأفضل فنيا وموادًا ولكن كما يقول مثلنا الشعبي:" الجود من الموجود"، كل اشتراك جديد واستمرار القديم هو دعم للمجلة، اعتز أن الرفيق المرحوم توفيق طوبي احتفظ بمكتبه باللجنة المركزية للحزب بأعداد المجلة حتى أنهى عمله فاستدعاني وأعطاني الأعداد قائلًا: "حافظت لك على الأمانة وها أنا اردها لك"، كادت عيني أن تدمع وأنا اشكره على محافظته ومثابرته. 

س12: ما رأيك بحركة النشر في بلادنا؟ وما دور الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيين الكرمل 48 الذي تنتمي إليهِ في نشر الكتاب المحلي وفي الحراك الثقافي العام؟

مفيد: حركة النشر هي تحصيل للتمييز العنصري من قبل الوزارات المختلفة وخاصة وزارة الثقافة، التي لا تمنح لدور النشر وخاصة الوطنية إمكانيات التطور والبقاء وأنت تدري عن نسبة الثقافة العربية من ميزانية وزارة الثقافة، الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيين هو اتحاد شعبي وليس مؤسسة حكومية ولذا يصيبه ما يصيب شعبه لا يوجد لدى الاتحاد حتى الان إمكانيات نشر كتب ولا حتى لأعضائه، وهو يصدر مجلة " شذى الكرمل" كمجلة فصلية ناجحة، أما الحراك الثقافي العام فلا شك أنه بدأ يشكل رافدا هاما في حياتنا الثقافية، وقد أقمنا لأول مرة في تاريخ الاتحاد يومين دراسيين حول مواضيع أدبية تشغلنا ولولا وجود بلديات بقيادات واعية مثل بلدية عرابة البطوف لما استطعنا إقامة اليومين الدراسيين بمثل هذا النجاح، وفي قابل الأيام سيعمل الاتحاد على إقامة نشاطات أخرى.

س13: ماهي إنجازاتك والكتب التي صدرت لك حتى الآن، وما هي مشاريعك الأدبية في المستقبل المنظور؟

مفيد: في كل شهر أهتم أولًا بالتأكد من أن عدد الإصلاح سيصدر، أي  عددها الجديد ماليًا ( في ظروف الكورونا يزداد الأمر صعوبة)، ومن ناحية المواد والواقع أن هذا الجانب متوفر بفضل أعضاء هيئة التحرير والقراء والأدباء.  بالنسبة لي لدي مشاريع كتابية أنجزت كتابتها منذ مدة والوضع المالي هو المعيق وأصدرت أربع كتب في أدب الأطفال، وترجمتان أيضًا في أدب الأطفال، وكذلك كتاب تعليمي "بلدتي عرعرة" وكتاب في المقال السياسي والاجتماعي " كتابة على جدار الجامعة" وكتاب " من عارة وعرعرة ريشتي "أهديته لجميع خريجي الصفوف الثانية عشرة المتخرجين عام 2017م/ مجانا، وهو أيضا تاريخ تقاعدي من المدرسة الثانوية وكلية أورنيم بعد 48 سنة من العمل بين الطلاب ومعهم ولهم، وستة كتب ذاكرة من الزمان " مقابلات مع أهلنا في عدة قرى في منطقة المثلث وكتاب عن يوم الأرض الأول ورسائل إلى ولدي وثورة عبد الرحمن بن الأشعث عبارة عن دراسة تاريخية. لدي مجموعة قصصية وكذلك قصائد شعرية وأبحاث آمل أن أستطيع إنجازها وتقديمها لأهلنا لخدمتهم ومحبة لهم.

س14: لديك دار الأماني للنشر والطباعة والتوزيع، فهل لك أن تحدث القراء عن إنجازاتها وإصداراتها؟ وكيف ترى الوضع القرائي في أيّامنا ؟

مفيد: في الحقيقة أنشأت دار الأماني التي تحتفل هذا العام بمرور 25 عاما على تأسيسها كحماية قانونية لمجلة الإصلاح التي أصبحت تصدر عن دار الأماني بشكل رسمي وتقدم الحسابات الرسمية للمؤسسات المخولة لذلك، ثانيًا لدينا أفق دعم الادباء بقدر الممكن وبالتعاون معهم ولذا أصدرنا أول كتاب للأطفال " وفي المساء نامت الشمسان" لي، وأصدرنا أكثر من كتاب للدكتور محمد حبيب الله بالتعاون معه وكذلك للكاتب وجيه عيسى كبها وسعيد نفاع الذي أصدرنا كتابه على حسابنا أثناء سجنه، والشاعر محمود ريان  وعمر سعدي وغيرهم، وضع القراءة في الوسط العربي يؤسف له، ونحن بحاجة لتغيير أولوياتنا ... فالقراءة أولًا ... اقرأ  أولًا ... هذا يؤدي لوحدتنا لعزتنا لابتعادنا عن العنف، ويؤدي للتطور الإيجابي في كلّ المجالات.

س15: ما هي الكلمة الأخيرة التي توجهها للقراء الأعزاء؟

مفيد: التفاؤل التفاؤل والتفاؤل "كن جميلًا تر الوجود جميلًا" كما قال إيليا أبو ماضي ... النضال الشعبي المدروس والوحدة النضالية، والقراءة... القراءة ... ثم القراءة ... لم نصل إلى ما وصلنا إليه بدون القراءة وبدون حماية مؤسساتنا الثقافية من مجلات ودور نشر ومواقع الكترونية وطنية وواعية، والعلم أساس الحضارة ولنا تاريخ علمي وثقافي نستند إليه، ومستقبل واعد نصبو إليه ... رغم غيوم الظلام ... فالمستقبل للشعوب ... ومعا دائما نستطيع.

أشكرك على هذا الحوار.

 

حاوره: شاكر فريد حسن

 

 

زينب سعيدابيو بيروكو

أجرى الحوار: محمود منير

ترجمة: زينب سعيد


1 - تلفت إلى أن استقدام الحكومات الأوروبية للمهاجرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأيدي العاملة، كان بطريقة انتقائية وبظروف غير عادلة لم تتغيّر إلا بفعل نضالات العمل في الستينيات والسبيعنيات. هل يمكن القول إن "ادماج" المهاجرين الذي كانت تتحدث عنه أوروبا محضّ خيال؟

- أجيب محيلا إلى مفكرين كبيرين، إلى عملاقين في الدراسات الاجتماعية: عبد المالك صياد وجون ماري فانسون Jean-Marie Vincent. كان اندماج المهاجرين الوافدين في أوربا وما يزال تحديدا اندماجا في الجزء الأكثر دنيوية للطبقة العاملة في البلدان الاوربية، وتكون مندمجة غالبا في البروليتاريا الدونية. ويعود ذلك بالضرورة إلى أن الادراج الاجتماعي للمهاجرين الوافدين قد حدث ويحدث باسم عبودية الأجور على اعتبار انتمائهم إلى الطبقة التي تعيش من العمل (حسب تعبير Ricardo Antunes). وباسم العنصرية على اعتبار انتمائهم إلى شعوب وأمم مهيمن عليها من طرف الاستعمار التاريخي والاستعمار الجديد. المهاجر الوافد مستغل ومهيمن عليه مرتين: باعتباره قوة عمل، وباعتباره أجنبي قادم من بلدان مستعمَرة. يعتبر اندماج المهاجرين الوافدين خرافة، لأن الاستبداد المؤسساتي، والعنصرية، ودونية العمل والدونية السياسية والقضائية والرمزية يتحكمون في تحديد ظروفه ـ بمعنى الدونية الاجتماعية.

ورغم ذلك، فالشغالون الوافدون يتقاسمون نفس الظروف والاحتياجات مع الشغالين الأصليين لانتمائهم إلى نفس الطبقة الاجتماعية؛ ولهذا السبب، فمصير الشغالين المحليين ومصير نظرائهم المهاجرين الوافدين هو مصير مشترك، مصير استغلال الرأس مال للعمل أو مصير التحرر الجمعي من قوانين الرأس المال. هذه الظروف المشتركة، وتقاسم الظروف الطبقية، هي عنصر ذو أهمية كبيرة، يجب التأكيد عليها بشكل أساسي.

حتى اليوم، مسير المهاجرين النازحين من افريقيا ومن الشرق الأوسط اتجاه أوربا هو مسيرة الادراج في سوق العمل العالمي، هو مسير حيث يلقون ظروفا، ومصائر، وتوقعات الشغيلين الغربيين، وحتى النضالات الاجتماعية والسياسية أيضا من أجل العمل، ومن أجل الحقوق الاجتماعية، والسكن، المتواجدة في البلدان الأوربية. من خلال هذا اللقاء قد تبزغ تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص تبادل جديدة، ومقابلات، والتعلم المتبادل. يشكل المهاجرون النازحون حقيقة تولد نضالات ومطالب تهدف إلى تأكيد الحقوق، وكرامة الانسان وكرامة الشغيلة؛ وتطمح هذه النضالات إلى تحقيق ظروف معيشية وظروف عمل كريمة، وبالتالي فإنها تساهم في إعطاء الصوت للشغيلة الوافدة ولكل الشغيلة ودعمها. ولهذا وجب الإشادة بمجهوداتهم ودعمهم.

من الممكن أن ينشأ من هذا اللقاء ـ الذي يعتبر لقاء طبقيا ـ تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص جديدة للتبادل؛ في هذا اللقاء يتعلم المهاجرون النازحون أشياء جديدة ويقدمون في الوقت نفسه اسهاماتهم المعرفية وتجاربهم، ويمكنهم أن يصبحوا جسر وصل بين انتظارات تحرر شغالي جنوب العالم وشماله، مساهمين في تحول العلاقات الاجتماعية وتجاوز الحواجز الضيقة مثل القومية.  ومع ذلك، لتتحقق هذه المساهمة، من الضروري اسقاط العنصرية والتمييز، الموضوعتان عن قصد كعقبة في طريق تحرر الشغيلة الجماعي؛ لهذا السبب فالطبقة الشغيلة، والحركات المناهضة للعنصرية، مدعوتان للاستجابة استجابة تامة، وأن يوحدوا كل ما من شأنه أن يفرق بينهم، والتأكيد بأن الهجرة الوافدة تهم عالم الشغل بأكمله ومصير الشغيلة جمعاء.

2 - سعت السلطات الأوروبية إلى "أسلمة" حركات المهاجرين المسلمين العمّالية المطالبة بتحسين ظروف حياتهم، وتحويلهم من "عمّال وافدين" إلى "أقلية دينية متخلّفة". كيف تمّت هذه الأسلمة؟

- يشكل المهاجرون الوافدون من البلدان العربية ـ الإسلامية أول ساكنة، غير منتمية لأوربا، الأكثر عددا والأكثر تجذرا التي قدمت إلى أوروبا المعاصرة من أجل العمل. وقد أصبحت مع الزمن بطل عملية استقرار وتجذر اجتماعي عميقة، أصبحت مكونا هيكليا وعامل تحول لعدة بلدان اوربية. أقاموا علاقات وثيقة في أماكن العمل، وربطوا علاقات مع المحيط ومع الساكنة المحلية، وحصلوا على حقوق، ووسعوا وعززوا وجودهم في الفضاء العام. إن هذا التجذر الاجتماعي القوي قد جعلهم عصيين على أن يكونوا أكلة سائغة للظروف المفروضة من سوق العمل، جعلهم أكثر مقاومة للظروف الاجتماعية التي فرضت عليهم، ورفعت من تكلفتهم الاجتماعية، ليصيروا ساكنه مطلوبة ولكن غير مرحب بها wanted but not welcome.

إنهم يشكلون النواة الأكثر تنظيما من المهاجرين الوافدين الحاضرين في أوربا. وقد تحدوا كل من أرباب العمل، والدول والرأي العام، في عدة مناسبات، وأول من طرح وبطريقة حاسمة قضية ظروف عمل المهاجرين الوافدين وظروفهم المعيشية، والحقوق والتمييز الذي يطالهم، وقضية الاعتراف بهم واحترام بلدانهم الأصلية، رافضين الانصهار والعزل. وقد شاركوا منذ السبعينات في الحركات العمالية والنضالات النقابية؛ وقد شدد، الجيل الجديد الذي ولد وكبر في أوربا، على رفضهم معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وشددوا، في أماكن العمل وفي الفضاءات العامة على تحسين ظروف معيشتهم، والاعتراف بهويتهم، واحترام أصولهم. هذا يعني أن، التناقض الفعلي لتوقعات ومطالب نظام الإنتاج، والحكومات، وسياسات العمل وسياسات الهجرة، التي تفرض يد عاملة مؤقتة، أقل تجذرا، غير مستقرة، بحقوق أقل، وأثمنة رخيصة، معزولة، ومرنة، التي يمكن استعمالها في الوقت المناسب just in time  حسب مطالب احتياجات النظام الإنتاجي.

أصبح التجذر الاجتماعي واثاره موضوع سياسات مركبة، وممارسات وخطابات، تهدف إلى عرقلة اندماج كامل وعادل، وتهميش المهاجرين المسلمين الوافدين. فقد تشكل، منذ عقدين على الأقل، نظام حقيقي من الاسلاموفوبيا ضد المهاجرين المسلمين الوافدين، تشكل من ميكانيزمات اجتماعية محددة ومتعددة، ومواضيع رئيسية، وفاعلين اجتماعيين، وسياسات، (هويتية، وامنية، واستبعادية)، يهدف إلى ابعاد الهجرة المسلمة الوافدة إلى الخلف مخندقا إياها في اقلية دينية محرومة ومتخلفة.

وقد شمل الخطاب السائد بالإضافة إلى العديد من المؤسسات هؤلاء الشغيلين، وهذه الساكنة، المنعوتة بـ "المسلمين"، بتفخيم حرف الميم، بالشروع في عملية مسيرة من فوق لأسلمة المشاكل الاجتماعية، وللامساواة الاجتماعية (محولة إياها الى اختلافات طبيعية). انهم موضوع عملية أعادت تحديدهم كـ"آخر مسلم:"، مع معنى استثنائي سلبي وقدحي بالكامل لمصطلح "الآخر" كنعت مميز. لقد تم تجسيد احتجاجات ونضالات ومطالب الشغيلة، والمهاجرين الوافدين، والشباب، على اعتبارها "مشكل الإسلام"، على اعتبارها "مشكل الهجرة الوافدة المسلمة"، بداخل عملية اسلمة القضايا الاجتماعية من فوق.

3 - يتمّ قلْب العلاقة بين السبب والنتيجة في استيعاب أوضاع المهاجرين، والتغافل عن البطالة وظروف العمل باعتبارها العنصر الأساسي في خلق هذه التفاوتات بينهم وبين المجتمع.. ما هي أبرز الآليات التي تكرّس هذه العلاقة المقلوبة؟

- ظاهرة هيكلة العالم الغربي، ذات الجذور التاريخية والثقافية العميقتين، التي تعتبر الاسلاموفوبيا اليوم عضويا حتى في جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين ومهمشين، ووظيفيا في إضفاء الشرعية وإعادة انتاج اللامساواة الاجتماعية التي تمسهم بطريقة هيكلية في كل أنحاء اوربا.

تتم عملية إضفاء الشرعية وإعادة انتاج اللامساواة الاجتماعية من خلال عملية عرقنة (إضفاء الطابع العرقي عليهم) المهاجرين المسلمين الوافدين. هم موضوع عملية اجتماعية التي ـ من خلال تداخل عوامل العرق والثقافة والدين، من خلال عرقنة البعد الديني وتطبيع الثقافة الإسلامية ـ تحددهم كـ"عرق" أو "شبه عرق": "العرق المسلم". مثل هذه العملية تصور ساكنة غير متجانسة على الاطلاق على انها وحدة مترابطة وتصنفهم كاستثناء: الاستثناء المسلم.

من خلال فكرة "الاستثناء الإسلامي"، تعمل السياسات والخطابات العامة على تطبيع حضور "طبقة دنيا" "معرقنة" في انتمائها الديني. في تطبيع اللامساوات ـ بجعلها تنتسب الى طبيعة الثقافة الإسلامية ـ تجعل الاسلاموفوبيا من قضية "الهجرة الوافدة المسلمة" مشكل رقم واحد الذي يستوعب كل المشاكل الاجتماعية، وتحول القضايا الاجتماعية الى صراع حضارات التي سببتها الثقافات الاخرى. والنتيجة هي تثقيف وعرقنة الظرف الاجتماعية للمهاجرين الوافدين المسلمين، مهما كانت علاقتهم بالثقافة والدين الإسلامي.

تقدم الاسلاموفوبيا الثقافة والدين الاسلامي على أنهما المسؤولان المباشران عن اللامساواة الاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون الوافدون كضحايا ثقافتهم الخاصة؛ تقر وتضفي الشرعية على اللامساواة، محولة هذه المجموعة الاجتماعية إلى "أقلية دينية متخلفة".

تنسب للمهاجرين المسلمين الوافدين مسؤولية ظروفهم الاستبعادية، هناك حيث تكوين مجموعة اجتماعية جد مضغوطة وغير مستقرة وهي نتيجة سياسات، وميكانزمات اجتماعية وخطابات تمييزية. فـ"الاستثناء الإسلامي" يصير مطبعا معزيا الاستبعاد الاجتماعي الذي يهم جزءا من المهاجرين المسلمين الوافدين فيهم لأنفسهم ولطريقة وجودهم. في حين، أكرر، أن هناك جذورا اجتماعية بعينها ـ اللامساواة في العمل، واللامساواة الاقتصادية، والسكنية، والمدرسية ـ هي أساس حالات الاستبعاد أو أساس الصعوبات الاجتماعية.

4 - تعتبر أن الفاعلين المشاركين في تصنيع الإسلاموفوبيا، هم: الأحزاب والحركات السياسية، والمنظّمات المختصة بمعاداة الإسلام، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الحكومية، والباحثون المثقفون والمحللون. كيف يلعب كل فاعل دوره؟

- تنظم المنظمات المناهضة للإسلام ذات الخلفية الثقافية (الجمعيات، المنظمات غير الحكومية، المؤسسات، مراكز الدراسات) عدة أنشطة لنزع الشرعية وتشويه الهجرة المسلمة الوافدة: انتشار في الفضاءات المادية والافتراضية معارف مشوهة ونظريات مكيدة؛ الضغط السياسي من اجل الموافقة على تدابير تحدد حقوق المهاجرين الوافدين أو الغاء تدابير الاعتراف العام بالإسلام، ابلاغ السلطات المحلية بالسلوكات والاحداث غير التقليدية؛ مظاهرات ضد الاحتفال بلحظات الإسلام القوية وضد حضور الإسلام في الفضاء العام.

تشكل هذه المنظمات سلسلة مهمة للانتقال من العنصرية المذهبية الى العنصرية الشعبية، فهي تنشر المواضيع المفتاح للاسلاموفوبيا من النخبة المتخصصة إلى العامة من الساكنة، وتخلق "أقوالا" و"شائعات" تولدان الذعر الأخلاقي الهستيرية اتجاه الاسلام. ويعود هذا التأثير الى حضورهم القوي أيضا في الويب وفي وسائل التواصل الاجتماعي، الذي ينتج انتشارا مروعا للاسلاموفوبيا في الفضاءات الافتراضية. هذه المنظمات مرتبطة فيما بينها كما انها مرتبطة بالشبكات الدولية network internazionali، انها مندمجة مع المجتمع الذي يحسب له ألف حساب ولديها علاقات جيدة مع صحفيين ووسائل الإعلام، ورجال السياسة وقطاعات الأحزاب، ورجال الحكومة وممثلي المؤسسات، والمقاولين ورجال الاعمال، والمثقفين.

والحركات المعادية للاسلام ذات البعد السياسي، مثل بيجيدا  Pegida أو بريتاين فورست Britain First، نشيطة في الحركات اليمينية مع تعبئات، ومظاهرات، وعرائض،  وهجوم واحتلال قاعات الصلاة، والمدارس العربية والأماكن المراد استخدامها كفضاء للعبادة. هذه الحركات تعزز الصور النمطية في حق المهاجرين المسلمين الوافدين كمنغلقين ومتطفلين يلوثون الهوية الوطنية والنقاء العرقي للساكنة المحلية، لها تأثير قوي على المشهد العام مساهمة في التأثير سلبا على الرأي العام الأوربي، والتشجيع في تعبئة المواطن العادي من أجل إصدار مزيد من السياسات الخاصة بالرقابة والامن.

هناك أيضا أحزاب اليمين المتطرف "الجديدة". على الرغم من الاختلافات، تجمعهم وتميزهم اتهام النخبة السياسية ـ الاقتصادية والمهاجرين الوافدين بقمع "الشعب"، وقمع القومية المختلطة بالأهلانية، والخوف من الأجانب والمعاديين للعولمة الثقافية، والاسبقية للساكنة الاصلية في الحصول على الرفاه، والتشكيك في الوحدة الاوربية والوفاء للتقاليد؛ الا ان العنصر الذي يميزهم أكثر ويقربهم أكثر فيما بينهم هو كونهم "أحزابا معادية للمهاجرين الوافدين"، وخاصة "الأحزاب المعادية للإسلام". هذه العلامة التجارية هي عامل التواصل فيما بينهم ونقطة وصل مع أحزاب اليمين التقليدية.

من خلال الإشادة بنبل البشرة البيضاء والنضال ضد الشعوب الدونية، واستحضار نقاء الأوطان الأصلية وسيادة الشعب المتفوق، هذه الأحزاب تؤسس لخطاب حول الهجرة المسلمة الوافدة على أساس أنها تهديد عالمي لا يأتي منها إلا التخلف والظلامية، وعدم الكفاءة؛ يقدمون أنفسهم كمعارضين للتجذر الاجتماعي واندماج المهاجرين المسلمين الوافدين، الذين يعتبرون غرباء، وغير قابلين للانصهار، ويفتقرون للقدرة والإرادة في الاندماج.

ثم هناك "الكتاب"، إن كان بإمكاننا تسميتهم كذلك (حتى لا يؤاخذوني كل من فولكنر Faulkner ليوباردي Leopardi وشيكسبير Shakespeare على ما قلت). فالنوع الأدبي المناهض للاسلام، المتمثلة في الكتب الأكثر مبيعا best-seller  المناهضة للاسلام، من بين أكثر القطاعات عدوانية في صناعة الاسلاموفوبيا. إنه يحين التركيب الخطابي، الذي أنتج تاريخيا التمثيل الكاريكاتوري للعالم الإسلامي وللآخر "المسلم".

يوجد بداخل تيار محدد ينشر صورا نمطية للدونية ونظريات مؤامرة حول الهجرة المسلمة الوافدة، حيث يسود سجل شعبي ـ متجذر بدون وعي وآخر فكري ـ علمي". هذا التيار مهيكل جدا ويعتبر جزءا لا يتجزأ من عملية الدونية، والحط من القيمة، والإنكار التي تولدها الإسلاموفوبيا. إنها تنشر بين القراء العاديين مواضيع مفتاح الاسلاموفوبيا وتمثل أحد العناصر الرئيسية لإضفاع الطابع الاجتماعي المسبق على الهجرة المسلمة الوافدة. التي تعتبر مرجع رجال السياسة، وممثلي المؤسسات، والصحفيين، والمنظمات المناهضة للإسلام، والعاملين في مجال الثقافة والتواصل، الذين يعتمدون على المواضيع والمفاهيم التي يستعملونها في سياقاتهم اليومية.

وهناك حتما وسائل الإعلام. الذين تخصصوا في العقود الأخيرة في إنتاج خطابات سلبية حول الهجرة الوافدة من خلال الاستعمال المشوه لمفهوم "الآخر"، وأقروا بأن المهاجرين المسلمين الوافدين من يمثلها بامتياز، مصورينهم كحاملي اختلاف راديكالي، وعضوي، كحضور غير طبيعي ومهدد يجب عزله وإبعاده. وقد ركزت وسائل الإعلام على "اندماج المهاجرين المسلمين الوافدين" معتبرين هذا الأخير، أي الاندماج، مسبقا مستحيل وغير قابل للتحقيق؛ فعلوا ذلك من خلال بناء صورة المهاجر المسلم الوافد ككيان متميز ببلورته بالبعد الديني (الانسان المسلم المشبع بالدين) ومن الانتشار العضوي للبعد الجمعي.

لقد اتبعت وسائل الإعلام عملية ثلاثية هي: التشهير المفرط، وبهلونة، وشيطنة الهجرة المسلمة الوافدة، التي تم تمثيلها كأنها كل متخلف totum revolutum، كصخرة تفتقد ملامح التمييز، بحجب تعدديتها وتغييرها الداخليين. من خلال ميكانيزمات محددة للتمثيل والديمومة ـ صور بلاغية، وصور مرئية، وسلسلة من المعاني الدلالية ـ مثلوها كمرض وربطوها بمخيال الغرابة، والعزلة والاستبعاد الذاتي، مغذين بذلك النفور والرفض اتجاهها. موضوع تقلبات لا متناهية، والاختزالية والتعميم، لتصبح العدو العام رقم واحد.

وقد شجعت وسائل الإعلام باستخدامها لروتين الطوارئ والامن، على تهميش المهاجرين المسلمين الوافدين وتبني سياسات اقصائية وانضباطية في حقهم. وقد اتجهت الحملات الصحفية العنيفة في مختلف الدول الاوربية اتجاه سياقات محلية محددة (مدن، "احياء صعبة")، واشخاص افرادا منهم وجماعات (كالمثقفين، وممثلي الجاليات، والجمعيات)، وجوانب الحياة الاجتماعية (كالمساجد، والحجاب، والجيل الثاني، والبوركيني).

ليس من المبالغة إذن القول إن الصناعة الإعلامية للاسلاموفوبيا قد اشتغلت بلا كلل في جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين، مساهمة في تحديد وضعيتهم (التابعة) في مختلف السياقات الاوربية.

وفي النهاية لا يجب أن ننسى اسلاموفوبية الدولة. إن مؤسسات الدولة، سواء على المستوى الحكومة المركزية أو على المستوى المحلي، لعبت دورا مهما في انتشار وتطبيق الاسلاموفوبيا. وقد تم تحقيق هذا الدور حسب طريقتين: بطريقة "متقاعسة": لا تدخل، لا تشريع، ولا تطبيق للقوانين المناهضة للعنصرية ضد الهجمات اللفظية والجسدية، وضد التخويف والشطط في استعمال السلطة، مدعمة العنصرية المناهضة للمسلمين؛ وبطريقة "نشطة"، بتشجيع الاستبعاد والتمييز داخل السياسات العامة، وسياسات الاندماج المحلية، في مجال تنظيم الحقوق، والانضباط في الاستقلال الذاتي الخاص، مغذية الدعاية التي نجد امثلتها في اوربا وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل يومي.

5 - أدت مجمل هذه السياسات إلى خلق "استثناء إسلامي" باعتباره ناتجاً عن جذور ثقافية فقط في تجاهل للجذور الاقتصادية الاجتماعية. كيف تنظر إلى راهن هذا "الاستثناء" ومآلاته في ضوء الأزمات الاقتصادية التي تضرب الشرق والغرب. وهل من سبل للالتقاء؟

- أجيب بإيجاز لأني أطلت كثيرا في الحديث. الوضعية صعبة للغاية، والعنصرية المؤسساتية في ارتفاع مهول في كل بقاع العالم وتحمل معها العنصرية الشعبية. في هذا السياق يقدم الاسلاموفوبيا نفسه على أنه الشكل الأكثر حدة والأبلغ تعبيرا عن العنصرية الاوربية، كرأس حربة عنصرية العصر الليبرالي الجديد. تضرب الاسلاموفوبيا المهاجرين المسلمين الوافدين بشكل مباشر وفي الوقت نفسه تسمم وتخدر الاوربيين الذين تم حثهم ـ من فوق ـ على حفر خنادق لا يمكن ملؤها. يحضرني كلام ايمي سيزير Aimé Césaire حينما قال إن الاستعمار يبيد المستَعمَرون ويوحش المستعمِرين.

ومع ذلك فان اللقاء ممكن، حتما أنه كذلك، لسبب بسيط: هو أن العنصرية ظاهرة اجتماعية تنحدر من فوق في اتجاه تحت، ويتم تعلمها من الخارج في عملية تنشئة اجتماعية، وليست عنصرا طبيعيا، بالتالي يمكن عكسها وتحييدها. شانها شان الفيروس، يمكن هزيمته، يوجد له لقاح. تشكل الاسلاموفوبيا اختبارا مهما بالنسبة للطبقة الشغيلة، وبالنسبة لمناهضة العنصرية السياسية، والراديكالية، والطبقية. يتعلق الامر بكل تأكيد بعملية صعبة، ومركبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة. فبديل اللقاء بين الشعوب والتضامن بين الشغيلين يكون هو المذابح، والصراعات العرقية، والحرب بين الفقراء، في حين أن المنظور الوحيد بالنسبة لنا هو منظور التبادل العادل، والاندماج المتبادل اتجاه تحول ديناميكي للآفاق والهويات، والتثاقف كعملية التحرر الجماعي.

 

أجرى الحوار محمود منير ترجمة زينب سعيد

.................................

رابط الحوار

https://www.alaraby.co.uk/

فابيو-بيروكو-الإسلاموفوبيا-وأوروبا-المتناقضة

 

 

 

1752  فائق العبودي ينتمي الفنان العراقي فائق العبودي إلى تربة الفن الأصيل الحامل للهوية العراقية، وهو الدارس للفنون الجميلة والتصوير الفوتوعرافي، وللتصميم. تابع دراسته العلمية للتصميم الطباعي في سويسرا، فضلا عن حصوله على بكالوريوس فنون من الجامعة العربية المفتوحة في شمال أمريكا . اتخذ الفنان فائق العبودي من مدينة لوزان السويسرية منذ عام  1999 مستقرا له، وأسس فيها مركز فضاء الشرق الثقافي، ومجلة ألوان الثقافية وهي مجلة تهتم بالثقافة والإبداع والفنون. وشارك في عدة معارض رفيعة ببغداد وعديد العواصم العربية والغربية، ونال قدرا كبيرا من الإشادة النقدية بتجربته الفنية التشكيلية مما أهله لعضوية أكاديميات فنية مختلفة نذكر منها: جمعية الفنانيين التشكيلين العراقيين،  جمعية الخطاطيين العراقيين، الرابطة الدولية للفنون باريس. ورغبة في الاقتراب من متخيله الفني المتسم بالفاعلية والتكثيف، وفي فهم البنيات الدلالية لمنجزه التشكيلي، ورصد ملامح الهوية البصرية لتجربته الفنية الرفيعة كان لنا معه الحوار التالي:

* تراهن في تجربتك الفنية على استثمار الذاكرة، وتوظيف طاقتها الجمالية في ممارستك التشكيلية، وهو ما جعل الناقدة السويسرية لورانس فولكنر سيبوز تصفك بقولها:" إذا كان فولتير قد اعتبر أن الكتابة هي صوت الكلام، فإن العبودي برسمه لحروف الكتابة القديمة أعطاها حقها في الصوت والكلام". كيف تنظر إلى هذه الرؤية النقدية، وكيف تمتلك أعمالك الفنية صوتها الخاص؟

- سعدت جداً يوم قرأت الدراسة النقدية التي قدمتها السيدة الناقدة لورانس، وهي تضع اسمي مع أسماء شامخة في الفلسفة مثل الفيلسوف الفرنسي فولتير. بيد أن الحظ ، أو الفرصة كان وراء تقديمي لمعرضين شخصين في بيت هذا الفيلسوف العظيم، حيث اتخذت مدينة فولتير الفرنسية بيت الفيلسوف مركزاً ثقافياً وسياحياً هاماً. في منظوري فاللوحة عبارة عن باقة من المشاعر والأحاسيس  يعيشها الفنان في صيغة الحاضر أو الماضي. في الحاضر حيث تتمثل في الأفكار التي تتكون من خلال المشاهدات اليومية للفنان، وفي الماضي ارتباطا بما هو مخزن في الذاكرة، وجمع فيه كل المؤثرات التي مرت في حياته، من مرحلة الطفولة بلهوها وفرحها، ومرحلة الشباب فرحها وحزنها والحرمان والأماني والمشاهدات اليومية  والصور التي كونتها حكايات وقصص الأجداد أو الأمهات، أو من خلال أحلام عالقة في الذاكرة لا يمكن نسيانها. وبموجب ذلك فالفنان ينهل من هذا المخزون الكبير لعمله الفني. ولوحاته هي ترجمة للأحاسيس والمشاعر والصور والانفعالات. بل لعوامل أخرى مثل الموسيقى بنوتاتها وإيقاعها، في النحت والسيراميك من خلال الطين،  وفي الأدب من خلال الكلمات والصور، وفي الرسم بالألوان. اللون هنا بمثابة النوتة في الموسيقى،  يوظفها الفنان للتعبير عن الحالة التي يود طرحها. وللألوان رموز ودلالات،  اللون هو صيغة مركبة فضلا عن مدلولاته المألوفة لأنه يعبر عن حالة نفسية معينة  الأسود مثلا يعبر عن الحزن أو الاكتئاب، والأبيض يعبر عن الطهر والنقاء، والأخضر عن الخير والعطاء،  وهكذا بقية الألوان لها دلالاتها ومعانيها. والفنان يوظف هذه الألوان بدقة وعناية لتتناسب مع مشروعه الفني،  وهو يعزف سيمفونية الألوان على إيقاع ضربات الفُرشات. ولعل ذلك هو الصوت الذي وضعته في حروف الكتابة القديمة .

* هذه الرؤية تكشف تعدد مرجعياتك الفنية والجمالية، وهذا ملمح انتبهت إليه الناقدة السويسرية لورانس فولكنر، بوصفك كفاعلا عراقيا في المشهد التشكيلي السويسري، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

- ارتباطا بسياق السؤال يمكن القول أني استثمرت فرصة وجودي هنا ارتباطا بجهدي الفني وطبيعة الاشتغال والمنظور الجمالي لتجربتي التشكيلية، وارتباطا بالتقاليد المرافقة للمعارض التشكيلية فإن ما كتبته الناقدة السويسرية كان متابعة نقدية لمعرض شخصي قدمته في مدينة فرني السويسرية التابعة لمدينة جنيف، وعند زيارتها للمعرض اقتنت عمليين فنيين تقديرا منها لتجربتي التي نالت اهتمامها. أعمالي نالت إعجاب عدد كبير من المتذوقين والمقتنين. هذا الاهتمام جعل الإعلاميين والنقاد يهتمون بتجربتي ويكتبون عنها ويقدمونها في منابر مختلفة سواء في الصحف والمجلات الفنية والإذاعة والتلفزيون، وبموجب هذا الاحتفاء النقدي والاهتمام الإعلامي بتجربتي التشكيلية تمت دعوتي مرارا لتقديم تجربتي في عدد من دور الفن المرموقة.

* تشكل المعارض الفنية فرصة لكشف الطاقات التشكيلية، ورصد طبيعة الممارسة التعبيرية فنيا وجماليا، هل كان للمعارض التي أقمتها في سويسرا وغيرها من الدول الأوربية هذا الدور في تجربتك الفنية؟

- غادرت العراق عام 1997 وكان في رصيدي معرض شخصي واحد مع مشاركات جماعية عديدة، و قدمت معرضي الشخصي الثاني في الشارقة عام  ،1998 في جمعية الفنانيين التشكيلين الإماراتيين، واليوم بفضل الله في رصيدي سبعة وعشرون معرضاً شخصياً، وعشرات المشاركات العالمية، ولوحاتي توزع في مختلف دول العالم ، فضلا عن جداريتي في مدينة فرني التابعة لمدينة جنيف.

1752  فائق العبودي 2 * هل ينظر إلى تجربتك الفنية كفنان عربي في بلاد المهجر، أو ما يمكن تسميته بالفن المهاجر؟

- الجميل والمريح جداً هنا أن الناس لا يفرقون بين عربي أو أوروبي أو إفريقي، طالما أن الإنسان يحترم القوانين، ويحترم البلد الذي يعيش فيه، ويراعي فن العيش المشترك. هوية الفن لا ترتبط بالعرق أو بالهويات القومية فقط، فالمشترك الجمالي والإنساني في تقديري له أهميته الخاصة، الفن ينتمي إلى كل الناس. إن الأمر بشكل دقيق يعتمد على ما يقدمه الفنان، إذا كان جديداً وحداثيا، وفيه من الخصوصية التي تثير الاهتمام  يلقى ترحيبا واهتماما، ولا ينبغي أن ننسى أن الناس هنا  لديهم ذائقة فنية مذهلة وعلى درجة عالية من الخبرة الجمالية. لذلك من الصعب إقناعهم بالعمل المألوف أو المتواضع. وقد وجدت شخصياً اهتماماً رائعاً، ربما أيضاً خدمني الموضوع الذي أشتغل عليه: التاريخ القديم. إن المشاهد أو المتذوق هنا مثقف، وله معرفة كاملة بتاريخ بلاد ما بين النهرين ، لذلك لا يجد صعوبة في قراءة اللوحة في كل مكوناتها الجمالية.

* كيف يمكنك تحقيق مزية تمتين العلاقة الإبداعية مع المشاعر في فضاء اللوحة، وهل تشكل هذه المزية عامل نجاح في عملك الفني؟

- حب العمل والصدق والإخلاص أساس مهم لإيصال المشاعر والأحاسيس في فضاء اللوحة وداخلها. وينطبق ذلك على كل عمل في مجالات الحياة. بيد أن النجاح والفشل يعتمد على عاملين، الأول في تصوري الحظ، والثاني أنه على الفنان أن يفهم جيدا أن الساحة الفنية مليئة بالمبدعين،  بتجاربهم الإبداعية المميزة والرصينة. الساحة الفنية الكبيرة وهي بمثابة حقل ألغام على الفنان أن يجتاز ذلك الحقل بنجاح ليصل لهدفه المنشود. المطلوب المثابرة والتواصل، والبحث، والتجريب، والممارسة لكسب الخبرات، و لو توفرت الخبرات يستطيع الفنان السباحة في عمق هذه الساحة. والرهان على النجاح يتطلب التعب ومحاولات عديدة، وعدم الخوف أو التردد.

* كشفت العوامل المساهمة في تشكيل اللوحة، لكن هل المتلقي قادر على رصد هذه الطاقة الكبيرة من الحدس في لوحاتك الفنية، وفك شفراتها؟

- حسب وجهة نظري فإن تفكيك الشفرة Cipher مسؤولية المشاهد، من خلال التذوق الفني الذي يحتاج إلى تدريب الحواس ؛ وخاصة اللمس والبصر والسمع.  و هذا التدريب يأتي من الوعي الجمالي الذي يمكن الفرد من التعرف على تاريخ الفنون والمدارس الفنية المختلفة، ومن خلال زيارة المتاحف والمعارض، والتعرف على قيمها الجمالية، كذلك التأمل في جمال الطبيعة.  تحضرني قصتان جواباً على سؤالك: الأولى حدثت في الإمارات، حيث دعوت صديق إلى معرضي الشخصي، وبعد أن جال في المعرض متفحصاً كل اللوحات، اتجه إلي قائلاً:"ما هذه الخرابيط". أما الثانية فقد زارت امرأة سويسرية مسيحية مشغلي في سويسرا، وتوقفت عند إحدى لوحاتي لوقت طويل، ثم جاءت بعدها بأيام، وتوقفت عند اللوحة ذاتها، وسألتني عما في تلك اللوحة، فأجبتها شارحاً التكنيك الذي استخدمته فيها، فأجابت بأنها ترى نوراً في تلك اللوحة يلامس روحها، أصبتُ بالدهشة، فقد ضمنت اللوحة اسماً من أسماء الله الحسنى: وهو:"الرحمن"، فشرحت لها أنني مسلم، وأن ما في اللوحة اسم من أسماء الله الحسنى، فاقتنتها في اليوم ذاته.

* هل أنت مع قيام الفنان بشرح فكرة عمله أو لوحته أمام الجمهور وإظهار ما خفي عن المتلقي؟

- أنا ضد فكرة تسمية اللوحة أولاً، لسبب بسيط جداً؛ لا أريد أن أضع المشاهد في خانة أنا أقترحها عليه باختياري للعنوان الخاص للوحة. أريده أن يكون حراً طليقاً  يسميها كما يشاء، وكما يشعر بها، أعتقد مسؤولية الفنان تنتهي حال وضع توقيعه.  اللوحة مجموعة من الأحاسيس يصعب تفسير أو شرح الإحساس،  وبحسب النظريات والعلوم المختلفة، النظرية البنائية على سبيل المثال تعرف الإحساس على أنه أمر غير قابل للتحليل والتفسير، بل للإدراك فقط . وبإمكان الفنان شرح فكرة الموضوع مثلاً، تقنية العمل،  الخامة المستخدمة، وهكذا.

* ماهي طبيعة المكونات التقنية والأسلوبية أعمالك التشكيلية؟

- اللوحة قبل أن تكون حصاناً أو طائراً، هي عبارة عن انفعالات وأحاسيس تترجم من خلال اللون، والضوء والخطوط عناصر مهمة جداً باللوحة. واللوحة دون تلك العناصر فارغة، وتفتقد للكثير من طاقتها التعبيرية. ينبغي على الفنان أن يكون الفنان على دراية ومعرفة تامة بمشروعه الذي يقدمه أو ينوي تقديمه.  تحضرني – في هذا السياق- مقولة للفيلسوف الفرنسي ألبير كامو يقول (لدى الفن عدو اسمه الجهل) وهذا ينطبق على الفنان والمشاهد. في عملي أتجاوز كثيراً عناصر الضوء والخطوط، أعتقد أنني أرسم أشياء أكثر تعقيداً بالنسبة لي؛ في محاولة لتحدي الحدس الخلاق في داخلي. كنت صغيراً أزور المتحف العراقي للتاريخ القديم، وأتسمر أمام الأعمال الفريدة، وكأني أدرسها دراسة، وأرجع إلى البيت أحاول تقليدها بالطين. نعم لقد جئت من خلفية تقدر هذا النوع من الأعمال بل وأقدسها. وهذه الأعمال لا تزال إلى اليوم تسبح في ذهني، وأود أن أقدمها بشكل يليق بها. حديثي وإنشدادي إلى الماضي هو حديث مع الحاضر أيضاً. بالنسبة لي الفن يزيل المسافة ويزيل الوقت أيضاً، كأنه سحر، والأجمل هي القدرة الفنية على الجمع بين الماضي والحاضر.

* لماذا تميل إلى استخدام الألوان ذات الإضاءة القوية في منجزك التشكيلي؟

- ربما للبيئة تأثير قوي على هذا الموضوع، لكوني قادم من بلاد الشمس،  ولشمس بلادي في داخلي نور لا ينطفئ. والسبب الآخر أن الألوان ذات الإضاءة القوية تمتلك طاقة دلالية، وتسعفني في ترجمة ممكناتي الفنية وتجسيدها عبر الحركة اللونية والضوء والرهان على تكثيف المعنى واستثمار الرمز التاريخي وتطويعه ليصبح رمزا فنيا حاملا لطاقة جمالية مخصوصة. إن الأمر لايرتبط بالحدس فقط بل بتساوق نوعي يربط بين الحدس وبين التأمل بحثا عن الدهشة الجمالية. ومن طرائق الاشتغال فإني في بداية رسم كل لوحة لا أتمكن من رسمها دون استخدام اللون الأحمر، حتى ولو بنسبة محدودة تنسجم مع جو اللوحة، يتسلل إلي ذلك اللون خلسة، ليكون بمثابة أمل مشرق يمتد إلى فضاء اللوحة الفسيح.

* تاريخ وحضارة العراق  تشكل مرجعية متجددة في منجزك الفني، لكنه لا يتواجد بأنماطه الجمالية المتوارثة بل تبعا لرؤيتك الجمالية، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

- تاريخ العراق عظيم، وحضارته تمتد لآلاف السنين، هذا التاريخ كنز لا ينضب، ثري وقوي ومؤثر. و لا توجد لدي لوحة واحدة لم استلهم فكرتها من تاريخ العراق القديم، اشتغل اليوم على الرموز القديمة والتمائم السومرية أقدمها بفخر، وأشعر كأن روحاً سومرية تلبست جسدي، وربطتني بذلك الماضي السحيق لتملأ ذاكرتي بخزائن من الرقم الطينية، صنعها أجدادي السومريين و دفنوها لتكون شاهداً عليهم. و أنا أعيد صناعتها مازجاً القديم بالحديث والماضي بالحاضر، لتكون شاهداً على الوفاء لذلك الإرث العظيم. سنوات الغياب تجعلني مشدوداً أكثر إلى هذا التاريخ  العريق.

* كيف يمكنك الانتقال من المادي المحسوس إلى التجريدي إلى وتحويل هذه المرجعيات الرمزية إلى فن تشكيلي وجمالي؟

- القلق هو زادي الأول، ربما هو طبعي، لذلك التجريب بالنسبة لي هو نوع من المورفين الذي من خلاله أصل إلى خيالات وأفكار جديدة لمشاريعي المستقبلية. وكل عمل أقدمه يرى فيه المشاهد تقنية خاصة جداً، وتفاصيل كثيرة،  أجعله يسبح فيها متأملاً التفاصيل التي تدل على حجم أو كمية ساعات  العمل الوسواسي  لكي أنجز عملي الفني  في ميسمه الجمالي.

* ما هي أبرز التقنيات التي تفضل استخدامها في لوحاتك؟

- لا أتردد بالتجريب والاكتشاف، ولا أتوقف عند خامة واحدة أو اثنتين.  اشتغلت على خامات كثيرة، وأفضل كثيراً الاشتغال على الخشب، لسبب بسيط جداً،  أشعر أنني أعطي حياة أخرى لتلك الشجرة التي قطعت ليصنع منها الخشب. ألغي فكرة موتها، أعطيها شيئاً من روحي لكي تعيش.  كما أجد الخشب مادة مطاوعة، ويمكن التصرف بها بشكل كبير. صلابتها تعطي شعورا جميلا .

* لماذا تفضل في تجربتك الفنية  استخدام تقنية الجرافيك المحفورة؟

- الحقيقة أنا أشتغل بروحية فن الجرافيك، وليس بتقنية الجرافيك الحرفية.  واللوحة التي أنجزها لا يمكن تكرارها. أما في فن الجرافيك ففيه ميزة تكرار اللوحة بعدد من النسخ المتشابهة، وأول لوحة من هذا الفن استخدمها الصيينون على الورق والحفر على الخشب . طبعا باستحضار أنواعه، ومن ذلك الطباعة من سطح بارز،  الطباعة من سطح غائر،  الطباعة من سطح مستوي.

* كيف تنظر إلى طبيعة المشهد التكيلي العراقي في علاقته بالمحلية والكونية؟

- الإجابة على هذا السؤال، قابلة لأن تقدم بشكل سالب أو إيجابي، بمعنى موضوع تطور الإنسان أو الفنان يعتمد على الاستعداد أولا، والجهد بالبحث والتجريب ، أو الاكتفاء بما وصل إليه الفنان، ليكون سجين الخصوصية التي يعتقدها ربما. أو رهينة لصعوبة الابتكار والحصول على فكرة لمشروع فني جديد. وهذا ممكن جداً، وأنا شخصياً عانيت من هذا الموضوع في بداياتي الفنية، فقد رسمت اللوحة الأولى وتسمرت ماذا بعد ؟ ليس من السهل أن تجد فكرة، وربما تجد الفكرة، ولكن تقع في مشكلة التنفيذ، لذلك تجاوزت الموضوع بالبحث والتجريب المستمر. أما ما يتعلق بالخصوصية، لو توقف عندها الفنان سيكون كمن يدون رواية أو قصيدة ويعيدها كل مرة، أين الجديد بالموضوع؟

برأيي الخصوصية أسلوب كما الأسلوب الكتابي فيها نفس وروحية. تتغير فيها الأحداث والصور بالنسبة للكتابة، والخامات والأفكار بالنسبة للرسم ، بعيداً عن التكرار. لذلك أستطيع القول أن بعض الفنانيين مازالوا يراوحون في أماكنهم، والبعض اشتغل على نفسه، وأجهدها بالبحث والتجريب ومتابعة التطورات لتحقيق النجاحات، ولعل هذا هو المطلوب .

* مشهدية الحركة التشكيلية في العراق متحولة تبعا لسياق كلامك، هل لهذا الأمر علاقة براهن الحياة الفنية بالعراق؟

- واقع الحال اليوم يرتبط بظروف العراق المأساوية التي أثرت كثيراً على جميع جوانب الحياة، والحالة النفسية للإنسان مؤلمة، فكيف بالفنان الذي يتعامل بالحس والمشاعر. بالتأكيد هنالك تأثير كبير وواضح،  عدد كبير من قاعات الفنون التي كانت تنتشر في بغداد أغلقت،  وعدد كبير من الفنانين هاجروا، ومن بقي منهم في الداخل يصارع صعوبة الحياة بأجواء ملغومة ومشحونة بسوء الخدمات، والطائفية المقيتة، والعوز،وقلة الأمان،والعنف. ومع كل هذا فجمعية الفنيين التشكيليين العراقيين برئاسة الفنان المبدع قاسم سبتي، تقيم أنشطة نوعية ومميزة، وكذلك تصدر الجمعية مجلة خاصة تهتم بالتشكيل بطباعة أنيقة وبحرفية عالية. أعتقد الأمر بالدرجة الأولى، ترسمه ظروف البلد السياسية والاقتصادية .

* هل يمكنك الحديث عن بعض التجارب التشكيلية العراقية التي حققت نجاحات خارج الوطن؟

- العراق مهد اللإبداع والمبدعين في كل المجالات التعبيرية،  وفي المجال التشكيلي على وجه الخصوص. لا أود أن أذكر اسماً لئلا أنسى آخر، وسيكون ظلم بحق من أنساه، ولكن أستطيع الإجابة بالقول أن الكثير من الفنانيين العراقيين حققوا نجاحات كبيرة وهامة،  واستطاعوا أن يثبتوا نفسهم بقوة في المشهد الثقافي العربي، و في ديار الغربة التي صارت قدرنا، وكيف لا ونحن خارجين من مصهر الإبداع الحقيقي، العراق المجيد.

* هل لازلت مسكونا بالرغبة في التجديد الفني في تجربتك التشكيلية؟

- البحث الدائم لا يترك لي مجالاً للوقوع في مشكلة التكرار،  والتجربة المستمرة تزيد من خبراتي وتفتح لي أبوابا لمشاريع فنية غير منقطعة. أستخدم مواد مختلفة ومتنوعة بعضها ليس له علاقة بالرسم. السكين والفرشاة والألوان أدواتي، لكنها ليست أدواتي الوحيدة، وأنا أقوم بمعالجة للون ليعطيني روحية العتق أو القدم كي يتناسب مع الموضوع الذي أشتغل عليه.

* هل اشتغالك على الأثر الفني العراقي ساهم في خصوصية اللوحة التشكيلية على مستوى المساحة؟

- كوني أشتغل على الأثر ومفهومه، حرصت أن أعطي لعملي الفني شكلاً قريباً من الآثار. وهذا الشكل أعطاها خصوصة وجمالية، وكأن اللوحة أخرجت تواً من باطن الأرض. في أعمالي الأخيرة عملت على تقطيع اللوحة بالكامل ليس الحواف فقط وإعادة تجميعها بلوحة، قطعة قطعة، وكأن الزمن كسر أجزاءها، وأعيد صفها وكأنها قطعة أثرية أو رقعة من الموزاييك. وهذا يتطلب مني عملاً مضاعفاً. أرسم وأقطع  وأعيد البناء  باحترافية عالية مع احتساب الجوانب الفنية والجمالية لأجعل منها قطعة فريدة تثير الإعجاب وتطرح التساؤلات. وقد ساعدني في ذلك الموضوع امتلاكي لمهارات إبداعية أخرى، مثل التصميم الطباعي، وتصميم الديكور، والنجارة , وظفت هذه المهارات داخل عملي الفني , ليكون قوياً ورصينا.

* هل تسعى إلى تحويل لوحاتك الفنية إلى مجال للتفكير حول الإنسان والهوية، والتساؤل عن الفن نفسه؟

- لا أميل إلى البساطة أو التقليدي في العمل الفني. أبحث في الأعماق، فالفن حسب منظوري ليس أن تكتفي برسم شمس أو قمر أو نهر أو جبل، بل هو أبعد من ذلك بكثير. أستحضر في هذا السياق قول الفنان الأسباني بابلو بيكاسو: (بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحولون البقعة الصفراء إلى شمس). والعمل الذي يثير التساؤلات أكثر غنى. التساؤل يجعلنا نبحث، والبحث يجعلنا نكتشف ونتعلم، لا يقنعني أبداً عمل أنجزه، ولا يثير التساؤل داخل نفسي، إذا لم يثرني فكيف له أن يثير الآخرين؟

الإثارة تتكون لدي من لحظة تأمل تسبق العمل، وتخيل كامل لصورة وطبيعة العمل الفني، لحظة التأمل هذه تشبه حالة الإلهام. وعندما أبدأ عملي أترك لأصابعي الحرية المطلقة بالحركة بالفرشاة والألوان، وأنسى نفسي أمام ضربات الفرشاة وحبكة اللون. لا أبالغ إن أنا  أسميتها حالة غيبوبة  تتخللها حالة حوار مع اللوحة في أخذ وعطاء، تطلب مني لون هنا وخربشة هناك إلى أن تكتمل، وترفض أن أزيدها من الألوان، أنهي عملي بها، وأتركها بعض الوقت ليوم أو أكثر، لأرجع إلى حالتي الطبيعية،  وأضعها أمامي على الكرسي، أحتسي الشاي وأتأملها بهدوء، وكأنها حبيبتي. نتحاور بصمت، أنظر إليها بإعجاب، وأبدأ بالتساؤل من جديد. و أعتقد أن هذه الحالة، وهذه التساؤلات يعيشها المشاهد، وبهذا استطعت أن أخلخل أو أحرك شيئاً في داخله ليضع علامة استفهام هنا وهناك.

* كيف يتحقق فضاء المكان بمرجعياته التاريخية والدرامية ( الحارة مثلا) في لوحاتك التشكيلية؟

- الحارات البغدادية أو كما نسميها في العراق (الشناشيل) الموضوع الأول الذي اشتغلت عليه، وقدمت معرضي الشخصي الأول كما أسلفت في 1997 بعنوان: "بغداد حبيبتي". هذه الحارات عشت بها منذ ولادتي، وطفولتي الأولى، رغم أنني جنوبي المنشأ، من مدينة العمارة تحديداً، البيوت القديمة تثيرني بأزقتها الضيقة، وهندستها الجميلة، بأبوابها، وشبابيكها المميزة، ومكامن الضوء، والظل، المثير لعدسة العين والكاميرا. من الطبيعي جداً أن يكون هذا الموضوع مؤثراً للفنان الذي يبحث عن الأصالة والجمال. وفي تلك الفترة كنا نعاني من ظروف حصار اقتصادي خانق جداً في العراق، وهجرة شبه جماعية، لذلك رسمت بغداد بأزقة خالية، وجدران متشققة تعبيرا ًعن الفقد والخسارة، وامرأة ترتدي السواد في طريق المغادرة أو الرحيل. بعد هذا الموضوع اشتغلت على الأبواب الإسلامية والأثر الإسلامي القديم ، وقمت بتوظيف الخط العربي في لوحاتي كوني خطاط أيضا، وعضوا لجمعية الخطاطيين العراقيين. وبعد فترة من التجريب والبحث المتواصل اتجهت نحو الأثر التاريخي: رموز قديمة، قطع أثرية، رقم طينية قديمة. ومازلت أشتغل على هذا الكنز الذي لا ينضب. أشعر ب"تسونامي" يتدفق في داخلي عسى أن أستطيع أن أطارد فكرة في داخلي، " أن الأحفاد خربوا ما صنعه الأجداد". ربما يسعفنا علم النفس الاجتماعي لفهم هذه الإشراقة المنيرة في قول الفنان بابلو بيكاسو:" تاريخ بلاد الرافدين هو أعظم ما خلفته الحضارات القديمة للإنسانية". وللسبب نفسه يتساوق الأثر الجمالي لتجربتي الفنية في ملمحها الجمالي، مع  مع الأثر الجمالي لحضارة العراق المجيدة.

 

حاوره: د. عبد السلام دخان: باحث في جماليات التعبير

 

 

الموسيقى - لغة- موحدة لجميع الشعوب الثرى. نحن حين نستمع الى الموسيقى ونطرب لانغامها لا نبالي بهوية وقومية الملحن او حتى الانتماء الثقافي والبيئي للنغمة. الجدير بالذكر كذلك ان الهواة من الموسيقيين والعازفين في كل الدنيا يعزفون الحان المؤلفين الكبار او يقتبسون منها وادائهم يكون بدرجات متفاوتة فمنهم من يجيد العزف ومنهم المبتدئ. هذا طبعا لا يضر المؤلف لان  خاصية "الحاتمية" للموسيقى و ديناميكيته يعني يما يعني بان المقطوعة الموسيقية ملك للانسانسة. وبذلك يجوز العزف والاستماع اليه في كل الازمان و اينما تواجد البشر.

نلتقي اليوم باحد المهتمين بالتراث الموسيقي العالمي ومن الكتاب العراقيين كي يظيف الى معارفنا و علومنا الموسيقية الشحيحة الشئ الكثير ، قارئ الكريم. حواري اليوم مع الاستاذ الكاتب ثائر صالح .

1726  ثائر صالح

حدثنا كيف كانت بداياتك الاولى مع الاهتمام ب الموسيقى؟

- ولدت في عائلة كانت تتمتع بسماع أنواع الموسيقى، بالخصوص الموسيقى التي تسمى كلاسيكية الى جاتب اهتمامها بأغاني محمد عبد الوهاب واسمهان مثلاً، والأغاني العراقية الجميلة. كان هناك جهاز غرامافون "هاي فاي" وعدد من الأسطوانات بسرعة 78 (للتسجيلات القديمة والأغاني الأمريكية الشائعة في الأربعينات والخمسينات) وعدد كبير بسرعة 33 للتسجيلات الطويلة، ولم تكن هناك أسطوانات بسرعة 45 لأن هذه كانت تقليعة جاءت متأخرة ربما في الستينات لكن بالتأكيد في السبعينات واستعملت لتسجيل أغاني البوب المنفردة.

سماع هايدن وموتسارت وبيتهوفن وتشايكوفسكي وبرامز كان طبيعياً بالنسبة لي، وهو ما نمى لدي حب الموسيقى الكلاسيكية. ولا ننسى دور أفلام الكارتون في تلك الفترة التي كانت في تقديري أحد أهم مصادر تحبيب الموسيقى الكلاسيكية للأطفال، على الأقل تعريفهم بها. عندما كبرت بدأت بتجميع التسجيلات التي تعجبني وتلك التي قرأت عنها، وكنت أقتنيها من قسم الموسيقى في (محلات اوروزدي باك)، وأحيانا كنت أتفق مع حكمت مدير القسم فيستوردها لي. وكنت أحصل على تسجيلات كثيرة من أصدقائي الذين يقضون عطلهم الصيفية في أوروبا، فيجلبون معهم تسجيلات موسيقية. وكان للمركز الثقافي الفرنسي مكتبة موسيقية عامرة استعرت منها التسجيلات النادرة، على الخصوص تسجيلات عصر الباروك الفرنسي الذي تعرفت عليه هناك.

كانت الحفلات الموسيقية ظاهرة منتشرة في بغداد في فترة السبعينات، فحفلات الفرقة السيمفونية الوطنية الشهرية تقام في قاعة الشعب ولاحقاً في قاعة الخلد، وقدمت حفلات موسيقى الحجرة في (مكتبة الطفل العربي)، وكانت المراكز الثقافية تقدم حفلات يؤديها عازفون عراقيون وأجانب بانتظام. كنت احضر هذه الحفلات بشكل مستمر.

قرأت كل الكتب الموسيقية التي حصلت عليها، خاصة الإنكليزية التي أقتنيها من مكتبة في شارع السعدون كانت قريبة من ساحة الجندي المجهول. بين هذه الكتب عمل اوتّو كارويي "مدخل الى الموسيقى" الذي بدأت بترجمته سنة 1979 في بغداد وأكملته بعد انتقالي الى بودابست، ولم ينشر إلا في 2014.

لموسيقى الغجرية التراثية في الغرب اثر واضح على العديد من المؤلفات السيمفونية كيف ترون عملية تطعيم الموسيقى بالتراث الموسيقى الشعبي؟

- تقسم الموسيقى الى نوعين على العموم، الموسيقى التي يؤلفها شخص معين (حتى لو كان مجهول الهوية)، وتلك التي تدخل في خانة الموسيقى الشعبية التي تتناقلها الشفاه، وهي غنائية على الأغلب، لا يعرف مؤلفها وغالباً ما ترتبط بمنطقة جغرافية محددة في البلد، وهي قد تختلف في لحنها أو كلماتها بشكل طفيف عن شقيقاتها في مناطق البلاد الأخرى، إن وجدت هناك. موسيقى الغجر التي تتحدثون عنها هي خليط بين الاثنين، على الأقل في وسط أوروبا وبالذات في حوض الكاربات. إذ تميز جزء من الغجر بمهارات موسيقية فائقة في العزف على الأدوات الموسيقية، خاصة العزف على الكمان والسنطور (سيمبالوم، سيمبال الخ). فموسيقى الغجر هي خليط من تراثهم الشعبي الغنائي وتراث الشعوب التي عاشوا بينها (مجريين أو رومان أو سلوفاك أو صرب الخ)، أضافوا اليها بعض المؤلفات التي ألفوها بروحية الموسيقى الشعبية، عزفوا كذلك أغاني الأوبريتات الناجحة التي تلقى رواجاً كبيراً بين الناس. اشتهر في المجر مثلا پـِشتا دانكو 1858 – 1903 عازف الكمان الشهير من مدينة سَـگَـد الذي ألف الكثير من الأغاني التي دخلت في التراث الموسيقي. وقد تأثر موسيقيون كبار بموسيقى فرق الغجر التي جابت المدن الأوروبية، منهم يوهانس برامز الذي اعجب بها وهو يافع في هامبورغ حتى قبل انتقاله الى فيينا حيث تواجدوا بكثرة، واليها تعود جذور رقصاته المجرية الشهيرة.

استعمال الموسيقى الشعبية جانب آخر من التأليف الموسيقي، بدأ هذا يبرز بقوة مترافقاً مع العمل الميداني الطليعي الذي قام به بيلا بارتوك 1881 – 1945 ولاسلو لايتا 1892 – 1963 وزولتان كودايي 1882 – 1967 في تجميع التراث الغنائي الشعبي المجري وتراث الشعوب المتعايشة في حوض الكاربات (وما وراءها، فقد جمع بارتوك الأغاني الشعبية في تركيا ولبنان والجزائر أيضاً). ولا نزال نستمتع بعمل بارتوك الشهير "الرقصات الرومانية" التي استندت إلى التوثيق والمسح الميداني الذي قام به شخصيا. لكن سبق هؤلاء في التعامل مع التراث الشعبي عدد من الموسيقيين الكبار مثل هايدن الذي أعاد توزيع الأغاني الإنكليزية والسكتلندية مثلا، لكن هذا تم من منطلقات مختلفة واستند على أساس مختلف. هنا أود التركيز على جانب هام في عمل بارتوك، وفهمه لمسألة "القومية". يتعامل بارتوك مع "القومية" ايجابياً، وهو يعرف من معاينته الميدانية أن الفلاح المجري والفلاح الروماني ليسا أعداء، انما يثير النعرات بينهما قادتهما لمطامع شخصية أو سياسية. وقد ألف بارتوك وصحبه الكثير من الأعمال الموسيقية التي تتعامل مع المادة الفولكلورية التي جمعوها ميدانياً، استعملوا فيها الايقاعات المعقدة والسلالم الموسيقية المميزة لها فأصبح منهجهم طريقاً سار عليه اللاحقون في تجميع التراث الشعبي على أسس علمية في مختلف بقاع العالم.

الموسيقى الشرقية الربع طون لم يتمكن من مجارات الموسيقى ذو الاصوات التعددية الغربية رغم ان هناك نجارب كثيرة في هذا المضمار ولكنها لم تصل الى المستمع الشرقي الا بعض الاغاني النراثية التي حاول الشباب ادخال الالات العربية فيها ، كيف ترى امكانية مزج هذين العنصرين في المقطوعات الموسيقية؟

- هذه إشكالية كبيرة تمتد جذورها لعقود كثيرة. بحث الأتراك مثل رؤوف يكتا (1871-1935) و د. صوفي أزكي (1869-1962)، وسعد الدين آريل (1880-1955) في الموسيقى التركية والعثمانية باستعمال وسائل البحث الموسيقية الأوروبية، وصاغوا فهمهم لنظرية الموسيقى التركية وهي ليست بعيدة عن الموسيقى في البلدان العربية. لكنهم استندوا إلى آخر ما توصل اليه العلماء الموسيقيون الكبار مثل الأرموي والمراغي، خاصة في تحديد نسب الأبعاد الموسيقية. واعتمدوا حساب الكومات (Comma) في تحديد قيمة الصوت، إذ يتألف لديهم التون (الطنيني) من تسع كومات، وهناك نصف تون كبير (5 من 9) ونصف تون صغير (4 من 9)، وأبعاد أخرى اصغر أو أكبر مما يعطي السلم الموسيقي الطبيعي غير المعدل طعمه وميزته. لهذا السبب يقول الموسيقيون العراقيون أن الأبعاد الموسيقية التركية تختلف عن العراقية. بالمقابل يقول المرحوم سلمان شكر أن النظام الموسيقي الصحيح هو نظام الأرموي، ونعرف أن شكر كان يميل الى المدرسة التركية فقد تأثر باستاذه الشريف محي الدين حيدر. ونعرف كذلك أن المنظرين العباسيين وبعدهم الارموي استندوا في أبحاثهم الى نظريات فيثاغورس.

استعمل الأوربيون سلالمهم التي كانت طبيعية في البداية، وقد استندت إلى المقامات اليونانية البيزنطية التي عرفها العباسيون أيضاً لكنها تطورت بمرور الزمن. غير أنهم واجهوا معضلة بسبب ابتكارهم التعددية الصوتية (البوليفونية) والتناغم أو التآلف الصوتي (الهارموني). إذ اكتشفوا  ظهور تنافر صوتي (نشاز) بين بعض النغمات. والتنافر ينشأ في حالة تداخل موجتين صوتيتين إحداهما مع الأخرى فتتولد نبضات إن وصل عددها 32 نبضة في الثانية يحس السامع بالتنافر، فتكرهها الاذن وينزعج منها العقل. الحل كان ابعاد الموجتين عن هذه الحالة بتغيير ترددهما بحيث تكون نسبتهما الرياضية أقرب الى الأعداد الصحيحة قدر الإمكان، فالحل هو نوع من المساومة الصوتية الفيزياوية على حساب النسب الفيثاغورية الطبيعة، مساومة فيزياوية - جمالية.

لكن العرب والأتراك وباقي الشرقيين لا يستعملون التعددية اللحنية أو التآلف الصوتي لأن طبيعة موسيقاهم التقليدية مونوفونية، أي وحيدة الصوت، قد تسير بصوتين الفارق بينهما الأوكتاف في أحسن الأحوال، أي القرار والجواب. لذلك ما حاجة تعديل السلم الى أبعاد متساوية مثل الأبعاد الأوربية؟ ما دامت الموسيقى العربية والشرقية عموماً مونوفونية، تنتفي الحاجة الى تعديل السلم. أما استعمال السلم الغربي فهو ممكن لكن في حدود المقامات التي تتشابه درجاتها مع السلالم الأوروبية القياسية، لكنها لا تصلح للمقامات التي تحوي أبعادا غير قياسية مثل الصبا والهُزّام والحجاز والسيكاه، ناهيك عن محاولة استنباط كوردات أو تعددية لحنية لهذه المقامات.

بالطبع قد يثير هذا الكلام بعض الموسيقيين لكني أعتقد أن الموسيقى العراقية والعربية عموما لم تدرس بشكل علمي وعميق لحد الآن، بل استمرت في التقليد وتكرار ما قيل في السابق. اسوق مثالاً واحداً بالحديث عن المقام العراقي، إذ لم أعثر على تعريف واضح لهذه الظاهرة الموسيقية الفريدة، بل عادة ما يجري الحديث عن أمور جانبية ليست أساسية مثل تعداد أسماء المقامات وأصولها الجغرافية ومن الذي ابتكر المقام الفلاني، والقطع الموجودة فيه ونوع الشعر المستعمل في هذا المقام أو ذاك هل هو فصيح أم عامي وما هو إيقاعه. لكن ماهو المقام العراقي؟ لا أحد يجيب على هذا السؤال بتعريف واضح يتألف من جملة واحدة أو جملتين. برأيي أن المقام العراقي هو شكل موسيقي غنائي مثل الأوبرا، يؤلفه قاريء مقام متمكن وفق قواعد متوارثة غير مدونة، ويقوم من يأتي بعده بتقليده. العملية تشبه تماماً تأليف جورج بيزيه أوبرا كارمن الشهيرة، التي تقدم اليوم بقراءات متعددة حسب فهم وإمكانيات قائد الاوكسترا ومخرج العمل. مثلاً مقام اللامي الذي نسب الى المرحوم القبانجي هو عمل موسيقي من تأليفه لحن فيه نصاً معيناً استناداً إلى تجاربه وخبرته في التراث الذي وصله من المقام العراقي، وهو ما يعرف في اللغات الأوروبية بمصطلح (Repertoire).

1726 2 ثائر صالحنجح العديد من الموسيقين في نركيا وايران من استخدام البيانو في اعادة تناليف الموسيقى الشرقية وتوزيعها. وقد كانت لبعض الفرق السمفونية حضور على الساحة الفنية في العراق ومصر ودول اخرى. لكن بقت تلك المحاولات ضمن التجارب وفي دول المغرب العربي لا تزال هناك محاولات جادة ربما لم نكتمل ، هل ترى بان عصر السمفونيات على الاقل في الشرق في طريق الغروب؟

- هذه المحاولات كثيرة، فاستعمال "التراث" الموسيقي في كتابة أعمال اوركسترالية يعود الى عقود كثيرة في العراق، فقد ظهرت أولى المحاولات في الأربعينات والخمسينات واستمرت بعدها بأشكال مختلفة، ولدينا مؤلفون كبار من الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة والكثير من المؤلفين الشباب. لكن المشكلة تظهر مجدداً في أي نظام موسيقي يكتب هؤلاء، أي لغة موسيقية يتحدثون؟ هل يتحدثون اللغة الموسيقية العراقية أم الأوربية؟ يمكن توزيع اغنية "تراثية" للاوركسترا واستعمال هارموني بسيط (وضعت تراثية بين قويسات لأنها الكلمة الشائعة للتدليس وتجنب نسبة هذه الأعمال العظيمة الى مؤلفها مؤسس الاغنية العراقية الحديثة الموسيقار صالح الكويتي). لكن هذا لا يعني أن التأليف الموسيقى سيصبح اوركسترالياً، إذ أن قلة قليلة من الموسيقيين تمكنوا من اللغة الأوروبية في التأليف مثل فريد الله ويردي وعبد الأمير الصراف.

استعمال البيانو غير منتشر لأنه الأداة الموسيقية التي تتجلى فيها عملية تعديل السلم الموسيقي الأوروبي بأبهى صورها، حصل التعديل في الحقيقة بسبب البيانو وقبله الهاربسيكورد أو الكلافسان أو بشكل عام ما يسمى بأدوات المفاتيح. لأن أوتار هذه الأدوات تنصب أو توزن ولا يمكن تغيير هذا الوزن أثناء تقديم العمل الموسيقي، بينما يمكن التحكم في تردد الأنغام عند العزف على الكمان مثلاً، إذ لا توجد على زنده عتبات تمنع القيام بذلك فيجري تجاوز التنافر بسهولة في الرباعي الوتري مثلاً.

يمكن وزن نغمة لا الوسطى على تردد 415 هرتس (ذبذبة في الثانية) لتقديم موسيقى الباروك أو 440 هرتس لتقديم الموسيقى الرومانتيكية أو أي تردد آخر، ووزن المفاتيح الباقية حسب نظام الوزن المتساوي المستعمل الآن أو حسب نظام الوزن المعدل الذي ابتكره جان فيليب رامو لتجاوز التنافر بين النغمات. هذا البيانو غير قادر على إصدار أصوات تناسب نغمات مقام الرست، لأن الأبعاد الموسيقية بين مفاتيح البيانو لا تعطي الأبعاد الموسيقية المستعملة في هذا المقام. لذلك تم ابتكار أجهزة ألكترونية تعطي ترددات مقاربة لترددات درجات المقامات العربية، لكن ما الفائدة من كل هذا الجهد إذا كانت الحاجة الى إصدار لحن واحد وليس عدة ألحان في آن واحد؟ زد على ذلك صعوبة استعمال هذا الجهاز المعقد لتقديم كوردات (أي مجموعة نوطات تؤدى في نفس الوقت) هذه الكوردات ستكون متنافرة في حالة الأبعاد الموسيقية غير القياسية مثلما كانت أدوات المفاتيح الأوروبية تعاني من هذه المشكلة قبل تعديل أنظمة الوزن في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

الموسيقى الاسبانية تمكنت من اخذ الكثير من الموسيقى الشرقية منذ ايام زرياب واسحق الموصلي وطعمت موسيقاها بحيث اصبح المستمع الغربي يستسغها. كانت هناك العديد من المحاولات خاصة في مصر وابنان لموسيقيين معروفين قاموا باستخدام مقاطع من الموسيقى السيمفونية في اللحانهم امثال: محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش والرحبانيان واخرون. نجحث بعظها ولا يزال يرددها المستمع الشرقي لحد اليوم.هل تعتقد بان سيكون هناك محاولات اخرى جادة في هذا الطريق؟

- الأندلس وبعدها اسبانيا كانت واحدة من أسباب تطور الموسيقى الأوروبية. ومنها انتقل العود الى أوروبا ليصبح الأداة الموسيقية الرئيسية لقرون، قبل أن يحل محله البيانو الذي أصله السنطور الشرقي هو الآخر. لكن زند (رقبة) العود الأوروبي معتّب مثل الغيتار الذي تطور منه. هذا من ناحية الأدوات، أما الأشكال الموسيقية فقد تأثرت أوروبا بالأشكال العربية، شكل الـ(سونيت) مثلاً ظهر في صقلية بتأثير الخلفية العربية الواضحة كشكل شعري وموسيقي غنائي، وهو ليس بعيداً عن الموشح. ولا تزال تسجيلات الموسيقى التي تعود الى القرون الوسطى أو عصر النهضة تذكرنا بالموسيقى الشرقية.

من أكثر التيارات الفنية المعاصرة نجاحاً هو التيار المسمى "Fusion" أي المزج والتوليف بين أدوات موسيقية مميزة لثقافات موسيقية مختلفة والتوليف بين هذه النظم الموسيقية المختلفة. كأن يجري استعمال العود والغيتار الاسباني، وكلنا يتذكر مقطوعة الشلالات التي قدمها الفنان الكبير جميل بشير على العود مع فرقة موسيقية تقليدية من أمريكا اللاتينية تستعمل الغيتار والهارب. نفس النهج يسير عليه اليوم ابن أخيه عمر، ابن عازف العود والموسيقي اللامع منير بشير، إذ يوائم بين العود والغيتار وقدم حفلات عديدة مع فرق الفلامنكو الأندلسية المعروفة. التركيز هنا على استعمال القدرات الارتجالية لدى الثقافات الموسيقية المختلفة واستعمال جمل لحنية تكون العمود الفقري للقطعة الموسيقية التي يتم تأليفها.

استعمال الرحابنة أو محمد عبد الوهاب جملٍ لحنية من الأعمال الأوروبية الكلاسيكية تجربة قديمة وناجحة بفضل عبقرية هؤلاء الموسيقيين الكبار وذوقهم الراقي وأضيف الى ذلك ثقافتهم الموسيقية الواسعة والمتنوعة. كل هذا لا ينطبق على الكثير من المحاولات الحديثة التي ينقصها الذوق السليم والمعرفة الموسيقية العميقة، ناهيك عن وصول الذوق الموسيقي العام لدى الشعوب العربية إلى مستوى متدني بفعل تفشي الفن الرخيص وإشاعة القبح بالترافق مع التراجع الكبير في مسيرة تحديث المجتمعات العربية. فقد جرى تخريب ذوق الجمهور بشكل مستمر منذ بضعة عقود، خاصة مع ظهور التيارات الدينية المتطرفة التي تحارب كل من يختلف معها وحتى كل ما هو جميل بدعوى مخالفته مبادئ الدين، وتتغاضى في نفس الوقت عن الحكمة العميقة في الحديث الشريف القائل إن الله جميل يحب الجمال التي تساعد برأيي على تأسيس مجتمع متزن متسامح.

بالمقابل هناك جيل جديد من الموسيقيين الشباب الذين تلقوا تعليماً أكاديمياً عالياً، وبعضهم يتكلم اللغتين الشرقية والغربية بطلاقة. هؤلاء أعادوا لنا الطرب الشرقي القديم، لكن بتقنيات فنية عالية وبدم جديد بالاستفادة من خبرتهم في الموسيقى الغربية، مثال واحد على هؤلاء الشباب عازف الكمان المبدع ليث صديق الذي تخرج بتفوق من أحد أهم المعاهد الموسيقية الأمريكية وأشهرها. 

الموسيقى الشرقية بقت محتفظة على قالب ووتيرة واحدة متكررة ملم تعرف التطور خاصة فيما يسمى بالمقامات بينما نلاحظ العكس في تطور الموسيقى الغربية وظهور حركات فنية وفرق موسيقية احدثت تغيرات جوهرية في الموسيقى واداء الاغاني. الموسيقى الالكترونية جديدة في عالمنا اليوم ويعتمد على التطورات الكبيرة في عالم الكومبيوتر والانترنت. هل تعتقد بان تلك التطورات سينعكس علة الموسيقى الشرقية؟

- أحد أهم أسباب تطور الموسيقى (العلوم والفنون على العموم) في أوروبا هو التدوين واتباع منهج علمي ونقدي في البحث. فالتدوين الموسيقى لم يتغير منذ قرون طويلة إلا بشكل بسيط، هذا يعني أنه قادر على تدوين كل ما يخطر في بال الموسيقيين. الموسيقى مثل اللغة، لا تنضب رغم وجود عدد قليل من الحروف، وستجد على الدوام مواضيعها الجديدة التي ستعالجها بنفس الحروف ونفس نظام التدوين لكن بشكل جديد يناسب التطور الذي يعيشه المجتمع ويلبي حاجاته التي تتغير على الدوام. وليس هناك جديد إذا قلنا بالحاجة الى دراسة وتحليل الموسيقى العربية على أسس علمية صحيحة وبناء نظرية علمية متماسكة تعبر عنها. لكن كيف لنا تحقيق ذلك في الحالة الراهنة لكل الدول العربية؟ ازدهار الفنون لا يحدث دون الاستقرار الاجتماعي ووجود نظام تعليمي فاعل ونمو وتراكم في الثروات الفكرية والمادية، ونحن بعيدون عن كل هذا. المواطن في الدول العربية لا يشعر بالأمان على حياته في الكثير من الأحيان، والغالبية الساحقة تعيش في فقر حقيقي – مادي وروحي، ويتعاظم تفشي الجهل والأمية والخرافة أكثر من أي وقت مضى منذ براعم التحديث في بداية القرن العشرين، فعن أي ازدهار للفنون نتحدث؟

أما الجانب التقني في الموسيقى فتطوره عامل مساعد سيكشف لنا أبعاد جديدة في الصوت، ويسير الآن في اتجاه التعامل مع التفاصيل الدقيقة للموسيقى والصوت، وهو أمر لم يكن متاحاً في التسجيلات القديمة التي تقدم الأعمال الموسيقية بشكل كتلة واحدة تفتقد الكثير من التفاصيل. كيف سينعكس هذا على الموسيقى الشرقية؟ عدا استغلال الإمكانيات المتاحة في هذه الطفرة التقنية من قبل عدد ضئيل من الفنانين مرهفي الحس، نرى الكم الأكبر لا يود التغيير أو لا يعرف كيف يتم ذلك في أحسن الأحوال، ربما هو انعكاس للحالة العامة في تدهور الذوق والمستوى الفني. إذ بدون وسط متلقي قادر على تذوق الفنون وتمييز الجيد عن الرديء، يصعب الحديث عن تطور في الفنون الموسيقية.

ختاما اود ان اشكر محاوري الاستاذ الكريم ثائرصالح على اجاباته متمنيا له دوم الابداع والموفقية.

 

 

جواد بشارةمجلة سينما 65 العدد 99 سبتمبر – أكتوبر 1965

ترجمة د. جواد بشارة

من تحت غبار الأرشيف: في أحد الأيام طلب من المخرج والناقد السوري الصديق صلاح سرميني الكتابة لمجلة الحياة السينمائية السورية فقمت بترجمة مقابلتين الأولى مع مايكل أنجيلو أنطونيوني والثانية مع فردريكو فيلليني، أرسل الأخ الصديق صلاح سرميني الأولى للمجلة ونشرت بالفعل وضاعت الثانية في ركام أرشيفي مدة أربعة عقود وعثرت عليها اليوم ولم تنشر من قبل.

عمل غيدون باخمان جنبًا إلى جنب مع فيليني خلال أفلامه الثلاثة الأخيرة. يعيش الآن في نيويورك حيث عمل كناقد سينمائي على مدى السنوات العشر الماضية. يرسل لنا هذه المقابلة.

-  لماذا تصنع افلام؟

-عادةً يبدأ الأمر عندما أرغب أن أروي حكاية. غالبًا ما يتعلق الأمر بحدث في حياتي الخاصة. أنا دائمًا متهم بالغرور بما يكفي للاعتقاد بأن العالم بأسره يمكن أن يهتم بما أقوله. لا أرغب بعمل سيرة ذاتية، ولكن غالبًا ما تظهر لي حقيقة أكبر من خلال حدث حي، وأحيانًا مجرد حادث يومي؛ ثم أعيد إنشاء هذا الحدث الصغير لمحاولة تمثيل هذه الحقيقة الأكبر. إليك مثال: في فيلم " الحياة الحلوة" DOLCE VITA، تظهر عدة مشاهد غير مرتبطة بالسياق، وغير قابلة للتصديق بالنسبة للمشاهد العادي. لكن إذا أخذنا في الاعتبار التأثير النهائي الذي تحدثه على الجمهور، فإننا ندرك أن الانطباع العام لا ينقصه الوحدة. وينطبق الشيء نفسه عندما أتذكر يومًا في حياتي (أو يوم تصوير). لدي دائمًا انطباع بوجود وحدة معينة. لا يمكن التنبؤ بها دائمًا وأنا كذلك كثيرًا ما أكون أول من يفاجأ. يبدو الأمر كما لو كان زميل دراسة،

أو صديق يحرص على أن تكون أفعالنا تندرج ضمن، أو تتناسب مع، كل متماسك. لا تعتقد أنني صوفي أو رجل دين.

1713  فلليني 1-هل لديك جانب روحي؟

- أعتقد حقًا أن كياننا المرئي ليس وحيدًا في الوجود، وأن الجزء الآخر من أنفسنا أو من ذواتنا، موجود دائمًا إلى جانبنا.

أعتقد أنه من الضروري ألا يقمع الرجل هذه الجوانب الخفية في شخصه، وأن يتركها جميعًا تعيش، وليس فقط تلك التي يعترف بها المجتمع، أو زوجته، أو نفسه. نحن معتادون على العيش وفقًا للآخرين، كما نحن على استعداد لتصديق أولئك الذين يتهموننا بالأنانية أو بالاجتماعية أو أننا لا نكرس أنفسنا للإنسانية. في الواقع، نحن على العكس من ذلك في الواقع، نحن على العكس أكثر ظلمًا للآخرين من خلال التظاهر أو الادعاء بما لسنا نحن عليه، وبالتالي نضيف كذبة جديدة إلى الأكاذيب التي لا تعد ولا تحصى التي نواجهها كل يوم. باختصار، إذا صنعت أفلامًا، فذلك لأنني أشعر بضغط الأحداث والتفكر والأفكار التي لا تزال سيئة الصياغة، وأن أفضل طريقة لفهمها هي صنع فيلم. إذا شعر الجمهور بتحسن بعد رؤيته، فهذا أفضل بكثير، لكن أثناء الإخراج أفكر في نفسي فقط، وبالتالي لا أعرف تمامًا كيف ستنتهي قصتي.

"على سبيل المثال، عندما انتهيت من VITELLONI، أردت أن أصنع فيلمًا كان سيُطلق عليه اسم MORALDO IN CITTA، لأنني كنت مهتمًا جدًا بأحد شخصيات VITELLONI، التي لعبها فرانكوانترلونغي lnterlenghiFranco . أردت أن أعرف ماذا سيحدث له. بعد ذلك، تم حل المشكلة التي كانت تشغلني، وهي حياة صبي من المحافظة وصل إلى العاصمة، وقد حلت هذه الأزمة في حياتي الخاصة. ولم أعد أشعر بالحاجة إلى عمل فيلم عن هذا الحدث. بعد فيلم ليالي كابيريا LE NOTTE Dl CABIRIA، كنت مفتونًا بشخصية المرأة، التي يحتقرها ويلومها الجميع، والتي ستجد في نفسها القوة والإيمان للعيش على الرغم من معاناتها وخيباتها وبواسطة ما تمتلكه من براعة، يمكنها أن تنقذ حطامًا آخر أو شخصاً آخر محطم. تخيلت فيلمًا يسمى VIAGGIO CON ANITA، حيث يذهب رجل أعمال متزوج، ذابل ومتعب، في رحلة مع عاهرة. بالاتصال بهذه المومس، سيدرك فشل حياته، مهما كانت رائعة، وسيتذكر القيم الإنسانية الحقيقية لشبابه. مرة أخرى، صرفتني القضايا الأكبر في حياتي عن هذا الفيلم، وبعد ذلك قمت بحلها مع فيلم الحياة الحلوة DOLCE VITA. "

-  ولكن كيف يمكنك تجاوز هذه العناصر المختلفة لتحقيقها والتوصل إلى كل متماسك في نهاية المطاف؟

Prod DB © Cineriz - Francinex / DR8 1/2 (HUIT ET DEMI / OTTO E MEZZO ) de Federico Fellini 1963 ITAavec Federico Fellini sur le tournagecamera, equipe technique, chariot, travelling- عندما أنهي فيلماً، أشعر بالإرهاق والتعاسة لأن الفيلم انتهى؛ يؤسفني الجو السعيد للعمل والبحث، والإثارة الدائمة، والاكتشاف. لذلك، أستمع وأزرع في نفسي، باهتمام شديد، الشرارة الأولى، التنهد الأول للإعلان عن لعبة جديدة. شيئًا فشيئًا، تتشكل حتى تستحوذ على تمامًا. عندما يبدأ العمل، عندما تتبلور العناصر المختلفة، فأنا "أعيش الحالة". لا، أنا لا أخطئ في بناء الجملة، لا أرتكب خطأً نحوياً، "sono vissuto»، وهذا يعني أنه عندما يبدأ التصوير، أحيانًا حتى قبل ذلك، تبدأ هذه المادة المأخوذة مني في العيش في حيز مستقل. لا داعي للقلق بشأن أي شيء بعد الآن، لقد تركت نفسي أذهب إلى الإيقاع الذي أنشأته لإبداعي الخاص. أنا سعيد، أنا بصحة جيدة، لست متعبًا أبدًا، لست جائعًا أبدًا. دائمًا ما يكون الأمر على هذا النحو: أحاول أن أبدأ شيئًا ما، لأحفز إجراءً، في النهاية، يمكن أن يشمل ذلك، ليس أنا فقط، بل الآخرين. بمجرد أن تبدأ في الحركة، تبدو لي أنها تشكل كلًا مستقلاً، حيث أنا لست أكثر من جزء بسيط منه. وبالتالي، فإن صناعة فيلم بالنسبة لي هو أكثر من مجرد عمل احترافي: إنه وسيلة لإدراك كوني الداخلي، ولإعطاء اتجاه لحياتي.

- هل ليس لحياتك اتجاه عندما لا تستدير؟

- ليس بالضبط. أعلم جيدًا أنني أتقدم إلى الأمام، وأنني لست ساكن غير متحرك، ولكن هناك الكثير من الاتجاهات في الحياة الواقعية! سيكون لدي انطباع بأنني أفتقد كل الاحتمالات التي يمكن أن تُقدم لي إذا كنت مقيدًا في اتجاه واحد فقط. لهذا السبب عندما لا أقوم بالتصوير، أحاول فقط أن أكون منفتحًا على أي شيء.

"من ناحية أخرى، يتوافق عملي بشكل جيد مع حقيقته لدرجة أنني أشعر دائمًا بالضيق الشديد في نهاية الفيلم. أنا أمر بأزمة: الله، زوجتي، النساء، المال، الضرائب، عليّ أن أحل مشاكل "الواقع:" بمفردي ".

- يعتقد معظم الناس أن إخراج الفيلم يتطلب قدرًا كبيرًا من التنظيم والحد الأدنى من الارتجال، نظرًا لأنه مكلف للغاية ولا يستطيع المنتجون تحمل المخاطر. يبدو أنك تعمل بشكل مختلف عن الآخرين. كيف تفعل ذلك؟

1713  فلليني 3- لا تعتقد أنه ليس لدي مشكلة مع المنتجين. في بعض الأحيان، يجب أن أغتنم الفرصة لتصوير فيلم لا أريده حقًا الآن. عندما صنعت VITELLONIs ، على سبيل المثال ، كنت أفكر في فيلم لاسترادا LA STRADA ، لكن لم يرغب أحد في إنتاجه في ذلك الوقت. أردنا نجمًا بدلاً من جوليتا، التي كانت في ذلك الوقت غير معروفة عمليًا. بينما تم صنع VITELLONIs عن طريق الصدفة تقريبًا: أردنا قصة مدينة صغيرة، ولكن بصرف النظر عن هذا المطلب، كنت حراً بما يكفي وتمكنت من رسم قصة من حياتي الخاصة لإنتاج هذا الفيلم الذي أحبه حقًا اليوم. "لكن الأمور لا تجري هكذا. وليس هذا هو الحال دائما. على سبيل المثال، عندما وافقت على المشاركة في مشروع BOCCACIO 70، كان الأمر يتعلق بمشروع مختلف تمامًا عما تم تحقيقه أخيرًا. لكنني كنت بالفعل ملتزمًا للغاية بالمضي قدمًا، رغم أنني لست سعيدًا جدًا بعملي. في ذهني، وربما يجب أن أقول في جسدي، كانت الأفكار والمشاعر التي من شأنها أن تؤدي إلى موضوع فيلم ثمانية ونصف، تنضج بالفعل. الناس مقتنعون بأن كل ما على فعله هو وضع إشارة للمنتجين للعمل. ومع ذلك، منذ أن بدأت في إعداد فيلم جوليتا الأرواح GIULIETTA DEGLI SPIRIT!، قمت بالفعل بعمل عدد من العلامات، لكن لم يأت أحد. استغرق الأمر مني عامًا لبدء الفيلم.

- ماذا تقصد بوضع فيلم على السكة أو "في طور الإعداد"؟ يقولون إنك تعمل بدون سيناريو، لكن عناوين أو تايتل أفلامك تعلن دائمًا عن ثلاثة أو أربعة مؤلفين، بما فيهم أنت. وخلال التصوير رأيتك تصل كل يوم تقريبًا في الصباح الباكر، وتجلس على الآلة الكاتبة وتؤلف على ما يبدو المشهد الذي سيتم تصويره ...

- هناك دائما سيناريو. في كثير من الأحيان، تكون النصوص المكتوبة طويلة جدًا ومفصلة وتتضمن قدرًا من الحوار والمواقف. إلا أنني، لا أستخدمها أو أتقيد بها دائمًا. يطلب مني المنتجون والممثلون وصناع النماذج سيناريو. من الضروري أيضًا لـوضع الميزانية. لكن لا يمكنني أن أكرر بما فيه الكفاية – وأنا أسجل ذلك على صفحة في كل نسخة من السيناريو الأولي - بأن النص بالنسبة لي هو مجرد نقطة بداية وانطلاق غامضة للغاية، وتعريف الجو الذي سنعمل فيه، والمتعاونون معي وأنا. يسمح البرنامج النصي أو النص المكتوب أحيانًا بتأسيس وتصميم ديكور، أو محيط وجو عام، إذا كان صانع الماكيتات – النماذج الديكورية -  غيراردي قد صممه بنفس الروحية مثلي. أحيانًا أيضًا، لا أجد جدوى من السيناريو وأستبعده تمامًا ...

- من يكتب السيناريو؟ وبأي طريقة تقيمه أنت؟

1713  فلليني 4- لكي أخلق، أحتاج إلى عمل وفعل. لذلك، لإنشاء سيناريو، أحتاج إلى فعل الكتابة؛ لكي "أعد" فيلمي، أحتاج إلى تأليف مناخ وأجواء بدلاً من اتخاذ قرار بشأن كل شيء مقدمًا في رأسي. أحصل عليه من خلال المحادثات، والزيارات المتناقضة لأشخاص معينين، وركوب السيارات الطويلة في الريف، والتي غالبًا ما لا يتم ذكر الفيلم خلالها. من بين محاوري، الذين ستظهر أسماؤهم لاحقًا في التايتلات – العناوين في بداية ونهاية الفيلم - ، يمكنني الاستشهاد بـ إينو فليانو Ennio Flaiano و توليو بينللي Tullio Pinelli وبرونيللو روندي Brunello Rondi وآخرين مثل مصممي للديكورات والمايتات. بييرو غيراردي ، ملحنتي نينا روتا ، ومنتجي  فراكاسي. لقد عملوا جميعًا معي لفترة طويلة جدًا. قلة، مثل روتا، تعاونوا معي في جميع أفلامي والعلاقة التي تجمعنا معًا تحفز بعضنا البعض.

"في هذه المحادثات، أستخدم جميع أنواع الحيل للتظاهر بأنه ليس لدي خطة محددة. أحاول أن أرى ما يمكنني الحصول عليه من هذه الثرثرة، إنها الطريقة الوحيدة التي أعرفها لخلق جو حيث يمكن للمشاريع أن تتبلور. "

- مازلت لا تخبرني كيف يكتب السيناريو؟

- عندما ألاحظ أن أحد المحاورين لديه أفكار حول موقف أو شعور أحاول التعبير عنه، أطلب منه أن يكتب لي مشهدًا صغيرًا، خاصة الحوارات. بعد أيام قليلة، يحضر لي نصه. في غضون ذلك، ربما أكون قد نسيت نقطة البداية، أو أنها لم تعد تتوافق مع شعوري الجديد. قد يسمح لي أيضًا ببلورة فكرة كنت أحاول تحديدها لفترة طويلة. على أي حال، فإنني أولي اهتمامًا كبيرًا لأدنى نص. عندما أكون قد جمعت عددًا كافيًا من النصوص، ولدي كلًا متماسكًا بشكل غامض، أبدأ في إعطائهم نموذجًا، وأطلب من مساعدي كتابته على شكل سيناريو ومشاهد سينمائية وطباعته، ونفحص النتيجة. في معظم الأوقات، لا يعمل على الإطلاق، فهو نص كبير جدًا في الحجم بالنسبة للباقين، وتبدأ المناقشات مرة أخرى، غالبًا ما تكون محمومة، لأنه يحدث غالبًا في هذه المرحلة أنني ارتكبت خطأ إعلاني لـ المنتج وجود سيناريو، وانني مضغوط من جميع الجهات لمشاكل الميزانيات والحصيلة المالية.

- هل الاندفاع يعيق خلقك؟

1713  فلليني 5- من الواضح أنه متعب، لكن للمفارقة، أنا أحب ذلك. لدي انطباع بأنني أتقدم إلى الأمام، وأنني محاصر في الحركة. أحيانًا عندما تطول الأمور، أستفز هذا الموقف بشكل مصطنع لقد بدأت في تعيين طاقم سأدفع أجره عندما يبدأ الفيلم. في حالة GIULIETTA DEGLI SPIRIT! جوليتا الأرواح، وضع آنجيلو ريزولي Angelo Rizzoli، منتج فيلم الحياة الحلوة LA DOLCE VITA وفيلم ثمانية ونصف EIGHT AND HALF، تحت تصرفي مجموعة كاملة من المكاتب والموظفين، لأنه أدرك ذلك فجو العمل، حتى المصطنع، ضروري بالنسبة لي. لما يقرب من سبعة أشهر، شغلنا أنا ومساعدي هذه المكاتب، لكن الشخص الوحيد الذي يعمل حقًا هو بييرو غيراردي، لأن النموذج الماكيت كان لابد من بنائه مسبقًا. في هذه الأثناء، توجب على مصورتي جياني فينانزو أن تكون منشغلة في مكان آخر لتصوير فيلم من إخراج فرانسيسكو روزي. في هذه الأثناء، تركت مساعديّ يفكروا حتى بدأوا شيئًا من تلقاء أنفسهم، مما أجبرني على الرد والتعاون. أحتاج حقًا إلى الشعور بأنني أتحمل ما أقوم به، كما لو أن عملية الخلق تنتهكني. في الوقت نفسه، أكره أن أفقد السيطرة وأقوم باستمرار بموازنة هذين الاتجاهين بداخلي.

- لكن في الممارسة العملية، كيف يتجلى هذا الإعداد؟ ومن أجل إعداد ماكيتاته وتصاميمه للديكورات، ألا يحتاج غيراردي إلى بيانات دقيقة جدًا؟

- الحديث بيننا، سأعترف أنني لا أرى دائمًا الديكورات قبل بدء التصوير. إنه جو يدركه غيراردي، أكثر من كونه نموذجًا أو ماكيت. إنه أمر رائع لهذا، ليس علينا حتى الخوض في التفاصيل، نحن فقط بحاجة إلى شعور مشترك حول موقف معين. في كثير من الأحيان، في بداية أفلامي، أشعر بأنني "حديث أو معاصر" وأن أصور في "وضع ديكور حقيقي واقعي". لا يزال غيردي موافق دائماً، لانه يعلم جيدا انه في النهاية لن يكون الأمر كذلك. يثير هذا السؤال دائمًا المشاعر، ويدعي المنتجون أن الاختلاف لا يكاد يذكر، ومع ذلك فمن الواضح عندما نقارن على سبيل المثال شارع Via Veneto الحقيقي مع تصور وتصميم غيراردي له في الحياة الحلوة LA DOLCE VITA.

- من أين تأتي أفكار الديكور؟ من تخيل أن يصور فيلم ثمانية ونصف في ستايل وأسلوب سنوات العشرينات 1920 وأسلوب جوليتا الأرواح GIULIETTA DEGLI SPIRIT! في جوجيندستيل "Jugendstil"؟ هل أنت شغوف بفنون الديكور في الماضي؟

1713  فلليني 6- في الفيلمين اللذين تتحدث عنهما، كان عليّ أن أستحضر نوعية مصطنعة معينة، ديكور خارجي للغاية، متكيف مع الحياة التي كنت أعرضها. لجأت بطبيعة الحال إلى الأساليب الموجودة في إيطاليا والتي أعرفها جيدًا. لكنني لست خبيرًا بشكل خاص في الأمور الفنية، حتى لو كنت مهتمًا بالعديد من الرسامين الإيطاليين المعاصرين. ومع ذلك، فإن بعض فترات

التاريخ تهمني بشكل خاص: موسيقى معينة، عروض معينة، شخصيات معينة. أعتقد أن لدي إحساس بالإيقاع (على الأقل تقول نينا روتا ذلك) وأدرك أنني أعود دائمًا إلى نفس الموضوعات. ستجد في كل فيلم من أفلامي أجزاءً من (نعم سيدي YES SIR، هذا طفلي، في ركاب المصارعين MARCHE DES GLADIATEURS، ومسيرة الجندي الإيطالي في سرية المشاة MARCHE DES BERSAGLIER!، وغالبًا ما تتميز فرقتي الموسيقية بالكثير من آلة البوق، وعادة ما تكون صغيرة.

"من وجهة نظر بصرية، غالبًا ما ألجأ إلى موضوع السيرك، حيث المشهد والاستعراض والمخاطرة والحياة تمتزج معًا. غالبًا ما يكون لدى شخصياتي جوانب غريبة عنهم؛ في الشارع، أتحدث إلى أشخاص يبدون غير عاديين بالنسبة لي، غير اجتماعيين، يعانون من بعض العاهات الجسدية أو العقلية. بطبيعة الحال، هناك أيضًا موضوع الشواطئ، والذي ظهر في جميع أفلامي، ولكن تم الحديث عنه كثيرًا لدرجة أنني لا أريد الإصرار عليه. كل هؤلاء جزء مني ولا أرى لماذا لا أعرضهم في أفلامي.

- كيف تختار المتعاونين معك؟ أنت تُظهر أنك مخلص للفنيين، بينما بالنسبة للممثلين يبدو أنك معتاد على صنع فيلمين مع كل منهم ثم إسقاطهم من قائمتك أو التخلي عنهم. أيضًا، يبدو أنك لا تختارهم بناءً على حاجة فيلمك لهم، بل بالعكس تقريبًا؟

- هذا صحيح، أعتقد أنه من المهم جدًا أن نكون مجموعة من الأصدقاء، ويمكننا قضاء وقت ممتع معًا، ورؤية عملنا كلعبة. لذا فهو بسبب الصداقة، أو بسبب روح الفريق، أنا وفي للمتعاونين معي من التقنيين. "لكن بالنسبة للممثلين، إنها قصة مختلفة تمامًا وأضيع وقتًا لا يُصدق في العثور عليهم. بالمناسبة، أنا لا أهتم بشكل خاص بالممثلين المحترفين؛ في كثير من الأحيان، على العكس من ذلك، أفضل شخصًا غريبًا ليس سجينًا لآلاف الروتين. ليس لدي شيء ضد الممثلين، الذين أحب روحهم المهنية، ولكن الأمر يتطلب الكثير من العمل للتعرف على شخص ما من الداخل، ولهذا السبب، عندما بذلت هذا الجهد، أحب الاحتفاظ بنفس الشخصية لأكثر من فيلم.

- كيف تجد أبطال أفلامك؟ هل تعرف دائما ما الذي تبحث عنه؟

1713  فلليني 8- عادة ما أعرف، لكن لا يمكنني العثور عليهم دائمًا. أرى الكثير من الوجوه تمر أمامي في الكاستنغ casting ويعطيني أفكارًا. غالبًا ما حدث أنني غيرت شخصية تمامًا لأنني قابلت شخصًا كان يمزح معي وجعلني أرى الموقف من وجهة نظر مختلفة. في الحقيقة، البحث عن الممثلين جزء من عملي الإبداعي. لا أرفض أبدًا رؤية أي شخص، فأنا أجعل الناس ينتظرون، وأستدعيهم مرة أخرى - أحيانًا يكون الأمر مزعجًا للغاية بالنسبة لهم، لكني أحتاج إلى رؤية الناس عندما أقوم بإعداد فيلم.

"عادةً ما يكون أول شخص أقوم بتعيينه هو مخرج مسرحي. أنا لا أستخدمه لتوظيف أو استبعاد المرشحين. يقتصر دوره على التعرف على كل شخص في المدينة والحكم على أولئك الذين قد يفيدونني. نصنف صور المرشحين في ملفات محفوظة لكل شخصية في الفيلم. نريدهم على سبيل المثال، مثل "المرأة المضحكة أو الجذابة أو المسلية"، "الرومانسي القديم، الفتيات الجميلات اللواتي يصلن دائمًا متأخرات"، إلخ. كل مجلد يحتوي على 200 إلى 300 صورة. شيئًا فشيئًا، يوضعون جانباً، لكن في هذه الأثناء، غالبًا ما أقوم بتكوين صداقات مع بعض هؤلاء الممثلين ويصبح التصوير متعة للجميع. عند التفكير، لدي القليل من الأصدقاء باستثناء المتعاونين معي، وفي بعض الأحيان يكون ذلك بدافع الصداقة فقط أن أوظف هذا الشخص أو ذاك. ربما كان هذا هو السبب الذي جعل الممثلين يلعبون دائمًا أدوارًا تشبههم. في بعض الأحيان يلعبون فقط أنفسهم. "

- ما هي مؤشرات المرحلة الخاصة بك؟ هل يقرأ ممثلوك السيناريو؟ هل لديهم أي فكرة عن الشخصية التي يجب أن يلعبوها؟

- مع استثناءات نادرة، لا يقرؤون النص؛ ولا حتى زوجتي. إذا كان النص معروفًا، فإن الجميع من فتاة السيناريو إلى النجمة سيسعى إلى فرض وجهة نظرهم. تخيل هذا: الممثل أو الممثلة، يعودان إلى المنزل في الليل مع السيناريو تحت ذراعيهما. يبدأن في أداء دورهما أمام المرآة، أو أمام الزوج أو الزوجة أو أبناء العمومة. ومن ثم، في المجموعة، يجب أن أضيع أيامًا كاملة من العمل لتخليصها من تفسيره أو تفسيرها الشخصي. حتى يرفضان أخيرًا وجهة نظري، ربما بغير وعي، لأنه مناقض لوجهة نظرهما. هذا هو السبب في أنني أقصر نفسي على أن أشرح لهم بشكل مبهم للغاية ما يجب عليهم فعله في لحظة معينة، وأقول لهم أحيانًا أن يبدوا سعداء أو حزينين، متعبين؛ في عجلة من أمرهم، جائعين أو مخمورين. باختصار، يبدو لي أن سجل التعبيرات البشرية محدود نسبيًا، وليس من الضروري إخبار الممثل بالضبط بطبيعة الحقائق التي ينبغي أن تثير فرحه أو حزنه. لذلك من الممكن أن أتحكم في جميع التعبيرات التي كشف عنها الممثلون. وفي الديكوباج والمونتاج، أنظمهم بطريقة ما لتشكيل كل متماسك. "في الحقيقة، كما تعلمون، أنا لا أعطي للمشاهد تفسيرات دقيقة للغاية لسلوك الممثلين، بحيث يكون الجمهور نفسه ملزمًا باستبدالها، وبالتالي المشاركة بنشاط في فيلمي. ربما يفسر تفاعل المشاهد هذا سبب قبول أفلامي من قبل أشخاص ذوي آراء مختلفة جدًا. "

- هل تقصد أن أفلامك غير مفهومة؟

- أنا لا أحب فكرة "فهم" الفيلم. لا أعتقد أن الفهم المنطقي هو عنصر أساسي لاستقبال أي عمل فني. إما أن يتحدث العمل إليك أو لا يقول لك شيئًا. إذا لمستك، فلست بحاجة إلى شرح ذلك؛ خلاف ذلك، لن يكون هناك تفسير كافٍ لإثارة مشاعرك. هذا هو السبب في أنني لا أعتقد أن أفلامي يساء فهمها عند قبولها لأسباب مختلفة، فلكل شخص ترسانته الخاصة من التجارب والعواطف التي يطبقونها على أي تجربة جديدة، مثل مشاهدة فيلم أو الدخول في علاقة غرامية، وما هو إلا مزيج من الفيلم مع الواقع الشخصي الموجود مسبقًا في كل منهما الذي ينجح في إنشاء التأثير الكامل " - كما أخبرتك، يشارك المتفرج هكذا بعملية الخلق. ردود الفعل المختلفة هذه لا تعني أن الحقيقة الموضوعية للفيلم قد أسيء فهمها. علاوة على ذلك، لا توجد حقيقة موضوعية في أفلامي، ولا حتى في الحياة. "

- هل يمكن أن تصف لي يوم تصوير عادي؟

- من الصعب القيام بذلك. أنا أحب بالضبط أن يكون كل يوم مختلف كل هذا يتوقف على الظروف، وعلى مزاج كل موظف لدي. يريدون مني أن أشرح طريقتي في العمل، لكنني لا أستطيع، لأنني لا أمتلك قواعد عامة.

- هل تخبر موظفيك كل يوم بما سيصورونه؟

1713  فلليني 9- أحاول ألا أفعل ذلك، لكني مجبر أن أحذر بعض الاشخاص أو وضعهم في الصورة التي في رأسي. المصور، ومدير التصوير على سبيل المثال، يجب أن يعرف كيفية وضع أضواءه. أحب أن أصل مبكرًا، أتحدث مع المصور ومصمم الديكور. نحن لا نتحدث بدقة عن المشاهد، ولكن عن الجو الذي سيتم إنشاؤه. يصل الممثلون في اللحظة الأخيرة، أخبرهم كيف يجب أن يتصرفوا وماذا يجب أن يقولوا. أنا لا أتفق مع طريقة ستانيسلاوسكي وستراسبيرغ التي تريد أن تجعل الممثل مسؤولاً عن أشياء لا ينبغي أن يفترضها أو يتحمل عبئها، لكني معجب بذكاء ستراسبيرغ، وكازان وآخرين ، الذين يعملون في هذا الاتجاه. في الحقيقة، لا أحب أن يعطيني الناس وجهة نظرهم في عملي، على الرغم من أنني أستمع إليهم دائمًا بعناية. لا أقبل اقتراحات جياني أو بيترو (جياني دي فينانزو، المصور وبيترو غيراردي، المستشار الفني ومصمم الديكورات) إلا عندما تكون مستوحاة من الضرورات التقنية. أريد أن أكون حراً وأنا مستعد لفعل أي شيء - حتى التظاهر بقبول الأفكار التي أرفضها - للحفاظ على حريتي في العمل.

- هل تتدرب كثيرًا؟ كم مرة تقوم بتصوير نفس المشهد؟

- مرة أخرى، تريد قواعد عامة عندما لاتكون هناك أية قواعد مسبقة. ومع ذلك، نظرًا لأن الفيلم يبني نفسه في ذهني أثناء التصوير، فغالبًا ما أتدرب على المشاهد وأصورها عدة مرات. إنه ليس خطأ الممثلين، لكن إلهامي يمكن أن يتغير. أو ربما أرغب في تقديم شيء غير متوقع. لقد كررت نفس المشهد في بعض الأحيان حتى عشر مرات وخمس عشرة مرة. في أوقات أخرى لا أكرر على الإطلاق. لقد استخدمت البروفات التي تسللت إليها الكاميرا. أريد بكل تأكيد أن أمسك بكل ما يحدث.

- البلاتو الخاص بك يعطي انطباعًا بوجود فوضى كبيرة. لا شيء يحدث هناك لساعات. الناس ينتظرون ولم أرَك تتحدث إلى الفنيين أو الممثلين العاملين معك، إلا بشكل عابر من خلال المحادثات الحميمة. يبدو الأمر وكأن لا أحد يعرف ما سيحدث. ومع ذلك، في نهاية اليوم، كل شيء يبدو مخططًا مسبقًا: الموسيقى والحركات وتعبيرات الوجه. كيف تشرع في إنشاء مثل هذا النظام من هذه الفوضى؟

- تعرض نفسك مرة أخرى لإجابة غامضة وصوفية. بالطبع، أقوم بعملية القطع الخاصة بي أو الديكوباج الخاص بي (بدعم فني وتقني من كاتوزو Catuzzo) وأراقب الصورة وأسيطر عليها من البداية إلى النهاية. لكن الموسيقى، على سبيل المثال، لا تُكتب أبدًا قبل التصوير. أقصر نفسي على تشغيل تسجيلات مختارة هنا وهناك مع الأصدقاء. عادةً لا تظهر في النسخة النهائية المعدة للعرض، خاصةً إذا كانت قطعًا محمية بحقوق الطبع والنشر، على الرغم من أن نينو Nino يكيّف أو يعد أحيانًا بعض الإصدارات الموسيقية الموجودة مسبقاً. على سبيل المثال، ثيمة السراغينو في فيلم ثمانية ونصف، تم اختيار قطعة رومبا قديمة تسمى "فييستا" عزفت في بلاتو التصوير وظلت في النسخة النهائية. إذا شغلت هذه التسجيلات أو الاسطوانات أثناء التصوير، فهذا يساعد الممثلين على التكيف مع إيقاع الموسيقى التي سيؤلفها نينو. إلى جانب ذلك، أعتقد أن الموسيقى يجب أن تظل مرافقة، إلا عندما تلعب دورًا دراميًا، كما هو الحال في فيلم لاسترادا LA STRADA على سبيل المثال.

- ما رأيك في اللون؟

- واحدة من أكبر مشاكلي في صنع فيلم جوليتا الأرواح، هو اللون. يجب أن أنسق باستمرار شيئين يتعارضان مع الأساسيات: اللون والفيلم. أعتقد أنني اكتشفت أن اللون ثابت، بينما الفيلم، بالطبع متحر، بل هو كل الحركة. "والحال أن الفيلم، مثل لوحة، يتغير مظهره حسب الضوء الذي يحصل عليه. في جوليتا الأرواح، بينما كنا نأخذ الممثلين في الاستوديو، أمام الأسطح الثابتة ذات اللون المتغير، أدركت على الفور أن قوتهم العاطفية تختلف باختلاف الضوء. لقد غير اللون كل شيء، حتى معنى التمثيل. "يجب أن أخطط الآن لهذه التغييرات بعناية شديدة، لأتمكن من أخذها في الاعتبار في الجدول الزمني الخاص بي. انها معقدة جدا.

- هل تستخدم اللون "الطبيعي" أم تقوم بتغييره؟

- لدي مشكلة ومعاناة كافية في تصوير أشياء مثلما أريدها، ودون الخوض في تلك الاعتبارات الفكرية والثقافية الطاغية التي أصبحت على الموضة جدًا اليوم. لا، أنا لا أحاول خلق تأثيرات مصطنعة. كل الألوان في فيلمي يمكن أن تكون تلك الخاصة بالمجموعات التي اخترتها. أقول "يمكن" لأنها لا تتوافق أبدًا مع الطبيعة تمامًا، بل تتطابق مع وجهة نظري الخاصة بها.

- هل تشارك في العمل التقني؟

- ما أفعله دائمًا هو الجلوس خلف الكاميرا قبل التصوير. ثم أحصل على لقطات التتبع الترافلنغ والحركات التي يجب أن تتبعها الكاميرا أثناء العمل. الناس الذين رأوني أقوم بذلك يعتقدون أنني أعرف كيفية استخدام الكاميرا. هذا واضح، لكني أقصر نفسي على هذه التمارين. في بعض الأحيان، نادرًا جدًا، أستخدم كاميرا محمولة على سبيل المثال، في المشهد الأخير من المؤتمر في فيلم ثمانية ونصف، استخدمت كاميرا Arriflex محمولة مقاس 35 مم لبعض المشاهد العنيفة للغاية، ولكن مرة أخرى بشكل أساسي لمعرفة ما يمكن أن يكون عليه الأمر. أنا لا أستخدم مرشحًا أو ناظوراً، مثل معظم المخرجين، أفضل النظر مباشرة من خلال العدسة.

- هل تأثرت بما يقوله الناس عن أفلامك؟

- كيف سأعرف ذلك؟ سأخاطر بأن لا أكون صادقًا مع نفسي. في الحقيقة أنا متأثر فقط بالحياة. أنا أكره الإتيكيت أو التسميات من جميع الأنواع. أنا لست مرتبطًا بمدرسة أو بحركة. أنا لست "واقعيًا جديدًا". أنا صانع أفلام فحسب.