احمد ابو قدومإن من أهم قواعد الحكم في الإسلام هي قاعدة الشورى، قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) ويقول أيضا: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) ولم يكن أحد أكثر من الرسول صلى الله عليه وسلم استشارة للمسلمين، فقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة أنه قال: "ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله"، ومعلوم لدى العلماء والفقهاء أن الله سبحانه وتعالى أوجب وحرم على المسلمين أمورا كثيرة، فأوجب الصلاة والصيام والزكاة وغيرها، وحرم الزنا والسرقة والربا وأكل مال اليتيم والرشوة والاختلاس والتجسس والتهرب من الضريبة وغيرها، لكن الله سبحانه لم يحدد عقوبات لمن ترك واجبا أو فعل محرما إلا في الحدود والقصاص، فكان لزاما على الدولة اٍلاسلامية أن تضع عقوبات زاجرة ورادعة للجرائم حتى تحافظ على حقوق الجماعة والأفراد في المجتمع الإسلامي، وكثير من هذه الجرائم تتفق على كونها جرائم تستحق العقوبات كل الأمم والدول، مثل جريمة الرشوة والاختلاس والتجسس وأكل مال الغير بالباطل والتهرب من الضريبة وغيرها، وتجد عقوباتها عند جميع الدول متقاربة، وقد ترك الإسلام للدولة أن تحدد العقوبة المناسبة للجريمة، ومن الأساليب في تحديد العقوبة للجرائم من غير الحدود والقصاص هو أن يستشار في وضعها خبراء من القضاة والمحامين، كما وضع الشيخ النبهاني مشروعا لنظام العقوبات المقترح للدولة الإسلامية بصفته كان قاضيا ممارسا لمهنة القضاء.

كذلك القوانين الإدارية، ومعلوم أن أغلب قوانين الدول بما فيها الدولة الإسلامية هي قوانين إدارية، فيعمد عند سن القوانين الإدارية إلى استشارة الخبراء فيها، فمثلا يستشار ويطلب من خبراء السير أن يضعوا قوانين السير، وكذلك قوانين الأشغال وتنظيم المدن والبناء والطاقة والكهرباء والمياه فيستشار الخبراء ويطلب منهم وضعها، ولا مانع من أخذها من الأمم والدول التي لها ريادة في هذه المجالات كما فعل عمر بن الخطاب أمام مسمع ومرأى من المسلمين دون الانكار عليه، فقد أخذها عن الفرس، وكان يقوم عليها مرارزبة الفرس ويكتبونها بلغتهم حتى أشار الحجاج على عبد الملك بن مروان تعريبها،

فقد ذكر ابن الطقطقي في كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية كيف تم تدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب فقال: "وكان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا... لكنَّهم كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبًا من الغنائم قرَّرته الشريعة لهم، وإذا ورد إلى المدينة مالٌ من بعض البلدان أُحضر إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفُرِّق فيهم حسب ما يراه صلى الله عليه وسلم، وجرى الأمر على ذلك مدى خلافة أبي بكر رضي الله عنه... فلمَّا كانت سنة خمس عشرة للهجرة وهي خلافة عمر رضي الله عنه رأى أنَّ الفتوح قد توالت، وأنَّ كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأنَّ الأحمال من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين، وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرارزبة الفرس، فلمَّا رأى حيرة عمر رضي الله عنه قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ للأكاسرة شيئًا يُسمُّونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوطٌ فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتَّبون فيه مراتب لا يتطرَّق عليها خلل، فتنبَّه عمر رضي الله عنه وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوَّن الدواوين وفرض العطاء، فجعل لكلِّ واحدٍ من المسلمين نوعًا مكرَّرًا"

 

بقلم: أحمد أبو قدوم

 

 

بدر الدين شيخ رشيدتضامن الحضارات

البحث في موضوع تضامن الحضارت يعتبر موضوعا ذات أهمية بالغة في واقعنا اليوم لأن العالم يمر في حالة إنتحار وذلك بعد أن سيطر العالم قطب واحد وأعلن الرييس الأمريكي السابق دبليو بوس " نظام العالم الجديد" في عام 1991م بعد إنهيار قطب إتحاد السوفيتي، وبعد أن ألف صامول هنتنجتون في كتابه:" صراع الحضارات وإعادة تشكيل النوام العالمي"إضافة إلى ذلك تظهر أهمية بحث تضامن الحضارات بعد فشل الثورات العربية والمعروف" بالربيع العربي" وتصاعد حركات الجهادية في العالم الإسلامي لمراجعة حسابات النهضة الإسلامية المعاصرة.

إن مناقشة موضوع رؤية الحضارية الإسلايمة المعاصرة للتعان بين الأمم تنطلق من خلال هذه المفاتيح وهي: مفهوم الحضارة وآلياتها، خصائص السنن الكونية الإلهية، الحضارة الإسلامية والغربية وإشكال الهوية، مراجعة آليات الحضارة الإسلامية، رؤية الحضارية الاسلامية نحوتضامن الحضارات.

أولا: مفهوم الحضارة وآلياتها.

الحضارة لغة وإصطلاحا:

لكل حضارة لها دلالة لغوية وإصطلاحية فدلالة الحضارة من ناحة اللغة مشتقة من فعل حضر الثلاثي الدال على عدة معاني أهما: الحضور والشهادة والإقامة. فمن حيث المادة جاءت من لفظ حاضرة أى السكنى والإقامة والإستقرار، وبهذ تأخذ معنى التمدن الذي هوضد البدو. ومن حيث القيم الروحية تدل لفظ حضر الشهادة أي شهادة الإنسان وحضوره التام في تعمير الأرض ماديا ومعنيا.

أما من حيث الإصطلاح فيقصد الحضارة بأنها مذاهب وعقائد دينية مرتبطة بالإقتصاد، والعمران، والمظاهر العلمية، والأدبية، والفنية، والإجتماعية، الموجودة في مجتمع ما بالإضافة إلى ذلك أنها نظام تشريعي إجتماعي يشمل العادات والتقاليد وتنوع الأجناس وفنون الحرب والقتال.

فحياة الإنسان بدأت من البدو وبالتالي تطورت من البدو الرحل إلى الإستيطان بالقرى والريف والمدينة الصغيرة ثم الكبيرة. ومن هنا نشأت الحضارات القديمة كالحضارة السومرية والبابلية والمصرية والإغريقية والصينية والرومانية مرورا بالحضارة الإسلامية وصولا إلى الحضارة الغربية الحديثة.

فحياة الإنسان من البدو ألى التمدن بدأت تتطور شيئا فشيئا مستعينة بما وهبه الله للإنسان من عقل وعلاقته بربه عبر الرسل. فبدء الإنسان أن ينشأ العمران في الأرض لأداء وظيفة الإستخلاف في الأرض لتتحقق أداء ألأمامة التي حملها الإنسان.

آليات الحضارة الإسلامية:

إن لكل حضارة لها آلياتها الخاصة في كل زمان ومكان في جميع الحضارات المتعاقبة جيلا بعد جيل، ألى أن وصلت النوبة بتفوق الحضارة الغربية المعاصرة الحديثة من ناحية المادة وبالتالي تسيطر اليوم على العالم.

فآليات الحضارة الإسلامية مبنية على عنصرين هامين هما: كونها دمجت بينالروح والمادة، بخلاف اليهود والنصاري. فالأصل عنداليهود المظاهر المادية وعند النصاري تغليب جانب الروح على المادة في بداية أمرها، إلى أن إنصهرت الديانة المسيحية في الحضارة الرمانية، وذلك عند ما إعتنق الملك قسطنطين العظيم في المسيحية في عام 313م.

فآليات الحضارة الإسلامية تبدء باستلهام الإنسان من الوحي الإلهي بشقيه القرآني والسني، من خلال تشجيع آليات الحضارة على تنمية قدرات الإنسان العقلية، والمعرفية، والأخلاقية، والفلسفية، والأخلاقية، ليكتشف أسرار ملكوت السموات والأرض، من أجل تحقيق العمرن في الأرض، في إطار تطبيق عدالة الله في الأرض،لإشباع حاجات الإنسان الروحية والمادية .

ثانيا: خصايص السنن الكونية الإلهية:

الله سبحانه وتعالى أودع في هذا الكون الفسيح سنن ونواميس إلهية تعمل بدون محاباة بين الناس فمن أخذها إستمرت حضارته ومن تركها سقطت حضارته وتخلف عن الركب الحضاري.

وبما أنها خصائص إلهيىة كونية تعمل ضمن نواميس كونية ألهية تعتبر من أهم عناصرها: الثبات وعدم التغير، والعموم، والإطراد.

فالثبات تعنى أن الله أودع هذه السنن في الكون وجعلها قوانين صارمة تشبه بالمعادلات الرياضية. فهي تنظم حركة الكون كله وحياة الإنسان، بحيث تتحكم في درجة الحضارات فتوضح عامل النهضة وعامل السقوط لكل منهما.

أما خاصية العموم، فهي تعمم كل البشر وكل الخلائق على حد سواء دن تميز أو محباة، لا يملك الإنسان الخروج عنها. قال تعالى : ( ليس بآمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به) النساء: 123.

كما أن خاصية التغيير تعنى تكرارها وظهورها في أي ظرف وجدت منه مقومات ظهورها والتى أرادها الله من كل زمان ومكان وأشخاص وأفكار قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين) آل عمرن: 251.

سنن التدافع بين الحضارات :

تنطلق رؤية الحضارية الإسلامية في التعان بين الأمم من أن تعاليم الإسلام تطرح كمبدء إسلامي أصيل على أن الصراع بين الأمم هي جزء من سنن التدافع الكونية الإلهية بحث يدفع بعضهم ببعض. وهذه التدافع تعمل في إطار دفع الشر والظلم والعدوان والتسلط على نفوس البشرية كمال قال الشاعر العربي:

والظم من شيم النفوس فإن تجد: ذا عفة فلعلة لا يظلم:

هذه العلة أى علة الدفع، لا تخلوا إما أن تكون أخلاقية أو قوة قانونية أوطبيعية. فالأخلاق عبر عنها القرآن " إلأ ولا ذمة"قال تعالى:( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) التوبة: 8 . فإلا ولا ذمة تعملان في إطار الأخلاق، من حيث مراعات القرابة أوالمعاهدة في تعامل المجتمعات، وبالتالي فإن فقدان تلك العنصرين في المجتمع، يأتي دور القوة القانونية والطبيعية في إطار دفع الظلم والشر والعدان، ونشر العدل والقيم والأخلاق بين الناس. وهي سنن كونية إلهية ربانية تلجم طغييان المعتدين للإيقاف على حده، وإلا، لوقع الفساد في الأرض كما عبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، بقوله: )ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأض و لكن الله ذو فضل على العالمين (البقرة:251 .

والتدافع بين الناس ينبغي أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ولي حميم) فصلت:34.

سنن التغيير في الحضارات:

التغيير سنة كونية إلهية فلا يدوم على حال إلا الله سبحانه وتعالى. فالذي يدوم هوالله أما المخلوق فهو متغير من حين لآخر من خلال تمسكله بأسباب البقاء أو إخلائه بهذا الأسباب. وعلى هذا،فمفهوم التغيير بين الحضارات إما أن تكون من الأنحطاط إلى الأصلاح أومن الإصلاح إلى الإنحطاط، فكل من الحالتين هو نتيجة لتمسك الإنسان والإستفادة من سنن الإلهية الكونية التغييرية أوعدم إستفادته منها. فالقرآن تحدث عنها بقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد: 11.

إصلاح الحضارات:

الإصلاح عنصر مهم للتعان بين الحضارات فقد ورد إشتقاقات لفظ "صلح" في القرآن 180 مرة تقريبا مما يدل على أهمية الإصلام في المجتمعات،لكى تتضامن وتتفاعل الحضارات بعضها ببعض وخاصة الحضارة الإسلامية والغربية. فإصلاح حضارة الغرب أمر مونط به كما أن إصلاح حضارة المسلمين في غاية الأهمية إذ، الإصلاح في كل من الحضارتين يتم التعاون بينهما.

فإصلاح حضارة الغرب تنطلق بإصلاح بنيتها المادية وغرسها وتبنيها بمبادئ القيم الروحية، والأخلاقية، والإنسانية، والمحبة، والتسامح، والعدل بين الناس، والتعامل في إطار البر والتقوى، لأن جوهر حضارة الغرب مبنية على المادة،والقوة،والصراع،وعلى مبدأ البقاء للأقوى. كما يفهم من كتاب: "صراع الحضارات وإعادة تشكبل النظام العالمي" لصامويل هنتنجتون.

من جانب آخر، ينبغي إصلاح الحضارة الاسلامية من الأمراض التي أصابتها، كالأستبداد وأمراض النفسية والتخلف العقلي أو بالأحري كما عبر عنها الدكتور عبد الحليم عويس:" الفقر العام الذي مبعثه الفقر العقلي والجمود الحضاري والإنحطاط الفكري والتخلف والخمول ومضاعفات أخرى تراكمت في ظل أنفكاك إرتباطنا بديننا1.

أو كما عبر عنها رئيس وزراء ما ليزيا السابق داتوا سري عبد الله أحمد  بتحديات الحضارة الإسلامية وهي : الجمود، والتقليد، والتطرف،والإنعزال والرهبانية، والعلمانية، وأحادية المعرفة، والضعف في إدارة الوقت).2

ثالثا: الحضارة الإسلامية والغربية وإشكال الهوية:

يدور بين الغرب والإسلام صراع الهوية (identity) . فالإسلام حينما كان يهيمن على العالم لم يفرض على اليهود، والنصاري، وغيرهم بهويته الخاصة له، كمعتقده ونمط عيشه وتفكيره وملبسه بل ترك كل جنس لهويته الخاصة له.بينما العالم الغربي يسعى لإفراض هويته الخاصة له على المسلمين،وخير دليل في ذلك ما يجري في فرنسا في الآونة الأخيرة من إجبار بتات المسلمين من التخلي عن حجابهم.

كيف حل الإسلام بإشكالية الهوية؟:

حل الإسلام بإشكالية الهوية من حيث قبوله بالتعددية والإختلاف. فقد قبل التعددية من حيث حرية الإعتقاد، فلم يجبر الإسلام على اليهودولا النصاري ولا غيرهم من أهل الأوثان بهويته الخاصة له،ولا على إعتناقهم بالإسلام. لذا عاش اليهود و النصارى وغيرهم من أهل الأوثان في ظل هيمنة الحضارة الإسلامية على العالم يمارسون بمعتقداتهم وشعائرهم الدينية بحرية تامة.

كما جعلالإسلام إختلاف الأجناس والتنوع من سنن الكونية الإلهية قال تعالى: (ومن آياته خلق السموات و الأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) الروم: 22.

رابعا: مراجعة آليات الحضارة الإسلامية:

تشخيص الداء:

المعروف أنه لايمكن مداواة وعلاج داء المريض إلا إذا عرف نوع الداء وبالتالي يمكن للطبيب توصيف وكتابة الدواء المناسب للمريض لكي يتشفي المريض ويستعيد عافيته وشفاه.

فالحضارالإسلامية منذ بكورها أبتلي بالإنشقاقات، والمذاهب، والتفرق، والحروب الداخلية، منذ وفاة النبي صلى الله عليه سلم. وما نتج في الحكم من يوم السقيفة من حيث الشورى الشكلي الذي لميدم طويلا حتى إنتهي بموت علي بن ابي طالب عليه السلام. من هنا بدء نظام الملكي الأسري بدءا من ملك بني أمية ثم العباسية إلي أن انتهت الخلافة العثمانية في عام 1924م. ولا يخفي الصراع الدائر بين الصفوية والعثمانية منذ 1500م، الذي قوض وحدة الإسلامية في ظل تصاعد هيمنة الغرب وأفول نجم الحضارة الإسلامية حتى سقطت آخر الخلافة العثمانية في عام1924م.

إضافة إلي ذلك، الإنقسامات الفكرية والمذهبية بين المذاهب الإسلامية كان له دره في تضعيف الحضارة الإسلامية، مما سبب التخلف العقلي الذي رافق مسيرة الحضارة الإسلامية مع بداية العهدالأموي الذي كان مرده تأسيس النظام الملكي، وغرس العقيدة الجبرية في المجتمع الإسلامي، ومحاربة العقل من خلال تقويض المذاهب التي تبنت العقل على أنه أحد مصارد التشريع الإسلامي كالشيعةلإمامية والمعتزلة.

ويمكن أن نرجع إلى أسباب تخلف الحضارة الإسلامية إلى ثلاثة عوامل آساسية:

الأولى: غرس عقيدة الجبر في المجتمع الإسلامي والتي عطلت قدرة الإنسان وإختياره.

الثانية: تعطيل مبدء السببية في الحياة وإحلال مكانه التواكل.

الثالث: إلغاء دور العقل. 

منطقات الحضارة الإسلامية الجديدة:

إن من أولويات منطلقات التضامن الحضاري بين الأمم تبدأ من جهة المسلمين بمراجعة آليات الحضارة الإسلامية بشقيها الروحي والمادي.وأقصد بالروحي، مصادر تشريعنا الأولى، وهما: القرآن والسنة النبوية، وقراءة خطابهما بقراءة نقدية جديدة، إضافة إلى ذلك، قراءة تراثنا، سواء كان تفسيرا، أوحديثا، أو كلاميا، أو فلسفيا، أو أخلاقيا، أو لغوزيا أو في علوم الكونية. وأقصد الجانب المادي المظاهر الكونية.

وهذه القراءة النقدية الجديدة لتراثنا تتطلب بمعيارين: الأول: التجرد الكامل عن التعصب المذهبي والطائفي. الثاني: الإجتهاد المطلق بفهم واستيعاب آليات الحضارة الإسلامية بشقيها الروحي والمادي، حتى يتمكن المسلمون،بإحداث حضارة جديدة، تفوق على الحضارة الغربية وتقود العالم بآمن وسلام ووئام.

خامسا: رؤية الحضارية الاسلامية نحو تضامن الحضارات:

وحدة الإنسان:

تنطلق رؤية الإسلام في تضامن الحضارات من منظور إسلامي، مبني على وحدة الإنسان، وأنه ينتمي إلى أصل واحد،وهو آدم عليه السلام، وآدم من تراب. (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقي، الناس من آدم آدم من تراب) 3.

الإسلام وحوار الحضارت:

الإسلام أصل من حوار الحضارات، ويدل على ذلك خطاب القرآن الكريم بالمخالغين، حيث قسم الخطاب على المخالفين إلى ثلاثة أنواع: أصحاب الحكمة، وأصحاب المجادلة، وأصحاب الموعظة الحسنة، كقوله تعالى: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125 ولما كان الجدال من حيث الأصل مذموما قيد الإسلام المجادلة مع المخالفين بالتي هي أحسن. قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)العنكبوت: 46. بل زاد مخاطبة جميع الناس بالقول الحسن. قال تعالى: (وقولوا للناس حسنا) البقرة: 83

إضافة الي ذلك يدل حوار الحضارات فعل النبي صلى الله عليه وآله بالحوار مع رؤساء الملوك والحكام في عصره، وذلك بإرسال الرسائل إليهم يدعوهم إلى الإسلام والتعان المشترك بينهم وبين المسلمين، كهرقلي ملك الروم وخسروالتاني برويز (كسرى) ملك فارس ومقوقس ملك مصر.

الإسلام والتعاون الدولي في ظل هيمة الحضارة الغربية:

الإسلام يدعو إلى التعاون التام بين الحضارات والشعوب والأمم حتى في ظل هيمة الحضارة الغربية بشقيها الرأس المالية والإشتراكية.

فرؤية الإسلام نحو تضامن الحضارات تنطلق من إيمانه العميق بكرامة الإنسان واستخلافه في الأرض، وبالتالي فلا يمكن أداء وظيفة الإستخلاف في الأرض وتعميره إلا بالتعاون الكلي بين الشعوب للتغلب على الصعاب وعلى المشاكل البشرية والطبيعية. ومما يدل على ذلك هو خطاب الله العام على قوم صالح بقوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدو الله ما لكم من من إله غير هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها) هود: 61

فسياق الآية يدل، على أن الخطاب يعم على قوم هود جميعا مؤمنهم وكافرهم، وبالتالي فخطاب التعمير يكون للجميع ما درام الإنسان خلق من الأرض فتعمير الأرض أيضا مطلوب من جميع الناس.

وفي ظل هميمة الغرب في العالم فإن للمسلمين لهم مساهمات وفعاليات في إطار التعاون الدولي بشكل إيجابي كما عبر عنه القرآن:"التعاون بالبر والتقى". فالبر يشمل جميع خصال الخير سواء كانت مادية، كالمال أو معنوية كخصال الإيمان، وأركان الإسلام، والأخلاق الطيبة. وبهذا، قدم البر على التقوى، لأن التقوي قاصرة بعبادة الله سبحانه تعالى، رغم أن تأثيرها المعنوي والتربوي تتعدى من حيث النفع إلى الناس كالهداية والعلم. وهذا العلم والهداية يسهم في إبتكار المادة وتطويرها، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدان)المائدة: 2.

والبر لفظ شامل لوجوه الخير من المعتقدات الإيمانية، والإخلاق الحسنة، والتعاوان المادي، والذي يمكن من خلاله أن يحدث التعاون التام بين الإسلام والغرب وخاصة في إطار مجلس الأمم المتحدة.

الحوار والمقاومة:

الإسلام يدعو إلى التعاون والتضامن التام بين الشعوب والأمم من خلال التعامل في البر والتقوى والإحسان ورعاية الحقوق ونصرة المظلومين والمستضعفين وإرشاد الناس الى الهداية والعلم والرحمة.

علاة على ذلك الإسلام يدعو إلى الدفاع النفسي والمالي والعرضي ودفاع الوطن من المعتدين عليه وحفظ الحقوق وحريات الفرد والمجتمع.

وعلى هذا، تشمل رؤية الإسلام في التعاون بين الأمم، التعاون والتضامن الكلي الإيجابي من جميع الوجوه الخيري كما يؤمن بردع الإعتداء على أراضي المسليمن.

فالحواروالتعاون من النقاط الإيجابية بين الحضارات مع ردع المعتدين على العالم الإسلامي وخاصة إسرائيل وتحرير أرض فلسطين تكون منطلقات تضامن الحضارات بين الإسلام والغرب.

 

الدكتور: بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

كاتب وباحث في القضايا الإسلامية المعاصرة

مدير مركز شرق إفريقيا للدراسات والبحوث

.....................

1- د. عبد الحليم عيس حضارتنا الاسلامية.. من المرض الى النهضة  النشر: 1-2-2014م  الزيارة: 5-1-2021م مقع الالوكة www. Alukah.net

2- أمحمد محمود الاسلام الحضاري .. قراءة في تحليل المضمن تاريخ النشر 14-2-2016م  الزيارة 13-1-2021م  مقع: طريق الإسلام :

http://www.malaysia....es/default.aspx

3- أبو نعيم في الحلية 3\100 البيهقي في شعب الإيمان رقم: 5137.

 

 

 

علي جابر الفتلاويوردت عدة آيات في القرآن الكريم فيها كلمة دين ومشتقاتها، قبل أن نبحث في الآيات ومعانيها ودلالاتها، نبين المعنى اللغوي لمفردة دين.

الدِّيْن: واحد الدّيون؛ تقول دِنْتُ الرجل أقرضته، فهو مَدين ومَدْيون كثُر عليه الدَيْن. الدِين: الجزاء والمكافأة، يقال: دانَه دِيناً أي جازاه، يقال: كما تدين تُدان، أي كما تُجازِي تُجازَى، أي تُجازَى بفعلك وبحسب ما عملت.

 قال تعالى: (أئنّا لمدينون) الصافات:53. أي مجزيون محاسبون، ومنه الدّيان، في صفة الله تعالى.(1) المعنى اللغوي في الاتجاهين وارد في القرآن الكريم، دَيْن بمعنى القرض، ودِين بمعنى الجزاء والمكافأة بحسب العمل، مع اشتقاقات لمعاني أخرى من المعنى الثاني الذي فيه دلالة على الثواب والعقاب والجزاء، ودلالات اخرى.  قال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدَيْن إلى أجل مسمّى فاكتبوه وليكتُبْ بينكم كاتب بالعدل) البقرة: 282. الآية تتحدث عن الدَّين بمعنى القرض، وهي أطول آية قرآنية أقتبسنا منها ما له علاقة ببحثنا، وفيها عدة أحكام فيما يتعلق بالمعاملات: (ينظّم الاسلام المعاملات ويجعلها في مسيرتها الصحيحة، تخدم التداول وتسدّ الاحتياجات في إطار من الثقة والاطمئنان، بعيدا عن أي نزاع أو سوء تفاهم. فالمجتمع الإسلامي المفروض عادل متعاون لإحقاق الحق.)(2)

بداية الآية تؤكد أنه إذا تعامل مسلمان بدَيْن: وهو كلّ معاملة فيها تأجيل لدفع أحد العوضين فالمستحسن لهما أي الدائن والمدين كتابة وثيقة التعامل بما لا يدع مجالا للنزاع في كيفيّة التعامل ومقدار الدّين، وليكن الكاتب شخصا عادلا فلا ينحاز إلى أحد الطرفين، ولا يتعدى الحدود والحقوق. (3)

أمّا كلمة دِين فقد جاءت القرآن المجيد في عدد من الآيات، وتعطي معنى الجزاء والمكافاة، وأن الدِين عند الله الإسلام وأن الدِين لله، ومعاني أخرى ضمن هذا المحور، قال تعالى: (إنّ الدِّين عند الله الإسلام) آل عمران: 19. يقول ابن كثير في تفسير الآية: إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرّسل فيما بعثهم الله به في كلّ حين حتى ختموا بمحمد (ص) الذي سدّ جميع الطرق إليه إلّا من جهة محمد (ص)، فمن لقي الله بعد بعثة محمد (ص) بدين على غير شريعته فليس بمتقبّل كما قال تعالى (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) آل عمران: 85 . أضاف ابن كثير: الله يخبر بانحصار الدِّين المتقبّل بالإسلام.(4) ويقول محمد متولي الشعراوي: إنّ معنى ذلك أنّ هناك دينا لغير الله، فيه خضوع واستسلام، وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس دينا لله ولا دينا عند الله، إنّ الدين المعترف به عند الله هو الإسلام، والدين يُطلق مرّة على الملّة، ومرة أخرى على الشريعة فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة، فلك أن تسميها شريعة، وإن أراد المؤمن الطاعة والخضوع وما يترتب عليهما من الجزاء، فليسمها المؤمن الدِّين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم فليسمها الملّة.(5) أرى انّ الشيخ محمد الشعراوي لا يعتمد في تفسيره للآية: (إنّ الدِّين عند الله الإسلام) على الاختلاف اللغوي، بل يعتمد على أرادة المتكلم في المعنى الذي يقصده، فعنده أنّ الدين قد يأتي بمعنى الملّة أو الشريعة أو الدِّين بمعنى الطاعة والجزاء، حسب إرادة ونيّة المتكلم.

قوله تعالى: (إنّ الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنّ إلّا وأنتم مسلمون) البقرة:132. أي أثبتوا على الإسلام حتى الموت، لأنّه الدين عند الله، كي تٌبعثوا عليه، وتقابلوا الله به. (6) ومن الآيات في هذا المحور ايضا قوله تعالى:(أفغير دين الله يبغون وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يُرجَعون) آل عمران: 83.  جاء في التفسير المعين: أسلم: خضع وانقاد، طوعا: بإرادتهم واختيارهم، وكرها: رغما عنهم.(7) وجاء في تفسير المختصر المفيد: إنّ دين الله هو الإسلام الحقيقي، فإذا صدق أهل الكتاب في دعواهم اتباع دين الله فليتّجهوا إلى الإسلام الذي تصدّقه الفطرة والأدلّة القاطعة، حيث أسلم الجميع طوعا أو قهرا لله الخالق العظيم والغنّي المطلق، إذن فلتسلّم الإنسانية أمرها لله خالقها، ولترجع إليه في تنظيم حياتها، كما سترجع إليه يوم القيامة فيحاسبها على مسيرتها، ومدى التزامها ميثاقه وعهده. (8) ومن الآيات التي تؤكد أن الدين لله، قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين لله) البقرة: 193 .(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله) الأنفال: 39. يقول محمد جواد مغنية: إنّ الجهاد من أجل الإيمان بالله والقضاء على الجحود واجب، فإذا آمن الناس جميعا بالله سقط وجوب الجهاد، أما الجهاد من أجل انتشار الإسلام مشروط بإذن الإمام العادل، ولا يجوز من غير أمره، أمّا الجهاد دفاعا عن الدين والنفس فإنّ وجوبه مطلق غير مقيد بشيء. (9)

قوله تعالى: (وله الدين واصبا) النحل: 52. المراد بالدين هنا الانقياد والطاعة والواصب الدائم، وإذا كان الله خالق ومالك كلّ شيء، وجب الثبوت والاستمرار في طاعته دون سواه.(10) قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفُلك دَعَوا الله مخلصين له الدين فلمّا نجّاهم إلى البّرِ إذا هم يشركون) العنكبوت: 65.قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظّلل دعوا الله مخلصين له الدين فلمّا نجّاهم إلى البرِّ فمنهم مقتصد) لقمان:32 يقول البيضاوي في تفسير آية سورة العنكبوت: هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر صاروا في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، إذ لا يذكروا إلّا الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشّدائد إلّا الله، فإذا أنجّاهم الله ووصلوا البّر عادوا إلى الشرك.(11) والآية من سورة لقمان، تفسيرها: الإنسان المتقلب يؤمن بالله ويلجأ إليه عندما يغطيه الموج كالسحاب، فإذا منّ الله عليه وأنجاه إلى برّ الأمان راح البعض يجحد بآيات الله، نتيجة عنادهم وكفرهم. (12)

 نستوحي من معنى الآيتين أن المشركين والكافرين والمعاندين يعرفون أن الله هو الخالق المنجي ولا يوجد سواه، لكن عندما يعيشون في الراحة والنعيم ينسون أو يتناسون الله الخالق العظيم. هناك آيات تشير إلى يوم الدين، وهو يوم القيامة، نذكر هذه الآيات: قال تعالى: (مالك يوم الدين) الفاتحة:4. الدّين الجزاء والحساب، هذا تأكيد على حقيقة المنتهى، حيث يقوم الناس لربِّ العالمين، ولهذا التصور الواسع للحياة أثره في مجال حمل المسؤولية والترغيب والترهيب، والتوفيق بين المصلحة الذاتية والاجتماعية.(13) قوله تعالى: (وإنّ عليك اللعنةَ إلى يوم الدِّين) الحجر:35 الخطاب إلى الشيطان الذي عصى أمر ربّه، (وستشمله اللعنة الإلهيّة إلى يوم القيامة)(14) وهناك آيات تصف يوم القيامة أنّه يوم الدين منها: (والّذي اطمع أن يغفر لي خطيئتي يومَ الدين) الشعراء: 82.

 يقول الطباطبائي: أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، ولم يقطع الله تعالى بالمغفرة فهي ليست بالاستحقاق بل هي فضل من الله، فليس يستحق أحد على الله سبحانه شيئا لكنّه سبحانه قضى على نفسه الهداية والرزق والإماتة والإحياء لكلّ ذي نفس، ولم يقضِ المغفرة لكل ذي خطيئة.(15) قوله تعالى: (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدِّين) الصّافات: 20. وقوله تعالى:(وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدين) ص: 78. يقول الشيخ محمد هويدي: يوم الدين هو يوم الحساب(16) قوله تعالى: (فأقم وجهك للدِّين حنيفا فطرة الله الّتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) الروم: 30.

فسّر الطبري الآية بقوله: سدّد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربّك يا محمد لطاعته وهي الدين، (حنيفا) مستقيما لدينه وطاعته، (فطرة الله التي فطر الناس عليها) صنعة الله التي خلق الناس عليها.(17) وفسّر الطباطبائي الآية::أقم وجهك للدين والزمه، فإنّه الدين الذي تدعو إليه الخلقة الإلهية. فقوله: (فأقم وجهك للدين) المراد الإقبال عليه بالتوجه من غير غفلة منه كالمقبل على الشيء بقصر النظر فيه بحيث لا يلتفت عنه يمينا وشمالا، والظاهر أن اللام في الدين للعهد والمراد به الإسلام، للإنسان فطرة خاصة تهديه إلى سنّة خاصة في الحياة، وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلّا أنْ يسلكها خاصة، وهو قوله تعالى في الآية الكريمة.(18)

الشيخ محمد جواد مغنية، فسّر الآية بتفصيل أكثر مع تضمين التفسير رؤاه كعالم مجتهد عاش عصر الحداثة والتطور العلمي، ننقل تفسيره باختصار:

هذه الآية تقرر أصلا هاما يرتكز عليه الإسلام عقيدة وشريعة، ويدلّ أنّ تعاليم الدين تهدي إلى الرشد والوفاء بمطالب الحياة ونموها وتقدمها، إذا فُهِم الإسلام على أساس فطرة الله التي فطر الناس عليها، وتعني كلمة الفطرة عند تعميمها واطلاقها غريزة في داخل الإنسان، تقبل الخير حين تعلم أنّه خير وتلتزمه لا لشيء إلّا لأنّ الخير يجب أن يُقبل ويُلتزم، وترفض الشّر حين تعلم أنّه شرّ أيضا، لا لشيء إلّا لأنّ الشرّ يجب أنْ يُرفض ويُجتنب .. هذا إذا خُلي الانسان وفطرته التي فطره الله عليها، ولم تدنسها العادات والتقاليد، وتلوثها الأهواء والأغراض، وهذه الغريزة عناها الرسول الأعظم (ص) بقوله:  كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصّرانه. وكلمة (حنيفا) تعني من استقام على فطرة الله التي فطر الناس عليها مبتعدا عما يدنسها من الأهواء والاغراض. والمراد من قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله) أنّ الدين عند الله قائم وثابت على أساس هذه الفطرة لا يحول أو يزول عنها. وهذا إشارة لأن يلتزم العباد الدين قولا وعملا. الآية بمجموعها تدلّ على أنّ الدين يرتبط بالفطرة، ولكن ليس معنى هذا أنّ الفطرة هي المشرّع والآمر الناهي، وأنّ وظيفة الدين هي الكشف والتعبير عن أحكامها.. كلا، فإنّ الله الذي خلق الدين والفطرة هو المشرّع الأول، القصد من الآية هو تحديد المقياس الذي نقيس به دين الله، وأنّه بما فيه من عقيدة وشريعة وأخلاق ينسجم مع فطرة الناس ومصالحهم، هذا هو الضابط والفاصل بين أحكام الله وأحكام غيره، أما أقوال العلماء من الفقهاء والمفسرين والفلاسفة ليست هي أصل من أصول الإسلام ولا يصح الاعتماد عليها كدليل شرعي – لا يعتمد على الاجماع في العقائد، ولا في المسائل الفقهية مع الاحتمال أنه لم يكشف عن رأي المعصوم – لأنها تعكس اجتهادهم وفهمهم للدين وأحكامه، ولا تعكس الدين كما هو في حقيقته، ويخلص مغنية إلى نتيجة، أن الإسلام لا يرفض بقية الأديان والمذاهب بكل ما فيها، بل ينظر إليها نظرة المدقق المنصف فيقر منها ما يتفق مع الفطرة، ويرفض ما عدا ذلك.(19)

 

علي جابر الفتلاوي

.............

المصادر

(1): اسماعيل بن حماد الجوهري، معجم الصحاح، ص380 .

(2): محمد علي التّسخيري، ومحمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص48.

(3): المصدر نفسه.

(4): اسماعيل بن كثير، تفسير ابن كثير (تفسير القرآن الكريم)، ج2،ص52. عن موقع القرآن الكريم للجميع، www.quran-for-all.com.

(5): محمد متولي شعراوي، عن موقع: مصراوي: www.masrawy.com.

(6): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م1، ص209.

(7): الشيخ محمد هويدي، التفسير المعين للواعظين والمتعظين، ص60.

(8): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص60.

(9): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م1، ص299.

(10): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م4، ص520 – 521 .

(11): عبد الله بن عمر البيضاوي، تفسير البيضاوي، م3، ص335 .

(12): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص414.

(13): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص1.

(14): محمد علي التسخيري، ومحمد سعيد النعماني، مصدر سابق، ص264 .

(15): محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج15، ص203 .

(16): الشيخ محمد هويدي، مصدر سابق، ص446، ص457 .

(17): محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن، ج18، ص407.

(18): محمد حسين الطباطبائي، مصدر سابق، ج16، ص417 – 418 .

(19): محمد جواد مغنية، مصدر سابق، م6، ص141 – 142 .

 

 

عادل بن خليفة بالكحلة(1555-1605م.غ):

دولة ناجحة وتسامحية توحّد الهند لأوّل مرة


1- الهند تحاول التعرف على النبي محمد والإسلام/ تماثل بين البرْهَميّة والإسلام:

إذا كان بإمكاننا أن نرفض ادعاء «رَتَن» الهندي الصحبة لرسول الله وأنه ذو 600 سنة؛ وإذا كان بإمكاننا أن نرفض ادعاء الملك الهندي «سَرْبَاتك» الصحبة وهو في القرن الثامن الهجري؛ فإنّ ما رواهُ أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخُدْري من أن ملكا من ملوك الهند أهدى إلى الرسول «جرّة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة»[1]. قال الحاكم: «ولم أحفظ في أكل رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، الزنجبيل سواه». وهذا ربما من أمارات صحة الخبر.

في صَلاَلة، بظَفار، أي بدولة عُمان الراهنة، ضريح تنسبه الذاكرة العمانية إلى ملك من ملوك مَلِيبار (شِيرْمَان فَرْمال)، سمع بالدعوة المحمدية، فزار النبي، ثم رجع باتجاه بلاده، ولكنه توفي بطريق الرجوع. ولعل ما يقوّي مُدّعَى الذاكرة العُمانية، أن الذاكرة المَلِيبارية تدّعي نَحْو ذلك مُبْتَنِيَة مَسْجدا باسمه عام 622م،غ في كَدَنْغلور في مليبار[2]. وفي الحقيقة فإن لمَلِيبار علاقات تجارية قديمة بالأقطار العربية- الجزيرية.

وما يَهمّ، حتى في الأخبار التي وقع استبعادها، أن الهند طالِبةٌ الصحبةَ مع رسول الإسلام، وطالبةٌ لِعَراقة في الإسلام، رافضة لبداية إسلامها بقهر أموي أو بتدمير سَبُكْتُكِينيّ-غَزْنَوي.. وذلك الطلب الهندي غير الواعي إنما يعود إلى تماثل كبير بن اللاهوت البَرْهَمِي واللاهوت الإسلامي- المحمدي. وهو سابق على الفكر الأموي والغزنوي.

فمؤسس اللاهوت البرهمي هو بْرَهْمَا أو «إبراهيم» (والتشابه اللفظي واضح بين الكلمتين) وزوجته «سَارَاسَفاتي» (غير بعيد عن :«سَارَّة» كان لها ولدان، أحدهما تعرّض لامتحان إلهي تمثّل في طلب الله منه ذبح ابنه، ففداهُ لما أطاعاه بـ﴿ذَبْحٍ عَظِيم﴾..

وإله البراهمة ربٌّ يسْكُن في السماء ليس له شكل ولا حيز، خلق كل شيء. جاء في الفيدا: «إله واحد لا ثاني له» (الفصل 6، الفقرة2، الآية1)، وجاء في الأوبانيشاد : «ذلك الإله ليس له أبوان أو سيد» (الفصل6، الآية6).. وجاء فيه أيضا: « الإله لا صورة له» (الفصل4، الآية19).. في البرهمية خَلَق الله الإنسان من طين، وخلق له أنثى، «ثم ساد الطوفان بعد فساد البشر، لتعود الأرض من جديد إلى الإنسان»[3]. ومَعْبدهم يشبه مسجد المسلمين. ومَعْبدهم يشبه مسجد المسلمين. «وتتشابه صلواتهم كثيرا مع صلوات المسلمين فيقفون على سجادة صفوفا فيضمون أياديهم إلى بطونهم يمسكون الواحدة بالأخرى، ويسجدون ثم ينهضون ويتمتمون بكلمات الصلاة»[4].

2- صدمة محمود الغزنوي وتسامحية البيروني:

يكتب المؤرخ الهندي المسلم محمد قاسم فرشتهِ (ت. 1620) مِن مَصَادِر هندية (إسلامية وبرهمية) أن 400 مليون بَرْهَميّ قُتلوا، وأن ملايين استعبدوا وخُصُوا، وأهم تدمير ديمغرافي وعِماريّ لهم كان على يد محمود بن سُبَكْتِكين الغزنوي (971-1030م.غ)[5]. كانت صدمة عظيمة أقامت قطيعة مع الرغبة الهندية في تمثُّل الإسلام، مُنْتِجةً رُهابا بَرْهميّا منه، ورفضًا في التفاعل معه. ذلك رغم أن أبا الريحان البيروني، المعاصر لمحمود الغزنوي، كان يكتب: في التحقيق ما للهند من مَقُولة باحترامٍ شديد للديانة البرهمية دون تكفير أو استهجان، وبعد بحث ميداني دام سِنين، ومِنْ مصادر الديانة باللغة الأصلية (السُّنْسَكْرِيتية)، ليؤسس العلوم الانسانية لاول مرة[6]. ولولا الاختراقية الإنسانية التصوفية للأديان ومنها البرهمية، لكان هذا الرُّهاب مستحكِما وعميقًا في الثقافة الهندية، ولا يمكن اجتثاثه.

كان أبو محمود، ثم ابنه إسماعيل، فمحمود، وُلاة من وُلاة الدولة السامانية، ثم انشقّ عليها ليقتل آخر ملوكها. وفي عام 1026 «انتزع الري من مجد الدولة البويهي واقتاده إلى عاصمته غزنة»[7]، ودولة بني بُوَيْهٍ هي دولة الحرّيات الدينية والتطوّر العلمي والتِّقَاني[8]. وقبل ذلك كان عام 1006 في حملته الرابعة ضد أبي الفاتح داود، زعيم حركة الباطنية، إذ اعتبره محمود الغزنوي «كافرا» و«ملحدًا»، مستوليا على مُلتان والبنجاب. وقد كان يُكره البراهمة على الإسلام، وعندما انشغل بحروب الشمال ضد الترك المسلمين وغير المسلمين، استغل صوبحال الفرصة ليرجع إلى دينه الأصلي عام 1008. فكان الانتقام منه ومن قومه رهيبًا.

وتتالت حملاته على المدينة البَرْهَمية المقدَّسة زان وُرْ شمال دِهْلِي لهدْم «صنمها» الأكبر وجمع الغنائم منها، وقد حمل ذلك «الصنم» إلى غزنة بعد انتصاره عام 1014، فازدادت جاذبيته للترك فجاءَه من آسيا الوسطى 20 ألف متطوّع. ومُنَذَئذ لم تقف أمَامَهُ قوة. وكانت حملته السادسة عشر على البراهمة، من أعظم الحملات العسكرية في التاريخ قاطبةً، وهي معركة سومنات عام 1026 مزيلا «صنم» «شيفا» ومؤذّنا في معبدها، رغم ان ذلك محرم في الاسلام. ومن العجيب أنه جعل عتبات قصره ومسجده من «أصنام» هيكل سومنات.

وفي الحقيقة، لم يحطم رسول الله «صنما» واحدًا لأي قبيلة قط، ولو أراد ذلك لفعله من باب أولى في مكة وفي الكعبة في بداية دعوته، لأنه كان يعرف أن الصنم يُصنع في الذهن قبْل أن يُصنع في الخارج، فلا فائدة من إزالته بالخارج ما دام لم يُقلع- بالمجادَلة العقلية بالتي هي أحسن- من الذهن. وكنّا نرى، في سيرته، أن القبيلة عندما تؤمن بدينه بَعْد حِوار، تقوم هي بنفسها بإزالة أصنامها. وليست كل التماثيل أصنامًا، فلقد أبقى رسول الله بالكعبة صُور المسيح مع والدته لأنها لا تحمل إضافات شركية على الوحدانية الإبراهيمية[9].

3- ترجمة رجل عظيم:

وُلد محمد جلال الدين أكبر عام 1542م.ع في السِّنْد. تشرّدت العائلة بعد أن فقدت حكمها، لتعيش سنوات منفى في إيران الصفوية، ثم أفغانستان. في الأثناء كان الوريث الطفل فالمراهق، يتعلم الصيد وعلوم الدين والحكمة والسياسة وترويض الفهود والفيلة. في عام 1555، أصبح وهو ذو 13 سنةً «ملكَ ملوك»، بعد أن اكتسب «خبرة كافية باستعمال الأسلحة، وشاهد الكثير من المعارك أثناء صحبته لأبيه في منفاه»[10]. وكان الوصي عليه بيرم خان، رجل الدولة الصفوية سابقا. تخلص من وصايته لما تمرد عليه، وعفا عنه سامحا له بالحج إلى مكة. بدأ وعمره 15 سنة، في مشروع توحيد الهند والأمة الهندية بمستشار إيراني أمين هو "أبو الفضل". من أهمّ من تأثر به المَهَاتْمَا غَانْدِي.

جلال الدين محمد أكبر هو أعظم ملوك الهند جميعا. وذلك لأنه حَكَم نحْو 50 عامًا، ووحَّد البلاد لأوّل مرة، وجعل أهلها أكثر رفاهة وأبعد عن الفقر، وفرض التسامح الديني، بين عامي 1556 و1605م.غ.أطلق عليه الهنود لقب «أكبر»، أي «البالغ في عظمته حدّا بعيدًا»[11]، لأنه فعلاً كان أعظم ملوك الهند اذ هو أول موحد لها ولأمّتها رغم صعوبة ذلك.

عام 1562، لما بلغ أكبر، تحالف مع الراجا البَرْهَمي «بِهَارِي مال العنبري»، متزوجًا ابنته التي أصبحت تسمى «مريم زماني»، ولم يكرهها على الإسلام. «كرّس هذا الزواج الاتحاد الأقوى بين الأمراء الرَّجْبوت مع العائلة المسلمة الحاكمة، مسجّلا عهدًا جديدًا في سياسة أكبر»[12]. كانت الحياة المتشرّدة لأكبر قد عرفت في شبابه بمصاحبة أبيه هُمايون، مثال الحكم الذي قدَّمَهُ شَارْ شاهِ، وتعاليم رجل الدولة والعسكري بيرم خان الذي كان في خدمة الشاه الصفوي طهماسب ثم في خدمة هُمايون، «توحي بتعاطف مع أهل التشيع، وجعلتْه يفكر طويلا في الوسائل الضامنة للهند حكمًا مستقرا وقادرْا على توحيد العصبيات المسلمة البرهمية المختلفة»[13].

كان أكبر، كجُلّ تُرْك آسيا الوسطى وَرعًا سنّيّا، ولكنّ «روحه نزّاعَةٌ نحو التصوف، جعلته حَانِقًا على التضادّ الدائم بين أهل التشيّع وأهل التسنن، وعدم تسامحهم تجاه المعتقدات البَرْهَمية»[14]. «فلقد أصبح مُريدًا لوليّ صوفي هو معين الدين الجِشتي، على الضريح، الذي يصلّي عليه أحيانا كثيرة. ولم يلاقِ هناك المسلمين الصوفيين فقط، والذين كان يُسَرُّ برعايتهم، ولكن أيضا البراهمة الذين يأتون هم أيضا إلى زيارة قبر هذا الولي ناسبين له الكرامات العجيبة. وهناك يتردّد أيضا مسلمون عديدون اعتنقوا الإسلام محتفظين بتقاليدهم البَرْهمية»[15].

4- المشروع الأكبري لتوحيد الهند وأمّتها: مَسارُ الإصلاح:

كان في شبابه قد تلقّى دراسات، جعلتهُ يحمل إعجابًا كبيرًا بالأشعار الفارسية، لجلال الدين الرومي (ومنه لقبه: «جلال الدين») وحافظ الشيرازي اللذين مجَّدَا التسامح ونوعًا من النزعة الإنسانية. و مُنذ أن تحرر من وصاية بيرم خان، دفعه ذهنه القلق بحقيقة تتفلّت منه، للبحث بنشاط عن مصاحبة أولياء زمنه، سواءًا كانوا براهمة أو مسلمين. «عام 1562، لاقى- أثناء مَصيدٍ، رؤساء دين جوّالين ينشدون بركات الولي معين الدين الجشتي، عازمين على زيارة الولي في عَجْمر». وقد تزامن ذلك مع مهمة تحالفية مع بِهاري مال. «فهم أكبر أن جيوشه لا تستطيع أن تأمَل فتح الهند دون مساعدة المحاربين الرَّجْبوت»[16]؛ وهم لن يتعاونوا معه إذا لم يكن متسامحًا مع دينهم. هُنا أصبح «الفتح» معناه فتح قلوب الهنود لا الاحتلال الغزنوي.

في العام نفسه، حرَّم على جنوده استعباد عائلات المنهزمين، ذلك التقليد الذي استمر منذ تدمير محمود الغزنوي للبراهمة بين عامي 1001م و1027م، بعد أن حطّم حضارة المسلمين السَّامانية والمذاهب الإسلامية التي تخالف مذهبه.

وفي سنة 1563 ألغى الضريبة على الحج، البرهمي والمسلم، «محتجّا بأن هذه الضريبة تَعُوق حرية العبادة من ناحية، وتضرّ بالمُعَامَلات التجارية. وفي عام 1564 أبْطَل «الجِزْية»، «معتبرًا أن هذه الضريبة مميِّزة، تَقْسم البلاد بَدَل أن توحدها، و تَمْنع الرَّجْبوت من المساهمة في مشروعه الفتحيّ»[17]. وهكذا أحس الرّجْبوت أنهم مساوون للمسلمين، فأصبح حماسهم للمشروع عظيما. كما أحس معظم البراهمة أن بالإمكان أن يكون دينهم موجودًا إلى جانب دين المسلمين داخل الدولة الهندية المسلمة.

وفي الحقيقة، تحصر سورةُ التوبة «الجزية» (= الجزاء المالي)، عقوبةً على المعتدين: ﴿قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسولُهُ [نقض المعاهدات كما جاء في الاية الاولى من السورة] وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ [وليس كلهم، ففيهم الذين لهم ود ومسالمة وحفظ المعاهدات] حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾. أما سورة الكهف فتجعل الملك الصالح ذا القرنين لا يقبل ضريبة من المنهزمين ﴿قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ﴿٩٤﴾ قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ ﴾.

ولكنْ، إذا كانت الشعوب البَرْهمية مُرتاحة جدّا لهذا «القرار»، فإنّ «المتعصّبة السنّيون بالبلاط لم يقبلوه إلا بتحفظ، وخاصة العلماء الأرثوذكس، الذين لم يكونوا بعد عشر سنوات، عُزَّلًا، محاولين إعادة هذه «الجزية»، دون نتيجة»[18].

استطاع محمد جلال الدين أكبر أن يوطِّد سلطتَهُ، ذلك ما جعل هيمنة التسلطِيّين من الطائفة الأكبر تتقلص إلى العجز، مثل شِيرْ شاه مُورِي، إذْ قدَّم المَلِك توقيرًا كبيرًا تجاه «العلماء» والقضاة، متصرِّفا مثل السُنيّ المحافظ، دون السماح لهم «بالمبادرة الأدنى لمعاكسة أهدافه السياسية. وفي الآن نفسه، لم يترك الشيعيّين، الذين يَبْدو أنهم كثيرون ببلاطه، خاصة بين النبلاء القادمين من بلاد فارس أن يأخذوا هامّيّةً ما في شؤون الدولة، حتى وإنْ كان بعضهم، مثل الإخوة الجيلانيّين الثلاثة (حكيم أبو الفتح، وهُمايون، وهُمان)، مواضع ثقته، حريصين حقيقةً في محاوَلتهم استجلاب الحاكم لمقاسَمَتِه عقِيدَتهُم. فقد واصَل أكبر في مساندة السّنيّين، جاعلاً نفسه- في الآن عينه- ضِمْن المنتسبين لطائفة لمّا يجدون أنفسهم في مَرْمَى اضطهادات العلماء»[19]. فلقد أصبحت الهند في عصره مَسْرح أنشطة كثيرة جدًّا لكل طوائف الإسلام  وكل طوائف البرهمية، وغيرها من أهل الأديان.

وقد كانت جميعًا مُخْترَقة بالحركات الاجتماعية الصوفية، وخاصة أتباع الجشتي والسُّهْرَوَرْدي والشَّطّاريّ وعبد القادر الجيلاني ونَقْشْ-بَنْد. ودون أن ينتمي محمد جلال الدين أكبر إلى التنظيم الجِشْتي، كان «يُظْهر دائما نزوعًا كبيرًا نحو مؤسّسيه»[20]. ورغم إظهاره لكثير من التقدير في بعض الزمن للنَّقْش- بَنْدِيّة إلا أنهم لم يَعْرفوا إلا نجاحًا محدودًا.

على الساحة البَرْهَمية، كان من نتائج سيادة الحرّيات الدينية، ظهور حركات تجْنح لمصالحة وحدانية الإسلام مع الأطروحات البرهمية، مثل الحركة البْهَكْتيّة المتأثرة بالتصوف، وفي عام 1470م، أعلن «كبير» تمازجًا برهميّا- إسلاميّا، وبعد بضعة سنوات أسس حواريُّهُ نَانَاك طائفة «السِّيخ» (أي طائفة «الحَوَاريين»). وغيرُ هؤلاء بغرب الهند كثير. وليس غريبا أن نَانَاك بدأ إصلاحيته الدينية بمصادَفة متصوف مسلم، ثم بارتحاله إلى مكة والمدينة. وما استعارة الألفاظ العربية والفارسية في نصوصه، مجرد استعارة لفظية، فلقد جعل فريد الدين الجِشْتي من مصادر إصلاحيته و جعل نصوصه نصوصا مقدّسة، رغم أنه متوف عام 1265م.

عام 1587، «حظر على المسلمين، كما البراهمة، بالزواج اكثر من زوجة «شرعية» واحدة[21] وبرّر ذلك بقوله: «أن يكون لك أكثر من زوجة هو عمل ضد ذاتك الخاصة (...). لو كنت عاقلا في حياتي لما تزوجت امرأة من مملكتي بحريمي، لأن كلّ رعاياي هُم بالنسبة إليّ أبنائي»[22]، ولتسهيل فهم المثقفين بالبلاد للأديان وتقاليد البراهمة، أسس وزارة ترْجمة، «مكلّفة بالترجمة باللغة الفارسية التي هي اللغة الرسمية للبلاط والإدارة، للنصوص الدينية والعلمية البرهمية»[23].

ومثلما كان موسيقيّا مُرْهَفًا، كان رسَّامًا كذلك، وباعتبار أنه كان فقيها مجتهدًا، فقد حلَّل الرسم والنحت: «لقد بدا لي أن للرسام طريقة خاصة في الإقرار بالله تعالى، لأنه عندما يصور كائنا حيّا وعندما يصور أعضاءه عضوا عضوا يحس بأنه غير قادر على إعطاء الذاتية لعمله، وهو مضطر في هذا الحال إلى التفكير في الله واهب الحياة. وبذلك يزيد من حكمته»[24].

كان الرسم الذي شجعه، على الجدران وضمن الكُتُب، وظهر في عهده الرسم الشخصي لأوّل مرة عند المسلمين (مترادفًا مع ظهوره لدى جيرانه الصفويين)، وكان في العموم ذا مَسْحة فارسية. «أنشأ حتى ببلاطه ورشات رَسْمِ جمعت الفنانين [البراهمة] والمُنَمْنَمِيّين القادمين من فارس». ولكن أكثرية «الفنانين الرسميين بإدارة عبد الصمد [الإيراني] كانوا هنودًا، مسلمين، مثل [الشريف] مير سيد علي وفاروق بك، أو [براهمة] مثل دسْوَنْش وبَاصَاوَان وطارا شَنْد»[25].

وبتأثير «أبو الفضل» وأخيه فائزي، تُرجمت عديد الكُتُب الفارسية، خاصة التاريخية والشعريّة، بينما نُقِلتْ عديد النصوص السُّنْسَكْرِيتية إلى الفارسية. لم تضم مُحاورات المَلكِ التوحيدي ممثلي الدينيْن الرئيسَيْن بالهند، فقط، بل ضمت أيضا «المسيحيين واليهود، والفرس [الزرادشتيّين] واليانيّين، وحتى أتباع ديانة الكَرْفَاكا، وهي مدرسة للتفكير الإلحادي نشأت وازدهرت بقوة في الهند لأكثر من ألفي عام منذ نحو القرن السادس ق.م»[26].

كان الفقيه المجتهد الحكيم [الفيلسوف] رافضا لموقف «كلُّ شيء في ديني، ولا شيء خارجه». فقد كان «يفكر في المكوّنات الخاصة بكل ديانة متعددة الأوجه. وعلى سبيل المثال، بالتجادل مع اليانيّين، ظل أكبر متشككا في طقوسهم، لكنه اقتنع بحجتهم في ما يخص الالتزام بالنباتية، وانتهت به الحال لأن يَأْسَى بشدة لأكل كل أنواع اللحوم بشكل عام»[27]، بالأقل في أكثر أيّام السنة. ولكنه لم يفرض  ذلك  على  أمته. ومن الأكيد أن الطب الراهن يوافقه على موقفه هذا نسبيا.

يلخص محمد جلال الدين أكبر مشروعه في المفهوم العرفاني  «لَسُولْ كَحَل» (=«السلام للجميع»). ويلخص جوهره في رسالته إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني سنة 1582م: « بما أن معظم الرجال يتم تقييدهم من خلال روابط التقاليد، وبتقليد الطرق التي يتبعها آباؤهم ... يستمر الجميع، دون التحقيق في حججهم وأسبابهم، في اتباع الدين الذي ولدوا فيه وتلقنوه مستبعدين  أنفسهم  من إمكانية التحقق من الحقيقة، التي هي أنبل هدف للعقل البشري.  لذلك نحن نتواصل في مواسم ملائمة مع الرجال المتعلمين من جميع الأديان لكي نستفيد من خطاباتهم الرائعة وتطلعاتهم السامية»[28].

5- الملك أكبر والإسلام و«توحيد إلهي»:

منذ بدايات حكمه، كان أكبر «يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد في أوقاتها، بل لقد كان يقوم أحيانا مقام المؤذنين فيدعو الناس للصلاة»[29]. وذلك نادر جدّا في ملوك المسلمين حتى يومنا. واستمر حتى آخر حياته، في المذاكرات الدينية مع علماء المسلمين كل ليلة جمعة، في الفقه وتفسير القرآن الكريم، فالرجل مجتهد في كل العلوم الدينية[30].

وقد كان «يحترم علماء الدين والمتصوفة الزاهدين (...) فيقضي في حضرتهم الساعات الطوال، ولا يتردد في إجابة مطالبهم»[31]. وقد سمَّى ابنه «سليم» باسم الولي الجشتي[32]. وكان لا يبدأ عملا إلا بعد أن يقول: «يا هادي! يا معين!»، فكانت ذات حافز قوّي في نفسه وفي نفوس جنوده. وقد دفعه وازعه الديني إلى الإقبال «على دراسة القرآن والحديث، وساعدته حافظته القوية على استيعاب كل ما يلقيه أساتذته»[33].

وكان يرسل كل سنة «عددًا كبيرا من الحجاج إلى الحرمين الشريفين على نفقة الدولة، ويبعث مع أمير الحج الهدايا والتحف إلى والي مكة المكرمة، والنقود والغلات لأهل الحرمين. وكان يشيع الحجاج عند توديع قوافلهم محرما إحرام الحج، مقصرا شعره، ملبيّا، حاسر الرأس، حافي القدمين»[34].

وقد نشر القضاة بين أقاليم مملكته «ليحكموا  بين الناس بالعدل، تبعًا لأصول الشريعة الإسلامية»، وكان يجلس بين أيديهم ليثقفوه.

لم تكن دار الندوة العلمية التي بناها عام 1575 داعيًا إيّاهَا «عبادت فانه» (= دار العبادة) في مدينة فتح بورسكري مَعْبَدًا قُبَالة المَعابد الأخرى أو الأديان المختلفة. فما كانت إلا دارًا للتحاور بين مذاهب المسلمين بغية التقريب بين الآراء المختلفة»[35]. وفي أحد مجالس عام 1578، اشتد الجدل بين علماء المسلمين حتى كفّروا بعضهم، فسألهم: «مَنْ يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينية الواجب اتباعها إذا اشتد الخلاف بين الفقهاء؟»، فأجابهُ الشيخ مبارك: «إن السلطان يكون صاحب هذا الحق»[36]. فطلب منهم أن يُعْلنوا في مَحْضر الجلسة أنه «إمام عادل»، ففعلوا. وبذلك ضمن أنْ لا تهدّد خلافاتهم وحدة المسلمين بالهند.

ثم أصبح يفكّر في حلّ لأزمة الصراع القاتل بين براهمة البلاد ومسلميها، لتوحيد كل الهند لا هند الإسلام فحسب. فاستدعى علماء البراهمة للمشاركة في مجالس «عبادت خانه» (= دار العبادة). وهنالك تحدث الملك عن أضرار كثرة الأديان وتعددها، وعن ضرورة اكتشافهم القاسم المشترك بينها ليكون هو دين الجميع، فبذلك يعمّ الأمنُ الهند الموحَّدة وتستمر وحدتها دون انفصالات.

وقد سمَّى الملك هذا القاسم المشترك «التوحيد الإلهي» (=«توحيد-اي- إلهي» بالفارسية)[37]، و«يرْتكز على: توحيد الله (...)، وتقوم طقوسه على أسس من الصوفية»[38] المشتركة بين البرهمية والزرادشتية والإسلام. فالملك لم يُبْدع دينًا جديدًا، وإنما ساعد رؤساء طوائف الهند المختلفة على الوصول إلى ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ : ﴿قُلْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [كل أهل كتاب مقدّس حتى المسلمين] تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ﴾ (سورة آل عمران، الآية64)، فكل الأديان إنما تعود إلى أصل واحد. فمحمد جلال الدين أكبر إنما كان ينفّذ آية الكلمة السواء باحثا عن توحيد الأمة الهندية. وقد جعل يوم الأحد يوم تدشين الدخول إلى «توحيد إلهي»، حتى لا تشعر أي طائفة بتفوق تجاه الطوائف الأخرى بتمييز يومها المقدس، مختارًا يوم الأقلية المسيحية الأضعف ديمغرافيا. أما «تقديس» الشمس والنار فلا يعني تأليهًا لهما: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ (سورة المائدة، الآية 21)، وإنما يعني إعلاءًا لشأنها وشكرًا لخالقها على خلقه للبشر، فأول عنصر مؤسِّسٍ لـ«توحيد إلهي» هذا، هو توحيد الذات الإلهية.

استطاع أن يُوقف الممالك التابعة له لنسق إداري مُوَحَّد، في الشرطة والقضاء، وتَحصيل الضرائب، والتداوُل النَّقدي واشتغال الآلة الدّيوانية.

ورغم الحروب والمجاعات المحلية، «عرف المَعَاش الهندي في عهده، تقدّما حقيقيًّا، بفضل سياسة حكيمة في الجباية وتوزيع الأراضي. فلأوّل مرّة كانت الهند تنتج ما تستهلكه، وتستطيع التصدير بانتظام. وقد استفادت التجارة والفلاحة والصناعات من ذلك كثيرا»[39].

واستطاع تعويض اللغات الرسمية العديدة بكل مملكة بلغة رسمية واحدة هي الفارسية. وربما كان اختيار لغة غير هندية خطأً فادحًا، فلقد كان اختيار لغة هندية موحدة دافعًا لنجاح أكبر. ولكنْ ربما لم يكن له اختيار آخر، بينما لم يكن للسُّنْسَكْريتية سوى استعمال طقوسي. وكان التعبير الثقافي الأكثر اعتبارًا هو للفارسية[40]. وقد كانت الفارسية، عبارة عن «لنْغْوَا فْرَانْكَا» لكل الهند الشمالية. ولكنه في المقابل،  كان راعيًا طموحا «للأدب والشعر باللغة الهندية»[41]. ولظهور مدرسة هندية-مغولية- في الرسم والموسيقى والعمارة.

وبهذا المشروع العظيم، ظهر الحسّ القومي الهندي بعد أن كان غائبا، وقد أسس ذلك روحيّا التصوف العابر للطوائف، وجاء أكبر ليجعله متعينًا في دولة واحدة، وسلام دائم، ونقد واحد، وإدارة واحدة، ولغة رسمية واحدة.

6- دور الحكيم أبو الفضل في تأسُّس الوحدة الهندية الأكبرية:

مارس «أبو الفضل» دورًا جوهريّا في إيجاد «التوحيد الإلهي» وفي اختيار أعضائه وإقامة قواعده. هذا الرجل «النابغة، والعالِم، والكاتب، المنعوت أحيانًا بـ«الموجه الخفيّ» الأكبر (...)، كان له تأثير كبيرٌ في عقل أكبر، وعلى عقول عدد من مُعاصريه، رغم أنه جلب حقد بعضهم، وخاصة الأمير سليم»[42]. كان ذا طبع وعقل نافذ لحسّاسيّات الآخر. كان دارسًا عظيمًا في مختلف ثقافة الهنود آنئذ: في الثقافة السُّنْسَكْرِيتية وكذلك العربية والفارسية، وله الكثير من الخبرة بالديانات المختلفة، ومن ضمنها البرهمية والإسلام. وكان دائما الأب والأخ للملك الصغير محمد جلال الدين وصديقه الأقرب، وذراعه الأيْمن، قبل أن يصبح كاتبه، ولم ينفك عن دفعه إلى طريق «العدل والتسامح». إنه ينتمي –أصلا- إلى «المهدويين من الطائفة الشيعية، وكان دائما حسَّاسًا تجاه عدم التسامح»[43]. فمن المحتَمل جدّا أن الملك بحثِّه، أقام «عبادت خانه» التي مهّدت لمشروع «توحيد إلهي». ولقد نصحه بأن يَظهر كل يوم لشعبه من نافذته، حسب التقليد البرهمي، ليحبه شعبه أكثر.

«كان أكبر، المغولي العظيم، قد وُلد مسلما ومات مسلما»[44]، لكنه أصرّ على أن الدين لا يمكن أن يُفهم خارج العقل، حيث أن الإنسان لا بد أن يَقْبل-أو يرفض عند الضرورة دِينَهُ الموروث عن طريق العقل. وعندما هاجمه من التقليديون الذين احتجوا لمصلحة الدين الغريزي، أخبر أكبرُ صديقَهُ وقائده العسكري الذي كان محل ثقته، أبا الفضل: «إن معي العقل. ورفض التقليدية واضح وضوحا يجعله فوق الحاجة إلى الجدل. فإذا كانت التقليدية ملائمة، لما كان أمام الأنبياء إلا اتباع السابقين، ولما أتوا برسالات جديدة»[45]. فَسُرَّ أبو الفضل لأن تلميذه استوعب درسه جيدا.

وقد كان أبو الفضل، بداية من عام  1552 يترجم القصيدة الملحمية السُّنْسَكْرِيتية الكبرى «مَهَبْ- بَهَارَاتا» التي كان يكتب لها هو بنفسه مقدمة ترجمتِها، كما نقل إلى الفارسية عديد الآثار البَرْهمية وعديد الأناجيل، ذلك حتى يمكن للملك أن يَفْهم شعبه المتعدد الطوائف، فلا يظلمها بتعصب إذْ «مَنْ جهل شيئا عاداه».

كتب أبو الفضل[46]:

يا الله، داخل كل مَعْبد أرى الناس

تبحث عنك، وبكل لغة،

وأسمع الذين يدعونك

يقدّمون البرهمية والإسلام.

كل دين يقول: «أنت الأوحد دون كُفْءٍ»:

بمسجد، يَهمِسُون بالدعاء المقدّس،

وبكنيسة يقرعُ الناس الجرسَ لحبّك.

أحيانًاـ، أعود لِروَاق دَير،

[وأخرى] لمعبد برهمي،

وأحيانًا بمسجد،

ولكنْ دائما، أنت الذي أبحث عنه

من معبد إلى آخر[47].

7- مَواطن ضعف في المشروع الأَكْبري:

نقطة ضعف المشروع الأكبري الجوهرية أنها لم تُثبّت عناصر لاستمرارها بَعد أن يتوفى الملك. كان محمد جلال الدين أكبر يعرف أن محمد سليم ليس الوريث الأكفأ. فقد «كان واعيًا أن سليمًا لا يملك الخصائص العسكرية لهذا المشروع»[48]. ولكنه كان يتعلل بأن ابنه «مراد» توفي، وأن ابنه دانيال مشغول في الدّكن.

لقد كان لسليم طبعٌ تمرُّديٌّ، «وقد اضطر أبوه عديد المرات لمعاقبته، حاظِرًا عليه لعدة فترات طويلة أحيانا، ليعود فيقدم له كل يوم احترامه (...). ولكن في كل مرة يعفو أكبر عن حماقات ابنه»[49]. ولقد كان سليم حاسدًا حتى لـ«أبو الفضل» على حظوته لدى أبيه، رغم أنه هو صاحب الأيادي الأكبر على مشروع أبيه. ولقد أعلن لأبيه عديد المرات عن موالاته للتعصبيّة الموروثة، واعتراضه على «توحيد إلهي»[50]. وكان الأب يرى ما يؤكّد ان ابنه «عنيف، وصاحب نزوات تذهب أحيانًا إلى الاستبدادية والفظاظة المجَّانية، وذلك ما يجعل أكبر يأسف»[51]. وقد كتب أبو الفضل في أكبر نامه عن عِلم المَلِك بإدْمان ولي العهد على الخمر، وأنه خالف حَظر الملك للتّبْغ، وحظْره زواج الأقارب إذْ أراد الزواج مِن قريبته[52]، فشهوته كانت أقوى من عقله.

ليست وفاة «أبو الفضل، روح المشروع الأكبري سنة 1602، هي المبرر لعدم استمرار المشروع الأكبري، إنما لأن هذا المشروع لم يفكر في النظام السياسي الديمقراطي (أو «الجماعي» بلغة الفارابي) خاصة في مسألة «الوراثة»، دون ربطها بعائلة حاكمة، بل بإيلاف دُوَلي ينبغي أن ترتبط بِصحيفة (=«دستور»)، أو بالأقل أن تكون السلطة المركزية إيلافًا بين الملوك الذين يكوّنون الإيلاف.

كان محمد جلال الدين أكبر عاقلا في الدين وفي إقامة الأمّة والوحدة الهنديتين، ولكنه لم يكن عاقلا في تجاوز حكم الفرد نحو حكم الجماعة الدائم بشروط عقلانية (كالتي اشترطها الفارابي). فهل كان «أبو الفضل»، روح «توحيد إلهي»، لم يكن يعرف التوحيد الاجتماعي القَرْمطي، والتوحيد السياسي القَرْمَطي؟ وهل يمكن أن يكون التوحيد اللاهوتي العقلاني دون توحيد اجتماعي- سياسي وتوحيد عدالة اجتماعية بين الطبقات؟

8- الهند بين الإسلام السَّبُكْتَكِينيّ والإسلام الأكبريّ:

كان المؤرخ السلفي الهندي ذو الملة السَّبُكْتَكِينيّة، عبد القادر البدايوني (1540- 1615م)، اول من شوه سيرة اكبر ومشروعه بعيد وفاته. وقد كفَّر المشروع الأكبريّ دون الرجوع إلى مَصْدر من المصادر التاريخية التي عايش اصحابها الملك كامل حياته مثل «أكبر نامه» و«عَيْن أكْبَري»، فاتهمه بما لا نجده في تلك المصادر: «إباحة السجود للامبراطور»، و«عبادة الشمس والنار»، و«وضع الخنازير في القصر الإمبراطوري»، و«تحريم أكل لحم البقر على المسلمين»، و«تحريم تربية اللحى على المسلمين»، و«منع الآذان»، ومنع «صيام شهر رمضان»، و«تحويل المساجد إلى مخازن وقلاع»[53]، بل نجد في تلك المصادر نقيض ذلك تماما. أما ادعاؤه أنه «حارب دراسة اللغة العربية»، فنجد عكسه في مسيرته بتلك المصادر، وأما أنه «أوقف الحج إلى مكة» فيكفي ذكر أنه كان يؤمِّن مع جنوده طريق الحج الهندي، ويُسْقط الضرائب على الحجّاج.

وأما ادعاؤه رفضه اسماء الرسول الكريم، فيكفي أن ننظر إلى عُمْلاته النقدية الموجودة إلى اليوم بمتاحف الهند وعلى بعض صفحات الانترنت المتخصصة في النقد لنكتشف أن اسمه بقي حتى آخر عمره «محمد جلال الدين». وقد استنكر المؤرخ السبكتكيني الملة سماحه لزوجاته البرهميات بممارسة طقوسهن البرهمية وعدم إكراههن على الإسلام. ولم يثمّن منع الفقيه المجتهد محمد جلال الدين أكبر زواج  الأطفال (لدى البراهمة خاصة، ولدى بعض المسلمين)، و«عادة حرق الأرمل حيّة مع زوجها الميّت» لدى البراهمة»[54] ومنعهم زواجها بعد وفاته، ودعوته «لمحاربة  التمييز بين الطبقات» لدى البراهمة[55]. واستنكر نشره للتعليم «بين الجميع دون استثناء، ففي عهده كان البراهمة يدرسون مع المسلمين جنبًا إلى جنب[56]؛ وأنه جعل أحيانا الضابط البرهميّ الأكفأ على رأس الضباط المسلمين. فهو يحمل ملة محمود الغزنوي التدميرية- الإكراهية لأنه منحدر من كبار الأرسْتقراطية الأفغانية بالهند، التي مسّتها الإصلاحات الأكبرية في مَصَالحها.

*-*-*

كانت هشاشة شخصية محمد سليم هي التي جعلته يقتنع ببساطة بدعوة الشيخ السلفي، السبكتكيني الملة، احمد السرهندي (1564-1624) بعد ان كان صامتا في عهد اكبر، ان يقلع عن كلمة السواء «توحيد إلهي»، وان دعم الشوكة السلفية-السبكتكينية  كاف وحده بان يديم ملكه، فتخلى عن التسامح مع البراهمة، وعن شراكتهم في السلطة المدنية والعسكرية...

لقد اصبح الملك المغولي أورنك زيب (تولى الملك سنة 1659 وتوفي سنة1707) حنفيا، ولكنه كان سلفي السلوك وسبكتكيني السياسة. وقد ترجم له أبو الفضل المُرادي، المقرّب إليه، فقال في ترجمته: «أبَاد الكُفّار في أرضه [وهم براهمة أساسًا]، وقهرهم وهدَّم كنائسهم (..) وأخذ الجزية من كفّار الهند [أي البراهمة]»[57]. وهنا نجد مثقف الطبقة الحاكمة الجديدة غير متفهم للدين البرهمي، ومن الأدلة على ذلك انه يسمي المعبد البرهمي «كنيسة». لقد ألغى أورنك زيب نهائيا كلمة السَّواء الأكبرية (= توحيد إلهي)، وألغى إلغاء الملك أكبر للجزية على البراهمة وغيرهم من غير المسلمين، واعتدى على معابد أهل الكتاب، في ردة الى الملة السبكتكينية. وقد اضطهد السّيخ رغم أنهم كانوا مسالمين له، ورغم انهم اقرب الى الاسلام. وقد ساهم غَدْر أورنك زيب بهم في بداية نفورهم من التقارب مع الإسلام والمسلمين، وإن كانوا هم أيضا لم يَسْعوا أكثر في ذلك.

*-*-*

بقيت هِنْدُ الإسلام  إلى اليوم تتأرجح بين إسلام سبُكْتَكِينيّ - تدميري للآخر (مذَهبا ودينًا) وبإسلام أكبري تسامُحي- توحيدي مع الآخر (مذهبا ودينا)، بين إسلام يمزق الهند وإسلام يوحد الهند لأول مرة. وفي عام 1947، انتصر الإسلام السَّبَكْتَكِينيّ، فرفع محمد علي جناح وحزب رابطة مسلمي عموم الهند راية الانشقاق، وكانت بريطانيا مؤيدة له. ومن الأكيد أن من البراهمة مَنْ كان على دين الفُرْقَة والتمزق آنئذ. فكان تأسيس پاك-سْتَانْ (= أرض الطهارة)، فتكون هِنْدُ البراهمة: «أرض النجاسة»، وكان قتْلُ التعصبِ البرهميِّ لداعية الأمة والوحدة الهنديتين: غانْدي عام 1948. فكان خروج بريطانيا آنئذ أبْعد عن الهزيمة، بل كان بذلك أقرب إلى الانتصار.

ومن العجيب أن حَوَاريّ جلال الدين الرومي (صاحب مقولة: «الطُرق إلى الله بعدد أنفس الخلائق»): محمد إقبال، كان من مؤيدي «القومية الإسلامية»، و«الپاكيّة» التعصبية الناقضة للأمة الهندية الأكبرية العظيمة. ومن العجيب أن أبو الأعلى المودودي الذي كان ضد أطروحة « پاك-سْتَانْ» (ربما لأنها دولة العلمانية لا دولة «الشريعة» كما يراها)، أصبح مؤيّدا لها بعد تأسيسها فيسافر من حِماه غير الباكْسْتاني، «النجس»، نحو حِمَى «الپاكْ»، حِمى «الطهارة».

صحيح أن الكثير من مسلمي الهند كانوا في أربعينيات القرن العشرين ضد ثنائية « الپاكْ» و«النجاسة» الهنديين، مثل وحيد الدين خان الذي نقد أطروحة «الخلافة» و«الحاكمية» عند أبو الأعلى المودودي ونقد عُنفية بعض الحركات الإسلامية وتسلحيّتها. ومن هؤلاء «الأكبريين»، الذين يؤمنون بالهند الكُبرى لا متشظيةً، كان أبو الكلام آزاد (1888-1958).

كان حزب المؤتمر الهندي رأس حربة الأمة الهندية لمقاومة الإمبريالية البريطانية، وكان أبو الكلام آزاد عضوا بارزًا فيه. كان قبل انضمامه، يوقِظ الهمم ضد الاحتلال على صفحات جرائد واسعة الانتشار، حتى منع إصدارها، و ينبه إلى مخاطر انشقاقية محمد علي جناح وحزب رابطة مسلمي عموم الهند. «والتقى بغانْدي عام 1920، وشارك معه في حركة ترك الموالاة والخلافة، وصار من القادة الكبار للكفاح السياسي الوطني»[58]. وقد خطب عام 1943 قائلا: «لو أنّ مَلَكا نزل من السماء على منارة قطب، وقال إن الاستقلال يمكن الحصول عليه خلال 24 ساعة شريطة التنازل عن الوحدة بين البراهمة والمسلمين لتنَازَلْتُ عن الاستقلال. ولكن لن أتنازل عن الوحدة لأن التأخر في إحراز الاستقلال يكون خسارة للهند، ولكن ضياع المحبة والوئام بين الطائفتيْن سيكون خسارة للبشرية جمعاء»[59]. وقد أكَّد جواهر لال نهرو صدقه في فعله[60].

أكد أبو الكلام آزاد دائما: «روح الإسلام تُرشد في هذا الطريق، وهو أنني أشعر باعتزاز بأني هندي وأنني عنصر عظيم للأمة الهندية التي لا يمكن تفريقها أو تقسيمها»[61].

ومِن الأكبريين البراهمة، جواهر لال نهرو. كتب في كتابه اكتشاف الهند: «في التاريخ أبطال سعوا إلى توحيد الهند وحمايتها، وفي مقدمتهم: آشوكا، وكبير، وجورو ناناك، والأمير خسرو، وجلال الدين أكبر». أما حفيد أكبر: أورَنك زِيب، فهو في نظره: «حاكم متعصب أدت سياسته إلى إدارة عقارب الساعة إلى الخلف»، فاستغلت الإمبريالية البريطانية الفرصة لابتلاع هِند موحَّدة جاهزة منذ عهد أكبر ثم للتلاعب بمستقبلها التاريخي.

ولكنْ، قد يكون المهاتْما غَاندي، الذي تأثر جدا بـ«توحيد إلهي»  للملك أكبر، أعْظم من أكبر نفسه. في كل الأحوال، هو أكبر البَرْهمي بلا مُنازع.

*-*-*

لم يكن للمشروع الأكبري وملته التسامحية أي تأثير في الاسلام العربي، بل بالعكس كنا نجد في ذلك الإسلام احتفاء اقتدائيا بمحمود الغزنوي وملته التدميرية الإكراهية. وذلك مما أوجد مقدمات منطقية لتعصب اسلامي عربي.

كانت حركة الإخوان المسلمين بتونس في ثمانينات القرن العشرين، تصدر كل عام روزنامة في شكل كراس دَعَتْها «دليل المصلّي»[62]. وكان مِن مُلْحقاته ملحق تاريخيّ يَحمل تأريخًا سلفيا محافظا. وفي عام 1403ه/ 1982-1983م، اختارت أعلامًا للاقتداء بهم لم يكن من بينهم محمد جلال الدين أكبر، ولكن كان منهم من سمَّتْهُ «فاتح الهند»،أي محمود الغزنوي. وقد ثمَّنتْ في حياته أنه «استولى على الإمارة»، وأنه «استَلَبَ مُلْك [خراسان] من أيدي السامانية [الذين احتضنوا ابن سينا وغيره]، وصمد لقتال مَلِك الترك»، وأنه «جعل دَأبه غزو الهند مرة في كل عام، فافتتح بلادًا شاسعة». وبذلك كانت الحركة تزرع ملة سياسية تقوم على شرعية «الاستيلاء» (=اغتصاب السلطة) ومهاجمة الدول الإسلامية الأخرى (السامانيون) لأنها لا تنتمي «لمذهبه»، ومقاتلة الآخر لأنه «غير مسلم» كالتُّرْك وبراهمة الهند الذين أنهكهم بالغزو «مرة كل عام». ولم نَجد في تراجم هذه الروزنامة (وغيرها من الروزنامات التي أصدرتها الحركة بثمانينيات القرن العشرين) نقيض محمود الغزنوي في التسامح وفي البحث عن «الإيلاف» (=التوجه الكنفيدرالي) وعن «الأمة» لا عن «الفُرْقة» و «الفِرْقة الناجية» (وهو دأب محمود الغزنوي)، سواء الملك أكبر أو غيره.

خاتمــــة:

كان عهد الملك محمد جلال الدين أكبر عهد تسامح، عُمِّد بأبيه ووُجِّه بكاتبه أبي الفضل، ماحيًا فيه عَهْدَ تدميرٍ وإكراهٍ دشَّنَهُ محمود الغزنوي سنة 1008، م.غ. وكان نصف القرن الذي حكمه من قرائن مشروعيته الشعبية.  لقد كانت الهند قبله مجموعة مَمالك عديدة جدًّا ومتقاتلة، ومجموعة أديان وطوائف متناحرة، لم تكن تشعر أنها تنتمي إلى كلية هندية. كان أكَبر أوّل حاكم هندي يوحّد الهند في دولة واحدة. ولم يكن ذلك ممكنًا بالحرب وحدها، فقد عجزت عن ذلك طويلا، بل خاصة بالكلمة الدينية السواء وسياسة الاندماج الأدياني والطوائفي، بواسطة «توحيد إلهي». لقد أوقف حَرْبَ الكل ضدّ الكل، تلك الحرب الهندية المجنونة، وأسّس هند الجميع، هند السلام الدائم.

يلخص أبو الفضل عَهْد تلميذه أكبر بقوله: «إن الحكماء والرجال الأريبين، الذين يفهمون روح هذا العصر، قالوا إن هذا العالَم المُتَحضرّ [الهند] الذي انقسم بحجّة نقص عناية الأرواح الكبيرة، يُمْكن ان يكون موجَّها بحاكم واحد، قادر، عادل، له الوسائل لإسقاط غُبار الفتن دون شك ويجد البشر الراحة. ففي متابعة هذا الهدف كان [أكبر] متجندًا دائمًا»[63].

كان يريد «نهضة» (أو «إعادة ميلاد») نحو هند حديثة، بإمَّتِه الجديدة. لم تكن المقاومات التي واجهها مشروعُهُ لتُحْبطه عن بناء هند السلام وبعض رفاه الحياة. ولكن مشروعه لم يفكر في ما بَعْد وفاة الملك، ولم يُدَسْتر الإيلاف الوحدوي الهندي، ولم يعمق محوره الاجتماعي- المَعَاشي بالعدالة الطبقية.

من سوء الحظ، أن مشروعه لم يَدُمْ، بانتصار التعصّب الديني لابن حفيده أورنْك زيب وبنزاعات المصالح التي ظهرت بمبادرات الاحتلال الإنكليزي والفرنسي، ثم كان الانشقاق الباكستاني عام 1947، الذي استعاد الأطروحة السَّبُكْتَكِينيّة لـ«دار الإسلام» من ناحية و«دار الكفر البرهمي» من ناحية أخرى، مكرسا أن البرهمية هي «الهندوسية» أو الدين الهندي [الوحيد]، كأن الإسلام لم يكن هنديًّا، وكأن البرهمية ليست من أصل غير هندي بدايةً. وقَدْ كانت الإمبريالية البريطانية، بعد أن احتلت غَزنَة بأفغانستان، نَقَلَتْ ما أوْهَمَتْ بأنه بقايا لمعبد سومنات، محاوِلة اجتذاب الأكثرية البرهمية والأقلية السيخية، ونَفَتْ آخر الملوك المغول. والأهم أنّها اختلقت السلفية في الإسلام الهندي قبل أن تختلقه في الإسلام العربي.

كان ذلك تحطيمًا «نهائيًّا» لمشروع أكبر الهندي، وذلك ما كانت تريده الإمبريالية البريطانية منذ سنة 1858، دامجة الهند في مملكتها، فكان حكمها للهند مباشرًا.

ومن العجيب، أن الهند بعد استقلالها، وبعد وفاة غاندي، أصبحت ضمن ما سُمّي «الكومنولث البريطاني»، ويكفي هذا النعت لكشف الطابع الوصائي- التبعي والإمبريالي لهذا «الكومنولث».

فعلى القواعد التي بناها أكبر كانت الهند الراهنة موجودة بما هي أمة واحدة، نجح أكبر حيث أخْفق آشُوكا في القرن الثالث قبل الميلاد وشَنْدْرًا عُبْرا في نهاية القرن الرابع، اللذان لم يفتحا إلا بعض الممالك البرهمية، ولم يكن لهما مشروع لتجاوز تناقضات الأديان. فلقد كان محظوظا إذ سبقَتْه قرون من الاشتغال الاختراقي التصوفي للطوائف والأديان حتى تربّيها على «الكلمة السواء» والجوهر الإلهي، ولكنّ شجاعة أكبر وإرادته العظيمة وثقافته التسامحية هامة بهامّية الاختراق الإنساني التصوفي، وكذلك لأنه كان محظوظا بمَحُوطيّته بمثقفين وَحْدَوِييّن أفذاذ من نوع بيرم خان المسلم، وتودَر مال البَرْهمي، ومان سِنغ، وخاصة المسلم «أبو الفضل».

لقد استطاع تجاوز المؤامرات التحازبية داخل البلاط، وأفكار عصره وتقاليده، و«أن يركّز جهوده من أجل إقامة سلطة مركزية غير دينية، قائمة مع روابط قوى فقط»[64].

لم يكن أكبر مجرد رجل ذا كفاءة في الحكم والسِّفارة والحرب، بل كان أيضا «قائدا لشعوب، وباحثا جَوّالاً عن الحقيقة»[65]. ولم يكن من أعظم حاكمي الهند السابقين، بل كان أيضا «أحد الأرواح الأكثر كونية»[66].

لقد غيّرت حركةُ «توحيد» الأمّةِ الأكَبَريةُ، الإمّة البرهميةَ، فظهرت حركة داخل الديانة البرهَمية تَجْنحُ-بوعي ودون وعي- لموافقة البرهمية مع تَجريدية اللاهوت الإسلامي ووحدانيته، ولو أنّ ذلك سَابق على العهد الأكبري بفضل الاختراقية التصوفية ذات المَلْمَح الإنساني- التسامحي.

كتب الملك أكبر إلى معاصره الملك التنويري مِثْلَهُ عباس الصَّفوي عام 1594م: «في دُول السيادة والدين الإنسانيّ، وبالألْفَةِ الأجْدَر بالتفضيل على التضادّ؛ فالسلام أفضل من الحرب. هذا، كما تصرّفنا منذ بداية [حكمنا] بعدم الاكتراث باختلافات الأديان، كما التباينات والتقاليد، والنظر إلى قبائل الناس بما هي كلها في خدمة الله، فشرعْنا بتلقين الإنسانية عمومًا يجب أن نعتبر أن الرَّحْمة الإلهية تمتد إلى كل أشكال المعتقدات، وأن جهدا أعلى ينبغي أن يُبْذَل من كل واحد من أجل الوصول إلى الجنة الأبدية الربيعيّة للسلام مع الجميع»[67]. أصبحت الهند أمَّةً. ولكنه لم يفكر في أسس مستقبل الوحدة الهندية حتى تستمر بدونه، ولم يفكر في أس العدالة الاجتماعية والحقوق المعاشية (=الاقتصادية) التي تضمن تماسك المضمون الهندي. 

 

د.عادل بن خليفة بالكحلة        

 (باحث إناسي،الجامعة التونسية)

...............................

[1]  رواه أحمد بن حنبل وغيره...

[2]  م.س.

[3]  ... ظهرتْ الإضافات على هذه المَحاور الرئيسية، بظهور الكتب الثانوية المقدَّسة بمرور القرون...

[4]  كاظم (جاسم محمد)، «التشابه ما بين الهندوسية والإسلام: ملاحظات شاهد عيان»، مجلة الحوار المتمدن، العدد 4253، 22/10/2013.

[5]  هندوشاه (محمد قاسم)، تاريخ فرشته، أنجمن آثار، طهران، 2002، ص 122. [وحتى إن حوّلنا ملايين فرشته، وهو الهندي، إلى، «آلاف» ابن كثير وابن الجوزي السلفيين لن نقلل من حجم الجريمة. و لم يكن ابن الجوزي وابن كثير يعرفان اللغات والمَصادر والذاكرة الهندية وهما بعيدان جغرافيا عن الهند على، عكس فرشته هندوشاه. وقد كان فرشْتِه طبيبا تجريبيا بينما كان السلفيون كابن القيم يحرّم الطب التجريبي فهم غير علميين].

[6]  انظر: بالكحلة (عادل)، «البيروني والقطيعة الإيستولوجية في العلوم الإنسانية»، على موقع الباحث.

[7]  بَروكلمان (كارل)، تاريخ الشعوب الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص 268.

[8] Merçil (Erdogan), Zazneliler devleti tarihi, TTK, Yahinevi, Ankara, ISSBN 975-16-0189-4.

[9]  راجع: الأزرقي (محمد)، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، دار الأندلس، بيروت.

[10]  الشَّيال (جمال الدين)، تاريخ أبّاطرة المغول الإسلامية في الهند، مكتبة الثقافة الدينية، 2001، ص 79.

[11]  الطريحي (محمد سعيد)، في العصر المغولي، أكاديمية الكوفة، هولندة، 2006، ص 66.

[12] Frédéric (Louis), L’Inde de l’islam, Arthaud, Paris, 1989, p.174.

[13] Ibid, P. 175.

[14] Ibid, p. 175.

[15] Ibid, p. 175.

[16] Ibid, p. 175.

[17]  م. س، ص 175.

[18]  م. س، ص 175.

[19]  م. س، ص 176.

[20]  م. س، ص 177.

[21] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.300.

[22] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.300.

[23] Frédéric (Louis), L’Inde de L’Islam, p. 183.

[24]  يايادُو بُولو (الكسندر)، جمالية الرسم الإسلامي، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله، تونس، 1979، ص 37.

[25]  م. س، ص 193.

[26]  م.س، ص 163.

[27]  م. س، ص 163 أيضا.

[28]  https://eferrit.com.

[29]  الشيال (جمال الدين)، تاريخ أبّاطرة المغول الإسلامية في الهند، مكتبة الثقافة الدينية، 2001، ص 109.

[30]  الطريحي (محمد سعيد)، م.م، ص 45.

[31]  م. س، ص 110.

[32]  م. س، ص 110.

[33]  م. س، ص 110.

[34]  الطريحي (محمد سعيد)، م.م، ص47.

[35]  م. س، ص 110.

[36]  م. س، ص 111.

[37]  ...وليس «الدين الإلهي»، كما جاء في الكتابات العربية المعاصرة التي لا تعود إلى مَصَادر العصر الأكبري، والمتأثر بوعي أو بلاوعي بالإمَّة السلفية- الوهابية، وغير الموضوعية، وغير العلمية!!!

[38]  م. س، ص 112.

[39]  م. س، ص 370.

[40]  م. س، ص 368.

[41]  م. س، ص 370.

[42] Frédéric (Louis) , Akbar le grand mogohol, Denoel, Paris, 1986, p. 275.

[43]  م. س، ص 275.

[44]  صَنْ (أمَارْتيا)، الهوية والعنف، عالَم المعرفة، الكويت، يونيو 2008، ص 162 وص 163.

[45]  م. س، ص 162 وص 163.

[46]  ...ترجمة: بالكحلة (عادل)، عَنْ لْوِي فِريدريك.

[47]  م. س، ص 334.

[48] Frédéric (Louis), Akbar le grand moghol, p.333.

[49]  م. س، ص 334.

[50]  م. س، ص 335.

[51]  م. س، ص 335.

[52]  م. س، ص 335 و336 و395.

[53]  م. س، ص 114 وص 115.

[54]  الشيّال (جمال الدين)، م. س، ص 90.

[55]  الشيّال (جمال الدين)، م. س، ص 90.

[56]  م. س، ص 91 [ من فرط انحياز المؤرخ السلفي جمال الدين الشيّال أنه دون أن يشعر لا يعتبر المسلم الهندي هنديًّا، معتبرا البرهمي وحدة «هنديا»، مخفيا روحا غزْوية- غزنوية للهند: «ففي عهد كان الهنود يدرسون مع المسلمين جنبا إلى جنبا»، ص 91، مثلا

[57]  المُرادي (أبو الفضل)، سَلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ج4، ص 113.

[58]  مجيب الرحمان، «تذكار بأبي الكلام آزاد»، مجلة ثقافة الهند، المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، العدد 201، 2003، ص 225.

[59]  م. س، ص 226.

[60]  م. س، ص 227.

[61]  م. س، ص 231.

[62]  طَبعَتْه ونَشرتْه مطبعة الشَّحْمي بتونس، التابعة للحركة.

[63]  مجيب الرحمان، «تذكار بأبي الكلام آزاد»، م.م، ص 368.

[64]  م. س، ص 371، نقلا عن كـ.م. مُنْشِي.

[65]  م. س، ص 371.

[66]  م. س، ص 371.

[67]  م. س، ص 370.

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" (الحصري)


 فلسفة الوحدة والعروبة

لقد أراد الحصري إبراز وتأسيس أهمية الموقف من الفكرة العربية القومية عبر رفعها إلى مصاف المرجعية النظرية والعملية. من هنا تدقيقه للكلمة والعبارة لأنها تعكس بقدر واحد منهج الرؤية ومنطق الاحتمالات الكامنة فيها. لهذا نراه يقف بالضد من عبارة وفكرة "الشرق الأوسط" وأمثالها. وطالب بترك فكرة "الشرق الأوسط" والتمسك بفكرة "العالم العربي"[1]. وكتب بهذا الصدد يقول:إننا لا نعترف بوجود "الشرق الأوسط" إنما نقول بوجود العالم العربي. وندرس هذا العالم. أما ما يسمونه إستراتيجية الشرق الأوسط فما هو في نظرنا إلا إستراتيجية الدول الغربية في البلاد التي أطلقوا عليها اسم الشرق الأوسط[2]. وتوسع في هذه الفكرة في كتابه (دفاعا عن العروبة). ففي معرض نقده وتعليقه على فكرة محمد أنيس التي وضعها في كتابه (القومية العربية) نراه يشدد على أنه لا معنى لتقسيم العالم العربي إلى أقسام مثل مشرق ومغرب وحوض النيل. وذلك لأن "العالم العربي هو عالم واحد"[3]. وضمن هذا السياق سار في تدقيق هذه المفاهيم وذلك لما فيها من أبعاد مهمة بل وجوهرية بالنسبة للفكرة القومية. لهذا نراه يقف أيضا بالضد من فكرة "ثقافة حوض البحر المتوسط". واعتبرها فكرة أول من أطلقها الفرنسيون. بينما لا يمكن للثقافة أن تكون من حيث الجوهر إلا ثقافة قومية. أما الحضارة فيمكنها أن تكون جامعة للأمم[4].

وضمن هذا السياق حدد موقفه وفكرته من "الوحدة الإسلامية". إذ اعتبرها فكرة طوباوية. ولم يجد في صيغتها التاريخية الأولى نموذجا قابلا للتجسيد في العالم المعاصر. والقضية ليست فقط في كون الوحدة السياسية التي وجدت في صدر الإسلام لم تقو على تقلبات الأيام مدة طويلة، بل ولأنها لم تتحقق آنذاك رغم بساطة وسذاجة الحياة. أما في العالم المعاصر، فإن الحياة أشد تعقيدا، كما أن العلوم والصناعات خرجت من سيطرة التقاليد[5]. وبالتالي، فإن الدعوة للوحدة الإسلامية (بالضد من الوحدة العربية) ما هي إلا "دعوة شعوبية أو انخداع السذج بتصديق كل ما يقدم لها مقرونا بالدين"[6]. وبالحصيلة توصل الحصري إلى أن الوحدة الإسلامية مستحيلة دون الوحدة العربية. بينما الوحدة العربية ممكنة وضرورية. وبالتالي، فإن "من يعارض الوحدة العربية يكون قد عارض الوحدة الإسلامية أيضا. أما من عارض الوحدة العربية باسم الوحدة الإسلامية أو بحجة الوحدة الإسلامية، فيكون قد خالف ابسط مقتضيات العقل والمنطق"[7].

لم ينف الحصري قيمة وأهمية الرابطة الإسلامية، على العكس. لهذا نراه يقدّمها ويفضّلها على نماذج "الوحدة الجغرافية" مثل الوحدة الإفريقية أو الآسيوية أو غيرها وذلك لافتقادها إلى أسس ذاتية. لهذا نراه يعتبر الرابطة الإسلامية أهم وأقوى من الإفريقية ومن رابطة البحر المتوسط. إلا أن تجربة العرب والفرس والأتراك (الشعوب الإسلامية الكبيرة) تكشف عن أن الدين لم يمنع الحروب والخصومات بينها. كما أن اختلاف الأديان أحيانا لم يمنع توحد الدول. إضافة لذلك أن الاختلافات الثقافية والسياسية بين الدول الإسلامية مازالت قائمة رغم اشتراكها التاريخي الموحد الكبير. من هنا تدقيق الحصري لمفاهيم "الأخوة الإسلامية" و"الاتحاد الإسلامي" و"السياسة الإسلامية" وضرورة التفريق بينها[8]. إلا أن الحصيلة النظرية الدقيقة لكل ذلك تبرهن على أن الرابطة الوطنية والقومية تشرك الجميع أكثر من الروابط الدينية. من هنا ضرورة تقدمها على الرابطة الدينية في الشئون السياسية[9]. إذ ليس جميع المصريين مسلمين وكذلك في لبنان.

لقد سعى الحصري للكشف والبرهنة على أن حقيقة الوحدة العربية تستمد مقوماتها من الفكرة القومية (العربية) كما هي. ذلك يعني أنها تعتمد على عقل الثقافة ومنطق التاريخ المعاصر أيضا. من هنا انتقاده التاريخي والمنطقي للاتهامات التي ترتقي إلى مصاف الشائعات عما يسمى بتصنيع الانجليز للفكرة القومية العربية. وفي معرض رده على هذه الأفكار (الاتهامات) كتب يقول، بأن مما لا ينكر هو مسايرة الانجليز "للحركة العربية أكثر من سائر الدول... إنهم عرفوا القوة الكامنة في الفكرة العربية قبل غيرهم. فرأوا أن يسايروها بعض المسايرة ليدفعوا ضررها منهم ويجعلوها أكثر ملائمة لمصالحهم"[10]. والسبب يكمن في أن السياسة الانجليزية سياسة عملية. فالوقائع التاريخية تكشف عن أن بريطانيا هي التي خلّصت الدولة العثمانية (صاحبة الخلافة الإسلامية آنذاك) من استيلاء الروس عليها عدة مرات. كما أنها أوقفت الجيوش المصرية في قلب الأناضول، وحالت دون اتحاد مصر مع سورية في عهد محمد علي الكبير[11]. ووضع كل ذلك في استنتاجه القائل، بأن "كل من يفهم فكرة الوحدة العربية بأنها وسيلة أجنبية يكون قد قال بخدعة ليس وراءها خدعة"[12]. وذلك لأن السياسة الأوربية تجاه العالم العربي كانت تجري لصالح الدولة العثمانية. فقد كانت تتسم بحمية السرقة والغيلة. والسبب يكمن في خضوع العالم العربي للدولة العثمانية آنذاك. بل ويصل الحصري في مجرى تقديمه وتحليله لعدد كبير من الوثائق الرسمية إلى "أن أساس اقتسام البلاد العربية كانت قد تقرر قبل الحرب العالمية الأولى، وبعلم من الحكومة العثمانية نفسها"[13].

ووضع الحصري حصيلة هذا التحليل والتدقيق والنقد المنطقي والتاريخي في استنتاج نظري مهم يقول، بأن "فكرة الوحدة العربية فكرة طبيعية، لم يوجدها موجد. إنها نتيجة طبيعية لوجود الأمة العربية نفسها". وأنها في الوقت نفسه "قوة اجتماعية تستمد نشاطها من حياة اللغة العربية وتاريخ الأمة العربية، واتصال (جغرافيا) البلاد العربية". ومن ثم فلا يستطيع أحد أن يدعي أن فكرة الوحدة العربية صناعة انجليزية إلا إذا برهن على إنهم من خلقوا اللغة العربية وأوجدوا التاريخ العربي وكوّنوا الجغرافية العربية"[14].

ووضع هذه الحصيلة في مقدمة مواقفه العملية من فكرة الرابطة العربية والوحدة العربية. فعندما تناول هذه القضية على مثال الحالة المصرية بوصفها الصيغة الأكثر إشكالية آنذاك من الناحية الثقافية والسياسية، نراه ينطلق من الحقيقة القائلة، بأن أهل مصر عرب من حيث اللغة. وهي أمتن وأقوى رابطة للمصريين. أما الحقيقة الأخرى التي تستكمل ما سبقها فتقوم في كون حدود اللغة العربية أوسع بكثير من حدود الدولة المصرية الحالية. إضافة لذلك أن العالم العربي متصل جغرافيا. ومصر في القلب منه. لهذا ينبغي أن تعمل من اجل توحيده. ذلك يعني أن مصر عربية. ومن ثم فإن مستقبلها مرتبط بمستقبل العروبة وثيق الارتباط.

ووضع حصيلة هذه الصيغة المنطقية في أساس مواقفه العملية السياسية من أولوية العروبة على القطرية أو الوطنية الجزئية. وأقرّ بوجود قضايا إقليمية ومحلية تخص كل دولة عربية. لكن الواقع يكشف عن انه أحيانا ينبغي التضحية بمصلحة مدينة لصالح البلد. وفي النهاية يعود بالنفع على الجميع. ونفس هذا المنطق ينبغي تطبيقه تجاه العروبة. ذلك يعني، أن السياسة العليا في مصر وغيرها ينبغي أن تبنى على أساس العروبة أولا[15].

إن أولوية الفكرة القومية والوحدة العربية والعروبة لا تتعارض مع واقع الدولة القطرية الحالية. إلا أن المهمة والغاية تقوم في رفع الوطنية إلى مصاف القومية الفعلية، ورفع القطرية إلى مصاف الوحدة الحقيقية. ومن ثم النظر إلى كل ما يعترض ذلك على أنها عوائق ومن ثم مهمات قابلة للحل والتذليل. واعتبر الحصري التفاوت الاقتصادي وليس الثقافي أو حتى الجغرافي أهم ما يعيق الوحدة العربية[16]. لهذا نرى الحصري يعتبر الدعوة للوحدة العربية مهمة ينبغي أن تصبح جزءا من العقيدة الروحية، وأن تتحول إلى مبدأ ثابت دائم، وكذلك العمل الدائم من اجلها. واعتبر الوحدة العربية "ضرورية" لحفظ كيان الشعوب العربية. وأنها "طبيعية" بالنسبة إلى حياة الأمة العربية وتاريخها الطويل. فلا شك أبدا في أنها ستتحقق يوما من الأيام، إن عاجلا أو آجلا[17]. وبالمقابل اعتبر الحدود بين الدول العربية بمثابة حدود "الحبس الانفرادي" و"الإقامة الجبرية" التي جرى فرضها على العرب في ظرف تاريخي طارئ[18]. وضمن هذا السياق يمكن تحسس وفهم نقده اللاذع والعميق تجاه تجربة "جامعة الدول العربية" في مرحلتها التأسيسية. إذ نراه ينتقد الأثر الذي تركته وتتركه البنية التقليدية على حياة وعمل جامعة الدول العربية كما هو الحال في مجرى تتبعه لأثر الخلافات التي استجدت بين السياسة الهاشمية والسعودية على بلبلة الأمور في جامعة الدول العربية[19].

إلا أن الصيغة الأكثر عمقا للخلل القائم في عمل جامعة الدول العربية نراها على مثال نقده لآراء عبد الرحمن عزام (أول رئيس لجامعة الدول العربية) الذي حاول تبرير فشل عملها عندما قال، بأن "الأمانة العامة للجامعة ما هي إلا مرآة الدول العربية. وفيها تنعكس أحوال البلاد العربية". وقد وجد الحصري في هذه الفكرة تبريرا سيئا لما جرى وما آلت إليه من نتائج. إذ اعتبر تشبيه الأمانة العامة بالمرآة بحد ذاته دليل على عدم إدراك خطورة مهمتها حق التقدير. فقد استلم عبد الرحمن عزام رئاسة الجامعة وهي لوحة ملساء، وأرض فضاء وكان بإمكانه رسم ما يريد. بينما أدت أعماله إلى تأسيس إدارة من أسوء الإدارات. إضافة لذلك أن جهوده تركزت على المسائل السياسية وحدها وأهمل الاقتصاد والقانون والثقافة. وأخيرا، أنه فهم السياسة على أنها خطب ولقاءات مرتجلة وليس علما يحتاج إلى بحث واستقصاء وتحليل واعتماد على وثائق، كما يقول الحصري[20].

ولم يقف الحصري عند حدود أو تخوم السياسة الفعلية والكفاءة الشخصية للنخب السياسية والحالة الواقعية للدول العربية آنذاك في مواقفها من الفكرة القومية ومبدأ العروبة، بل وحاول تجاوزها إلى المدى الفردي والاجتماعي للعالم العربي، أي إلى القوى الأكثر ديناميكية ومستقبلية. ومن الممكن العثور على ذلك في محاولاته إرجاع إشكالية الفكرة القومية العربية ومبدأ العروبة إلى قاع الضمير والوعي الفردي والاجتماعي. لهذا نراه يضعها على محك الاختبار العملي للأفراد والجماعات عبر إبراز طبيعتها الفعلية وكيفية حلها، كما هو جلي في إبراز الطابع المتناقض في قضية علاقة العربي بالعروبة، أي علاقته بفكرته القومية. فقد وجد فيها شيئا اقرب ما يكون إلى مفارقة غريبة، لكنها تحمل سمات الماضي، أي لها تاريخها الخاص. وحدد معالم هذه الظاهرة المفارقة في ما اسماه بمشكلة القومية عند العرب. بمعنى ضعفها أو فقدانها رغم تاريخهم العريق وكينونتهم الذاتية القوية. وصوّر هذه القضية المفارقة أو المشكلة القومية في حالة وجود عروبة عند العرب ولكنها إما جهالة (مجهولة وغير مدركة) وإما غافلة وإما فانية. من هنا استنتاجه القائل، بأنه "ليس بعربي من لا يريد أن يكون عربيا وما دام لا يعترف بعروبته أو يأنف منها"[21].

ذلك يعني، أن الحصري أراد أن يجعل من الانتماء القومي فعلا لا إلزام فيه لغير الاختيار الشخصي بوصفه اختبارا واعيا مبنيا على أساس اللغة والتاريخ، أي على أساس العناصر الثقافية الخالصة في وجود الأمم. من هنا محاولاته الحثيثة لنقد الحالة الفعلية للمشكلة القومية على مستوى الوعي الفردي والاجتماعي. وضمن هذا السياق يمكن فهم تشديده الخاص على ثنائية الخلاف المثيرة بين الخصال الفردية والاجتماعية عند العرب. إذ اعتبر العرب أقوياء من حيث الخصال الفردية، ضعفاء من حيث الخصال الاجتماعية[22]. ولا يعني تشديده على طبيعة الخلاف بينهما سوى محاولة تذليله. من هنا مطالبته بتدريس التاريخ العربي بالشكل الذي يحرره من اعتبارات الدين والدعاية، ويوظفه للمصلحة القومية فقط[23].

إننا نقف هنا أمام دورة جديدة للمفاهيم والقيم مهمتها تأسيس منظومة للرؤية القومية تجعل من العروبة مبدأها وغايتها، ومن اللغة العربية والتاريخ الذاتي عناصرها الجوهرية. وتنفيذ ذلك عبر تحقيقها في برامج التربية والتعليم وغرسها في الوعي والضمير. الأمر الذي جعل من تنظيره بهذا الصدد الصيغة الأولية للفكرة القومية الثقافية، وذلك لأنها سعت لتحقيق ما تصبو إليه عبر الفكرة التربوية. وهذا بدوره كان يحتوي على ما يمكن دعوته بالتنوير المنظومي الأول في تاريخ الفكرة القومية العربية من خلال إعلاء أولوية وجوهرية العلم في تأسيسها النظري وتطبيقها العملي.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص8.

[2] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص55.

[3] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص 10-120.

[4] ساطع الحصري: حول الوحدة الثقافية العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985ص71-78.

[5] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص 102-103.

[6] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص104.

[7] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص100.

[8] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص108.

[9] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص100.

[10] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص105.

[11] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[12] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[13] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ،ص227.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص106.

[15] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص111.

[16] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص39-47.

[17] ساطع الحصري: حول الوحدة الثقافية العربية، ص67.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص7.

[19] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص51.

[20] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص69-73.

[21] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص77.

[22] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص86.

[23] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص88.

 

 

علي القاسميأصناف الحبّ في الثقافة العربيّة:

أفترض أنّ الحبّ هو عبارة عن مستوى سامٍ من العلاقة بين الذات والآخر تكون فيها الأفضليّة للآخر على الذات. وقد يختلف هذا الآخر من ثقافة لأخرى أو في داخل الثقافة الواحدة، فقد يكون إنساناً أو حيواناً أو وطناً أو إلهاً، وقد يكون كلّ ذاك في إحدى الثقافات أو بالنسبة لأحد الأفراد.

ومفهوم الحبّ في العقل العربيّ، مفهوم مُعقَّد، لتعدّد أنواع الحبّ ومذاهبه في ثقافتنا العربيّة. فهنالك ثلاثة أنواع رئيسة من الحبّ في الثقافة العربيّة منذ زمن بعيد، بحيث يتداخل بعضها ببعض في ذهن الفرد العربيّ لاشعوريّاً وتجعل من مفهومه للحبّ مفهوماً معقَّداً لا بسيطاً. وهذه الأنواع هي:

(1) الحب الإلهي:

في هذا النوع من الحبّ يحلّق العاشق في عوالم نورانيّة، حيث الينابيع الروحيّة الثرّة والفيض الربانيّ الغامر، وتنتشي روحه بنفحات إلهيّة، وتختلج نفسه بأقباس عُلويّة، ويهيم بجمال الخالق المتجلِّي في الكون والطبيعة والوجود وجميع المخلوقات، فيفيض وجدانه بترانيم الحبّ والطهر، وتذرف عيناه دموع الشوق واللوعة والخشوع.

وقد عرف العرب العاربة هذا الحب الصوفيّ منذ عهد سيدنا إبراهيم الخليل وابنه الذي قبِل عن طوع أن يضحِّي بنفسه حبّاً بالله وطاعة له. هذا النوع من الحبّ هو الذي جعل القطب الصوفيّ محي الدين بن عربيّ يقول:

أدينُ بدينِ الحبّ أنّى توجهتْ  ...   ركائبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني

(2) الحبّ العُذْريّ:

في الصحراء العربيّة ذات الرمال الذهبيّة النقيّة المترامية تحت السماء الصافية الأديم الرائعة الزرقة، يترعرع الحبّ طاهراً كالغيث، شفافاً كالنسيم، دافئاً كالنور؛ زاخراً بالمشاعر النبيلة، والعاطفة المشبوبة الثرّة الزكية، متقيَّداً بأخلاق الفروسية وتقاليدها في العِفّة والوفاء والإخلاص. وتمتزج في هذا النوع من الحبّ قوة المشاعر برفعة العقيدة وسمو الخُلق، فتتفجر قريحة العاشق بالغزل العفيف واللفظ اللطيف. وليس بين العاشق وحبيبته إلا المحبّة الصافية والعاطفة الصادقة، فيمضّه الشوق، ويشفّه التبريح، ويتيّمه الهوى، ويُضنيه الحرمان، فيذوب صبابة ووجداً، ولكنّه يظلّ متعففاً عزّة وإباء، ويبقى حريصاً على كرامة محبوبته وسمعتها، ليس بينهما سوى المُنى والأمل والرجاء، فلا من لمسة ولا من قبلة ولا من اتصال، بحيث لو اطَّلع واشٍ عليهما في خلوتهما لما استطاع أن يؤاخذهما على شيء، كما قال جميل بن معمر العُذريّ، الملقَّب بجميل بثينة، نسبة إلى اسم محبوبته:

وإنّي لأرضى منْ بثينةَ بالـذي  ...      لو أبصرهُ الواشي لقرّتْ بلابلُهْ

بلا، وبألا أســــتطيع، وبالمُنــى   ...   وبالأملِ المرجوِ، قد خابَ آملُهْ

وبالنظرةِ العَجلى وبالحولِ ينقضي  ...   أواخـرُهُ، لا نلتقي، وأوائـلُه

(3) الحبّ الجسديّ:

العربيّ ذواقة للجمال الأنثويّ، تَعشَّقَه منذ القديم حتّى إنّه عبدَ عشتار، إلهة الجمال عند السومريّين، وعبدَ اللاة ومناة والعزى. وفي هذا النوع من الحبّ، يُفتَن العاشق بجسم محبوبته الغضّ بجميع تفاصيله: بوجهها المشرق كالصبح، وشعرها الأسود الفاحم كالليل، وجبينها الناصع كالبدر، وعينيها الواسعتين الكحيلتين، وجيدها الذي يضاهي جيد الغزالة، وصدرها الناهد النافر، ويدها البضّة، وبكلّ نبضة من نبضات قلبها، وكلّ رفّة من رفات أجفانها الهدباء، وكلّ رعشة من رعشات شفتيها المكتنزتَين. وقد عرف الشعر العربيّ هذا اللون من الحبّ منذ أقدم العصور، فقد وصف لنا أمير الشعراء في العصر الجاهلي، امرؤ القيس، بعض مغامراته الجنسيّة في معلقته الشهيرة التي ورد فيها:

ومثلـكِ حُبلى قد طرقتُ ومُرضعٍ    ...    فألهيتُها عن ذي تمائمَ محولِ

إذا ما بكى من خلفها انصرفت لهُ   ...    بشِـقٍّ وتحتي شقُّها لم يُحوَّلِ

ونجد هذا اللون من الحبّ في جميع عصور الشعر العربيّ: في شعر عمر بن أبي ربيعة في العصر الأمويّ، وفي شعر أبي نواس ودوقلة المنبجيّ في العصر العباسيّ، وهكذا دواليك.

ومفهوم الحبّ في العقل العربيّ يمتح من هذه الأنواع الثلاثة، وتمتزج فيه خصائصها وسماتها الذاتيّة والعرضيّة المتعددة. ومن هنا أصبح مفهوم الحبّ مفهوماً مُعقَّداً لا بسيطاً. ومما يزيده تعقيداً اتساع شبكة العلاقات التي تربطه مع مفاهيم أخرى، كالفراق، والشوق، والحنين، والدلال، والصدّ، والهجر، واللقاء، والوصل، الخ.

فضل الحبّ:

والحبّ هو أنبل العواطف الإنسانية وأسماها، فهو يثير زوبعة من الانفعالات والأحاسيس البشرية المتنوّعة، من أملٍ، ورجاء، وفخر، ورضاً، وغضب، وغِيرة، وحنان. ولهذا أكثر العربُ من الترحال في آفاقه وأرجائه، والتجوال في بساتينه وجناته، والبحث في كينونته وماهيته وطرائقه ووسائله وكلِّ ما يتعلَّق به. فتصدَّى عدد من الفقهاء والأدباء والعلماء إلى الكتابة عنه من أمثال أبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي (ت 327 هـ) في كتابه (اعتلال القلوب في أخبار العشاق والمحبين)، وأبي بكر محمد بن أحمد الأصبهاني (ت 355 هـ) في كتابه (الزهرة)، وعلي بن محمد الديلمي (ت 385 هـ) في كتابه (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف)، والإمام ابن حزم (ت 456هـ) في كتابه (طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف)، ، والإمام أبي الفرج عبد الرحمان بن عليّ بن الجوزيّ (ت597 هـ) في كتابه (ذمّ الهوى)، والشاعر الأندلسيّ عليّ بن سعيد المعروف بابن حمامة (ت 604 هـ) في كتابه (نفائس الأعلاق في مآثر العشّاق)، والإمام ابن قَيْم الجَوزيّة (ت 751 هـ) في (روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين)، ولسان الدين ابن الخطيب (ت 776 هـ) في كتابه (روضة التعريف بالحبّ الشريف)، والطبيب الضرير داود الأنطاكيّ (1008هـ) في كتابه (تزيين الأسواق في أخبار العشاق)، وغيرهم كثير.

وفي فضل الحبّ، تروي لنا كتب التراث العربيّ أنّ أحد الحكماء قال لتلاميذه:

" لقد نلتم من الحكمة والأدب الشيء الكثير، فهل فيكم مَن عشق؟" قالوا: "لا"، قال: " اعشقوا فإنّ العشق يُطلق لسان العييّ، ويفتح قلبَ الغبيّ، ويحثُّ على أفخر المكاسب والمطالب، ويدعو إلى مصافاة الكرام. وإياكم ومباشرة الحرام."

تعريف الحبّ؟

على الرغم من كَثرة ما كُتب عن الحبّ في الثقافة العربيّة، فإنّ العربيّ لا يستطيع أن يصف الحبّ أو يعرّفه أو يحدّده، لأنّه مفهوم معقّد كما أسلفنا، أو لأنّه ذو مراتب متعدِّدة ودرجات متفاوتة. ولهذا نجد البهاء زهير يقول:

يقولُ أناسٌ: لـــــــو وصفتَ لنا الهوى

فوا اللهِ، ما أدري الهوى كيفَ يُوصَفُ!

ولعلَّ عجزَ أهل الفكر عن تعريف الحبّ وتحديده ناتجٌ من كونه عاطفة يدركها الإنسان في الأعماق، وليس شيئا محسوساً ملموساً يستطيع أن يُخضِعه لحواسه الخمس. إنّه شيء يشعر به حين يسري في كيانه وقلبه ومهجته، شيء كالكهرباء كما يقول شاعر عسكري مصريّ لُقب برب السيف والقلم هو محمود سامي البارودي (1839 ـ 1904م) الذي عاش في عصر اختراع الكهرباء ودخولها مصر:

الحبُّ معنىً لا يُحيطُ بسرّه  ...      وصفٌ ولا يجري عليهِ مثالُ

كالكهرباءةِ دَرْكُـها مُتَعذّرٌ   ...          ونسـيمُها مُتحــدّرٌ سـيّالُ

وذهبَ بعضهم في وصف الحبِّ إلى تشبيهه بمسحوق خفيّ يُذَرّ في القلب فيبلغ مفعوله ما لا يبلغه شراب، ولا حزن، ولا سرور:

تغلغل حبُّ عثمةَ في فؤادي  ...    فباديهِ معَ الخافي يَســيرُ

تغلغل حيثُ لم يبلغْ شـرابٌ     ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ

صدعتِ القلبَ ثم ذررتِ فيهِ   ... هواكِ، فليمَ فالتأمَ الفطورُ

وذهبَ بعضهم الآخر إلى تشبيه الحبّ بالسحر، مع فارق واحد هو أنّ السحر قد يُتوقَّى بتميمة أو يُبطَل مفعوله برُقية، على حين أنّ الحبّ لا تنفع معه تميمة ولا رقية، كما قال ذو الرمَّة (77 ـ 117 هـ) ، وهو شاعر بدوي عاش في العصر الأموي واشتهر بحبّ مَية:

هو السحرُ إلا أنَّ للسحرِ رقيةً  ...     وإنيَ لا ألقى من الحبِّ راقيا

ورأى بعضهم أنَّ الحبّ داء من الأدواء ومرض من الأمراض، إلا أنّ الفرق بين الداء والحبّ يكمن في أنَّ " لكلّ داءٍ دواء، عرفه مَن عرفه وجهله مَن جهله"، كما قال الرسول (ص)، على حين أنّ الحب داء لا دواء له، كما استنتج  الشاعر العذري عروة بن حزام (ت 30 هـ) الذي قتله عشق عفراء،  بعد أن لجأ إلى عرّافَين (طبيبَين)، أحدهما في اليمامة والآخر في نجد، لمداواته مما به من وَلَهٍ ووجْد، وهو مستعدّ لبذل ما يستلزم العلاج من نفقات وأموال، فجرّبا جميع الأدوية ومختلف الوسائل، بلا جدوى، حتى اعترفا بإخفاقهما:

جعلتُ لعرّافِ اليمامةِ حكمَهُ  ...    وعرّافِ نجدٍ، إنْ هما شفياني

فما تـركا من حيلةٍ يعرفانها   ...        ولا شربةٍ إلا وقد سـقيانـي

وقالا: شفاكَ اللهُ، واللهِ ما لنا  ...     بما ضمنتْ منكَ الضلوعِ يدانِ

بدايات الحبِّ:

كيف يبدأ الحب؟

يرى بعضهم أنّ القلب يعلّق من نظرة واحدة. وقد لخّص أمير الشعراء، أحمد شوقي، خطوات الحبّ ببيتٍ واحد:

نظرةٌ، فابتسامةٌ، فسلامٌ،  ...    فكلامٌ، فموعدٌ، فلقاءُ

ويؤيِّد هذا الرأيَ القولُ المأثور: " ربَّ صبابة غُرست من لحظة، وربَّ حربٍ جُنيت من لفظة".

ومن العشّاق الذين خطف قلوبَهم الحبُّ من نظرة واحدة الشاعر العاشق العبّاس بن الأحنف (ت حوالي 190 هـ)، الذي تصفه بعض المصادر بأنّه شاعر الخليفة العباسي هارون الرشيد ببغداد:

فيا لكِ نظرةٍ أودتْ بقلبي  ...   وخلّفَ سهمُها جسمي جريحا

وفي مقابل هذا الرأي، نجد رأياً آخر مفاده أنّ القلب يحتاج لوقت طويل قبل أن يعلَق بإنسان ويتولّه به. فالإمام ابن حزم يقول في كتابه (طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف):

"وأنّي لأطيل العجب من كلّ مَن يدّعي أنّه يحبّ من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدّقه، ولا أجعل حبَّه إلا ضرباً من الشهوة. وما لصق بأحشائي حبٌّ قطّ إلا مع الزمن الطويل، وبعد ملازمة الشخص لي دهراً، وأخذي معه في كلّ جدّ وهزل."

ولعلَّ الأمر يتوقَّف على نوع الحبّ وطبيعة الشخص، فهناك مَن هو مرهف الإحساس تأخذ لبه نظرةٌ واحدة ذات معنى، وهناك مَن يتّسم برجاحة العقل ويحتاج إلى وقت طويل لاختبار خصائص الآخر قبل التعلّق به.

وقد يبدأ الحبّ في الصغر وينمو ويكبُر كلّما كبر الشخص. فقيس وليلى التقيا صغيرين وهما يرعيان الأغنام:

تعلّقتُ ليلى وهي غـرُّ صغيرةُ         ولم يبدُ للأترابِ من ثـديها حجمُ

صغيرَين نرعى البَهمَ يا ليتَ أننا    إلى اليوم، لم نكبرْ ولم تكبرْ البَهمُ

ويبدو أن هذا النوع من الحبّ الذي يبدأ في الصغر، يزداد ويشتدّ كلّما كبر المتحابان، كما يقول المتنبي:

ولكنَّ حبّاً خامرَ النفسَ في الصِّبا   يزيد على مرِّ الزمان ويشتدُّ

وقد تبدأ المودة بخصام، ثمّ ينجذب المتخاصمان أحدهما إلى الآخر وينقلبان مُحبَّين. وهذا ما حصل لجميل وبثينة:

وأوّلُ ما قادَ المـودةَ بيننـا     ...    بوادي بغيضٍ، يا بثينُ، سبابُ

وقلنا لها قولاً، فجاءتْ بمثله  ...    لكلِّ كلامٍ، يا بثينُ، جــوابُ

ولكن هناك مَن يعتقد أن الحبّ لا يبدأ في هذه الدنيا وإنّما في عالم المُثُل والأرواح، ويستمر هذا النوع من الحبّ حتّى بعد الممات. وهذا ما أراد أن يقوله الشاعر العُذريّ قيس بن ذريح، عاشق لُبنى:

تعلّقَ روحي روحها قبل خلقنا ...    ومِن بعد ما كنّا نطافاً وفي المهدِ

فزاد كما زدنا فأصبحَ نامـيا    ...       وليسَ إذا متنا بمنصرمِ العهـدِ

ولكنـّه باقٍ على كلّ حـادثٍ     ...      وزائرنا في ظلمةِ القبرِ واللحدِ

سبب الحبّ وعلته:

ولعلَّ هذا يجرنا إلى البحث عن أسباب الحبّ؟ لماذا يحبُّ أحدنا شخصاً بالذات دون غيره؟

ألأنّه يراه جميلاً حَسَناً فينجذب إليه. ولكن العرب قالوا: " يا ربَّ مُستحسَنٍ ليس بالحَسَن!" فالحُسن ليس وحده الدافع إلى الحبّ. وثَمَّةَ مَن يقول إنّ الإنسان ينجذب إلى شخصٍ يختلف عنه في صفاته كما ينجذب القُطبان الموجب والسالب إلى بعضهما، وكأن الفرد يسعى إلى استكمال ما ينقصه.

ويبدو لنا أنّ العقل العربيّ يميل إلى قبول الفرضيّة المعاكسة القائلة إنّ الإنسان ينجذب إلى إنسان آخر يشابهه في صفاته ويشاركه اهتماماته، ومن هنا جاء المثل العربيّ " إن الطيور على أشكالها تقع ". ويميل إلى هذا الرأي إخوان الصفا، وهم جماعة فلسفيّة سريّة ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري ونشرت مؤلفاتها بعنوان " رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء" وأثّرت في مجرى الفكر العربيّ، فقد قالوا في فصل " ماهية علّة فنون المعشوقات":

" ولكن العِلَّة في ذلك هي الاتفاقات بين العاشق والمعشوق، وهي كثيرة لا يُحصي عددَها إلا اللهُ جلّ ثناؤه."

ولعلَّ في قولهم هذا إحالة جزئية إلى الحديث النبويَ الشريف: " الأرواح جنود مُجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف."

شدّة الحبّ:

العربيُّ وفيٌّ مخلص، فكلّما مرّ الزمانُ على المودَّة، نما الحبّ واشتدَّ أواره، فتُصبِح المَحبّة كبيرة لا يمكن قياس مقدارها، فهي أزيد من ذرات الرمل والحصى والتراب مجموعة، كما يقول لنا عمر بن أبي ربيعة:

ثم قالوا: تحبّها؟ قلتُ: بَهْراً  ...   عددَ الرملِ والحَصى والترابِ

يزداد الحبّ حتّى يجد المرء نفسه محاصراً بالحبّ من كلّ الجهات ولا مفرّ له منه، كما حصل للشاعر العباسيّ الضرير بشار بن برد:

عن يميني وعن شمالي وقُدّا      مي وخلفي الهوى، فأينَ أفرُّ؟!

ويذكِّر هذا الحصارُ بعضَهم بالحصار العسكريّ الذي يفرضه الجنود الغزاة المتناوبون على إحكامه، كما تراءى لقيس لُبنى:

غزتني جنودُ الحبِّ من كلِّ جانبٍ  ...   إذا حانَ من جُندٍ قفولٌ أتى جُندُ

وهكذا لا يجد العاشق راحة من هذا الحبّ المثابر الذي لا يتوانى ولا يفتر لحظة واحدة، وإنّما يزداد حرارةً ويتعاظم سعيراً، فيتمنّى الخلاص منه، على حد تعبير جميل بثينة:

عدمْتُكَ من حُبٍّ، أما منكَ راحةٌ  ...  وما بكَ عنِّي من توانٍ ولا فترِ؟

يجري هذا الحبُّ في عروق العاشق ومفاصله كدمه، ويستحوذ عليه بصورة تامّة، ويكون شغله الشاغل، كما يقول المتنبيّ:

جرى حبُّها مَجرى دمي في مفاصلي ...   فأصبحَ لي عن كلّ شغلٍ بها شُغلُ

وهكذا يظلّ العاشق مشغولاً في ذكرٍ دائمٍ للمحبوب، لا يرتوي من ذكره، يقتله الأسى ويحييه الأمل، ويعجب ممَّن يقول إنّه يذكر محبوبه، لأنّه لا ينساه فكيف يذكره؟ فهذا القطب الصوفيّ، أبو بكر الشبليّ (274 ـ 334هـ) ، الذي كان يلقّبه شيخُه الجنيد بـ " تاج الصوفيّة وريحانة المؤمنين"، فقد كان أمير دوماند في طبرستان، وترك عمله للتفرغ للعبادة:

شربتُ الحبَّ كأساً بعدَ كأسً  ...     فما نفدَ الشرابُ ولا رُويتُ

أموتُ إذا ذكرتُـكَ ثم أُحيى   ...        فكم أُحيى عليكَ وكم أموتُ

أموتُ أسىً وأُحيى بالأماني   ...      ولولا ما أُؤمِّلُ ما حييــتُ

عجبتُ لمن يقولُ ذكرتُ حبّي ...     وهل أنسى فأذكرُ مَن هويتُ؟

وهكذا يثبت الحبّ ويرسخ في القلب ويصبح جزءاً لا يتجزأ منه كما أنّ الأصابع جزء من الكفّ، على حدّ تشبيه مجنون ليلى:

لقدْ رسختْ في القلبِ منكِ محبّةٌ ...   كما رسختْ في الراحتين الأصابعُ

كتمان الحبّ:

من المفاهيم المتعلِّقة بمفهوم الحبّ في العقل العربيّ هو كتمانه، بحيث يبقى سرّاً لا يعلم به أحد. وهذا الكتمان يسري على الحبّ بمختلف أنواعه ومتباين حالاته.

فالمتصوِّفة العرب، مثلاً، يرون وجوب كتمان الحبّ الإلهيّ بحيث لا يُظهره الصوفيُّ للناس أبداً. ولا نعرف السبب الحقيقيّ لهذا الكتمان على وجه التحقيق والتوثيق: هل هو وسيلة لتأجيج الحبّ داخل النفس بحيث يزداد الوجد مع الكتمان حتّى يبلغ بالصوفيّ درجة الشهادة في سبيل الله؟ وهذا ما فهمته شخصياً من بيتيْن يرويان للشبليّ:

باحَ مجنونُ عامرٍ بـهواهُ    ...      وكـتمتُ الهوى فـمتُ بوجدي

فإذا في القـيامةِ نـودي: مَن ....      شهـيدُ الهوى؟ تقدّمتُ وحدي

فالبوح بالحبّ يخفِّف من لوعته. وفي هذين البيتيْن، يعدُّ الشبليُّ قيسَ بن الملوح مجنوناً من مجانين بني عامر، لأنّه لم يعرف كيف يتلذَّذ بالحبّ، ويزيد من سعير الوَجد في ذاته، فيبلغ أعلى مراتب الهيام. ونظراً لهذا الجهلُ أو الحمق أو الجنون، فإنه لم يكتم حبّه وإنّما باح به، فأفسد تلك المتعة الروحيّة السامية.

ومن ناحية أخرى، قد يكتم الصوفيّ حبّه الإلهي خوفاً من أن عامّة الناس لا تفهم هذا النوع من العبادة فيسيئون تفسير القصد، ويلحق بالصوفيّ أذى، بل قد يستحلّ الناسُ قتله. وهذا ما يمكن أن نستشفه من أبيات للقطب الصوفيّ السهروردي المقتول، الذي أدّت الوشايات به إلى أن يأمر السلطان صلاح الدين الأيوبيّ بقتله:

وا رحـمة للعاشقين تكـلّفوا   ...      سِترَ المحبَّةِ، والهوى فضّاحُ

بالسرّ إنْ باحوا تُباحُ دماؤهم ...        وكـذا دماءُ البائـحينَ تُباحُ

فكشفُ الكشفِ قد يؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه، فالشبليّ، مثلاً، كان يرى أنّ الحسين بن منصور الحلاج كشفَ السرَّ فلقي الموت، ولهذا كان يقول : " كنتُ أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً، إلا أنّه أظهر، وكتمتُ". ويقال إنّه عندما اعتُقل الحلاج، قال له الشبلى: " إنّ الله ائتمنك على سرٍ من أسراره فأذعتَه، فأذاقك طعم الحديد." أجاب الحلاج، مخاطباً ربّه:

تجاسرتُ فكاشفتـ            ـكَ لما غُلبَ الصبرُ

وما أحسنَ في مثلـ            ـكَ أنْ يُنتهكَ السترُ

وإنْ عنَفني الناسُ              ففي وجهكَ لي عذرُ

كأنَ البدرَ محتاجٌ                إلى وجهـكَ يا بـدرُ

أما في الحبّ العُذريّ، فإنّ الكتمان واجب محتّم، لأنّ تقاليد القبائل العربية تقضي ألّا تزوِّج ابنتها لرجل افتضح حبُّه لها، حتّى لو لم تبادله حبّاً بحبّ، بل يزوجونها لرجل آخر إثباتاً لبراءتها وعفّتها. وهذا ما حصل فعلاً لليلى العامرية، محبوبة المجنون، إذ زوّجها أهلُها لرجل آخر من غير عشيرتهم ليشهد بأنّها بِكر لم تُمسّ.

وحتّى في الحبِّ الجسدي، يعدّ الكتمان واجباً لئلا يُسئ العاشق إلى سمعة حبيبته، أو يعرِّض نفسه للثأر من قبل أهلها غسلاً للعار.

وأنتَ وأنا نعلم أنَّ كتمان الحبّ ليس بالأمر اليسير. فأنتَ وأنا في حاجة إلى صديق حميم نبثّه شجوننا ونقاسمه أحزاننا، ليخفِّف عنَّا لوعتنا وعناءنا، لأنّ كتمان الحبّ يزيد من الوجد ويفاقم الهيام. فالإنسان لا يستطيع كتم الحبّ، كما ذكرنا قبل قليل، وكما شرح ذلكَ، الشاعر جرير ببيتَين جميلَين:

ما كنتُ أولَ مشتاقٍ أخا طربٍ   ...     هاجت له غدواتُ البينِ أحزانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتّى تهيَّمني  ...       لا أسـتطيعُ لهذا الحبِّ كتمانا

نعم، لا بُدَّ من أن نُفضي بدخيلة أنفسنا وحقيقة مشاعرنا لصديق صدوق وفيٍّ ليخفف عنّا من ثقل السرّ الذي تنوء به أنفسنا. ولكنّ الخبرة علمتنا أنكَ إذا أنتَ لم تستطع كتمان سرّك، فإنّ غيرك أقلّ قدرةً على ذلك. ودلّت التجربة على أنَّ أيّ سرّ يتجاوز شخصَين ينتشر ويذيع. ولهذا فإنّ المحبَّين العربيَّين يتواصيان ويتعاهدان على كتمان حبِّهما. فهذا ابن الحدادية، وهو شاعر جاهلي من الصعاليك يوصي حبيبته أم مالك:

فلا يسمعنْ سرِّي وسرَّك ثالثٌ ...   ألا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنَين شائعُ

وهذا ابن الهبارية، وهو شاعر بغدادي عاش في القرن الخامس الهجري وكان مولعا بنظم أمّهات الكتب شعراً، فنظم كتاب " كليلة ودمنة" وكتاب " حي بن يقظان" شعراً، يكرِّر الوصية ذاتها على مسامع محبوبته:

فلا تجـعلي بيني وبينكِ ثالثاً ...    فكلُّ حديثٍ جاوز اثنين ذائعُ

ولهذا فإنّ العاشق العربيّ قد يستعمل وسائلَ تمويه لئلا يفتضح حبُّه ويشيع. فهو يبتعد، مثلاً، عن بيت المحبوبة مع أنّ قلبه مصلوبٌ على جدرانه، وذلك خوفاً من الوشاة والأعداء، كما أنّه يصدّ نظره عن جهة الحبيبة على الرغم من أنَّ كيانه كلَّه يميل إليها، كما أخبرنا الشاعر الأموي عبد الله الأنصاري الملقّب بالأحوص (ت 105 هـ)، لضيق في عينيه:

يا بيتَ عاتكة الذي أتعزّلُ   ...    حذرَ العِدى، وبهِ الفؤادُ موكَّلُ

إنّي لأمنحكَ الصدودَ وإنّني ...     قسماً، إليكَ مع الصدودِ لأمْيلُ

بل إنَّ المرأة توصي حبيبها أحياناً بأن ينظر إلى غيرها ليظنَّ مَن يراه أنّه يحبُّ تلك المرأة الأخرى، فهذه إحدى حبيبات عمر بن أبي ربيعة توصيه:

إذا جئتَ فامنحْ طرفَ عينِكَ غيرَنا  ...   لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيثُ تنظرُ

ولكن بالرغم من جميع وسائل التمويه والتضليل والمداورة التي يستخدمها العُشّاق، فإنَّ علامات الحبّ بيّنة واضحة فاضحة لا تفوت الوشاة المتربِّصين بالعشّاق، فهذا الشاعر على بن الحسن البغدادي (ت 465 هـ) الذي كان لقب أبيه (صرَّ بَعْر) ولكن نظام الملك استحسن شعره فلقّبه بـ (صرَّ دُرّ) يقول:

ولو أنّي أنادي: يا  سُليمى     لقالوا: ما أردتَ سوى لُبينا

ولذلك السبب فإنّ العشّاق العرب يؤكِّدون كتمانهم حبّهم طمأنةً للحبيبة وحرصاً على سمعتها. فهذا العباس بن الأحنف يقطع عهداً على نفسه:

لأخرجنَّ من الدنيا وحبّهمُ  ...   بينَ الجوانحِ لمْ يشعرْ بهِ أحدُ

وهذا جميل بثينة يبالغ في كتمان حبّه، فهو لا يكتمه عن غيره فحسب، وإنّما يكتمه عن نفسه وضميره كذلك، لو كان ذلك بالإمكان:

لو أن امرأّ أخفى الهوى عن ضميرهِ ...    لَمتُ ولمْ يعلمْ بذاكَ ضميرُ

ولكنْ سـألقى اللهَ والنفسُ لم تَبُــحْ    ...     بسرّكِ والمستخبرونَ كثيرُ

أعراض الحبّ وعلاماته:

إذا كان تعريف الحبّ وتحديده من الأمور الصعبة جداً، إنْ لم تكن مستحيلة، فكيف نعرف أنّ الإنسان قد أصيب بهذا المرض أو السحر أو الصعقة الكهربائية؟ ما هي العلامات أو الأعراض التي تنمّ عن الحبّ؟

تبيّن لنا النصوص الأدبيّة العربيّة التي بين أيدينا أنّ للحبّ علامات بادية على وجه العاشق لا تخطئُها العين كما يقول العباس بن الأحنف:

إنّ المحبّينَ قوم بين أعينِهم  ...    وسمٌ من الحبِّ لا يخفى على أحدِ

ويتطرق الحكيم الطبيب الضرير، داود الأنطاكي (ت 1008 هـ)، الملقب بالرئيس الضرير، لأنه كان رئيس الأطباء في زمانه، إلى علامات الحبّ في كتابه الشهير " تزيين الأشواق في أخبار العشّاق" فيقول عنها:

" هي أحوال يّتصف بها البدن كتغيُّر الألوان والعينين وتواتر النبض والخفقان، وربّما ازدادت هذه عند رؤية المحبوب أو سماع ذكره حتّى أنّها قد تقضي بالهلاك. وكذا اعتقال اللسان، وأحوال يتّصف بها الفكر كفساد الذهن والتعقُّل، وقد مرّ ذكرها. ثم هذه قد يُستدلّ عليها بالتطورّ والتنقُّل."

وهذه العلامات وتلك الأعراض تبدو بوضوح على العاشق حتّى إذا تمالك نفسه، وكتم حبَّه، وتسلّح بالصبر، وتحكّم في نفسه، فمنع الدمع من التحدّر على الخدين. ولهذا فإنّ المتنبيّ يُخطِرنا بهذه الوضعيّة العجيبة:

بادٍ هواكَ صبرتَ أمْ لمْ تصبرا ...   وبكاكَ إنْ لمْ يجرِ دمعُكَ أو جرى

وأوّل هذه العلامات أو الأعراض البادية للعين شحوبُ الوجه، وهزال الجسم، وظهور السقم على البدن، وكأن الحبّ ضيف يقتات على لحم العاشق ويرتوي من دمه، كما يقول ابن رشيق القيروانيّ، الشاعر الناقد الأديب اللغوي العروضيّ المؤرِّخ، الذي عاش في القيروان وصقلية في القرن الخامس الهجري:

وقائلةٍ: ماذا الشحوبُ وذا الضنى ؟ ...  فقلتُ لها قولَ المشوقِ المتيّمِ:

هواكِ أتاني، وهو ضيفٌ أعـزُّهُ  ...     فأطعمتُه لحمي وأسقيتُه دمي

ويؤكّد لنا هذه العلامة، أعني شحوب الوجه، عاشق آخر هو العُذري قيس بن ذريح متيّم لُبنى، ويزيد علها علامة أخرى هي ابتعاد العاشق عن الناس وتفضيله العزلة ليخلو بهمِّه ويتفرَّغ لهيامه المتواصل:

وللحبِّ آياتٌ تُبيّن بالــفتى:   ...    شحوبٌ وتعرى من يديه الأشاجعُ

وجانَبَ قربَ الناس يخلو بهمّه ...       وعـاودهُ فيها هيامٌ مُراجِـــعُ

أمّا هزال جسم العاشق ونحوله فهي علامة أخرى يؤكِّدها سريّ السقطيّ (ت حوالي 160 هـ)، وهو كبير متصوِّفة بغداد وخال الجنيد وشيخه، ويضيف إلى النحول علامة جديدة هي الذهول، أو شرود الذهن:

إذا ما شكوتُ الحبَّ قالتْ: كذبتني ...   فما لي أرى الأعضاءَ منكَ كواسيا

فلا حبَّ حتّى يلصقَ الجلدُ بالحشا  ...    وتذهل ُحتّى لا تجيب المناديــا

وقد يبلغ الذهول أو شرود الذهن حدّاً يتعذَّر معه على العاشق القيام بأقدس عباداته الدينيّة على الوجه الصحيح بمجرَّد ذكر الحبيبة، فينسى، مثلاً، عدد الركعات أثناء الصلاة، بل يصعب عليه حتّى التوجّه إلى القِبلة الصحيحة، كما حصل لمجنون ليلى:

أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتُها  ...    أثنتينِ صـلَّيتُ الضحى أمْ ثمانيا

أراني إذا صليتُ يمَّمتُ نحوَها  ...  بوجهي، وإنْ كان المُصلى ورائيا

وما بي إشراكٌ، ولكنَّ حبَّها  ...     كعودِ الشجا، أعيا الطبيبَ المداويا

وبلغ النسيان بمجنون ليلى مبلغه بحيث كان ينسى الحاجة المهمة التي من أجلها ذهب إلى منزل ليلى في ظلمة الليل:

فيا ليلُ، كمْ مِنْ حاجةٍ لي مهمةٍ  ...   إذا جئتُكم بالليلِ، لم أدرِ ما هيا

فإذا اشتدّ  الحبُّ، فإنه يستحوذ على جميع حواس الإنسان وأحاسيسه،  حتّى أنّه لا يرى ولا يسمع شيئاً آخر غير الحبّ والمحبوب، وهذا المعنى وجه من الوجوه التي يتضمنها الحديث الشريف: " حبُّك الشيءَ يعمي ويُصم." كما أنّ شرود الذهن يجعل من الصعب على العاشق التركيز أو فهم ما يُوجِّه إليه محدِّثُه من كلام، كما يخبرنا عروة بن حزام:

وقد تركتْني لا أعي لمُحدِّثٍ  ...    حديثاً وإنْ ناجيتُهُ ونجاني

إن شرود الذهن أو الذهول عَرَضٌ شائع بين المحبّين، فترى أحدهم شارد الذهن ساهياً، لا يُجيب مَن يناديه، ولا يسمع مَن يكلّمه، فتجده ساكتاً، كأن شيئاً يعقِل لسانه عن الكلام. وإذا تكلّم فألذّ كلامه الشكوى من الحبّ، كما يقول المتنبيّ:

الحبُّ ما منعَ الكلامَ الألسُنا ...      وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا

ومِن تلك العلامات أو الأعراض، الآهات والزفرات التي تعقبها دموع تترقرق في العينين عند أدنى إشارة تُذكِّر بالمحبوب. فالعاشق العُذريّ قيس بن ذريح يعرِّف الحبَّ لنا بأعراضه وعلاماته، وهي طريقة من طرائق التعريف في علم الدلالة وصناعة المعجم، فيقول:

هل الحبُّ إلا عبرةٌ بعد زفرةٍ  ...   وحَرٌّ على الأحشاءِ ليسَ لهُ بَردُ

وفيضُ دموعٍ تستهلُ إذا بـدا ...     لنا عَلَمٌ من أرضِكم لم يكُن يبـدُ

وهناك علامة أخرى يُعرَف بها العاشق وهي سرعة طربه لأدنى سبب. والطَّرب، في اللغة العربية، يعني الاهتزاز والاضطراب من فرح أو حزن. فالعاشق تُستثار عواطفه بأدنى الأسباب وأوهاها. فالموسيقى تثير شجنه، والغناء يبكيه، والشعر يشجيه، وهكذا. ويخبرنا أبو نواس، وهو من كبار الخبراء في الحبّ وشؤونه، بذلك:

حاملُ الهوى تَعِبُ  ...    يستخفّهُ الطربُ

إن بكى يحقُّ لـهُ    ...     ليسَ ما بهِ لَعِبُ

والسمة الرئيسة التي يشترك فيها جميع العشّاق هي البكاء. فهذا شيخ العشّاق، الشريف الرضي، تنفد الدموع من عينيه لكثرة ما أعان العشاق بدموعه، فيطلب من صاحبه معاونته في البكاء:

وابكِ عنّي فطالما كنتُ من قبـ      ــلُ أُعيرُ الدموعَ للعشّاقِ

وكلّما أراد العاشق أن يزجر نفسه عن البكاء الذي لا يليق بالرجل، هطلت دموعه بغزارة بغير إرادة منه، كما يقول لنا أحد شعراء العصر الأموي، الصمة القشيري (ت 95 هـ) في قصيدته العينية الخالدة:

بكتْ عيني اليسرى، فلمّا زجرتُها عن الجهلِ بعد الحِلم، أسبلتا معا

وقد يزداد بكاء العاشق ويتواصل حتّى تصاب عيناه بنوع من العمى فيبكي بعضه على بعضه، كما حصل للطبيب الشاعر الأندلسي، ابن زهر الإشبيلي (ت 557هـ) في أحد موشحاته الجميلة:

عشيتْ عيناي من طولِ البكا ...   وبكى بعضي على بعضي معي

ولا يستطيع أحد أن يمنع العاشق من البكاء، فقد تمكنوا من منع قيس بن الملوّح من رؤية ليلى العامريّة والتحدث معها، ولكنّهم لم يستطيعوا أن يمنعوه من قول الشعر والبكاء عليها:

فإنْ تمنعوا ليلى وحُسنَ حديثِها  ...    فلنْ تمنعوا عنّي البُكا

ويبدو أنّ البكاء يزداد شدَّة ً وسعيراً مع تمكُّن الحبّ من القلب، كما يحذرنا بشار بن برد:

بكيتَ من الهوى، وهواكَ طفلٌ  ...   فويلكَ ثمَّ ويلكَ حين شبّا

وحتّى إذا أراد العاشق أن يكتم حبَّه عن الآخرين ويُخفيه عن الأنظار فإن دموع الأشواق تفضحه. وفي هذا يقول الشاب الظريف (661 ـ 688 هـ) ابن الشاعر العفيف مخاطباً أحد رفاقه من العشاق بقوله:

لا تُخفِ ما صنعت بك الأشواقُ   ..   واشرحْ هواكَ فكلّنا عشـّاقُ

قدْ كانَ يخفى الحبّ لولا دمعُكَ الـ      ـجاري ولولا قلبُكَ الخفّاقُ

فعسى يُعينكَ مَن شكوتَ له الهوى ...    في حَملهِ، فالعاشقونَ رفاقُ

لا تجزَعنَّ، فلسـتَ أوّلَ مُغـرمٍ  ...        فتكتْ بهِ الوجناتُ والأحداقُ

وحتّى أولئك القادة الشجعان الذين لا يليق بهم ذرف الدموع أمام أتباعهم، فإنّهم يذرفون الدمع سخيناً في خلوتهم ليلاً. فهذا الأمير أبو فراس الحمداني قائد الجيش الذي أبلى بلاء حسناً في محاربة الروم، يعترف بأنّه كان يبكي عندما يخلو بنفسه ليلاً:

أراكَ عصي الدمع شيمتك الصبرُ ...    أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعــةٌ    ...     ولكنَّ مثلي لا يُذاعُ لهُ سـرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ...   وأذللتُ دمعاً من خلائقِهِ الكِبْرُ

دلال المحبوب وصدّه وهجره:

الدلال، لغة، يعني مخالفة الفتاة للحبيب، وتجرؤها عليه بلطف، وتمنُّعها. ولنضرب بعض الأمثلة على تدلُّل الفتاة العربيّة، وهي أمثلة مستقاة من أشعار عدد من العشّاق المشاهير.

فصاحبة امرؤ القيس تتظاهر بعدم تصديق كلامه، وتوجّه إليه أسئلة تهكمية لتسخر منه:

إذا قلتُ: يا لمياءُ، حبُّكِ قاتلي        تقولُ: وكمْ مِنْ عاشقٍ قتلَ الحبُّ؟

وترفض بثينةُ جميل طلباته بعناد وتنصرف دون أن تأبه له:

إذا قلتُ: ما بي، يا بثينةُ، قاتــلي   ...    مِن الحبِّ، قالتْ: ثابتٌ ويزيدُ

وإنْ قلتُ: ردّي بعضَ عقلي أعش بهِ ...   تولتْ وقالت: ذاكَ منكَ بعيد

فلا أنا مردودٌ بما جـئتُ طالـبـاً   ...       ولا حبُّها، فيما يبيدُ، يبيــدُ

ومحبوبة الأمير الشاعر أبي فراس الحمداني، تنكره وهي تعرفه وتتجاهله بتعنُّت، وهو رجل طبّقت شهرتُه الآفاق ويعرفه القاصي والداني:

تسائلُني: مَن أنتَ؟ وهي عليمةٌ ...    وهل بـفتىً مثلي على حالِهِ نُكرُ؟

فقلتُ لها: لو شئتِ لم تتعـنتي ...      ولمْ تسألي عنّي، وعندكِ بي خُبرُ

فقالتْ: لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدَنا  ...   فقلتُ: معاذَ اللهِ، بل أنتِ لا الدهرُ

هذه أمثلة على دلال الفتاة العربيّة، ومخالفتها للمحبوب، وتجرؤها عليه بلطف، وتمنُّعها. ولعلّ هذا الدلال ناتج عن عزّة نفسها، أو عن يقينها أنّ الدلال جزء من لعبة الحبّ، تزيد المحبّ تعلّقاً بالحبيبة، وتجعله يجري وراءها، طبقاً لقاعدة " كلُّ ممنوع متبوع" التي يشرحها الشاعر الأحوص ببيت من الشعر:

وزادني كلفاً في الحبِّ أنْ مُنعتْ ...  أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنعا

ويفسّر امرؤ القيس دلال حبيبته بغرورها الناتج من تمكّن حبّها من قلبه:

أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدلُّل ...    وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأجملي

أغرَّكِ منّي أنَّ حـبّك قاتلي   ...    وأنـَّكِ مـهما تأمري القلـبَ يفعلِ؟

فالحبيب يعرف ما له من مكانةٍ مكينةٍ في قلب المحبّ، ويعلم أنّ دلاله لا ينال من هذه المكانة، بل قد يزيدها سموّاً وثباتاً، فيتدلّل أكثر وأكثر، كما يقول البهاء زهير:

عرفَ الحبيبُ مكانهُ فتدلّلا   ...     وقنعتُ منهُ بموعدٍ فتعلَّلا

وكثير من العشّاق يستلذون دلال المحبوب، كما هو حال المتنبي القائل:

وأرى تدلّلكِ الكثيرَ محبَّباً   ...  وأرى قليلَ تدلُّلٍ مملولا

وهذا الدلال هو الذي يمنع الفتاة من الاستجابة إلى رغبات الحبيب وطلباته، كما يفسّر لنا الأمر شيخ العشّاق الشريف الرضي، في حوار جميل تعدّد المحاورون فيه وتكاثروا وتباينوا واختلفوا، فضاع المطلوب في وسط هذه الضجة :

هيفاءُ إنْ قالَ الشبابُ لها: انهضي ...  قالتْ روادفُها: اقعدي وتمهَّلي

وإذا سألتُ الوصلَ، قال جمالُهـا:   ... جودي، وقالَ دلالُها: لا تفعلي

ويفعل العاشق كلَّ ما في وسعه لإرضاء الحبيبة، فلا يصل مبتغاه. يمحضها خالص الود ليتقرّب إليها ويقترب منها، ولكنّها تبتعد عنه، فيصرخ كما صرخ بشار بن بُرد، الذي قتله الخليفة العباسي المهدي لوشايةٍ:

هل تعلمينَ وراءَ الحبِّ منزلةً  ...    تُدني إليكِ؟ فإنَّ الحبَّ أقصاني

وتتقد عاطفةُ العاشق حتّى ينقدح منها الشعر فيقول أجمله وأطوله في صدق محبّته ولهفته إرضاءً لحبيبته، ولكنّها تتمادى في دلالها ولا تُعيره بالاً، كما كان حال جميل بثينة:

وقد قلتُ في حبّي لكم وصبابتي ...    محاســنَ شعرٍ ذِكرهنَّ يطولُ

فإنْ لم ينلْ قولي رضاكِ فعلّمي ...   هبوبَ الصَّبا، يا بثنُ، كيفَ أقولُ

وتتمادى الحبيبة في دلالها فتأتي بطلبات غير معقولة وتضع شروطاً غير منطقية، فيقبل العاشق بما تفرضه عليه، ويصدع لما تأمر به، ويفعل كما تشاء. فهذا الأمير أبو فراس الحمداني أجاب حبيبته بما يُرضي غرورها عندما سألته أن يعرّفها بنفسه، ولكنها تمادت في دلالها بما يثير غيرته:

فقلتُ، كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى:   ...   قتيلُكِ، قالتْ: أيُّهم؟ فهمُ كُثرُ

وهذا المؤمّل المحاربيّ (ت 190 هـ)، يقبل بقلب الحقائق وتبادل الأدوار، فيعتذر عندما تُخطئ الحبيبة ويعودها عندما يمرض هو:

إذا مرضنا أتيناكم نزوركمُ  ...   وتذنبون فنأتيكم فنعتذرُ

ويلخِّص لنا العباس بن الأحنف تجربته في العشق ويقدّمها نصيحة بالمجّان لكل من يريد الدخول في تجربة الحب، غير المأمونة المخاطر:

تحمّلْ عظيمَ الذنبِ ممَّن تحبُهُ   ...    وإنْ كنتَ مظلوماً فقلْ: أنا ظالمُ

ولكن قوة احتمال العباس بن الأحنف نفسه تتردّى بفعل ما يعانيه من مذلّة، فيتمنّى لو أنّه لم يُخلق بتاتاً، ولم يوجد الحبُّ مطلقاً:

أباحَ حمى قلبي الهوى فأذلَّهُ ...   ألا ليتَ لم أُخلَقْ ولمْ يُخلقِ الحبُّ

فالعربيّ تتنازعه عاطفتان قويتان: كرامتُه وحبُّه، وهما أحياناً على طرفَي نقيض، فالحبّ والذلّ صنوان، والهوى والهوان من أصل لغوي واحد، كما يخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:

نونُ الهوانِ من الهوى مسروقةٌ ...   فإذا هويتَ فقد لقيتَ هوانا

وقد أكَّد لنا أبو فراس الحمداني أنّ عذاب الصدّ والهجر يستنفد صبر الإنسان وينال من عزّة نفسه ويجرح كرامته، ويؤدّي، لا محالة، إلى شعوره بالذلّ والهوان:

وتهلكُ بينَ الهزلِ والجدِّ مهجةٌ  ...   إذا ما عداها البينُ عذّبها الهجرُ

فأيقنتُ أنْ لا عزَّ بعدي لعاشقٍ   ...   وأنَّ يدي مما علقتُ به صفـرُ

وقد تأكَّد للباحثين أن الهوى يجلب الذل والهوان للعاشق مهما كانت مكانته، كما هو واضح من بيتٍ من الشعر ينسبه بعضهم إلى راوية الشعر عبد الملك بن قريب الأصمعي (121 ـ 216 هـ) المتهم بتزيّده فيما يروي:

مساكينُ أهلُ العشقِ حتّى قبورهم  ...   عليها ترابُ الذلِّ بينَ المقابرِ

وعلى الرغم من خضوع العاشق ومذلّته، فإنّ دلال الحبيب وممانعته ورفضه قد تتحوّل في ظروف معينة إلى صدّ وهجر، ولا يبقى للعاشق سوى الشكوى، كما اشتكى البحتريّ:

لجَّ هذا الحبيبُ في هجرانِه  ...     ومضى والصدودُ أكبرُ شانِه

ويضيق الحبيب بصدود المحبوب، ويؤلمه الهجر، ويحرق كبده، ويسلب لبَّه، كما يؤكِّد لنا ذلك فتى مخزوم اللعوب عمر بن أبي ربيعة، مُردفاً تأكيده بالقَسَم بكتاب الله:

مَن رسولي إلى الثريا فإنّي   ...     ضقتُ ذرعاً بهجرها، والكتابِ

سلبتني مَجّاجةُ المسكِ عقلي  ...     فسلوها: ماذا أحلَّ اغتصابي؟

وعندما يشكو العاشق الصدّ والجفاء والهجران تأتيه النصيحة جاهزة من العشّاق المُجرِّبين:

إنْ شكوتَ الهوى فما أنتَ منّا  ...    احمل الصدّ والجفا، يا مُعَنَّى!

وينصحونه بالصبر على صدود الحبيب، ويمنّونه بالوصال بعد الهجر، فطباع الإنسان تتغيَّر بتغيُّر الظروف والأحوال:

واصبرْ على هجرِ الحبيبِ فربّما  ...     عادَ الوصالُ، وللهوى أخلاقُ

ويصبر العاشق المسكين، ويصبر حتّى ينفذ صبره، ويمضُّ في نفسه الشعور بالمذلّة، فيُصاب بالاكتئاب، ويودي سهد الليالي بصحته، فيلجأ إلى الطبيب، لعلّ الطبّ يفيده. ولكنّ الطبيب يؤكِّد له أنّ الحبّ داء لا ينفع معه دواء، كما حصل لعلي بن الجهم:

وقلتُ: أيا طبيبُ! الهجرُ دائي ... وقلبي، يا طبيبُ! هو الكئيبُ

فحرّك رأسَـــهُ عجباً لقولــي    ...  وقال: الحبُّ ليسَ لهُ طبيـبُ

وإذا كان الحبّ لا ينفع معه طبّ، فإنّه لا ينفع معه سحر كذلك. فلا توجد تميمة ولا رقية تقي من الحبّ، كما تقول الشاعرة الأندلسية الحسناء المترفة زينت بنت فروة المريّة  التي ولدت في أسرة عربية مترفة في مدينة المرية الإندلسية،  بعد أن وقعت في حبّ ابن عم لها يُقال له المغيرة:

ولو أنَّ أهلي يعلمونَ تميمةً   ...  من الحبّ تُشفي، قلَّدوني التمائما

إن العشّاق العرب يعرفون جيداً أنَّ الطبَّ لا يُجدي، وأنَّ دواء الحبِّ الوحيد هو الوصال، كما يقول ابن زيدون:

لو شئتِ ما عذّبتِ مهجةَ عاشقٍ ...    مُسـتعذِبٍ في حبّكِ التعـذيبا

ولزرتهِ بل عدتهِ، إنَّ الــهوى ...     مرضٌ يكونُ لهُ الوصالُ طبيبا

أشواق العشّاق:

تُعرِّف المعاجمُ العربيّة الشوقَ بأنّه تحرّك النفس ونزوعها إلى شيء أو أمر ما. ولكنّ العشّاق العرب، الذين كابدوا الأشواق، يصِفون الشوق لنا بشكل آخر. فهو، بالنسبة إليهم، ألمٌ ممضّ يعبث بالقلب ويبعث الدمع في الآماق، كما يقول ابن بقي الأندلسيّ (465 ـ 545 هـ) في أحد موشحاته الجميلة:

عبثَ الشوقُ بقلبي فاشتكى      ألمَ الوجدِ فلبّتْ أدمعي

ويصف بعضُهم الآخر الشوقَ بأنّه نار موقدة كحمم البركان تأتي على مهجة الإنسان، حتّى يكاد لهيبها يضيء الكون كلَّه، أو كما قال الشاعر العاشق العبّاس بن الأحنف:

لو لم يكُن قمرٌ إذا ما زرتكم       يهـدي إلى نهجِ الطريقِ الواضحِ

لتوقّدَ الشوقُ المُبرُّ بمهـجتي      حتّى تضيء الأرض بين جوانحي

ووصفه حدّاد يتعاطى الشِّعر لُقِّب بالأخفش الحدّاد بأنّه مطارق ثقيلة تهوى على سندان القلب فتسحق حشا الإنسان سحقاً بعد أن أحرقته نار الهوى وبَرَده مبرد الحبّ:

مطارق الشوق منها في الحشا أثرُ     يطرقن سندانَ قلبٍ حشوه الفكرُ

ونارُ كورِ الهوى في الجسم موقدةً     ومبردُ الحبِّ لا يُبقي ولا يذرُ

ويؤيِّد مغني وموسيقي المدينة طويس (ت 92 هـ) هذا الرأي في بيت كان  يردده كثيراً حتى لُقِّب بالذائب:

قد براني الشــوقُ حتّى         كدتُ من وجدي أذوبُ

وعجز العبّاس بن الأحنف ذات مرَّة عن وصف الشوق فشبَّهه بالعطش الذي يعانيه إنسان لا يصيب قطرة ماء تُشفي غليله، فقال:

وأشـتاقُ فلا يـعلمُ         إلا اللهُ مـا ألـقى

ألا مَن يرحمُ الظمآنَ     يَستسقي ولا يُسقى

مَن يعرف الشوق؟

قلنا إنّ المعجميّين العرب لم يعرّفوا لنا الشوق بصورة شافية، ولا يعرف حقيقة الشوق إلا من يكابده، كما يخبرنا شاعر غير معروف اسمه الأبله البغدادي ولكنه ترك لنا بيتاً مشهوراً:

لا يعرفُ الشوقَ إلا مَن يكابدُهُ     ولا الصبابةَ إلا مَن يعانيها

وينهانا المتنبّيّ عن عذل المشتاق ما لم نجرّب إحساسه بالحرقة ومعاناته وشعوره باللهب الذي يضطرم في أعماقه:

لا تعذلِ المشتاقَ في أشواقِهِ    حتّى يكونَ حشاكَ في أحشائِهِ

أسباب الشوق:

هنالك عوامل عديدة تؤجِّج الشوق في نفس العاشق، في مقدِّمتها فراق المحبوب والابتعاد عن دياره. فكلَّما اتسعت الشقَّة بينهما وطال الفراق، اضطرم الشوق وتطاير شرره. فالشاعر سحيم عبدُ بني الحسّاس يستغرب اشتعال الشوق في نفسه منذ الليلة الأولى من ليالي السفر، ويتساءل عمَّ سيصيبه من الشوق إذا مرت عشرة أيام على الفراق:

أشوقاً ولمّا يَمضِ لي غيرُ ليلةً  ...   فكيفَ إذا خبَّ المطيُّ بنا عشرا؟

أما أمير العشاق العذريين، مجنون ليلى، فإنّه لا يتصوَّر مرور عشرة أيام على فراق المحبوبة، ويحسب أنّ ثمانية أيام من الشوق كافية لذهاب عقله أو قتله:

أشوقاً ولمّا تمضِ لي غيرُ ليلةٍ    رويدَ الهوى حتّى يغبَّ ثمانيا؟

وعلى الرغم من أنَّ أغلبية العشّاق متفقين على أنَّ البُعد والفراق يضرمان نار الشوق، فإنّ بعضهم كان يظنّ ذلك؛ ولكنّه اكتشف أنَّه يشتاق إلى الحبيب كذلك حتّى إذا كان بالقرب منه:

لئن كُنتَ أخليتَ المكانَ الذي أرى  ...    فهيهاتِ أنْ يخلو مكانكَ مِن قلبي

وكنتُ أظنُّ الشــوقَ للبُعدِ وحدَه    ...     ولم أدرِ أنَّ الشوقَ للبُعدِ والقربِ

وهكذا اتضح له أنّ الشوق لا علاقة له بالبعد والفراق، لأنّ الشوق صنو الحبَ، فما دمتَ مُحباً فأنتَ مشوق، سواء اقتربت من المحبوب أم ابتعدت عنه، وسواء حضر المحبوب أم غاب، كما تأكَّد للشريف الرضي:

أشتاقُهم إنْ دنوا منّي وإنْ بعدوا  ...   وإنْ أقاموا وإنْ غابوا وإنْ حضروا

ويبالغ عاشق آخر هو ابن الرومي في أشواقه فيخبرنا أنّه يشتاق إلى الحبيبة حتّى إن كانت بين أحضانه وملك يديه، ويصل إلى نتيجة خطيرة مفادها أنّه لا نهاية لأشواقه ما لم تمتزج روحه بروح الحبيبة، كما تمتزج الخمرة بالماء، ويغدوان روحاً واحدة:

أعانقها والنفسُ بعدُ مشـوقةٌ  ...        إليها، وهلْ بعدَ العناقِ تدانِ؟

وألثمُ فاهاً كَيْ تزولَ صبابتي   ...       فيشتدُّ ما ألقى مِن الهـيمانِ

ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الهوى ...     لتُشفيهِ ما ترشفُ الشفتانِ

كأنَّ فؤادي ليسَ يَشفي غليلهُ   ...     سوى أنْ يرى الروحَين يمتزجانِ

ويبدو أنَّ بعض الظواهر الطبيعيّة مِن آثار وأصوات وأنوار وغيرها قد تثير الشوق في نفس العاشق. ونستطيع تفسير علاقة هذه الظواهر بالحبّ أو المحبوب ولا نستطيع أن نجد صلة بين بعضها الآخر وبين الحب أو المحبوب. ومن هذه الظواهر رؤية ديار المحبوب أو أطلالها. فعندما وفد الصوفيّ الكبير أبو بكر الشبليّ إلى الكعبة المشرَّفة، ولاحت رسومها لناظريه، تأجج الحبّ الإلهي في قلبه وفاض شوقه شعراً:

قلتُ للقلبِ، إذ تراءى لعيني  ...   رسمُ دارٍ لهم، فهاج اشتتياقي:

هذه دارهُم وأنتَ محــبٌّ    ...     ما احتباسُ الدموعِ في الآماقِ؟!

ويضع لنا المغنيّ الشاعر العباسيّ، إسحاق الموصليّ، أستاذ الموسيقي زرياب، قاعدة مفادها إنّ القرب من ديار المحبوب يزيد الشوق ويؤجِّجه:

وكلّ مسـافرٍ يزدادُ شوقاً   ...  إذا دنتِ الديارُ مِن الديارِ

والوقوف على الأطلال، وتذكُّر الحبيب، ونثر الأشواق، وذرف الدموع كان تقليداً شِعريّاً مشهوراً حتّى قيل " أشهر مِن قِفا نبكي" أي مطلع مُعلَّقة الشاعر الجاهليّ امرئ القيس المشهورة. وهذا موضوع يستحقُّ بحثاً كاملاً، إلا أنّنا نكتفي بإيراد ثلاثة أبيات للشريف الرضي تصوِّر لنا كيف يهيّج مرأى الأطلال أشواقَ المحبّ وحنينه إلى المحبوب:

ولقد مررتُ على ديارِهم   ...    وطـلولُها بِـيدِ البِلى نهبُ

فوقفتُ حتّى ضجَّ من لَغبٍ ...    نِضوي، ولجَّ بعذليَ الركبُ

وتلفَّـتتْ عيني، فمُذْ خفيتْ ...    عنها الطلولُ تلفّتَ القلـبُ

ومما يشعل نارَ الشوق في قلب العاشق التحدُّثُ مع الآخرين عن الحبّ، وملاقاة غيره من العاشقين، كما يخبرنا بذلك عاشق محترف هو فتى مخزوم النرجسيّ عمر بن أبي ربيعة:

وذو الشوقِ القديمِ وإنْ تسلّى  ...   مشوقٌ حينَ يلقى العاشقينا

وإذا كانت الديار والأطلال والحديث عن الحبّ أموراً ذات علاقة مباشرة بالحبيب، تؤجِّج الشوق في نفس العاشق، فإنّ أموراً أخرى لا علاقة مباشرة لها به تفعل الفعل نفسه، منها هديل الحمام، إذ يفترض العربيّ أنّ الحمام هو الآخر عاشق مولّه ينوح على فراق حبيبه. فالشاعر البحرانيّ، مثلاً، يقول:

إذا غنّى الحَمامُ طربتُ شوقاً  ...  إليك، وكلُّ مشتاقٍ طروبُ

ونيران الشوق في قلب العاشق الولهان لا تحتاج إلى ريح لتتأجَّج، فقد تزداد اضطراماً لأوهى الأسباب، فتغريد حمامة، أو تألُّق نجمة، أو لمعان برق من جهة ديار الحبيب، أو أي شيء آخر مهما كان بعيد الصلة بالمحبوب يكفي لجعل العاشق يسهر الليل كلَّه نهباً للوساوس والفِكَر، كما يخبرنا علي بن إسماعيل بن القاسم بن محمد:

أكذا المشـتاق يـؤرّقهُ  ...   تغريد الوُرْق ويقلقُهُ

وإذا ما لاح على إضـمٍ  ...    بـرقٌ أشـجاه تألّقُه

يُخفي الأشواقَ ويُظهِرها ... دمعٌ في الخدِّ يرقرقُهُ

وعندما  يجتاح الشوقُ العاشقَ مثل إعصارٍ، يتمنَّى لقاء المحبوب في الحال. ولكنَّ بُعد الشقَّة يجعل الأمر عسيرَ التحقيق. فعندما برّح الشوقُ بالعباسَ بن الأحنف، تمنّى لو أنَّ طيراً من الطيور أعاره جناحه ليطير به إلى المحبوب، ولم يَدُر بخلده أنّ هذه الأمنية التي كان يشاركه فيها كثيرون، سيحقِّقها الإنسان في يوم من الأيام، وتقلّل من روعة بيته الشعري وأصالته:

أسربَ القطا، هل من يُعيرُ جناحَهُ؟   لعلّي إلى مَن قد هويتُ أطيرُ

فلم يكُن العربيّ آنذاك يملك في أسفاره سوى العيس، وهي إبل سريعة السير كانت تُستخدَم في الأسفار ونقل الأحمال. فكان العاشق المشتاق يُلهب أعناقها بالسياط وقلّما يتوقَّف في منازل الاستراحة لعلّه يصل إلى المحبوب بأسرع ما يمكن ، كما يخبرنا أبو نواس:

أما الديـار فقـلّما لـبثوا بـها        ...        بينَ اشتياقِ العيس والركبانِ

وضعوا سياطَ الشوقِ في أعناقِها ...       حتّى اطّـلعنَ على الأوطانِ

 

عذل المحبين ولومهم:

يتفق العشّاق العرب جميعهم على أن لا فائدة تُرجى من العذل، ولا نفع يُتوخى من اللوم، وذلك لعدة أسباب:

أولاً، لا فائدة في التحذير بعد أن يقع المحذور، أو بعد أن يهوى الفاس على الرأس، كما يقولون. ويلخّص النابغة الجعديّ هذه القاعدة لنا بقوله:

ألمْ تعلما أنّ الملامةَ نفعُها   ...    قليلٌ، إذا ما الشيءُ ولَّى فأدبرا؟

وثانيا، إنَّ الحبّ كالقَدَر، لا قُدرة للمُحبّ على ردّه أو اتقائه. ولو قُدّر لكَ الحبّ، لم تستطع أن تفعل شيئاً. ولهذا ينبغي أن لا تلوم العاشق، كما يقول أحمد شوقي:

يا لائمي في هواهُ ـ والهوى قَدَرٌـ  ...    لو شفّكَ الوجدُ، لم تعذلْ ولم تلُمِ

وثالثاً، إن العاشق لم يبتكر الحبَّ، ولا ذنبَ له في حبّه، فهذه سُنّةُ الحياة، ونحنّ جميعا مُعرّضون للحبّ بفضل العواطف والأحاسيس التي وهبها لنا الخالق، فلماذا نلوم غيرنا حين يعشق، كما يقول جميل بثينة مدافعاً عن نفسه:

فلا تكثروا لومي، فما أنا بالذي    سننتُ الهوى أو ذقتُهُ وحدي

ورابعاً، قبل أن تنحى باللوم على المحبِّ وتعذله على حبِّه، يجب أن تجرّب أنتَ الحبّ، وإلا فكيف تعذل إنساناً على أمْرٍ أنت تجهله ولا عِلم لك به، وهذا منطق عمر بن أبي ربيعة وحجاجه:

تلومُكَ في الهوى نُعْمُ  ...  وليس لها بهِ عِلمُ

ويؤيِّده في منطقه هذا شاعر فحل آخر هو بشار بن برد، ويزيد قائلاَ إنّه لو أُصيب العاذل بمرض الحبّ لما سمع عذل مَن عذل، حتّى لو كان العاذل أباه أو أمه:

يلومكَ في الحبِّ الخليُّ ولو غدا    ...    بداءِ الهوى، لم يرعَ أُمّا ولا أبا

وهذا المعنى نفسه ردده الصوفيّ عمر اليافيّ (1173 ـ 1233 هـ) بقوله:

يلومونَ في خلعِ العذار أخا الهوى ...   وما شربوا كأسي وقد جهلوا أمري

خامساً، إنّ العاشق لا يستطيع أن يُصغي لما يقوله له الآخرون بسبب ما أصابه من السقم والألم. وهذا فحوى السؤال الاستنكاريّ الذي وجهه الشاب الظريف:

كيفَ يُصغي لعاذل أو يميلُ  ..     مغرمٌ شفّهُ ضنىً ونحولُ؟

سادساً، إنّ اللوم قد يأتي بنتيجة عكسية، فقد يزيد العاشق تمادياً في غرامه، كما يحذِّرنا شاعر كان يتكسَّب بشعره، ابن حيوس (395 ـ 453 هـ):

واللومُ مثلُ الريحِ يذهبُ ضَلّةً  ...  ويزيدُ نيرانَ المُحبِّ تضرُّما

وسابعاً، إنّ كثيراً من المُحبِّين يجدون لذة في اللوم لأنّه يتضمّن ذكر المحبوب، ولا يأبهون بقصده، كما أوضح لنا شاعر كوفي اسمه أبو الشيص (130 ـ 196 هـ):

أجد الملامة في هواكَ لذيذةً     حبّاً لذِكركَ، فليلمني اللوّمُ

وثامناً، إنّ الحبّ كافٍ لإيلام العاشق، وليس من العدل أن نضيف إليه ألماً آخر يتمثل بلومه وعذله، وإنّما ينبغي أن نرفق به ونشفق عليه، كما يرى الشاعر الجاهلي عمرو بن صخر بن الشريد، أخو الشاعرة الخنساء التي رثته بعد موته في بكائيات كثيرة:

وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومُني      ألا لا تلوميني، كفى اللومَ ما بيا

وللبحث صلة في الكتاب*

 

بقلم الدكتور علي القاسمي

.................................

* فصل من كتاب:

ـ علي القاسمي، مفاهيم الثقافة العربية (حائل: النادي الأدبي الثقافي بحائل، 2018)،  318 صفحة ، وهو طبعة ثانية مزيدة من كتاب:

ـ ــــــــ، مفاهيم العقل العربي  (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2006).

والكتاب بأكمله متوافر في موقع (أصدقاء الدكتور علي القاسمي) على الشابكة.

 

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" ( الحصري)


إشكالية الوطنية والقومية العربية عند ساطع الحصري

إن التأسيس النظري للفكرة القومية عند الحصري اتسم أيضا برؤية واقعية. من هنا محاولاته ايجاد الصيغة النظرية والعملية المناسبة للإجابة على الأسئلة الأكثر حيوية، وبالأخص واقع التجزئة مع ما ترتب عليها من إشكالية الوطني والقومي، وواقع الصراع السياسي والأيديولوجي، وبالأخص الأفكار المناهضة للفكرة القومية العربية.

ففيما يتعلق بقضية الوطنية والقومية، شدد الحصري على أن "الوطنية والقومية من أهم النزعات الاجتماعية التي تربط الفرد البشري بالجماعات"[1]. ومن هذه المقدمة النظرية حاول حل إشكالية التعارض أو التضاد أو حتى الاختلاف بينهما. ووضع ذلك في فكرة مقتضبة تقول، بأن الوطنية حب الوطن، والقومية حب الأمة[2]. وأن منبع الوطنية حب الوطن، بينما منبع القومية هو حب الأهل[3]. ذلك يعني انه حاول وضع ما يمكن دعوته بتناسب الفكرة الوطنية والقومية في معادلة التأسيس النظري والعملي للبدائل الممكنة بهذا الصدد. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عن تقارب مفهوم الوطنية والقومية.

ومن هذه المقدمة حاول تفسير واستشراف العلاقة الواقعية والمفترضة بينهما. وبما أن فكرة الوطنية الحديثة في العالم العربي قد ارتبطت بصيرورة الدولة الحديثة والمجزأة في الوقت نفسه من جانب الاستعمار الأوربي، لهذا نراه ينطلق من تقرير المدخل العام القائل، بأن ارتباط الوطنية والقومية بالدولة ليس واحدا في كل الدول والأمم وفي جميع ادوار التاريخ. فالأمة قد تؤلف دولة واحدة مستقلة عندما تصبح الوطنية والقومية شيئا واحدا[4]. وفي حال وجود أمة ذات دول عديدة، عندها يظهر عدم الارتياح وتظهر فكرة وطن معنوي مثالي. وهنا قد يصبح الخلاف والفرق بين الوطنية والقومية ممكنا[5]. وعندما تكلم الحصري عن وجود "أمة محرومة من دولة خاصة وتابعة لدولة أجنبية" إلى جانب وجود "أمة محرومة من دولة خاصة ومجزأة وموزعة في دول"، فان مقصوده كان يرمي إلى حالة الأمة العربية. فقد كانت في مرحلة تأسيسه للفكرة هي "أمة محرومة من دولة خاصة وتابعة لدولة أجنبية".

لقد أراد الحصري القول، بأن الأمة العربية كينونة قائمة بذاتها خارج كل التأويلات والتفسيرات "العلمية" والأيديولوجية المحتملة التي تحاول أن تربط الفكرة القومية بشيء غير ذاتها. كما أن حالة الاختلاف والتباين الواقعية بين الوطنية والقومية في العالم العربي لا علاقة جوهرية لها بفكرة الأمة العربية، بقدر ما أنها تمس الأبعاد العملية المباشرة للفكرة القومية السياسية.

ووضع هذه النتيجة في موقفه من علاقة الوطنية والأممية. وانطلق الحصري هنا من استنتاج أو رؤية عادية تقول، بأن هناك صفات تعادي الوطنية وذلك لأنها تعادي الفضائل والنزعات الأخلاقية، مثل الأنانية. لكن هناك صفات تعادي الوطنية، لكنها لا تعاكس سائر الفضائل مثل الكوسموبوليتية[6]. واستشهد هنا بموقف جان جاك روسو الذي قال مرة، بأن هناك من "يحبون أبناء الصين لكي يتخلصوا من الواجبات الفعلية التي تترتب عليهم جراء حب أبناء وطنهم". أما انتشار الكوسموبوليتية في ألمانيا في مرحلة معينة من تاريخها، فقد كان لأسباب عديدة حصرها الحصري بكونها كانت آنذاك موافقة للروح الفلسفي السائد بين الألمان، إضافة لانعدام وجود نزعة وطنية وقومية ألمانية، وأخيرا بسبب صراع الآراء وعدم رغبتهم حينذاك في تشكيل نزعة قومية قوية. لكن الألمان حالما اصطدموا بالاحتلال الفرنسي، أي من جانب أمة كانت حينذاك مشبعة بالفكرة القومية والروح الوطنية (زمن نابليون)، عندها تغيرت آراء الألمان. بحيث نسمع الشاعر الألماني آرنت يقول: "عرفت وطني في ثورة الغضب، وأحببته في ساعة النكبة"[7].

ومن هذه المقدمات العامة حاول الحصري الانتقال إلى حالة العالم العربي وإشكالية الوطنية والأممية فيه. ووجد في الشيوعية و"دعاة السلم" القوى السياسية التي استحكمت في رؤيتها العملية تجاه إشكالية القومية والأممية، الرؤية الأيديولوجية الصرف. وعندما تناول "الحلم" البارد لدعاة السلم الذين يتكهنون بأن ساحات الحرب ستتحول إلى أسواق تجارية، بينما ستنتقل المدافع إلى المتاحف، فإنه توصل إلى أن الواقع يكشف عن أنه لم يجر لا هذا ولا ذاك. أما كون بعضها جرى إرساله للمتاحف، فلأنه أصبح تحفة مقارنة بما هو جديد وفعال[8]. من هنا معارضة الحصري لدعاة السلم ومناهضة الوطنية. وانطلق في موقفه هذا من أن لكل مرحلة متطلباتها. ولا يكفي وضع فكرة المستقبل المجردة في صلب الحياة السياسية الحالية. حينذاك تصبح فكرة معرقلة لما نسعى إليه.

أما الشيوعية فأنها تستكمل هذا التيار من حيث حرفها حقيقة الوطنية والقومية وأثرهما بالنسبة للحاضر والمستقبل والشعارات الاجتماعية التي ترفعها. وأعتبر لهذا السبب، أن الشيوعية معادية للوطنية والقومية. لكنها على خلاف فلسفة السلم تدعو للصراع والحرب، وأن الثورة عندها لا يجب أن تتقيد بقيود الوطنية، بل يجب أن تعمل ضدها[9]. إلا أن تحليل تجارب الشيوعية بهذا الصدد يكشف عن أن استيلاءها على روسيا كان بفعل الدعاية الخلابة بين الفقراء وآمال الرفاهية التي أدت إلى تقوية هذا الاتجاه. وأقامت بهذه الصورة أمام النزعة الوطنية عدوا جديدا خطرا جدا[10]. غير أن تجربة روسيا الأممية نفسها تكشف (وبالأخص بعد الحرب العالمية الثانية) عن انتصار فكرة الوطنية (وإلغاء الأممية الثالثة)، وإهمال النشيد الأممي المعروف[11].

لم يقصد الحصري من وراء آراءه النقدية هذه سوى تذليل الأبعاد الأيديولوجية (العقائدية) الصرف التي تميز هذا النوع من التيارات الفكرية والسياسية، التي لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى إفراغ الفكرة الوطنية والقومية والأممية والاجتماعية من مقوماتها الذاتية. من هنا تشديد الحصري في قوله على أنه لا يخالف من يدعو للاشتراكية، بل وأنه حتى لا يعارض من يقول بالشيوعية. غير أنه يطلب منهم ألا يمزجوا دعوتهم هذه بالفكرة الأممية. وألا يجعلوا أحزابهم معادية للنزعة الوطنية. وذلك لأنه كان يعتقد، بأن الأضرار التي تنجم عن الإصغاء إلى الدعاية الأممية لا تكون متساوية في كل البلاد، بل أنها تزداد أو تنقص تبعا لحالة الوطنية فيها[12]. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأمة المتأخرة في حضارتها، المتفرقة في سياستها، المترددة في وطنيتها، المستيقظة من سبات عميق قريب العهد بحيث لم يتكون عندها الشعور القومي وتتأصل فيها النزعة الوطنية، لا تفعل رياح الأممية إلا على بعثرت ما فيها... لأنه يوقف اختمار الفكرة القومية في مبادئها ويحول دون تكوّن الشعور القومي العام"[13].

إن هذا النقد العقلاني للعقائد المغلقة والطوباوية، لا يعني استبدالها بأخرى ملبّسة بلباس الوطنية والقومية. على العكس. أنه يهدف إلى تأسيس الرؤية الواقعية تجاه إشكاليات الفكرة الوطنية والقومية نفسها. بمعنى الإبقاء على جوهرية الفكرة الوطنية والقومية باعتبارها المبدأ الأعلى، وتوظيف كل السياسة العملية من اجل بلوغ غاياتها الكبرى. من هنا فكرته عن ضرورة أن تكون أسس الوطنية والقومية اجتماعية وأصيلة. وأعتقد بأنه لا يجب ترك الأمور على حالها فلا نفكر في إزالة الجور عن أفراد الأمة، بل من الضروري قول العكس، أي وجوب بذل كل الجهود لإصلاح الأحوال وإزالة الجور ما يمكن من السرعة، على أن لا يخرج ذلك الأعمال والتدابير عن مقتضيات الوطنية، وأن يكون الاعتقاد السائد والدائم هو "أن الوطن قبل كل شيء وفوق كل شيء"[14].

إن المبدأ المشار إليه أعلاه يستند في مواقف الحصري إلى فكرته القومية ومبادئها الأساسية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الملموسة لتجلي الفكرة القومية بمبدأ العروبة. فعندما يتناول فكرة العروبة، فانه يفرّق ويمّيز بين العروبة وبين الشعور بالعروبة. فإذا كانت العروبة تعود إلى تاريخ سحيق في القدم، فإن الشعور بها وتحولها إلى فكرة سياسية وعملية واضحة هو نتاج الفترة المعاصرة ومستقبلها، كما يقول الحصري[15]. فالعروبة كينونة خاصة مرتبط باللغة وتاريخها الثقافي. بينما الإسلام مكون تاريخي إضافي. لهذا نرى الحصري يربط الفهم العميق والسليم لتاريخ العروبة بفهم وقائع انتشار اللغة العربية واستقرارها[16]. بينما أدى ارتباط العربية بالإسلام ونشر الدين واللغة إلى نتائج مختلفة. ففي بعض الأماكن تغلبت اللغة العربية وصارت الديانة الإسلامية دين الأغلبية. وفي بعضها تغلب الإسلام فقط. بينما سادت العربية والإسلام في مناطق أخرى ثم انحسرت لاحقا كما جرى الحال في الأندلس وصقلية.

ووضع الحصري هذه الفكرة العامة في أساس موقفه من الإشكاليات الكبرى التي واجهت الفكرة القومية العربية مثل قضية الموقف من مختلف أشكال الوطنيات المنغلقة، وقضية تحديد ماهية "العالم العربي" و"الوحدة العربية" والسياسة العملية المتعلقة بالوحدة العربية، وعلاقة الوحدة العربية بالوحدة الإسلامية وغيرها من القضايا.

ففي معرض رده على فكرة "المصرية" المتماهية مع الفرعونية آنذاك، انطلق الحصري من السؤال العام المتعلق بماهية المصرية والفرعونية؟ وهل المقصود به اللغة أم الثقافة أم الحضارة أم الدين أم السياسة؟ أو مختلف تركيباتها المتنوعة؟ وفيما لو تناولنا كافة هذه الجوانب، فإن النتيجة الجلية تقوم في انعدام معنى وقيمة ما اسماه الحصري بصناعة خصم للفكرة العربية من الآثار الفرعونية. إضافة لذلك أن الفرعونية من وجهة نظر الحصري فكرة قديمة. بينما الفكرة العربية فكرة الحاضر والمستقبل. أما الادعاء القائل، بأن الدم المصري لا علاقة له بالعرب، فقد وجد فيه مجرد هوس وأوهام. أما الفكرة القائلة بخصوصية مصر، وأنها مستقلة بذاتها ولها تاريخها الخاص، فإن الحصري لم يجد فيها ما يتعارض مع الواقع والتاريخ[17]. كما أنه يمكن تطبيقها على اغلب الدول العربية. وضمن هذا السياق يمكن فهم نقده الفكري والسياسي لآراء ومواقف طه حسين (عميد الأدب العربي!!) الذي كان يقول ويدعم شعار "المصري مصري قبل كل شيء". وأن "المصري لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف". والشيء نفسه ينطبق على ما كان يسميه طه حسين "فرعونية مصر. وأنها متأصلة في نفوسهم".

وقد وجه الحصري نقده اللاذع للنزعة الوطنية الضيقة (المصرية والفرعونية). إذ وجد في هذه الكلمات والآراء والمواقف والشعارات عن حياة ودور وموقع مصر كلمات جوفاء، وتحتوي على كمية كبيرة من الأوهام. وقد أدت هذه الأوهام والانغلاق المغترب إلى انتشار ظاهرة المعارضة العلنية للفكرة القومية العربية في مصر آنذاك، وبالأخص بين مثقفيها المتأثرين بمختلف التيارات الفكرية والسياسية والأيديولوجية الأوربية. بحيث اتخذت أو بلغت ذروتها في الأفكار الشاذة مثل إطلاق عبارة "الغزاة العرب" على تاريخ مصر (كما قال بها فكري اباظه!). وأشار الحصري إلى أنه حالما نشر ناظم المقدسي(رئيس وزراء سوريا) عام 1951 مذكرة الوحدة العربية التي أيدتها الجرائد في العراق وفلسطين والأردن، فإن المعارضة الشديدة له جاءت في الأغلب من جرائد مصر ولبنان.

وعندما اخذ بنقد هذه الحالة، فانه اتخذ من حالة ألمانيا التي كانت تشبه في الكثير من جوانبها حالة العرب. وكتب يقول، بأن أهل بروسيا لم يقولوا أن بروسيا أولا وألمانيا ثانيا، بل كانوا يقولون "بروسيا في خدمة الفكرة الألمانية"[18]. وتتبع الحصري هذه الحالة في واقع وتناقض هذه الحالة في مصر آنذاك، بوصفها "قلب العالم العربي". فقد كانت مصر آنذاك أهم مركز من مراكز الثقافة، وأقدم الدول العربية في تشكيل الدولة العصرية وأقواها في الآداب، كما يقول الحصري. وليس مصادفة أن يتوجه إليها آنذاك كل من عمل من اجل الوحدة العربية والنهضة العربية. لكن المفارقة تقوم في أنهم جميعهم أصيبوا بخيبة الآمل بسبب إعراض مصر عن الفكرة العربية. إلا أن ذلك لم يمنع الحصري من التنبؤ الدقيق حول أن "مصر ستسير بالضرورة صوب الفكرة العربية"[19]. وسوف يكتب لاحقا في ملاحظاته التاريخية والسياسية حالما تناول قضية الوحدة العربية وعلاقة مصر بها، إلى انه عايش المرحلة التي كان المصريون المتنورون ينكرون فيها عروبتهم إنكارا تاما. ويصرون على فكرة "مصر لا غير" و"مصر بس!". لكنه بالمقابل كان يتأمل مصدر الفكرة القومية العربية الحديثة ومنبع نموها التاريخي في الشام. وأشار هنا إلى أن سوريا أشد البلاد العربية تشبعا بالفكرة العربية. وأن بلاد الشام ظلت بعيدا عن النزعة الإقليمية وتواقا إلى الوحدة العربية. والتجربة السورية كشفت عن أنها الدولة العربية الوحيدة (آنذاك) التي أدخلت في دستورها (مادة) الشعب السوري جزء من الأمة العربية[20].

وضمن هذا السياق يمكن فهم يقينه عن نمو الفكرة القومية العربية في مصر و"رجوع" مصر إلى كينونتها العربية الأصلية. وانطلق في ذلك مما اسماه بتلازم المصرية والعروبة. من هنا يقينه، بأن فكرة ومبدأ وشعار "العروبة أولا" سينتصر في مصر مع مرور الزمن[21]. أما النزعة الفرعونية، فإنها آيلة للزوال. وذلك لأن "العهود الفرعونية مدفونة تحت رمال الزمان منذ آلاف السنين مثل الحضارة السومرية في العراق والفينيقية في سوريا". وبالتالي، "لا يجوز للمصريين أن يتنكروا للعروبة بحجة الارتباط بالحضارة الفرعونية" كما يقول الحصري. فالحضارات القديمة، حسب رؤية الحصري قد اندثرت ولا يمكنها العودة للحياة. أما العروبة فليست من محنطات الماضي، بل هي نوع من الحاضر الحي. وبالتالي، فأن "العروبة ليست خاتمة لماض سحيق، بل هي فاتحة مستقبل باهر"[22]. ووضع هذا الاستنتاج النظري والتاريخي والسياسي في أساس نقده لمختلف الاتجاهات المعارضة لأهمية وآفاق الفكرة العربية الجامعة بالنسبة للمستقبل، كما نراه في مواقفه النقدية القوية من آراء سعد زغلول وطه حسين وعدد لا يستهان به من ساسة ومثقفي مصر آنذاك.

ففي مجرى نقده لعبارة (فكرة) سعد زغلول، الذي قال مرة في موقفه من الوحدة العربية: "إذا جمعت صفرا إلى صفر. ماذا تكون النتيجة؟"، بأن هذا الموقف لا علاقة له بالعلم والتاريخ والسياسة المستقبلية. وعلق على ذلك قائلا، بأن "الاجتماع لا يشبه الجمع"، و"أن تشبيه الاجتماع بعمليات الجمع والضرب الحسابية يكون بهذا الاعتبار نوعا من الهرطقة العلمية"[23]. كما أنه يجعل من كل شيء ليس بذي معنى ولا قيمة له. إذ لا تعني عبارة سعد زغلول سوى أن الشعوب العربية صفر، ومصر كذلك. وهذه مواقف وآراء لا تدل على حصافة عقل في ما يتعلق بتأثيرها بالنسبة للهمم والمستقبل. إضافة إلى تعارضها مع ابسط مقومات الرؤية الواقعية والعقلية والعقلانية. فالاتحاد يوّلد قوة ليس عن طريق جمع القوى فحسب، بل وعن طريق إيجاد حياة جديدة وأوضاع جديدة تولد قوى جديدة، تفوق مجموع القوى المتفرقة، كما يقول الحصري[24].

كما نراه يقف بالضد من فكرة طه حسين عما اسماه برابطة البحر المتوسط. وأعتبرها فكرة ناقصة ومزيفة. وذلك لأن التاريخ والواقع يكشف عن أنه ليس بإمكان بحر أن يكون مصدرا لوحدة. كما لا تستند هذه الفكرة على أساس علمي صحيح. ووجد الحصري فيها مجرد ترديد غير نقدي لما سبق وأن كان يدعو إليها ويروج عدد غير قليل من كتاب فرنسا وساستها بغية إدامة حكمهم على المغرب العربي وبسط سيطرتهم على بلاد الشام. بل نرى الحصري يشدد على أنه إذا كان من الضروري الحديث عن أهمية البحر، فمن الأجدر الحديث عن البحر الأحمر، لأنه "أكثر أهمية لمصر من البحر المتوسط"[25].(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

[1] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص9.

[2] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص9.

[3] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص.16

[4] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص10.

[5] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص11-12.

[6] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص74-75.

[7] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص83.

[8] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص87.

[9] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص89.

[10] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص90.

[11] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص91-92.

[12] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص93.

[13] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص94.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص95.

[15] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص185.

[16] ساطع الحصري: العروبة أولا!،  ص186.

[17] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص122.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص126.

[19] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص143-146.

[20] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص142-143.

[21] لقد كتب الحصري آراءه هذه وتنبؤاته قبل صعود الناصرية، التي جسدت الصيغة الدقيقة والعميقة لفكرة الحصري بهذا الصدد، بمعنى أنها الأيديولوجية والمرحلة التي تكاملت فيها مصر بوصفه قوة عربية خالصة. وفي هذا كان يكمن سر قوتها الكامنة.

[22] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص113-114.

[23] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص64.

[24] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص67.

[25] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص98. وهنا كان الحصري أكثر دقة من حيث تنبؤه بهذا الصدد، كما نراه جليا بالنسبة لقناة السويس ومشاريع السياحة الحالية في مصر، على الأقل بالنسبة للاقتصاد المصري.

 

ميثم الجنابي"أنا عربي صميم. أؤمن بدين العروبة بكل جوانحي،

وأهتم بمصر بقدر ما أهتم بسوريا والعراق" (الحصري)


تقديم عام

ولد ساطع الحصري (من أصول سورية حلبية) في صنعاء اليمن عام 1879 وتوفي في بغداد عام 1968، وما بينهما عاش وعمل في تركيا والبلقان ومصر وسوريا والعراق، في مجال التربية والتعليم. ومن خلالها كان يحقق فكرته القومية. إذ كان على يقين من نجاح الفكرة القومية العربية في نهاية المطاف رغم مسارها المعقد. فقد كانت الفكرة القومية بالنسبة له جزء عضوي من صيرورته الشخصية وكينونته الروحية والفكرية. من هنا كانت شخصيته من حيث حقيقتها وغايتها عربية أولا وقبل كل شيء رغم انتماءه لسوريا ومصر واليمن وغيرها من المناطق. غير أن شخصيته الفكرية القومية قد تكاملت في العراق. وفيه دفن بعد أن اعيدت له الجنسية العراقية قبل وفاته بقليل. إذ جرى سحبها بأثر تأييده للحركة القومية المناهضة للسيطرة البريطانية على العراق. وبهذا المعنى كان الحصري شخصية وطنية عراقية من طراز خاص وعميق أيضا. من هنا الطابع المبتذل للأوصاف التي تطلق عليه من جانب الشيوعيين فيما مضى وبقاياهم الآن، وكذلك من جانب بعض الحوزات الدينية الشيعية والأحزاب الشيعية السياسية الرخوية. فالأوائل يطلقون عليه عبارة "يميني متطرف" و"قومي شوفيني" والثواني يعتبرونه "طائفيا" و"سنّيا متعصبا". وكلاهما يكمّل الآخر بالجهالة والجاهلية! إذ من غير المعروف مضمون "اليميني" و"الشوفيني". فهي اوصاف تتلذذ لها أسماع "اليسار" و"الأممية". وكلاهما زيف سواء بمعايير المنطق والعلم أو بمعايير التاريخ الفعلي والحياة السياسية، وذلك لأنها مجرد أحكام أيديولوجية صرف، شأنها شأن شتائم نسوان المحلة! وفي الوقت نفسه هي نتاج التربية السيئة للشيوعية في العراق، التي ناصبت الفكرة القومية العداء الاعمى. انها تحب الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية السابقة، وتدافع بحمية مبالغ فيها عن تشيلي والأرجنتين وبوركينو فاسو والأقليات الدينية والعرقية الجبلية والمغلقة، وبالمقابل تكره بإفراط لا مثيل له كل ما هو عربي وعروبي وقومي! الأمر الذي يشير إلى خلل عضوي وبنيوي في الذهنية والعقل والنفس والأخلاق. والشيئ نفسه يمكن قوله عن اتهام بعض التيارات الشيعية القديمة والمعاصرة إياه بالطائفية.

لقد كان الحصري وطنيا عراقيا وقوميا عربيا بالمعنى الثقافي العميق، وعقليا وعقلانيا، وعلميا ودنيويا (علمانيا) صرف. وغرابة الأمر هنا تقوم في انه أول وأعمق وأوسع من أرسى أسس التربية العلمية والدنيوية (العلمانية) والوطنية في تاريخ العراق الحديث. وكل أولئك الذين يتبنون الفكرة الدنيوية مما يسمى بأهل اليسار في تاريخ العراق الحديث هم نتاج خططه التربوية ومناهجه الدراسية. إذ لولاه لبقوا في غياهب الرؤية الأسطورية والدينية البدائية والطائفية الجلفة وبقايا العثمانية المتهرئة.

إن كل هذه الأحكام المسطحة وأمثالها التي مازالت واسعة الانتشار في العراق عن ساطع الحصري هي نتاج الجهل بما كتبه وسعى لتأسيسه. بمعنى إنها مبنية على السماع (قيل وقال وسمعت!). إذ كل ما قرأ ولا اقول يدرس بعمق ورؤية نقدية عقلية ما كتبه الحصري، سوف يدرك خطأ وسطحية هذه الأحكام البليدة عنه. فالسماع والنقل هو من صفات الحنبليات القديمة والمعاصرة. كما أنها ملازمة لذهنية الأطفال والجهلة والأميين وأنصاف المتعلمين وأشباه "المثقفين". وهي أمور معيبة وتكشف بقدر واحد عن جهل مريع بحقيقة الإبداع النظري والعملي للحصري من جهة، وتشويه وتخريب دوره التاريخي العظيم في بناء الدولة العراقية الحديثة وأسسها الوطنية المتينة وتربيتها العلمية والدنيوية، من جهة أخرى.

إن افضل وأعظم ما في ذهنية العراق العلمية والأدبية الحديثة وأجياله التي ساهمت في بناء ثقافته الإنسانية والعقلية والعقلانية الحديثة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، هي ثمرة من ثمار ما وضعه الحصري. لهذا ينبغي لاسم ساطع الحصري أن يسطع في سماء العراق على الأقل بإطلاق اسمه ولقبه على افضل جامعة عراقية حديثة. وهو أدنى وأقلّ ما يمكن أن يقدمه العراق لذكراه وفضله.

***

الفلسفة العملية للفكرة القومية الثقافية

للتاريخ مساره ومذاقه فيما يتعلق بوعي الذات القومي. فإذا كانت المرحلة الأولى لوعي الذات العربي قد جرت من الناحية الشكلية والرمزية من الكلمة إلى العبارة، ومن الشعر إلى الرواية، ومن التاريخ إلى المنطق، ومن الروح إلى الجسد، فإن ساطع الحصري (1879-1968) هو الأول من بين مفكري الفكرة القومية الذين حاولوا ربط كل هذا الإبداع المتنوع في منظومة تعي حدودها السياسية بوصفها فكرة قومية نظرية وعملية. ومن ثم التوليف النظري والعملي الدقيق بين الأبعاد العلمية والأيديولوجية للفكرة القومية. وقد تكون مساعيه لتحقيق "الفكرة القومية" عبر التربية والتعليم الأسلوب الأكثر تعبيرا بهذا الصدد. الأمر الذي أعطى لفكرته القومية طابعا ثقافيا وسياسيا بقدر واحد.

إننا نعثر في تأسيسه النظري للفكرة القومية على توليف خاص للفكرة السياسية والفكرة التربوية في الفكرة القومية. واستمد هذا التوليف من خلال دراسة نقدية للتاريخ العربي والتاريخ العالمي وخصوصية الفكرة القومية الحديثة، وتاريخ الدولة العثمانية وأثرها بهذا الصدد. إذ لا نعثر في كل كتابات الحصري على تأثير مباشر بالفلسفات الأوربية المؤسسة للفكرة القومية. بل على العكس من ذلك نراه يقف في حالات عديدة موقفا نقديا تجاه توظيفها المباشر بالنسبة لتأسيس وتطبيق الفكرة القومية العربية. والحالة الوحيدة، أو الاستثناء الوحيد هو ما قام به من استعمال ايجابي لبعض آراء شوبنهاور ومقارناته في بعض مواقفه[1]. وليست لهذه الأفكار علاقة بتأسيس الفكرة القومية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأن الحصيلة النظرية للفكرة القومية التي سعى الحصري لتأسيسها مبنية من حيث الجوهر على رؤية نقدية علمية تاريخية تتسم بقدر كبير من الواقعية. وليس مصادفة أن يكتب الحصري أحد مؤلفاته التاريخية الهامة عن تاريخ السيطرة العثمانية في العالم العربي.

الدولة العثمانية والعالم العربي

ففي كتابه (البلاد العربية والدولة العثمانية) نعثر على محاولة فهم مقدمات السيطرة التركية العثمانية على العالم العربي ونتائجها الخاصة بالنسبة للفكرة القومية. وانطلق في مجرى تحليله لهذا التاريخ الطويل والكئيب أيضا من أن العالم العربي قد وقع آنذاك بين مطرقتي الأتراك والمماليك. فقد كانت العلاقة بين البلاد العربية والدولة العثمانية حتى نهاية القرن الخامس عشر علاقة مجاملة ومؤازرة. لكن الحالة تغيرت بعد توسع الدولة العثمانية إلى الجنوب حتى البحر المتوسط وجبال طوروس. وفي نفس الوقت استولت دولة المماليك في مصر على كيليكيا. وهنا بدأ الاحتكاك بينهما والنزاع، الذي انتهى بحروب دامية كانت نتيجتها استمرار السيطرة الأجنبية على العالم العربي[2]. وذلك لأنها سيطرة لم تكن محكومة بفكرة الخلافة الثقافية، بقدر ما كانت الصيغة المقلوبة أو المشوهة أو المبطنة للسيطرة القومية (العرقية). مما أدى في نهاية المطاف إلى أن يدفع العالم العربي ثمنها الباهظ على امتداد قرون عديدة[3]. وأشار الحصري هنا إلى أن احتلال العالم العربي من جانب الدولة العثمانية جرى في مرحلة الصراع بينها وبين الدولة الصفوية. وكلاهما كان يتمتع بالصعود والقوة والفتوة آنذاك مع المماليك الذين كانوا في طور الخمول، بأثر تضحياتهم الكبيرة في مجرى الصراع البطولي مع الصليبيين الغزاة.

ذلك يعني، أن الدولة العثمانية استولت على العالم العربي وهو في حضيض انحطاطه. والعالم العثماني في بداية انحطاطه. فقد كانت الدولة العثمانية حسب تحديد الحصري "دولة عسكرية دينية إقطاعية من نوع خاص"[4]. وليس مصادفة أن تستعمل الدين لأغراض سياسية بحت. وضمن هذا السياق يمكن فهم توسيعها وإثارتها للنعرة الدينية المتشددة ولاحقا المذهبية الضيقة، كما هو جلي في ما يسمى بالصراع العثماني – الصفوي (السني - الشيعي). وكتب الحصري هنا يقول، بان "السلطان سليم الأول(1512-1520) عندما قرر محاربة الشاه إسماعيل الصفوي وأمر بقتل جميع الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية، استند إلى فتوى صادرة من رجال الدين تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام"[5]. وقد كانت تلك فكرة سياسية مطلية بكساء الدين المتشدد والمفتعل. وبالقدر ذاته استعمل إسماعيل شاه الصفوي المذهب الشيعي في مواجهة العثمانيين. غير أن هذا الاستعمال السياسي للدين قد أدى إلى نتائج مختلفة. فقد أنقذ المذهب الشيعي إيران من تدخل وسيطرة التركية العثمانية، كما يقول الحصري[6]. بينما ساعد "التسنن" الملفق بأسطورة الخلافة العثمانية إلى توسيع مدى وعمق الاحتلال التركي للعالم العربي وإنهاك مقاومته الخاصة المتعلقة بإعادة بناء كينونته الذاتية.

وأشار الحصري هنا إلى أن العثمانيين في بداية الأمر لم يعيروا أية أهمية لقيمة الخلافة. ثم اخذوا لاحقا يدركون قيمتها. حيث جرى اصطناع أسطورة تنازل العباسيون لهم. واستعملوها من اجل تقوية نفوذهم وتسهيل حكمهم[7]. والمقصود بذلك تصنيع أسطورة تنازل العباسيين في القاهرة عن الخلافة زمن سليم الأول. وكونها أسطورة مفتعلة هو أنها غير مؤيدة بأي أثر تاريخي مقيد وموثق. و(تاريخ بن إياس) المعاصر لتلك المرحلة الذي أورد كل دقائقها الكبيرة والصغيرة لا يحتوي على أية إشارة لذلك الحدث الذي يرتقي بمعايير المرحلة إلى مصاف الحدث الجلل. كما أنه لا يوجد تاريخ تركي كتب في عهد سليم الأول[8]. ومن هذا المنطلق استنتج الحصري، بأن فكرة الخلافة العثمانية ساعدت كثيرا على استسلام العرب للحكم العثماني، وأخرت كثيرا نشوء فكرة القومية العربية[9].

مما سبق يتضح، بأن تحليل تاريخ السيطرة العثمانية يرمي عند الحصري إلى الكشف عما يمكن دعوته بالمقدمات الروحية (الدينية) للسيطرة التركية على العالم العربي وديمومتها من خلال إبراز تراث وتقاليد التدين المتشدد في خطاب السلطة التركية على امتداد قرون عديدة، وتوظيف الرموز الدينية الكبرى (الخلافة). من هنا يمكن فهم موقف الحصري من الرابطة الدينية، واعتبارها مضرة بالنسبة للفكرة القومية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الرابطة الدينية ومكانتها المعنوية الرفيعة في البلاد العربية، قد "ساعدت مساعدة كبيرة أولا على استيلاء العثمانيين على البلاد العربية، وثانيا دوام حكمهم لهذه البلاد مدة طويلة دون تعب كبير"[10]. ولم يغير من ذلك شيئا بما في ذلك المحاولات اللاحقة للإصلاح مثل التنظيمات وأمثالها. بل نجد الحصري يجد فيها الصيغة الأكثر ضررا بالنسبة للفكرة القومية العربية. وذلك لأنها كانت محكومة أولا بنزعة السيطرة والاستيلاء واستمرارها، وكذلك بسبب النزعة العسكرية الذائبة في صلب التقاليد العثمانية.

فقد كانت النزعة العسكرية العثمانية وتقاليدها الخاصة احد أخطر المصادر سوءا في مضمار الخراب العميق للعالم العربي، وبالأخص ما يتعلق منه بالتاريخ السياسي وبناء الدولة العربية الحديثة[11]. أما "التنظيمات" فقد حصلت بعد انفصال مصر. لهذا لم يجر تطبيقها في العالم العربي بصورة متساوية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها اقتبست النظم الفرنسية وغالت في المركزية، فإن ذلك يعني انتقالها من الإفراط إلى التفريط. أما الإفراط بالمركزية فقد اضر ضررا بالغا أولا وقبل كل شيء البلاد العربية. إضافة لذلك أن هذه التنظيمات قد أضرت بالوحدة العربية من خلال إثارة الصراع الديني أيضا. فقد اعتقد الحصري بأن "التنظيمات زادت من ترابط الجماعات المسيحية على عكس المسلمين"[12]. من هنا رؤيته النظرية والعملية القومية الأولى التي وجدت تعبيرها الدقيق في عبارة "فكرة القومية العربية". وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "كان على فكرة القومية العربية أن تتغلب على هذين الاتجاهين في وقت واحد. كان عليها أن تحوّل أنظار المسلمين عن الدولة العثمانية، وأنظار المسيحيين عن الدول الأوربية لكي تجتمع كلمتهم حول العروبة التي تستمد قوتها من اللغة والتاريخ"[13].

الكينونة العربية

انطلق الحصري من أن القومية أصبحت من أهم العوامل التي تؤثر في تطور الدول وتكوّن الأوطان منذ أوائل القرن التاسع عشر[14]. ذلك يعني أنها ظاهرة تاريخية واجتماعية وسياسية جديدة. وإذا كان الحصري يجمع ما يدعوه بالعوامل الجامعة للقومية في كل من الاعتقاد بوحدة الأصل والمنشأ (سواء كان حقيقة أو وهما)، والتشابه في العواطف والعوائد، والتماثل في ذكريات الماضي ونزعات الحال وآمال المستقبل، فإنه رفع عامل الاشتراك في اللغة والتاريخ  إلى مصاف الأصل فيها[15]. لهذا نراه يتكلم عما اسماه بعناصر اللغة الواحدة والثقافة الواحدة، بوصفها الأكثر جوهرية في القومية. بل ونراه لاحقا يضع اللغة في أساس ما اسماه بالحقائق الكبرى للفكرة القومية العربية التي ينبغي الإيمان بها. ووضعها في عبارة تقول، بأن "جميع البلدان التي يتكلم سكانها باللغة العربية هي عربية"[16].

تنبع أهمية اللغة بالنسبة للقومية عند الحصري من كونها أهم الروابط المعنوية. وذلك لأن حياة الأمم تقوم على اللغة، كما يقول الحصري. وبالتالي، فهي روح الأمة وحياتها. أنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري. وهي من أهم مقومات شخصيتها[17]. وإذا كانت اللغة من أهم عناصر الثقافة، فإن ذلك يعني أنها الأعمق جذورا من جميع العناصر الأخرى[18]. كما أن وجوب الاستمساك بالأصول التاريخية للثقافة ينطلق من الاعتقاد القائل، بأن اللغة "هي أهم وأعمق الأصول التاريخية للثقافة" كما يقول الحصري[19]. وبهذا يكون الحصري قد سار هنا بأثر زكي الارسوزي ولكن من خلال توحيد فكرة اللغة والتاريخ بصورة عضوية. من هنا قوله، بأن حياة الأمم بلغتها وشعورها بتاريخها. بعبارة أخرى، إن اللغة والتاريخ هما بمثابة الحياة والشعور، أي الوحدة الحية الفاعلة للوجود. وبالتالي، فإن الأمة هي التي تتمتع بوحدة اللغة والتاريخ بوصفها كيانا حيا.

وليس مصادفة أن يشدد الحصري بهذا الصدد على أن المقصود بالتاريخ هنا هو التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد[20]، أي التاريخ الذي يوّحد في ذاته الهموم والآمال والمعايير بوصفها كلا واحدا. من هنا جوهرية التاريخ بالنسبة للفكرة القومية العربية. ذلك لأنه يشكل الأساس لصنع ما اسماه الحصري بأهم عوامل "القرابة المعنوية" عوضا عن "وحدة الأصل والدم"[21]. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى نقده للتسطيح النظري في فكرة السامية والآرية عن القومية. ومن ثم عدم صلاحيتها بما في ذلك من خلال استعمالها منطق اللغة في الموقف من الأقوام والأمم. وذلك لما فيها من انعزال تام عن فكرة التاريخ. من هنا قوله، بأن الانتشار السريع لفكرة السامية والآرية هو بسبب بساطتها وسطحيتها وكذلك لأسباب سياسية وأهواء تلائمها. واستشهد بعبارة ماكس ميولر الشهير بتدقيقاته اللغوية حين قال في معرض رده على هذه الفكرة والتصنيف: "القول بعرق سامي وآخر آري وما شابه ذلك يشبه بقاموس مستطيل الرأس أو نحو قصير الرأس"[22]. ولا يعني ذلك في آراء ومواقف الحصري سوى أن وحدة اللغة والتاريخ هي وحدة حية ذاتية. ومن ثم لها أثرها الخاص في مصير الأمم. لهذا نراه يرد على أولئك الذين حاولوا التقليل من الدور التاريخي الهائل للعرب بالنسبة للحضارة الكونية والثقافة الإنسانية، استنادا إلى فكرة انحطاط السامية وسمو الآرية. كما نراه يرد على من قال بأنه لم يكن دور العرب سوى دور الناقل لا المبدع، قائلا، بأنه "حتى فكرة مجرد نقل العرب للمعارف (رغم سطحيتها) فإنها كافية لأن تجعل منهم أمة من أكبر الأمم التي قدمت للحضارة العالمية اجلّ الخدمات"[23].

إن إدراك القيمة التاريخية للتاريخ الذاتي (القومي) بالنسبة للحصري هو الوجه الآخر للرؤية المستقبلية. من هنا رده النظري على فكرة انعدام "وحدة التاريخ" العربي. ولا يعني ذلك سوى انقطاعه المتكرر. وبالتالي لا يمكن الحديث عن تاريخ عربي موحد. وتوصل إلى أن "وحدة التاريخ" لا تتحقق في تاريخ أمة أو دولة من الدول. وعندما نقول "وحدة التاريخ" فالمقصود بها "الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات التاريخ، والتي أوجدت ثقافة الأمة الأساسية، وأعطتها لغتها الحالية وطبعتها بطابعها الخاص"[24]. ويحتوي التاريخ العربي على هذه الوحدة الحية التي يمكن رؤيتها على وحدة لغته وثقافته الذاتية، أي كل ما طبعها بطابعها الخاص. لكن التاريخ العربي، شأن كل التواريخ الكبرى يحتوي، بفعل امتداده وعراقته وتنوعه الهائل وصراعاته وصعوده وهبوطه، على جوانب تجعل من الضروري مهمة إعادة كتابته بالشكل الذي يبرّز وحدته الداخلية، بمعنى إعادة كتابته بطريقة تحتوي بقدر معقول ومتناسب على وحدة القومي والعلمي.

إن البحث عن نسبة معقولة ومقبولة بين القومي والعلمي في كتابة التاريخ عند الحصري ليست إلا الصيغة التي تتوحد فيها الرؤية العلمية الدقيقة ووحدة التاريخ من أجل صنع الأنا المشتركة بمعايير الرؤية الدقيقة والعملية للماضي والحاضر والمستقبل. وضمن هذا السياق يمكن فهم مطالبته بما اسماه بكتابة التاريخ العربي"بعقلية غربية ونزعة قومية"[25]. فهو يشير إلى أن اغلب الكتب التاريخية العربية الحديثة والقديمة أيضا تهتم بخصوصيات حياة الشخصيات (من علماء وأدباء ورجال دولة وغيرهم) أكثر مما تدرس مآثرهم الحقيقية وخدماتهم الفعلية. وبالمقابل نراه يشدد على أهمية فكرة نسيان جزء من التاريخ القومي، التي قال بها البعض في موقفهم من التاريخ القومي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "على كل أمة أن تنسى قسما من تاريخها"، بوصفه الأسلوب الضروري لبلوغ "وحدة التاريخ"، أي الوجه النظري الموِّحد للهموم والآمال. وللتدليل على ذلك نراه يقول، بأن "الوحدة الحقيقية في أمة من الأمم لا يمكن أن تضمن إلا بنسيان قسم من الوقائع التي حدثت لها خلال تاريخها الطويل... وليس المقصود بذلك حذف أخبار تلك الوقائع من الكتب، بل إهمالها وإبعادها من منطقة "الفكر الفعالة"، وإخراجها من عداد "الفكر...." وتغلب التاريخ المشترك عليها"[26]. وهذا بدوره يعني، بأن فكرة "النسيان" هذه هي فكرة منهجية وظيفية جزئية وليست مبدأ شاملا.

مما سبق يتضح، بأن مساعي الحصري لتوحيد التاريخ القومي هو الاستكمال الضروري لوحدة اللغة والتاريخ الجوهرية في تأسيسه للقومية. لهذا نراه يشدد في معرض رده على الاتهامات والنقد الفكري من جانب أولئك الذين وجدوا في أرائه إبعادا للدين من الفكرة القومية، قائلا، بأن نفي تهمة الدينية واللادينية عن القومية يستلزم استكمالها بفكرة أخرى وهي "أن القوميين يعتقدون بوجوب الاستمساك بالأصول التاريخية للثقافة. لكنهم يعتقدون بأن أهم وأعمق الأصول التاريخية للثقافة هي اللغة"[27]. ولا يعني ذلك من الناحية النظرية سوى محاولة تنقية الفكرة القومية من كل العوارض المحتملة عبر إرجاعها إلى أصولها المجردة. كما سعى الارسوزي إلى ذلك أيضا. من هنا مطالبة الحصري بتدريس التاريخ العربي بحيث لا يخضع لاعتبارات الدين والدعاية وما شابه ذلك، بل من اجل "المصلحة القومية"[28]، لما في ذلك من خفي وعلني، مباشر وغير مباشر على المستقبل.

فالتاريخ بالنسبة للحصري ليس ماض ومستقبل بل وكينونة كامنة في فكرة الأثر الفاعل للتاريخ في المستقبل. من هنا نراه يتحدث عما يمكن دعوته بالرؤية المستقبلية المتفائلة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن المتشاءم يمكنه الرجوع إلى التاريخ بشكل عام ودراسة تواريخ النهضات القومية الحديثة. واستكمل ذلك بفكرة تقول، بأن الأمة العربية وصلت إلى أرقى درجات الحضارة (سابقا) وكانت أقوى منار للعلم في العالم خلال عهد طويل. ولعبت دورا هاما في تاريخ تقدم البشر لم يتيسر مثله إلا لبضعة أمم. ولا يعقل ولا يمكن أن تصبح غير قادرة على النهوض[29].

إن توصل الحصري إلى وحدة التاريخ واللغة الجوهرية بالنسبة للقومية، لم يعن إهمال غيرها من العناصر الضرورية. لكنه حاول أن يجعل منها أصولا في الفكرة القومية أيضا. وقد أكد الحصري على أن القول بأهمية وجوهرية اللغة والتاريخ بالنسبة للقومية لا يعني أنها العناصر الوحيدة[30]. لهذا نراه يضيف إليهما خمسة عناصر أخرى وهي كل من الدين والدولة والاقتصاد والتراب والدم. لكنها تبقى عناصر إضافية، أي ليست جوهرية.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

...................

[1] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص22.

[2] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، بيروت، دار العلم للملايين، 1965، ص37.

[3] إن الحالة التي يشير إليها الحصري تشبه ما يعاني منه العالم العربي المعاصر. بمعنى تقديمه تضحيات كبرى وهائلة عادة ما يستفاد منها الآخرين. فالحصري يشير إلى أن احتلال العالم العربي من جانب الدولة العثمانية جرى في مرحلة الصراع بينها وبين الدولة الصفوية. وكلاهما كان يتمتع بالصعود والقوة والفتوة، بينما كان المماليك في طور الخمول بأثر حروبهم الهائلة والعظيمة مع الصليبيين، أي الحروب التي كان العرب مادتها ووقودها.

[4] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص34.

[5] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص33.

[6] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص41.

[7]ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص45.

[8] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص43.

[9] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص46.

[10] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص28.

[11] اتخذ الحصري من العراق مثلا نموذجيا بهذا الصدد. حيث لم يبق منه حتى نهاية السيطرة العثمانية غير أطلال خربة في كل شيء. ففيه تنعدم معالم المدنية والحضارة. ويغيب التاريخ. بل حتى المدارس القليلة التي تعد على أصابع اليد (الواحدة) لم تخرّج غير حفنة من العسكريين فقط. والسبب هو أنهم لم يجدوا مخرجا "لتعلمهم" غير الانخراط في سلك العسكرية. وليس مصادفة ألا تجد الحكومة العراقية بين أبناءها في بداية تكوينها غير عدد قليل من خريجي المدارس العالية من غير العسكرية. ومن يستعرض أسماء رؤساء الوزارات الذين تولوا الحكم (1923-1941) يجد أن معظمهم كانوا ممن درسوا في المدارس العسكرية (البلاد العربية والدولة العثمانية، ص86.). وفيما لو استكملنا فكرة الحصري، فإن من الممكن رؤية آثار هذه الحالة على تاريخ كل البلاد العربية التي استحكمت فيها تقاليد العثمانية، بمعنى استعادة دور العسكر في بنية الدولة والسلطة والنظام السياسي، كما هو جلي في تاريخ ما بعد الاستقلال السياسي في كل من العراق وسوريا واليمن الشمالي ومصر وليبيا. بينما تخف هذه الحالة في البلدان التي لم تخضع للسيطرة التركية، مثل الجزائر وتونس والمغرب وشبه الجزيرة العربية والسودان. بل أن تركيا. نفسها لم تتحرر بعد من ثقل هذه التقاليد التي جرى إعادة بنائها بفعل الأتاتوركية وتحويلها إلى "صنم" الدولة القومية والنزعة الدنيوية والغربنة المفتعلة.

[12] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص94.

[13] ساطع الحصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص95.

[14] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص14.

[15] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص19.

[16] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص11.

[17] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص32.

[18] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص182.

[19] ساطع الحصري: العروبة أولا!، ص183.

[20] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص32.

[21] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص76. وقد خصص لذلك كتاب (ما هي القومية) وكتاب (الوطنية والقومية).

[22] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص67.

[23] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص62.

[24] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص47-48.

[25] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص61.

[26] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ص48.

[27] ساطع الحصري: العروبة أولا!، بيروت، دار العلم للملايين، ط5، 1965، ص183.

[28] ساطع الحصري: حول القومية العربية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 1985، ص88.( طبع للمرة الأولى عام 1961).

[29] ساطع الحصري: آراء وأحاديث في الوطنية والقومية،  ص70.

[30] ساطع الحصري: حول القومية العربية. ص111.

 

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (17)

ماهية وخصوصية النهضة العربية

يمتلك العالم العربي، كما يقول جرجي زيدان، تراثه التاريخي الهائل بما في ذلك في مجال النهضة. لهذا نراه يتكلم عن "نهضة عربية" أولى، وجد نموذجها في القرن الأول قبل الإسلام. حيث ظهرت في الشعر والأدب والدين. وبالتالي، فلا معنى للقول بأنها كانت موجود قبل ذلك بسبب انقطاع أخبارهم. وذلك لأن العرب أنفسهم نقلوا لنا أخبار "العرب البائدة"[1]. ولعل في ظهور الحضارة العربية الإسلامية ونموها السريع وتحولها إلى حضارة كونية احد الأدلة على ما اسماه جرجي زيدان، بالاستعداد الذاتي للنهضة والتمدن[2]. والشيء نفسه ينطبق على محاولات محمد علي باشا إنشاء دولة إسلامية كبرى. من هنا مسعاه للاستناد إلى عصبية إسلامية. وبما أن ميول الأتراك آنذاك كانت للدولة العثمانية، لهذا نراه مضطرا للاعتماد على العرب. مما أدى إلى إحياء "العنصر العربي وتنشيط العصبية العربية بما أنشأه من المدارس والمطابع أو نشره للكتب". وإذا كانت هذه النهضة لم تفده كثيرا في مجرى صراعه مع الغرب الأوربي، إلا أنها "أفادت أهل الشرق من العرب فائدة أدبية علمية بتمهيد السبيل للنهضة التي نحن فيها"[3]. من هنا نراه يفرد كتابا خاصا عن "مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر"، ويخصص الجزء الأول لرجال السياسة، أما الثاني فيفرده لأركان النهضة العملية والأدبية والفكرية والشعراء. وإذا كانت القيمة الفكرية لهذا الكتاب تقوم في محاولته جميع أثر ومآثر الشخصيات التي لعبت دورا في إرساء أسس النهضة في العالم العربي والإسلامي (والشرقي كما يدعوه زيدان)، فإن مطالبته القارئ بإيفاده بمعلومات عمن لم يشملهم هذا الكتاب، تعني محاولته إشراك الجميع في توسيع مدى القوة الفاعلة في النهضة، بوصفها عملا تاريخيا ثقافيا جامعا[4]. لهذا نراه يدرج ليس فقط العرب، بل والأوربيين والأتراك والفرس وغيرهم ممن ساهم بقدر ما من الأقدار في دعم وإرساء فكرة النهضة وأساليبها. لهذا نراه يدرج شخصيات مثل الفرنسي انطون كلوت، صاحب الأثر في نشر علم الطب في مصر، و"ممن يخلد ذكرهم في التاريخ المصري مدى الدهور"[5]. إضافة إلى عشرات من الشخصيات الكبرى مثل الشيخ ناصيف اليازجي، الذي يصفه بعبارة "ركن من أركان النهضة اللغوية في بلاد الشام"[6]. ويعتبر رفاعة الطهطاوي أول من خدم خدمة كبرى في نشر العلوم الحديثة[7]. والشيء نفسه يقال عن بطرس البستاني، وعلي مبارك صاحب "الخطط التوفيقية" الذي قام ببناء وتنظيم المدن والري. بينما نراه يفرد لجمال الدين الأفغاني تقديم خاص بحيث يرفعه إلى مصاف الذروة الكبرى في تنشيط هواجس وأفكار النهضة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "قد تمر القرون وتتوالى الأجيال والناس على ما ساقتهم إليه الحاجة من شئون معائشهم لا يفقهون غثها من سمينها ولا يدركون مبدأها ولا مصيرها حتى تتمخض الطبيعة فتلد من أبنائها أفرادا يميطون عن أسرارها اللثام". وأن هؤلاء النوع من البشر هم "أقطاب العلم وأوار العالم ومنهم الفلاسفة الطبيعيون (يكشفون غوامض الطبيعة)، والعقليون (يستطلعون أسرار الحكمة)". وأن الطبيعة لا تجود بأمثالهم إلا كل بضعة قرون. وهذا هو شأن الطبيعة. وليس معزولا عما "لله في خلقه حكمة لا تدركها العقول. فقد ينبغ في بعض الأجيال أفراد توفرت فيهم قوى الفلاسفة ومواهب رجال الأعمال فتحيط بهم بيئات لا تصلح إنماء ما يغرسون فيذهب سعيهم هباء منثورا". وأن الأفغاني من بين أولئك العظماء الذين جهل الناس حق قدرهم واغفل التاريخ ذكرهم(!). إلا أن الأفغاني يبقى قطبا من أقطاب الفلسفة، وركنا من أركان السياسة، رغم كونه لم يؤلف كتبا (شأن سقراط)[8].

كما لا يبخل جرجي زيدان حق كل تلك الكوكبة الكبيرة من الأدباء مثل أديب اسحق والشدياق وسليم تقلا وبشارة تقلا (مؤسسا الأهرام) وعبد الله نديم (صاحب رواية الوطن والعرب) وإبراهيم المويلحي وإبراهيم اليازجي. والحال نفسه ينطبق على الشعراء مثل أمين الحمصي ويوسف الدبس وسليم شحادة وفرنسيس مراش وعبد الغفار الأخرس وعمر الأنسي والشيخ نجيب الحداد ومحمود سامي البارودي وغيرهم[9]. وفي الوقت نفسه نراه يتكلم عن مآثر الجميع وأعمالهم وصفاتهم الشخصية من اجل إبراز الوحدة الخفية لأثرهم في النهضة الروحية والعقلية والأخلاقية.

ووضع هذه المقدمة النظرية والتطبيقية في أساس رؤيته لبعض المهمات الكبرى المتعلقة بتجسيد مستلزمات النهضة في العالم العربي بشكل عام ومصر على الأخص. ومن بين أهم تلك المهمات بنظر جرجي زيدان هي مهمة التربية. لهذا نراه ينطلق مما اسماه باختلاف الآراء حول أهميتها ومهمتها ووظيفتها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الناس من حيث تأثير التربية في الإنسان فريقان. فريق لا يرون للتربية فائدة على الإطلاق، وعندهم إن الإنسان إنما يشبّ على ما فطر عليه أن خيرا أو شرا... فعندهم أن التربية عبارة عن مصقلة تصقل بها المواهب كما يصقل النحاس والفضة".  و"فريق يزعم أن الإنسان صنيعة التربية يكون كما يشاء مربيه، فيشب على ما يتعوده من خير أو شر. فهو كالعجينة أو الطينة"[10]. أما وجهة نظره الخاصة فقد بلورها بالشكل التالي: "إن التربية ليست من قبيل صقل النحاس أو الفضة.... ولا هي من قبيل العجين أو الطين". كلاهما لا حياة مستقلة لهما[11]. من هنا وضعه شعار وفكرة التعليم العام والمجاني والإلزامي[12]. لهذا نراه ينتقد سلوك الحكومة المجافي لإدراك هذه المهمة. بل اعتبر إهمال الحكومة لفكرة مجانية التعليم هي إساءة إلى الأمة لأنها حالت بين الفقراء وأسباب الارتقاء... و"لو تدبرت تاريخ هذه النهضة لرأيت أكثر الذين ظهروا في أولها وأيدوها بمؤلفاتهم أو إدارتهم أو حكمتهم إنما نبغوا من أبناء الفقراء"[13]. لهذا نراه يرفع شعار إلزامية التعليم بوصفها الحلقة المكملة والضرورية للرقي العام. من هنا قوله: "الأمة تحتاج إلى التحريض على التعليم. ولا يكفيها المجانية وإنما هي في حاجة إلى التعليم الإلزامي"[14].

وليس مصادفة أن يربط الإصلاح والنهضة في كل واحد من خلال التعويل على الرقي المادي والمعنوي عبر التعليم والاهتمام به. واعتبر ذلك في الوقت نفسه مهمة المجتمع وليس الدولة فقط. من هنا انتقاده سلوك أولئك الذين "بدلا من أن يصرفوا ذكاءهم ويتفقوا قواهم في كتابة ما يثير خواطر الأمة على حكومتها أو يئول إلى سوء الظن بمشيريها، أن يحرضوها على التعليم والتهذيب ويستدروا أموال الأغنياء لإنشاء المدارس العالية"[15]. واعتبر ذلك المقدمة الضرورية للاستقلال الناجز. فالاستقلال الفعلي هو استقلال شامل كامل تام. ويستحيل بلوغ ذلك دون التربية والتعليم المبني على أساس العلم الحديث والحرية. وكتب بهذا الصدد يقول: "إننا في حاجة إلى التدرب على الاستقلال في الفكر والاستقلال في العمل حتى لا نبقى عالة على الحكومة"[16]. بل واعتبر "الاستقلال الحقيقي الأساسي هو استقلال الأمة بمصالحها وطرق معاشها في التجارة والزراعة والصناعة. فتجتمع الثروة في أيديها. والثروة دم المجتمع الإنساني. فبدلا من أن تتعلق معائش الأمة على أهواء الحكومة تصبح الحكومة في حاجة إلى ثروة الأمة وإلى رأيها"[17]. وهذا بدوره ليس إلا الأساس غير المرئي لفكرة الديمقراطية الاجتماعية والنظام الرشيد، أي فكرة الإدارة الذاتية والمجتمع المدني. ففي مجرى تناوله تجربة مصر نراه يشير إلى أن الاستنجاد بالآخرين يضعها في نهاية المطاف، مهما كانت الأسباب والغايات، تحت سيطرة الحكم الجديد. أما الاستنتاج النهائي فوضعه بعبارة تقول، بأن "الالتجاء إلى دولة أجنبية التماسا للاستقلال ضرب من العبث"[18]. ومن هنا استنتاجه الأخير، الذي يعيد بطريقة أخرى أو يتمثل مقدمات تأسيسه الأولية، كما هو جلي في عباراته القائلة:"إننا في حاجة إلى استقلال أدبي أكثر مما إلى استقلال سياسي. ومعنى ذلك إننا نحتاج إلى التدرب على الاستقلال في الفكر والعمل لكي لا نكون عالة على الحكومة"[19].

لقد جسّد جرجي زيدان رحيق العملية المعقدة لبروز ونمو وتكامل الرؤية العلمية والواقعية عن التاريخ الفعلي للعالم العربي، ومن ثم إرساء أسس الرؤية الأولية لوعي الذات الثقافي. فقد كانت بدايته في مجال البحث التاريخي بحد ذاتها مؤشرا خفيا يحتوي على كمون الرؤية القومية والثقافية. ومع أن بدايتها كانت تتسم بقدر كبير من البحث والتجريب في تاريخ العرب وتاريخ الإسلام، إلا أنها استطاعت في الوقت نفسه أن تبلور فكرة جوهرية التاريخ وأثرها أو أهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة. ووجد ذلك انعكاسه في حلقات الاهتمام بفكرة التاريخ العربي (القومي) ثم الثقافي (الإسلامي) ثم القومي الثقافي (التمدن العربي وآداب اللغة) وأثرها أو أهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة. فقد ارتقت هذه الفكرة إلى مصاف الرؤية الثقافية في مجرى دراسة التمدن، ثم ارتقت إلى مستوى التوليف بينهما، أي التوليف بين القومي والثقافي. وفي بدايتها كانت جزئية عبر دراسة اللغة (الصيغة المجردة) ولاحقا عبر دراسة تاريخ آداب اللغة العربية، أي كل ما أدى إلى بلورة المرجعية الخفية القائلة، بأن وعي الذات التاريخي الثقافي وخصوصية الأدب الذاتي يفترضان ضرورة النهضة الحديثة.

إننا نقف هنا أمام عقلانية فطام تاريخي عن تاريخ الإسلام السلفي العقائدي والمذهبي. ومن ثم مهّدت أيضا للعناصر الأكثر فاعلية في مختلف نماذج عقلانيات الفطام واليقين (التي سأتناولها بالدراسة والتحليل لاحقا). وذلك لأنها كانت تحتوي على فطام ونقد واغتراب (جزئي). وليس مصادفة أن تصبح لاحقا نموذجا للمحاكاة. وذلك لأن الفطام كان يحتوي على تجميع وتثقيف وترتيب وتقويم، أما النقد فقد كان يحتوي على تجريح وتوضيح وجدل، بينما كان الاغتراب يحتوي على ابتعاد وانفصال وهروب.(انتهى).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

.......................

[1] جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ج1، ص32.

[2] جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، ج1، ص32.

[3] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص104.

[4] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، مصر، مطبعة الهلال، 1922، ج2، ص4.

[5] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص11.

[6] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص13.

[7] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص26.

[8] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص53.

[9] جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، ج2، ص225-312.

[10] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص7.

[11] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص7.

[12] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص11.

[13] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص16.

[14] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص16.

[15] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[16] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[17] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص6.

[18] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص23.

[19] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص.24

 

 

منى زيتونمن أسماء الله تعالى الرازق والرزّاق، والخالق والخلّاق. فهل هناك فرق؟

هناك اتفاق بين أصحاب العقائد الإسلامية المختلفة على أن الخلق والرزق من صفات الأفعال التي يحدثها الله تعالى في مخلوقاته، ‏فليسا من صفات الذات.

وعندما نقرأ للمفسرين نجد أنهم ميّزوا اسميّ الرزّاق والخلّاق عن الاسمين الآخرين فقط بأنهما صيغتا مبالغة، للدلالة على كثرة رزق وخلق الله تبارك وتعالى، ولم يرضني هذا التمييز الضحل يومًا.

ما أفهمه أن الرازق هو القادر على الرزق، وقد خلق الله تعالى الأرض ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]. ولكن الرزّاق اسم يحمل معنى الاستمرارية وليس فقط المبالغة في الكثرة العددية، بمعنى أنه يرزق خلقه باستمرار ودون انقطاع، ويقسم بينهم الأرزاق. وكذا -فيما أرى- الخالق والخلّاق؛ فالخالق هو القادر على الخلق، القائم به، فأوجد جميع الأنواع والأجرام بعد أن لم تكن موجودة، وأبدعها على غير مثال، ولكن الخلّاق تعني استمرارية وديمومة خلقه.

ورد اسم الخلّاق في القرآن الكريم مرتين

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ «85» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ «86»﴾ [الحجر: 85-86].

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ «81» إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ «82» فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «83»﴾ [يس: 81-83].

وفي كلا الآيتين نجد اقترانًا لطيفًا بين اسميّ الخلّاق والعليم، وأنهما وردا معًا في معرض ذكر الأمر الأول بخلق الكون، والتذكير في اللحظة نفسها بختامه، وكأنه مشهد واحد مجمل.

في البداية، كان الله ولا شيء معه، وفي البدء كانت الكلمة (كُن)، فكان الخلق الأول بالكلمة القديمة، ‏ولكن ذلك الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته، ظهر بالتتابع وليس فجأة. والتتابع ليس فقط هو الستة أيام، بل حتى نهاية العالم؛ ذلك العالم ‏الذي يذكرنا الله تعالى باسميه الخلّاق العليم عند ذكر خلقه إجمالًا من بدئه إلى ختامه، فكل ما سيظهر فيه هو من خلقه، وغير غائب عن علمه.‏

وهذا التصور الديني للخلق والإيجاد الكلي يتفق مع مفهوم نسبية الزمن لأينشتاين. وفقًا للنظرية النسبية، فإن الزمن لا يتدفق كما كنا نتوهم؛ فالماضي والحاضر والمستقبل كله موجود، فلا الماضي ذهب، ولا حوادث المستقبل تنتظر أن تُوجد، بل هي خيارات أمامنا سنختار أحدها، ونمضي، وما نختاره لا سبيل للرجوع لاختيار بديل له، وإدراكنا هو ما يحدد لنا ما نسميه الزمن.

لكن، ما هو التوصيف الصحيح لاسم الخلّاق؟

هل هو إيجاد خلق (مُحدَث) في لحظات متتابعة من زمننا المادي، أم إظهار ما قضى الله تعالى ‏خلقه أزلًا بالكلمة الأولى في النطاق الميتافيزيقي، قبل أن يوجد العالم المادي بمكوناته ومنها مفهوم الزمن ذاته؟

إن الآيتين اللتين ورد فيهما اسم الخلّاق تعيدانا إلى لحظة الخلق الأولى في النطاق الميتافيزيقي، ولكنها أيضًا تلفتنا خفية إلى الخلق المفصّل في كوننا المادي؛ ذلك الخلق الذي سيتدفق ويسري في كل لحظة من لحظات عمر الكون وحتى ختامه.

لكن، هل هذا الخلق المفصّل المادي هو مُحدَث في لحظة اختيارنا لبدائله ثم إدراكنا له، أم هو مُحدَث من لحظة الخلق الأول للكون؟ إنها أسئلة تصعب الإجابة عليها.

استمرارية الخلق

في كل لحظة من عمر الكون يولد أفراد جُدد، طفل إنساني، شبل أسد، جنين حبة قمح ينبت، نجم يولد، كما أنه في كل لحظة تموت أفراد من كل الأنواع والأجرام.

لكن استمرارية الخلق أوسع من ذلك؛ إذ كما تسري على الأفراد فإنها تسري على الأنواع.

يتفق العلم والدين على أن الكون قد خُلِق تباعًا، وأن الأنواع الحية التي تعمر الأرض لم توجد كلها في لحظة واحدة من عمر الكون، ويكاد يكون من المجزوم به أن الإنسان هو أحدث الأنواع ظهورًا على كوكبنا، ولا يعنينا هنا مناقشة طريقة الخلق ذاتها، وهل كانت خلقًا مباشرًا من الله كما يقتنع الدينيون، أم تطورت الأنواع من بعضها كما يدّعي التطوريون.

وتخبرنا ملاحظة الطبيعة من حولنا أن آلاف الأنواع يتم تسجيلها سنويًا كأنواع جديدة لم تُكتشف وتُصنف من قبل، فلا زال ‏العلماء يكتشفون أنواعًا جديدة من الفونا الحيوانية والفلورا النباتية، لا ‏يوجد دليل على أنها تطورت من أنواع ‏أخرى.‏ كما أن هناك أنواعًا أخرى تقل معدلات تكاثرها حتى تفنى أفرادها عن آخرها، وينتهي دورها على مسرح الحياة.

هل تنقرض أنواع الحيوانات والنباتات بسبب الكوارث الطبيعية أو الإخلال بالتوازن البيئي؟!

فيما يخص الأنواع المكتشفة، فلا أسهل من ادعاء أن العلماء قد غفلوا عنها سابقًا، لكن فيما يخص تفسير حدوث انقراض لأنواع أخرى، فقد وضع العلماء احتمالات مختلفة أهمها أن تلك الأنواع تنقرض لتغير الظروف البيئية وعدم قدرتها على التكيف، أو بسبب تدخل الإنسان في الطبيعة، أو لتنافس الكائنات على البيئة، أو لحدوث ‏كوارث بيئية.

ولكن ما لم يضعه العلماء في الحسبان هو احتمالية أن النوع ينقرض لأنه ببساطة قد كتب الله فناء النوع، مثلما كتب من قبل خلقه، ‏وأن للأنواع أعمارًا مثلما للأفراد، وأن احتمالًا من الاحتمالات التي وضعها الإنسان قد يصلح نظريًا أحيانًا لتفسير انقراض بعض الأنواع، ولكنه لن يصلح لتفسير انقراض أنواع أخرى، فكل الفرضيات التي وُضعت من قِبل العلماء لتفسير الانقراض لا تكفي لتفسير انقراض كل تلك الأنواع التي انقرضت قديمًا وحديثًا، سواء كان التفسير مدعمًا بالأدلة أم مجرد فرضية، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، كما أن كل تلك الاحتمالات لا تستطيع تفسير ضعف معدلات تكاثر الأنواع التي تدخل في لائحة الانقراض، ثم تنقرض.

وهذا الاحتمال الأخير مُستبعد رغم أن المشاهدات تدعمه، فما سُجل من مشاهدات عن أنواع انقرضت خلال المئات الأخيرة من عمر الزمن تنفي ماعداه. والمسألة ببساطة أن أعداد النوع تقل تدريجيًا بإضعاف معدلات تكاثره، حتى يحين أجله مثلما تحين آجال الأفراد، وأحيانًا تتدخل بعض العوامل الأخرى للإسهام في تسريع معدل تقليل الأعداد. ومن لم يمت بالسيف، مات بغيره.

ولعل أكبر دليل على أن الانقراض يتعلق بالأساس بوصول الحقيبة الوراثية للنوع إلى درجة الشيخوخة، وانتفاء قدرتها على التكاثر لإنتاج مزيد من الأفراد القادرين على الحياة، هو الفشل الذي مُنيت به كل محاولات استنساخ الحيوانات المنقرضة وإعادتها إلى الحياة، رغم الآمال العريضة التي وضعها علماء الأحياء الملاحدة حولها، لتدعيم منظورهم المادي للخلق، وتصورهم القدرة على التحكم فيه. في عام 2009 تم استنساخ أول نوع منقرض وهو وعل البرانس الذي كان قد أُعلِن عن انقراضه رسميًا عام 2000، لكن الحيوان المستنسخ مات بعد سبع دقائق فقط، وذلك بسبب العيوب الجسدية بالرئتين، وفشل الرئة في التنفس. ومنذ سنوات يتحدثون عن محاولات تُجرى لإعادة الماموث إلى الحياة أو تهجين بعض جيناته بجينات الفيل الآسيوي، ولم تُفلِح أي من تلك المحاولات.

فشل نظرية الكوارث ونظرية الإخلال بالتوازن البيئي

لعل المثال الأشهر الذي يضربه منظرو الكوارث هو النيزك الذي ضرب المكسيك في الأزمان السحيقة، ويفترضه بعض العلماء سببًا لانقراض الديناصورات، ووفقًا للسيناريو الذي تخيلوه، فإن النيزك خلّف سحابة ترابية حجبت ضوء الشمس لشهور، فماتت النباتات لعجزها عن القيام بعملية البناء الضوئي، وماتت الحيوانات العاشبة ثم اللواحم، ومن بينها جميع أنواع الديناصورات، وهو سيناريو يصعب تصديقه، فهو يفترض أن الديناصورات لم تقطن سوى تلك البقعة من الأرض، ثم أي سحابة تلك التي حجبت ضوء الشمس لشهور؟! وأين ذهبت الرياح؟! كما أن المفترض أن تتساقط جزيئات الأتربة تباعًا بفعل الجاذبية!

كما أن فحص الطبقات الرسوبية في مناطق أخرى بأمريكا الشمالية ينفي تلك الفرضية الخيالية تمامًا؛ فقد وُجدت فيها عظام ديناصورات في فترات زمنية أقرب بكثير من زمن ارتطام ذلك النيزك بالأرض، بل وجدت في إحداها آثار إنسان وديناصور معًا! أي أن الديناصورات عاشت لفترات زمنية طويلة بعد زمن ارتطام ذلك النيزك، والأهم أن فحص الرواسب قد أكد أن انقراض الديناصورات كان تدريجيًا، بالطريقة نفسها التي ما زلنا نشهدها إلى يومنا هذا في انقراض سائر الأنواع.

وطائر الدودو انقرض تدريجيًا منذ قرون، دون حدوث كارثة أو تغير مناخي، وما يُدّعى من صيد جائر حدث له من قِبل البحارة كان السبب في انقراضه، يبدو غير منطقي، وربما لو افتُرض أن الصيد الجائر كان من قِبل البشر المقيمين لا البحارة المرتحلين ذوي الأعداد البسيطة، لكان افتراضًا أكثر تعقلًا، ولكنه في النهاية سيبقى مجرد افتراض لا دليل عليه، لأن الحقيقة أنه كانت تتناقص أعداده تدريجيًا مثل سائر المنقرضات.

وتوجد دلائل على أنه عندما وصل الناس إلى الطرف الجنوبي الأقصى من أمريكا كانت ‏حيوانات الميجاثريوم (الكسلان الجبار) وحيوان الجليبتودون (الأرماديللو الجبار) ما تزال بين ‏الأحياء، ثم انقرضت مع الزمن.‏

وفي رحلة البيجل الشهيرة، في القرن التاسع عشر، وتحديدًا في باتاجونيا، حقّق داروين اكتشافًا لعظم أحفوري لثدييات ضخمة منقرضة في المنحدرات بجانب ‏أصداف بحرية حديثة؛ حيث كان هذا دليلًا على انقراض حديث بدون وجود إشارات لتغير في ‏المناخ أو حصول كارثة.‏

ومن أمثلة الأنواع الحيوانية التي انقرضت في العقود الأخيرة دون كوارث بيئية: دب كاليفورنيا الذهبي، والنمر التيسماني، والحمام الزاجل، وسلحفاة جزيرة بنتا، والضفدع العلجوم الذهبي، ووحيد القرن الأفريقي، وغيرها الكثير.

ودب الباندا وفهد الشيتا والغزال العربي وغيرها من أنواع الحيوانات في طريقها إلى الانقراض، فقد تناقصت أعدادها تدريجيًا، ولم تفلح المحميات الطبيعية ومنع الصيد ومحاولات التلقيح الصناعي في رفع معدلات التزاوج.

بل يذكر علماء البيئة أن معدلات الانقراض بين الأنواع الحيوانية ترتفع، ولكنهم مصرون –دون دليل يفسر انتقائية الانقراض- على أن التغيرات البيئية هي السبب، ويدّعون أننا مشرفون على ما يُسمونه بالانقراض الجماعي السادس!

فنظرًا لفشل نظرية الكوارث في تفسير حالات الانقراض الحديثة المتزايدة، فقد أصبح الاحتباس الحراري هو السبب المحتمل الذي يُحاول العلماء عزو الانقراض إليه، دون أن يخبرونا عن الآلية التي أثّر بها على بعض الأنواع تحديدًا دون غيرها، وهل أثّر على دب الباندا على سبيل المثال وجعله مهددًا بخطر الانقراض؟ ودون أن يفسروا لنا انقراض أنواع كالميجاثريم وغيره من الأنواع التي سكنت الأرض قبل القرن العشرين قبل أن يظهر هذا العامل، بل وقبل أن يردّوا على العلماء الطاعنين في نظرية الاحتباس الحراري ذاتها. ومن أشهر من اتُهِم الاحتباس الحراري بأنه السبب وراء انقراضه: ضفدع العلجوم الذهبي.

إن أغلب ما تم تسجيله من تأثيرات الإنسان على الطبيعة هو الإخلال بالتوازن البيئي، خاصة عند إدخال نوع حيواني جديد إلى فُونا حيوانية متزنة، وادعاء أن انقراض بعض الأنواع بعد فترة من فونا البيئة التي فقدت اتزانها هو بسبب الأنواع الجديدة الدخيلة لا يوجد تبرير كافٍ لافتراضه في أغلب الأحيان، لأنه افتراض انتقائي؛ حيث لا تنقرض أنواع كثيرة رغم دخولها في السلاسل الغذائية المتأثرة.

وحتى تأثيرات الإنسان على البيئة، بما فيها الصيد الجائر، كما حدث في حالة الحمام الزاجل، أو التلوث البيئي والتعدين، لا تصلح لتفسير انقراض أنواع كثيرة من الحيوانات أو وضعها على لائحة الخطر.

وحتى لو سلمنا بأن تلك الأسباب تلعب دورًا في تقليل أعداد الأنواع المنقرضة، فقد تعددت الأسباب، والموت واحد، فالمُقدّر أن يختفي ذلك النوع أو ذاك.

أما التنافس بين الأنواع على البيئة، فيعتبر من أسخف الفرضيات المطروحة؛ كون الاستقراء مما نشاهده بأعيننا يقودنا إلى استنتاج العكس تمامًا؛ فالأنواع الحية إذا ما تُرِكت وحدها دون تدخل من الإنسان تتوازن أعدادها، بل إن بعض أنواع الحيوانات عندما تتزايد أعدادها في البيئة تمتنع عن التزاوج لإعادة التوازن.

ولكن هذه الفرضية الأخيرة هي وليدة نظرية دارون، والتي صورت العلاقات البيئية على هيئة صراع، ولكنها فشلت في إثبات أن الأنواع التي تختفي تتطور عنها أنواع أرقى، فكل ما نراه هو أنواع تختفي، وأنواع أخرى تظهر –يكتشف العلماء وجودها في الطبيعة فجأة- لا علاقة لها بتلك التي انقرضت، ولم يستطع حتى دوكنز، زعيم التطوريين المعاصرين، أن يشير إلى أي نوع مما تم تسجيله حديثًا ليدعي أنه تطور من ذلك النوع الذي انقرض أو على وشك الانقراض.

لم أقتنع يومًا أن آلاف الأنواع التي تُسجل سنويًا كأنواع جديدة مكتشفة كانت موجودة من قبل ولكن عمينا عنها، والحقيقة الماثلة أمام أعيننا أن الأنواع يسري عليها قانون الحياة والموت الذي يسري على الأفراد؛ بمعنى أن كل نوع يظهر على مسرح الحياة في وقت ويختفي في وقت، وكلاهما يحدده الله، وقد تظهر أسباب تسهم في ذلك الانقراض، ولكن يبقى السبب الأهم والأوضح هو نقص معدل التكاثر لشيخوخة الحقيبة الوراثية للنوع. وكما أنه لا يمكن لأي عاقل أن يدعي أن سببًا واحدًا أو حزمة من عدة أسباب هي سبب موت الأفراد ولا عداها، فإن القول نفسه ينطبق على الأنواع الحية.

إن قانون الحياة والموت بالفعل أكبر من محدودية عقولنا. وسواء شئنا أم أبينا، فهمنا أو لم نفهم، فكل الكون سيندثر بما فيه، ولكل أجل محتوم. وهذا ليس نفورًا من العلم، بل معرفة لحدوده.

وهذا من تجليات اسم الخلّاق.

 

د. منى زيتون

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث(15)

فلسفة آداب التاريخ العربي: انطلق جرجي زيدان من فكرة عامة تقول، بأن تشابه الأمم من حيث طبائعها ومداركها لا ينفي خصوصياتها. مما ترتب على هذا تفاوتها في المواهب وامتياز كل أمة بآداب أجادت فيها وتناقلتها سائر الأمم عنها مثل اليونان بالفلسفة والأدب التمثيلي، والرومان بالشرائع، والهنود بالقصص الخرافية، أما العرب فقد ملئوا الدنيا شعرا وأدبا وفقها وتاريخا وهم قدوة الناس في المعاجم العلمية والتاريخية وفلسفة التاريخ[1]. فالعرب يمتازون بدقة الإحساس في نفوسهم وسرعة الخاطر وسعة الخيال. مما جعل من آدابها أغنى آداب لغات العالم[2]. ولم يكن ذلك بدوره معزولا عن "أن الذين وضعوا آدابها في أثناء التمدن الإسلامي أخلاط من أمم شتى جمعهم الإسلام"[3]. بمعنى تنوع تجاربهم وتوسع مداها في ظل الوحدة الثقافية الكبرى التي أبدعها عالم الإسلام. وبالتالي، فإن ارتقاء أدب العرب يعكس ارتقاء عقولهم. فقد كان العرب كبار العقول أهل ذكاء ونباهة واختبار وحنكة. ويمكن رؤية ذلك في لغتهم[4].

وطبّق جرجي زيدان مواقفه المنهجية العامة في الأجزاء الأربعة لكتاب (آداب اللغة العربية) بوصفها التاريخ الأدبي والعلمي (الروحي) لتاريخ (التمدن الإسلامي). إذ نراه في الجزء الأول يصب اهتمامه على تأسيس المقدمة النظرية والتاريخية للشعر والشعراء. وهي الصفة التي ميزت كتبه الباقية باستثناء الجزء الرابع. إذ نراه يصور ما يدعوه بنهضة الشعر في الجاهلية، أي ارتقاءه الكمي والنوعي. ثم يتناول خصائص الشعر وأشهر شعراء الجاهلية إضافة إلى تناول مختلف جوانب حياتهم وعلاقتهم بالأمراء. مع تخصيص لما اسماه بالشعراء الفرسان والصعاليك والحكماء والعشاق وأهل الهجاء والوصافين للخيل وكثير غيرهم.

إننا نعثر هنا على محاولة رؤية التنوع الهائل في الإبداع ووحدته الداخلية. إضافة إلى تتبعه نشوء وتطور العلوم الطبيعية والرياضية وما وراء الطبيعة بوصفها تقاليد عربية دخلت الثقافة الإسلامية اللاحقة وكوّنت المقدمة غير المرئية والمرئية لآداب اللغة العربية في طورها الإسلامي. بينما دار محور الجزء الثاني حول آداب اللغة وإبداعها النظري والعملي في مختلف الميادين كالشعر والعلوم الدينية والعلوم اللسانية، والنحو والفقه والإنشاء ومدارسه والعلوم الشرعية والتاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية. والشيء نفسه ينطبق على الجزء الثالث. لكن خصوصيته وقيمته تكمن في تكثيف حصيلة الدراسة التاريخية لآداب اللغة العربية، أي الإبداع العقلي والروحي صوب إبراز قيمة الوعي التاريخي. من هنا اهتمامه بفكرة التاريخ، وجعله منها الموضوع الأكبر للجزء الثالث. وتتبع تاريخ نشوئها وارتقائها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن العرب في البداية كانوا أبعد الناس عن نقد التاريخ. وذلك لأن همهم الأساسي كان الإسناد والرواية[5].

إلا أن الارتقاء الذاتي للحضارة العربية الإسلامية وتذبذب مسارها السياسي المعقد قد أدى في نهاية المطاف إلى بروز العلم التاريخي والفكرة التاريخية وأخيرا فلسفة التاريخ. وإذا كان هذه التطور الداخلي العميق والمنظومي مرافق من الناحية الزمنية أيضا لحالة الانحطاط، فأن جرجي زيدان استطاع ضبط احد أسباب هذه المفارقة الغريبة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن ظهور أساطين المؤرخين هو الوجه الآخر لسقوط الدولة. فالتاريخ "من أدل آداب اللغة على حالة الأمة، لأنه يدوّن أعمالها ويتكيف على ما تقتضيه أحوالها. فإذا كان تشتت المملكة الإسلامية وكثرة أصحاب السيادة فيها من الملوك والأمراء بعث على الإكثار من تدوين السير الفردية لأولئك العظماء. فاكتساح المغول للدول الإسلامية، التي كانت تناصر العلم والعلماء، أدى إلى جمع تلك السير وأمثالها في كتب عامة هي التراجم والطبقات[6]. وبهذا يكون الوعي التاريخ العربي قد قطع الشوط الضروري من اجل إرساء الرؤية النقدية والعلمية للتاريخ. وإذا كان احد أسباب ضعف الكتابة التاريخية هو الخضوع للسلطان مع ما أدى إليه بالضرورة من تشويه نسبي للكتابة التاريخية، إضافة إلى انتشار نفسية "تقديس" الخلفاء وتجريدهم من الخطأ مما يزيد التاريخ تشويشا[7]. إلا أن ذلك لم يعق تطور النظر إلى التاريخ بعين النقد وبيان الأغلاط والأوهام فيه. وهو آخر مراحل تطور الرؤية النقدية عند العرب[8]. أما ذروتها الكبرى فقد وصلت إلى حد إرساء أسس فلسفة التاريخ. ويدخل فيها تدّبر الحوادث التاريخية واستخراج الأحكام العامة. ويمكن العثور على نتف منها في بعض كتب السياسة والحكمة. لكن أول من تطرق إليها هو أبو بكر الطرطوشي(ت-520 هجرية) في كتابه (سراج الملوك)، إذ وضع فيه للسياسة قواعد، وللحكومة شروطا، مبنية علة تدبير الحوادث التاريخية[9]. أما الفضل التام في استنباط هذا العلم فيرجع إلى ابن خلدون، كما يقول جرجي زيدان، لأنه هو الذي وضع في فلسفة التاريخ علما سماه "طبيعة العمران في الخليقة". فّصله في مقدمة تاريخه تفصيلا لم يسبقه احد إلى مثله[10].

مما سبق، يتضح، بأن القضايا التي تناولها زيدان تتنوع وتتكامل سواء بمعايير الرؤية التاريخية أو الأدبية. فهو يتناول تاريخ اللغة العربية وآدابها في مختلف الميادين والدرجات والمستويات والشخصيات والمراحل. بمعنى أنه يصور لنا تاريخ الذهنية العربية بوصفها كلا واحدا متنوع الأشكال والمستويات لكنه مترابط بوصفه تاريخا واحدا. ففيه نعثر على دراسة لتاريخ آداب اللغة قبل الإسلام. إضافة إلى تاريخ اللغة العربية ومميزاتها. مع إبراز لما اسماه جرجي زيدان بالتاريخ المعنوي للأمم بوصفه التاريخ الأهم والأكثر جوهرية في حياة الأمم. ووضع ذلك في فكرة نظرية تقول، بأنه "لا يستطاع الوصول إلى فهم حقيقة الأمة أو كنه تمدنها أو سياستها إلا بالإطلاع على تاريخ العلم والأدب فيها. فهو شارح للتاريخ يعلل الأسباب والحوادث بعللها الحقيقية"[11].  ووضع هذه الفكرة المنهجية في استنتاجه النظري والعملي القائل بضرورة ربط التاريخ الأدبي بالتاريخ السياسي، أي تاريخ الثقافة بفكرة الدولة والتاريخ القومي السياسي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأسباب لا تزال غامضة حتى نعلم تاريخ علوم الأمة وهو تاريخ عقولها وقرائحها، فتنجلي لنا العوامل الأصلية في أسباب رقيها أو سقوطها.... وإنما الأمم أخلاق ما بقيت. على أن تاريخ آداب اللغة لا يكون وافيا إن لم يوّضح بالتاريخ السياسي"[12]. واستكمل حكمه هذا بفكرة تقول، بأن "أهل التمدن الحديث يجعلون البحث في آداب اللغة من أهم الوسائل لتفهم تاريخها السياسي... وبالقياس على الماضي، يقولون إن هذه الأمة هي الآن في دور الحماسة الشعرية مثلا، ولا تلبث أن تنتقل إلى العصر الأدبي، ثم العلمي فالفلسفي"[13]. وهي الخاتمة التي انتقل عبرها جرجي زيدان إلى تمثل الإدراك الجديد للتاريخ القومي. بمعنى وضع كل هذه الحصيلة النظرية للماضي في صلب الرؤية النقدية للحاضر من اجل تأسيس فكرة الإصلاح والنهضة.

ولا يعني ذلك في الواقع سوى التوصل إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأن المسار الفعلي لوعي الذات التاريخي الثقافي يؤدي بالضرورة إلى استثارة باعث النهضة. وقد سار جرجي زيدان ضمن سياق المرحلة ومتطلباتها ومرجعياتها الكبرى التي فهمت النهضة على أنها رجوعا للأصل ولكن بمعايير الحداثة (الأوربية). من هنا جوهرية اللغة والأدب والتاريخ، بوصفه الثالوث الضروري لانعتاق الوجدان وتحصين الأركان. وليس مصادفة أيضا أن ينطلق جرجي زيدان مما اسماه بذروة انحطاط اللغة العربية في نهاية القرن الثامن عشر. وفي الوقت نفسه يجد فيها مرحلة انهيال المعرفة الجديدة والعلوم الجديدة انهيال السيل[14]. بحيث لم تترك هذه الحالة أمام الناس فرصة البحث عما تحتاج إليه تلك العلوم من الألفاظ الاصطلاحية مما وضعه العرب سابقا. بينما من اشتغل في هذا الميدان لم يكن على إطلاع أو دراية واسعة باللغة. إلا أن استعمالها المتكرر وبالأخص بتأثير الجرائد والمجلات جعل ويجعل من الصعب تغييرها. فقد كان اغلب التولد في الكلمات عفويا. كما أن اغلبه ليس دقيقا. إضافة لذلك أن هناك جملة من الأسباب التاريخية والسياسية التي أدت إلى ركاكة العربية لعل سطوة المماليك هي من بين أكبرها[15]. وضمن هذا السياق كتب يقول، من "الطبيعي أن اللغة تحيى بحياة أهلها وتموت بموتهم، وتزهو بزهوهم وتنحط بانحطاطهم. ففي عصر أولئك المماليك بلغت مصر من التدهور في السياسة والإدارة والأدب والعلوم ما لم يبق بعده غاية"[16]. بينما الحكومة كانت تهتم بشئونها الخاصة فقط ولم تعر أدنى اهتمام بتعليم الناس وتهذيبهم وترقية أفكارهم وإصلاح شأنهم"[17]. وفي هذا كانت تكمن بواعث وجذور رؤيته الفكرية عن اللغة بوصفها كائنا حيا، أي كل ما أدى في نهاية المطاف إلى بلورة خلاصة نظرية وعملية عنها مهمتها إشراك اللغة بالنهضة عبر النهوض بها. وخلاصة آراءه بهذا الصدد كانت تدور حول أن اللغة كائن حي خاضع لناموس الارتقاء، وانه آن الأوان للتخلص من قيود الجاهلية وإخراجها من سجن البداوة، وأن لغة البدو والخيام والبراري لا تصلح للمدن والقصور، وأنه لا بأس من اقتباس الكلمات والمصطلحات الأجنبية إذا كان ذلك ضروريا، وأن من الضروري اتخاذ أسلوب الوسط لكي تكون اللغة العربية شبيهة بالتركية العثمانية التي لا تحتوي على أكثر من عشرة بالمائة من أصولها التركية. من هنا استنتاجه الحاسم صوب ما اسماه بضرورة المحافظة على سلامة اللغة العربية والاهتمام باستيفائها على فصاحتها وبلاغتها[18].

ووضع هذه المقدمة في أساس نقده للتقليد الأجوف للغرب الأوربي وفكرة الدفاع عن العامية في مواجهة الفصحى. ففي معرض انتقاده لهذا النوع من التقليد الأجوف نراه يستشهد بمثال خطبة عربية بليغة (بوصفها وثيقة تاريخية) بعد ترجمتها عن الفرنسية(!) "فجاءت أعجمية اللهجة عارية من البلاغة العربية، مع إمكان نقلها بعبارتها الأصلية لفظا ومعنى"[19]. وعندما طبق ذلك على حالة العربية في مصر آنذاك، فإننا نراه يجد احد أسباب الخلاف والتشويش في التفكير والكتابة المعاصرة له كونها تتجاذبها قوة الانعطاف صوب التقليد للانجليز أو الفرنسيين. مما أثر بدوره على اختلاف وتباين الآراء والأذواق والمبادئ والأخلاق[20]. لكنه في الوقت نفسه لم ينس تعقيد اللغة القديمة، أو بصورة أدق انغلاقها النسبي بسبب الانقطاع التاريخي. من هنا ربطه بين ما اسماه بتعقيد اللغة القديمة وصعوبتها بالنسبة للمعاصرين وتقليد المعاصرين لها دون تطويرها، بوصفه احد الأسباب الإضافية في هذا الخلل[21].

وبالمقابل نراه في مجرى الدفاع عن العربية الفصحى يرد على أولئك (الغربيين) الذين قالوا بأن سبب تخلف الإبداع العلمي بين العرب (والمصريين في الحالة المعنية) كونهم لا يكتبون بلغتهم الدارجة بل بالعربية الفصحى. وللتدليل على ذلك استشهدوا بحالة الانجليز فيما مضى عندما كانوا يكتبون باللاتينية، وبعد تركهم لها وكتابتهم بالانجليزية. في حين وجد جرجي زيدان في هذه الرؤية جهلا بواقع العلاقة بين العامية والفصحى من جهة وعدم تشابه ذلك مع الانجليزية واللاتينية من جهة أخرى. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه إذا كان بإمكان العامية إنقاذنا من شر فإنها توقعنا في اشد منه. وذلك لما في العامية واستعمالها من زيادة للاختلاف والفرقة بين العرب (لهجات أهل مصر والشام وغيرها)[22]. الأمر الذي يجعل من اللغة الفصحى وتوسيع مداها وتهذيبها وتطويرها بما يتناسب مع حاجات المرحلة الحالية مهمة ضرورية. بل وجد فيها مقدمة النهضة الأدبية. وأشار هنا إلى ما اسماه بالنهضة الجلية بهذا الصدد، رغم حجمها الصغير، الذي يبدو اقرب إلى لعبة أطفال مقارنة بالغرب الأوربي، إلا أنها ذات آفاق كبرى. ووضع هذه الفكرة في أساس الاعتدال في المواقف من هذه القضية، أي في أساس ما يمكن دعوته بالموقف الواقعي والعقلاني منها. لهذا نراه يقف بالضد من أولئك الذين يتعاملون مع آداب الأسلاف (العرب) باحتقار، معتبرا ذلك موقف ينم عن جهل وكسل معرفي[23]. ومن هنا أيضا مطالبته بالحثّ "على تأييد اللغة العربية لأنها قوام الأمة العربية أو العنصر العربي. ولا بقاء للأمة إلا بلغتها. ولا حياة للسان العربي إلا بمصر لأنها محور العالم العربي. وإذا قدّر لهذه اللغة أن تنهض فعلى مصر الواجب الأول في إنهاضها"[24]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص19.

[2] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص22.

[3] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص22.

[4] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص29.

[5] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160-161. لا يخلو هذا الحكم من تعسف وعدم دقة. فالإسناد والرواية كانا يحتويان على تلازم داخلي اقرب ما يكون إلى منطق الرؤية التاريخية ومنهج تمحيصها. وبالتالي، فأنهما في وحدتهما كانا يتمثلان الصيغة الأولية للرؤية النقدية. إضافة لذلك إن مبدأ الرواية الأولي هو الصيغة الضرورية والمثلى لكل نظرة نقدية لاحقا. مع أن كتابات وروايات الطبري والبلاذري والأصفهاني وأمثالهم كانت تتسم بقدر كبير من الرؤية النقدية.

[6] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160.

[7] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص163.

[8] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص160-162.

[9] هذا الحكم ليس دقيقا. إذ أن أول من تناول هذه القضايا بمعايير الرؤية العقلية العقلانية والواقعية التاريخية هو الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المتوفي عام 450 للهجرة.، أي قبل الطرطوشي بقرن من الزمن.

[10] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج3، ص166.

[11] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[12] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[13] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص14.

[14] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، بيروت، دار الجيل، ط2، 1988،ص73.

[15] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص88.

[16] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص90.

[17] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، 1988، ص90.

[18] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، ص94.

[19] جرجي زيدان: المختارات، مصر، مطبعة الهلال، 1921 ج3، ص130.

[20] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص130.

[21] جرجي زيدان: المختارات، مصر، ج3، ص 138.

[22] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص 13.

[23] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص130.

[24] جرجي زيدان: المختارات، ج3، ص138.

 

 

احمد بلحاج اية وارهام* النقطة في المفهوم الصوفي: النقطة لدى الصوفية هي محلُّ سكون مدِّ الوجود المتقلب، بعد ظهوره في أصلاب الحدود والقيود والعدد والمعدود، وهي مركز الاستواء الذي فيه حجابية الحروف بتنوع تعريجاتها، وهي كذلك الإنسان باعتباره مركز الكون، فهي هو وهو هي، فسائر النقط في سائر البدايات والأوساط والغازات تنتهي من نقطة الأحدية إلى نقطة السويداء المحمدية، إذ منتهى كل شيء في الأحدية ما هو إلا نقطة خفية معنويةتشمل الحقائق كلها.وبما أن الإنسان حرف وجودي، فإن حروف الهجاء الدالة على مراتب الوجود قد جاءت النقطة لتكون سرها، وسبب ما يخطر في الوجود ظاهرا وباطنا.فوجودها وجود مفردٌ دالٌّ على آنية أنا، وآنية أنت، وهوية هو، مشيرٌ إلى وحدة المحقق عند سلب الإرادة ونيل المراد، وحذف مسافة المواجد، وإلى الفيض الأول المسمى بالعقل الفعال.

إنها مدار جميع دوائر الكون كله، منها تنشأ كل الدائر لكونها نونَ الإحاطة الإلهية عينها، وما ثم غيرها، معناها لا تحويه الألفاظ، إذا ذُكرت عني بها غيب الذات المسماة بوحدة الشهود. أصل كل الحروف منها، وإنما جاء الكثرة من انبساطها.فهي أصل كل خط، وما الخط إلا نقط مجتمعة، ومن ثم لا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط، وكل ما يقع البصر عليه فهو نقطة بين نقطتين - حسب الحلاج -

وأول ما تجلت به النقطة وظهرت به ظهوراً يقتضي التعريف: هو وجود الألف . فجاء على صورة التنزيه أقرب منه للتشبيه، ليكون موجوداً في كل الحروف بصفته مبايناً لها بحقيقته .ولهذا لا يقع عليها حد التعريف كما يقع على غيرها من الحروف. فهي منزهة عن كل ما يوجد في الحرف من طول وقصر واحديداب . فلا تعقل بما يعقل به الحرف رسماً ولفظاً . فبينونتها من الحرف معقولة وكينونتها فيه مجهولة . فهي عند ابن ع بي تعتبر الحجاب على النور الذي رشه الخالق على الخلق، ولا تبدأ حياة ولا فعل إلا بها، ولذا كانت في باء البدء التي هي باء البسملة، بوصفها النقطة الوجودية التي بتعينهاتعينت الحروف الإلهية والكونية، وتعيَّن الظل الذي مده الله تعالى حين انبسطت.لا تةجد الأسماء إلا بعد وجودها، بالتصريف تخفيها، وبالتشريف تجليها.

فهي الفيض الأول المسمى بالعقل الفعال، هي الحضرة المحمدية، ونور الأنوار، وسر الأسرار.عليها مدار الدوائر، ومنها يتكون كل دائر، تعد عين الإحاطة الإلهية، وعين الجميع، إذ ما ثم غيرها، معناها لا تحيط به الألفاظ، لا يقصد بها إذا ذكرت إلا غيب الذات المقدسة المسماة بوحدة الشهود.وكما من نفس هذه الذات انبثق الكون وما فيه من مكونات، فكذلك الحروف فإنها انبثقت من نقطة واحدة، إذ من انبساطها جاءت الكثرةفمن رآها أو رأى شيئا تجلت فيه رأى الله تعالى في صنعه صغيرا كان أو كبيرا.

إنها على خلاف كل الحروف المتولدة عنها ليس كمثلها حرف ما، ولهذا لا يقع عليها التعريف كما يقع على الحروف، ولا يعرض لها ما يعرض للحرف من طول وقصر واحديداب، ولا تعقل بما يعقل به رسما ولفظا، ولذا كانت منزهة، يستند عليها الإنسان في عمله، وتستمد منها روحه ووجدانه، بوصفها النقطة الأولى من نقاط الدائرة الوجودية الجامعة للحقائق التي أودعها الخالق في كل شيء، جعل فيه ميلا إليها، كأنه أمر معنوي، يتحرك به إليها.يعود منتهى كل شيء إليها.فمنتهى الكلام يعود إلى الحروف، ومنتهى الحروف يعود إلى الألف، ومنتهى الألف إلى النقطة.والنقطة في المنظور الصوفي هي الوجود المطلق الظاهر بالباطن، بها ظهرت الهوية التي هي مبدأ الوجود، والتي ليست لها إشارة ولا عبارة، فدلت بوجودها ذاك على مقام الأحدية.

* النقطة في الفكر والخط العربيين

النقطة هي التي ينتهي الخط بها، و هي التي لا يوجد أي شيء أصغر منها. إنها الركيزة التي تنطلق منها رؤية نظام التناسب الجمالي، والتحليل الماهَوي لفعل الخط، فهي عند الخطاطين الصوفية وغيرهم أشبه بالإرادة المطلقة التي تُوجِدُ، لأنها الفاصلة الوجود والعدم، وبين الغموض والوضوح، وبين الحق والباطل، لا تتضح ما هية الحروف إلا بها، لكونها مصدر وجودها، فهي صغيرة في أثرها، كبيرة في دلالاتها، عظيمة في مجال الفن والجمال، حيث تؤكد كينونتها الفنية بقوة، وتبسطها في مفاهيم متعددة على مختلف المستويات. فالخط العربي على اختلاف أطواره التاريخية هي التي جعلت منه أفقاً معرفياً وجمالياً يثير الكثير من الإشكالات الفلسفية والفنية، والكثير من القضايا المتصلة بإلإدراك البصري للخط العربي، أو بالمنحى الذي يدرس العملية الإبداعية فيه.حيث تتجاوز عناصر التشكيل المتعارف عليها فيه من خط ولون وملمس، إلى عناصر تتصل بجوانب عدة، تحتاج إلى مزيد من التمحيص و الدراسة.

فالتصوف وفن الخط يعدان من مفردات عالم الوجدان الفني بشكل أساسي، كما يعد البحث في العلاقة بينهما من المباحث المتشابكة، يحمل بين طياته الكثير من الأطياف الوجدانية والاجتماعية. فجمالية النقطة بوصفها بعداً فنياً وفكرياً له دلالاته في الحرف العربي، وله قيمته التشكيلية والتعبيرية، وعناصر التكوين فيه، وكيف تدخل النقطة كشكل ودلالة في اللوحة الخطية الصوفية عموماً ولوحة الخط العربي خصوصاً، وكيف تشتغل بأسس فنية وجمالية فريدة، مرتبطة باللغة والزخرفة العربية.

فالنقطة في الخط ذات، وباب معرفة متأبية على الظهور..ذات تعبر عن الكينونةالتي جعل التجريد نموذجا، وتقدمه كشكل صافٍ، مبتعدٍ عن الدنيوي، مقتربٍ من الصفاء والاختصار الهندسيين.فالخطاطون يعتبرونها وحدة قياس، والفلاسفة جسدا بصرية مكَوِّنا للخطوط والسطوح، وباعتبارها هذا كانت وحدة تقاس بها تناسبات الجمالي الذي كان الحرف يدل عليه.

ولكن ما هو شكل النقطة بالتحديد؟

يقول المسعودي عنها في مروج ذهبه:<هي سطح مربع، يتكون نتيجة جرةقصيررة للقصبة(=القلم)على الورقة، طوله مساو لعرض منقار القصبة>.وهذا الشكل المربع يأتي نتيجة استخدام القصبة فقط.وما يعتبر نقطة في الخط وعلم الحساب لا يتقيد مطلقا بهذا الشكل المربع، بل قد يتخذ أشكالا أخرى في فضاء الورقة كنقاط استدلال، أو كعنصر تزييني من أجلإعطاء قيمة للفراغ.فالتجريد في الخط العربي يهيمن بشكل شبه مطلق، وحتى (الفراغ) نفسه كان يتغيى الامتلاء بحضور المقدس، إن لم يكن هو نفسه تعبيرا عن المقدس، يعبر عنه، تجريديا، بتكرارات شكلية لا نهائية تريد التشبه بلانهائية المقدس الحاضر في كل مكان.

و لإخوان الصفا حديث عن النسبة الفضلى، في الفن البصري، وفي الفن الموسيقي، يبين أن هذه النسبة مستنبطة من تأمل طويل في الطبيعة والكون وليست مجرد تخمين مجاني.فالخط فن تولد من النقطة، غايته تشبيه فعل الطبيعة، كل كلمة فيه صورة متناسبة الأعضاء.وهنا نكون أمام نظرية المحاكاة الأرسطية محوَّوةً لصالح التجريد، غير أن المقياس في الخط العربي ينطلق من رؤية تعطي الاعتبار لما هو جواني وللمتطابق مع هاجس المقدس، والروحاني، لأن الخط ما هو إلا فكرةٌ روحانية، ونقطةُ عالمٍ طفيف، يمكن تكبيرها وتصغيرهاحسب الحدوس التي تمور في وجدان الخطاط. بينما في غيره ينطلق المقياس من رؤية تعطي الاعتبار لما هو براني، و لما هو مرئي، حيث يتم الاشتغال على الدنيوي، وعلى ما مآله الزوال.

فعبر فن الخط العربي ظهرت نظرية النقطة بوصفها بابا لمعارف الوجود والحياة، وطريقا سالكا لا ستكناه الجمالي في دوائر الكون الكبرى، وحافزا على إبداع تأملات جمالية تعين على التمتع بالحياة.فمن فكرة التناسبفي الكون اهتدى إخوان الصفا ؛انطلاقا من النقطة والتناسب؛ إلى تكوين نظرية في علم الجمال، هي في غاية الأهمية والقوة.بينوا فيها النسبة الفضلى القائمة على الهارمونية في كل خط ورسم، كما هي لدى الأغارقة منذ فيثاغورس.فبنظرية إخوان الصفا نستطيع أن نكتشف المجهول المنسي، لكونهم يضعون مسافة بينة بين التناسبات البصرية الموضوعية، وطريقة ادراكها، فهم يلقون بنظرية بصرية تصلح لأن تكون دليلا للرسامين، ويقدمون فكرة عن إستحالة عمل بصري موضوعي الى درجة التشديد، فكلما كثرت الوسائط بين الشيء المنظور وبين النظر كان الخطأ فيه أكثر، واحتاجت الحاسة فيه الى دليل آخر يحقق نظرها ويصدق خبرها . من ذلك السراب فانه أخص من الماء، فحار فيه النظر وحال البعد فيما بين النظر وبينه عن الحكم عليه بما هو به، فظنه ماءً، فلما جاءه لم يجده شيئاً، وكذلك حال الشيء البعيد فإن الوسائط بينه وبين البصر كثيرة وهي الضياء والهواء، وكلما بعد ازداد في الصغر والتلاشي في البصر الى أن يغيب.

فنظريتهم تعد مساهمة عميقة في تحليل وفحص فن الخط العربي عبر فكرة النقطة بشكل خاص، مستندين على معارف الهندسة الاقليدية، التي تطابق هوىً جذرياً في التجريد الهندسي الاسلامي القائم على النقطة والخط والسطح ا لمستوي، فجميع تأويلاتهم المتعلقة بالنقطة لا تجد لها نظائر لدى اقليدس.، وإنما تعريفهم من طبيعة تأويلية، لأنهم يمنحون التعريفات السابقة بعداً جديداً ويتجاوزونها. فالنقطة عندهم تمثل بعداً اساسياً من أبعاد الفن الإسلامي عامة، وفي فن الخط العربي خاصة، وتُستخدم بمثابة مقياس لدقة كتابة الحروف، وتشكل من جهة أخرى مقياساً للخطوط في علم الهندسة المحض. فهي بداية ونهاية الخط المستقيم، وهي بالنسبة لإخوان الصفا الشكل الذي "لا جزء له" - وهو تعريف إقليدي - إذا ما قورنت بالأشكال الأخرى.

فالمقاربة العربية الصوفية وغير الصوفية للنقطة هي مقاربة لها كطبيعة لامرئيةمتوهَّمة ومتخيَّلة.أما مقاربة الأغارقة لها فهي مقاربة لشكل غير قادر على التجزؤ، ولأثرٍ يدمغ.وإذن فالنقطة كائن غير مادي، أصلي وهمي، خفي لا يتحقق إلا بالبرهان، ويقاربها الفنان الروسي كاندينسكي في كتابه(النقطة، الخط، السطح)من وجهة نظر مادية، حيث يقول عنها:(إنها تماثل الصفر).

فأية علاقة توجد بين النقطة (.) وبين الصفر(0)؟

لا شك أن هناك علاقة تشابه بينها وبين الصفر في الرياضيات الهنديةدفهو يكتب هكذا:(.)، ويمثل في الكتابة الشرقية الصفر والنقطة في آن واحدٍ، أما في الأرقام المغربية فالصفرهو:(0)، والنقطة في الكتابة هي:(.).فهذه (.)الهندية/ العربية هي التي تماثل الصفر عند كاندينسكي، وهي التي بنى عليها استنتاجاته، ومن بينها دلالة النقطة على الصمت الذي هو وقوف على حافة اللاوجود، و يوضح ذلك بالمعادلة التالية: الصمت=(.)=(0)، وعلى العلاقة بين الجواني والبراني، وكأنه بهذا يشير إلى علم جمال جديد قائم على أساس النقطة باعتبارها إشارة ورمزا، تفتح العين والأذن بها طريق الصمت نحو الكلام.للخروج من الفقر الروحاني، والدخول ف الفكر الصوفي الغزير الذي يستجلب هذا المعنى عينه للنقطة.

ستظل النقطة حجر الأساس في التصوف والفلسفة والفكر والفن؛ منها تبزغ شمس الإنسان في الأرض، ورغم كونها كائنا صغيرا متاهي الصغر فإنها مندمجة في الفاعلية الكونية الشاملة، وفي كل كائن كوني.

 

أحمد بلحاج آية وارهام

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (14)

اللغة العربية وكينونتها الثقافية

لقد سعى جرجي زيدان إلى تأسيس ما يمكن دعوته بفكرة الانتقال من تاريخ الأمة والدولة إلى تاريخ إبداعها الروحي (الثقافي)، أي أمام انتقال حي وفعال من التاريخ الظاهر إلى التاريخ الباطن، ومن الجسد إلى الروح، ومن الإحساس إلى العقل عبر توحيدهما جميعا. بمعنى دفع مسار تحصين الأركان وانعتاق الوجدان صوب الرؤية القومية الثقافية.

ونعثر على ذلك فيما يمكن دعوته بموازاة انتقال فكره وتفكيره وهمومه من التاريخ إلى التاريخ العربي الانتقال بالموقف من اللغة إلى اللغة العربية. وليس هذا بدوره سوى الارتقاء بالفكرة والتفكير من المجرد إلى الملموس، ومن التاريخي إلى الثقافي. إذ لا يعني الانتقال من دراسة اللغة إلى اللغة العربية سوى الوجه الآخر أو المكمل للانتقال من دراسة وتأمل التاريخ إلى التاريخ القومي. فقد كتب جرجي زيدان كتاب (الفلسفة اللغوية) للمرة الأولى عام 1886. ثم طوره لاحقا في كتاب (اللغة العربية كائن حي). واكتشف في مجرى تأملاته الأولى عن إدراك القيمة العلمية والأدبية لهذا الصنف من التأليف. وكتب بهذا الصدد يقول بأنه يرفع هذه الدراسة إلى أهل النظر والتحقيق لينظروا فيها. والهدف من وراء ذلك هو "فائدة أدبية لعموم أفراد الهيئة التي هم بينها"[1]. لكننا نراه يستغرب بسرعة متوازية مع سرعة نفاذ الطبعة الأولى. فقد كان يعتقد في البدء، بأن هذا الموضوع من البحث الفلسفي الجديد "لا يرتاح إليه إلا فئة قليلة من خاصة الأدباء، وذوي الإطلاع ممن يلتذون بالأبحاث العقلية الفلسفية". لكن تخوفه السابق يضمحل ويتلاشى مقابل رؤيته "تكاثر أهل الخاصة"، أي المثقفين، بأثر نفاذ الطبعة الأولى[2]. أما في الواقع، فإننا نقف هنا أمام ظاهرة تقول، بأن الوعي الاجتماعي والنظري كان مستعدا أو متلهفا لهذا الموضوع، بوصفه موضوعا تاريخيا قوميا ثقافيا. وليست تأملات وأفكار وتفكير واستنتاجات جرجي زيدان بهذا الصدد سوى التعبير العلمي عن هذه الاستعداد.

انطلق جرجي زيدان من تصوره عن اللغة بوصفها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. وقد تعددت أنواع الأصوات وطرق التعبير بتعدد الأمم واختلاف أصواتها"[3]. وضع هذا المقدمة في فكرته القائلة، بأن اللغة مكتسبة واصطلاحية. وبالتالي، فأنها ليست ضرورية وليست توفيقية، وذلك لأنها تحصل بالاكتساب وأنها ليست ثابتة. فاللغة تتبدل وتتطور[4]. وارجع هذا التبدل والتطور على أساس تأمله لتاريخ اللغات، أو ما اسماه بمبدأ نشوئها وارتقائها إلى ما في الإنسان من موهبة التقليد. إذ اعتبر "التقليد أساس اللغة وأصل نشأتها ومدار ارتقائها"[5]. فإذا كان "ناموس الارتقاء هو من صفات الأجسام الحية" كما يقول جرجي زيدان، فإن اللغة العربية تعرضت هي الأخرى لتطور خاص بها. حيث مرّت حسب تصور زيدان بثلاث مراحل كبرى وهي العصر الجاهلي، وعصر الإسلام، وعصر النهضة الحديثة. كما أنها في بداية الأمر ونهاية المطاف جزء من تقاليد اللغات السامية. لاسيما وأن اللغة (اللغات) السامية هي لغة التمدن الأول. فقد نشأ التمدن بين المتكلمين بالسامية كالبابليين والآشوريين والفينيقيين. فللغة العربية يرجع الفضل في ارتقاء شأن اللغات السامية عموما. وذلك لأن "اللغة العربية تعد من أرقى اللغات بيانا، وأوسعها نطاقا، وأغناها ألفاظا، وأدقها تعبيرا". ووضع استنتاجه هذا على أساس رؤيته لأقسام اللغات السامية وتطورها وأثرها. فالقسم الأول يحتوي على الآرامية التي تنقسم بدورها إلى السريانية والكلدانية. أما البابلية فقد دعيت أول الأمر أرامية (سفر دانيال) ثم اعتبرت كلدانية ثم سريانية (الكتاب المقدس)، بينما هي في الواقع لغة واحدة. أما القسم الثاني (العبرانية)، فقد حفظت التاريخ القديم (الأسطوري). غير أن ما يتكلم به بني إسرائيل اليوم هو ليس العبرانية صرفا.

أما القسم الثالث (العربية)، فإن منشأها مرتبط بتاريخ وتقاليد الساميين الذين كانوا "يقطنون في البداية ما بين النهرين. ثم هاجر بعضهم والقسم الآخر هاجر للجزيرة"(!). ومع توالي الأزمان تنوعت لغتهم الأصلية "تبعا لناموس الارتقاء فتولدت اللغة العربية والأمة العربية"[6]، بوصفها لغة جامعة لتاريخ الساميين الثقافي. فاللغة العربية، كما يقول جرجي زيدان، هي إحدى اللغات السامية وأرقاها مبنى ومعنى واشتقاقا وتركيبا، وأرقى لغات العالم[7]. وكتب بهذا الصدد أيضا يقول، بأن "العربية من أغنى لغات الأرض بالألفاظ العمرانية والسياسية... أنها مليئة بالمترادفات وكثرة الأوصاف والأسماء. كما تمتاز بدقة التعبير. إذ فيها لكل معنى لفظ خاص"[8]. كما وجد فيها "أغنى اللغات في الألفاظ المعبرة عن المعاني المجردة وانفعالات العواطف. ففيها لأنواع الحب نحو عشرة ألفاظ، ومثلها للبغض والحسد والطمع، أي لمختلف مظاهر النفس البشرية"، وفيها أيضا "مزيدات الأفعال" مثل قولنا تقاتلوا وتقاضوا وما شابه ذلك، وكذلك تميزها بالإعجاز والإيجاز وذلك لأنها لغة شعرية كثيرة الكنايات والإشارات يسهل فيها التعمية والألغاز[9]. وإذا كانت في بداية أمرها محصورة في جزيرة العرب، فإنها بفضل الإسلام تحولت إلى لغة موحدة وعالمية. إذ "لولا القرآن لتعددت فروعها قياسا على سواها" كما يقول جرجي زيدان[10].

إننا نعثر في هذه الرؤية على نمو الفكرة صوب الرؤية القومية ثم الثقافية. وهو تدرج أو ارتقاء يعكس مسار الرؤية التاريخية والعلمية بقدر واحد. من هنا توسع جرجي زيدان في الكشف عن اثر الإسلام (كدين ورؤية وفلسفة وثقافة وتاريخ) في بلورة معالم اللغة العربية والفكرة القومية بحد ذاتها كما نجدها في تأريخه لآداب اللغة العربية، أي لحصيلة إبداعهم النظري والمعرفي والثقافي والروحي. من هنا فكرنه عن كون الإسلام جمع العرب على مبادئ جديدة. وذلل نزعات التجزئة والاحتراب الداخلي والعصبية. وإذا كان ذلك قد أدى إلى إضعاف الشعر في البداية لما فيه من تقاليد القبلية، فانه بالمقابل انشأ وطوّر تقاليد النثر بمختلف أصنافه والخطابة بشكل خاص[11]. لقد وجد جرجي زيدان في "ظهور الإسلام انقلابا دينيا سياسيا اجتماعيا". وشأن كل انقلاب من هذا القبيل، كان لابد له من أن يخلف آثارا في نفوس أصحابه وعقولهم. والتغير الذي أحدثه الإسلام يرجع إلى ثلاثة أوجه وهي انه أبطل بعض تلك الآداب، وغيّر أنواع أخرى، وأحدث آدابا جديدة[12].

إن الارتقاء بالموقف من اللغة العربية (القومية) كان يحمل في أعماقه ارتقاء بالرؤية العلمية، مع ما يلازمه بالضرورة من توفيق بينهما يجعل من الفكرة الثقافية القومية اشد تجانسا من حيث مقدماتها وأساليبها وغايتها. بمعنى أخرجها من تقاليد الانغلاق العقائدي والديني والأيديولوجي. ومن ثم تحريرها من إسار اللاهوت صوب فضاء الحرية الحقيقية بوصفها ارتقاء بالنفس والعقل والروح. من هنا فاعلية واستجابة نظرية النشوء والارتقاء الطبيعي في موقف زيدان من اللغة بشكل عام والعربية بشكل خاص. فنراه يؤكد على أن موضوع البحث الذي يقدمه بصدد كيفية نشوء اللغة وتطورها، يخضع "لناموس الارتقاء العام"[13]. ومن ثم فأن "الكلام في ذلك كله مؤيد بالنواميس الطبيعية ومسند إلى عوامل لا تزال عاملة في لغتنا إلى هذا اليوم"[14]. وليس مصادفة أن تظهر في كتابه الأول (الفلسفة اللغوية) عبارة "اللغة بوصفها كائنا حيا". وكلما توسع فيها كلما اقتربت من أسسها الخاصة. لهذا نراه لاحقا يضعها في عنوان كتابه الموسع بهذا الصدد (اللغة كائن حي). ففي (الفلسفة اللغوية) نراه يكتب عن "تاريخ اللغة العربية باعتبار أنها كائن حي نام خاضع لقانون الارتقاء العام"[15]. بينما في كتاب (اللغة كائن حي) نراه يطبقها على العربية، وعبرها على تاريخ الأمة الثقافي. ولا يعني ذلك سوى تحول الموقف العلمي إلى فكرة فلسفية ثقافية سياسية. لهذا نراه يكتب في كتاب (اللغة كائن حي) قائلا، بأن "حياة الأمة مثل حياة الفرد، بل هي ظاهرة فيها أكثر من ظهورها فيه. لأن الأمة إنما تحيا بدثور القديم وتولد الجديد. فكأن أفراد الأمة خلايا يتألف منها بدن الأمة، وهو يتجدد في قرن كما يتجدد جسم الإنسان في عقد من عقود تلك القرون"[16]. واستتبع ذلك باستنتاج أوسع وأدق يقول، بأن "اللغة تعد من ظواهر حياة الأمة. وهي خاضعة لناموس النمو والتجدد، ولناموس الارتقاء العام". ولكل من هذه الظواهر تاريخ فلسفي طويل[17].

بعبارة أخرى، لقد أراد زيدان القول، بأن النشوء الطبيعي والارتقاء الطبيعي يحتوي أيضا على معالم الموت. ويحدث ذلك حالما تنقطع اللغة عن جذور الحياة النابضة. من هنا موقفه النقدي تجاه تخلف اللغة وجمودها. وليس مصادفة أن يجد في السجع احد اشد ملامح الانحطاط بسبب هيمنته التامة على الحفظ واللفظ بحيث يجعل منهما مصدر العبارة والفكرة. لهذا نراه يعتبر الإفراط في السجع مظهرا فاقعا من مظاهر تخلف اللغة وصدرا من مصادر استمرار انحطاطها. وذلك لأنه يؤدي إلى أن يبحث المرء عما يلي من كلمة أو عبارة تؤدي أو تستجيب لمتطلبات السمع وليس الفكرة. مع انه اعتبر السجع جميل أن كان بدون تكلف. لكنه حالما نظر إلى القضية ضمن سياقها التاريخي وفكرته التاريخية، فانه ربط ذروة تخلف اللغة العربية بفقدان التاريخ السياسي والقومي المستقل. لهذا نراه يربط هذه الحالة بمرحلة سيطرة المماليك. فالألفاظ التي دخلت على العربية هي ألفاظ إدارية متعلقة بالحكومة. واغلبها فارسية أو تركية مثل الاستادار وتعني من له صلة بمال السلطان، والجوكاندار وتعني من يحمل الجوكان مع السلطان في لعب الكرة، والطيردار وتعني من يحمل الطير وما شابه ذلك. وجميع هذه الكلمات اضمحلت وتلاشت واندثرت. ذلك يعني أن الركاكة بلغت منتهاها في أول القرن الثامن عشر. أما النموذج الأكثر جلاء لبيان انعدام البيان وتفشي الركاكة فقد وجده في كتابات الجبرتي.

إن دراسة اللغة بمعايير فكرة الارتقاء والتطور ووضعها في أساس الموقف النقدي من حالة الانحطاط ليست إلا المقدمة النظرية التي كانت تهدف، كما كان الحال بالنسبة لانتقاله من دراسة التاريخ إلى التاريخ القومي، إلى كشف نموذجها الثقافي العام. وهذا بدوره لم يكن غير آداب اللغة العربية. ذلك يعني أن الاهتمام بآداب اللغة العربية هي الوجه الآخر للتاريخ العربي القومي ولكن بمعايير الرؤية الثقافية. وقد تضمن ذلك بدوره على إدراك متخصص للمهمة والغاية والأسلوب. ونعثر على ذلك في نحته للعنوان، الذي جعله يقول، بأنه أول من وضع هذا العنوان[18]. كما انه يسعى من حيث غايته إلى الحصول على "فائدة نظرية وعملية". أما من حيث أسلوبه فهو "أشبه بدائرة معارف تشتمل تاريخ قرائح الأمة العربية وعقولها وتراجم علمائها وأدبائها وشعرائها ومن عاصرهم من أكابر الرجال"[19]. وبالتالي ليس تاريخ آداب اللغة العربية سوى "تاريخ ما تحويه من العلوم والآداب، وما تقلبت عليه في العصور المختلفة، أو هو تاريخ ثمار عقول أبنائها ونتائج قرائحهم"[20]. من هنا تقسيمه إياه "إلى تاريخ آداب اللغة العربية قبل الإسلام وبعده وحسب الانقلابات السياسية"[21].

ويعكس هذا التقسيم بقدر واحد منهجية الرؤية والموقف. بمعنى أنه يربط في كل واحد التاريخ العام والخاص للعرب ولكن في ميدان الإبداع الفكري والروحي. مع ما يترتب عليه من ترميم للرؤية الثقافية القومية ووعيها الذاتي. واعتبر ذلك جزء من مهمة كبرى هي مهمة النهوض والنهضة من عالم النسيان والتخلف والانحطاط المعنوي. لاسيما وأنه تاريخ له أصوله وأسسه الخاصة. ومن ثم فهو على خلاف التقاليد الأوربية يتمتع بحس وعقل وبيان هو الوجه الآخر للتاريخ العربي المعقول. فإذا كانت الأمم الأوربية، كما يقول جرجي زيدان، لم تؤلف في هذا الميدان قبل نهضتها الأخيرة، فإن العرب على خلاف المشهور، كانوا أول أو أسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع[22]. وأشار إلى نماذج كبرى مثل كتاب (الفهرست) لابن النديم وكتاب (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) لطاش كبرى زاده، و(كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) وغيرها من الكتب المهمة بهذا الصدد. رغم أنها لا ترتقي إلى مصاف المؤلفات التاريخية بالمعنى الحديث للكلمة[23].  إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئا. لهذا نراه ينطلق من هذه المقدمة نحو الأفق المرئي لوعي الذات الثقافي، وصوب المجهول الملازم لمغامرات النهضة الحديثة.

لقد احتوت هذه الرؤية على ما يمكن دعوته بتوحيد هموم الرؤية التاريخية وتحصين أركانها الثقافية ولكن من خلال البقاء ضمن حيز الرؤية العلمية. ومن ثم التخلص من أوهام المقارنة التأويلية والمفتعلة. من هنا رؤية زيدان المنهجية تجاه أغراض كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية)، إذ حصرها أساسا في "بيان منزلة العرب بين سائر الأمم الراقية من حيث الرقي الاجتماعي والعقلي". وذلك من خلال تتبع تاريخ ما "تقلبت عليه عقولهم وقرائحهم، وما كان من تأثير الانقلابات السياسية عل آدابهم"، و"تاريخ كل علم من علومهم على اختلاف أدواره"، و"تراجم رجال العلم والأدب، و"وصف الكتب التي ظهرت في العربية باعتبار موضوعاتها"، و"الاهتمام بما هو باق ويمكن الحصول عليه"[24]. ليس ذلك فحسب، بل وتأمل كل هذا الإبداع التاريخي المتميز عل خلفية التمدن الإنساني ككل. وليس مصادفة أن يشدد جرجي زيدان على دور الشرق وأثره في التاريخ الثقافي. وإذا كان هذا الموقف يحتوي في أعمق أعماقه على صدى الثقل الهائل للعالم الأوربي آنذاك ومركزية آرائه ومواقفه من الحاضر والمستقبل، فإن الماضي يبقى من حيز الإبداع الشرقي. من هنا قوله "لا خلاف في أن الشرق اسبق إلى تدوين العلم من الغرب. فقد نظم المشارقة الشعر، وعالجوا الأمراض، ووضعوا الشرائع، ورصدوا الكواكب وبينوا أماكنها وسموها بأسمائها والغرب في غفلة وظلام دامس"[25]. وركز في موقفه من أثر الشرق على مصر ووادي الرافدين. إذ احتوى هذا الموقف على محاولة لدعم أركان الأنا الثقافية واستثارتها في الوقت نفسه من خلال نفي الاستلاب الروحي والدونية المحتملة في المواقف. إلا أنه وضع ذلك ضمن سياق الفكرة التاريخية الثقافية الإنسانية العامة القائلة، بأن "التمدن الإنساني هو حلقات مترابطة ويؤثر احدها بالآخر"[26].

ومن ثم فإن لكلّ أمة تاريخها الثقافي الخاص رغم تشابه الأمم من حيث طبائعها ومداركها من أكثر الوجوه واختلافها في مواطنها. وجعل من هذه المقدمة منطلقا لفهم الوحدة والتمايز في تاريخ الأمم بشكل عام والأدبي بشكل خاص. وهو السبب الذي يجعل، كما يقول جرجي زيدان "آدابها متشابهة في موضوعاتها ومصادرها ومناحيها وتأثيرها، مع تباين في كل امة تمتاز به عن سواها... فآداب اللغة عند كل الأمم قديمها وحديثها مؤلفة من الشعر والنثر. والشعر يقسم إلى موضوعات كثيرة من الحماسة والغزل والفخر والرثاء والمديح، والنثر يقسم إلى التاريخ والأدب والفقه والفلسفة والعلم على أنواعه"[27]. وبالتالي فإن لكل أمة تاريخها الأدبي. والمقصود به هو الاختصاص الذي "يبحث في تاريخ الأمة من حيث الأدب والعلم، فيدخل فيه النظر فيما ظهر فيها من الشعراء والأدباء والعلماء والحكماء... وكيف نشأ كل علم وارتقى وتفرع عملا بسّنة النشوء والارتقاء"[28]. ذلك يعني، أن تاريخ آداب اللغة يعكس أولا وقبل كل شيء "تاريخ الأمة من الوجهة الأدبية والعلمية". وذلك لأن لكل أمة تاريخ عام وآخر خاص مثل التاريخ الاقتصادي والسياسي والأدبي والعلمي..."[29]. وبالتالي، فإن تاريخ آداب اللغة العربية هو تاريخ تميزها الأدبي والعملي، بوصفه احد النماذج والمستويات الكبرى والحلقات الجوهرية في تاريخ التمدن الإنساني. وبغض النظر عن أن جرجي قد بقي أسير الرؤية التقليدية التي تبلورت في الثقافة العربية الإسلامية عن تمايز الأمم الكبرى آنذاك، والعربية من بينها، إلا أن استعادتها آنذاك في فكره وتأسيسه الجديد لها كانت ترمي إلى غاية جديدة، بسبب ارتباطها بفكرة النهضة الأدبية، أي الفكرة القومية الثقافية والسياسية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، بيروت، دار الجيل، ط2، 1987، ص5.

[2] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص8.

[3] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص11.

[4] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص101.

[5] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص103.

[6] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، بيروت، دار الجيل، ط2، 1987،ص 19. ليس هذا فحسب، بل اعتقد جرجي زيدان، إن منطقة حوض الرافدين هي منشأ اللغات جميعا وأصلها الأول. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه كلما يبتعد المرء عن منطقة ما بين النهرين كلما تكون اللغات أكثر اختلافا. وسبب ذلك يكمن بالنسبة لزيدان في أن "الإنسان أول ما نشأ على ضفاف دجلة والفرات. ومن نسله تفرقت الأمم. والتوراة ذكرت اكبر مهاجرة نشأ عنها تعدد اللغات سمتها حكاية تبلبل الألسن(!!). وأول من نزح المنطقة (أي في بداية تطور اللغة) وابتعد عنها أدى إلى أن تكون لغتهم متميزة (الصين ومصر القديمة). وحاول تقديم البراهين اللغوية من خلال تحليل ومقارنة أصول الكلمات الأولية. وبغض النظر عما في هذه الفكرة من نزعة تأويلية جلية، إلا أنها تشير بالقدر نفسه إلى تغلغل الفكرة التاريخية وجوهريتها في رؤية جرجي زيدان، إضافة إلى احتوائها بصورة غير مباشرة على اثر النزعة الإنسانية ووحدة النوع الإنساني. وبالقدر ذاته اثر النزوع القومي الثقافي الكامن في أعمق أعماق تأملاته الشخصية وبحوثه النظرية والتاريخية.

[7] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية،،ص27.

[8] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص29-31.

[9] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص44-45.

[10] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص16.

[11] لم تكن هذه الرؤية معزولة عن إبراز خصوصيات الأدب الأوربي بشكل عام وتقاليده اليونانية والرومانية التي كانت تمثل آنذاك نموذجا "كلاسيكيا" لأوربا الحديثة. من هنا مجاراتها في الإبداع العربي الحديث كما هو جلي في مواقف زيدان المشار إليها أعلاه.

[12] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص190-191.

[13] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص9.

[14] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ،ص9.

[15] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص10.

[16] جرجي زيدان: اللغة كائن حي، بيروت، دار الجيل، ط2، 1988، ص8.

[17] جرجي زيدان: الفلسفة اللغوية، ص9.

[18] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[19] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص9.

[20] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8

[21] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص9.

[22] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص7.

[23] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[24] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص8.

[25] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص15.

[26] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص16-18.

[27] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية،ج1، ص18.

[28] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

[29] جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج1، ص13.

 

ميثم الجنابي

العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (12)

للحياة مفارقاتها في المصير الشخصي. فقد بدأ جرجي زيدان (1861-1914) حياته الفكرية الحرة بامتحان أخلاقي سياسي، واستمرت لاحقا في اختبار علمي دائم، وانتهت بتحقيق معرفي تجاه التاريخ العربي وثقافته القومية. ومن الممكن العثور على صدى هذه الدراما الحياتية المفعمة في عباراته الوجيزة التي عمم فيها مهمة ووظيفة وغاية البحث العلمي في تقديمه لكتاب (تاريخ آداب اللغة العربية). ففيه يكتب قائلا، بأن "من يتصدى للكتاب يجعل نفسه خادما للمصلحة العامة"1 . ولم يكن ذلك في عرف التجربة الشخصية والتاريخية لجرجي زيدان سوى الوجه المعرفي لمسار التجربة الفردية التي أرتقت من حيث مضمونها الفعلي إلى مصاف الاستظهار الجديد للفكرة العربية القديمة القائلة، بأن سيد القوم خادمهم. لكنه رفع هذه الفكرة الحكيمة إلى مصاف الحرية الفعلية من خلال ربطها بفكرة المصلحة العامة للأمة والذائبة في أساس إرشادها العلمي. من هنا قوله، بأن "الكاتب العام خادم الأمة وولي إرشادها. وعليه أن يبذل الجهد في سبيل مصلحتها"2 . ووجد هذا السبيل في ما اسماه بجمع الحقائق والمحافظة على سلامة المعنى. وانطلق في موقفه هذا من توحيد خفي لفكرة الالتزام الكامنة في صلب المؤرخ ورجل العمل وجوهرية الحقيقة كما هي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الأمة في حاجة إلى الحقائق أكثر من حاجتها إلى الألفاظ"3 .

ولم تكن هذه الفكرة المنهجية والعملية العميقة معزولة عن تجربته في ميدان التاريخ واللغة. بل يمكننا القول، بأن مسار التجربة الشخصية والمعرفية لجرجي زيدان هما وجهان للتاريخ واللغة. وكلاهما يشكلان الروافد التي بلورت شخصيته وأثرها أيضا في إرساء أسس الحصانة الثقافية لوعي الذات العربي الحديث. إذ لا يعني احتياج الأمة إلى الحقيقة أكثر من الألفاظ سوى الإدراك الجديد لأوليات الرؤية المنهجية التي استحكمت في إنتاجه العلمي ومواقفه النظرية والعملية. بمعنى إدراك أولوية الحقيقة والباطن والمعنى بوصفها أرصدة المستقبل. لاسيما وأن جرجي زيدان كان يشدد وبالأخص في أواخر أعماله الناضجة على أن ما يكتبه موجها بالأساس للناشئة، أي لأجيال المستقبل4 . ليس ذلك فحسب، بل وأن ما كان يخطط له وينفذه من كتابات بهذا الصدد أقرب ما يكون إلى موسوعة وعي الذات الثقافي القومي. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الجديدة والتوليف الواعي لما في التيارات الفكرية السابقة له والتي اطلقت عليها عناوين "طلاقة اللسان" و"تحصين الأركان" من تراكم قومي وثقافي.

فقد أدى تعمق وعي الذات العربي الذي جرى بأثر توازى المسار الذي قطعه كل من تيار "طلاقة اللسان" وتيار "تحصين الأركان" إلى تفعيل هواجس الضمير الملتهب وإدراك قيمة الهموم الكبرى والصغرى بالنسبة للتعامل مع كل ما له علاقة بالحاضر والمستقبل. فقد شارك كلاهما بالغوص في بحار اللغة والتاريخ، بمعنى ولعمهما بقضايا المجرد والملموس في التاريخ القومي والثقافي. وإذا كان لهذا الاختلاف فضيلة نظرية كبرى ورذيلة عملية بمستواها في حالة عدم تداخلهما في تأمل الحاضر واستشراف المستقبل، فانه شأن كل تواز في الحياة لابد له من أن يتقاطع في محطات العبور أو الوصول. مما يولد بالضرورة شرارة الهياج العارم حينا، وطغيان الفرح والابتهاج حينا آخر. وليس مصادفة أن يتسلل هذا التقاطع بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة إلى أذهان وأعيان النخبة الفكرية الجديدة الناشئة آنذاك. إذ يمكننا العثور على صدى هذه الحالة في إبداع مختلف شخصيات المرحلة، لكن ذروتها الأولية تجسدت في شخصية وإبداع جرجي زيدان.

 حقق جرجي زيدان في حياته وفكره ومصيره تذبذب الحالة الحرجة لتوليف اللغة والتاريخ المتراكم في وعي النهضة العلمية والأدبية العربية الحديثة، بوصفها وحدة ضرورية لوعي الذات القومي والثقافي. وفي هذا تكمن مأثرته الكبرى بالنسبة للعقل والضمير العربي الجديدين. وذلك لأنه استطاع بقدر واحد السير إلى الأمام خطوات كبرى بتقاليد الرؤية الجديدة عن قيمة التاريخ واللغة، وتوحيدهما بمعايير الرؤية النقدية ووعي الذات التاريخي.

كانت بدايته في مجال البحث التاريخي بحد ذاتها مؤشرا خفيا يحتوي على كمون الرؤية القومية والثقافية. وذلك لأن البحث التاريخي الكبير وهمومه الوجدانية والواقعية المتنوعة عادة ما يضع الباحث أمام إشكاليات المعاصرة ومقارنات المنهج العقلي. مع ما يترتب عليه من تراكم علني ومستتر لعناصر العقل الثقافي النقدي، أي ذاك الذي يخرج على حدوده المرحلية ولكن من خلال الرجوع إلى مرجعياته الذاتية الكبرى. ومن الممكن رؤية كل هذا التراكم العقلي النقدي الثقافي الكبير في شخصية وإبداع جرجي زيدان من خلال النظر إلى تطور اهتمامه وأفكاره بمختلف قضايا التاريخ. إذ نقف أمام حلقات متراكمة في سلسلة وعيه التاريخي، بدأت بدراسة تاريخ العرب ما قبل الإسلام، ثم تاريخ الإسلام، ثم تاريخ التمدن الإسلامي، ثم تاريخ اللغة (العربية) وتاريخ آدابها. لكنها حلقات لم تكن منذ البدء محكومة بوعي مستقبلي واضح أو بفلسفة لها مبادئها وقواعدها وقيمها، بقدر ما أنها ترابطت في مجرى التجريب العقلي النقدي الباحث عن مبررات وأهمية النهضة الحديثة.

فقد كان هاجس النهضة القوة الكبرى في تراكم الرؤية النقدية التاريخية لجرجي زيدان. الأمر الذي جعل من طابعها المجزئ في بدايته، والتجريبي لاحقا، يتسم بقدر من العقلانية النقدية. وذلك لخلو هذه الرؤية من أثر التقاليد اللاهوتية وأثقالها الجاثمة على العقل والضمير. كما أن ضعف التأهيل الفلسفي الأول لجرجي زيدان قد أبقى على اهتمامه محصورا بالتاريخ كما هو. إضافة إلى التأثير الكبير للفكر الأوربي الاستشراقي بهذا الصدد. ومن هذه الحصيلة التي يمكن رؤيتها في كتبه التاريخية الأولية تبلورت النزعة التجريبية بوصفها تجربة نقدية عقلانية. إذ نراه يشير، على سبيل المثال، إلى أن ما يكتبه في ميدان البحوث التاريخية، بما في ذلك في (تاريخ التمدن الإسلامي) لا يخلو من مقارنة بالتاريخ الإفرنجي (الأوربي)، لكن المقصود الفعلي منه كان يقوم في إبراز هوية التمدن العربي الإسلامي. غير أن الجوهري في كل هذه العملية الطبيعة آنذاك هو الانتقال المتراكم في رؤيته التاريخية وتوسع وتعمق محتواها القومي والثقافي. أما البداية الكبرى لها أو أساسها المنهجي والنظري فيقوم في تبلور فكرة جوهرية التاريخ وأهميتها بالنسبة للنهضة الحديثة.

كان الاهتمام الأولي بالتاريخ العربي الوجه الآخر للاهتمام بفكرة التاريخ كما هي. لكن تلازمها الطبيعي عند زيدان يقوم في فكرة النهضة التي كانت تتحكم في عقول وأفئدة النخبة المثقفة آنذاك ونزوعها صوب التحرر. مما أعطى للاهتمام بالتاريخ بشكل عام والتاريخ العربي بشكل خاص بعدا منهجيا بحد ذاته جعل من فكرة التاريخ مرجعية عقلية، تماما بالقدر الذي جعل من التاريخ القومي مرجعية وجودية. ومن الممكن العثور على هذا الترابط الخفي في كمية ونوعي الاهتمام الذي بذله جرجي زيدان تجاه الاهتمام بالفكرة من جهة، وبالتاريخ من جهة أخرى. من هنا كلامه عن أن اغلب ما كتب عن تاريخ العرب قبل الإسلام عادة ما يخالف المنقول والمعقول5 . إذ لم يجر إفراد كتاب خاص بتاريخ العرب قبل الإسلام ممن اهتموا بتاريخ التمدن6 .

إننا نعثر هنا على ربط أولي بين التاريخ والتمدن، أي بين الفكرة وتاريخها الفعلي الشامل. لهذا نراه يؤكد على أن معرفة تاريخ العرب قبل الإسلام له أهمية من اجل معرفة سرّ الصعود الإسلامي والحضارة التي جرى صنعها بهذه السرعة. ومن ثم تبديد الأوهام والتصورات المسطحة والزائفة عما يسمى بعصر البداوة العربية وما شابه ذلك. انه أراد القول، بأن الصعود الحضاري الإسلامي الهائل له مقوماته المادية والروحية في التاريخ العربي ما قبل الإسلام. وهو تاريخ شامل له جذوره وامتداده في الجزيرة ووادي الرافدين. من هنا رؤيته المنهجية عن التاريخ العربي الموحد للمنطقة. فهو من بين الأوائل الذين تكلموا عن تاريخ عربي موحد قديم له جذوره العريقة. وما يسمى العرب البائدة هي مجرد صيغة أدبية لتاريخ عريق منحل وساري فيما يليه. فالعرب البائدة هم عرب العمالقة، ومنهم عمالقة العراق وهي دولة حمورابي (القرن 25 قبل الميلاد) وعمالقة مصر (الهكسوس) (الشاسو) وبقايا العمالقة (عاد وثمود وطسم وجديس وغيرهم) ثم دولة الأنباط وتدمر، ثم عرب الجنوب: حمير والتبابعة. ولم يكن الهدف من هذه الرؤية صنع عقيدة سياسية قادرة على استقطاب كل ما ترميه بقايا الذاكرة العتيقة على ساحة الوجود المعاصر للعرب، بقدر ما كان يهدف إلى تأسيس الرؤية المنطقية عن الوحدة الفعلية للتراث الثقافي للمنطقة بوصفه تاريخا موحدا ارتقى إلى مصاف التاريخ الكلي والعام بفضل العرب.

لقد كانت مهمة جرجي زيدان هنا تقوم في تصوير التاريخ كما هو من اجل صنع مرآة صافية لرؤية النفس وتعميق فكرة الانتماء الذاتي، بعد تخليها من الأساطير والرؤية المفرطة في نفيها لتاريخ الجاهلية أو المنمقة بغبار مرحلة الانحطاط التي تعرض لها العرب بعد زوال دولتهم7 . لهذا كانت منهجيته هنا تتسق مع فكرته العامة عن "نشر التاريخ وفلسفته وآدابه ودرس تاريخ الشرق وبالأخص تاريخ العرب والإسلام وآداب اللغة العربية"8 . انه أراد أن يجعل من التاريخ الواقعي تاريخا فعليا من خلال تمرير أحداثه وشخصياته ومكوناته وعناصره وكل ما جرى فيه عبر موشور الرؤية العقلية الناقدة والفاحصة. من هنا توكيده على أهمية الخروج من تقاليد سرد الأحداث دون تفسيرها العقلي. ووجد في هذا التفسير أحد الأسباب الضرورية لترسيخ حقيقة هذا التاريخ في عقل الأمة وذاكرتها، أي كل ما سيحصل لاحقا على تدقيق في العبارة والفكرة عندما اعتبر هذا الأسلوب ضرورة من اجل "أن ترسخ في الذهن حقيقة تلك الأمة"9 . وليست حقيقة الأمة سوى تاريخها بشكل عام وتاريخ تمدنها بشكل خاص. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

1-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، مصر، دار الهلال، (ب.ت)، ج2، ص5.

2-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص5.

3-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص6.

4-  جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج2، ص7.

5-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، مطبعة الهلال، 1922، مصر، ج1، ص3.

6-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص3.

7-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 4.

8-  جرجي زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص 4.

9-  جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، دار مكتبة الحياة، بيروت، (ب.ت) ج1، ص8.

 

 

عبد الجبار العبيديعندما جاء ألاسلام، جاء حراً بنظريتين: الأولى تقديم عقيدة جديدة للناس تضعهم في طريق العدالة والاستقامة دون جبر أو اكراه.. "وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.. "والثانية تطبيق مبادىء العقيدة والخروج بها الى عالم الحضارة والتقدم.. "كل نفسٍ بما كسبت رهينة" فطريق العدل والمبادىء هو وحده يضمن للمجتمع أستعادة التوازن والثقة . وفي كلتا الحالتين لم يفرض على الناس قوة الألزام.. بل العقيدة والتطبيق ولا غير.

جاء حراً بلا مذاهب، ولا فِرق دينية، ولاعصبية قبلية، ولا قومية عنصرية، بل مصحوباً بنظرة فلسفية جديدة تحمل مفهوم فلسفة المعرفة والعلم والعدل والعمل والحرية شعاراً له "ذلك بان الله هو الحق، الحج62"، لوضع منهج جديد في أصول التشريع القانوني للأمة خلافا لتقسيمات مجلس الملأ القبلي القديم ولتحرير الأنسان من مجتمع العبودية المفروض عليه قبل الأسلام.. قائم على البينات المادية واجماع الأكثرية في حكم الأمة، وعلى حرية التعبير وحرية الاختيارتطبيقاً لشعاره المرفوع "لكم دينكم ولي دين".

وليس السيف والنطع كما فهمه المتطرفون من فقهاء الفشل وقادة الدعوة فيما بعد فلا يصح ان ينسب الفعل الى فاعل غير مختار، نظرية لم يعيها مجتمع القبيلة بعد.. بديلا لمعاناة صاحب الدعوة في مكة.. بل عرضا مسالما بمودة ورحمة لمن يقبل الدعوة او يرفضها وليس كما أدعتها أحزاب الاسلام السياسي البارحة واليوم.. ورغم المعارضة الشديدة لم يكن لدى صاحب الدعوة فتيان قتال لمحاربة المتنازعين بل العرض والقبول بالرضا او الرفض دون عنف المتخاصمين.. وحين لم يستطع اتجه للمدينة (يثرب) طلبا الحماية من أيذاء المعارضين الأقوياء ملتجئاً الى أخواله وبعض من آمن بدعوته هناك.. من هنا بدأت الدعوة الجديدة .

حدث هذا تحديدا لمنهج الفكر الاسلامي الجديد وترجمة عصرية لنظرية علمية غير محددة بالعرب لأنهاء التمييز العنصري بين آمن بدعوته والمعارضين.. للوصول الى عالم معاصرجديد، وهي ابرز الانجازات الحضارية للدعوة لو تحققت والتي جاء من اجلها ليبني لهم دولة العدل والقانون.. فهي دعوة الآيديولوجيا وليست دعوة الدين البحت.. كما فهمها فقهاء النص الثابت دون جدلية العلم الحديث .

لكن هذا لم يتحقق الا بعد جهدٍ جهيد استغرق أكثر من 23 عاما في مكة والمدينة.. والاهم حين تحقق وكتب الوثيقة الدستورية معززة بالقرآن الكريم بين " 2-9 للهجرة".. لم تنجح الدعوة كما أرادها هو بنظرياته التي طرحها للعالمين.. فبعد وفاته (ص) تغيرت الظروف حين لم ترتبط التوجهات النبوية بالمنطلقات الفكرية فلم يتحدد المسار بوضوح، فالظاهرة الجديدة كانت مرتبطة بظروفها دون اهمال لمستوى الرؤية التاريخية المحيطة بهذا التغير الكلي الجديد

ورغم قوة المسيرة الجديدة فقد أنتابها نقص بالمقارنة الى قمة الكمال التي كان التطبيق الرسولي قد بلغها.. لكن النقص في وقته ما كان يعني التدهور منذ البداية وان غُلف فيه . وأول ظهور لهذه المفارقات كان في مجال أداة الحكم، وهي المشكلة الرئيسية التي تواجه الجماعات البشرية والى اليوم، حتى اصبح التطبيق لم يكن مستجيباً لواقع التغيير التاريخي لظهور الدعوة في مجتمع الانغلاقية القبلية من جهة، ولوفاته الكريمة المبكرة من جهة ثانية.. لذا فان منهج الفكر لم يتمكن من تطبيق الواقع الموضوعي وقوانينه وتثبيت الوعي التام له.. ولم يتحدد الاسلوب وشكل العمل في التطبيق.. مما أربك الدعوة وهي لا زالت وليدة فحلت النكبة بالعرب والمسلمين بعد ان استغلت من قبل الفقهاء ومحبي السلطة لها حين حولت الى غير مقاصدها.. فكان الفشل.. التدريجي نتيجة المنازعات القبلية والعائلية بين العلويين والأمويين والعباسيين فحل.. الضعف والانهيار ولو بعد زمن طويل؟.

لم تكتفِ الدعوة بطرح هذه المبادىء الصرفة فحسب بل.. أستبعدت الفكرٍ التجريدي الذي لا يمثل الواقع الجديد.. حين قامت على آيات حدية الالتزام لا تقبل الخَرق.. مصحوبة بعرضٍ لتجارب أديان سماوية وأرضية سبقتها أوردها القرآن في قصص قرآنية حصلت فعلاً "نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".. وخاصة في قصص الانبياء نوح وهود واهل الكهف الذين جاؤا في عهد الامبراطور دقليانوس الروماني الظالم" هؤلاء الذين حاولوا اصلاح مجتمعاتهم التي لم تفِ وفاءً كاملاً بحقوق الانسان وخاصة مفهوم الحقوق والعدالة فلم يفلحوا.. فذكَرَ الله شعوبها بألنذرحين قال: " اذكر أخا عاد اذ انذر قومه بألأحقاف، الأحقاف21".. وحين لم يستجيبوا أمر بأنزال العقاب فيهم "عادٍ وثمود فما أبقى، واغرق قوم نوح بالفيضان مثالاً".. فما أشبه اليوم بالبارحة حين اصبحت مؤسسة فقهاء الدين تؤمن بسلطة سياسة رجل الدين على الناس وليس بمبادىء الدين، فتحمل الدين كل هذا الوزر والتقصير.. ولم تعير لصيرورة الزمن أهمية حتى اختفى مفهوم الدولة عندهم.. وحل محله مفهوم الأرض والسلطة كل الأرض لعجزهم عن تكوين ثقافة بناء الأمة والدولة معاً.. لدرجة أنهم نادوا بنظريات الوهم والأفضلية لأستغفال أمة الجماهير..

ان مرحلة التأسيس القرآني للمجتمع جاءت مبنية على نظرية قانون العدل المطلق في أمةٍ مدنية وليست دينية مقدسة كما روج لها الفقيه الفاشل خطئًا، بل كما جاء في قول الحق:"هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون، الأنبياء 92 "فمعنى ذلك ان الأمة ينبغي ان تكون واحدة، ولا يجوز لأية جماعة ان تتصرف بها على هواها ولأي سبب من الأسباب.. حتى أُراد الاسلام المحمدي ان يكون مكملاً لنواقص ما طرحته الاديان السابقة من عدل وحقوق، وعلوم ومعارف، وأخلاق وتشريع، وعبادات وأعراف، وألتزام التقوى عند الناس، لدرجة ان القرآن رفض انقاذ ابن نوح من الغرق تحقيقا لمبدأ العدل المطلق.. كما في قوله:"قال يا نوح أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح، هود46.. لذا من خان الأمانة والعمل الصالح في مجتمعه ووطنه عليه ان يتذكر حكم الله في الناكرين.. وهو من المُدانين.. لقول الحق:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا المائدة 3" فهل وعت مؤسسة قيادة الدولة والدين وفقهاء المذاهب المُنتحلة اليوم هذا الطرح الآلهي العظيم.. لتقف حائلاً ضد مخترقيه.. ؟ورغم النذر والوعد والوعيد بعقاب من يُخل بموازين السماء.. وتقديم الرُسل(ع) للشواهد والبراهين على تحقيق عدالة القانون، لا زال التحدي ضد القانون موجودا عند من يحكمون الأوطان الأسلامية البارحة واليوم .

.. ان البعض اخذ يتسائل اليوم: لماذا هذا الصمت الآلهي عليهم.. مادامت البشرية تخضع لقانون واحد هو المساواة في الحقوق.. وان الله سيطالبهم غداً بها ؟ اذن كيف يَسمح لهم الفقهاء نكران الحقوق ان كانوا هم الأمناء على الدين والامة تستباح ويقتل شبابها المطالب بالأصلاح وعلمائها ومفكريها علنا دون تحقيق .؟.. ولماذا هذا التغاضي عن القوم الخائنين ؟ فهل هؤلاء حقاً مؤتمنون؟.. أملنا برسالات السماء كبير.. لكننا نريد ونطالب ان تُنفذ الحقوق لتُري الخونة والمجرمين من الحكام واعوانهم من فقهاء الفشل الذين أسسوا لنظرية خيانة وسرقة الأوطان.. ان ما جاء به القرآن ما زال نافذا شرعا وقانونا ومطبقاً على العالمين.. والا ما فائدة دين تلهوا به الحكام ومؤسسات فقهاء الدين والشعوب محرومة من الحقوق.. اليوم.

ونعود لنقول:

ان في الوصايا العشر تأكيدات لتنفيذ امر الله دون أعتراض.. فهي تُلزم المسلمين بالتوحيد دون الشرك.. وأحترام النفس الأنسانية دون الأعتداء عليها الا بالحق.. "ولو قلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى" لتحقيق نظرية العدل المطلق.. والمساواة بين الرجل والمرأة متمثلة بكلمة النفس"انا خلقناكم من نفسٍ واحدة".. وألتزام نظرية الاستقامة متمثلة في الصراط المستقيم.. هذه الوصايا قانون ملزم التنفيذ.. لكن أين المسلمين منه.. ؟.

وفي وثيقة المدينة تأكيد الرسول "ص"ان للمسلمين الحق بتنفيذ هذه الوصايا، حين أكدت الوثيقة على مبادىء وحدة العقيدة والتكافل الاجتماعي العام ومسئولية الامن الداخلي والخارجي ولاعتمادها القانون فقد اعتبرت اول وثيقة دستورية تتضمن المبادىء الرئيسية في حكم الناس، ونادت بضبط سلوك الحاكم خارج القانون تأكيدا لمدنية الدولة.. هذا التوجه جاء لتطبيق العدالة بين الناس بغض النظر عن القبيلة او العشيرة او ذوي القربى الذي يتمسك به من كانوا يحكمون بالأمس واليوم بأسم الدين ويقول الحق:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ان تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى، المائدة 8".. والا هل سنبقى نعتمد على الناكرين.. حين قال الحق: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الآعلون ان كنتم مؤمنين، آل عمران 139".

 لكن حين تقرأ كتب فقهاء الحدس والتخمين من المخترعين لفقههم الفاشل وبمذاهبهم الوهمية المخترعة منهم والمختلفة والمتعارضة مع النص المقدس الذي أماتوا فيها كلما طالب به القرآن والرسول لضمان سلطة الدولة ووحدة المجتمع وحقوق المواطنين.. نراهم عن الحق صادين لتربعهم على عرش السلطان الذي به فتتوا مبادىء الاسلام الموحدة وحولوها الى فِرقٍ واحزاب خلافاً لأرادة الحق فهل هؤلاء يستحقون الولاء لهم.. وهم يقتلون الفكر والعلم وخزين الشباب لدولة المظلومين ؟؟ هذا ليس معقولا ان نبقى نلهث من ورائهم وهم عن الحق والعدل مُعرضون، بعد ان قسَموا حتى اسماء الله الى أنصاف وارباع وأخماس.. ولاندري الجايات.. وبأسمه يقتلون العلماء والمفكرين ويخربون.. ؟.

.... كفوا ايها الاخوة الكتاب عن نقاش خطب النبي والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وأصل الكاهنة وخزعبلات الفقهاء الفاشلين وما صاحبت ايامهم من احداث الماضي السحيق دعوها تذهب لعبرةالتاريخ.اما اليوم فنحن نُهزم ونُسحق من اعداء الله الجدد المجرمين.. الذين ورثوا دين البويهيين والسلجوقيين من فقهائهم المتعارضين في الرأي وعقيدة الدين من امثال الشيخ المفيد وابن تيميه وغيرهم كثير.. ليزيدوا الفُرقة بين المسلمين ولا ينفع معهم اصلاح ذات البين بعد ان تركز الخطأ في أفكارالمؤيدين وتحول عندهم الى وجود.. والأفكار لا احد يستطيع نزعها من معتنقيها الا بمرور الزمن الطويل وبالمنهج الدراسي الأصيل وبالحجة والبرهان الأكيد.. فكل القادة سقطوا بمعية من يتبعهم من الخائنين، لكن المبادىء الحقة والشعوب المؤمنة بها لا تُهزم.. وان هُزمت اليوم فلأجل .

.. نحن بحاجة اليوم الى دراسات جديدة لمعرفة حقيقة تكوين الامة وحقوقها الدينية والمدنية.. وانتخاب قيادةً مؤتمنة لها تستطيع ان تلبي ما جاءت به رسالات السماء والقوانين الوضعية لدولتنا المنهارة اليوم امام العالمين . .بعد ان خسرنا الدستور.. والقانون.. والأنسان.. وشريعة القرآن الكريم.. وأصبحنا في ذيل أمم العالمين.. فنحن لسنا اليوم بحاجة لمرجعيات ومراكز دينية لا تولد لنا سوى آوهام فقهاء الدين.. ؟أنظر مناهج التدريس في مؤسسات الأزهر والزيتونة والنجف وما فيها من مناهج يشيب لها رأس الطفل الرضيع..

نعم.. ان الدين الأسلامي جاء من آله مقتدر.. لكن طاعتة لم تكن بمعنى العبودية والتسلط كما فهمته مؤسسة الدين الفاشلة عبر الزمن والتي لم تصل الى مرحلة التفكير القائم على أدراك المشخص القرآني، ولا الى التسميات الفردية قد وضحت عندهم في القرون الهجرية الاولى وبعد ان ركزها القرآن في تجريدات لغوية متغيرة.. كون معاني لغة القرآن قابلة للتطور والتغيير، لذا فأن الرسول (ص) لم يؤول القرآن وابقاه مفتوحا لعلمه بتطوراللغة وصيرورة الزمن الطويل.. من هنا جاء فقه الفقهاء ناقصاً في المعنى والتشريع.. حتى أسيء الى فهم النص أكثر مما أساء اليه أعداءهُ المكيين "أنظر المقارنة في السيرة النبوية بين ابن أسحاق وابن هشام.. سيعتريك العجب من التناقضات ".. بعد ان جاءت للناس كقانون سرمدي لا يتغير.. باعتباران الله هو الحق، الحج62" تتقدمه كلمة الطاعة الأختيارية "لكم دينكم ولي دين، الكافرون 6".. ولكن هل هذا يكفي لنبقى ننتظر ولاية الفقيه والمهدي المنتظر المخترعة منهم.. والصور قدر لا يأتي الا بأمر رب العالمين.. بعد ان اصبح العلماء والمفكرين يقتلون علنا ولا من نصير.. ؟.

.هذا المفهوم الرباني ظل رمادياً في تفكير الفقهاء ونقلة الحديث من امثال مسلم والبخاري والمجلسي ومؤسسة الدين التي تحولت اليوم الى بازار كما في مسؤلي بازار العتبات المقدسة العراقية الظالمة لأهلها.. واصبحت المؤسسة العائق الأول في كل تقدم وتطورلكونهم لم يصلوا الى نظرية افكار الدين ولأصرارهم علىى تحقيق المصالح الخاصة وتطبيق نظريات التجهيل كما في لطميان باسم كربلائي وغيره من المتخلفين دون حقوق الشعب والدين.. هذا هو اسلامهم الذي به يهددون.. ؟.

.فهل فهم الفقهاء والحكام نص الآية 35 من سورة الاحزاب بهذا التوجه الفلسفي العميق.. حين أعتبروا ان كل الأخرين من غير المسلمين كافرين فظلموهم.. تصور وفهم خاطىء عند فقهاء العقيدة المحمدية حينما لم يستطيعوا ان يميزوا بين المسلمين والمؤمنين وهم كلهم من المسلمين.. أمر بحاجة الى تصحيح.. وحين لم يوفوا بعقيدتهم.. للدين والمسلمين معاً. .فمن ينفذ الوصايا والوثيقة بعد ان اصبحت الوصايا والنذر موضوعة في رجم الغيب البعيد.. ومستبعدة حتى من مناهج الدراسة.. ومؤسسات الفكر الحديث.

استند القرآن في نظريته الجديدة التي اعتبرت خلاصة التجارب لأديان وحضارات سبقته معتبراً ان جدلية التاريخ وصيرورة الزمن هي التي تحكم عقيدة التوحيد.. أي نظرية التطور هي التي تحكم في التطبيق.. منذ ان كانت السماوات والأرض رتقاً "يقول الحق أو لم يرَ الذين كفروا ان السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، الأنبياء 30 "أي فصلناهما الى أراضٍ وسماوات متعددة.. من يومها دخلت الأرض في صيرورة الزمن التطورية وبقيت السماوات ثابتة، يقول الحق:" قل سيروا في الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق، العنكبوت 20" من هذا التصور الجديد في عالم المعرفة الأنسانية وضع القرآن تصورا رائعا في الوصايا العشر حين اختصر الحقوق والواجبات للناس بها ولكن اين التطبيق.. من حكام ظالمين؟ وبان الاسلام هو دين البشرية كلها.. لا يفرق بين هذا وذاك وانما جاء بمنهج ٍجديد في أصول التشريع والقانون.. فهل يستطيع الرسول ان يفضل أهل بيته على الأخرين.. لا أبدً.. أما آية التفضيل التي يدعون بها بعض الفقهاء تجاوزاً على النص فهي خاصة بنساء النبي ولاغير كما جاء في سورة الأحزاب آية 31-33 " يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء.. قرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى.. انما يريد الله ليذهبَ عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.. لذا فالقراءة المقطوعة للآية من البعض يعتبر تجاوزا على النص المقدس..

.قانون قائم على البينات المادية ورأي الأكثرية.. حين طرح حرية التعبيرعن الرأي، وحرية الأختيار لحكم الناس بأنهما أساس الحياة الأنسانية في الوجود.. مصحوبا بنظرية التطور.. هذا شيء جديد في وقت كان الناس يعبدون الحجر والبشر ولا قانون.. اليه يحتكمون.. فكيف يدرك الفقهاء هذا التأويل الرباني الجديد.. وهم لازالوا بُناة فكر قديم.؟.اذن كل ما جاؤا به بحاجة الى أعادة نظر من وجهة نظر القرآن والدين.. وهل يبقى الدستور الرباني معطلاً ينتظر التطبيق.. ومن.. مَن ؟بعد ان لم يبقَ من الاسلام الا أسمهُ ومن القرآن الا رسمهُ.

من هنا ندق ناقوس التنبيه في عالم شغل عن كل شيء الا عما يربطه بالخلافات في المذاهب المخترعة والتي لا اصل لها في الدين والسلطة الباطلة.. ونحن لا نفقد الأمل في وجود من يستطيع القيام بقراءة التاريخ بالبحث والتدقيق في الأصول ليصحح ما يحتاج الى تصحيح، وما يحتاج الى تصفية مما شاب التاريخ الاسلامي وكتبته والفقهاء وما نقلوه للناس من عدم الدقة، ومن سوق الاخبار والأراء والنصوص على عواهنها مما أساء الى امة الاسلام والدين.. فلنكن منصفين ومبتعدين عن العاطفة في التقييم.. وهكذا بحسن نية أساء الينا القدماء في التفكير.فمن يرد اساءتهم غير الحاكمين العدول.. ؟

فأين نجدهم اليوم في بغداد أم في القاهرة أم عند ولي الفقيه.. ؟.

فهل فَهِمَ المسلمون هذه القواعد.. ليبنوا على اساسها قواعد التشريع.. ؟ قواعد تتضمن معالم مشروع سياسي اقتصادي أمني قابل للفعل في ظروف العصرالحديث، والامر لا يعتبر مسألة في النظر او العمل فحسب.. بل فيهما معاً.. اي بالصدق والاخلاص والعدل والتعاون والشعور بالمسئولية تجاه الوطن والمواطن ومنها تتكون المفاهيم واخلاقية الناس في التطبيق.. فلا يمكن لدولة ان تتقدم وفكرها محجوز.. مالم تطبق نظرية التنامي والتزكي مع العمل التي طالبت بها الوصايا والوثيقة النبوية المغيبة اليوم.. بينما اسلوب ومنهجية الفُرقة والمذاهب المختلفة والمختلقة من الفقهاء والتي لا اصل لها في النص أدت بنا وبه الى الدس والكبت والظلم فكان وما زال مألها الى الخيبة والسقوط والحق يقول:"وقد خاب من دساها، - الشمس آية10.

.هنا اراد الدين الحقيقي ضمان حرية المرأة وحقوقها التي لا تقهر، وضمان حرية الاطفال واليتامى كي لا يُسيبون في الشوارع كما تراهم مؤسسة الدين بأعينها وتغض النظر عنهم اليوم لكن أولادهم في أموال الفقراء راتعون.. والفقراء هم شركاء في اموال الدولة المستباحة من الحاكم والحاشية حتى اصبح لهم كل الحقوق بلا واجبات والناس منها محرمون.. هذا هو اسلامهم وأئمتهم وصحابتهم الذين بهم ينادون.. فأين مؤسسة الدين التي تفتي بما تريد - وهي جالسة على الحصيرة - وليس بما يريد منها القرآن والدين.. فكيف نعترف بما هم فيه يؤمنون.. ؟ مرجعيات دينية ليست لديها الا الافتاء لمصالح المسئولين..

ان ما تدعي به مؤسسة الدين من فِرقة المذاهب المخترعة لا وجود له في القرآن الكريم.. حتى اصبح الاسلام ديانات لادين واحد.. وهم لا زالوا ينادون بعدالة ما قاله العلماء و السلف الصالح ولا ندري من هم ؟.. ألم يكونوا مغالين.. ؟ فتشتت الأمة الى أمم والقرآن يقول:"هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الانبياء 92".. فمعنى ذلك ان الأمة ينبغي ان تكون واحدة.. فاين نحن اليوم من توجهات القرآن الكريم.. وما دروا ان الوصايا قانون ملزم التنفيذ على المسلمين.. فالقرآن ليس صنماً ليعبد وانما دستور لينفذ.. فهل يعلمون ؟

هذه هي الوصايا الربانية السرمدية التي جاء بها القرآن وبلغتها الرسل والأنبياء للناس.. لابل هذا هو اسلام محمد الصحيح.. لكنهم نسوها وأعرضوا عنها بفقه الفقهاء الميت والمشتت بينهم.. وبأراء مرجعيات الدين الوهمية.. التي لا يعترف بها القرآن، ولا يمنحها حق الفتوى عن الناس، ولا يميزها بلباس معين، ولا يمنحها حق أحتكار المعرفة وأحتكار السلاح وتصفية الخصوم بدون وجه حق.. يقول الحق:"من قتل نفساً بغير نفسٍ او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، المائدة 32". فكيف تصرفت القيادات الاسلامية بهذا التصرف عبر العصور.. .حتى ضاع الاسلام والدين والانسان معاً.. وحتى اصبحنا اليوم نعيش المهزلة أمام الشعوب.

كل هذه الوصايا قامت على التقوى الفردية، والاجتماعية، والتشريعية بألزامية التنفيذ بالاخلاق والقانون على الناس.. كل الناس دون تمييز ودون تفريق .هذه الوصايا السرمدية جاءت بصيغة أمر مباشر وعطفت بعضها على بعض للألتزام لا للتمايز والتغاير.. اي الالتزام بها مجتمعة لا متفرقة.. .وطالبت الانسان – كل انسان- بالتذكر بهذه الوصايا وحفضها كي لا تعكس النسيان عنده.. لتصبح دليلا لحياته دون نقص وخاصة الحاكم المسئول.. لانها حملت صفة الموضوعية في الفكر الانساني.. وبينت الوصايا الفرق الجوهري بين " الاخلاق والاعراف" ففصلت بينهما بالتطبيق.. لأن العرف عادة والاخلاق قانون.. فالاعراف لا تطبق الا بالوصايا.. فهل تعلمون.. ؟ وتتغير بصيرورة الزمن.. بينما الأخلاق ثابتة على مر الزمن لا تتغير.. ايها الناكرون لأستقامة القرآن.. كيف تعاملت الوصايا مع الانسان الكل.. ؟ نحن بحاجة لمنهج دراسي جديد ليُدخل فكر الوصايا بقناعة المنطق الصحيح.. في أفكار النشىءالجديد؟ ولننسى الاحقية في السلطة والوصايا الشفهية فقد فات علينا الزمن البعيد..

ان المذهبين الجعفري والحنفي هما ليسوا بمذاهب وانما آيديولوجيات فكرية – مثل الآيديولوجيات العالمية- كانت افكارهما تعقد للمحاورة كما في نظرية القياس المختلف عليها في الآية " 4" من سورة النوربخصوص الزنا بين الامامين الصادق وابي حنيفة النعمان.. والأختلاف مقبول من وجهة نظر العلم والفكروالدين.. بدليل ان الامام الصادق يقول في فقهه المكرم:"ان ابا حنيفة النعمان منا ونحن نتشرف ان يكون واحداً منا."- أني اتحدى من يأتينا بكلمة مذهب قد وردت في فقههما - حاول فقهاء القرنين الرابع والخامس الهجريين من أمثال الكليني"ت329 للهجرة"، في كتابه الكافي، والشيخ المفيد:ت431 للهجرة"في كتابه الأرشاد، وابن بابويه "ت381 للهجرة"في كتابه من لا يحضره الفقيه.. محاولة منهم للصقهما بهم من اجل السيادة والتفريق بين المسلمين.. ومن اجل سيطرة فقهاء القرنين الثالث والرابع على التوجهات الدينية وعلى العرب بالذات.. فنجحوا في ذلك في وقت كان فقهاء العهد السلجوقي في القرن الخامس الهجري ضعفاء في التخريج الفكري المقاوم لهم من امثال الماوردي "ت364 للهجرة" والغزالي "ت505 للهجرة "وغيرهم كثير..

وبمرور الزمن تحولت الطروحات الوهمية الى حقائق ادخلت المناهج الدراسية فاصبحت عقيدة بديلة لعقيد الاسلام الصحيح.. الموضوع بحاجة ماسة الى دراسات معمقة لتوضيح حقائق الأمور.. فأسلامنا اليوم هو غير اسلام محمد (ص) ولا نلام ان لم نعتقد به والذي لا ينتمي اليه فقيه الا من اعترف بحقيقة النص.. موضوع في غاية الاهمية لفتح الحوار فيه ونحن لهم مستعدون.. ؟.

والخارجي للأمة.. وحرمت الوثيقة الاقتتال بينهم لأي سبب كان.. والقانون هو الذي يفصل بينهم بالعدل.. فكيف أجازوا القتال اليوم بين المسلمين .

وقد اثبت التاريخ.. ان كل فكرة نقلها فقهاء الدين دون ثبت كانت فكرة مميتة - لكنهم جميعا من دون شرع الجماعة والوصايا والوثيقة - لم يكونوا سوى فقهاء تقليديين.. لم يحسنوا قراءة النص والتاريخ.. وكان عليهم شرعا وقانونا ان يتعلموا ويقرأوا ويطبقوا الصحيح.. فهل سنتعلم نحن المسلمون ماهو الاسلام.. والا لماذا فشل الاسلام خلال مدة اكثر من 1400سنة من تحقيق اهدافه ولا زال يتراجع كل يوم.. ؟؟ فاسلامنا اليوم وعند كل المسلمين هو غير اسلام القرآن وأسلام محمد (ص) في التطبيق.. فهل من حق احد ان يتهمنا بأننا من غير المسلمين.. الملتزمين؟نعم انا لا أؤمن باسلامهم ولا بعقيدتهم ولا بمرجعياتهم وفقهائهم ولا حتى بدينهم قيد أمين.. بل أؤمن باسلام محمد الصحيح.. الذي فقدناه من زمن بعيد.. اسلام الحق والعدل والمساواة في الحقوق بغض النظر عن الجنس واللون والمعتقد والذي توقف بموت محمد (ص).. لذا أطالب برفع كلمة دين من الهوية واستبدالها بكلمة مواطن "عراقي أو عربي" ورفع مصطلح اللقب القبلي الذي يفرق بين المواطنين في المعاملة والتقييم .

علينا وعلى الحاكمين ان نولد ولادة حضارية لوجود العلاقة التبادلية والجدلية بين الانسان والبناء الحضاري المتين الذي تدعو اليها الرسل والقرآن الكريم.. فكلاهما يولد من جديد في الأخر.. وكلاهما يتطور ضمن كلية تفاعلية واحدة.. يتكامل مع نهج الكمال وقمته الذي لا يأتي بعده الا النقص الذي به اليوم يعمهون.

نعم نحن بحاجة الى التعايش مع النص المنفتح المتغير مع صيرورة الزمن لننتج القانون المتطور الصحيح.. وحين تخلينا عنها اصبحنا نعيش في المحنة الثقافية والاخلاقية القاسية التي ما زلنا نعيشها اليوم.. يتحكم بنا النرجسيون والطائفيون والسارقون واللا أخلاقيون والقتلة المرتبطون بالمتخلفين.. بعد ان سخروا وسائل اعلامهم لتضليل الناس في مجتمعات اصبح الحاكم فيها يلجأ لكل الطرق لأخضاع المحكوم لباطلة واجرامه الذي لا يرد.. واصبحنا متورطون في لغة بعيدة عن الواقع.. واصبحنا نعيش في لغة اسلامهم، لا في لغة اسلام المحمديين الصحيح.. ويالها من محنة نعيشها منذعصرما بعد الرسول وحتى رُسخت فينا منذ عصر المتوكل العباسي "ت232 للهجرة" وفقهاء المذاهب المختلفة في الراي في القرن الثالث الهجري والى اليوم.. والتي لا اصل لها في الاسلام والدين.

فالدولة يجب ان تكون تحت سلطة القانون.. والوصايا العشر ووثيقة المدينة.. وما الفقيه والمرجع الا لاستشارة شرعية الدين.. وسوف لن نصل الى مانريد الا بفصل سلطات الدولة عن مؤسسة الدين لخضوع التقدم لصيرورة الزمن وجدلية التاريخ .

.. فنحن نطلب الحق.. وان قل.. ؟.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (10)

عندما يتحول الأدب والإبداع الأدبي إلى شيء أوسع من البلاغة والاهتمام المفرط بالكلمة والعبارة حينذاك يأخذ البيان بالتحرر من البيان. فهي المقدمة الضرورية الملازمة لبداية امتلاك الأدب لسانه الذاتي. ولا يعني ذلك سوى تحول البيان البلاغي إلى بيان اجتماعي سياسي.

ويعكس هذا التحول صيرورة الكلام لغة تدرك قيمة المعنى بالنسبة للفعل الاجتماعي. وذلك لأنها صيرورة تحول اللغة من وعاء للمفردات والعبارات إلى أسلوب للفكر والتفكير. مما يجعل منها كينونة متراكمة لوعي الذات الثقافي بأشكاله ومستوياته المتنوعة. والمسالة هنا ليست فقط في أن تحول الكلام إلى لغة، والبيان البلاغي إلى بيان فكري يؤدي بالضرورة إلى تحرير العبارة من قيودها الشكلية ويدمجها في كلية الفكرة فحسب، بل وإلى جعلها الفكرة محور وأسلوب الفعل الاجتماعي الهادف.

اتخذت هذه الصيرورة في مرحلة التحول العاصف للعالم العربي على مشارف خروجه من دهليز العثمانية، صيغا ومستويات عديدة بالارتباط مع كيفية انكسار تقاليد المدارس الفكرية والسياسية والأدبية السابقة في ممارسات المدارس الجديدة وانهماكها الفعال في تحرير النفس والتفكير.  فبغض النظر عن اختلافاتها العديدة ساهمت هذه المدارس في رسم معالم الحرية وتحويلها إلى مرجعية في العلم والعمل. من هنا يمكن ملاحظة توافق المجرى العام لاستمرار التقاليد الإصلاحية الإسلامية للأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، وتحولها "الليبرالي" (الحر) عند علي عبد الرازق. وكذلك استمرار تقاليد "انعتاق الوجدان" و"تحصين الأركان" السابقة وتحولها "الليبرالي" (الحر) عند الريحاني وغيره لاحقا. وفيما بينهما تراوحت تقاليد المدرستين واستمرارها فيما أسميته بصيرورة لسان الأدب الذاتي، التي مثلها بصورة نموذجية محمد إبراهيم المويلحي(1858-1930). فهو التيار الذي تمثل بصورة واعية تقاليد الإصلاحية الإسلامية وتراث المدرسة اللغوية والأدبية بالشكل الذي جعل منها أسلوبا لتعميق النقد الذاتي وإرساء تقاليد الرؤية الأدبية التاريخية. وهي تقاليد ساهمت بصورة غير مباشرة في إرساء العناصر الأولية لوعي الذات التاريخي العربي المعاصر.

ففي (حديث عيسى بن هشام) نعثر على هذا الجديد (الحديث) في الصورة والمعنى. إذ يمثل بيانه الفكري الجديد نفيا لبيان اللغة التقليدية، مع أن السجع المليء في رواية المويلحي هو أقرب إلى سجع الروح الاجتماعي الجديد في تعامله مع الإشكاليات الاجتماعية الكبرى لعصره. إننا نعثر فيه على أصوات اليقظة الاجتماعية في هجائها للواقع، بغض النظر عن محاصرة السجع للفكرة. بمعنى انه لم يعرقل نطقها الوجداني. وهي الفكرة التي دفعها المويلحي نفسه إلى الأمام عندما أكد على انه "ليس من كتّاب الحساب والديوان بل من كتّاب الإنشاء والبيان". وليست هذه المعارضة المعتزّة بتحزبها الصريح إلى جانب معسكر الإنشاء والبيان بالضد من معسكر الحساب والديوان، سوى النتاج الملازم لإدراك أهمية وقيمة الرؤية النقدية تجاه الواقع، باعتبارها تجليا أدبيا لليقظة الاجتماعية العامة. وتمثلت هذه اليقظة حقائق الإنجازات الفكرية والروحية التي بلورها الفكر العربي في مدارسه السابقة وميادينه على امتداد أكثر من قرن من الزمن. لهذا نرى المويلحي يشير في مقدمة كتابه إلى انه يهديه إلى "أديب يجد فيه طرفا من الأدب، وحكيم يرى فيه لمحة من الحكمة، وعالم يبصر فيه شذرة من العلم، ولغوي يصادف فيه أثرا من الفصاحة، وشاعر يشعر فيه بمثل طيف الخيال من لطف الخيال".

لقد أراد المويلحي أن يجمع في "حديثه" خليطا من الأدب والحكمة والعلم والفصاحة والخيال يقدمه للأدباء والحكماء والعلماء واللغويين والشعراء، أي لكل الطيف الإبداعي الذي اخذ يستعيد مقومات وجوده الثقافي بعد غياب تاريخي طويل تحت غبار العثمانية. لقد أراد المويلحي أن يجدوا ويروا ويبصروا ويصادفوا ويشعروا ما يريد قوله طرفة ولمحة وشذرة وأثر وطيف من الأدب والحكمة والعلم والفصاحة والخيال، باعتبارها المكونات الضرورية لليقظة الاجتماعية. وهي مكونات شكلت في الواقع حافز إبداعه الفكري والأدبي بوصفه لسانا أدبيا ذاتيا للرؤية العربية المتراكمة في نقد الواقع التاريخي وإشكالاته الاجتماعية الكبرى.

ووضع هذه الرؤية النقدية في منهجه الجديد، الذي زاوج بين الخيال والواقع باعتباره السبيكة العقلية  الوجدانية أو الأدبية السياسية في نقد الواقع. حيث أكد على أن "حديث هشام بن عيسى" وإن كان في نفسه موضوعا على نسق التخيل والتصوير فهو حقيقة في ثوب خيال لا انه خيال مسبوك في قالب حقيقة. وحاول أن يشرح فيه ما اسماه بأخلاق أهل العصر في مختلف طبقاتهم من النواقص، أي أن الواقع هو مثار اهتمامه وليس الأحكام عنه، وانه يسعى لإظهار الحقيقة عبر الخيال لا بالعكس. لأن ما يقوله هو حقيقة متبرجة في ثوب خيال لا خيال مسبوك في قالب حقيقة. وليس مصادفة أن يتخذ المويلحي من أبي العلاء المعري نموذجا لمحاكاته الروحية.

فمن المعلوم أن المعري هو النموذج الخالد للروح العربي النقدي والنموذج المتسامي للروح النقدي الإنساني. وكما سبح المعري في خياله ليظهر الحقيقة كما هي، فإن المويلحي سعى أيضا لمحاكاته التاريخية من خلال إبداع وجدان نقدي مواز لما أبدعه المعري قبل قرون. لكن إذا كان نقد المعري يجري ويسري في شرايين الخلافة الثقافية، فإن نقد المويلحي يسير في اتجاه "تنقية" الدماء الملوثة للنهضة العربية الجديدة وتوجيهها صوب ضبط نبضات قلبها الآخذ في الحركة. وجعل من نقد التقليد الأجوف للغرب مقدمة نقده للواقع المصري (والعربي). وتتبع هذا التقليد في مختلف أشكاله بما في ذلك في اللغة. فإذا كان معنى كلمة "السوابق" الجياد، فإنها تعني الآن "ديوان تقييد أوصاف المتهمين". وإذا كان معنى كلمة "الشهادة" هو شهادة الجهاد، فإنها تعني الآن "ورقة يأخذها التلميذ". إضافة إلى هذا التغير يجري استعمال كومة من الكلمات والتطفل بها مثل الاوتيل واللوكانده والبوضة والكلوب والاكسبريس والمانيفيستو وغيرها. ولم يقف التقليد عند هذا الحد، بل تعداه إلى الملبس والمأكل والسلوك والتفكير أيضا. بحيث أدى ذلك إلى صنع سبائك من الشخصيات الاجتماعية العائمة بحد ذاتها وراء فضاء الغرب والشرق. لهذا نرى المويلحي يتكلم عما اسماه بحركة الناس التي لا هي شرقية ولا هي غربية. بمعنى دوران الجميع في حلقة مفرغة. وذلك لدوران الناس في تقليد لا يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تجميع الرذيلة وقولبتها في نمط وسلوك الدولة والمجتمع والأفراد. من هنا استنتاجه القائل، بأن المصري في أخذه بالمدنية الغربية مثله مثل المنخل يحفظ الغث التافه ويفرط  بالثمين النافع. مما أدى إلى فساد وتحلل البنية الاجتماعية والسلوك الاجتماعي عند مختلف الفئات. ولم يكن ذلك نتاج أسباب خاصة بالثقافة الغربية كما هي، بل لأسباب مرتبطة بكيفية دخولها إلى الشرق. وعلى ذلك بنى استنتاجه القائل بأن سبب فساد الأحوال في الأمم الشرقية يعود إلى أن دخول المدنية الغربية إليها كان بغتة، كما أن تقليد الشرقيين للغربيين في جميع أحوال معاشهم كالعميان لا يستنيرون ببحث ولا يأخذون بقياس ولا يتبصرون بحسن نظر ولا يلتفتون إلى ما هنالك من تنافر الطباع وتباين الأذواق واختلاف الأقاليم والعادات. وأدى ذلك بهم إلى أن يتركوا جميع ما كان لديهم من الأصول القويمة والعادات السليمة والآداب الظاهرة ونبذوا ما كان عليه أسلافهم من الحق، فانهدم الأساس.

إن انهدام الأسس المبنية على "أصول الحق" المتراكمة في الثقافة العربية والإسلامية هو الذي استثار الرؤية النقدية السافرة والشديدة في مواقف المويلحي من الحياة الاجتماعية في مصر وتركيز حزمة الضوء النقدية على كوامن الخمول الاجتماعي واستثارة اليقظة الاجتماعية عبر امتلاك لسان أدبها الذاتي. لهذا وجد المويلحي أسباب الاندفاع الأعمى وراء تقليد الغرب نتاج البطر والغفلة عن الماضي وضعف الهّمة وانعدام المعاناة والجهد وكراهة المشقة والتعب. إذ أصبح الرياء في الحياة الاجتماعية سلوكا عاديا وذلك بسبب انسلاخ الفئات الاجتماعية الجديدة عن تقاليدها القومية. فقد أدى تقليدها للغرب الأوربي إلى أن تتزي بزّيه وتسلك سلوكا لا معنى له في مصر. وأصبح الأخذ بالمظاهر الشغل الشاغل لهم. فحتى أفراحهم مجرد ديكور للأبهة الفارغة بسب خضوعها لتقاليد زائفة لا فرح حقيقي فيها.

وأصبح الفن مجرد أداة للابتزاز واللهو. فالغناء هو مجرد تفاهة وأداة للكسب وخال من الجمال والجلال. وتحول الجمهور إلى كتلة متخلفة وبليدة في أحاسيسها وأذواقها. وكل منهم مهتم بنفسه لا بالفن ما هو. كما تحولت الجرائد إلى المصدر الأول والأخير لهؤلاء المتعلمين الجدد. وتحولت عندهم مطالعة الأخبار فيها إلى الشغل الشاغل، كما أصبحت الجرائد مصدر المعرفة والعلم. وتحول "علم" هؤلاء إلى وسيلة للحصول على وظيفة في الدولة. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في تلك النكتة الواقعية التي سجلها المويلحي على لسان أحد أبطاله، الذين سمع بائعا أجش الصوت أنكر من صوت الحمير يصيح في شوارع القاهرة: "المؤيد! والمقطّم! والأهرام! ومصر! الأربعة بقرش!! أي إذا كانت جرائد مصر الكبرى حينذاك كلها بقرش واحد، فان ثمن مصر وأهراماتها وإبداعها الفكري الحديث لا يعادل من حيث نتيجته قرشا في "اكتساب" الحداثة المصرية. وهو حكم قاس إلا أن له ما يبرره من حيث دقته الثقافية وحدسه لرؤية الآفاق الفعلية للاغتراب والاستلاب الثقافي في مصر. وهو حكم يمكن تحسس وتلمس أبعاده في المفارقة غير المباشرة التي يقدمها المويلحي على رسم شخصية محمد علي باشا وواقع مصر في بداية القرن العشرين. فقد كان محمد علي باشا "معجزة دهره وآية عصره في الدهاء وعلوّ الهمّة". حيث كان دقيقا في سياسة تربية الرجال في الإخلاص للوطن مع لطف في السياسة وعطف على الأهالي. وأخيرا كان محمد علي محبا للعلم والعلماء وتعظيمهم وإكرامهم. بينما أصبحت السلطة الحالية مرتعا للفئات "الجديدة" الخالية من علو الهمّة والإخلاص للوطن والعطف على الأهالي وحب العلم والعلماء.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (9)

لقد كان المسار الفكري لتيار التحصين الثقافي يهدف إلى بناء سلسلة المبادئ الكبرى في نظام سياسي امثل جامع للدين والدنيا، والعدل والقانون. غير أن مثاليته لم تحلّق في سماء التصورات المجردة، بل تعايشت مع الرؤية العقلانية والواقعية للتراث الإسلامي وإمكانية تجسيده في ظل التمثل النقدي لإنجازات المدنية الأوربية. لهذا اعتبر الطهطاوي نظام العمران الأمثل هو نظام العدل والقانون، الذي يستلزم بدوره وجود "قوة حاكمة جالبة للمصالح العامة" و"قوة محكومة آهلة له". وأعتبر القوة الحاكمة (السلطة) مصدر وجود "قوة تقنين القوانين" (السلطة التشريعية) قوة القضاء وفصل الحكم (السلطة القضائية)، وقوة "تنفيذ الأحكام (السلطة التنفيذية). واعتبر هذه السلطة وسيلة بناء المجتمع والدولة على أسس سليمة. في حين اعتبر التونسي نظام الشورى الديمقراطي) المقيد بالعدل والمساواة النظام الأمثل، وذلك بفعل تقيد السلطة فيه بالقانون (الشرعي والوضعي) ومشاركة أهل العقد والحل للسلطة (الملك) في "كليات السياسة" (إستراتيجية الدولة). أما المسئولية المباشرة فيه فتقع على الوزراء (النظام الوزاري) المقيدين بقوانين المصلحة العامة. ويستلزم هذا النظام (الأمثل) تقييده بقانون ثابت (دستور) يحدد صلاحيات السلطات فيه، باعتباره ضمانة الاستقرار والتقدم. ذلك يعني أن النظام الأمثل هو النظام الملكي الدستوري الوزاري، الذي سبق وأن أبدعت الثقافية الإسلامية السياسية نموذجه في نظام الإمام ووزارة التفويض وأهل الحل والعقد. ولم يجد في هذا النوع أمرا يتنافى مع وحدة السلطة. على العكس! لقد وجد فيه تقوية للإمامة (السلطة) عبر إشراك الجميع في إدارة شئون الدولة. لهذا اعتبر الاستبداد في السياسة والرأي الواحد رذيلة بغض النظر عن حامله وفاعله حتى لو كان أنبل الناس وأفضلهم وأكثرهم كمالا. لأن الأولوية في الدولة، حسب نظر التونسي، هي في التمسك بشريعة ملزمة للجميع مبنية على أساس احترام أصول العدل.

ترتب على هذه الرؤية السياسية للنظام الأمثل تصورات وأحكام اجتماعية وأدبية جديدة. إذ نعثر للمرة الأولى في تيار تحصين الأركان على اهتمامات جديدة تجاه حوافزها الكامنة في إدراك ضرورة الإصلاح والتمدن الجديدين. فعندما تناول الطهطاوي، على سبيل المثال، مبادئ الحرية والمساواة، فإننا نراه يربط حقوق الدول المتمدنة بالحرية، مؤكدا في نفس الوقت على أن الهيئة الاجتماعية للأمم مفصلة على قدر الحرية. مما دعاه إلى مطالبة تحديد سلوك المرء بالقانون والشرع. وجعل من هذه الآراء مقدمة للمطالبة بضمان حقوق المرء في الوجود (العيش) وداخل الوطن (الحرية السياسة ومعارضة الهجرة السياسية والنفي). وحصر هذه الحقوق فيما اسماه بالحقوق الطبيعية (كالأكل والشرب) والسلوكية (حسن السلوك ومكارم الأخلاق) والدينية (حرية العقيدة والرأي والمذهب) والمدنية (الحياة العادية) والسياسية (تأمين الدولة لمواطنيها جميعا أملاكهم الشرعية المرعية). واستنتج من هذه الآراء فكرته عن أن الحرية هي "الوسيلة العظمى لسعادة الناس في الدولة"، ومصدر الفعل الاجتماعي المبدع، لان الإنسان الحر يشعر بمسئوليته تجاه الكيان الجامع للحقوق والواجبات. ومن ثم فأنها ذات صلة بكل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسة والاقتصادية والحقوقية والأخلاقية. ذلك يعني أن المبادئ الكبرى لم تعد شعارات مجردة، بل جزءا من رؤية مضمونية تخدم مهمة تمدين المجتمع والدولة. وكتب الطهطاوي بهذا الصدد قائلا، بأن الفضائل هي ليست عدما للرذيلة، بل "أفعالا وأعمالا تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم في المعاملات". بل نراه ينظر إلى المروءة نظرته إلى مقولة اقتصادية، انطلاقا من أن الفضائل الأخلاقية تصب جميعا في النشاط الاجتماعي العملي للإنسان بما يخدم حرية وقوة بلده. من هنا تفسيره لكلمة الخير في القرآن باعتبارها مالا، استنادا إلى تفسير مجاهد. إذ بالمال يصان الدين والعرض، كما يقول الطهطاوي.

كانت هذه الأفكار والأحكام والتأويلات نتاجا للهواجس العميقة في تيار التحصين الثقافي عن قيمة وأثر "المنفعة العامة" بالنسبة للإصلاح والتمدن. لذا نرى الطهطاوي يركز في اغلب كتاباته الكبرى مثل (مناهج الألباب) و(تلخيص الإبريز) و(المرشد الأمين) على ما اسماه بالنظر إلى الأمور "بعين الجمعية" و"المنافع العمومية". وجعل منها وسيلة "زيادة الثروة والغنى". لقد ربط فكرة المنفعة العمومية بالتمدن والعمران. وأكد على انه لا تعارض بين المنفعة والسياسة الشرعية، لان حقيقة السياسة الشرعية هو "كسب الثروة بلا تعسف ولا مهانة"، انطلاقا من أن مبنى المنفعة هو "صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس". وأعطى للمنافع العمومية دورها الاجتماعي والسياسي الهائل بالنسبة لتقدم الدولة والمجتمع وتحررهما. واستند بذلك إلى ملاحظته الواقعية عن انه كلما "تقدمت براعة المنافع العمومية تقدمت الجمعية"، أي كلما ازدادت مرافق الحياة الاجتماعية وتخصصاتها في العمل كما ونوعا، كلما أدى ذلك إلى تطور المجتمع وتقدمه. لهذا نراه يدافع عن مرافق الترفيه والتزين والتجميل وما شابه ذلك، باعتبارها مرافقا "لتوسيع الأشغال". بحيث جعله ذلك يجد فيها "كمالا للحرية". لأن توسع الأعمال وتنوعها وتعددها وتخصصها يعكس مستوى تطور أخلاق الناس.

لم تكن هذه الأفكار معزولة عن المبدأ الجوهري، الذي بلورته الثقافة الإسلامية نفسها عن وحدة العلم والعمل، الذي أعطى له الطهطاوي أبعادا اجتماعية وسياسية ودولتية معاصرة. فهو ينطلق من أن العمل منتج الثروة. وطالب بإسعاد العمال والفلاحين، باعتبارها غاية العدل. فعندما يقسم الأعمال إلى منتجة وغير منتجة، فانه يركز على أهمية العمل المنتج، رغم اهتمامه بالنوع الثاني وضرورته للإنتاج نفسه (مثل عمل الإدارة والجيش وما شابه ذلك). وعارض لهذا السبب ما اسماه "بالتصوف الكسول" والكسل الاجتماعي بشكل عام، كما دعا للعمل المنتج الدائم المزّيد للثروة والغنى، واعتبره فرضا دينيا شخصيا ووطنيا. وليس مصادفة أن يجعل الطهطاوي حب الوطن من الإيمان، وأن يضع حب الوطن في أساس النهضة والتمدن. وجعل من حب مصر "فريضة" لها تاريخا العريق ومآثرها الكبرى. وجعل كذلك من الاعتزاز والمحبة لنهضة ممصر الجديدة أساسا لتقدمها. وبنى ضرورة هذا الشعور على أساس "تعزيز الوطن بالعلوم والمعارف واللطائف جملة وتفصيلا وتأسيسا وتأصيلا". لاسيما وأن مصر هي بلد العلوم والمدنية. إذ يكشف تراثها عن علوم هائلة أثرت في تاريخ الإنسانية (الإلوهية والعلوم الطبيعية والأخلاق). بل نراه يؤول كلمة مصر إلى مصير، لأن الناس يصيرون إليها. فمصر هي الوطن الشريف وكل ما فيها جميل، ماؤها وهواءها وترابها وأكلها، وفيها جميع محاسن الدنيا موصوفة بالشجاعة والحماسة والكياسة، وعلّمت الأمم جميعا، هي معدن العلوم والمعارف والفضيلة. بحيث جعله ذلك يعتبر الوطني الحقيقي من يخلص في حبه للوطن ويبذل جهوده من اجله والفداء له بكل عزيز ويسعى لخدمته من خلال الإرتقاء في العوم الفضائل. فالتعلق بالوطن وخدمته دليل على حرية المرء وكرم غريزته، كما يقول الطهطاوي.

لم تكن فروض المحبة للوطن والتعلق به والإخلاص له أحكاما مجردة أو أخلاق تأملية مشابهة لتجريدات الحكم والأمثال والآداب، بقدر ما كانت أسلوبا لتربية الروح الاجتماعي الفعال عند الأفراد والجماعات، الصغار والكبار والنساء والرجال. وليس مصادفة أن تحتل التربية موقعا رئيسيا في آرائه ومواقفه وتوجهاته النظرية والعملية، وأن يخصص لها أحد أهم أعماله الفكرية (المرشد الأمين للبنات والبنين). فالتربية بالنسبة له هي "فن تنمية الأعضاء الحسية والعقلية، وطريقة تهذيب النوع البشري ذكرا كان أو أنثى"، أي أن مهمتها تقوم في صنع تكامل الفرد والجماعة والأمة جسديا وروحيا. وعليها يتوقف مستوى تطور الأفراد والأمم. فهي ليست فقط أداة صنع الناس المتكاملين جسدا وعقلا، بل و"أساس الانتفاع بأبناء الوطن"، لأن "الأمة التي تتقدم فيها التربية بحسب مقتضيات أحوالها يتقدم فيها التمدن على وجه تكون به أهلا للحصول على حريتها". ذلك يعني انه ربط التمدن والحرية بالتربية والتعليم، باعتبارهما أساس التقدم الحقيقي، وجعل من الحرية غاية التربية والتعليم والتمدن. وهي فكرة استمدها مما يمكن دعوته بالتهذيب النقدي للذات الثقافية. من هنا آراؤه عن ضرورة إرساء أسس القيود الذاتية الأخلاقية في تربية من اسماهم "بأبناء الأكابر" وإزالة "حب النفس" الضيقة ونفيها بالروح الاجتماعي حسب نموذج "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وتطوير حب النفس الجالب للمنفعة العامة والإحسان والخير والعدل. وأخيرا رفع هذه المحبة إلى مستوى حب الوطن، باعتباره جزءا أساسيا من الإيمان. وتوصل في مجرى تعميمه للتجارب التربوية إلى ثلاثة استنتاجات كبرى، الأول هو أن التربية من أوجب الواجبات، وثانيا أنها عامة للجميع، وأخيرا ضرورة تربية العمل والجهاد. ووضع هذه الاستنتاجات الثلاثة في موقفه مما اسماه بتربية النوع البشري وتربية الفرد والتربية العمومية. وكان يقصد بذلك تربية الإنسان كإنسان ثم تربية الجماعات والأمم، وأخيرا التربية الفردية للإنسان حسب مواصفاته ومؤهلاته واستعداده الفطري. وأعطى لتربية البنات والنساء حيزا مهما وكبيرا بالنسبة لبعث الروح الاجتماعي للأمة وتحررها الذاتي. إذ توصل في مجرى استخلاصه لتجارب الأمم الأوربية إلى أن قوتها المعاصرة وثيقة الارتباط بتربية بناتهم مثلما يربون رجالهم. كما أن تجارب القدماء كاليونانيين والعرب دليلا على ذلك. فقد كانت تجارب اليونان في تربية النساء مفخرة للبشرية، كما أن تجارب العرب في صدر الإسلام هي "أقوى وأكثر مفخرة في دور النساء بالنسبة للرجال".

من هذه المقدمة العامة طالب بمساواة المرأة بالرجل، وجعل منها شرطا لتقدم المجتمع، لما في تربية المرأة من أثر في قوتها واحترامها بالنسبة لصنع الرجال أنفسهم. إذ لا فرق بين الرجال والنساء إلا في الذكورة والأنوثة، وإلا فأنهما يشتركان بالمظهر والحواس الظاهرة والباطنة والعقل والفضائل. وتتميز المرأة مع ذلك بخصال ذاتية مثل جمالها وأنوثتها وتنزهها عن الأخلاق الغليظة والصفات المذمومة بسبب ركيزة الشفقة والرحمة والحنان والرفق واللين فيها. وتتميز أيضا بقوة الصفات العقلية وحدّة الإحساس والإدراك. فهي تفهم بأدنى إشارة وأقصر عبارة ما لا يكاد يدركه الرجال إلا بصريح العبارة. وهو سبب يفسر ظهور العظام والمفكرين بين أحضانهن وورائهن. ذلك يعني أن المرأة بطبيعتها قادرة على اجتراح أعظم المآثر، وأن ذكاؤها ليس مقصورا على المحبة والوداد، بل وقادر على الوصول إلى أقصى مراده، إضافة إلى ما لها من سلطان على القلوب بسمائها وآدابها. ومن ثم فأن استعبادها هو استعباد للرجل والمجتمع. أما تربيتها وتحريرها فهو ضمانة تمدن المجتمع وتحرره. من هنا دعوته إلى المدارس المختلطة والى مشاركة النساء الفعالة في البناء باعتبارها أيضا ضمانة صيانتها من الرذيلة، لأن البطالة في حق النساء مذلة عظيمة، كما يقول الطهطاوي.

إن نزول" رجال "تحصين الأركان" في تأملاتهم وتصوراتهم وأحكامهم ومشاريعهم النظرية والعملية الكبرى إلى "حضيض النسوان" يعكس مسار الإدراك المتعمق والمتسامي في نفس الوقت عن ضرورة تأسيس المناعة الثقافية لوعي الذات العربي. فقد كان النظام السياسي والحالة الاجتماعية للمرأة حينذاك التجسيد الصارخ للاستبداد المادي والمعنوي الجاثم على روح الكيان العربي وجسده. فكما أن الهرم السياسي هو "الظل الإلهي" في الأرض، فإن النساء هن "قوارير" الوجود الحي، الذي يعكس هشاشته أمام الحركة المفاجئة. وهي صفة رمزية نعثر فيها على إدراك خاص لهدوء ورزانة الانفعال العميق لرجال تحصين الأركان من مهمة بناء أسس الأركان الثقافية لوعي الذات العربي. إذ ليس التحصين الثقافي الظاهري سوى الضمير الحقيقي للباطن. وشأن كل عمران حقيقي يفترض بناءه على أعمدة العقل والقوة والجمال، باعتباره الثالوث الضروري لانعتاق الوجدان واستثارة طاقاته المبدعة في تناول الهموم الكبرى والصغرى للوجود.

أدى تعمق وعي الذات العربي الذي جرى بأثر توازى المسار الذي قطعه كل من تيار "طلاقة اللسان" وتيار "تحصين الأركان" إلى تفعيل هواجس الضمير الملتهب وإدراك قيمة الهموم الكبرى والصغرى بالنسبة للتعامل مع كل ما له علاقة بالحاضر والمستقبل. فقد شارك كلاهما بالغوص في بحار اللغة والتاريخ، بمعنى ولعمهما بقضايا المجرد والملموس في التاريخ القومي والثقافي. وإذا كان لهذا الاختلاف فضيلة نظرية كبرى ورذيلة عملية بمستواها في حالة عدم تداخلهما في تأمل الحاضر واستشراف المستقبل، فأنه شأن كل تواز في الحياة لابد له من أن يتقاطع في محطات العبور أو الوصول. مما يولد بالضرورة شرارة الهياج العارم حينا، وطغيان الفرح والابتهاج حينا آخر. وليس مصادفة أن يتسلل هذا التقاطع بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة إلى أذهان وأعيان النخبة الفكرية الجديدة الناشئة آنذاك. إذ يمكننا العثور على صدى هذه الحالة في إبداع مختلف شخصيات المرحلة، لكن ذروتها الأولية تجسدت لاحقا في شخصية وإبداع جرجي زيدان (1861-1914).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيالعقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث (7)

حالما يتعلم اللسان الثقافي نطق حروف الماضي وإشكالاته المثيرة للعقل والوجدان، فانه سوف يقف بالضرورة أمام مهمة نطق كلمات معاناته الظاهرية والباطنية. حينذاك تتبلور العناصر الأولية لإدراك الذات، الذي عادة ما يؤدي إلى تأمل الحاضر وقياسه بمعايير وقيم الأسلاف أو إلى تأمله بمعايير المستقبل. وعادة ما تؤدي هذه العملية إلى ظهور تيار التحصين الثقافي وتيار الانعتاق الوجداني. ومن الناحية "الطبيعية" كان ينبغي لهذين التيارين أن يتداخلا في كل واحد، أما من الناحية التاريخية فقد كان ينبغي لهما أن يتوازيا في مسار شاق من الاستقامة والالتفاف الدائم لئلا يفترقا في غياهب المجهول.

فقد كان العالم العربي عند بداية القرن التاسع عشر يجهل نفسه والعالم. بينما يفترض النظر إلى المستقبل رؤية نقطة الانطلاق. بينما لم توجد "معاصرة" آنذاك في الوعي العربي، لان المعاصرة تفترض رؤية الماضي والمستقبل. في حين لم يمتلك العالم العربي حينذاك تاريخه المستقل. بينما يوّلد فقدان التاريخ السياسي الجهل واللامبالاة تجاه الماضي والمستقبل، باعتبارهما كفتي ميزان الحاضر. من هنا عكست الموازاة القائمة والفعالة في نفس الوقت بين "طلاقة اللسان" و"تحصين الأركان" الملامح الأولية في تجاوز الهوة السحيقة لغياب التاريخ السياسي العربي المستقل.

إن "تحصين الأركان" كظاهرة هو نتاج للتحلل البنيوي الذي قطع استمرار التقاليد وتجديدها المبدع. إذ لا حصانة في التاريخ المبدع، لأنه هو نفسه تجل رفيع لها. وهو حال يجعل من مرجعيات الماضي الملجأ الأخير للاحتماء بها من ضغط "الآخرين"، والعروة الوثقى للتمسك بها في مواجهة النفس وتحدي ضعفها.

فقد ظهرت الحاجة لتحصين الأركان العربية تحت ضغط العامل الأوربي (الغربي) وضغط الانحطاط الذاتي الذي دعاه رجال النهضة العرب بضعف الروح الأدبي. وليس مصادفة أن يركز الطهطاوي (1801-1873) وخير الدين التونسي (1819-1889) على أولوية العمران. فهي المقولة التي استعادت في الظاهر الفكرة الخلدونية، وفي الباطن مهمة تعمير النفس. فقد تمثل كل منهما في آرائه ومواقفه البعد التاريخي للحقيقة القائلة بأن تعمير النفس هي المقدمة الضرورية للفناء اللاحق في إشكالاتها، أي أنهما حاولا من خلال تحصين الأركان الثقافية للنفس بناء عمرانها الجديد. لهذا لم ينهمكا بالنقد المباشر للنفس، بقدر ما انهمكا في نقد الغرب الأوربي، الذي شكلت تجاربه مصدر الإثارة الرئيسي لآرائهما ومواقفهما. فعندما يتناول الطهطاوي كيان مصر آنذاك، نراه يشدد على أن الوطن كالجسد يصلحه إزالة العضو غير النافع كالشجرة تنمو بقطع الغصن اليابس منها. وشحن كتبه بالتواريخ الصحيحة والمشهورة والمزيفة دون تمحيص، لأنها كانت تمثل بالنسبة له دلائل محكية لما ينوي قوله. انه لم يوجه اهتمامه صوب نقد الواقع، بل لتحصين ما فيه من عناصر شكلت في وعيه التاريخي والثقافي مصادر التجديد الدائم. من هنا أولوية نقد التجارب الأوربية، باعتبارها ميدان الإثارة والاقتباس والتعامل من جهة، ومرآة رؤية النفس وتمايزها عن الآخرين من جهة أخرى.

تأمل الطهطاوي مختلف جوانب الحياة الفرنسية من عمران وصناعة وزراعة وأدب وفنون وصفات الناس العقلية والأدبية والأخلاقية ونمط حياتهم. ووجد في عمرانهم وعلومهم وفنونهم وآدابهم ما يستحق التقدير والاحترام، وفي ذكاء الباريسيين ورفضهم للتقليد وحبهم للحرية في العلم والعمل والدين، وسعيهم للتجديد بما في ذلك في المظاهر، والوفاء بالوعد وعدم الغدر والمروءة، وصرفهم الأموال في حظوظ النفس والشهوات، وعدم ظنهم السوء ببناتهم رغم تبرجهن. وجميعها فضائل يحق أن تكون "من باب الحال في ديار الإسلام" كما يقول الطهطاوي. وجعله ذلك يتوصل في النهاية إلى أن الفرنسيين اقرب "شبها بالعرب منهم للترك ولغيرهم من الأجناس. وأقوى مظنة العرب بأمور كالعرض والحرية والافتخار". فالفرنسيون يحلفون أيضا بالعرض كما هو الحال عند العرب. ولا يغير من ذلك شيئا موقفهم من النساء، لأن العرض عندهم أوسع من الغيرة. إذ يقابل العرض عندهم المروءة عندنا، ومتعلقه بالنساء لا يقّيم بالسفور والحجاب، بل بالتربية، كما يقول الطهطاوي.

وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة كما وضعها في فكرته القائلة، بأن المهمة الأساسية المطروحة أمام الفكر الإصلاحي تقوم في "اقتناء جواهر العلوم مجردة عن أعراضها". وهي نظرة نقدية لها أبعادا منظومية في التعامل مع تجارب أوربا الحضارية. لهذا وقف بالضد من الاستغلال الضيق للتجربة الأوربية، وبالأخص ضد محاولات تطويها السياسي المباشر. إذ لا يعني "اقتناء جواهر العلوم مجردة عن أعراضها" سوى ضرورة تمثل التجربة الحضارية الأوربية بكاملها واستخلاص دروسها العامة بما يكفل للعالم العربي إمكانية استنهاضه وانبعاثه الجديد. من هنا مطالبته أن "يجري تخير ما يكون بحالنا لائقا، ولنصوص شريعتنا مساعدا وموافقا"، أي ليست التجربة الأوربية سوى أحد المصادر الإضافية التي يمكنها مساعدة العالم العربي في نهضته الجديدة، ولكن بشرط استجابته لمبادئ وقيم الثقافة الإسلامية.

وليس مصادفة أن يشترك الطهطاوي والتونسي في تركيزهما على مبدأي النظام والحرية في التجربة الأوربية، حيث وجدا فيهما مبادئ جوهرية مميزة للعقيدة الإسلامية. وهو أمر يفسر سبب ترجمة الطهطاوي للمواد الأربعة والسبعين لإعلان الثورة الفرنسية، إضافة إلى استعراضه لبعض مواده، وبالأخص ما يتعلق منها بقضايا المساواة والعدل والحرية. فقد وجد فيها معادلا لفكرتي العدل والإنصاف الإسلاميتين. ونفس الشيء يمكن قوله عن استعراضه المكثف للائحة حقوق الإنسان الفرنسية بعد عام 1831. حيث أبرز فيها مبادئ الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة، عندما أكد على أن الإبداع الكبير لأوربا يقوم في استخدامها سياسة الاقتصاد والتنظيم، وأن تطورها مرتبط بتطور العلوم والمعارف والاكتشافات. وهذه بدورها مرتبطة بالحرية (السياسية) والنظام (الإصلاح). ومن ثم فإن القيمة العظمى لتجارب أوربا تقوم في نظامها الاجتماعي السياسي القائم على مبادئ الحرية والنظام (العدل). من هنا قوتها القاهرة وقدرتها في حفظ حقوق الإنسان.

جعل الطهطاوي والتونسي من تجارب العمران الأوربية مرآة لرؤية النفس. فقد انطلق التونسي في رؤيته لضرورة الإصلاح مما اسماه بتأمله الطويل للأسباب القائمة وراء تقدم الأمم وتأخرها. واعتبر تأمل تجارب الغير، وبالأخص من "ليس حزبنا"، القاعدة الأولية لتفحص التجارب العلمية (العقلية) والعملية. واسند هذا التفحص إلى واقع "العولمة" الجديد، وموضوعية القيمة الإيجابية والمجردة فيها. وكتب بهذا الصدد قائلا بأن "العالم سائر صوب توحده. وأن كل أمة تسعى لمصالحها الخاصة". إلا أن في مساعيها الخاصة "فوائد عمومية" . وليست هذه الفوائد العمومية سوى القيم الإيجابية المتراكمة في تجارب الأمم، التي طابقها الطهطاوي والتونسي مع ما أسموه بأسباب التمدن والتقدم. لهذا اعتبروا إدراك أسباب التقدم المهمة الضرورية الأولى للفكر النظري. فقد أشار التونسي في مقدمة كتابه (أقوم المسالك) إلى أن قصده من تأليف الكتاب هو "تذكير العلماء الأعلام بالاعتبار من تجارب الماضي وأيقاظ الغافلين من رجال السياسة". واعتقد أن من الممكن تجسيدها من خلال إجراءين الأول هو إغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم لكي يسهموا في "تنمية أسباب التمدن"، وذلك عبر تهيئة أسباب التمدن من خلال "توسيع دوائر العلوم والعرفان" و"تمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة" و"ترويج سائر الصناعات" و"نفي أسباب البطالة" عبر تطوير التربية والتعليم والزراعة والتجارة والصناعة وإشراك المجتمع في العمل الاجتماعي الإنتاجي. ووجد في هذه الأسباب إمكانية صنع سلسلة الأمن – الأمل - إتقان العمل. أي الاستقرار الاجتماعي السياسي وإشاعة التفاؤل الفعال وترسيخ تقاليد العمل المنتج. أما الإجراء الثاني فهو الانفتاح الحضاري على تجارب الآخرين. ذلك يعني أن الغاية النهائية للفكر تقوم في إشراك القوى الأكثر تأثيرا وفاعلية لإنجاز مهمة إنهاض الأمة من سباتها الطويل لكي تشارك الأمم في إبداع "الفوائد العمومية". وهي مهمة لا يمكن إنجازها بدون رؤية عقلانية محصنة ثقافيا تدرك أسباب التخلف وتؤسس للتقدم (التمدن) بمعايير تجاربها الخاصة. وليس مصادفة أن تتحول فكرة العدل والقانون (الشرع) عنده إلى عناصر جوهرية في إدراك وتأسيس قيمة الانتماء الثقافي في تناول القضايا السياسية والاجتماعية والأخلاقية. لذا نرى الطهطاوي يربط "المنفعة العمومية" بضرورة التمدن، ويربط التمدن بالعدل. وكتب بهذا الصدد يقول "بدون العدل (لا إفراط ولا تفريط) يصعب بناء نظام اجتماعي". وانطلق في ربطه المدنية (الحقيقية) بالعدل من أن العدل هو الفضيلة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسلوكية. وأرجع حقيقة الفضائل إلى قدرتها على إعلاء شأن ما اسماه بالجمعية التأنسية (الاجتماعية). ذلك يعني انه ربط ضرورتها بقرتها على إنهاض المجتمع والدولة. وطالب إلى جانب ثبات الفضائل مراعاة الأحوال والأوقات في تطبيقها، باعتباره إدراكا واقعيا لحقيقة العدل.

وحقق التونسي هذه الفكرة وعمقها من خلال تطبيقه إياها على النظام السياسي، باعتباره محل العدل الواقعي. لقد حاول ربط تطور الأمم وانحطاطها، تمدنها وخرابها، وتأخرها وهلاكها بمستوى وكيفية تمسكها أو عدم تمسكها بالعدل والمساواة. واعتبر وجود النظام السياسي محك وميدان تجلي العدل والمساواة. وأكد بهذا الصدد على أن التقدم والانحطاط مرتبط بالنظام السياسي وليس بالجغرافيا والمناخ والدين. واستنتج من تحليله لتجارب التاريخ الأوربي الفكرة القائلة بأن تطور أوربا المعاصر في مختلف الميادين هو بسبب "التنظيمات المؤسسة على العدل السياسي وتسهيل طرق الثروة واستخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة والتجارة".

ووضع التونسي نظام العدل السياسي في أولوية العمران والتمدن. وجعل منه المقدمة الفعلية الضرورية الأولى للإصلاح اعتقادا منه بان نظام العدل السياسي هو نظام العدل الدنيوي. والعدل الدنيوي، بنظر التونسي، هو ليس العدل الأخلاقي المجرد، بل عدل القانون السياسي والحقوقي. لهذا اعتبر سيادة القانون واحترامه من جانب المجتمع أمرا جوهريا بالنسبة للعمران والتمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن سبب انهيار الأمم والعمران يقوم في عدم "تقيد الحكم بقانون عقلي". والتقييد بالنسبة للتونسي هو ربط فعال لما اسماه بالوازع والوازع المضاد، لأن كل ما يترك لحاله يؤدي إلى الإهمال والتسيب. والوازع المضاد أما شرع سماوي أو سياسة معقولة. وكلاهما يرميان إلى العدل. فالشرع السماوي يهدف للعدل فهو إذن سياسة معقولة، والسياسة المعقولة تهدف للعدل في إذن تستجيب للشرع السماوي. ووضع التونسي هذه الرؤية العقلانية في نقده لماضي وحاضر الإصلاح في الدولة العثمانية يشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. وربط سبب تخلف الدولة العثمانية واستبدادها بعدم تمسكها بالقانون والعدل. وقيّم حركة التنظيمات (الإصلاحات العثمانية)، باعتبارها خطوة هائلة في ميدان الإصلاح قياسا إلى ما قبلها، وربط إمكانية نجاحها بوجود "مجلس مركب منتخب من الشعب"، باعتباره "من أعظم الوسائل في حفظ نظام الدول وقوتها ونمو عمرانها ورفاهية شعبها". وهو استنتاج يحقق الفكرة الجوهرية عند الطهطاوي عن ضرورة ربط العدل بالقانون باعتباره شرط تقدم الأمم ورسوخ تمدنها وعمرانها.

لم يكن موقف العقلانية النقدية من الواقع ومحاولة تذليله سوى المقدمة الضرورية لتأسيس البديل الإصلاحي، والذي اشترك فيه الطهطاوي والتونسي وكثير غيرهم1 . فقد ارتكز البديل عندهما على سلسلة تتكون حلقاتها من التربية والتعليم (عند الطهطاوي) والمعرفة (عند التونسي) ومن أسباب العمران (تطوير الزراعة والتجارة والصناعة) ومن التنظيم السياسي. وهي سلسلة استمدها الطهطاوي والتونسي من تأمل تجارب التاريخ. وكلاهما اشار إلى أن النظر إلى تاريخ "الإفرنج" يوصلنا إلى أن سر تقدمهم يقوم في بناء هذه السلسلة (أو النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) على أساس العدل والحرية. وتوصل كلاهما أيضا إلى أن تجارب أوربا تبرهن على أن ارتقاؤهم العلمي والعملي في مختلف ميادين المعرفة مرتبط ليس ببركة شرائعهم، بل بمراعاتهم للقوانين. فقد وجدها الطهطاوي في "مراعاة الأوربيين للحقوق الطبيعية والأحكام المدنية". في حين وجدها التونسي في "مراعاة قوانينهم العقلية للوازع الدنيوي". وتوصل كلاهما إلى ضرورة الإصلاح لئلا يخضع العالم الإسلامي ماديا ومعنويا للسيطرة الأوربية، انطلاقا من أن عدم مجاراة أوربا في الإصلاح يؤدي إلى الضعف السياسي أولا من ثم للخضوع لها ثانيا. فقد أدى استعمال إنتاجهم وتشغيل ناسهم على حساب البطالة عندنا وتدمير اقتصادنا. إضافة إلى أن تقليدهم الثقافي في كل شيء، والذي يؤدي بالضرورة إلى اضمحلال هويتنا السياسية والثقافية. وهي نتيجة تعادل الموت والعدم. في حين أن حقيقة التراث العربي والإسلامي و"قانون الوجود" يفترض المنافسة والمساهمة في بقاء الخير العام. وهو واجب من وجهة نظر الإسلام وحقيقته. لهذا اعتبرا التمسك بالدين الإسلامي) لا يمنع من الاقتداء فيما يستحسن في نفسه من الأعمال المتعلقة بالمصالح الدنيوية في تجارب الأوربيين. وذلك لأن حقيقة الإسلام تفترض سبق الآخرين في العمران، كما أن حقيقته هي العدل والسمو الارتقاء.

حددت هذه الفكرة مقومات ما يمكن دعوته بالتحصين الثقافي للإصلاح المفترض. بحيث يصبح الإصلاح طريقا للتمدن. ويصبح الإصلاح تمدنا وموضوعا للتأسيس الفكري. ففي (مناهج الألباب) يقول الطهطاوي، بأنه يسعى أساسا للمنفعة العمومية لأجل توسيع دائرة التمدن. وشأن كل فكرة كبرى تحتاج لتجسيدها إلى أصول مناسبة تستند إليها. لاسيما وأن للتأصيل الفكري تاريخ عريق في الوعي الثقافي الإسلامي لا يعقل خارج فكرة الأصول في الدين والدنيا والعقائد (الكلامية والفقهية والفلسفية والسياسية والأخلاقية). فالطهطاوي ينطلق من أن للتمدن أصول معنوية ومادية. ويضع الأصول المعنوية التي يقرنها بالدين والشريعة في أساس التمدن، حيث وجد فيها "قوام الملة التي تسمى باسم دينها". وكتب بهذا الصدد يقول بأن من أراد أن يقطع عن ملة تدينها بدينا أو يعارضها في حفظ ملتها، فهو في الحقيقة معترض عل مولاه. ذلك يعني أن الدين والشريعة بالنسبة للطهطاوي هما مجموع التقاليد الثقافية الإسلامية. فهو يدرج الدين والجنسية (القومية) في الملة. وليست الملة سوى القومية الثقافية الإسلامية التي تندرج فيها الأمة الإسلامية (الدينية) والأمة المصرية وتقاليدها الإسلامية. لهذا اعتبر محاربة تمسكها بدينها وتقاليدها ومعارضة حفظ ملتها قوميتها وجمعيتها، اعتراضا على النفس ومرجعياتها الحقيقية. وتوصل التونسي إلى نفس النتيجة بعد تحليله للتجارب السياسية والفكرية والروحية لأوربا. فقد توصل إلى أن التقدم يرتبط بقيم معينة. وأن هذه القيم بالنسبة للعالم العربي هي تقاليده الحضارية الخاصة.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

مثل احمد بن أبي الضياف (1802-1874) معاصر التونسي. إذ نعثر في كتبه (إتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الأمان) على جملة من الأفكار الأساسية المشابهة لما عند الطهطاوي والتونسي، مثل ضرورة الإصلاح وجوهرية العدالة والقانون فيه، وكذلك ربط العدالة بقيم الحرية والدنيوية ومساواة الجميع أمام القانون بغض النظر عن الدين واللغة، والعودة لإمكانية تعايش القانون الشرعي والعقلي.

 

 

محمد بنيعيشأولا: المواطن والأمن والدولة، هل من تكامل؟

لكل كائن حرمته وحريته وحصانته و"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا "هذا هو حكم الإسلام، وهذا هو مبدأ المواثيق العامة، وهذا هو أساس العقد الاجتماعي ومبنى الحريات والحقوق في العالم.

فالفرد من المجتمع، والمجتمع مجموعة أفراد، والدولة من كليهما مؤسسة، وعليهما معتمدة وبهما قائمة ! .

وحينما نتناول موضوع الحقوق والحريات فينبغي مراعاة هذه الدورية في الأدوار، وهذا التأسيس مع الأطوار، ومن ثم فقد يمكن لنا إصدار الأحكام على هذا التصرف الصادر من الفرد أو المجتمع والدولة: هل هو حق وشرعي قانوني أم هو ظلم وشطط واعتداء على الحرمات والحريات؟

فلكل بلد رؤيته ولكل مجتمع قانونه وأعرافه وعاداته.ومن المستهجن أن ترتكب أخطاء واختراق لحرمات في بلد ما مع مزاعم أن هذا الأمر جائز في بلد آخر غير الذي هو موطنه الأصلي. ومن المستثقل والمرفوض أن تعمم القوانين الخارجية على مجتمع داخلي له عقده الاجتماعي الخاص به وعاداته وتقاليده وعقائده وتدينه ! .

فما قد يعتبر استجماما في بلد ما قد يكون جريمة في بلد آخر، وما قد يكون جريمة في السر قد لا يعتبر كذلك في الجهر .وما يحتاج فيه إلى بينة في بعض الدعاوى قد لا يعتبر ولا يمكن في دعاوى أخرى، وهكذا دواليك.

وما بين الدولة والمواطن حكايات وتقاطعات وحسابات، قد تكون فيها الغلبة والقرار المعتبر غالبا للعنصر القوي في المعادلة وهو الدولة، لأنها بالمواطن قامت وعلى أمنه سهرت وبورقته توازنت.

فالأمن والقضاء هما القوة القاهرة في كل مجتمع متمدن وحضاري وذي كيان سياسي.وللأمن دوره وللقضاء حكمه، والعدل أساس الملك كما عليه الشرائع والحكمة وفلسفة السياسة.

ولكي نركز الحديث ونختصره فسأطرح في هذه العجالة مسألتين مهمتين وخطيرتين ومثيرتين وهما: حق أمن الدولة في مراقبة المواطن وحق القضاء في إصدار الحكم من غير تبين.

ثانيا: المراقبة والمخابرة بين خصوصية الفرد ومقتضيات المجتمع

فالأول قد يمتزج فيه السياسي بالأمني والمدني بالجنائي.وهذا يتطلب حنكة وضوابط وفلسفة أمنية راقية، يمكن من خلالها حماية الدولة وأمنها مع حماية المواطن واستقراره في نفس الوقت.

إذن فنحن هنا أمام مطلبين متشابكين، بينهما برزخ لا يبغيان:مطلب الدولة للحفاظ على كيانها ونظامها، وهذا حق مشروع ومنطق سياسي اجتماعي محض .ومطلب المواطن في صيانة حقوقه مع تحقيق احتياجاته وضمان حرياته.

لكن حينما يكون هذا المواطن غير عادي، ومنصبه يجمع بين مقتضات القمة والقاعدة، فعندئذ يترتب عليه حكم آخر، ألا وهو تشديد الرقابة عليه أكثر من غيره وتتبع خطواته وتلمس عوراته وسقطاته.لأن الأمر هنا إما أن يحاصَر أو يحاصِر، يبادر أو يبادر به، ومن لم يستسغ هذا المنطق فليقرأ "مقدمة" ابن خلدون وكتاب" الأمير" لمكيافيللي وغيرهما، حيث أحكام السياسة قد تختلف عن أحكام العلم وأحكام الشريعة من باب التطبيق.

فأي خطأ بسيط، من هذا الإطار المسؤول أو ذاك، قد يسجل عليه ويحسب ضده حينما يريد تجاوز قدره ويتطاول على مقام غيره بشكل ما.وهذا الإجراء قد تستعمله أكابر الدول المعاصرة التي تسمى بالديمقراطية، وتوظفه خصوصا عند الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها كورقة ضغط وسلاح فتاك إذا اقتضى الأمر ذلك، ولا يحق للآخر أن يشتكي ويزعم أنه ظلم، إذ هذه هي قواعد اللعبة وشروطها !!!.

وهذا حق الدولة وحق الأحزاب والمنظمات في باب التدافع، وهو يدخل في باب التجسس السياسي المشروع على حسب مذاهب السياسة .إذ، هيهات هيهات أن يقاس الملائكة بالحدادين !!! كما يعبر أبو حامد الغزالي كثيرا في باب الأخلاقيات والسلوكيات.فليس هناك نحْل بالمطلق وليس هناك دبابير سليمو التدبير !!!.

فعيون الدولة ينبغي أن تبقى مفتوحة أكبر من عيون البومة، المتهمة ظلما بالشؤم، والتي ترى في الليل أكثر من النهار، لأن الظلام هو الذي قد تحاك فيه الدسائس وعنده ترسم المخططات وتدبر المؤامرات.

ولهذا فلا تبقى حرمة تراعى بمفهومها البسيط والعادي، أو يغض الطرف عن هنات وهفوات المسؤول ومن في حكمه، كما رأينا في الحديث أعلاه.إذ هناك حرمة عليا مهددة ألا وهي حرمة الدولة والمجتمع عموما، فيكون من اللازم وغير المحذور والممنوع أن يرصد هذا أو ذاك في جميع تحركاته وخاصة خارج بيته الأصلي . بل إذا اقتضى الأمر وحامت الشكوك حول فلان وعلاّن فلتكن البيوت مخترقة في حدود، سدا للذريعة، كما يقول علماء الأصول !.

أرى، والله أعلم، أن هذا هو الإجراء السليم لحماية الوطن والمواطن معا، ولكن من غير شطط وترك الحبل على الغارب في هذا الأمر، إذ ينبغي تحديد الهدف وحصره في مهمة خاصة لا تتجاوز .يقول الله تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ""وَلَوْلَا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ".

وحينما نطالع التاريخ وإجراءات أهل العدل ورواده على هذه الأرض نجد أن مبدأ المراقبة الخاصة قد كان العمل به جاري من غير اعتراض، اللهم إلا إذا كان بغير مبرر شرعي وقانوني.

ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبرز من طبق هذه المسطرة لحماية أمن الدولة والمجتمع، حتى إنه كما يقال كان لا يثق بالولاة ولا يترك لهما الاستفراد بالسلطة أو استحلاء كراسيها لمدة طويلة .فقد كان يغير الولاة بعد فترة وجيزة أقصاها أربعة سنوات، كما كان يرصد أحوال القادة في الجبهة ويتابع أخبارهم بعيون متخصصة واستخباراتية بامتياز. فإذا وصل إليه نوع تذمر أو تلكؤ من قائد عزله وعين بداله شخصا آخر .

هذا من جهة الولاة أما من جهة المواطنين العاديين فقد كان يرصد السلوك العام بالعمل على حفظ طهارة المجتمع واستقرار الأخلاق العامة فيه، لغاية أن تسور بيتا سمع فيه مجونا وغناء وإيحاءات مشبوهة كما وقع له مع أبي محجن الثقفي لما وصله أنه يشرب الخمر ويجمع حوله الندماء في داره قد يقلق به راحة الجيران ويهدد سلامة المجتمع.وقصة نصر بن حجاج الجميل الوجه وسماع عمر في ليلة تفقّد لتلك لمرأة التي كانت تتغنى بنصر داخل بيتها، هي مشهورة ومهمة جدا، حيث اتخذ ما اتخذ من إجراء لحماية طهارة النساء والرجال معا كما هو معلوم.

وفي هذا الإجراء قال الغزالي كإفتاء : إلا أن يظهر –المنكر- ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة.

(21) وقال ابن الجوزي: من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، وإن فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار.

ثانيا: دور الأمن والقضاء في حماية المتضرر بغير بينة

أما المسألة الثانية التي أشرت إليها آنفا فهي تبع لهذا الحكم العام، ولكنها ذات صفة قضائية وأمنية في نفس الوقت، وهذه لا تتعلق بالحريات الفردية والخصوصيات الشخصية وإنما هي ذات صفة تعدّي واعتداء على الآخر.وقد تنطبق على جرائم يمكن أن تقع في الخفاء وتؤذي الناس في الظلام ولا بينة عليها .فقد يشتكي المدعي ويتألم ويتضرر ماديا ونفسيا ومعنويا ولكن لا يجد ما يبرر به قانونيا دعواه ضد شخص أو جماعة متواطئة ضده بشكل ما.و هذا الاعتداء قد يكون إما بالكلام والوقيعة والابتزاز والاستفزاز والإرهاب النفسي وما إلى ذلك، وهذا من أقبح الجرائم التي قد تسبب أمراضا ونكسات صحية وعواقب اجتماعية وخيمة !.

ومن أقبح وأقذر هذه الإذايات يتصدرها موضوع السحر والسحرة، وما قد يوظف فيه من شعبذات وتضليل واستدراج وابتزازا وتخويف ...وهذا قد أصبح مما تعم به البلوى ويوظف حتى في المجالات السياسية والعمل على إحداث تأثير في وعي وقرار هذا المسؤول أو ذاك، إما بواسطة التوظيف الروحاني وتسليط الشياطين والجان ضدا على الآخر، أو بفعل التسميم واستعمال الوصفات الكميائية القذرة عن طريق الدس في الأكل والشرب وما إلى ذلك.

وسواء سلم البعض بالجانب الروحاني أم لم يسلم به حسب معتقده فإنه بمجرد اللجوء إلى هذه الوسائل بنية إذاية الآخر قد يعتبر جريمة في حد ذاتها.وهنا يطرح موضوع المراقبة الأمنية وتتبع النازلة بالموازاة مع قرار القضاء حينما تصله شكوى من هذا النوع.فهل يطلب الدليل، وهذا مستحيل، أم ينتقل إلى التجسس والتحري وتعقب المتهم؟.

في رأينا المتواضع أن الحل لهذه المعضلة الأخلاقية والقانونية والأمنية معا هو العمل على تعقب الظنين بالوسائل المعهودة في التجسس والاستخبار العام.إما بالمباشر أو المتحايل أو الاستدراج أو تسجيل المكالمات والمراسلات حتى يقع المجرم في الفخ ويقدم للعدالة.فيحاكم الساحر والمستسحر معا !!!.ولا ينبغي إهمال شكوى المدعي جملة وبزعم عدم استيفاء البينة.وهذه قيمة مضافة قد توشح بها صدور رجال الأمن إن هم التزموا بها وأخذوها في الاعتبار حماية للمواطن والوطن والفرد والمجتمع.كما بإمكان المخبر أن يتقمص دور المستسحر أو الساحر حتى يوقع بمثل هذه الجراثيم الاجتماعية ويطهر البلد من رجسهم.وبهذه العملية سيكون المجتمع قد ضرب عصفورين بحجر واحد وهما:الأول ضبط الساحر المؤذي وذي النوايا الخبيثة، الثاني :استبعاد والحد من انتشار ما يزعم بالرقاة الشرعيين، الذين بدورهم قد يتحولون إلى سحرة ولكن بقناع ومزاعم العمل الشرعي وما إلى ذلك مما قد يصطلحون عليه.

وهذا الإجراء قد سبق ووظف في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يتعقب السحرة بالمدينة، إذ يروى أنه قد أقام حد الساحر على ثلاثة منهم، فكانت هيبته خير مطهر للمجتمع وصائن لحرماته وأمنه واستقراره.

تلكم هي وقفة سريعة مع موضوع شائك ودقيق قد تنخرط في همومه جل الشرائح والمؤسسات السياسية والاجتماعية والفكرية والقانونية نتمنى لو وجدت آذانا صاغية.والله من وراء القصد.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية  الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

محمد بنيعيشمبدئيا نقول: إن المعرفة عند الصوفية لها حدودها وضوابطها ،وليس كما يتخيله البعض من أنهم قد يقصدون منها الإطلاق ومعرفة كل ما كان أو هو كائن ويكون،أو أنها عرفان إشراقي كما يسقطه البعض عليها غلطا أو تغليطا !!!.

فهذه مجرد أوهام قد يقع فيها بعض القاصرين فكريا أو بعض المغرضين ممن يموهون على الجماهير لتبرير بعض أعمالهم التي قد تكون ذات خلفيات دنيوية محضة أو سياسوية ديماغوجية يريدون تحقيقها والوصول إليها بواسطة هذا التنويم الروحي والتقليل من شأن الآخر وشأن الواقع.أو قد تكون بباعث ذاتي مضاد لمقتضياته من أجل تغييره بتصور متوهم ومتخيل لا يمكن الدلالة على صدقه أو كذبه جزما،لأنه مرتبط بالباطن وضمير الأشخاص لا غير!.

أولا: المعرفة الصوفية واختبار سقف الهمم

يقول الشيخ محيي الدين بن عربي في كتاب "العبادلة"محددا المدى الذي يمكن أن تصل إليه المعرفة الصوفية،وأنها على سعتها ورحب فضائها تبقى محددة بحسب همة العارف ومدى تطلعه إليها واستغراق عمره في السلوك نحوها،والتي هي ابتداء وانتهاء فضل من الله تعالى واختصاص وتكرم منه:

"تنتهي همم العارفين بالله تعالى وهم معه على أول قدم في المعرفة،فلم تف لهم أعمارهم بما تعلقت به هممهم من واجب معرفة الله كما يليق بجلاله"[1].

من هنا فالهمة عند الصوفي أو مجرد الإرادة وتعلقها بموضوع ما قد لا تعتبر هي الفاعل الأساسي أو الموصل إلى المطلوب،سواء أكان معرفيا محضا أم تصرفا في قضايا المحسوسات والعالم الأرضي،إذ كما يقول ابن عطاء الله السكندري:

"سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار"ويفسر هذه الحكمة ابن عباد النفزي بأن:الهمم السوابق هي قوى النفس التي تنفعل عنها بعض الموجودات بإذن الله تعالى،وتسميها الصوفية همة فيقولون أحال فلان همته على أمر ما فانفعل له ذلك،وهذه الهمم السابقة لا تنفعل الأشياء عنها إلا بالقضاء والقدر وهو معنى قولنا بإذن الله تعالى فهي على حال سبقيتها ونفوذها لا تخرق أسوار الأقدار ولا تنفذها،وهذه الهمم قد تكون للأولياء كرامات وقد تكون لغيرهم استدراجا ومكرا كما تكون للعائن والساحر ،وقد ثبت أن العين حق والسحر حق ومعناه ما ذكرناه.

وحاصل ذلك أنه يجب أن يعتقد أنها أسباب لا تأثير لها ولا فاعلية وأن الفاعل هو الله تعالى وحده عندها لا بها"[2].

وهذا التوقف مع مسألة الهمة له ارتباط بموضوع التطرف الذي قد يمس منذ البداية دعوى المعرفة وما يتبعها من تصرفات وإجراءات ربما قد يتوهم صاحبها أنه قد امتلك ناصية اللانهاية المعرفية،وبالتالي سيقع في الزهو النفسي وتوهم القدرة على تغيير الواقع والأشياء والسنن الكونية حوله بمجرد همته أو ادعائها،وخاصة حينما يستغل بعض الدجالين والمشعوذين،وكثير من الشيعة الغلاة في تصورهم نحو أئمتهم وتوهمهم المعرفي المتطرف، صورا من التناسب بين مزاعمهم ودعاواهم وبين ما قد يقع في الكون من تغيرات بيئية أو اضطرابات اجتماعية وسياسية،موهمين بذلك الأغبياء من الجماهير بأنهم ربما قد كانوا الفاعلين المباشرين في تلك التحولات أو الأحداث،بينما الأمر في حقيقته ليس سوى قضاء الله تعالى وقدره الذي يجريه بشكل عادي وبحسب سننه التي سطرها في كونه وأجراها على مخلوقاته...

ففي الحقيقة،وهذا هو مذهب الصوفية السنيين وضدا على زعماء التطرف من الباطنية والغلاة وغيرهم من الطوائف،لا يعرف الله حق معرفته إلا هو ولا يحيط بحقيقة ذاته وكنهه إلا هو،وذلك معقول ومنقول شرعا وحكما بعدم إحاطة المخلوقات بمعرفة ذات الله .

فمن جهة العقل فالاختلاف في مستوى حقيقة الوجود والذات هو الذي يحول دون ذلك، فإذا كان التلميذ قد لا يعرف المحتوى الشامل لعلم أستاذه حق المعرفة وإن حصل على شهادة تماثل شهادته، فإنه بفعل المطالعة وسبق الزمن سوف لن يلحق به أبدا،وكذلك فإن من علم شيئا غابت عنه أشياء.

ثانيا: المعرفة بين الإيجاب والسلب أو مقام القبض والبسط

وإذا كان التقارب في الجنس والمستويات وبفارق ضئيل من الظروف المحددة قد يحول بين المرء ومعرفة غيره من جنسه، فكيف يسمح لأحد أن يدعي معرفة الله الذي هو قديم الوجود وأبديه ولا نهاية لذاته ولا تحده الظنون ولا تحيط بحقيقته الفهوم والعقول ولا تدركه الأبصار "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" .

بينما العبد محدود وجوده،وذاته محدثة من العدم وآيلة إلى الفناء ومركبة من أجزاء معدودة وجواهر متحيزة ومتناهية مرصودة...

لهذا فالمراد بالعلم بالله أو معرفة الله عند الصوفي هو العلم بوجوده وما هو عليه من صفات الكمال،وليس مرادهم العلم بذاته لأن ذلك عندهم ممنوع ومستحيل ولا يعلم إمكانية تحصيله بدليل حسي و لا برهان عقلي أو نص شرعي قطعي الدلالة.

فالعلم بالله هو العلم بأنه ليس كمثله شيء وأما الماهية وحقيقة الذات فلا يمكن علمها قطعا،وبهذا فقد عَدّ شيوخ الصوفية من طلب أن يعلم الله كما يعلم الله نفسه من أجهل الطوائف[3]،وإذا كان الإنسان لا يعرف نفسه حق معرفتها فكيف يطمع في معرفة الله سبحانه وتعالى حق معرفته[4]؟.لكن للعارف حالتان يقول في أحدهما:لا أعرف إلا الله تعالى وذلك بخصوص الذات وعطوف قلبه نحوها،فحينما تتجلى له عظمة الله في الكون ويشعر بعجزه عن إدراك ذاته تعالى لا تعتريه إلا الدهشة والحيرة فيعترف بأنه لا منفذ له إلى معرفة الله.وتلك الحالة هي في حقيقتها معرفة بالله تعالى، "لأن العجز عن درك الإدراك إدراك".

أما الحالة الثانية فللعارف أن يقول فيها:لا أعرف إلا الله،وهو حينما ينظر إلى أفعاله فلا يرى عند ذلك في الوجود إلا الله عز وجل وأفعاله. بحيث لا فعل لأي مخلوق في هذا الكون وإنما الكل يسير بأمره وتصرفه وتقديره. فحينئذ يقول العارف لست أعرف شيئا غير الله تعالى وما في الأرض غيره، فهو الكل على التحقيق.

ولقد مثل الغزالي لهذه الحالة بمن لم ينظر إلا إلى الشمس و أنوارها المنبسطة في العالم،ولم يلاحظ قلبه الأشياء المستنيرة من حيث أنها جماد أو بهائم فكأنه لم ير إلا الشمس.

وهكذا فإنه قد لا يكون تناقض بين قول العارف أولا:لا أعرف الله ، وقوله ثانيا : لا أعرف إلا الله.

ومن هنا فقد كان الصوفي أبعد الناس عن الإدعاء وتوهم امتلاك الحقيقة أو التصرف المطلق وما إلى ذلك ،سواء فيما يتعلق بمجال الخلق أو ميدان الحق ،مما قد ينزلق فيه كثير من متزعمي الطوائف والسالكين ظاهرا لباب المعرفة القدسية من غير علم أو إرشاد سليم .

كما قد نجد هذا التحذير والقياس الشرعي والعقلي السليم عند ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكمة الرائعة حيث يقول:"منعك أن تدعي ما ليس لك من المخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين".ويشرح الحكمة ابن عباد النفزي بأنه:لاحظ للعبد من صفات مولاه إلا التعلق بها فقط، وأن ادعاء شيء منها من كبائر معاصي القلب ومن مشاركة المربوب للرب ومن مقتضى الغيرة التي اتصف بها وأعلمنا بشأنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :"لا أحد أغير من الله تعالى ومن غيرته أنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"تحريم ذلك على العبد والتسجيل عليه باستحقاق الطرد والبعد. ومن أفحش الفواحش عند العارفين وجود شيء من الشركة في قلب العبد بادعاء شيء من أوصاف الربوبية لنفسه عقدا أو قولا لأن ذلك منازعة له وتكبر عليه،وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :قال الله عز وجل:الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحدة منهما ألقيته في النار".

ومعنى المنازعة: الدعوى قولا وعبارة والإضمار فعلا وإشارة . ومعنى الغيرة في حقه تعالى أن لا يرضى بمشاركة غيره له فيما اختص به من صفات الربوبية وفيما هو حق له من الأعمال الدينية.وإذا كان الحق تعالى مانعا لك ومحرما عليك أن تدعي ما ليس لك مما أعطى المخلوقين من الأموال ومسميا ذلك ظلما وعدوانا فكيف يبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين لا شريك له في ذلك لا أنت ولا غيرك،فهو إذن من أعظم الظلم وأشد العدوان".

يضيف النفزي في الشرح ملخصا مذهب الصوفية في المعرفة والإدعاء:"وهذا المعنى الذي ضمنه المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة هو الغرض الأقصى الذي هو مرمى نظر الصوفية ،وكل ما صنفوه ودونوه وأمروا به ونهوا عنه من أفعال وأقوال وأحوال إنما هي وسائل إلى هذا المقصد الشريف والمقام المنيف،فشأنهم أبدا إنما هو العمل على موت نفوسهم وإسقاط حظوظها بالكلية كما قيل:الصوفي دمه هدر وملكه مباح !وليس هو المقصود لهم بالذات وإنما غرضهم من ذلك ما يلزم عنه من انفراد الله تعالى عندهم بالوجود ولوازم الوجود انفرادا لا يشاركونه في شيء منها ألبتة - كما ذكرناه- وهذا هو كيمياء السعادة الذي أعوز أكثر الناس ولم يحظوا منه إلا بالإفلاس،إذ بذلك يستحق المرء عبودية الله عز وجل الذي لا مقام للعبد أشرف منه"[5]. والله ولي العارفين .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

[1] نفس ج1ص44

[2] ابن عباد النفزي :شرح الحكم ج1ص6

[3] الشعراني: اليواقيت والجواهر  ج1ص45

[4] الغزالي:رسالة المعرفة ،ذيل كتاب الاقتصاد في الاعتقاد مكتبة الجندي ص222

[5] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص94