ميثم الجنابيلقد كانت الأبعاد الجديدة التي ادخلها سلمان الفارسي في فلك الثقافة الإسلامية الناشئة وشخصية المثقف، على قدر ما فيه من اندفاعه نموذجية في تجسيد "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة في الأقوال والأفعال والمواقف ومن ثم في الآثار والمآثر.

فقد تبلورت شخصيته في مجرى معاناة البحث عن الحقيقة1. بل يمكننا القول، بأن سلمان الفارسي كان اقرب إلى الشهاب الضائع قبل أن يرتطم بصخور الجزيرة العربية. وهو ارتطام صقل موقفه النهائي بوصفه اختبارا لما بعد الموت. وعادة ما يميز هذا الاختبار أولئك الذين تصبح مهمة البحث عن الأنا غاية الوجود الكبرى. فهو الشرط الضروري والفردي للمثقف الحقيقي، لأنه أسلوب البحث عن الحقيقة. وحالما يصبح البحث عن الحقيقة مصدر البحث عن الأنا، ويصبح البحث عن الأنا أسلوب البحث عن الحقيقة، حينذاك تتكامل الشخصية بوصفها تراكما طبيعيا ومتجانسا. عندها يجري بلوغ الذروة التي تصنع وهج الإبداع وإغراء التأويل اللاحق في مخيلة الأجيال وعقولها. غير أن بلوغ الذروة، الذي يجعل المرء محط الرحال وميدان الجدال ولغز الوجود وبيان العقل والضمير، ليس إلا الوجه الآخر لما فيه من محطات وميادين وألغاز وبيان.

وقد جسّد سلمان الفارسي هذه الحالة في محاولاته المضنية قبل اعتناق الإسلام. فقد كان إسلامه من حيث الجوهر إسلاما لفكرة الحق والحقيقة بوصفها تعطشا ذاتيا. من هنا قوله عن تاريخه الشخصي قبل اعتناقه الإسلام:"قد تداولني بضعة عشر من رب إلى رب". بعبارة أخرى، لقد مر سلمان الفارسي بأرباب وآلهة كثيرة ومتنوعة قبل أن يصل إلى يقينه الذاتي الخاص. وقدم بذلك إحدى الصور الجليلة عن أن معاناة المثقف الأصيل تقوم في البحث عن يقين من خلال الشك الدائم. فقد جرّب سلمان الفارسي مختلف الأديان والأشخاص. وتروي كتب التاريخ والسير عن سلوكه هذا صور متنوعة الإسناد لكنها تصب جميعا في البرهنة على أن الإسلام هو غايته النهائية. وقد تبدو هذه النتيجة سهلة بعبارة اللغة الهادئة في تعبيرها عن تاريخ منصرم، لكنه هدوء اقرب إلى ذاكرة دامية في الصور والمعاني. بمعنى تحرّقها بذاتها. وليس لها من صدى غير الندى المتراكم في دفئ التيار العارم على صفائح القلب الهائج، أو البرد القارص على واجهة الذاكرة وتأملها المثير في قضم الروح وتلوع الجسد. وهي الحالة التي جسّدها سلمان الفارسي في صيرورته وكينونته.

فقد كانت صيرورته مثالا لتكامل الروح المتسامي والحكمة العملية، وجد صورته ومعناه في سبيكة الوحدة الكونية للمثقف الإسلامي الجديد. فقد كانت أصوله الفارسية وتناسخها العربي بمعايير الرؤية الكونية للإسلام، السرّ القابع وراء جوهرية الظاهر والباطن في سلوكه الشخصي ومواقفه العملية وتحقيقه للقيم. وهو تناسخ فردي وروحي بقدر واحد، يتطابق من حيث الجوهر مع مضمون الفكرة الإسلامية الفعالة بمعايير الجماعة والأمة المتسامية. كما أنه السبب الذي جعله يصبح من "آل البيت". فعندما ظهرت مشكلة أصول الأفراد وبقي سلمان الفارسي بلا "أصل وفصل"، فإنه تحول بلحظة خاطفة إلى كيان فوق الجميع عندما قال محمد:"سلمان منا آل البيت". ويستمد هذا الكيان الجديد أصوله من شخصيته المتراكمة بمعاير الرؤية الكونية والبحث الشكاك من أجل بلوغ اليقين الروحي. كما انه كينونة جديدة لأنها تطابقت مع مضمون الفكرة الإسلامية الأولى عن التوحيد المجرد، أي الوحدة الجامعة للبشر بغض النظر عن الأصل والفصل وما شابه ذلك من مفاهيم وقيم جزئية وضيقة. ووجد ذلك تعبيره الخالص في الفكرة الإسلامية القائلة، بأنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، بوصفها الفكرة الجوهرية في معنى الجماعة والأمة التي مّثل سلمان الفارسي صورتها.

جّسد سلمان الفارسي في صيرورته الفردية نموذج الوحدة الحية للقومي والعالمي، للتاريخي والمطلق كما نراه في بحثه الدءوب عن "رب" يعبده ويربيه. وقد جرى تتويج هذا البحث برؤية مثاله الواقعي في شخصية محمد. إذ وصل في نهاية المطاف إلى أن من يبحث عنه هو الشخص الذي يدعوه قومه بالساحر والمجنون! ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإنها تشير في رمزيتها إلى الأبعاد الفعلية في شخصيته بوصفها صيرورة الخروج على المألوف ولكن بمعايير القيم الأخلاقية الرفيعة. فالمجدد الكبير هو على الدوام "مجنون" بنظر قومه. ومن ثم لم تكن رحلة البحث عن المجنون سوى رحلة البحث عن النفس لكي تصبح ذاتا. وتفترض هذه العملية على الدوما المرور بدهاليز الجنون الفعلي للأقوام والأمم المتبلدة بالتقليد والخنوع لأصنامها. وحالما أصبح سلمان الفارسي "من آل البيت"، فإنه يكون قد ارتقى بمعايير التاريخ الواقعي والروحي إلى مصاف الأنا المتكاملة بشروط إرادتها الذاتية. من هنا إجابة الإمام علي بن أبي طالب مرة عندما سألوه رأيه بسلمان الفارسي بعبارة:"من لكم بمثل لقمان الحكيم؟ ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت. أدرك العلم الأول والعلم الآخر. وقرأ الكتاب الأول والآخر. بحر لا ينزف!". ولا تعني رمزية منّا وإلينا، وإدراك العلم الأزلي، والقراءة الأبدية، سوى الروافد المتكاملة في ذاته التي جعلت منه بحر لا ينفد، أي عالم هائل يحتوي على مكونات الوجود الحية. وعندما ننقل هذه الصورة البلاغية إلى عالم التاريخ الواقعي، فإن مضمونها الفعلي يقوم في أن تكامله الفردي بوصفه صيرورة الإرادة الخاصة في طلب الحق يساوي بحر الرغبة الأبدية في توحيد الظاهر والباطن. وهو توحيد يوّحد كل شيء بدأ من "رب الأرباب" وانتهاء بالمواقف من صغائر الأمور، لأنه لا صغيرة في الكون وكبيرة إلا ولها صورة ومعنى في العقل، وصدى وندى في الضمير. ووجدت هذه الفكرة صورتها وصداها في عبارته القائلة:"لكل امرئ جواني وبراني. فمن يصلح جوانيه يصلح الله برانيه. ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه".

إن هذا التماسك الضروري بين الجواني والبراني، أو الباطن والظاهر ليس إلا الوحدة التي حكمت إحساسه وعقله في مواجهة الحياة وإشكالاتها. تماما بالقدر الذي شكلت معيار الحكم على النفس وسلوكها ومواقفها تجاه قضايا الروح والجسد. وليس مصادفة ألا يختلف سلوكه الجواني (الباطني) باختلاف موقعه الاجتماعي والسياسي. وذلك لما فيه من اعتدل ظاهري وباطني، بوصفه الأكثر استقرار في الدفاع عن فكرة الحق والعدالة والعيش بمعاييرها. فعندما شاهد "غلو" أبي الدرداء في الزهد والتقشف على نفسه نراه يقول له:"إن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا! أعط كل ذي حق حقه، صم، وافطر، وقم، ونم، وائت أهلك". وضمن هذا السياق ينبغي فهم فكرته التي قالها مرة لحذيفة بن اليمان:"إن العلم كثير والعمر قصير. فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك ودع ما سواه فلا تعانه". ولا يعني ذلك الوقوف عند شيء، لأن كل تاريخه وكينونته حركة لا تتوقف ولا تتناهى عند حد باستثناء ما يمكن دعوته بحدود الحقيقة، أي العيش والعمل والتفكر بمعاييرها ومقاييسها. وهو عين الاعتدال المتسامي الذي ميز سلوكه الفردي والاجتماعي. فعندما صلى أمامه احد الأشخاص أربع ركعات وهم في سفر، قال له:"ما لنا وللمربعة، إنما كان يكفينا نصف المربعة ونحن إلى الرخصة أحوج". وهي "رخصة" مبنية على فكرة الاعتدال بوصفها الصيغة الأكثر تجريدا وسموا لصيرورته الروحية والعقلية. لهذا نراه على سبيل المثال يحدد ماهية الإسلام بمقاييس الروح الأخلاقي وليس بعبارات العقائد الجاهزة. فعندما سألوه مرة عن معنى الإسلام أجاب:"إن الله إذا أراد بإنسان شرا أو هلكة نزع منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتا ممقتا. فإذا كان مقيتا ممقتا نزعت منه الرحمة فلم تلقه إلا فظا غليظا. فإذا كان كذلك نزعت منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا. فإذا كان كذلك، نزعت ربقة الإسلام من عنقه فكان لعينا ملعونا". بعبارة أخرى، إن حقيقة الإسلام بالنسبة له هي سلسلة الأمانة والرحمة والحياء. أنها ثالوث كينونته التي جسدها في كل عمل ووظيفة أداها. فمن المعلوم عنه كونه كان يعمل بيديه. فإذا أصاب شيئا اشترى به لحما أو سمكا ثم يدعو المجذومين فيأكلون معه. وكان يقول دوما:"إني لأحب أن آكل من كدّ يدي". ووضع هذا السلوك في فكرة تقول، بأن"النفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت". وهو اطمئنان كان يعني بالنسبة له العيش بمعايير الروح والسكون إلى ما فيه من نغمات هي عين الغناء الجميل للحياة والأبد. فقد شعر بالاستياء عندما قال له حذيفة: يا أبا عبد الله! ألا ابني لك بيتا؟ لكن حذيفة تدارك الأمر وقال بسرعة:

- رويدك! حتى أخبرك! إني ابني لك بيتا إذا اضطجعت فيه، رأسك من هذا الجانب ورجلاك من الجانب الآخر. وإذا قمت أصاب راسك!

- كأنك في نفسي!!

إن هذه الرغبة الصادقة في أن يكون بيته "قبرا" ليس إلا الوجه الآخر لسماء الروح غير المتناهية. فمن الناحية الواقعية تشير إلى أنه بلا بيت، ومن الناحية الرمزية تشير إلى أنه يمتلك العالم وما فيه دون رغبة بالملكية وشروطها المبتذلة. وليس مصادفة أن يتحول إلى "مرجعية المظلومين". فقد كان معروفا عنه مرجعيته بالنسبة لشكوى المظلومين. لهذا أجاب مرة عن سؤال:

- ما الظلمات يوم القيامة؟

- ظلم الناس بينهم في الدنيا!

تكشف هذه الإجابة عن مضمون الأبعاد الاجتماعية والسياسية في سلوكه الفردي عندما كان فردا عاديا أو أميرا (في المدائن). فقد كان معروفا عنه أن الهدية الوحيدة التي كان يقبلها ويطالب بها هي تحية السلام. كما كان معروفا عنه حلقه لرأسه. وعندما سألوه عن سبب ذلك أجاب:"إنما العيش عيش الآخرة"، بمعنى العيش بمعايير الروح المتسامي. فهي المعايير التي تصنع الاعتدال الفردي والاجتماعي. وهذه بدورها ليست إلا مظهر الاعتدال الباطني، باعتباره اعتدالا من طراز خاص على قدر ما في تجارب الروح الفرداني من معاناة شخصية، وهموم باطنية، ورؤية للكون والوجود والمعنى. وقد جّسد هذه المكونات بصورة مثالية عندما كان أميرا للمسلمين في المدائن. فقد زهد في إمارته أكثر مما في حياته العادية. إذ كان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. وتروى عنه بهذا الصدد روايات عديدة وأحداث ووقائع كثيرة يمكن الاكتفاء بالقليل منها للدلالة والتدليل. منها على سبيل المثال خروج البعض لرؤيته عندما كان بالمدائن، وهو يومئذ على رأس عشرين ألفا من المقاتلين. فوجدوه على سرير يسفّ خوصا. فسلموا عليه وقال احدهم له: هذا ابن أخت لي جاء من البادية ويود السلام عليك. فأجاب وعليه السلام. وعندما قال له الزائر:"يزعم انه يحبك"! فأجابه سلمان:"أحبه الله"! وقال آخر يصفه -"رأيت سلمان في سرية هو أميرها على حمار وعليه سراويل والجند يقولون "جاء الأمير"! كما دخل احدهم عليه فرآه يعجن. فاستغرب متسائلا: ما هذا؟ فأجابه سلمان:"بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين!". في حين كان عطاؤه (راتبه) خمسة آلاف درهم فإذا خرج صرفه للآخرين، ويأكل من عمل يده. وكان شعاره العملي اليومي هو:"إني بكل مؤمن رفيق"!

لقد تمثل سلمان الفارسي "حقائق المرجعية الأبدية للروح" ومبادئها العملية في كل من الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، ومعاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة. وحققها في سلوكه الفردي بطريقة جعلت منه مثالا لتجسيد المقدّس في الأعمال والمواقف. بمعنى إنزال القيم المتسامية إلى مصاف التراب والمشي عليها لا سحقها. حينذاك يمكن التجرد عن كل شيء والتحرر من عبودية كل ما هو عرضة للزوال. ومن ثم الهدوء التام في عواصف الزمن، والمشي مع متطلبات الروح بلا ضجة ولا ضجيج. لهذا نراه يقول لزوجته قبيل وفاته:"افتحي هذه الأبواب يا بقيرة، فإن لي اليوم زوارا لا ادري من أي هذه الأبواب يدخلون عليّ". وهو على علية لها أربعة أبواب. ثم دعا بمسك وقال لها "انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتريني على فراشي". وعندما عملت ما أراد ورجعت إليه، رأته نائما نومته الأبدية على فراشه! وعندما نظروا إلى ما في بيته فلم يروا إلا غطاء ومتاعا لا يساوي أكثر من عشرين درهما، بل قيل أربعة عشر درهما!

وهي صورة تعني بأنه فارق ضجيج الحياة ليبقى في هدوءها الخالد بوصفه تجانس الحق والحقيقة. ولا يعني ذلك بمعايير الثقافة الكبرى سوى إبداع أنموذج فردي لجعل المقدّس بطانة زهده المتسامي. ولا يمكن للمثقف الكبير بلوغ هذه الصورة ما لم يتصف بشكل من أشكالها. وليس مصادفة أن يرد على أبي الدرداء الذي كتب إليه يدعوه للقدوم إلى مدينة القدس من أجل العيش فيها بوصفها أرضا مقدسة، بعبارته الشهيرة:"أن الأرض لا تقدس أحدا! وإنما يقدس الإنسان عمله!".

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- يمكن الرجوع إلى بعض جوانب حياته عن لأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص185-208.

 

ميثم الجنابيمّثل أبو ذر الغفاري صورة رفيعة وأولية للمثقف الإسلامي المتنور بمعايير "حقائق المرجعية الأبدية للروح". إذ جّسد في أقواله وأفعاله، وحياته ومماته، أنموذجا فريدا وفذا في المواجهة العملية للسلطة الغاشمة. وبهذا يكون قد جّسد الصيغة التاريخية الأولى لمواجهة السلطة الخارجة على الحق. فقد كان هو إلى جانب ابن مسعود وجهان لموقف واحد، أو جسدان لروح واحدة هي روح الفعل بمعايير الحق والعدالة بوصفها الأوزان الداخلية التي تصنع توازن الشخصية المثقفة وأنغامها. ومن ثم تحدد مساره وسيرته وتنوع مواقفه المتوحدة في غاياتها. وليس مصادفة أن يحيا ويموتا في زمن متقارب، حيث توفي أبو ذر في عام ثلاثين للهجرة. كما نعثر في موقفه من نفسه شيئا شبيها بما قاله ابن مسعود عن نفسه بأنه "ودّ لو لم يبعث"، بمعنى أن يبقى رمادا في لهيب الوجود الدائم. فقد قال مرة "وددت أن الله خلقني يوم خلقني شجرة تعضد ويؤكل ثمرها!". وقد يكون أبو ذر أكثر من مثل هذه الصيغة الرمزية على حلبة الصيرورة الأولية للخلافة ودراما صراعها الروحي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي. وتحول بأثر مواقفه المتماسكة إلى شجرة تعضد ويؤكل ثمرها بالنسبة للثقافة الروحية والمثقفين الأحرار.

لقد كانت شجرة أبي ذر في فردانيته وتوحيده للعلم والعمل. إذ كان أنموذجا لتكامل المثقف بمعايير الحق والحقيقة، بحيث جرى تجريد شخصيته من حيث سموها الروحي للدرجة التي نسبت للنبي محمد كلمة بحقه تقول "‏أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم". ولم يكن بإمكان هذا الارتقاء أن يحدث دون التنقية الدائمة للإرادة الفردية الحرة، بوصفها إرادة أولها أنين الشوق‏ للمجاهرة بما يمليه العقل والضمير، وآخرها تحمل تبعاتها مهما كلف الثمن. وقد صور أبو نعيم الأصفهاني شخصيته بصورة دقيقة وأخاذة عندما وصفه بعبارة "رافض الأزلام قبل نزول الشرع والأحكام. وأول من حيا الرسول بتحية الإسلام. لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم، ولا تفزعه سطوة الحكام والولاة"[1].

تكاملت شخصية أبي ذر بذاتها. إذ كان منذ البدء شخصية فردانية. وقد يكون كونه أول من ادخل في الإسلام تحية الإسلام إشارة إلى ذلك. إذ تكشف هذه التحية عن نزوعه العميق صوب السلام والهدوء والطمأنينة، باعتباره نزوعا مميزا للمسكونين بهموم الكفاح من اجل الحق. فقد كان إبداعه لهذه التحية نتاج صراع مرير وتضحيات في المواجهة والتحدي لقريش التي أشبعته ضربا بعد أن كان يبحث عن "الصابئ" (أي محمد). ولم يفق إلا بعد أن غابت الشمس ومسه برد الليل. عندها حمل جسده المرهق إلى زمزم. فاغتسل من مائها. وهكذا بقى متناثرا ما بين الكعبة وأستارها ثلاثين يوما، كما قال عن نفسه، ليس لديه غير شرب الماء وتنفس الهواء إلى أن جاء محمد ذات ليلة إلى البيت وطاف فيه ثم صلى خلف المقام. عندها اقترب منه أبو ذر وحياه بكلمات:"السلام عليك"، فجاءه الجواب "وعليك ورحمة الله". وعندما سألوه لاحقا عن عبادته قبل إسلامه، أجاب، بأنه كان يعبد الله. وعندما سألوه عن قبلته، أجاب: "حيث وجهني الله". وتصور هذه العبارة باطن وظاهر أبي ذر الغفاري وشخصيته المتراكمة في البحث عن الحق والعمل بموجبه. إذ لم تعن "حيث وجهني الله" سوى مرجعية الإخلاص المتراكمة في أعماقه بوصفها جوهر معاناته في الصراع من اجل ما يعتبره حقا. وهو جوهر فرداني ميز شخصيته في كل مراحل ارتقائها الذاتي. بل يمكننا القول، بأن جوهر شخصيته يقوم في الاستمتاع بالمواجهة مازالت محكومة بمعايير الحق والبحث عن الحقيقة. وقد برزت معالم هذه المواجهة قبل الإسلام في البحث عن إسلام للنفس يرتقى إلى مصاف السلام الأخلاقي الدائم. بينما جعل من إسلامه أمام محمد فعلا اقرب إلى التحدي الاجتماعي. وذلك لأن إسلامه الذاتي قد حدث قبل ذلك بسنوات طويلة، بوصفه حركة الروح التلقائية. وليس مصادفة أن يقول لمحمد في أول إسلامه أمامه:

يا رسول الله! أريد أن اظهر إسلامي!

إني أخاف عليك أن تقتل!

لابد منه!

ووجد هذا التحدي العنيد تعبيره في سكوت محمد عن البت في الرأي وترك الحكم النهائي لأبي ذر لكي يسلك ما يراه أمرا لابد منه. بعبارة أخرى، إن تحول القرار إلى حتمية هو التعبير العميق عن شخصيته التي تجعل من المواجهة صورة عادية وطبيعية للروح وليس الجسد، بوصفها الصفة المميزة لحقيقة الروح والأرواح الإنسانية الكبيرة. وقد صورها أبو ذر نفسه قائلا:"جئت وقريش حلقا يتحدثون في المسجد. فقلت: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله!". فانتفضت الخلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب احمر. وكانوا يرون أنهم قد قتلوني. فأفقت فجئت إلى الرسول. فرأى ما بي من الحال. فقال لي: ألم أنهك؟ فقلت له: يا رسول الله! كانت حاجة في نفسي فقضيتها"!!

إننا نعثر في هذا السلوك والتحدي العنيد على حقيقة الأبعاد الدفينة والعميقة لشخصية أبي ذر الغفاري، أي حقيقة التحدي والمواجهة العلنية لما تختزنه النفس والروح والعقل. ومن ثم دفع هذا التحدي إلى نهايته من خلال مواجهة الواقع وقواه أيا كان شكلهما وحجمهما، باعتبارها حاجة طبيعية للوجود والحياة شأن الشهيق والزفير. لقد أجاب أبو ذر بكلمة قد تكون الأدق والأصدق والأعظم في شخصية المثقف حالما يعي ما يقول، ويفعل ما يعقل بمعايير الفردية، ويتحمل النتائج المترتبة على ما يقول ويعمل. فالمثقف الحقيقي لا يقول "نحن"، لأنها فكرة الأحزاب والسلطات، بل يقول "أنا"، لأنها مسئولية وحياة والتزام. ولازمته هذه الصفة حتى النهاية، بمعنى الإعلان والجهر في المواقف بصفة الأنا المباشرة، كما نراها على سبيل المثال في وقوفه بباب مسجد الرسول في المدينة زمن عثمان‏ وهو يقول: ‏أيها الناس من عرفني فقد عرفني! ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري!". ويأخذ بعدها في انتقاد سياسة عثمان.

بعبارة أخرى لقد نفّذ أبو ذر الغفاري "الحاجة"‏ الفاعلة في أعماقه بطريقة شخصية وخاصة. غير أن تنفيذع إياها لا يعني من حيث مضمونه الروحي سوى التمثل الفردي للمسئولية والالتزام في الدفاع عن الحق. بحيث جعل من حياته تحقيقا فعليا لها. وتجلت على حقيقتها في زمن عثمان بن عفان، بحيث أصبح هو شجرة التحدي الكبرى، التي أكل من ثمراتها في وقت لاحق جمهور المسلمين المنتفضين ضد ما اعتبروه خروجا على الحق والعدالة. بحيث تحول أبو ذر إلى الصوت الناطق بفكرة الاحتجاج والمواجهة. ولعل في الحادثة المروية أدناه مثالا ملموسا عن إدراك ماهية المسئولية الفردية وروح التحدي. فعندما أتاه رجل وقال له:

إن الذين يأخذون الصدقات من أتباع عثمان قد زيدوا طلباتهم فكيف نعمل؟

قل لهم "ما كان لكم من حق فخذوه، وما كان باطلا فذروه". فما تعدوا عليك جعل في ميزانك يوم القيامة.

وعندما قال فتى من قريش بعد أن سمع هذا الحوار:

أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟

أرقيب أنت عليّ؟ فوالذي نفسي بيده، لو وضعتم الصمصامة ههنا (وأشار على حنجرته) ثم ظننت إني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله قبل أن تحتزوا لانفذتها!

وتكشف هذه الحادثة عن شخصيته وطبيعة التحدي العنيد فيها. بحيث دفعت الإمام علي بن أبي طالب إلى مخاطبته مرة بعد إخراجه ونفيه إلى الربذة قائلا:"يا أبا ذر! انك غضبت لله فأرج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك. فأترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه. فما أحوجهم إلى ما منعتهم وأغناك عما منعوك! وستعلم من الرابح غدا والأكثر حسدا... لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك". ويتضمن هذا الموقف بقدر واحد تقييم دقيق ورفيع لشخصية أبي ذر الفردية ومواقفه الشخصية باعتباره "الطرف الآخر" في معادلة الوجود والأخلاق. ومن الممكن رؤية هذه الحقيقة في العبارة القصيرة التي رد بها أبو ذر على محاولة عثمان بن عفان الأخيرة لشراء ذمته عبر رشوته بالمال قبيل نفيه من المدينة إلى الربذة، عندما قال:"تكفي أبا ذر صرمته!". وتمثل هذا الرد تاريخ موقفه من المال العام والخاص على السواء. ولعل النادرة المروية عنه بصدد موقفه من كعب الأحبار[2] حالما تجمع قوم حول عثمان لاقتسام مال عبد الرحمن بن عوف[3]، مثال حي على ذلك. فعندما قال عثمان بن عفان لكعب:

ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

إني لأرجو له خيرا.

عندها غضب أبو ذر ورفع العصا على كعب وقال:

وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!

كما نعثر على صورة متكررة من مواقفه بهذا الصدد مثل الحكاية المروية عنه عندما دخل مرة على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان:‏

اترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات‏.‏

من أدى الفريضة فقد قضى‏.‏ (أجابه كعب).

عندها رفع أبو ذر محجنه فضربه فشجَّ رأسه. آنذاك قال‏ له عثمان:

- يا أبا ذر اتق الله واكفف يدك ولسانك‏.‏

وعندما أرسل له أمير الشام (حبيب بن مسلمة) ثلاثمائة دينار ليستعين بها، ردها إليه وقال: أما وجد أحدا أغر بالله منا؟ مالنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل". وعندما قيل له مرة:

ألا تتخذ ضيعة كما اتخذ فلان وفلان؟

وما اصنع بأن أكون أميرا؟ وإنما يكفيني كل يوم شربة ماء وفي الجمعة قفيز من قمح.

ووجدت مواقفه هذه تعبيرها السياسي الأكبر في موقفه من مختلف أساليب وطرق نهب الثروة العامة زمن عثمان بن عفان. فعندما كان معاوية بن أبي سفيان عاملا على الشام في خلافة عثمان، فإنه كان يتصرف بالمال العام تحت شعار ‏(‏المال مال الله ألا إن كل شيء لله‏)‏. وجعل من هذا الشعار غطاءا للنهب والسرقة والاستحواذ. مما دفع أبو ذر لمواجهة معاوية بسؤال:‏

ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ ‏

يرحمك الله يا أبا ذر! ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره‏؟‏

فلا تقله‏! ‏

فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين‏.‏

‏وقد شكلت هذه المجادلة باعث الهجوم السياسي الفكري العلني لأبي ذر على السلطة والفئات الاجتماعية المرتشية والمشاركة للسلطة في إثمها التاريخي. ومنذ ذلك الحين تحول شعار محاربة الغنى الفاحش إلى شعاره الشخصي. إذ اخذ يردده في كل مكان ومناسبة قائلا:"‏يا معشر الأغنياء والفقراء‏.‏ بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم‏"‏. وكان يستشهد بالآية (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)[4].

وحصلت مواقفه هذه على تأييد شعبي، بحيث ولع بها الفقراء وتأفف منها الأغنياء. مما دفع بمعاوية إلى أن يشكوه عند عثمان قائلا، بأن أبا ذر قد أعضل به‏[5]. فكتب إليه عثمان:‏"‏إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب فلا تنكأ القرح، وجهّز أبا ذر إليّ، وابعث معه دليلا وزوده، أرفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت‏"‏[6]. في حين رد عليه معاوية قائلا:"إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر". عندها رد عليه عثمان بضرورة طرده من الشام وتسفيره منها إلى المدينة. وهي المحطة النهائية لنفيه السياسي وبداية اندماجه الفعلي بتاريخ الثقافة الروحية والوجدان الصادق.

وبغض النظر عن اختلاف الروايات المتعلقة بكيفية تسفيره إلى المدينة ومعاقبته اللاحقة، إلا أنها تصب في اتجاه واحد ألا وهو تحول الخلاف مع السلطة الغاشمة إلى منظومة مواقف متكاملة. فاليعقوبي يقول بصريح العبارة، بأن عثمان طلب من معاوية تسفيره على "قتب بعير بغير وطاء‏"‏، بحيث وصل إلى المدينة وقد تهرأ لحم فخذيه‏. وإن طرده اللاحق إلى الربذة كان يحمل سمة المنفى. بينما يقول الطبري وابن الأثير وابن خلدون، بأن عثمان أذن لأبي ذر بالخروج إلى الربذة، بناء على طلبه، لأنه لم يطق الإقامة بالمدينة! وهي عبارة فضفاضة ولا معنى لها، باستثناء كونها المنطقة التي أصبحت بالنسبة له سجن الروح والعقل والضمير بسبب سياسة عثمان بوصفها "سياسة بني أمية". وليس مصادفة أن تنقل لنا كتب التاريخ المتعلقة بهذه القضية كيف أن أبا ذر كان يتحدث بحديث نبوي يقول:"إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا". وهو "حديث" أثار غضب عثمان الأموي بحيث أخذ يستفسر بجنون السلطة إن كانوا قد سمعوا "رسول الله يقول ذلك؟". فنراه يبعث إلي علي بن أبي طالب ويسأله:

يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر‏؟‏

نعم!

وكيف تشهد‏؟‏

يقول رسول الله "‏ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر"!

لقد جعل الإمام علي بن أبي طالب من صدق أبي ذر دليلا على صدق "الحديث". ومهما يكن من أمر الحديث إلا انه معقول بتاريخ المواجهة الفعلية الأولى بين النبي محمد وبني أمية. وقد لا يكون للحديث علاقة بمرحلة عثمان، لكنه يحتوي من حيث إمكانيته التأويلية على الأبعاد التي وجد أبو ذر في الحكم الأموي الأول (خلافة عثمان) دليلا عليه. ولا معجزة في هذه الحجة غير قوة الإدانة التي وجهها أبو ذر للسلطة التي تجعل من البلاد والعباد والدين دولا وخولا ودغلا. وسوف يضع أبو ذر هذا الموقف في حكم وموقف سياسي واضح لا لبس فيه عندما قال:"إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل. ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها! والفقر أحب إلي من الغنى!". ونعثر على نفس الموقف عند الإمام علي بن أبي طالب بعدما تحول الصراع مع القوى الساعية لتحويل البلاد والعباد والدين إلى أداة طيعة لخدمة مصالحهم الضيقة. وليس مصادفة أن يجعل عثمان منه الضحية السياسية الكبرى الأولى في تاريخ الإسلام، ومن منفاه دليلا على ما في النزعة الأموية من خروج على منطق الحق الإسلامي. لهذا لم يدعه طويلا في المدينة وطالبه في آخر مرة قائلا:

والله لتخرجن عنها!

أتخرجني من حرم رسول الله‏؟

نعم وأنفك راغم!

فإلى مكة‏؟

لا‏!

فإلى البصرة‏؟

لا‏!

فإلى الكوفة‏؟

لا!‏‏ ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت بها! يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج‏!

فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته. فخرج وعلي والحسن والحسين‏ وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون‏.‏ فلما رأى أبو ذر عليا، قام إليه فقبّل يده ثم بكي وقال‏:‏ إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم أصبر حتى أبكي! فذهب علي بن أبي طالب يكلمه‏.‏ فقال له مروان‏:‏

إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد‏!

فرفع عليّ السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال‏:‏

تنحّ! نحاك الله إلى النار‏![7]‏‏.‏

ثم شيّعه. بحيث وجدت الأموية في موقف هذا تحديا لها، مما أثار "الوحشة" بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب. بينما كانت حقيقة الوحشة تقوم في نفى أبو ذر إلى الربذة حتى موته فيها. فقد وجدت السلطة فيه مصدرا للفتنة! وهو أمر طبيعي بالنسبة لسلطة ترى في الخضوع والاستبداد أسلوبا للأمان والسلام والإسلام! بينما اعتبر أبو ذر حقيقة الأمان والسلام والإسلام في الدفاع عن حقوق الأمة. انطلاقا من فكرته عن أن العبادات إضافات إلى حقيقة الإيمان، وإن الإيمان حق وعدالة. من هنا إجابته على سؤال وجه إليه عن الدعاء قائلا:"يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الملح من الطعام".

كانت هموم أبي ذر الكبرى هموم الأرواح الكبيرة، ومن ثم هموم الكلّ الإسلامي للدولة الناشئة في ملكها وملكوتها وجبروتها، أي في كلّ عوالمها. مما جعله مهموما بالتفكر، بوصفها الحالة الطبيعية للمثقف الحقيقي. فعندما أراد رجل معرفة حقيقة أبي ذر من زوجته، أجابته:"كان النهار اجمع خاليا يتفكر". وأبرزت هذه العبارة ببساطتها الأعماق غير المتناهية في هموم أبي ذر الكبرى ومعاناته تجاه إشكاليات الفرد والجماعة والدولة والمبادئ. وهي هموم عبّر عنها بكلمات وجيزة عندما قال مرة، بأن النبي محمد أوصاه بوصايا بلورها بصيغة المخاطبة الذاتية قائلا:"أن أحب المساكين، وانظر إلى من هو تحتي، وألا انظر إلى من هو فوقي، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن لا تأخذني في الله لومة لائم". وينبغي فهم هذه الوصايا على أنها وصايا المعرفة العملية التي تراكمت في مجرى معاناة إدراكه لحقيقة الإسلام بوصفه إسلاما لفكرة الحق والنضال من اجلها. إذ يتحمل المثقف مسؤوليتها المباشرة. من هنا عبارة الأنا الحية في التعبير عنها والالتزام بها، باعتبارها مسؤولية شكلت مضمون وباعث فلسفته الحياتية، التي عّبر عنها بصورة بليغة عندما خطب مرة في الكعبة قائلا:"يا أيها الناس! أنا جندب الغفاري! هلمّوا إلى الأخ الناصح الشفيق!". وبعد أن قدم نصائحه الأخلاقية والعملية صرخ بهم:"يا أيها الناس! قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدا!". وكوّن هذا موقف صلب فلسفته الحياتية. فنسمعه مرة يقول عن الناس:"يولدون للموت، ويعمرون للخراب، ويحرصون على ما يفنى، ويتركون ما يبقى. ألا حبذا المكروهان الموت والفقر!". بل نراه يقول لأبي الدرداء عندما مر عليه وشاهده يعمل في بناء بيت لأهله:"لو مررت بك وأنت في عذرة اهلك كان أحب إليّ مما رأيتك فيه!". كما ينتقد المال قائلا:"في المال ثلاثة شركاء – القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت. والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها، وأنت ذميم". وعندما شوهد وهو بالربذة في ظلة له سوداء وتحته امرأة له سحماء وهو جالس فقيل له:

انك امرؤ ما يبقى لك ولد.

الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء ويدخرهم في دار البقاء.

وفي إحدى المرات قالوا له:

يا أبا ذر لو اتخذت امرأة غير هذه؟

أتزوج امرأة تضعني أحب إلي من امرأة ترفعني!

ولم تكن هذه الفلسفة هينة الوقع على الجميع. ففي مراحل التحولات العاصفة عادة ما يتحول المثقف الكبير إلى قوة طاردة للجميع، لأنه يسعى من اجل جمع لا يجمعه شيء غير الخلل والعيش فيه. لهذا أجاب مرة على قول رجل له:

يا أبا ذر ما لك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك؟

أني أنهاهم عن الكنوز!

لقد كانت شخصية أبي ذر الغفاري متماسكة ومتكاملة بمعايير الإخلاص للحق والعدالة والنزعة الإنسانية. الأمر الذي جعل منه شخصية فريدة آنذاك في تجسيد حقائق المرجعية الأبدية للروح، بما في ذلك في موقفه من الموت. فقد كان موته دراما تعكس حجم الرذيلة السياسية للأموية وتحديا معنويا هائلا للروح الأخلاقي الذي يعي ما يقول، ويدرك ما يفعل، ويسعد بنهايته بوصفها بداية الأمل الدائم. ومن الممكن العثور على صورة هذه الخاتمة في الحادثة المروية عن زوجته. فقد بكت المرأة حالما رأت نهايته القريبة. وعندما سألها لماذا تبكي، أجابت:

ابكي انه لا يد لي بتكفينك! وليس لي ثوب من ثيابي يسعك كفنا، وليس لك ثوب يسعك كفنا!

لا تبكي! فإني سمعت رسول الله يقول لنفر أنا منهم "ليموتن منك رجل بفلاة من الأرض فتشهده عصابة من المؤمنين". وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد مات في قرية أو جماعة من المسلمين. وأنا الذي أموت بفلاة. والله ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق!

أنى وقد انقطع الحجاج؟!

وكانت تشتد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه وهكذا إلى أن ظهر من وراء الأفق نفر تخب بهم رواحلهم، فلوحت بثوبها فاقبلوا حتى وقفوا عليها مستفسرين:

ما لك؟

امرؤ من المسلمين تكفنونه يموت!

من هو؟

أبو ذر!

وهو طلب كان محكوما بطلب أبي ذر نفسه عن ألا يكون الكفن من "أمير أو عريف أو نقيب أو بريد"، لأنه "ليس احد من القوم إلا قارف بعض الرذيلة". ووافق على من تقدم بردائه الذي غزلته وحاكته أمه. ومهما يكن من شأن هذه القصة المثيرة، فإنها تقص علينا حقيقة واحدة، وهي أن إخلاص المثقف في التحدي هو الأسلوب الوحيد لصنع وهج الروح الباحث عن سلام فردي واجتماعي وروحي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، 156.

[2] كعب الأحبار - هو كعب بن ماتع الحميري. توفي عام 34 للهجرة. أصوله من يهود حمير اليمنيين. اعتنق الإسلام زمن عمر بن الخطاب وتحول بفعل قربه من السلطة وثقافته النسبية (التوراتية) إلى شخصية مؤثرة آنذاك. وهي "ثقافة" بسيطة وشفوية. من هنا غلوها في إدخال هذا الكم الهائل من الأساطير التوراتية في الموقف من الأحداث السياسية والدرامية التي مر بها تاريخ الإسلام بعد موت النبي محمد. وقد لقط الذهبي هذه الظاهرة عندما أشار إلى حالته الغريبة التي جعلت منه وهو "التابعي" أو الذين اسلموا في خلافة عمر بن الخطاب، مصدرا لرواية الصحابة مثل أبو هريرة وغيره. (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج3، ص489-494). أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر. وذلك لأنهما يشتركان ويتكاملان. فقد اسلما في أوقات متقاربة نسبيا. أبو هريرة عام 7 للهجرة، وكعب زمن عمر (ويقال زمن خلافة أبي بكر). وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أصولهم اليمنية، بمعنى التقائهم بالفطرة والمكان والنفسية، و"ذكاء" كعب و"علمه" بوصفه حبرا من أحبار اليهود، وغباء أو سذاجة أبو هريرة بوصفه ناقلا مباشرا لما يسمعه، فإن من السهل معرفة سرّ ونوعية التأثير المحتمل لكعب الأحبار على أبي هريرة. وليس مصادفة أن يكون اغلب الحديث النبوي الزائف الذي نقله أبو هريرة مشبعا بالفكرة الأسطورية. فقد كان أبو هريرة ضمن هذا السياق أشبه ما يكون بحمار النقل. بمعنى انه لا يعبأ بما ينقل. لأن ملكته الوحيدة "ذاكرة" بلا عقل. من هنا ثقوبها المليئة بإمكانية تمرير كل شيء، والإسرائيليات بشكل خاص. وقد لقط ابن كثير الدس التوراتي من جانب كعب الأحبار، عندما كتب يقول، بأن القصص المروية عن ملكة سبأ وسليمان هي من وضع أهل التوراة مثل كعب ووهب بن منبه، أي أولئك الذين نقلوا ما اسماه ابن كثير بأخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرّف وبدّل ونسخ.(ابن كثير: تفسير القرآن، ج3، ص339.). وليس مصادفة أن يكذبه ابن عباس مرات عديدة في تفسيره للقرآن. بمعنى معارضته لفهم القرآن بمعايير ومفاهيم وصور التوراة. لكنها عملية طبيعية بالنسبة لكعب الأحبار، تماما بالقدر الذي لم تكن مثار حساسية دينية. لاسيما وان القرآن يحتوي على "إسرائيليات" عديدة، بوصفها جزء من تراث المنطقة وتقاليدها الدينية والأسطورية. فالأساطير الإسرائيلية جميعا من وحي تراث المنطقة وتاريخها، بمعنى أنها لا تخرج من وادي الرافدين ومصر وفلسطين وفارس. من هنا لم يكن "حشر الإسرائيليات" في الإسلام آنذاك من جانب عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فعلا متعمدا بقدر ما كان يسري بفعل ثقافتهم الأولية الخاصة. وفيما يخص كعب الأحبار فقد كان تفسيره للقرآن والأحداث بمعايير الرؤية اليهودية يهدف إلى جعل الإسلام نهاية الفكرة الوحدانية والحق. وبالتالي فإن "الدس التوراتي" كان بهذا المعنى يهدف إلى البرهنة على أفضلية الإسلام. ويمكن رؤية هذه الفكرة في كل الخطاب الديني والأخلاقي لكعب الأحبار. ومن الصعب توقع مواقف أخرى لكعب الأحبار بهذا الصدد، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إسلامه المتأخر وهو في عمر تجاوز الثلاثين من العمر، إضافة إلى احترافه الديانة اليهودية بوصفها احد أعلامها و"أحبارها" في اليمن. لهذا لا نعثر في آرائه مواقفه على استشهاد بالقرآن والحديث مقارنة بما تمتلئ به مواقفه وآراءه من التراث الشفوي لليهودية التوراتية.

الأمر الذي حدد رؤيته للماضي والحاضر والمستقبل بوحي خزين تجاربه الدينية والمعرفية. وهو خزين يهودي. لكن مشاعره كانت تميل كليا للإسلام والدفاع عنه. (انظر أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء ج5، ص346-391، ج6، ص3-48.). وإذا كان اغلب تصوراته تسير صوب التجسيم وإمكانية رؤية الله، فلأنها الرؤية المميزة لليهودية. وهي مكونات تخدم على الدوام جمود الرؤية والمواقف وطابعها الأسطوري، التي عادة ما تكون أداة بيد السلطة بسبب ما في هذه الرؤية من بساطة وتسطيح للوعي. وليس مصادفة أن يصبح كعب الأحبار قريبا ومقربا من السلطة زمن عمر بن الخطاب وعثمان، رغم تباينهما الكبير. وان يحاول معاوية بن أبي سفيان تقريبه منه. وبهذا الصدد تنسب إلى كعب الأحبار فكرة يقول فيها بان مولد النبي بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام! وقد تكون تلك عبارة أطلقها معاوية ونسبها إلى كعب الأحبار. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كعبا لم يتقرب من معاوية رغم إغواء الأخير إياه. وفّضل أن يعيش في حمص ويموت فيها، قبل مقتل عثمان بسنة واحدة (عام 34 للهجرة).

لقد حبذ كعب الأحبار العيش بالقرب من السلطة والابتعاد عن مهمة "الجهاد" الكبرى آنذاك. لهذا لم نسمع عنه اشتراكه في حروب الفتح الإسلامي. لكننا نراه ينهمك في وضع الأفكار السياسية المتلفعة بالخطاب الديني الأسطوري. مما جعله قريبا من السلطة في غضون فترة سريعة جدا. فقد اسلم زمن خلافة عمر بن الخطاب وتحول إلى احد المقربين منه. كما احتل هذا الموقع زمن خلافة عثمان بن عفان. ولم يخلو هذا التقرب أحيانا من التملق. وقد يكون هو السبب الذي جعل بعض كتب التاريخ تنسب إليه إمكانية المؤامرة في مقتل عمر بن الخطاب. لكنه تأويل مفتعل. وذلك لأن العبارة المنسوبة إليه بهذا الصدد التي كان يقولها لعمر قبل مقتله بأيام بأنه شهيد، لا تعني فيما لو جرى وضعها ضمن تقاليد الرؤية الدينية سوى الصيغة المقدسة لنهاية المرء. كما انها كانت تداعب قلوب المسلمين الأوائل! وإذا كان كعب الأحبار يضع هذه الرؤية والمواقف حسب صور التوراة أو أنها "موجودة في التوراة"، فلأنها الصيغة التي تداعب الخيال الإسلامي آنذاك عما دعاه القرآن بعبارة "مطابق لما عندهم" أو "موجود في الكتاب" و"مصدق لما بين يديه" وما شابه ذلك. من هنا استغراب عمر أن يكون شهيدا، بينما كان الجواب، إن صفاتك موجودة في التوراة. ونفس الشيء كرره عندما تعرض عثمان لإمكانية القتل. وإذا كان عمر بن الخطاب قد رفض هذا التأويل انطلاقا من انه لا شهادة في ارض العرب، فإن عثمان رفضه حبا بالحياة! بينما نرى عمر يعارض فكرة بناء المسجد شمال الصخرة بحيث تصبح قبل القبلة في التوجه للصلاة كما دعاه إلى ذلك كعب الأحبار. من هنا بناء عمر للمسجد في مقدمة ما يسم بجبل الهيكل. وحتى في هذا الموقف لا ينبغي فهم رؤية كعب الأحبار إلا ضمن سياق محاولة إدخال التوراة في كل موقف، بوصفها الجزء الجوهري من ذخيرته المعرفية والدينية.

لقد جعل هذا التناقض الجلي في شخصية كعب الأحبار منه اشد عسرا بالنسبة لتاريخ الأفراد والأفكار. كما أن الأساطير والحكايات التي حيكت حوله جعلته اشد تعقيدا بالنسبة لتحديد موقعه الفعلي في الثقافة الإسلامية الأولى وموقع المثقفين من السلطة. أما في الواقع، فقد تمثل كعب الأحبار هذا التناقض وعاش معه حتى النهاية. بمعنى دخوله الإسلام بتراثه اليهودي. وعيشه وفعله بمقاييس اليهودية من اجل الإسلام. وكذلك محاولة الجمع بين واقعية الرؤية العربية المتربية بتقاليد الجاهلية وحبكة الرؤية الأسطورية لليهودية. وجعله هذا التناقض فريسة السلطة واستحالة الانفكاك عن تأييدها. الأمر الذي أثار حفيظة الوعي الإسلامي الأخلاقي النقدي، بحيث وجد في مواقفه شخصية غريبة عن الإسلام، ومن ثم رده دوما وتذكيره إياه بأصوله اليهودية. فعندما أراد عثمان اقتسام أموال عبد الرحمن بن عوف بعد موته، نراه يخاطب كعبا:

ما تقول فيمن جمع هذا المال، فكان يتصدق منه، ويعطي في السبيل ويفعل ويفعل؟

إني لأرجو له خيرا!

عندها غضب أبو ذر الغفاري ورفع العصا في وجه كعب قائلا:"وما يدريك يا ابن اليهودية! ليودّن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه!". وعندما كان عثمان يأخذ من مال المسلمين (يستقرضه بلا عودة!) نراه يسأل كعبا بهذا الصدد عما إذا كان مسموحا للخليفة أن يأخذ من بيت مال المسلمين عند الحاجة على أن يردها فيما يعد. فلم يعترض كعب. على العكس! بينما نرى أبو ذر يعارضه بشدة مخاطبا كعب الأحبار:"أتعلمنا يا ابن اليهودية؟!

وهو نفس الرد السريع الذي قال به المسلمون الذين حاصروا عثمان قبيل مقتله، عندما سمعوا قول كعب بان مقتل عثمان سوف يؤدي إلى حروب دامية. وهو "تنبؤ" سليم، يحمل من حيث أصوله ووسيلته معنى "الإخلاص" للسلطة. بمعنى إنها فكرة ليست محكومة بالرؤية التاريخية السياسية، بقدر ما كانت تعمل من اجل الإبقاء على عثمان حيا يرزق في سرقته وإفساده للدولة والأمة والفكر. وقد لقف معاوية وكل أولئك الذين كونوا عصابته الظاهرة والمستترة وراء عباءة الإسلام المزيف هذه الحالة. كما نراه على سبيل المثال في شخصية عمرو بن العاص. فقد كان، حسب كلماته يؤلب حتى الرعاة على أغنامهم على قتل عثمان! بينما نراه يتحول إلى مقدمة الرافعين لشعار الثأر لمقتل عثمان عندما جرى اختيار الإمام علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين للمرة الأولى بصورة حرة ومن جانب المجتمع وقواه الحية!

[3] عبد الرحمن بن عوف - توفي عام32- 33 للهجرة. اسلم بعد أن بلغ الثلاثين من العمر. وعادة ما يجري إدراجه ضمن أوائل المسلمين. وليس مصادفة أن يدخل ضمن ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة. وهي العبارة التي تكشف عن قيمة واثر أولئك الذين كان إسلامهم دخولا في عالم مجهول. وبالتالي لم يكن التبشير بالجنة سوى الضوء الساطع في نهاية "الغيب" الذي قدمه الإسلام آنذاك. كان اسمه الأول عبد عمرو فغيره النبي محمد إلى عبد الرحمن. اسلم وهو كبير الثروة. وتعرض بأثر ذلك لمضايقات قريش وأذاهم. واضطر للهجرة مرتين (الحبشة والمدينة). تبرع بأمواله من اجل الإسلام. حيث تصدق مرة بأربعين ألف دينار وخمسمائة فرس! وعندما اضطر للهجرة إلى المدينة، فانه رفض مقاسمة الأنصار أموالهم. وكان طلبه الوحيد معرفة مكان السوق. إذ كان رجلا عمليا مولعا بالتجارة وماهرا بشروطها وأسرارها. عندها اخذ بتوسيع الثروة. وإليه تنسب العبارة القائلة:"لو رفعتن حجرا لوجدت تحته ذهبا!". وليس مصادفة أن يجمع ثروة هائلة بحيث نراه يوصي منها لأهل السبيل فقط بخمسين ألف دينار. وترك مما لم يوص به ألف بعير، وثلاثة ألف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع. بل ينقل عنه انه قال مرة عن نفسه "إني أخشى أن أكون قد هلكت! إني من أكثر قريش مالا". كما ينقل عنه بكاءه قبيل وفاته وقوله:"إن مصعب بن عمير كان خيرا مني ولم يكن له ما يكفن به. وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرا مني لم نجد له كفنا. وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياة الدنيا، وأخشى أن احتبس عن أصحابي بكثرة مالي". وفي النفس كان سلوكه الحياتي متواضعا، بحيث قيل عنه بأنه ما كان يعرف من بين عبيده بسبب تواضعه، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون، ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون. وهي صفات متضادة ومتعارضة أثارت في زمنه تعارض الآراء واختلافها حوله. لهذا قال بعض المسلمين عنه عندما تصّدق للمرة الأولى في المدينة بأربعة آلاف دينار:"إن عبد الرحمن لعظيم الرياء!". غير أن سلوكه هذا كان جزء من شخصيته الغريبة التي نعثر عليها أيضا في مواقفه الحياتية والسياسية والعقائدية. فقد هاجر الهجرتين وشهد اغلب المعارك الأولى. ومن بين اكبر مآثره بهذا الصدد قتاله في معركة احد وإنقاذه النبي محمد وتعرضه إلى طعنات الحرب بحيث أصيب، كما يقال بأكثر من تسعين طعنة. وتعرض بأثر إحداها إلى شلل يده. بل أن كل ملامحه كانت تشير إلى اثر الحياة والمعارك من هتم وعسر وعرج! وبالقدر الذي كان يتصف باللين والنعومة، فإنه كان شجاعا مقداما. وبالقدر الذي اعتنق الإسلام وكان غنيا، فإنه كان سخيا كريما. وجعلت منه هذه الخصال، إضافة إلى كونه من أوائل المسلمين و"العشرة المبشرين بالجنة"، شخصية مرشحة لدخول مجموعة الستة المكونين لهيئة الشورى. لكن سلوكه الذي اتصف بالتخلي الشخصي عن الخلافة كان يحتوي على مؤامرة صغيرة في تسليمها إلى عثمان. وهو موقف سياسي لم يخلو من الرياء الأخلاقي واثر الثروة! كما انه الفعل الذي أسهم بوعي أو دون وعي في إثارة الحمية الأموية ونموها اللاحق واندثار معالم الإسلام الأول وعبث التضحيات الكبرى من اجل تحقيق مبادئه الاجتماعية والأخلاقية الكبرى.

[4] القرآن: سورة التوبة، الآية 34.

[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص11.

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 615‏‏‏.‏

[7] اليعقوبي: التاريخ ‏ص 89-90.

 

 

محمد بنيعيشأولا: تحديد الغاية الصوفية أساس تقييم المنهجية

قد يرى بعض الباحثين المحدثين أن الغاية من التصوف ليست محددة وموحدة الهدف، وأن النظرة إليها تختلف من صوفي لآخر[1]، فيدعي البعض أن من الصوفية من تكون غايته منه هي التحلي بالأخلاق الحسنة والتحلل من الصفات الرديئة، كما هناك من يهدف في تصوفه إلى تفسير موقفه من الكون وتحديد صلة الإنسان بالخالق، سيرا وتمشيا مع تصورات الفلاسفة العقلانيين، مما قد يجعل تصوفهم غايته فلسفية محضة، وهنا أيضا من تكون غايته أبعد من هذا وذاك ألا وهي: معرفة الله سبحانه وتعالى[2]، وهذه هي أعلى المطالب وأسماها:"وأن إلى ربك المنتهى".

إن نسبة تعدد الغايات واختلافها عند من يتسمى بالصوفي أو يدعي نسبته إلى التصوف ليست ناتجة إلا من الجهل بحقيقة التصوف والتعريفات التي حيكت وصيغت حوله وعرفه بها الأقطاب الصوفية السالفين الذكر .

فالغاية الأخلاقية عند الصوفية الحقيقيين ليست إلا وسيلة والغاية الفلسفية ما هي إلا دخيلة، لكنهم على التحقيق نراهم قد يهدفون من البداية الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتوحيده بالعقد والقول والحال، والانتقال بالفناء، كما يصطلحون عليه، عبر المراتب الرئيسية ألا وهي:توحيد الذات والصفات والأفعال.

هذا، مع العلم بأنه لن تتيسر لهم هذه المعرفة إلا بعد الأخذ بالعلم الأولي الضروري الذي تقتنع بع العقول والتحلي بالأخلاق التي تهذب الطباع وتكسبها القبول، فهناك حينئذ سيتبين للمريد الصوفي كيفية السلوك ثم كيفية الوصول إلى الله تعالى وصول عرفان ومعنى وقرب، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا حيز ولا مكان ولا زمان، والوقوف [3]بين يديه تعالى يعبده كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتلك هي درجة الإحسان التي جعلت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها في الصلاة.

إذن فإن غاية الصوفي الحقيقي هي الوصول إلى الله تعالى وصولا يجعل الإنسان يرى الله بقلبه، بعد أن يرى آثاره وشواهده وآياته بعينه وفكره في كل ما خلق[4].

يقول ابن عطاء الله السكندري في الحث على طلب الغاية الحقيقية من التصوف:"ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك ولا تبرجت ظواهر المكونات إلا ونادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر".

والمعني المستخلص من هذا النص هو أن السالك طريق الله تعالى قد تتجلى له فضائل وأسرار وكرامات ونعم، ويشعر بمقامات وأحوال، فإذا أراد أن يقف عندها تناديه الحقيقة التي شرع طريقه من أجل الوصول إليها ألا وهي معرفة الله سبحانه وتعالى .

ولا تلتفت في السير غيرا فكل ما  سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا

وكل مقام لا تقم فيه إنه     حجاب فجد السير واستنجد العونا

ومهما ترى كل المراتب تجتلي  عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا

وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب   فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى[5].

إن مصطلح المعرفة قد يوجد فيه اختلاف بسيط ودقيق بين العلماء عموما وبين رجال التصوف، فالمعرفة على لسان العلماء معناها و مرادفها العلم، فكل علم معرفة وكل معرفة علم، وكل عالم بالله تعالى يسمى عارفا، كما أن كل عارف يسمى ويكنى عالما.

لكنها عند الصوفية قد تطلق على من عرف الله سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه، وقام بالأعمال على وجهها الأكمل، وسعى إلى الإخلاص والتحلي بالأخلاق الحسنة وأصر على الدعاء والتضرع والتهجد حتى صار لا يرقب إلا الله تعالى ولا يرجو إلا إياه ولا يخشى إلا هو، و أصبح حينئذ محلا للإلهام و الهداية وكان من بين المحدَّثين[6]، أي الملهمين كما ورد به الحديث النبوي.

فالمعرفة عند الصوفية عملية باطنية ومدد روحي يرد من الله تعالى على قلب العبد الصالح وليست من كسبه أو ثمرة جهده الذي قام به أثناء سلوكه وتخطيه للعقبات[7] وقطعه المراحل والترقي في المقامات.

يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه:"إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك!ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟!"[8].

وقد يعبر عن المعرفة بالله عند الصوفية بالوصول إلى الله تعالى، والمقصود بهذه الكلمة عندهم هو الوصول إلى العلم التحقيقي بالله تعالى، سبق وقد قسمنا إليه مستويات الإيمان وخصوصيته في هذا الباب، وهذا هو غاية ما يطلبه الصوفية السالكون ومنتهى سيرهم، وليس يقصد به الوصول المعروف بين الذوات مما يوهم بالحيز والمكان. فالله سبحانه وتعالى يتنزه عن كل هذا وذاك، ويؤكد هذا المعنى أبو القاسم الجنيد رحمه الله فيقول:"متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير هيهات! هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان"[9].

ثانيا: المكتسبات المعرفية وخصوصية الأداة عند الصوفية

كما أن معرفة الصوفي قد تكون عن طريق القلب لا عن طريق الفكر والحواس، ولقد شبه الغزالي المعرفة عن طريق الحواس بماء متسرب إلى حوض وهو الإنسان، وهذا الماء يحمل في جوانبه ومن خلاله جريانه رواسب وسموما ومنافع في نفس الوقت.

أما المعرفة عن طريق القلب فهي كالنبع من قعر ذلك الحوض، يبقى ماؤه صافيا ثجاجا[10]، فقوى الحواس وقوى الفكر غير كافية للمعرفة الكاملة والثابتة، لهذا يلزم السلوك من أجل المعرفة باتباع ما هو محل لوجوده بالقلب وهو الاعتقاد، وبذلك الاعتقاد مع العمل بما يأمر به هذا المعتقد فقد تتسنى المعرفة لطالبها بفضل الله ومنته على عباده.

كما سيعطي لنا مثالا جميلا وملموسا وفيزيائيا حول خصوصية المعرفة الصوفية التي تنبعث من القلب وإليه كنتيجة للمنهج المعتمد لديهم وأصوله التي ذكرنا.

يقول في هذا المعنى:"إن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم واجتلابها إلى القلب، وأولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب وتطهيرها وتصفيتها وصقلها فقط، فقد حكي أن أهل الصين وأهل الروم تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة لينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا ويرخى بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ودخل أهل الصين من غير صبغ وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه، فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم قد فرغوا أيضا!فعجب الملك من قولهم وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ!فقيل:وكيف فرغتم من غير صبغ؟ فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب !فرفعوا وإذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية مع زيادة إشراق وبريق، إذ كان قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التصقيل".

ثم يعلق قياسا على هذا:" فكذلك عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين، وعناية الحكماء والعلماء الاكتساب ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم، فكيفما كان الأمر فقلب المؤمن لا يموت وعلمه عند الموت لا يمحى وصفاؤه لا يتكدر، وإليه أشار الحسن رحمة الله عليه بقوله:التراب لا يأكل محل الإيمان بل يكون وسيلة وقربة إلى الله تعالى"[11].

ويقول الشيخ محيي الدين بن عربي أيضا في مجال خصوصية المعرفة والعارف الصوفي :"أعلم أنه لا يصح وصف أحد بالعلم والمعرفة إلا إن كان يعرف الأشياء بذاته من غير أمر آخر زائد على ذاته، وليس ذلك إلا الله وحده، وكل ما سواه فعلمه بالأشياء إنما هو تقليد لأمر زائد على ذاته.

وإذا ثبت ذلك فليقلد العبد ربه سبحانه وتعالى في العلم به، وإيضاح ما قلناه من أن العبد لا يعلم شيئا إلا بأمر زائد على ذاته: أن الإنسان لا يعلم شيئا إلا بقوة من قواه التي أعطاها الله تعالى له وهي الحواس والعقل. فالإنسان لابد أن يقلد حسه فيما يعطيه، وقد يغلط وقد يوافق الأمر على ما هو عليه في نفسه أو يقلد عقله فيما يعطيه من ضرورة أو نظر، والعقل يقلد الفكر ومنه صحيح وفاسد، فيكون علمه بالأمور بالاتفاق؛فما ثم إلا تقليد!.وإذا كان الأمر على ما قلناه فيجب على العاقل إذا طلب معرفة الله تعالى أن يقلده فيما أخبر به من نفسه على ألسنة رسله ولا يقلد ما تعطيه قواه، وليسع بكثرة الطاعات حتى يكون الحق تعالى سمعه وبصره وجميع قواه كما ورد(كإشارة إلى حديث الولي كما سنرى).وهناك يعرف الأمور كلها بالله، ويعرف الله بالله، فلا يدخل عليه بعد ذلك جهل ولا شبهة ولاشك ولا ريب"[12].

فالملاحظ على هذا النص هو التقارب التام بينه وبين التعريفات السابقة ووحدة الاتجاه والأداة، مع تحديد نفس المنهاج للوصول إلى الغاية القصوى ألا وهي معرفة الله.

ومما يثير الانتباه أيضا هو وحدة آلة المعرفة التي يشير إليها ابن عربي والتي قد تكلم عنها الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال، حيث كان قد سحب ثقته بالمحسوسات والمعقولات وجعل فوقها شيئا ووسيلة أسمى ألا وهي: القلب الذي يعتبر كنز المعارف وخزانتها وعن طريقه عادت الثقة لديه بأحكام العقل والحواس[13].

بقي لي بعد الإشارة إلى اتحاد قول الصوفية حول المعرفة والعارف، أن أستشهد بقول عالم مشهور من علماء الشريعة ويعد من أهم الفقهاء في العالم الإسلامي وسلفييهم على الخصوص وهو تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى واصفا لنا حالة العارف بقوله:"العبد العارف بالله تتحد إرادته بإرادة الله، بحيث لا يريد إلا ما يريده الله أمرا به ورضا، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يلتفت إلى عذل العاذلين ولوم اللائمين[14]، كما قال سبحانه:"يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم من دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم "[15].

فتعريف ابن تيمية هنا هو عين تعريف الصوفية السالفين الذكر، بحيث لو لم نكن قد علمنا مصدر النص ولم نعرف اسم صاحبه لقلنا أنه قد كتبه شيخ من شيوخ الصوفية العارفين وأصحاب الأذواق.وهذا مما يبين لنا تطابق وجهة النظر بين كثير من الفقهاء العاملين الأتقياء والموضوعيين مع الصوفية العارفين الأصفياء.

فلقد كانت ميزة الفقهاء، حينما كان الفقه يحمله الأتقياء أنهم يسلمون لأهل التصوف السنيين والمعتدلين أمرهم، بحيث قد يحكى أن أحدهم واسمه أبي سعيد بن أبي سريج كان متبحرا في العلم والفهم وقد تنكر مرة لما يصدر عن الصوفية من أقوال وأحوال، ثم حضر مجلس أبي القاسم الجنيد ليسمع منه شيئا مما يشاع عن الصوفية، فلما انصرف قالوا له: ما وجدت؟قال: لم أفهم من كلامهم شيئا إلا أن صولة الكلام ليست بصولة مبطل "[16].

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة

.............................

[1] محمد جواد مغنية:معالم الفلسفة الإسلامية ط2ص183

[2] أبو الوفا الغنيمي التفتازاني:مدخل إلى التصوف الإسلامي ط2ص10

[3] محمد حقي النازلي:خزينة الأسرار الكبرى  ص223

[4] عبد الرزاق نوفل:التصوف والطريق إليه  ص27

[5] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص22

[6] القشيري :الرسالة  ص141

[7] الغزالي:منهاج العابدين...ص20

[8] ابن عباد النفزي:شرح الحكم  ج1ص9

[9] نفس ج2ص39

[10] عمر فروخ :تاريخ الفكر العربي  ط1ص382

[11] الغزالي:إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية  ج3ص21

[12] عبدد الوهاب الشعراني:اليواقيت والجواهر  ج1ص39

[13] الغزالي:المنقذ من الضلال  ص11

[14] ابن تيمية:مجموع فتاوى، كتاب التصوف  ص77

[15] سورة المائدة  آية 54

[16] الشعراني:اليواقيت والجواهر  ج1ص11

 

 

"كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولوا الالباب"..ص 29

 والتدبر لغةهو تامل بنظر الاستنباط، و اصطلاحا هو تصرف القلب بالنظر بالدليل ..

والتامل هوتركيز الحواس والطاقات الكامنة فيها نحو شئ ما، وهو تمرين روحي يعتمد على الايمان الراسخ بهدف ما عن طريق تفعيل العقل الباطن الذي ينعكس على سلوكيات الانسان بطريقة ايجابية تتحدد من خلالها طريقة حياته ونهجه السليم لتحقيق غاياته.

ان البحث عن الايات التي تدعونا الى تاملها فيه الكثير من التفكر والتدبروالتامل بهذا الخلق العظيم ومافيه من دلائل وعلامات وهي براهين دامغة على ان الله جل وعلا هو الخالق لكل شئ، فتتجلى قدرة الخالق ومعاني التوحيد في نفس المتفكر المتدبر لكُنه الاية التي تعكس معنى الوجود والغاية التي خلقت لاجلها من خلال الايمان المطلق بوحدانية الله.

ولعل المتامل في هذا الكون العظيم والمتعمق والدارس لكل فرع من العلوم كعلوم الفضاء مثلا بما يحوي هذا العلم من ايات اعجازية تختص بدراسة الاجرام السماوية، الشمس، القمر، النجوم والكواكب تتجسد امامه الكثيرالكثير من الدلائل التي ترسخ فيه الايمان المطلق بوحدانية الله وقدرته الاعجازية، كما ان دراسة علوم الطب والتشريح تفتح الباب على مصراعيه اما الانسان ليتامل بديع خلق الله المتجسد بجسم الانسان ومايحوي من ملايين الخلايا وتلك الاجهزة المعقدة الدقيقة التي تقوم بواجبها على اتم وجه..

ان الكون بما رحب هو عبارة عن كتاب مفتوح يدعونا لتامله بعين مبصرة وبقلب مؤمن بالحقيقة، لاستنباط العظة والحكمة من الخلق التي دعانا اليها الله لنتدبرها وقد خاطب العقل فينا لان العاقل من ادرك تلك الحقيقة فتعلم منها وعلم غيره"ان في ذلك لايات لقوم يعقلون" ..النحل 12 اي يدركون كنه الوجود وقضية الخلق وحقيقة الكون ومافيه من ايات انما خلقت لتدل على عظمة الخالق والاقرار بوحدانيته"انما يتذكر اولو الالباب" الرعد 19، والانسان اللبيب هو الانسان المدرك لعقله المبصر لحقيقة خلقه الشاكر لنعم الله وفضله "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض" ال عمران 191، فمحور الموضوع هو قضية النظر الى الكون بعين البصيرة تلك النافذة التي فتحها الله امامنا ودعانا فيها الى تامل بديع خلقه للوصول الى الحق، فخلق السموات بكل ماتحوي من اجرام بتلك المجرات العظيمة الخلق بحساباتها الدقيقة، بابعادها، بسحابها التي تمطر خيرا ورحمة "والسماء ومابناها" الشمس5

والارض بما رحبت، كيف مهدها وذللها للعباد وجعل فيها ارزاقهم واقواتهم، برواسيها وماحوت من كنوز"والارض بعد ذلك دحاها" النازعات30، وانهارها، ببحارها التي جعل فيها ماشاء من الخيرات والكنوزليغترف منها الانسان رزقه وليركب امواجها مسافرا من مكان لاخر"وهو الذي سخر لكم البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه"..النحل 14، بكمية املاحها التي تؤثر بشكل مباشر على كثافة المياه لما لها من دور في حدوث التيارات البحرية بين المناطق الاستوائية والقطبين والتنوع الحيوي للكائنات البحرية

-سبحان الله-"هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل تاكلون لحما طريا" ..فاطر12، وهذا التنوع العظيم بانعامها، باشجارها المتنوعة ونباتاتها" وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شئ فاخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من اعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه.."الانعام99

واذا مانظر الانسان لابسط مخلوقات الله وهي النحلة نظرة تاملية لادرك الاعجاز بنفسه لتلك المخلوقة الصغيرة التي تعيش بمملكة هندسية سداسية منتظمة متشابهة ومرصوصة، والشكل الهندسي يمنح الخلية تكاملا في البناء بدون ترك فراغات-سبحان الله- تتبع اسلوبا حياتيا منظما، تتجسد فيه كل انواع الانظمة الاقتصادية والعسكرية ولاجتماعية عن طريق توزيع الادوار بمنتهى الدقة تقوم على تقسيم الادوار على ثلاث فئات وهي العاملات والذكور والملكة، وتعتبر الملكة المسؤولة عن انتاج البيض الذي يخرج منه نحل الخلية فهي ام جميع النحل! ويختصر دور الذكور للتلقيح، وبما ان العمل والعبئ الاكبر يقع على عاتق العاملات فقد خاطب الله تعالى في كتابه العزيز العاملات تحديدا بقوله"ان اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون" النحل68 ثم قال..

"ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس" النحل69، فسبحان احسن الخالقين.

ومذ خلق الله الانسان على الارض وهو يدعوه الى التامل والتفكيروالتدبر بهذا الكون العظيم، فموضوع التامل خلق مع خلق الانسان على هذه البسيطة ليكون العين المبصرة والصوت الحق، وبما ان الله قد وهبنا الحواس والعقل لندرك اهميتهما من خلال الادراك الحسي الملموس لكل تفصيلة من تفاصيل الحياة، سواء اكان ذلك بالعين المجردة وهو كل ماتقع عليه اعيننا من جمال وابداع يتجسد با لطبيعة بما رحبت وحوت من فصول وتغيرها، بالاشجار والازهار، بالشلالت الدافئة والباردة، بالامطار، بحركة الرياح، بالخسوف والكسوف، بالمد والجزر ومايتبع ذلك من تغييرات، بمواسم الحصاد، بالوان السماء ابتداءا من بزوغ الشمس حتى مغيبها، باسراب الطيور وطريقة تكاثرها، بماشاء الله من النباتات وطرق انباتها وثمارها المتنوعة، بكل روعة الطبيعة الساحرة التي تقر ببصمة الله.

فمنمذ تامل نبي الله ابراهيم الكون العظيم بما اتاه الله من نور في قلبه وهدى في بصيرته، ورشاد في تفكيره في ملكوت السموات والارض، توصل الى الايمان، بعفوية الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بان لهذه الارض ومن عليها، والسماء التي تزينها الكواكب والنجوم، ربا خالقا، وحكيما مدبرا، والها صانعا اتقن كل شئ واحكم انشاءه..فقدره تقديرا!..

ولطالما كان يتامل في الليل نجوم السماء وكواكبها، فبعضها دائم المسيرلايستقر في مكان في هذه السماء اللامتناهية الاتساع وبعضها كالثابت في مكانه، لايتحرك اوهو يظهر كذلك، وماهو غير ذلك..

وكان يلاحق القمر بنظراته متاملا اياه، فكان بين هذه النجوم، وقد احاطته هاله من نورشفاف، كالملك تحف به حاشيته، والرعية..

وعندما يتقدم الليل ينحدر هذا القمر الى الافق الاخر، وكانه في ارتحال دائم، لايتوقف !..

وفي الصباح، يتامل ابراهيم الشمس، تغزوبنورها الارض من الافق الشرقي، فتملاها ضياء، تغمرها نورا، وتبعث فيها دفئا وحياة..

وتتهادى في قبة الفلك متحدرة اليه بمهابة وجلال ثم يهبط الظلام وتبدا النجوم تتلالا في كبد السماء كانهن لؤلؤ مكنون ويطلع القمر من جديد، متناقصا ليلة بعد ليلة، حينا متزايدا وحينا متناقصا، وهكذا تستمر الحياة بين ليل ونهار وتعاقب فصول في انتظام رتيب، واتساق عجيب، تبارك الله احسن الخالقين..

قال تعالى (وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين *فلما جن عليه الليل راى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لااحب الافلين * فلما راى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال ياقوم اني برئ مما تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وماانا من المشركين (79، 78، 77، 76).. ) وهذا سبب اختيار الله لانبياءه ورسله الذين يتاملون ويفكرون ويبحثون سبل خلق هذا الكون العظيم، ولكل نبي جعل الله معجزة يحاجج بها الناس ليؤمنوا بالله وهذه المعجزة التي ايد الله بها رسله وانبيائه خارقة للعادة تحدى الله بها البشر ان ياتوا بمثلها فكانت برهانا ساطعا على صدق انبياء الله في تبليغهم عن رب العالمين، فالبشر لايمكن ان ياتواباية او معجزة من عند انفسهم وبالتالي يكون دليل على ان تلك المعجزة والاية اتية من رب قادر لايعجزه شئ في الارض ولا في السموات، واذا امعنا النظر لوجدنا ان الانبياء والعلماء والراسخين بالعلم وعلماء الصوفية يتخذون من التامل طريقة لنهجهم ومنهاجهم الذي يعتمد على الاختلاء والتفكر والتدبروصولا الى الصفاء الذهني الذي يحقق الغاية ويفتح البصيرة وقد وجه الله رسله وانبياءه ليتدبروا ويتاملوا خلق الكون العظيم وكان خاتم الانبياء رسولنا الكريم محمد (ص) يقضي اوقاته في "غار حراء"بعيدا عن الناس ليختلي ويتامل ويتدبر بديع خلق الله وقد ارسى علومه التاملية بدعوة الحق التي نشرها ليملا العالم قسطا وعدلا ذلك النهج الذي سار عليه ال بيته وصحابته وعلماء المسلمين الذين كانت لهم بصمة واضحة في الحياة من خلال التامل لبديع ايات الله وجميل خلقه، بل ان الديانات الوجودية التي تعتمد الطبيعة اساسا لوجودها انما تقر بطريقة غير مباشرة بوحدانية الله لكنهم-الوجوديون- لايقرون بذلك مباشرة انما يسندون ذلك الى القوى الخارقة في الطبيعة وهم بذلك يقرون بانفسهم بان هناك قوىً خارقة مسؤولة عن ادارة الكون وهو اعتراف ضمني بوجود الخالق المدبر، وهو ما تضمنته عروس القران سورة الرحمن الرائعة وهي تشرح قضية الخلق بمنتهى الروعة وهي موجهة بصورة مباشرة الى الملحدين الذين يشككون بقدرات الله جهرا ويعترفون بذلك ضمنا باعتبار ان الطبيعة من ابداع الخالق"فباي الاء ربكما تكذبان"..

 

مريم لطفي

 

في هذا البحث يلزم التفريق بين الموت وبين فلسفة الموت، وذلك التفريق هو إجرائي وإحترازي من جهة الموضوع، ولما لذلك من أهمية للتعريف والتعرف على ماهو طبيعي وماهو فلسفي، ولأنه كذلك فالموضوع يحتاج للمزيد من الحرص والكياسة والحيطة والحذر، ذلك إن كثيراً من هذه الموضوعات والبحوث إفتراضية ويغلب عليها الجانب الظني الإحتمالي، ولهذا قد ترجح هذا الطرف على ذاك معتمدة على ما هو غالب لديها، ومن جهتنا نحن: سنعمل وفق آلية نرجوا أن نجد فيها الموازنة ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا، وهدفنا من هذا كله تلمس الحقيقة ونشدانها والإحاطة بهذا الموضوع الشائك الجدلي

 ونقول: يندرج هذا الموضوع من الناحية الفعلية ضمن قوانين الوجود والعدم، وأما من الناحية الفلسفية فيخضع لمبادئ العلة والمعلول وقوانينهما، وقد أورد الكتاب المجيد ذلك في هذا الإطار العام، حين جعل من الموت مادة مخلوقة خاضعة لقوانين العلة والمعلول كما هي الحياة، وهذا يكون بإعتبارهما من الوجودات الموضوعية التي خلقت لسبب ما ودلت على معنى ما .

 قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) - الملك 2، يبادرنا هذا النص في الجواب عن علة الخلق وسببه، طارحاً الموضوع ضمن جدلية البلاء وحسن العمل، وهذا الطرح الميكانيكي هو إدخال في التجربة من غير إرادة، فالإستدراك بالتعليل في صيغة الإستفهام - أيكم أحسن عملا -، قيل في شأنه جملة أقوال منها:

أولاً: أن يكون معنى الإبتلاء هو في إختيار (أحسن العمل) مع وجود ما يناقضه .

وثانياً: أن يكون معنى الإبتلاء متعلق في أصل التجربة وفي طبيعتها وفي كيفيتها وفي - تحديد نوع العمل - .

يؤكد هذا: إنه قدم الموت على الحياة في الخلق، ليكون ذلك التقديم بمثابة الضاغط النفسي ليدفع بإتجاه أحسن العمل، بدلالة أنه قد جعل من الموت هو الدليل الدال على صحة التجربة، وخالف في ذلك أخرين بقولهم: إنما المُراد من ذلك التقديم للأهميته ولتوجيه الأنظار للعناية بما يكون عليه الحال في - عالم الغيب والشهادة -، بإعتباره المحطة التي ينتهي إليها المرء وعمله .

 قال تعالى: (إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ...) - الجمعة 8، ينقسم الفعل في هذا النص إلى قسمين:

الأول: هو الفرار من الموت، والفرار من فعل - فر يفر فراراً -، وقد جاء وصفاً للحال على نحو الإستعارة من شدة الخوف من المجهول (أي إنكم تفرون من الموت بإعتباره مجهولاً أو غيباً)، والفرار صفة موصولة تدل على الهروب على نحو دائريا وليس مستقيماً، أي الهروب مع المراوغة وذلك يكون مع الخوف والقلق وعدم الإستقرار والإطمئنان، والنص أعترف بان الهروب وعلى أي نحو كان لا ينجي من الموت .

والثاني: مفهوم ومعنى الموت الذي تفرون منه، على نحو الحقيقة المطلقة إمضاءاً وتقريراً قال - فإنه ملاقيكم -، والأصل فيه من الفعل الرباعي - لقاء -، والذي يكون بمعنى الجمع أو الإجتماع ومنه المُلاقاة، وجملة - فإنه ملاقيكم - وردت في مقام البيان لتأكيد اللقاء، وذلك يكون بضميمة وجود الشرط المقرون مع الفاء، ويكون معناه: إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم - حتماً وطبيعةً، وبأنه حاصل على كل حال، قيل: والجملة وردت على نحو المبالغة في تأكيد الفعل .

 قال تعالى: (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) - النساء 78 -، فعل - يدرككم - هو من الإدراك - ومعناه اللحوق أو البلوغ أو النيل، وهو في الجملة ورد في سياق التمكن على كل نحو، وضمير الجمع فيه يعود على الموت، أي إن الموت يلحق بكم ولو تحصنتم ببروج محكمة البناء، وهذه إشارة على أن التحصن من الموت لا يمنعه ومهما كانت الحصون والموانع، لأن الموت واقع بهم على كل حال، ولا يصح التخفي خشية الموت أو الفرار منه والهروب، فالتخفي على هذا النحو مظنة باطلة

قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) - آل عمران 185، هذا النص وبهذه الصيغة هو تقرير وإمضاء بأن كل نفس حية ستموت أو تذوق الموت، والموت في لسان العرب هو نقيض للحياة، وهو في الإصطلاح: مفارقة الروح للبدن -، ولكن هذا المعنى الإصطلاحي لم يُشر إليه الكتاب المجيد بل ذكر شيئاً أخر، بقوله: إنما الموت ما يقع على النفس -، وليس ما يقع على الروح !!، والموت هو صفة للشيء أي ما يقع على ذلك الشيء، أي إنه صفة للفعل الذي يقع على البدن، والصفة والفعل إنما تعبران هنا عن الموت بإعتباره حتمية طبيعية ملازمة لكل نفس حية .

 ولكن ماذا يعني قوله - كل نفس ذائقة الموت - ؟، والجواب: إن حرف الجمع - كل - ليس فيه دلالة على الإستثناء بل هي شاملة للجمع والجميع، فيقع في دائرة ذلك الحرف كل فرد حي وكل جماعة حية، وإضافة - نفس - المُنكرة لهذا دليل على ما نحن بصدده .

 فالنفس: بحسب التعريف العلمي لها تعني (الدم أو دم القلب)، والنص حين يقول - كل نفس ذائقة الموت - فهو يعني: إن الموت يقع على هذا الدم الذي هو النفس، أي إن الموت يقع على البدن والجسد وليس على الروح -، والذي يتذوق الموت إنما هو البدن، وقد أستخدم لفظ النفس مجازاً أو وصفاً وكناية عن البدن .

 وعلى هذا الإعتبار: فالموت إنما يقع على كل حي مادي ذي نفس -، والنفس بحسب التعريف العلمي لها عبارة عن مادة، إذن فالموت إنما يقع على هذه المادة أو (هي من تتذوقه)، لذلك أخبرنا النص بان النفس أو كل نفس - ذائقة الموت - أخبار عن طبيعة الموت وماهيته، وذائقة من فعل - ذاق يذوق ذوقاً فهي ذائقة -، مما يوحي لنا بأن طبيعة المذاق يتعلق بطبيعة حال المتذوق، فتذوق الطعام مثلاً يبين ماهيته وصلاحيته !!، كذلك يكون طعم الموت بالنسبة للنفس الميتة دالُ على طبيعة الميت وما كان عليه في الحياة الدنيا، ثم ما يؤول إليه وينتهي من سعادة أو شقاء وجنة أو نار، وقيل في الفلسفة: إن ماهية كل شيء تكون من جنسه ومن طبيعته، إن كان حسناً فحسنا وإن كان سيئاً فسيئا .

ونعود لبيان التعريف المتقدم والقائل بأن الموت: هو مفارقة الروح للبدن -، قد يُفهم منه لأول وهلة إنه على النقيض لما ورد في النص المتقدم، وبان الموت إنما يقع على النفس، وبما إن الكتاب لم يأت على ذكر الروح ولم يقل إنها هي من يقع عليها الموت !!، وإذا لم يكن من تناقض في البين:

فهل الروح هي النفس؟، أم إنهما طبيعتان وماهيتان مختلفتان؟، فالروح بحسب الوصف القرآني جاءت على هذا النحو، قال: (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) - الإسراء 85، ولم يبين لنا جدل (مقول القول والقول) وهل إنهما من جهة المفهوم واحد أو واحدة ؟، فالنص في سورة الإسراء لم ينف العلم بالروح، ولم يقل إنها غير معلومة أو إنها من الغيب، بل قال هي: من أمر ربي -، وإذا أستدرجنا مفهوم ومعنى - أمر ربي -، فإن ذلك الإستدراج يحيلنا إلى موضوعة العوالم والتي منها (عالم الأمر)، وعالم الأمر في الكتاب المجيد هو عالم مادي، وهذا يعني إن (الروح) وبإعتبارها من هذا العالم فيجب ان تكون مادة كذلك، وقد عبر الكتاب المجيد في مواضع كثيرة عن الروح بإعتبارها (نفخة) أو هي كذلك، والتي بها ومن خلالها تتحرك المادة وتدور، [ فتكون النفخة المُشار إليها بمثابة الطاقة التي بها تتحرك النفس ]، وحين نصف الروح بالطاقة التي تتحرك بها النفس، فهذا يلزمنا للقول بكونها مادة أو هكذا يقول علماء الفيزياء: (إن كل طاقة هي مادة) - .

فيكون قوله تعالى: (فنفخنا فيه من روحنا) - التحريم 12 .

وكذلك قوله تعالى: (فنفخنا فيها من روحنا) – الأنبياء 91 .

 إنما يعبر عن ذلك الذي أشرنا إليه، وبسبب هذا الإيضاح لا يصح جعل النفس منفصلة من جهة الحيوية عن الروح، بل العلاقة بينهما علاقة تبادلية، فالروح لا تكون فاعلة إلاَّ في النفس، والنفس لا تكون منفعلة إلاَّ بالروح .

 ولكن ما معنى ذلك التعريف الذي مر بنا للنفس والقائل إنها: الدم أو دم القلب - ؟، والجواب يكون: إن النفس بصيغتها العامة إنما تمثل كل هذا البدن بأجهزته وأعضاءه، والدم هو هذا الشيء المادي الذي يحمل جميع المورثات والجينات التي تكون في البدن، والذي يُحرك هذا الدم في البدن أو له القدرة على ذلك هي الروح بإعتبارها الطاقة أو النفخة التي يتحرك بها البدن .

 وذهب نفر من أهل الظاهر للقول: بان المراد من النفس ليس ماهيتها بل نوعيتها، وهم يعنون بذلك (النوع) من الكائن الحي والذي يقع عليه الموت، وفي ذلك هم يشيرون إلى أن النفس بهذا السياق تعني النوع العددي والكمي في مقابل النوع الفلسفي المتقدم، ويفهم هذا عندهم في صيغة المُشار والمُشار إليه، بحيث تعني عبارة (كل نفس) كل كائن حي مفرد، وهذا النوع من الوصف هو الذي يقع عليه الموت، وبذلك هم لا يميزون بين ماهية الروح وطبيعتها وبين ماهية النفس وطبيعتها بإعتبارهما جنس لنوع واحد، فالموت الذي يقع على النفس يقع كذلك على الروح من هذه الوجهة .

 وأستخدم بعض العلماء: كلمة (نفس) في مواضع معينة قالوا إنها تصح معها ولا تصح مع غيرها -، كذلك فعل أهل الظاهر حين عرفوا النفس والروح من غير تمييز، وعدم التمييز بين الروح والنفس لا يصح أطلاقاً وليس مطلقاً، بمعنى: إن ما يقع عليه الموت يصبح عدماً ولا تصح في شأنه القيامة والحياة مجدداً -، وهذا ما لا يصح على الروح إطلاقاً، لأن الموت لا يقع عليها أبداً .

قال نفرمن أهل الباطن: ان الروح تولد من (عالم الغيب) وإليه تعود بعد الموت -، وقد أستدلوا على ذلك من قوله تعالى - ثم تردون إلى عالم الغيب - الجمعة 8، وصحح هذا الإستدلال أهل الكشف على أساس ماورد عندهم في بعض المأثور من القول: كنا أنواراً قبل ان تخلق السماوات والأرض - .

 وفي الجملة يكون معنى - مفارقة الروح للبدن - فيه نفي وإثبات من وجه، أي نفي حياة النفس بعد الموت وإثبات الحياة للروح على نحو الشعور والتخيل كالذي كان في الحياة الدنيا مع البدن بعد الموت من غير مادة، وهذا هو الإمكان الحقيقي عند الشيخ الرئيس، من جهة ما يرآه المرء في أحلامه عند النوم، فالرؤية هذه هو شعور وإحساس بالأشياء مجرد، وتكون على هيئة تخيل وتصور ليس إلاَّ، هو أحساس إيحائي يتصوره المرء حقيقة كما لو كان في عالم الوجود والحياة المادية، قال: وما يرآه الرائي في منامه هو عينه مايرآه الميت بعد موته، على نحو يكون معه - كما لو كان موجودا بالفعل في عالم الدنيا - .

ويؤكد لنا علماء الأحياء الطبيعية: بان البدن في الغالب يتحول إلى تراب بعد الموت -، وإلى ذلك يُنسب هذا إلى كلام قديم للإمام علي بن أبي طالب، وهو ما يعيدنا للإستدراك التالي: وبإن السعادة والشقاء مفاهيم نسبية تصورية، ترمزان لمعنى الجنة والنار وعلى نحو ما، وكما أشار إلى ذلك الكتاب المجيد -، وإذا كان ذلك كذلك فلا يصح أبداً إعتبارهما وجودان موضوعيان ماديان، وهذا ما يفسر لنا رؤية الشيخ الرئيس وما ذهب إليه: فالذي يشعر به المرء بعد الموت هو شعور روحي لا جسدي، أي إن عالم ما بعد الموت هو عالم روحي بأمتياز، ولذلك جاءت التسمية منه تعالى منسجمة مع هذا المعنى وليست ببعيدة عنه، وإلى هذا المعنى أشار بعض أهل الكلام بقولهم: وإنما البعث للأرواح لا للاجساد يوم القيامة -، وإلى ذلك ذهب بعض المفسرين للقول بان - البعث يكون على الشيء الموجود بالفعل وليس للشيء الذي سيوجد لاحقاً - ..

قال شيخنا الأستاذ أعلى الله مقامه: إنما الموت هو النوم العميق المفارق، وعبارته مشعرة بان ما يحصل للنائم في حال النوم، من الهم والحزن والفرح والسعادة، يماثله الموت من جهة المقاربة الذهنية، ولهذا قيل: وإنما قيامة المرء فعند موته تكون، فالمشاعر والأحاسيس تحصل للروح لا للبدن، وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) - النساء 56، أي إن المتعلق بالعذاب هو الأداة المؤدية إلى ذلك، وبما إن الجلد هو مركز الأحاسيس والشعور، لذلك قال: إن الشعور بالألم سيستمر بدليل تبديل أداة الشعور، وليس المُراد هو الجلد بما هو هو، وإنما ذكره النص من باب تقريب المعنى إلى الذهن لا غير، ووجاهة هذا الأستدلال تؤكد لنا ما نحن بصدده من القول ببقاء الروح وإندثار البدن وفنائه .

 قال تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة، أرجعي إلى ربك راضية مرضية) - الفجر 27، حرف النداء مع الوصف مشعر بأهمية الموصوف به، وقد مر بنا تعريف النفس على نحو عام فلا نعيد، وإضافة الإطمئنان إليها هو من باب التحقق من المعرفة واليقين، ولا يكون ذلك متوفراً للجميع، بل هو للصفوة من الذين يتصفون بذلك، وقيل: إنها الكيان العام الذي شمله الخطاب النبوي والرسولي، وهو من تلقى ذلك فوعاه كتعاليم ودروس ومعرفة من قبل الرب المعلم، فوثق بها وعرفها وأطمئن لها، والظن الغالب عندي إن تلك العلوم والمفاهيم صعبة المنال من جهة، ومصاديقها نادرة من بني البشر هذا إن أستثنينا الأنبياء والرسل والصديقين، ومثالنا يكون دائماً الإمام علي الذي قال: والله لوكُشف ليَّ الغطاء ما أزددت يقينا -، والقسم على المقسوم دليل المعرفة والإيمان واليقين، وهذا ما لا يتطلب معه رؤية الحقايق الغيبية لكي يؤمن بها أو يثق بصحتها، وهذه الفئة من الناس نادرة الوجود، وهي عندها يكون كل شيء بالنسبة واضحا معلوما، وهذه المعرفة عينها وجدناها ولكن بصيغة مختلفة لدى الإمام الحسين في إني: لا أرى الموت إلاَّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاَّ برما -، هذه هي الشخصية الواثقة المطمئنة العارفة معنى الحياة ومعنى الموت وما يصير إليه الواثقين بربهم، وهذا النص يجعلنا نتوقف ولا نستعجل في إدراك معناه ومادته التي عبر عنها .

 ونقول: هل يجوز وصف كل مسلم أو مؤمن بهذا الوصف عند الموت ؟.

والجواب: لا يجوز مطلقاً لجهة كون النص قد ورد في مقام بيان الحقيقة المطلقة، والتي لا يصح معها المجاز أو الإستعارة، والذي نرجحه في هذا المقام الأستئناس باقوال أخر من قبيل، قوله تعالى: كل من عليها فان - أو - كل نفس ذائقة الموت - وأمثالهما تلافياً للحرج في دقة الوصف والتعريف، وحسبنا في هذا الشأن قوله تعالى - إنا لله وإنا إليه راجعون - المجزيء إنشاء الله في كل حال، والدال على معناه مع الضرورة، ولا يقع جوابنا هذا دفعا للحرج كما قد يتوهم البعض من أهل العلم .

وخلاصة الكلام:

 قوله تعالى: (ونفس وما سوآها . فألهمها فجورها وتقوآها) - الشمس 7 و8، ظاهر النص يوحي ويكأنه جاء إلحاقاً للنص المتقدم، في وصف النفس وهنا جاء الكلام عن التسوية لا عن الخلق، والتسوية فعل لا حق جاء في سياق موضوعة التربية والتعليم، أي إن في مدرج التربية والتعليم هناك ضبط وهناك فوضى، فالضبط يؤدي إلى التقوى والحصانة والفوضى تؤدي إلى الفساد والفجور، ولا يتعلق الفعل بالتكوين إنما هو في بيان منصات التشريع ولوازمه، أي إن الإنسان وبعد أن يتعلم أو يهتدي لمعنى الصواب ومعنى الخطأ، يتُرك ليتخذ القرار بمفرده، ليكون بذلك مسؤولاً عما أتخذه من موقف أو حكم، ولا يصح إدخال موضوعة النص في باب ماهو كلامي من البحوث .

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (10)

أما الوجه الآخر، أو المستوى الآخر لصيرورة العقل الإسلامي وفكرته التوحيدية فقد توسعت وجرى تأصيلها في مجرى الصراع ضد اليهودية والنصرانية. وتميز موقف النبي محمد من الأديان وأتباعها بثلاثة مواقف تعكس ممرات الفكرة التوحيدية الإسلامية وكفاحها من اجل التمام في شرعة تهتدي بالقيم المتسامية. من هنا إدراجه الدائم في فكرة الدين الحق أولئك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا، أي أولئك الذين يجسّدون في العلم والعمل وحدة الإيمان الصادق والعمل بما يتوافق معه من فضائل. بحيث يمكننا القول، بأن العنصر الجوهري في الفكرة التوحيدية الإسلامية وعقلها الإيماني يقوم في إعلاء مرجعية الخير المطلق وتحقيقه في مختلف الشرائع. وأفضل الآيات وأدقها التي صورت هذا الموقف، هي الآية القائلة: "لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلونكم فيما أتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا". وجرى استكمال مضمون هذه الآية بأخرى تجعل من العمل الصالح معيار النجاة للجميع بغض النظر عن تباين أديانهم، كما في الآية القائلة:"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ". ووسع هذه الأفكار والمواقف ودققها في الآية القائلة:"ليْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ".

لقد شدد النبي محمد ودقق الموقف من اليهود والنصارى على أساس الموقف من الله، أي الإيمان به والعمل الصالح. من هنا تقييمه وتفريقه بين أولئك الصالحين وهم القلة القليلة والفاسقين وهم الأغلبية، كما في قوله:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ". بينما اختلف موقفه نسبيا من النصارى كما في الآية:"وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً... فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ". لكن القاسم المشترك في موقف النبي محمد هو التميز بين الحق في الأديان والخروج عليه بأثر الغلو. لهذا نراه يقف بالضد من الغلو في الدين والمواقف، كما في الآية:"يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ".  

لقد كان الصراع مع اليهودية والنصرانية محكوما من حيث بواعثه الداخلية بحالات الصراع المحتملة المميزة للمنافسة الندية، أي منافسة الفكرة التوحيدية. وانطلق النبي محمد في موقفه من هذه القضية إلى ما اسماه القرآن بالدعوة "إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ"، و"وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ". أما "الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ".

كان الجدل مع اليهودية والنصرانية أمرا لا بد منه. لكن الحصة الأكبر منه كانت مع اليهود، كما أن النقد الأكبر في القرآن كان ضدهم. غير أن النبي محمد كان يفرّق بين اليهودية السليمة وتصورات اليهود. والشيء نفسه ينطبق على النصرانية. وعندما يقف الجدل عند حدود الإيمان العقائدي، فإنه يطالبهم بالعمل لا بالجدل، كما في الآية:" قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ "، ولم يقل من الله. انه طالبهم بالعمل بما عندهم باعتباره حد الكفاية الضرورية.

أما من الناحية الفعلية (التاريخية والسياسية) فقد كان الخلاف مع اليهودية والنصرانية يتزامن مع صعود وانتشار الإسلام وتأمين أسسه العقائدية والإيمانية في الوسط العربي. وإذا كان الجدل المضاد يجري في الأساس ضد ما في القرآن، فإن الأخير اكتفى بما فيه، لأنه جزء من مرجعياته العقائدية والإيمانية الآخذة في التنظيم والعمل، كما اكتفى بالرد العام القائل، بأن ما في القرآن أدق وأصدق وأمتن من أن يتحداه أيا كان. ووضع ذلك في آيات محدودة ودقيقة عندما قال اليهود، بأن ما في القرآن ليس متسقا كما في التوراة، ومن ثم مطالبته بعبارة تقول:" أَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ". عندها رد عليهم قائلا:"قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً".

ووجد النبي محمد في الشخصية اليهودية المتميزة بالغلو والتطرف سرّ الخلاف والعداء للفكرة الإسلامية. ووضع هذا التقييم في اساس نقده لليهود واليهودية، بوصفهما خروجا عن الحق وعليه. من هنا إطلاق صفات متنوعة عليهم مثل صفة الغلو في الحياة، وأنهم قردة خاسئين، وسوء العاقبة، وعدم تمسكهم بالعهد، مع وجود من هو صالح بينهم، إلا ان أغلبهم دون ذلك. وإنهم يحرفون الكلام عن موضعه، ويكتمون الحقيقة، ويحاولون إضلال المسلمين، والكفر بالآيات، ومحاولات التخريب من الداخل، ولا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار، بأسهم بينهم شديد، وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، إنهم قوم لا يعقلون، قلوبهم قاسية بل أقسى من الحجر، وإنهم الأشد عداوة للمسلمين، يلبسون الحق بالباطل، ويكذبون ويقتلون من يختلف عنهم، ويحرصون على الحياة أكثر من المشركين، ويود أحدهم العيش أكثر من ألف سنة. وإنهم يعتقدون بأن أساطيرهم هي "كتاب مقدس"، ويقولون إن لهم الجنة على خلاف غيرهم. عندها كان الرد:"إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ". وإن أحدهم يتمنى لو ان من أسلم عاد للجاهلية الوثنية. الأمر الذي دفعه في نهاية المطاف إلى وضع مهمة إجلاءهم من المدينة، بوصفهم قوما مغضوبا عليهم. ومن ثم ضرورة الحذر منهم، كما وضعها في الآية القائلة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم". بعبارة أخرى، لقد تمثل الإسلام أيضا فكرة الهداية والحق التي أخذ بها أنبياء اليهود وعيسى المسيح. لكن الخلاف مع اليهود أدى إلى خلاف جوهري مع اليهودية من خلال التفريق بين اليهود واليهودية، بحيث توصل النبي محمد في مجرى صراعه معهم إلى اعتبارهم "شر البرية". أما فيما يخص النصرانية فقد كانت الثمانين آية من سورة (عمران) ردا على النصرانية وفكرة إن المسيح ابن الله.

لقد قدم الإسلام رؤية وحدانية جديدة تلتقي في بعض جوانبها بوحدانية اليهودية والنصرانية، لكنها تختلف عنهما اختلافا كبيرا، وبالأخص ما يتعلق منه بنوعية وكيفية العلم والعمل من اجل تحقيقها. فالوحدانية الإسلامية هي نظام من النسب المثلى له "آليته" الخاصة، التي ربطت في كل واحد عوالم الملك والملكوت والجبروت، أي الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان من خلال الجماعة، وبالتالي بناء الأمة باعتبارها كيانا وسطا بين الأديان والشعوب والأمم. وانطلقت بالأساس من فكرة بسيطة تقول بأن الله هو الواحد الحق! الأمر الذي حدد مرجعيته الجوهرية فيما يتعلق بالانتماء الخالص للوحدانية الإسلامية، التي حقق النبي محمد مبادئها وقواعدها في مواقفه الداعية إلى العمل والاستقامة فيه كما في الآية:"ادع واستقم كما أمرت"، وعدم إتباع أهواء الآخرين، وإتباع ذات الإسلام والله الإسلامي، وإن اليهود والنصارى يعبدون ما هو غير الله شأن الذين كفروا، وأنهم اتخذوا من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، بينما أمروا أن يعبدوا إلها واحدا لا اله غيره. وبهذا يكون النبي محمد قد حدد حدود القطيعة بالشكل الذي جعل من الوحدانية الإسلامية مبدأ وغاية الوجود الإسلامي، ومن نفسه رسول الهدى ودين الحق.

إن حقيقة الوحدانية بالنسبة للنبي محمد تعني الانتماء للحق وليس للأديان والمذاهب والمشارب. ففي معرض رده على أولئك الذين عارضوه معارضة لا هوادة فيها مخلوطة بالاتهام والانتقاص والتشويش قائلا، بأنه مستعد لإتباعهم في حال أتيناهم بكتاب أكثر قدرة على الهداية مما يقول به. وفي جميع مواقفه الفردية نرى تجانس وتدقيق هذه الفكرة وتحقيقها في المواقف. فقد دعا الجميع دوما إلى أن "إلههم واحد"، وانه " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ"، و" إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا " و" إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ"، و"وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا"، و"وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا "، و  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ".

إن الله الإسلامي بالنسبة للنبي محمد هم أحكم الحاكمين، العزيز الحميد، له ملك السموات والأرض، رب المشرق والمغرب، لا اله إلا هو، رب الناس، ملك الناس، اله الناس، الحق، له الاسماء الحسنى، كل شيء عنده بمقدار، يعلم غيب السموات والأرض، وما يكتم الإنسان وما يعلن، عالم الغيب والشهادة، الحي الْقَيُّوم، كل يوم هو في شأن، وهو نور السموات والأرض.

وتتصف علاقته بالعالم بالرحمة، فهو الرحمن الرحيم، خلق الإنسان، كما انه خلق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، وإن كل شيء منه وإليه، وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجعون، إذ يسجد له ما في السموات والأرض، وإن كل شيء يأتيه طوعا أو كرها. وبالتالي، فإن كل ما في الوجود محتاج إليه. وهو في الوقت نفسه قريب من الإنسان، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه، كما انه مع نجوى كل إنسان، وهو معه ومعهم مهما كان عددهم أينما كانوا، وانه ليس بِظَلاَّم للعبيد، بل انه علّم البيان والقرآن. ووجد كل ذلك صيغته المكثفة في عبارة "إن الله هو الحق"، وإن كل ما في الوجود فانِ ويبقى وجه الله ذو الجلالة والإكرام.

حددت هذه الرؤية الإسلامية عن الله وطابعه الوحداني، نوعية العلاقة بين الله والحق. فهو مصدر الحق، ومن ثم مرجعية العدل الشامل. إذ لا يظلم الله أحدا، وإن الناس سيرون آيَاتِه في الآفاق وفِي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق. إذ ما كان الله ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، فهو الحق، وما يدعون من دونه هو الباطل، وبالتالي فالحكم له يقضي بالحق.

ومن هذه الفكرة برزت الأبعاد الماوراطبيعية في الوحدانية الإسلامية، التي شددت على أن كل ما يدعوه الإنسان من غير الله هي مجرد أسماء لا تضر ولا تنفع. ففي الواقع لا شيء غير الله. فهو الزارع والممطر وصانع النار وليس الإنسان. وتوقف على هذه الحصيلة الموقف العملي من جوهرية الله في توحيد الإنسان والجماعة والأمة والبشر عموما من خلال إشعاع نوره فيهم. ونعثر على هذه الفكرة في الآية التي تخاطبه بعبارة:"لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "، و"مَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".

أما حصيلة كل ذلك فتقوم في أن الوحدانية الإسلامية هي منظومة النسب المثلى، من هنا نقده لظاهرة الغلو بشكل عام واليهودية والنصرانية بشكل خاص. اذ لا يهودية ولا نصرانية بل إسلام لله، ولا أحزاب بل حزب الله، ولا مذاهب ولا مشارب، بل صراط مستقيم. وهذه بدورها جميعا ليست إلا التجسيد العملي لمرجعية الواحد، التي تتمثل التجانس الفعّال في كل شيء. ووجدت فكرة التجانس طريقها إلى الموقف المحمدي من ضرورة التوحيد الاجتماعي، الذي يعكس نوعية العقل الجديد في تعامله مع إشكاليات الوجود السياسي للأمة. من هنا موقفه المعارض للتفرقة والفتنة. ووضع ذلك في آيات عديدة لعل أكثرها نموذجية تلك التي تنتقد ظاهرة "كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"، ومن ثم موقفه من "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ "، وإن العداوة نقمة، وألفة القلوب نعمة. من هنا مطالبته بما اسماه بالاعتصام بحبل الله وأن لا يتفرقوا. وذلك لأن تعدد الآلهة يؤدي إلى فساد الوجود والكون. وبالتالي، فإن وحدانية الحق مبنية على تقوى من الله ورضوان منه، بوصفها البديل عمن يضع أسس بنيانه "على شفا جرف هاو".

لقد شكل التوحيد هنا مرجعية الوحدة الاجتماعية، التي وضعها النبي محمد في آيات تقول، بأن الله مع المؤمنين، وانه يجعل منهم كلا واحدا، وإن الإله الواحد معبود الجميع، وإن الأمة معبودها واحد، وأخيرا ينبغي للأمة أن تعبد ربا واحدا.

ذلك يعني، إن الوحدانية الإسلامية هي التجلي الأمثل للوحدة والاعتدال، مع ما فيها من أهمية قصوى بالنسبة للحرية والإرادة المتحررة من رق الأغيار. فالإله الواحد نعمة لأنه ينفي الاستكبار لأي كان، كما في الآيات القائلة "لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، و"فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". بينما يشكل رفع الله إلى مصاف المطلق ورفض الندية عنه ضمانة تخليص الفرد والجماعة والأمة من الخضوع لغيره. بمعنى نفي الوسائط. الأمر الذي يؤدي إلى معارضة التقليد ورفع شأن الفرد بمعايير ومقاييس المطلق الأخلاقي. اذ ليس الله سوى المطلق الأخلاقي. وبلغت هذه الفكرة ذروتها العملية في علاقة التوحيد بالجماعة والأمة، بوصفها مضمون العقل النظري والعملي، ومن ثم العقل الثقافي الإسلامي اللاحق.

فقد كانت علاقة الجماعة بالأمة البديل التوحيدي الجديد لنماذج العلاقات الاجتماعية وبنيتها الراسخة في القبيلة وقيمها. أنها تنفي الحدود الوثنية والجاهلية في المفاهيم والمواقف والقيم. وتكاملت الفكرة الإسلامية عن المسلم والجماعة والأمة ضمن سياق التوحيد الطبيعي والماوراطبيعي، أي كل ما وجد تعبيره وتدقيقه وتحقيقه فيما يمكن أن نطلق عليه مفهوم الوحدة الحية للنسب المثلى. فالوجود نسب، والله الإسلامي هو التجلي الأمثل لها. فالله، على سبيل المثال، جميل ويحب الجمال، حسب الحديث النبوي المشهور، أي الصيغة المثلى لوحدة النسب المثلى فيه. إذ كل ما في الوجود منه وإليه، ومن ثم، فإن الوجود نسب تصبح مثلى حالما تحاكي وتحقق الجمال الإلهي في الوجود. وينطبق هذا على جميع صفاته.

وقد مرت علاقة الجماعة بالأمة ووحدتهم بأربع مراحل لكل منها مرجعياته الخاصة والعامة، أو بأربع تجليات. والعامة هو التوحيد الاسلامي، والخاصة هو استجابتها العملية للتحديات، وبالتالي تأسيسها للمرجعيات العملية، أي النسبية والعابرة أو المنفية لاحقا في نماذج أوسع وأدق للعلاقة بينهما.

التجلي الأول: وهو وحدة الجماعة والأمة وحدودها، كما نراه في وحدة النسب التالية: الله والنبي، والنبي والجماعة، والجماعة والأمة.

التجلي الثاني: فكرة الأمة الوسط وتوحيد النسب الحية للوجود الطبيعي والماوراطبيعي، أو التاريخي والما فوق تاريخي، كما نراه في  إعلاء وإرساء مرجعية العدل والاعتدال.

التجلي الثالث: الوسطية والعدل بوصفهما الأساس العقائدي والروحي للعقل النظري والعملي.

التجلي الرابع: إرساء فكرة الأصول ومرجعيتها الجوهرية اللاحقة في الوعي الثقافي الإسلامي، أي كل ما سيحدد حدود الإشكاليات المتعلقة بالوجود الطبيعي والماوراطبيعي للجماعة والأمة، بفعل التأثير الحاسم والمتفاعل لمرجعيات التوحيد والوحدانية، والجماعة والأمة، والعدل والاعتدال.

وشكلت هذه المرجعيات في وحدتها المتحركة والمبدعة مضمون العقل الإسلامي الثقافي اللاحق، والذي يمكن رؤية ملامحه الظاهرية والباطنية في مبدأ الاعتدال بوصفه المبدأ الجوهري في الإسلام. إذ يستمد الاعتدال الإسلامي مقوماته من الوحدانية المتجانسة ويجسّدها ويحققها في الموقف من إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للأمة. فقد طبع هذا المبدأ كينونة الإسلام الحقيقية (الأولى).

وأدى كل ذلك إلى بلورة أساليب متداخلة في مجرى المسار التاريخي المعقد للصيرورة العربية الإسلامية أولا والإسلامية ثانيا، ومن ثم بلورة خصوصية العقل الإسلامي بوصفه عقلا إيمانيا، وتوحيديا، وثقافيا. ومن ثم حددت طابعه الوحداني والديناميكي بقدر واحد. مع ما ترتب عليه لاحقا من إنتاج الواحدية الثقافية التي عملت على توحيد الاختلاف والإجماع ضمن المنظومات الفكرية النظرية الكبرى في الفقه والكلام والتصوف والفلسفة، وأنتجت أمة ثقافية سياسية، وأبدعت اعتدال ثقافي مبني على وحدة منهجية للثنائيات الجوهرية في الإبداع الثقافي العقلي الإسلامي كما هو جلي في وحدة الأصول والفروع، والرواية والدراية، والعقل والشرع، ووحدة الدين والدنيا، والدنيا والآخرة، والعادات والعبادات، والمعقول والمنقول، والظاهر والباطن، والعقل والإيمان، والإجماع والاجتهاد، والشريعة والطريقة وكثير غيرها. (انتهى).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (9)

لكل مرحلة تاريخية ثقافية عقلها الثقافي الخاص، ومن ثم عقلانيتها النظرية والعملية. فالإبداع العقلي والعقلاني الذي يلازم بالضرورة الانتقال من مرحلة تاريخية ثقافية إلى أخرى يحتوي على تأسيس الرؤية النظرية والعملية لإنجاز مهمات التحدي التاريخي، ومساعي الإرادة التاريخية لحل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي عبر إرساء أسس المرجعيات الثقافية المتسامية أو المافوق تاريخية. ففي المرحلة الثقافية الدينية، على سبيل المثال، يتباين العقل (الذهنية والنفسية العامة) ومساره الخاص عبر نوعية العناصر الجوهرية في رؤيته النظرية والعملية العاملة على إرساء منظومة المرجعيات المتسامية. ففي وادي الرافدين جرت عبر فكرة مركزية الدولة وقوانينها "الإلهية"، وفكرة الحق والحقوق، وفكرة المدينة والمدنية، بينما جرت في مصر القديمة عبر فكرة مركزية الدولة، وفكرة الأخلاق العملية والإدارية، وإلوهية الفرعون، والقانون الأخلاقي والديني. في حين اتخذت في الصين القديمة فكرة أولوية وجوهرية الدولة المركزية، ومركزية الدولة وحدودها، وفكرة الأخلاق العملية السياسية والإدارية، والأهمية التأسيسية للأسلوب الفلسفي في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي كما نرى نماذجه الكبرى في فلسفة لاوتسه وكونفوتسه (كونفوشيوس) وتيار القانون والشرعية. أما في اليونان فقد جرت عبر فكرة الدولة -المدينة، وجوهرية الرؤية الفلسفية في التعامل مع إشكاليات الوجود التاريخي وقضايا ما وراء الطبيعة، والإقرار بإمكانية وأحقية التنوع في اختيار النظام السياسي، كما نرى نموذجه الأعلى في الفلسفة السقراطية والأفلاطونية والأرسطية والرواقية والفيثاغورية وغيرها.

كل ذلك يكشف ويبرهن على الطابع التاريخي والثقافي للعقل، بوصفه معاناة وتجربة تاريخية متميزة وأصيلة، لكنها تعمل وتفعل ضمن حدود مرحلتها التاريخية الثقافية، وفِي الحالة المعنية ضمن حدود المرحلة الثقافية الدينية. ذلك يعني، إن العقل النظري والعملي هو عقل ثقافي، لأنه يحل إشكاليات الوجود بذهنيته الخاصة ومعاناته العملية، الأمر الذي يجعل من "العقل الجديد" عقلا تاريخيا وثقافيا وليس منطقيا. فالأخير هو احد أساليب المعرفة المجردة، بينما الانتقال من مرحلة إلى أخرى هو انتقال تاريخي وثقافي. ومع كل مسار تاريخي نوعي، أي تحول وانتقال من مرحلة إلى أخرى أكثر رقيا، تتضح معالم العقل الثقافي.

وبالنسبة للإسلام يعادل العقل الثقافي العقل التوحيدي أو العقل الاسلامي، بينما تعادل العقلانية النظرية والعملية فكرة الأصول، مع ما ترتب عليه من خصوصيته المتحققة في فكرة ومنهج الاعتدال والوسطية (تجاه كافة القضايا السياسية والأخلاقية والمعرفية والحقوقية وغيرها). وذلك لأن الاعتدال هو أسلوب وجود الأشياء ونموذج النظام الأفضل للبشر. فهناك على سبيل المثال، ترابط عضوي بين العدل والاعتدال. فكلاهما من جذر واحد، ويرميان إلى غاية واحدة، ويعبران عن نفس المساعي العامة النظرية منها والعملية، انطلاقا من أن العدل هو القيمة الكبرى في الأخلاق، والاعتدال أسلوبها الضروري.

اذ ليس العدل في نهاية المطاف سوى الصيغة الحقوقية والأخلاقية للحرية. وبالتالي، فإنه الرصيد غير المرئي للبحث عن الحقيقة وتأسيسها العملي في ميدان الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي للأفراد والمجتمعات. وليس مصادفة ألا تخلو أية فكرة متسامية من العدل والدعوة إليه. بل يمكننا القول، بأن تاريخ الرقي الإنساني الروحي هو تاريخ ارتقاء فكرة العدل. وقد كانت الإرادة المحمدية تحتوي في أعماقها منذ البدء على هاجس العدل العميق والاعتدال العقلاني، الذي يرفض ويناهض نفسية وذهنية الغلو والتطرف بمعايير ومقاييس المرحلة الدينية السياسية. وليس مصادفة أن تسعى اغلب الفرق الإسلامية المناهضة لسلطان الخلافة والإمامة الجائرة إلى تأسيس حقيقة العدل باعتباره اعتدالا، أي أن اغلب الاتجاهات الفكرية الكبرى في الحضارة الإسلامية كانت تسعى لتأسيس رؤيتها الخاصة عن العدل المجرد بالشكل الذي يتناسب مع الأصول الكبرى العامة للإسلام، وبكيفية انكسار هذه الأصول في مبادئها الملموسة وعقائدها العملية. وضمن هذا السياق تعادل أصول القرآن والسّنة المحمدية الصيغة الدينية للعقل النظري والعقل العملي، بينما تعادل أصول القياس والإجماع اللاحقة الصيغة السياسية أو الدنيوية للعقل الثقافي.

فإذا كان القياس بالمعنى المنطقي المجرد والثقافي الملموس يعني البحث عن تنوع الأدلة العقلية، فإن الإجماع هو توحيدها المنطقي المجرد. وليس مصادفة أن يقف النبي محمد موقف سلبيا من الشعر، وهو ابن وسليل التقاليد التي جعلت من الشعر ديوان العرب ومنطق لسانها العقلي والوجداني. وذلك لأنه وجد فيه وجدانا فرديا أو قبليا متحزبا. إضافة إلى الخلاف الجوهري بين كون الشعر مصدره الشيطان، والوحي مصدره الرحمن. والشعر تقرير وأحكام بينما القرآن جدل وبيان. الأمر الذي جعل من هيمنة العقل الجدلي والبياني فيه أمرا محتوما. فالبيان حالة ملازمة للوحي الديني، كما انه يستجيب لقيمة وأهمية البيان أو البلاغة في الوعي العربي وتقاليده. فهو يحتوي على مختلف أساليب وأنماط المعرفة العقلية مثل الشك واليقين والبحث والجدل والتدليل التاريخي والمنطقي والتجريبي وغيرها.

غير أن ما يميز العقل الإسلامي كونه عقلا إيماني، أي أن العقل جزء من الإيمان أو الإيمان نفسه، وأن الإيمان هو جزء من العقل أو العقل نفسه. وفي هذه العلاقة الجديدة لوحدة الطبيعي والماوراطبيعي تبلورت ماهية العقل الإسلامي، ومن ثم أثره بالنسبة لنقل العرب إلى المرحلة الدينية السياسية. وترتب على ذلك تلاقي وتناغم العقل الديني والعقل السياسي بالشكل الذي يستجيب لمرجعيات المرحلة الدينية السياسية كما بلورها الاسلام المحمدي في مرجعيات الوحي، والسنّة، والعقل، والمعرفة، واليقين، والاعتدال ورفض الغلو.

إن العقل الإيماني الإسلامي هو عقل توحيدي، يتداخل فيه العقل الثقافي والإسلامي وتوليفهما بهيئة عقل إسلامي ثقافي فسح المجال أمام قبول القياس أو العقل المنطقي المقارن والإجماع أو العقل المنطقي الجامع. ولكليهما أصول في الفكرة المحمدية عن التعقل والتأمل والإدراك والمعرفة، وفكرة التوحيد الاجتماعي (الأمة) انطلاقا من فضيلة الاختلاف، بوصفه أسلوبا لبلوغ اليقين الجامع، ودرء اختلاف الفتنة والصراع. فقد كان مضمون العقل الإسلامي كما تبلور بصورة تدريجية وخرج من رحم الفكرة التوحيدية المحمدية بوصفه عقلا ثقافيا أيضا، يرمي إلى تأسيس قيمته المجردة لتذليل الاختلاف القاتل، وتشجيع الاختلاف الخلاق، وأولوية المصالح العامة باستناده إلى العلم والمعرفة المنطقية وآثار السلف المجتهد.

 لقد تبلورت معالم ومفاهيم ومرجعيات العقل الإسلامي الأول (المحمدي) في مجرى الصراع التاريخي الهائل من اجل إرساء أسس التوحيد والعدل. ومنهما تحددت ملامح الوسطية الإسلامية بوصفها المرجعية النظرية والعملية للعقل الإسلامي المحمدي.

ذلك يعني، إن العقل الإسلامي المحمدي مبني على ثالوث التوحيد والعدل والاعتدال. فالتوحيد هو العقيدة العامة التي تعادل معنى الوحدة والواحدية، والعدل هو أسلوب تحقيق الفكرة التوحيدية وقيمها الأخلاقية والقانونية، والاعتدال يعادل رفض الغلو في الأقوال والأعمال والسريرة والعلن.

ومن هذا الثالوث تبلورت مرجعية العقل، بوصفه أصلا من أصول الإسلام ومظاهره المتنوعة في وحدة العقل والشرع، والعقل والنقل، أي كل ما سيشكل مضمون العقل الثقافي الإسلامي. وما قبل بلوغ العقل الإسلامي الأول مرتبة العقل الثقافي الاسلامي، كان ينبغي لهذا العقل أن يرسي أسسه الضرورية.

فكما لا ينجح التحدي الفردي إلا بوجود إرادة فردية متسامية، كذلك لا ينجح التحدي التاريخي بدون إرادة تاريخية كبرى. فالأول وثيق الارتباط باليقين الفردي المتفائل، والثاني وثيق الارتباط بالعقل الثقافي الجديد. وهذا بدوره ليس إلا العقل المؤسس لمنظومة المرجعيات المتسامية، أي منظومة البديل التاريخي الذي يعي الخلل البنيوي أو المأزق التاريخي للعنصر الجوهري في صيرورة وكينونة المرحلة التاريخية الثقافية السابقة.

فقد كان القرآن والوحي أساس الصيرورة التاريخية للعقل الإسلامي المحمدي، الذي جرى وضعه في أساس قراءة الواقع وتوسيع وتدقيق الفكرة الوحدانية. ومن خلالهما جرى تحديد السلوك العملي لاستكمال مهمات الإرادة التاريخية المتسامية وتنفيذ متطلباتها. ومن الممكن رؤية ذلك في تناثر الآيات القرآنية التي كانت تعاتبه وتنتقده وتوبخه وتحذره، أي كل تلك الصيغ المعبرة عن مراقبة النفس ونقدها ووعي سلوكها الدقيق. ففي هذه الآيات تنعكس أولا وقبل كل شيء ملامح ونماذج نقد الذات والمحاسبة، أي التأمل الذاتي للأفعال والأقوال، لكي لا تكون سنّة بعده. فهناك فرق جوهري بين النظرة المتسامية للأفعال وبين التقليد المباشر أو الفج. فعندما شاهد، على سيل المثال، جثة حمزة والتمثيل به بعد مقتله، قال:" لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدي لتركته حتى يكون في بُطُون السباع وحواصل الطير". وقال أيضا "لأن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلا منهم". عندها قال المسلمون بأثر ذلك: "سوف نمّثل في قريش مثلة لم تمثل بها العرب". وبأثر ذلك ظهرت الآية: "وإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ". بينما نراه يغير موقفه من الصلاة على قبور الفاسقين أو المنافقين كما هو الحال بالنسبة لنموذج ابن سلول. فقد صلى النبي على قبره، بينما وقف عمر بن الخطاب بالضد منها. لكن النبي محمد رفض موقفه، ولاحقا عدّله بالآية: "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ". بينما أثارت حادثة الإسراء والمعراج جدلا وشكوكا كبيرة. وبغض النظر عن تغير وتطور وتباين واختلاف المواقف من هذه القضية، إلا أن الإجماع الأولي كان يدور حول إبراز المعنى الروحي في الإسراء والمعراج، كما نرى صداه اللاحق في آراء وتفسير ابن مسعود وقتادة والحسن البصري، الذين ركزوا في شرحهم إياها على فكرة الهداية الإسلامية. وقبلهم كما ينقل عن عائشة قولها بأن النبي محمد اسري بروحه وليس بجسده. غير أن مأثرة الإسراء والمعراج الكبرى فيما يتعلق ببلورة العقل الإسلامي تقوم في كشفها عن تجانس الفكرة الإسلامية وشحذ قوتها من خلال إثارتها للفتنة العقلية والجدلية. وقد وضعها محمد في آية تقول "وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ". ومن خلالها وعبرها جرى توحيد المعنى.

كان "نزول الوحي" مرتبطا دوما بأحداث محددة ومعينة وثيقة الارتباط أو العلاقة بالنبي محمد. مما أدى إلى تحويل أحداث الزمن العابر إلى تاريخ "إلهي" (أبدي). بينما ترتفع العبارة بأثر ذلك إلى مصاف الآية القرآنية، التي تقرأ الاحداث والوجود عبر تحويلها الى آية إلهية أو خطاب إلهي. فقد ابتدأ الوحي على سبيل المثال في رمضان كما في الآية "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، أو أن يصور معركة بدر بعبارة "يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَا". بينما انقطع عنه الوحي لمدة خمس عشرة ليلة عندما قال لليهود الذين حاولوا إحراجه بأسئلتهم، بأنه سيرد عليهم غدا دون ان يتبعها بعبارة "إن شاء الله"، بينما انقشع هذا الانقطاع بالآية "والضحى والليل إذا سجى". وشأن كل قراءة جديدة للوجود فإنها أثارت مختلف أنواع الجدل، التي تراوحت بين الصد والرد بمختلف أشكالها. ومن بين أكثرها أهمية بهذا الصدد هو ظهور حالة صعوبة فهم بعض ما في القرآن. اذ تشير بعض الروايات إلى قول أبي سفيان للأخنس بن شريق: "لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها". بينما وجد البعض الآخر فيه شكلا من أشكال الشعر، مثل اعتباره هجوا. فقد كانت العرب تفهم الواقف النقدية لمحمد تجاه أفكارهم الوثنية وجاهليتهم الأخلاقية  على انه هجاء لهم كما في موقف أم جميل زوجة أبي لهب، التي التقت بابي بكر في الكعبة وقالت له: "يا أبا بكر! أين صاحبك؟ فقد بلغني انه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه"، أي لضربت فمه بالحجر. والشيء نفسه يمكن قوله عن التصورات والأحكام العربية الوثنية التي واجهها في مجرى ظهور وبلورة الآيات القرآنية. فقد كان اغلب هذه التصورات والأحكام في البداية تتصف بالاستغراب، ثم السخرية والاستهزاء، ثم الرد والجدل، وبعدها التأمل الخفي والعلني لما فيها من معاني. ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب. فقد كانت اغلب آيات القرآن تعبيرا عن وقائع الحياة اليومية. ومن الممكن أن نتخذ مما سمي بحديث الأفك نموذجا لهذه الظاهرة. فعندما طلب النبي محمد من عائشة التوبة، إجابته: "وأيم الله، لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شئنا من أن ينزل الله فيّ قرآنا يقرأ في المساجد".

إن تحول الوحي الذاتي إلى قرآن شامل مرتبط بوحدته الداخلية، بوصفها معاناة صادقة ومحكومة بفكرة التوحيد الصادق، والإخلاص الصادق مع النفس. من هنا غياب التبرير، لأنه معاناة مزيفة، ومن ثم لا يكشف الحقيقة كما هي. ومن الممكن العثور على ذلك في نموذج ما يسمى بعمرة القصاص عندما أفسدت عليه قريش العمرة عام ستة للهجرة. بعدها خاض معركة دخول مكة عنوة. ولم تكن ذريعة، بل استمرار فكرة الشهر الحرام والمحرمات قصاص. أنها تحتوي في ذاتها على إعادة تأسيس لتقاليد الأشهر الحرام العربية القديمة، أي تجربة الروح المسالم مع النفس. وعموما يمكننا القول، بأن القرآن هو مدونة الأحداث والصراع كما نراه في نموذج " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ"، لأن الأخير كان يقول "محمد يعدنا بأشياء بعد الموت لا نراها"، ثم ينفخ في يديه ويقول "تبا لكما!"، كما كان نبتل بن الحارث يقول أن محمدا "أذن"، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ...". بينما قال معتب بن قشير يوم أحد:"لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا". وكان الرد بالشكل التالي، و"طائفة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا"

 وهو نفسه من قال يوم الأحزاب:"محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن الذهاب إلى الغائظ". وكان الرد:"وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرور". في حين كان وديعة بن ثابت عادة ما يقول إنما كنّا نخوض ونلعب. وكان الرد:"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ؟". أما سورة (المنافقين) فقد كانت متعلقة بالرد على عبد الله بن سلول الذي قال في غزوة بني المصطلح: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". بل إن جميع الآيات القرآنية ذات صلة بالحوادث والمواجهات والاختلافات التي واجهها محمد. فهي أما اختزال للموقف والتقييم والبدائل، أو إعادة صياغة لغوية ضمن مسار الفكرة الإسلامية أو ضمن سياق الرؤية المحمدية. ونعثر على ذلك في التكثيف الدقيق والجمالي لعبارات وكلام العرب الوثنية بعد صهرها في بوتقة القراءة الجديدة للقرآن. حينذاك يجري دمجها بوصفها وحيا. فقد كان ابن الزبعري على سبيل المثال يدعو لجدل محمد وفكرته عن أن جميع الآلهة التي تعبد ستكون حصب في جهنم، بالشكل التالي: سلوا محمد، أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود يعبدون عزيرا، والنصارى تعبد عيسى بن مريم؟ وكان رد النبي محمد بالشكل التالي:"وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.". كما نعثر على مختلف أشكال المحاسبة الذاتية كما هو الحال بالنسبة لحالة ابن مكتوم الأعمى، التي وجدت انعكاسها في سورة (عبس). بل أن المائة الاولى من آيات (سورة البقرة) ذات صلة بالرد على اليهود ومنافقيهم. وهناك ستون آية من (آل عمران) حول معركة أُحد. أما سورة (الحشر) أو الجلاء، فقد كانت تتعلق بالجدل حول الحرب مع بني النضير وإجلاؤهم إلى خَيْبَر. كما أن سورة (براءة) كانت تسمى في زمن النبي محمد وبعده بسورة (الحشر) لما كشفت من أسرار الناس. وضمن هذا السياق يمكن فهم التمايز الذي اخذ بالوضوح والبروز على مثال الشخصية المحمدية وليس على مثال الأسلوب والصيغة والعبارة. فقد صحح أبو بكر في إحدى المرات بيت من الشعر قاله النبي محمد بصورة خاطئة أو ليست دقيقة، عندما استبدل الكلمات بما لا يتوافق مع القافية، بعدها قال أبو بكر:"اشهد أنك كما قال الله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي)". غير أن هذا لا يعني انه لم يعرف الشعر، على العكس. فهو لم يقف ضد الشعر كما هو، بل أراد تطهيره من حمية الجاهلية.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (8)

كانت مهمة تأسيس القيم الجديدة من بين أهم إشكاليات العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الرؤية الإسلامية الجديدة. إذ جرى تأسيسها، بوصفها تحديا وبديلا للقيم الجاهلية والوثنية وليس العربية ككل. ومن ثم فإنها تحتوي على تمثل عميق لتجارب الأسلاف، أو التجارب التاريخية الذاتية ولكن من خلال صهرها في بوتقة المرجعيات الجديدة للمرحلة الدينية السياسية. ومن الممكن العثور على ذلك في مواقفه تجاه عشرات بل مئات المفاهيم والقضايا.

فقد كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى الموت على انه جزء من فعل الدهر، ومن ثم فإن كل حياة فانية بحد ذاتها، إلا أن قيمتها الكبرى ترتبط بقيم الوجود والذكرى المتسامية كما هو الحال في ارتباط ذكرى الإنسان بقيم الشجاعة والمروءة والكرم والجود والدفاع عن الأهل والقبيلة وغيرها من الفضائل. فالموت يختطف الإنسان، ومن ثم فكل وجود هو زمن عابر، لأن الإنسان موجود في الوجود، وأن وجوده ينتهي بمغادرته، كما في قول ضرار بن الخطاب بن مرداس:

فإن تك قتلى غودرت من رجالنا     فإنا رجال بعدهم سنغادر

وسوف يتغنى بهذا البيت الشعري محمد بن الحنفية في دراما مواجهته الموت. بينما أنشد شداد بن الأسود الليثي:

يخبرنا محمد لسوف نحيا     وكيف لقاء أصداء وهام؟

والصدى هو ما تبقى من الميت. أما الهام فمن جمع هامة. وهي طائر تزعم العرب انه يخرج من رأس القتيل يصيح ارقوني حتى يؤخذ بثأره فيسكت. وقد نفى الإسلام هذه الرؤية الطبيعية بفكرة ماوراطبيعية تقول بأن الموت هو مجرد طور في أطوار الوجود، يولد ويموت ويحيا، وأن لكل حالة معنى. فالإنسان كالوجود بمعايير الطبيعة عرضة للفناء والزوال، ولا يبقى غير وجه الله ذو العزة والجلال. لكنه بقاء يعطي لانقطاع الزمن العابر ولادته الجديدة.

وإذا كان الفوز في التقليد العربية القديمة هو فوز القوة الجسدية، فإنه ارتبط في الفكرة الإسلامية بتفاؤل الروح وليس بقوة الجسد. فعندما قتل احد الوثنيين مسلما بعد أن طعنه بالرمح، قال المسلم: "فزت والله!". فاستغرب الأول قائلا:"بأي شيء فاز وأنا قتلته؟". ذلك يعني أن الفوز ارتبط في الوعي الإسلامي الصاعد بالشهادة، بحيث سعى الفكر الإسلامي التاريخي والفقهي لاحقا بتصوير موت كبار المسلمين على أنهم شهداء بما في ذلك النبي محمد نفسه، انطلاقا من أن اليهود هم من دّس له السم.

كما عارض الإسلام وسعى لنفي قيمة القبيلة الجاهلية باستبدالها بفكرة الجماعة والأمة، وبفكرة المسلم المؤمن. بعبارة أخرى، إن الفكرة القائلة، بأن من غّير وبّدل البنية القبلية في الإسلام هو المدينة وليس الفكرة الإسلامية نفسها يتجاهل حقيقة أن الإسلام هو مصدر الفكرة المناهضة للقبلية وانه وضع أسس الدولة والفكرة المدنية والحقوق، أي كل ما كان يساهم، على خلفية المراكز الحضارية القديمة في العراق والشام ومصر، من تخفيف وتذليل القبلية. إن تذليل النزعة القبلية ينبع من فكرة التوحيد الإسلامية التي تربط وتؤسس للمفاهيم والقيم بمعاييرها وليس ببقايا أو تقاليد ما قبلها وغيرها. وليس مصادفة أن يؤدي الانحراف الأول عن هذا الموقف الإسلامي زمن عثمان بن عفان وتحوله إلى فكرة سياسية زمن الأموية، إلى ظاهرة التمرد الدائم عليه بوصفه خروجا على مبادئ الإسلام عن الأمة.

وفِي علاقته بالزمن والتاريخ جرى تحويل زمن الهجرة النبوية إلى تاريخ إسلامي، بدأ في ربيع أول السنة الثانية عشر بعد بداية الدعوة، التي تقابل الرابع والعشرين من أيلول عام 622 الميلادية. وبهذا يكون التقويم الإسلامي بداية وعي الذات التأسيسي بالنسبة للزمن والتاريخ، أي انه وضع مقدمة وأسس الانتقال إلى حالة أخرى في الوعي الديني السياسي. فقد رافق الهجرة النبوية مشروع التوحيد الاجتماعي والأخلاقي والقانوني والعقائدي الإسلامي. ففي الوثيقة التاريخية التي وضعها النبي محمد في يثرِب نعثر على جملة مبادئ عامة مثل التعليم، والموآخاة ( الأخوة )، والعدالة، والمساواة، وإدخال النساء والعبيد في حكم الشورى، والاستشارة، وتوحيد العبادات وإرساء أسسها وقواعدها. وفِي جميعها كانت نتاج تجربة ذاتية وتلقائية، ومن ثم كانت تحتوي وتعبر بقدر واحد عن نوعية التحول الإصلاحي الثوري في إرساء أسس الجماعة والأمة والفكرة السياسية. وليس اعتباطا أن تتحول لاحقا إلى بداية التقويم الاسلامي مع أن الأولى هو أن تكون بداية الدعوة المحمدية منطلق التقويم الإسلامي. الأمر الذي يعكس جوهريتها بالنسبة لوعي الذات الديني الثقافي والتاريخي والسياسي.

إن حصيلة كل هذه الأمثلة ومئات غيرها تكشف عن أن النفي الإسلامي لتقاليد الإثنية والجاهلية العربية كان نفيا توحيديا بالمعنى الاجتماعي والعقائدي. وكشفت حصيلة النفي التاريخي للوثنية والجاهلية عن أن مساعي التوحيد قد أسست لمنظومة مرجعياته النظرية والعملية. ومن الممكن اختصارها بما يلي: إن  العبادات فكرة دينية غاياتها سياسية وهي توحيد المسلمين على مستوى الروح والجسد؛ وأن الجماعة فكرة دينية بينما الأمة فكرة سياسية، وأن طاعة النبي دينية وطاعة أولياء الأمر سياسية. وينطبق هذا على اغلب المفاهيم المفصلية المتعلقة بالتوحيد الاجتماعي والعقائدي مثل الشورى والجهاد. وعموما يمكننا العثور في جميع الثنائيات الكبرى والعديدة على نفس النمط الذي يشير إلى النفي النموذجي والفعلي للمرحلة الثقافية الدينية بالمرحلة الدينية السياسية. ولعل فكرة السلطة والدولة من بين أكثرها وضوحا وأهمية.

أدت هذه العملية التاريخية ومّهدت لظهور فكرة السلطة من خلال فكرة المركز والقرار النبوي، وفكرة التوحيد الاجتماعي عبر الانتقال من فكرة الجماعة إلى فكرة الأمة. ومن تلاحمها تراكمت وتكونت فكرة الدولة الإسلامية. وخصوصيتها التاريخية والثقافية، تقوم في تشكلها عبر بناء مرجعياتها الروحية والعقائدية والاجتماعية بوصفها الأساس الضروري للنظام السياسي اللاحق والدولة. بمعنى أنها تراكمت وتكونت في القاعدة وبلغت ذروتها في النظام السياسي. الأمر الذي يفسر ثباتها وقوتها الروحية التي أبقت على مرجعية التوحيد ومبادئ العدل والاعتدال كامنة في الوعي السياسي والأخلاقي لمختلف الفرق والاتجاهات، رغم تباين أولوية القيم العملية في عقائدها.

وفيما يخص فكرة السلطة السياسية، فإنها لم تتبلور بصورة واضحة وجلية إلا بعد موت النبي محمد. وما قبل ذلك كانت تعتمل في الأنفس، بوصفها قوة معنوية لكنها لم تتغلغل وتثبت في الوعي والرغبات والمساعي بأثر العقيدة أولا، وبأثر الثروة والجاه لاحقا. وقد برزت الصيغة الأولية الواضحة والجلية بعد موت النبي محمد، في الخطوة التي قام بها أبو بكر عما اصطلح عليه بحادثة السقيفة. حيث تبلورت هنا للمرة الأولى بداية مرحلة جديدة تستكمل بدورها التجربة المحمدية ولكن بمعايير الاستخلاف. ووجد ذلك تعبيره النموذجي في الخطبة الشهيرة لأبي بكر الصديق كما هو جلي في قوله:"إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الضعيف قوي حتى ارجع الحق إليه، والقوي ضعيف حتى اخذ الحق منه. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم".

إننا نقف هنا أمام نموذج كلاسيكي للسلطة الرشيدة والمحكومة والفاعلة بقوة الشريعة والمصالح الاجتماعية وفكرة الحق والاحتكام للأمة، بما في ذلك حق الأمة أو واجبها بالانتفاض والتمرد وإجبار من خرج على القانون والشرع والمصالح العامة. وتعكس هذه الخطبة في فكرتها العامة ومبادئها العملية صدى الرؤية المحمدية للسلطة ومهامها وعلاقتها بالأمة، اذ أنها لم تظهر عفويا على لسان أبي بكر، أي أنها لم تكن ارتجالا، بل كانت النتاج الجلي لخطاب تاريخي مديد بلوره النبي محمد في مجرى نفيه لتقاليد التسلط والسيادة السائدة في مكة والجزيرة قبل سيطرة وانتصار الإسلام فيهما.

فقد رفض النبي محمد وأدان سلوك خالد بن الوليد الذي قتل جماعة من بني جذيمة بعد أن ألقوا السلاح وأعلنوا إسلامهم، حينذاك قال النبي محمد:"اللهم إني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد". مع دفع دية القتلى. لقد كان سلوك خالد بن الوليد نتاجا لبقايا القبلية (الثأر لعمه)، وكذلك قوة السلطة. ونعثر على أثرها أيضا في بيعة ثقيف لمحمد، والتي لم تكن مبنية على أساس الإيمان الحق، بل خوفا من السلطة. إنهم طالبوه مقابل الدخول في الإسلام، إبقاء اللات لثلاث سنين وهدمهم إياها بأياديهم وإعفاءهم من الصلاة. ورفض محمد الشرط الأول والثالث وقبل بالثاني. وفي أواخر حياته أخذ يزداد استعمال كلمات الملوك والأمراء والوزراء في الخطابة والأحاديث. ولعل القصة المروية عن عدي بن حاتم الطائي وتذبذب مواقفه من محمد احد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد، لأنه لم يحسم لنفسه إن كان محمد نبيا أم ملكا. وبعد رؤيته لتواضع محمد وسماع كلماته توصل الى أن محمدا نبي وليس ملكا.

لقد كان مفهوم الملك والملوكية معروفا للعرب بوصفه نظاما للحكم، أي بوصفه فكرة سياسية. وقد خاطب النبي محمد في رسائله الملوك. والشيء نفسه يمكن قوله عن الإمارة، التي كانت تتطابق في الوعي السياسي مع نموذج الإمارة التقليدية المبنية على القوة والسطوة والأبهة والثروة. فقد رفض بعض العرب مبايعة أبي بكر وقالوا: "نحن نبايع ذا العباءة"؟ وذلك لأن أبو بكر كان يرتدي العباءة ويسير مع الجميع ويفترشها ويجلس عليها. وعندما سأله رافع الطائي النصراني، الذي اسلم عما ينبغي القيام به أجابه:"أن توّحد الله ولا تشرك به أحدا ولا تتآمر على رجل من المسلمين". وعندما بويع بالخلافة سأله رافع بن رافع: ما حملك على أن تلي أمر  الناس؟ فأجابه: "لا أجد في ذلك بدا، خشيت على أمة محمد الفِرقة".

بعبارة أخرى، لقد كان النبي محمد والعرب عموما يعرفون أنظمة الملك والملوكية من قياصرة وأباطرة وكسروية وغيرها، لكنه كان يستعيض عنها  بفكرة العبودية لله. فقد كانت السلطة بالنسبة لمحمد هي سلطان الحق والعدل والاعتدال. وبالتالي، كانت السلطة بالنسبة له هي سلطان الأمة على نفسها. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المتعالية لفكرة السلطة الكامنة في الهيبة النبوية والأحكام "الإلهية" والقدرة على تنفيذها. فقد كان النبي محمد مركز القرار. ومع كل توسع وتعمق للهيبة المحمدية يصبح كل فعل وإشارة مظهرا من مظاهر السلطة. فقد تأثر، على سبيل المثال، عمر بن الخطاب تأثرا كبيرا بطلب النبي محمد من أبي عبيدة الجراح أن يكون حكما بين النصارى العرب بطلب منهم. وكان عمر بن الخطاب موجودا بحيث جعلته، كما ينقل عنه قوله:"ما حببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ".

لم يفكر النبي محمد بالدولة في بدية الأمر، كما أنها لم تشغل باله حتى موته. إذ كانت همومه أوسع من فكرة الدولة. وذلك لأن الهموم السياسية كانت في البدء جزء من الهموم الدينية العقائدية الكبرى. وهي الحالة التي كانت تعكس أيضا أهمية وجوهرية الدولة كما تصورها النبي محمد، بوصفها خلافة الإنسان لله في الأرض. لقد وضع أسلوبا جديدا لبناء الدولة وصيرورتها من خلال الجماعة والأمة وتنظيمها ثم وحدتها السياسية. وهو أمر جلي في توحيد العرب بمعايير الفكرة الدينية السياسية والغزو الخارجي زمن أبي بكر. بمعنى أن  النبي محمد قد أرسى الأسس الفكرية للدولة اللاحقة. ومن ثم، فإن فكرة الخلافة تستمد مقوماتها من فكرة الأصول النظرية والعملية الكامنة في القرآن والسلوك النبوي. وقد تكون الفكرة التي بلورتها الآية القائلة، بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، الصيغة العامة على رفض النماذج المتنوعة للملوكية والاستعاضة عنها بفكرة البديل الإسلامي، الذي تراكم في مجرى التجربة النبوية والسياسية لمحمد، أي كل ما وجد تعبيره في فكرة الله، ثم النبي، ثم أولياء الأمر. والمقصود بأولياء الأمر هنا هم من يتمثل حقيقة القرآن والسلوك النبوي من خلال الوحدة الحية لفكرة الجماعة والأمة. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام الاجتهاد اللاحق عن الولاء والإتباع ولكن بمعايير الفكرة القرآنية. ففي زمن النبوة تبعثرت هذه المفاهيم لكنها توحّدت في شخصه كما هو الحال بالنسبة لفكرة الرضا، والشورى، وأولياء الأمر، والجماعة، والأمة.

احتل النبي محمد في مجرى تحدي الجاهلية الوثنية وصنع الإرادة الإسلامية الجديدة موقعا متزايدا ارتقى تدريجيا إلى مصاف المركز الحاسم لكل شيء. وقد كانت تلك عملية معقدة نسبيا لكنها انسيابية تراكمت في مجرى تغلغل الفكرة الوحدانية في كل مسام الوجود العربي الإسلامي الجديد. ونعثر على انعكاسها في الفكرة التي ظهرت في مجرى الصراع وارتكز عليها، ألا وهي إن النزاع المحتمل مع أي طرف ينبغي حسمه بالصبر والحق. وفيها يمكن العثور على الصيغة العملية للفكرة المتسامية القائمة في مبدأ "الإيمان بالله والرسول". ونعثر على صداها الجلي في الآية القائلة "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ". ومن ثم، فإن مهمة الرسول تقوم في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، مع ما ترتب عليها لاحقا من مبدأ اخذ بالتغلغل في الوعي الفردي والجمعي الاسلامي، بحيث تحول إلى جزء من العقيدة، والقائل، بأن من يطع الرسول فقد أطاع الله. إذ نعثر فيه على الصيغة المتسامية للعلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي. بعبارة أخرى، إن العلاقة الجديدة التي جرى بلورتها في مجرى تدقيق وتحقيق الفكرة الوحدانية الإسلامية تعكس ما يمكن دعوته بتهذيب الوحدة الحية بين الطبيعي والماوراطبيعي في الفكرة الإسلامية، التي وجدت انعكاسها في عدد كبير من الآيات، مثل "وما أتاكم الرسول فَخُذُوه، وما نَهَاكُم عنه فَانتَهُوا واتقوا الله"، وأن "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ"، وأن النبي ليس فقط مبشرا ونذيرا ورسولا، بل و"سراج منير"، وبالتالي، فإن المسلمين ينبغوا أن "يقولوا في ما يفصل فيه: سمعنا وأطعنا". ذلك يعني، ضرورة أخذ الإذن منه للعمل، وألا "يدعوه مما يدعوا بعضهم بعضا". وبلغت كل هذه المظاهرة المتنوعة للموقع المتسامي للنبي محمد في الأمة والجماعة والفرد في الآية القائلة "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ".

لم يكن بإمكان هذا الموقع أن يكون أثرة لفرد أو جماعة أيا كانت. الأمر الذي يفسر أيضا سبب ترك النبي محمد الأمر المتعلق بالسلطة لمن بعده، اذ انه لم يستخلف. وبهذا المعنى يكون قد ترك إدارة شئون الأمة للأمة نفسها. وظلت هذه القضية جزء من تجارب الأمة، بوصفها تاريخا سياسيا. وذلك لأن الفكرة الجوهرية للنبي محمد بهذا الصدد تقوم في نفي تقاليد الوثنية والجاهلية بشكل عام والعربية آنذاك بشكل خاص، ومن ثم وضع أسس العقيدة التوحيدية التي حددت بأشكال ومستويات مختلفة ومتباينة حدود الاجتهاد العملي في الموقف من مفهوم الشورى والاستخلاف وأولياء الأمر.

فقد قال عمر بن الخطاب، على سبيل المثال: "إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وإن تركتهم فقد تركهم من هو  خير مني". وعموما يمكن القول، بأن فكرة أو أجنة التوريث وضعها أبو بكر باستخلافه عمر بن الخطاب، بوصفه قرارا فرديا بحت، كما لو انه رد الجميل على اختيار عمر إياه في حادثة السقيفة، أو لاعتبارات أخرى. كما أن أبو بكر لم يستشر أحدا ولم يحصل على موافقة الأمة وبيعتها. والشيء نفسه ينطبق على ما يسمى بمبدأ القرشية في الخلافة. فقد كان هو الآخر اجتهادا سياسيا متسرعا يتعارض من حيث الجوهر مع الفكرة المحمدية عن حقيقة المسلم، والمؤمن، والجماعة، والأمة، وأولياء الأمر.

إذ لا سند لفكرة قرشية الخلافة في القرآن والسنّة العملية للنبي محمد و سلوكه الشخصي. بل على العكس. إن كل ما فيه ينفي ويذلل هذه الفكرة وحدودها الضيقة. ومع ذلك، فإن أول من قال بها هو أبو بكر الصديق. ففي معرض رده على الأنصار وقت السقيفة قال لهم:"لن تعرف هذا الأمر (الخلافة) إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا". وبهذا يكون قد أسس لاسترجاع الفكرة الجاهلية والوثنية في الموقف من الخلافة. والشيء الوحيد الذي يبررها هو الاجتهاد السريع الذي اخمد إمكانية الفتنة السياسية في وقت لم يتصلب عود الإسلام بوصفه عقيدة الجميع المرسخة في مرجعيات معقولة ومقبولة للأغلبية. ولعل حركة الردة وإخمادها ومن ثم تجميع القوى وزجها في مجرى الفتوحات الإسلامية تكشف عن هذه العملية.

لقد تحول الغزو الخارجي، بوصفه امتدادا لتاريخ الغزوات المحمدية داخل الجزيرة إلى فتوحات إسلامية. وهو مصطلح يحتوي بقدر واحد على أبعاد طبيعية وماوراطبيعية. فالأبعاد الطبيعية فيه كونه حربا من اجل نشر الإسلام، وبالتالي فهو رديف لفكرة الدولة العربية الإسلامية الناشئة، ومن ثم فهو فتح إسلامي، أي محدد "بالإرادة الإلهية" التي جسّدها الإسلام.

إذ تنقل لنا كتب التاريخ والسير معطيات بهذا الصدد تقول بحدوث سبع وعشرين غزوة زمن النبي محمد قاتل في تسع منها، وثمان وثلاثين سرية. والغزوة في تقاليد ومفاهيم الإسلام الأول هو ما اشترك بها محمد على خلاف السرية. وأهم هذه الغزوات ودان، والعسيرة، وسفوان، وبدر الأولى، وبدر الكبرى، وبني سليم، والسويق، وذي أمر، وبني قنيقاع، وذات الرقاع، وَدُومَة الجندل والخندق، وغيرها. أما السرايا فهي سرية عبيدة بن الحرث، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جحش، وزيد بن حارثة وغيرها.

لقد وضع النبي محمد في غزوة مؤتة أساس الرؤية المستقبلية لانتشار الإسلام والدولة. فبعد رجوع الجيش مهزوما بقيادة خالد بن الوليد اخذ أهل المدينة يحثون في وجوه الجيش بالتراب. وكان عدد الجيش آنذاك حوالي ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت الناس تدعوهم بالفرارين، بينما قال محمد "ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله". وجعل من غزوة تبوك الشوط الثاني لاختبار وتدريب القوى العربية الإسلامية الناشئة في مواجهة الإمبراطوريات الكبرى القائمة آنذاك. ففي غزوة تبوك أراد أن يقود الجيش بنفسه، إضافة إلى انه أعلن المقصد والغاية مما لم يسبق له وإن أعلنه، إضافة إلى إرساله القوات في جو حار جداً.

وقد ردّ النبي محمد على أولئك الذين وصفوا زيدا بالغلام في قيادة حملة عسكرية كبرى في ظل وجود قادة وأبطال وصناديد، بأنهم يشككون بإمارته إياه. انه أراد أن تكون لفكرة القائد الأكبر هيبة لا تخضع للجدل زمن الحرب والسلم والمعارك والخطوب. وفيها أيضا تنعكس بعض جوانب الفكرة السياسية في إدارة شئون الدولة التي تضمحل فيها علاقات القرابة والقبيلة والعائلة وغيرها مما هو متعارف عليه وسائد آنذاك.

فقد كانت منطقة الهلال الخصيب ومصر والنوبة والشمال الأفريقي على قرب من العرب من حيث المكان والأصل والأنساب. إنها لم تكن عوالم مجهولة سواء جرى النظر إلى ذلك بمعايير العلاقة المباشرة من خلال التجارة كما هو معروف فيما يسمى برحلة الشتاء، أو بصورة غير مباشرة من خلال الهجرات القديمة من شبه جزيرة العرب إلى العراق والشام، أو من خلال أسلاف العرب القدماء من مختلف الأقوام "السامية" ودويلاتهم مثل إمارات الغساسنة والمناذرة.

ذلك يعني وجود علاقة تاريخية إثنية وثقافية قديمة وعريقة، الأمر الذي يفسر سهولة تعريب المنطقة وشعوبها القديمة ومن ثم استقرارها بوصفها عالما عربيا وإسلاميا. وذلك لأن هذه المهمة التاريخية كما حدثت واستتبت ارتبطت ارتباطا جوهريا بالإسلام.

لقد كانت رحلة الشتاء والصيف الوحدة الحية للزمان والمكان في الوعي العربي آنذاك، اذ لا فصول أخرى بالنسبة لعرب الجزيرة آنذاك، وبالتالي، فإن غزو العرب المسلمين لهذه المناطق كان بمعنى ما الإمكانية المفترضة لتاريخهم الزماني المكاني. وليس مصادفة أن تحصل كل هذه العملية اللاحقة في ضم هذه المناطق في جسد الكيان العربي الصاعد على تسمية الفتوحات الإسلامية، التي احتوت في ذاتها على تعميق وتوسيع العناصر المتبلورة في الوعي العربي الإسلامي ومساهماته في بناء الأمة الجديدة.

فقد فرّق المسلمون الأوائل بين الغزوات والحروب والفتح. ولم تطلق تسمية الفتح في المصطلحات الإسلامية إلا تجاه مكة بظهور عبارة "فتح مكة"، بوصفها البداية التأسيسية للطاقة التاريخية الثقافية العربية الإسلامية. فهي الطاقة التي أدرك قيمتها المطلقة الشيخ الأكبر (ابن عربي)، شانه في كل كشوفاته الفكرية، عندما وضع لمؤلفه التأسيسي عنوان (الفتوحات المكية).

الأمر الذي أعطى للغزو الخارجي بعدا له تقاليده الخاصة بوصفه جهادا متحررا من ضيق المصالح ومنفتحا على كل ما له علاقة بالمقدس والمتسامي. وقبل أن تبلغ هذه الرؤية صيغة الجهاد المقدس، كان ينبغي لها الاختمار في الذات الإسلامية الجديدة. حيث جرى اختمارها الأول عبر التوسع الكمي والنوعي كما نعثر عليه في القوة الفاعلة للفكرة الإسلامية الأولية عن وحدة الإسلام والإيمان، وفكرة الجماعة والأمة. وحالما تطابقت هذه الثنائيات في مستواها العربي "الخالص"، فإن اندفاعها صوب الخارج أصبح نتاجا طبيعيا لفتح مكة.

لم يختلف الغزو العربي الخارجي من الناحية الشكلية والمظهر عمن سبقه من غزوات وحروب، لكن ارتباطه بالإسلام أعطى له طابعا آخر جمع بين المصالح المادية والدعوة الروحية. فالمظاهر المادية جلية في بيت المال والعطاءات والإقطاع والهدايا، الأمر الذي دفع بالبعض على القول، بأن كل ذلك قد جرى بأثر روح الغنيمة (الخمس والجزية والفيء). أما في الواقع فإن الفتح الإسلامي كان يحتوي على صيغة نوعية جديدة استعاضت عن النهب والسرقة والأخذ بالقوة وما شابه ذلك بقواعد القانون: الجزية لغير المسلمين والزكاة على المسلمين. وليس مصادفة ان يرفض أبو بكر فكرة "المرتدين" بتحريرهم من الزكاة، اذ وجد فيها أمرا بمستوى الصلاة والصوم والحج، بمعنى أنها ليست قضية مادية أو اقتصادية صرف، أنها ضرورية للتوحيد الاجتماعي الجديد.

لقد توجت مساعي النبي محمد في النفي الشامل للوثنية والجاهلية. وقد كانت تلك بوابة الفتح الإسلامي العالمي صوب المشرق والمغرب، التي يبدأ معها العقل الإسلامي مرحلته الجديدة في إرساء أسس الثقافة الإسلامية وحضارتها اللاحقة. وهو العقل الذي أرسى النبي محمد مرجعياته الجوهرية ومبادئه الكبرى.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

محمد بنيعيشيعرف "التكيف النفسي Psychological adaptation" بأنه" عملية دينامية مستمرة، يهدف بها الفرد إلى أن يغير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقاً وتوازناً مع البيئة، كما تدل على مفهوم بيولوجي استخدم في نظرية التطور والبقاء، فالكائن الحي القادر على التكيف مع البيئة، ومفاجآتها يستطيع الاستمرار في البقاء، أما الذي يخفق في التكيف فمصيره إلى الزوال، وتشمل البيئة كل المؤثرات والإمكانات والقوى المحيطة بالإنسان التي يمكن أن تؤثر في جهوده للحصول على التوازن النفسي والبدني في معيشته".

كما يوصف بأنه"سمة وظيفية أو معرفية أو سلوكية تساعد الكائن الحي في بيئته. ويندرج التكيف النفسي ضمن نطاق الآليات النفسية المتطورة (ومع ذلك، تشير تلك الآليات إلى مجموعة أقل تقييدًا. إذ تشمل التكيفات النفسية فقط السمات الوظيفية التي تزيد من تأقلم الكائن الحي... ".

أولا: الذكر والاندماج الوجودي عند الصوفية

ولتقريب هذا الموضوع بمجال الذكر في الإسلام على الطريقة الصوفية نقول: " إن الصوفي قد سمع قول الله سبحانه وتعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"[1]و" سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز "[2]و "يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"[3]وكثيرا من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير إلى أن حقيقة الوحدة الكونية تكمن في العبادة لله تعالى والخضوع له وتسبيحه بصورة شاملة وبشعور وغير شعور ومن حياة ومن جماد كما في قوله تعالى: "والنجم والشجر يسجدان " [4]و"يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته"[5].

إنه لما سمع كل هذا قد تساءل مع نفسه بمقاله وحاله كضرورة علمية وحكم مستنبط من الوجود كما يعبر فقهاؤنا بقولهم: الحكم للوجود، أي أن الواقع قد يعتبر قاعدة رئيسية لاستنباط الأحكام وتقرير ما يجب فعله أو اجتنابه، فقال:

إذا كان الوجود بحيه وميته، بلسانه وحاله، يسبح لله فهل يجوز أن يصدر من الإنسان الذي هو خليفة الله في أرضه شذوذ عن الوحدة الكونية و انفصال عنها في أهم شيء وجد من أجله و استثني بسببه من ضمن سائر الغايات والتطلعات والأهداف حيث يقول الله سبحانه وتعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"[6]؟.

كلا وألف كلا: فلم يترك الإنسان سدى، بل هناك من كان التكيف مع الوجود هو طبعه وعادته، وخير ممثل لهذا التكيف هو سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه حيث تقول عنه سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "كان رسول الله يذكر الله في كل أحايينه"[7]، وهو الذي حن الجذع لفراقه وسلمت عليه الأحجار وخاطبته البهائم واشتكت إليه ومالت معه الظلال والسحب وأحبته الجبال وانجذبت نحوه القلوب وهامت بحبه وطاعته... صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: التكيف والتناغم الوجودي بين الصوفي ومختلف العوالم

إن التكيف والانسجام والتجاوب قد يحدث بين الذاكر وعالم الغيب، وكذلك بينه وعالم الشهادة، أو بعبارة أخرى بين أهل السماء وأهل الأرض .

فأما عن الجانب الأول فأذكر مثالا من بين كثير من الأمثلة كالتالي:

عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده "[8].

وفي حديث آخر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا على حاجتكم !قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك.

قال: فيقول: هل رأوني؟قال: فيقولون: لا والله ما رأوك قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة و أشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا.قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: كيف لو أنهم رأوها؟قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة.قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار.

قال: يقول: وهل رأوها؟قال: يقولون: لا والله ماروها؟ قال يقول: كيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. قال: يقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم.قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم! "[9].

فهذا الحديث قد يمثل محور أصول التصوف وقواعده سواء تعلق الأمر بالجانب العلمي أو العملي وكذلك في تحديد الغاية الأساسية من طريقته التي هي معرفة الله تعالى وإرادة وجهه سبحانه، وهو يحتاج إلى دراسة واسعة لاستخراج الأحكام الواردة فيه، غير أننا سنقتصر هنا على بعض الإشارات -حسب مقتضيات موضوعنا- المحددة في تبيين أوجه التواصل بين عالم الغيب والشهادة الذي يحققه الذكر، والذي كان أعظمه هو القرب إلى حضرة الله تعالى وطلب رضاه واستدرار مدده وفضله وطلبه لوجهه الكريم"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا"[10].

بحيث قد توجد في الآية والحديث إشارة واضحة إلى أن الذاكرين على وجه التخصص والالتزام ستتحقق لهم رؤية الله تعالى بميزة اختصوا بها وبشوق ومعرفة اكتسبوها في باب الذكر حتى طويت لهم المسافات واختصرت لهم المقامات، فأصبحوا في مقام الرضا والأنس والشوق... "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"[11].

كما توجد أمثلة كثيرة تبين لنا مدى التآلف والتكيف الذي قد يحصل بين الذاكر وعالم السماء حيث لا يعلم أمره إلا الله سبحانه وتعالى.

أما التجاوب في عالم الأرض والشهادة فكثير وكثير جدا يثبت بالشرع وقد يرى بالمشاهدة ككرامة ونتيجة حتمية لقانون التكرار والعادة والتكيف كما سبق وبينا، من أهم الأمثلة على ذلك قوله تعالى في حق النبي الرسول سيدنا يونس عليه السلام حينما ابتلعه الحوت: "فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون"[12].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال: "دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له"[13].

وعالم الأرض في عرف الصوفي قد يتضمن الأرض الحية والأرض المعنوية وهي قلبه وباطنه.ومن هنا فقد يكون تعاونه مع قلبه أكثر أهمية من حيث إدراكه لمستوى قربه من الله سبحانه وتعالى وشعوره برضاه ومحبته.وذلك ما يمكن فهمه من خلال الآية الكريمة: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

فيكون هذا التجاوب بمثابة طريقة أقرب للاستدلال على الله، و يكون الذكر ممثلا لوظيفة عملية ذات بعد وجداني ذوقي ونظري في آن واحد .

فلقد وردت عن الصوفية عدة آثار تبين التآلف بينهم وبين شر المخلوقات في الكون ، وكذلك بينهم وبين وحشيها ، سواء أكانت مضرة أم نافعة ، كعنوان على التكيف من غير إخلال بقوانين الوجود حسب الناموس العام الذي يؤسسه عنصر ذكر الله تعالى.

يقول الصوفي حامد الأسود: "كنت مع إبراهيم الخواص في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان برد الليل وبرد الهواء، خرجت الحيات فصحت بالشيخ، فقال: اذكر الله تعالى فذكرت فرجعت ثم عادت فصحت به فقال: مثل ذلك، فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقطت من وطائه حية عظيمة، قد تطوقت به، فقلت ما أحس بها، فقال: لا، منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة !!"[14].

في حين أن التكيف قد ينعدم أو قد يتم بصورة مضادة لانعدام عنصر الذكر عند الطرف الآخر الذي يحارب الإنسان عن إرادة وقصد كمثل الشيطان الذي هو عدو الذاكرين ومجال الذكر على كل حال كما وصفه الله تعالى بقوله: "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".

ولهذا فقد يرى الصوفية أن الذكر إذا تمكن من القلب و دنا منه الشيطان صرع كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فتجتمع إليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإنس!"، وفي هذا السياق نفسه يحكي ابن عطاء الله السكندري عن حاله مع شيخه عباس المرسي: "قال: وكنت كثيرا ما يطرأ علي الوسواس في الطهارة، فبلغ ذلك الشيخ، فقال: بلغني أن بك وسواس في الوضوء، قلت نعم!فقال رضي الله عنه: هذه الطائفة تلعب بالشيطان لا الشيطان يلعب بهم!. ثم مكثت أياما ودخلت عليه فقال: ما حال ذلك الوسواس؟قلت: على حاله، فقال: إن كنت لا تترك الوسوسة لا تعد تأتينا!فشق ذلك علي وقطع الله ذلك الوسواس عني، وكان رضي الله عنه يلقن للوسواس: سبحان الله الملك القدوس الخلاق الفعال، "إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز"..."[15].

فهذه أمثلة مختصرة تثبت شرعا وعقلا رقي منهج الصوفية في اتخاذهم باب الذكر أعظم الطرق إلى الله تعالى.وكذلك تبين سبقهم للنظريات الحديثة في علم النفس حول وظيفة التكرار، وكيف أنهم سموا بهذه الوظيفة على كل اعتبار حتى نالوا صفة المتكيفين مع الوجود كله، لا مع البيئة الاجتماعية فقط.

ومن هنا فقد كان الذكر لديهم منتجا حالا خاصا ووجدا فياضا يطرأ عليهم بحسب شحنتهم الروحية وبقدر استعدادهم ومستويات أشواقهم التي يعبرون عنها بلغة راقية في سماعهم الذي يصوغونه على شكل أشعار وأسجاع كلها تحمل معاني التوحيد والمحبة لله ولكتابه ولرسوله وسنته ولأوليائه وطريقتهم في الوصول إليه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] سورة الإسراء  آية 44

[2] سورة الصف  آية 1

[3] سورة التغابن  آية1

[4] سورة الرحمن  آية6

[5] سورة الرعد  آية13

[6] سورة الذاريات آية56

[7] رواه مسلم

[8] رواه مسلم

[9] رواه البخاري في كتاب الدعوات باب فضل الذكر

[10] سورة الكهف آية 28

[11] سورة القيامة آية 12-22

[12] سورة الصافات آية143- 144

[13] أخرجه الترمذي والحاكم

[14] القشيري: الرسالة ص102- 103

[15] ابن عباد النفزي: شرح الحكم ، مكتبة أحمد بن نبهان، ج2ص17

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (7)

إذا كان التحدي التاريخي الذي بدأه محمد بإعلان النبوة قد بلغ ذروته العملية بفكرة الإرادة المتسامية، التي تضع أمام أعينها وعقلها وبصيرتها فكرة المواجهة الشاملة، فإن تكاملها العملي يتخذ بالضرورة الصيغة المناسبة للنفي الشامل للواقع وتأسيس البدائل الفعلية. واتخذ هذا النفي صيغة الثورة الإصلاحية الشاملة، التي تشكل الثورة بؤرتها النظرية، بينما الإصلاح أسلوبه العملي. الأمر الذي أدى إلى بلورة العلاقة المتجانسة بين المبدأ المتسامي أو المافوق تاريخي للإسلام والقائم في فكرة التوحيد، والمبادئ المرجعية الكبرى للسياسة العملية والقائمة في مبادئ الاعتدال (الوسطية) والعدل.

ذلك يعني، إن الإسلام المحمدي الأول هو الصيغة المتجانسة للثورة الإصلاحية والإصلاح الثوري. من هنا تنوع وتباين الوسائل التي استخدمها النبي محمد من أجل تذليل الوثنية والجاهلية وقيمها الأخلاقية والعملية وبنيتها الاجتماعية وتفكيرها السياسي. فقد كانت المهمة الكبرى التي كسبها الإسلام تقوم في تحقيق الفكرة الوحدانية ومرجعياتها الفكرية والعملية في العدل والاعتدال عبر الثورة الشاملة على قيم الجاهلية والإبقاء على الإصلاح الدائم بوصفه نموذجا "للصراط المستقيم". ومن الممكن رؤية ذلك على كل ما واجهه الإسلام المحمدي في مجرى صراعه التاريخي مع قريش ومكة وعرب وأعراب الجزيرة.

وإذا كان صراعه الأول مع قريش ومكة، فلأنهما كانا القوة الكبرى، التي تحسست الخطر الكامن في تذليل سطوتهما السياسية والاقتصادية والأخلاقية. ومع أن هذه السطوة كانت نتاج تطور تاريخي مديد وبطيء، إلا أنها كانت عاجزة عن توحيد العرب والجزيرة في نظام معقول ومقبول، وذلك لأنها كانت سطوة وليست سلطة لها أسسها وقواعدها وبنيتها الاجتماعية ونظامها السياسي القادر على توحيد الجميع بدولة. غير أن ذلك لا يقلل من أهميتها الواقعية بالنسبة للبديل الإسلامي الذي تراكم في مجرى الصراع معها ونفيها بأساليب الفكرة الدينية والسياسية.

تحولت مكة والحجاز إلى بؤرة الانقلاب التاريخي الهائل في الجزيرة، بأثر تطورها التجاري وعلاقاتها العربية والخارجية. إذ تبلورت فيها فكرة قريش البطاح وقريش الظاهر، إضافة إلى تركز الثروة والجاه والمركز الديني. فقد أدى تركز الثروة فيها إلى جعلها قوة روحية وأخلاقية وسياسية كما نراه على سبيل المثال في ظهور دار الندوة والملأ، ومن ثم ظهور البراعم الأولية للفكرة السياسية والدور المحوري لقريش ومكة فيها. ووجد ذلك انعكاسه في فكرة "قريش وسط العرب"، التي سيحتج بها في أول صراع سياسي علني بعد موت النبي محمد، كل من عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق في ردهما على الأنصار في جدل السقيفة.

كان جدل السقيفة جزء أو حالة من حالات صيرورة الدولة ونظامها السياسي. وكان بالإمكان الاحتجاج بوسطية قريش بين العرب ومكانة مكة، إلا أنها لم تتخذ هذه الصورة والقوة في الحجج الفكرية والسياسية إلا بعد أن استتب دور الإسلام في التحكم بآفاق التطور اللاحق ووضع لبنات الأفكار التأسيسية للدولة ونظامها السياسي ومنظومة التشريع فيهما. وإلا فإن مكة وقريش كانا العدو الأكبر والأول والأخير للنبي محمد وفكرته التوحيدية الجديدة. كما إنهما لم يعنيا الكثير والكبير بالنسبة لمحمد وفكرته التأسيسية الجديدة. بمعنى إنهما لم يدخلا ضمن منظومة المرجعيات الروحية والعملية للفكرة الإسلامية، ولكنهما يأتيان الكثير بالنسبة للفكرة السياسية الإسلامية. ولعل الحادثة المروية عن موقفه العملي (السياسي) من "المؤلفة قلوبهم" أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد.

فقد أعطى النبي محمد للمؤلفة قلوبهم أكثر مما يستحقون، لاسيما وإنهم ألد اعداء الأمس. وعندما اخذ بعض الأنصار يقولون، بأن ميله إلى قريش أكبر بسبب تفضيلهم في توزيع الغنائم أجابهم: "إنهم سيرجعون بالشاة والبعير إلى أهلهم، بينما سترجعون برسول الله"، أو أن يرد على عمه العباس بن عبد المطلب، الذي خاطبه قائلا: "يا رسول الله! لو اتخذت عرشا، فإن الناس قد آخوك"، بعبارة: "والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعون رداءي ويصيبني غبارهم حتى يريحني الله منهم". بعبارة أخرى، لقد فضّل النبي محمد النبوة على سلطة أخرى، وذلك لأن سلطتها سلطانها على العقول والقلوب بالعقل والإيمان، المحبوكة بروح التجارب العملية ووجدانها الأخلاقي. وليس مصادفة ألا نعثر في القرآن على صيغة معينة لنظام الحكم.

فالفكرة الجوهرية فيه تقوم بالأخذ بما فيه، بوصفه أسلوب إدارة الجماعة والأمة. ذلك يعني، إن الفكرة الجوهرية في القرآن هي فكرة القانون أو الشريعة البّينة. وضمن هذا السياق يمكن الأخذ بإحدى  الصيغ الواردة في خطبة الوداع القائلة: "اسمعوا وأطيعوا وأن أّمر عليكم عبد حبشي مجدع أقام فيكم كتاب الله". وليس "كتاب الله" في الواقع سوى الفكرة الإسلامية العامة ونماذج تعاملها مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي التي واجهها محمد وذللها بمعايير الفكرة الوحدانية. فهي الصيغة التي جسّدت وحدة الثورة والإصلاح الدائم. ومن الممكن رؤية الوحدة العلنية والمستترة للثورة والإصلاح في كافة مواقف النبي محمد الفكرية والعملية التي واجهها في مجرى صراعه ضد العرب الوثنية وتقاليدهم المتنوعة والمختلفة. بمعنى تداخل الرفض الشامل لها أو نفيها  الشامل أو تعديلها بمعايير الوحدانية.

فقد  تمثل الإسلام كل ما سبقه في تقاليد العرب الوثنية، ففي العقائد جعل منها عقيدة واحدة، وجعل من تنوع واختلاف اللهجات لغة واحد ولهجة واحدة، كما وحّد الروح والجسد فيما يمكن دعوته بتوحيد العقل العربي بمعايير ومقاييس أو قواعد العقل الإسلامي بوصفه عقلا توحيديا. وهي مهمة وإنجاز جرى تحقيقهما من خلال وضع أسسه الأولية، بوصفها لحظة تأسيسية للعقل الثقافي الاسلامي اللاحق. وذلك لأن توحيد العقل مهمة تاريخية كبرى تتسم بالتعقيد والتعرج. لكنها تتماشى بالضرورة مع صيرورة المرجعيات الثقافية الكبرى التي تجعل من الاختلاف العقلي جزء من عالم الاجتهاد ومنظوماته الفكرية المتنوعة. لقد كانت الصيغة الأولية لما أسميته باللحظة التأسيسية للعقل الإسلامي (التوحيدي) تقوم في لغة القرآن البسطة والعميقة، بوصفها لغة الفكرة وليس لغة الحوادث والوقائع. من هنا بقاءها ضمن الواقع التاريخي وتذليل خللها أو ضعفها أو طابعها الجزئي بالفكرة الإسلامية العامة ومبدأ التوحيد. فقد كانت الحرب "مقدسة" بالنسبة للعرب، لهذا نرى اشتراك الآلهة فيها بوصفها جزء من بقايا الفكرة الدينية للمرحلة الثقافية الدينية. والإسلام أيضا جعل الله يقف وراء الحرب وخاتمتها. بحيث تحوّل الانتصار والهزيمة إلى جزء من القدر الإلهي ومعيار للإيمان وتهذيب للصبر وتحمّل للشدائد، ومن ثم تقوية الإرادة وبث التفاؤل بالمستقبل. وهو المعنى الفعلي والعقائدي الكامن في الآية القائلة " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ".

كما واجه الإسلام أخلاق الجاهلية وذللها بطرق ومستويات متنوعة لكنها جميعا كانت تصب في تمثل فضائل العرب القديمة عبر دمجها في منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية. وبالتالي، نفي ما يتعارض منها مع الفكرة الإسلامية عبر تذليل مقوماتها وقواعدهـا وقيمها. فإذا كانت الفكرة الأخلاقية عند العرب قبل الإسلام تتميز بطابعها الجزئي والقبلي، فإن ما يميز الفكرة الإسلامية بهذا الصدد هو طابعها المنظومي. والشيء نفسه ينطبق على الطابع المتسامي لبعض قيم العرب الوثنية وطابعها المادي أو الأرضي، فإن الإسلام أقر بالجانب الأول كما في القول الشهير للنبي محمد بأن فضائل الجاهلية هي فضائل الإسلام، وفِي الوقت نفسه استكمل الطابع المادي للقيم الأخلاقية العربية القديمة بالأبعاد الروحية، أي انه جمع بين الطبيعي والماوراطبيعي فيها.

جعل الإسلام من الأخلاق مكونا جوهريا، ظاهريا وباطنيا لحقيقة التوحيد. وبالتالي تحولها إلى مرجعية متسامية في تذليل قيم الوثنية والجاهلية العربية. لاسيما وأن الأخلاق العربية ما قبل الإسلام ليست منظومة، ومن ثم تفتقد إلى وجود بؤرة ترتقي إلى مصاف المرجعية المتسامية. من هنا طابعها المحدود والضيق أحيانا، وذلك لأنها جهلت وتجاهلت الأبعاد الماوراطبيعية في الأخلاق، أي فكرة المطلق بوصفها "مثالا أبديا". الأمر الذي حصر وحاصر المفاهيم والقيم الأخلاقية بقيود الواقعية المبتورة والمادية الخشنة. فقد نظر العرب قبل الإسلام للحياة والموت على أنهما أجزاء ومظاهر مادية صرف، وجزء من سريان الدهر أو الزمن الخالد. لهذا اعتبروا أن كل شيء زائل، وأن الحياة هي لعب ولهو وسراب.

وظلت فكرة الدهر المستقرة في أعمق أعماق النفسية والذهنية العربية الجاهلية قائمة وفعالة، بحيث نسمعها في شعر أعشى بن قيس في مدحه للنبي حالما وقف لاعتناق الإسلام، كما في قوله:

الم تغمض عيناك ليلة أرمــــد      وبت كما بات السليم مسهدا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن     إذا أصلحت كفاي عاد فافسدا

كهولا وشبانا فقــــــدت وثروة     فللـــــه هذا الدهر كيف ترددا

وليس مصادفة أن يجري تدقيق الفكرة الإسلامية ونفيها لبقايا المعتقدات الوثنية حتى في تلك اللحظات التي تبدو في مظاهرها تأكيدا للفكرة الإسلامية. فقد علق عثمان بن مظعون على شطر قصيدة لبيد بن ربيعة المشهورة عندما سمعها قائلا: "صدقت" على شطرها (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، بينما قال على عجزها (وكل نعيم لا محالة زائل): كذبت!

أما الصفات الأخلاقية الأخرى مثل الكرم والصدق والمروءة والفروسية وغيرها فإنها تتميز باستقلال نسبي. لكنها مع ذلك  لم تتحول إلى منظومة مستقلة، أي أنها ظلت فردية وقبلية. من هنا سعي الإسلام إلى نفي الفردية القبلية والانتماء بالدم والعصبية بفكرة الانتماء للجماعة والأمة (الإسلامية). ذلك يعني إن الإسلام قد وضع في أساس تذليل مختلف مفاهيم وقيم التجزئة فكرة الجماعة والأمة الإسلامية المستندة بدورها إلى فكرة التوحيد. من هنا معارضة الشعوبية (التطرّف القومي) بمختلف مظاهرها عبر الدعوة الرافضة لأية عبودية والاستعاضة عنها بما اسماه الإسلام بالعبودية لله فقط، التي ستتخذ لاحقا فكرة أسماء الله الحسنى، بوصفها منظومة الوحدة المتسامية للرقي الأخلاقي. وضمن هذا السياق جرى نفي كافة القيم العربية الأخلاقية بالقيم الإسلامية. وتمثل هذا النفي الكثير من فضائل العرب الوثنية ولكن بعد صهرها في بوتقة الفكرة الإسلامية. فقد أبقى الإسلام، على سبيل المثال، على قيم الشرف والمجد والفروسية ولكن بعد تضمينها عناصر الرؤية والذوق الإسلامي، وكذلك الحال بالنسبة للقيم العربية الرفيعة مثل الجود والكرم وما شابه ذلك عبر دمجها بالفكرة الإسلامية القائلة، بأن الكرم والكريم والجود لله فقط، بمعنى أنها قيم لا تشوبها شائبة من أي نوع كانت قبلية أو فردية، ظاهرية أو باطنية. ولهذا نراه يجعل من كل الرذائل الموجودة مظهرا من مظاهر الكفر مثل القول بأن الصدق يعني الوفاء والإيمان، وأن النفاق يعادل الكفر، بينما الصبر يساوي الشجاعة ونفي اليأس والجزع. من هنا سعة وانتشار المفاهيم الإسلامية عن المسلم والمؤمن والصابر والصادق والشكور والتواب وما يتميز به من التقوى والخوف والرجاء وغيرها من القيم بوصفها وحدة موحدة أو منظومة متكاملة بذاتها تحدد هوية الإنسان الجديد وقيمه ومبادئه الأخلاقية. ومن ثم هي النموذج المثالي والواقعي المضاد للشخصية الوثنية التي تتماهى مع الفاسق والكافر والكاذب والظالم والمستكبر والفاجر والمنافق وصاحب الهوى والطغيان والاستهزاء وما شابه ذلك. كما نعثر في كل مفهوم إسلامي ناف لمثيله أو مضاد لما في التقاليد الوثنية العربية على بعدين مترابطين على الدوام فيما بينهما يعكسان علاقته بالإنسان والجماعة والأمة من جهة، وعلاقته بالله من جهة أخرى، أي بالقيم المثلى وبالمفهوم الإسلامي نفسه كما هو جلي في مفاهيم الحلال والحرام، والخير والشر، والصالح والفاسد، والطيب والخبيث وغيرها.

لقد جرى إدخال الكثير من القيم العربية في منظومة الأخلاق الإسلامية، بل أن هناك عدد من القيم كانت بالنسبة لبعض العرب الذين أسلموا أهم واقوى من قواعد العقائد الدينية. فعندما قدم أبو العاص بن الربيع، على سبيل المثال، من الشام ومعه أموال المشركين من قريش، فقيل له: "هل لك أن تُسلِم وتأخذ هذه الأموال؟"، فأجابهم: "بئس ما ابدأ به إسلامي أن أخون أمانتي".

إن حصيلة هذا التحول في المفاهيم أو النفي العقائدي والعملي لقيم الوثنية ومفاهيمها الجاهلية تكشف عن طبيعة الثورة الروحية والأخلاقية التي قام بها الإسلام، والتي وجدت تعبيرها التاريخي والاجتماعي في تأسيس وتحقيق فكرة الأمة الإسلامية الجديدة.

كانت فكرة الأمة بالنسبة للنبي محمد هي فكرة التجانس والحق والكينونة النموذجية التي ينبغي أن تتكامل فيها وحدة الحق والحقيقة، والروح والجسد، والأنا والجماعة. وجعل لها روافد عديدة. وذلك لأن الأمة المسلمة بالنسبة للنبي محمد تعني فكرة "أمة الحق". والحق هو الله. ومن ثم فإن فكرة الأمة وتحقيقها بالنسبة للرؤية المحمدية كانت الغاية الفعلية للمساعي الروحية والعملية. ومن الممكن رؤية ذلك حتى في موقفه من الجحيم. إذ ليس الجحيم في الواقع سوى الصورة المقلوبة عن الخطأ والخطيئة. ونعثر على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في قول النبي محمد: "من استطاع ان يقي وجهه من النار ولو بشق من تمر فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة". كما يمكننا العثور على نموذجها العملي الواضح في "كتاب المهاجرين والأنصار"، بوصفه الوثيقة الأولى التي بلورت بصيغة أولية أسس ومبادئ الأمة الجديدة. ففيه نعثر على الأفكار الجوهرية التالية: "إنها أمة واحدة من دون الناس، وفداء لأسير بالمعروف، والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين لا يتركون مغرما (المثقل بالديون والكثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى أو ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن".

أما الأبعاد الاجتماعية والسياسية في الوثيقة فتنكشف من خلال الأفكار التالية: إن أمة الله أمة واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين موالي دون الناس، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. ومن اعتبط (قتل بلا جناية) مؤمنا قتلا عن بينة، فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، وأن على المسلمين نفقتهم، وأن النصر للمظلوم، والجار كالنفس غير مضار ولا إثم.

إننا نعثر في هذه الوثيقة على إدخال نمط جديد في توحيد البشر على قاعدة الإسلام، كما هو جلي في سياسة الإخاء بين المهاجرين والأنصار. أما في وقت لاحق، فسوف يصبح الانتماء إلى الإسلام المعيار الوحيد، لأنه الأصدق والأفضل في توحيد أهل المدينة. وظهرت بداية هذا التحول في طرد المنافقين من المسجد. بينما ستتنوع لاحقا أساليب ومستويات هذا التوحيد. إلا أن البؤرة الداخلية والنموذج الأمثل ظلا يتطابقان عنده مع نفسه كما هو جلي في موقفه من ابن أبي سلول القائل: "والله لأن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".

وظهرت هنا للعلن أول محاول مأساوية للصراع النفسي والعقلي في صيرورة الأمة، بمعنى الصراع بين مرجعية الأمة الإسلامية وبقايا القبلية الوثنية كما هو الحال في موقف ابن أبي سلول تجاه الحكم بالموت على أبيه بسبب ما أحدثه من تخريب ومحاولة للخروج على فكرة الأمة الجديدة. إذ نراه يخاطب النبي محمد قائلا: "إن كنت لابد فاعلا، فمرني به! فأنا احمل إليك رأسه، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي النظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فاقتله، فاقتل مؤمنا بكافر فادخل النار".

أما في خطبة الوداع فنعثر على الأفكار الأساسية التالية:

دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم.

إن كل ربا موضوع. قضى الله انه لا ربا.

إن كل دم كان في الجاهلية موضوع.

إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا.

إن النسيء زيادة في الكفر.

إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. ان عدة الشهور من الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرام، ثلاثة متوالية ورجب منها.

إن لكم على نساءكم حقا، ولهن عليكم حقا، الهجرة في المضاجع وضرب غير مبرح.

استوصوا بالنساء خيرا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله.

إن كل مسلم أخ للمسلم، وإن المسلمين إخوة.

نعثر في هذا الموقف على قواعد اقرب ما تكون إلى منظومة شكلت الأساس الروحي والعقائدي والشرعي لمرجعيات الوحدة الاجتماعية والأخلاقية. وذلك لأنها تحتوي على مواقف مبدئية من تنظيم علاقة المسلمين فيما بينهم، وتنظيم شؤون حياتهم العامة والخاصة. ففيها نعثر على مبدأ الدفاع عن مصالح الفرد والجماعة وعدم المساس بحياة الفرد ومصالحه الاقتصادية، وتحريم الربا، ومن ثم الدعوة للعمل المنتج، وتحريم الاقتتال والأخذ بالثأر بالاحتكام إلى الشريعة وحدودها (القانون وحكمه)، وإزالة كل معالم الوثنية لأنها احد مصادر الخلاف والتفرقة والانعزال، والالتزام بقواعد عامة ملزمة بتنظيم الزمن، وتقنين العلاقة بالمرأة وحقوقها المصانة، وأخيرا إعلاء مبدأ الإخوة الإسلامية وليس إخوة الدم.

ونعثر في مواقفه من العبادات على معاناة التجربة الباحثة عن صيغة مثلى وثابتة فيما يتعلق بتوحيدها وثباتها ومن ثم فاعليتها بالنسبة لوحدة الأمة الروحية والعقائدية. فقد تعرض نمط الصلاة الإسلامية إلى تغيرات وتعديلات قبل أن تستتب بصيغتها النهائية. ففي البداية كانت مرتان، قبل طلوع الشمس ركعتان، وبعد غروب الشمس ركعتان كما لو إنهما يربطان الوحدة السارية في زمن الوجود الطبيعي، أو ربما بسبب حرارة الجزيرة. وأيا كانت الأسباب هنا، فإن استتبابها بخمس صلوات حدثت بعد الإسراء. كما أن صلاة الجماعة جرت للمرة الأولى في إحدى شعاب مكة والتي أثارت سخرية واستهزاء أهل مكة. بينما كانت وجهة الصلاة صوب الشام. إذ كان النبي محمد يصلي ووجهته صوب الشام، وكان يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، بمعنى جعل الكعبة بينه وبين الشام. ويتضمن هذا السلوك على طبيعة ومسار الخلاف والافتراق مع قريش، ومن ثم البحث عن نماذج ورموز وبدائل لا يمكن المسك بها أو السخرية منها، لأنها خارج المكان المباشر للرؤية المباشرة.

بينما نرى تحويل الصلاة صوب "قبلة العرب" الأولى احد النماذج العملية على استتباب التجربة المتعرجة في نهاية أقرب وأشبه ما تكون بالرجوع إلى المصادر الأولى. فقد كانت العرب الوثنية تصلي ووجهها صوب الكعبة المكية. وقد كانت تجربة محمد بهذا الصدد، شأن كل ما قام به، احد النماذج الثورية في إرساء أسس العبادات الإسلامية بالشكل الذي يجعلها متماهية مع النفس والافتراق عمن غيره وسبقه. بمعنى العمل من أجل إرساء منظومة العبادات الإسلامية الخاصة والمتكاملة بمعايير الذوق الإسلامي. وقد أدت به، بعد الصراع العقائدي مع اليهودية والنصرانية، للعودة إلى النفس. حيث مزجت هذه العودة بنسبها مضمون التوحيد الإسلامي وشكل تجليه الخاص في العبادات. ووجد ذلك تعبيره في الآية القائلة، بأن لله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله. وقد حدث ذلك بعد سبعة عشر شهرا من قدومه إلى يثرب.

ومع ذلك فقد كان هناك بين المسلمين من بقي على هذه العادة، ورفضوا التوجه صوب الشام كما هو الحال بالنسبة للبراء بن معرور من الأنصار، الذي رفض أن يدير ظهره للكعبة. وعندما التقى بالنبي محمد وكلمه عن الأمر لم ينهه عنها ولم يطالبه بإعادة الصلاة. الأمر الذي جعل من موقفه هذا مصدرا للاعتزاز وفخرا للأنصار، كما في قوله شاعرهم عون بن أيوب الأنصاري:

ومنا المصلي أول الناس مقبلا   على كعبة الرحمن بين المشاعر

والشيء نفسه يمكن قوله عن شعائر الأذان. فقد كان الأذان في البداية تنفذ حسب مواقيتها. لاحقا جرى اقتراح الدعوة بالبوق كما هو الحال عند اليهود، غير أن المسلمين لم يستحسنوه، وكذلك الحال بالنسبة للناقوس. وعوضا عنهما جرى اختيار الكلمات. ولم يكن ذلك معزولا عن أهمية وقيمة الكلمة في الإسلام. فالقرآن كلام، وهو مصدر كل رؤية وحكم وموقف، إضافة إلى انه قراءة حية. أما كلمات الأذان فقد بلورها عبد الله بن زيد الخزرجي، الذي رأى رجلا عليه ثوبان أخضران ينطق بكلمات الأذان كالتالي:

الله اكبر  (مرتان)

اشهد أن لا اله إلا الله (مرتان)

اشهد أن محمدا ًرسول الله (مرتان)

حي على الصلاة (مرتان)

حي على الفلاح (مرتان)

الله اكبر (مرتان)

لا اله إلا الله (مرة واحدة)

وينطبق النفي الإسلامي أو التوليف الجديد للشعائر الأخرى مثل الحج والطواف حول الكعبة والوضوء. فقد كان الطواف حول الكعبة تقليدا عربيا في الجاهلية، بينما ينسب الوضوء إلى جبريل. أما الحج فقد كان جزء من تقاليد العرب الوثنية. واستمر بتقاليدها حتى بعد تحرير مكة عام ثمان للهجرة. لكن الأمر تغير بصورة قاطعة بعد سورة (براءة). إذ جرى إلغاء التقاليد القديمة والإبقاء أو الاكتفاء بالتقاليد الإسلامية فقط، كما في قول النبي محمد: "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان".

وعموما يمكن رؤية وحدة النفي والبدائل التي ميزت موقف الإسلام المحمدي من تقاليد العرب الجاهلية تجاه كل القيم والممارسات الشهيرة. إذ نراه يسير في اتجاه تقاليد العرب القديمة بتحريم نكاح الأمهات والبنات والخالات والعمات. كما نراه يأخذ ويقرّ بالطلاق بالثلاث التي كان العرب يمارسونها أيضا. كما اخذ تقاليد الحج والعمرة، والطواف سبعا حول البيت، والمسح بالحجر، والسعي بين الصفا والمروة، وإهداء الهدايا، ورمي الجمار، وكذلك يوم النفر بعد منى، ويحرمون الأشهر الحرام، ويكفّنون الموتى ويصلّون عليهم، وطهارة  الفطرة، إضافة إلى المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك، وما يقابلها في الجسد من الاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، وقطع يد السارق اليمنى، والوفاء بالعهد وإكرام الجار والضيف، وكذلك تحريم الخمر، إذ حرمت بعض الشخصيات العربية شرب الخمر مثل قيس بن عامر التميمي، وصفوان بن أمية الكناني، وعفيف الكندي وغيرهم. وكذلك قضية الحشر. فقد كان بعض العرب يقول لأولاده قبيل الموت: "أدفنوا معي راحلتي حتى احشر عليها"، أي اغلب الحصيلة التي شكلت عمود العبادات الإسلامية اللاحقة.

إننا نقف هنا أمام أسلمة شاملة للعبادات وشعائرها وتقاليدها التي بلغت صيغتها التامة والمستتبة بعد تحرير مكة، حيث جرى دمج البعض منها بصورة عضوية في منظومة العبادات الإسلامية، بينما جرى إلغاء الآخر. فقد قال النبي محمد بعد دخول مكة كلماته المشهورة: "لا اله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزّم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدنة وسقاية الحج. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الإنسان من آدم، وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله اتقاكم". حيث نقف هنا أمام لوحة واضحة عن توحيد كل شيء بقواعد ملزمة. أنها مرجعية الأمة الجديدة التي تسعى وتعمل على تصفية الخلاف  والحساب مع الجاهلية، بمعنى نفيها التام عبر إزالتها من طريق المستقبل، بوصفه مسارا له مقدماته ومحدداته في الموقف من إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

 

محمد بنيعيشأولا: الذكر كمحور ومعيار عقدي وعملي عند الصوفية

يعتبر الذكر عند الصوفية كأقرب وأسلم الوسائل إلى الله تعالى، وهو عمودها الفقري الذي لا يمكن أن تنتصب بدونه، وليس بعد قراءة القرآن الكريم وترتيله عبادة تؤدى باللسان وتتحرك بها الشفاه أفضل من ذكر الله تعالى[1].

ويؤكد ابن عطاء الله السكندري ضرورة الذكر للسالك، والإصرار على مداومته في كل الأحايين، فيقول: "لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عن سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز"[2].

ولهذا فلقد كان الذكر وما يزال علامة الولاية ومنشورها، ومن أوتي الذكر فقد أوتي منشور الولاية ومن سلبه فليس له إليها سبيل..

والذكر أعظم باب أنت داخله  لله فاجعل له الأنفاس حراسا

إن الإنسان إذا أكثر من ذكر الله تعالى أورثه خشوعا وتقوى وزيادة إيمان، وألبسه وحضورا تاما يراقب من خلاله خالقه في كل تصرفاته ويراقب نفسه في كل ما يصدر عنها من عمل ويحاسبها عليه.وبهذا فكان الذكر أحسن عمل يقي صاحبه عذاب النار وأهوال يوم القيامة[3]، وهو بالذكر قد يكون أقرب إلى التقوى وأبعد الناس عن المعاصي.

إن الذكر أكبر عامل من عوامل الشعور التام بالحياة ومجابهتها، وتوجيه النفس التوجيه الصحيح حتى يصبح الإنسان واقعيا مطمئنا في قلبه و قويا في إرادته، كما في الحديث النبوي الشريف : "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت"[4].وهذا أحسن وأدق تصوير لحقيقة الذكر و فعاليته في الروح والوجدان.

فالحياة المقصود بها في هذا الحديث ليست العضوية أو حياة الجسد ذي البنية المادية بطبيعة الحال، ولكن المراد منها حياة القلب الروحي الجوهر، والذي" إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله".

إن الذكر في حقيقته، تكرار اللفظ مع تذكر المذكور قلبا حتى يتولد من جراء هذا التكرار عادة التذكر، فيصبح القيام بمحتوى التذكر سهلا مهلا لا يحتاج إلى كلفة، فإذا كان الذكر قد يقصد به تثبيت الإيمان في القلب، وإذا كان الإيمان يقوم عند الصوفية على عقد بالقلب وشهادة باللسان وعمل بالأركان، فإن الذكر يكون هو السبيل الوحيد لتسهيل القيام بكل ما تحتوي عليه الشريعة من أوامر ونواه وفروض وواجبات وسنن ومستحبات.

وقد لا يمكن أن يكثر الإنسان من الذكر وقلبه ليس بمطمئن وليس بمقتنع بما يقول، و هذا ما يفهم من قول الله سبحانه وتعالى في وصف المنافقين: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا"[5].

بحيث قد تكون هذه المظاهر علامة على ضعف الإرادة التي تحتاج إلى تثقيف الذهن وملئه بالعلم النافع حتى يكون الدافع والحافز إلى القيام بالعمل الصالح والانسجام معه بكل محبة ورضا.وهذا هو الشيء الذي اتخذه الصوفية في مسلكهم حينما أوجبوا العلم قبل العمل، والتزموا العمل عند العلم، بحيث لا تكون الإرادة قوية إلا إذا كان تصور هدف الفعل ومعناه واضحا وجليا في ذهن من أراد القيام به[6].

ثانيا: الذكر بالتكرار عند الصوفية ومقاييس علم النفس

فعلى الصعيد الصحي عند الأطباء النفسانيين-وشتان الفرق عند المقارنة بين المنهجين-فإنهم في طريقتهم المسماة بالإيحاء الذاتي لتقوية الإرادة والتركيز قد يقومون بإجراءات ممهدة وتحضيرية من مقدماتها:

عملية التثقيف الذهني، والذي في أساسه قد يهدف إلى إقناع المريض نفسانيا بوجود علاقة بين الروح والجسد، وتأثير متبادل بين الطرفين، ولأنه يمكن أن يتسرب المرض النفساني فيؤثر على الأعضاء الجسدية و تصير هي بدررها مريضة، كما يمكن كذلك أن يكون المرض عضويا فيؤثر على نفسية المريض فتصير عليلة متذمرة ...

هكذا، وبعد الإعلام بهذه الحقائق، فقد يأخذ الطبيب مريضه ويلقنه كيف يمكنه أن يقوي إرادته، وذلك من خلال استعمال مخيلته وإصدار إيحاءات ذاتية، بعد ما كانت دخيلة وكان يتلقاها من الخارج.

ولقد كان أحد العلماء النفسانيين "كوئه" يدلل على ما للروح - النفس- من تأثير على الظواهر الجثمانية وذلك بإجراء تجارب ثلاثة تعرف باسم :

أ- تجربة الرقاص . ب - تجربة السقوط . ج - تجربة الأيدي[7].

ويشترط أن تجرى هذه التجارب في حالة تركيز تام وفي أثنائها يلقن المريض كلمات تناسب التخيلات والأفكار التي يركز عليها، وتصاغ هذه الكلمات بصفة الترديد بسرعة وبصوت منخفض لحد الهمس، حتى لا يترك مجالا للتشويش وضياع التركيز، وذلك كأن يردد "زالت الآلام، زالت الآلام، زالت الآلام ..."[8].

إن كل هذه الإجراءات لا غاية لها إلا محاربة القلق الذي يساور أعماق النفس البشرية، والذي يعد من المشاعر المؤلمة التي قد لا يستطيع الإنسان تحملها ومداراتها مما يدفعه إلى استعمال كل الوسائل، وتخطيط شتى البرامج لعله يجد راحة مما يعانيه، لأن القلق هو جوهر المتاعب ومركز العصاب والخوف والعنف والتطرف...

لهذا فقد كانت النفس البشرية دائما بطبيعتها تسعى إلى السيطرة على القلق واقتلاع جذوره لعلها تضمن لنفسها التكيف والملاءمة والتناسب والتوافق اللازم مع داخلها وخارجها، ومع المجتمع، ومع الوجود كله، والذي لا غنى لها عنه من أجل السعادة والهناء[9].

فللتكيف لابد من العادة، وللتعود لابد من التكرار وهو ما تؤكده وتلح عليه طريقة الإيحاء الذاتي كما سبق، ولقد كان أرسطو يقول: "العادة بنت التكرار".

فالتكرار إذن عامل أساسي لتكوين العادة[10]، والتي هي الضابط الأول لسلوك الإنسان وانتظامه على وتيرة محكمة، تمنعه من التقلب والتغيرات المفاجئة، وهذا ما يقرره علماء النفس أثناء بحوثهم[11].

فإذا كان التكرار مجردا قد يؤدي إلى هذه النتائج الإيجابية وخاصة في الجانب النفسي وتقوية الإرادة، فكيف بتكرار ذكر الله سبحانه وتعالى، ما بال من يصبح ويمسي ولسانه رطبا من ذكر الله؟.

ولا أجيب بنفسي عن هذا التساؤل، بل أدع أحد رجال التصوف ينوب عني في ذلك كما يقول الشيخ أبو القاسم القشيري في الموضوع: "الذكر عنوان الولاية ومنار الوصلة وتحقيق الإرادة وعلامة صحة البداية ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر"[12].

فالتكرار قد تنتج عنه كما قلت سابقا العادة، ومن العادة تتولد الأوتوماتية(الآلية) [13].

ثالثا: الذكر وتسامي مقصد الآلية عند الصوفية

وقد يصل الصوفية إلى أوتوماتية سامية بحيث قد يبلغ الذاكر إلى حالة يستغرق بها عن الذكر، وليس ذلك حلولا أو اتحادا، وإنما ذلك حكمة وقدرة من الله سبحانه وتعالى، وبيان ذلك أن يكون القلب في حين يذكر الإنسان ربه فارغا من كل شيء، ولا يعود يسري في وسطه إلا ذكر الله.

وبهذا يكون القلب بيت الحق مملوءا منه، متجردا إليه، فيخرج حينذاك الذكر من غير قصد أو تكلف أو ذاتية في الإرادة والتدبير[14].

يقول الغزالي عن هذه العادة أو الأوتوماتية المتكيفة عند الصوفية كتجربة شخصية بعدما لقنه المتبوع المقدم ذكر الاسم الأعظم"الله": "فلا تزال تقول "الله الله"مع حضور القلب وإدراكه إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده، ثم تصير مواظبا عليه إلى أن يمحي أثر اللسان فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على هذا الذكر من غير حركة اللسان، ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئات الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام، ولك اختيار إلى هذا الحد فقط.ولا اختيار بعده لك في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة، ثم ينقطع اختيارك فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء"[15].

فهذه النتيجة وإن كانت صعبة المنال وتبدو خاصة ومتعبة بحسب المنهاج الذي سلكه الغزالي إلا أنها مع ذلك قد تؤسس بطريقة علمية لمبدأ العادة ونتائجها الإيجابية في مجال الذكر وترسيخ معانيه في الوجدان.

ومن جملة ما ينتج عن العادة أيضا أنها قد تؤدي أيضا إلى التكيف[16]الذي هو في حد ذاته عملية ديناميكية، ذات صبغة استمرارية ومتواصلة يهدف بها الشخص إلى بلورة سلوكه و وتشكيله أو صبغه بالصبغة الملائمة، وبناء على هذا فقد يمكن أن نعرف هذه الظاهرة -أي التكيف - بأنها القدرة على تكوين العلاقات المُرْضية بين المرء وبيئته[17].

فإذا كان الإنسان بعمليته الديناميكية هذه قد يهدف إلى إحداث علاقة أكثر توافقا بينه وبين بيئته، فما هو وجه المقارنة بين هدفه كشخص عادي قصير النظر وماديه وبين الصوفي البعيد الغاية وشريفها "وأن إلى ربك المنتهى"؟

إن الصوفي قد يهدف إلى التكيف من خلال تأسيس عادته الخاصة والراقية مع الوجود بأسره دنيا وآخرة، عالم الشهادة، وعالم الغيب، عالم الحيوان وعالم الجماد، عالم المادة وعالم الروح .

يريد الصوفي أن يستشعر ويتكيف مع كل هذه العوالم على سلم الترقي والسفر المتواصل حتى يصير هو وهي وحدة استشعارية وتوافقية منسجمة ومتناسبة لا تنفصل عن بعضها البعض إلا في الشكل والمظهر والموضع والمقامات.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين ج1ص294

[2]ابن عباد النفزي: شرح الحكم ج1ص40-41

[3] محمد ميارة: مختصر الدر الثمين والمورد المعين ط5 ص78

[4] رواه البخاري ومسلم

[5] سورة النساء آية 142

[6] جميل صليبا: علم النفس، دار الكتاب العربي بيروت ط3ص751

[7] الدكتور أمين رويحة: التداوي بالإيحاء الروحي، دار لأندلس بيروت ط1ص65

[8] نفس ص97

[9] مصطفى فهمي : الصحة النفسية ط2ص197

[10] جميل صليبا: علم النفس ط3 ص 692

[11] نفس  ص701

[12] ابن عباد النفزي: شرح الحكم ج1ص41

[13] جميل صليبا: علم النفس    ص702

[14] ابن عباد النفزي: شرح الحكم ج1ص1

[15] الغزالي: ميزان العمل دار الكتب العلمية بيروت ص40-41

[16] جميل صليبا: علم النفس   ص703

[17] مصطفى فهمي : الصحة النفسية ص20

 

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (6)

لقد تكاملت الإرادة المحمدية، الشخصية منها والنبوية في وحدة واحدة تتمثل بذاتها تكامل مكة في مجرى تطورها التاريخي. ومن ثم فإننا نعثر في تأريخ مكة على تاريخ محمد الشخصي بمختلف جوانبه التي بلورت إرادته الحرة في اختيار التحدي الشامل للوثنية والجاهلية من اجل نقل العرب من طور تاريخي ثقافي إلى آخر. إذ تحولت إلى مركز الجزيرة الاقتصادي، بأثر التجارة وتاريخ الرحلات الشتوية والصيفية. وعمل بها محمد قبل النبوة. كما تكاملت روحيا عندما تحولت إلى كعبة الروح العربي الديني والأخلاقي ومن ثم مركز جمعها واستجماعها. بمعنى استقطابها للصيرورة الروحية والعربية في الجزيرة. وهو ما تمثله النبي محمد في دعوته وعمله. وفيها أيضا تداخلت وأخذت بالتكامل المصالح المعنوية والاجتماعية والاقتصادية، أي كل ما كان يعمل على تفعيل المساعي لصنع الهيبة والسلطة والدولة، ومن ثم كل ما كان ينّشط عناصر الفكرة السياسية، أي كل ما كان يقع في صلب الإرادة النبوية لمحمد. فما وراء الروح كانت تكمن قوة الفكرة السياسية، بوصفها فكرة الإرادة التاريخية للانتقال إلى صورة وحالة أخرى. وليس مصادفة أن تكون مكة ميدان التحدي والواجهة وبلورة أسس الفكرة التوحيدية ورؤية البدائل. وفي هذه السلسلة الخشنة تبلورت شخصيته بمختلف جوانبها. إذ تحولت مكة إلى محك الشخصية المحمدية، والشخصية النبوية، وباطنه وظاهره في المواقف. بمعنى أنها تحولت إلى ميدان الصراع الحاد والدائم، العلني والمستتر من اجل كسر إرادته وثنيه عما يسعى إليه.

فقد نظرت قريش إليه في بداية الأمر على انه منها. وخاطبه عمه أبو طالب، بطلب من قريش نفسها، بعبارة "أن قومك قد جاءوني". ولاحقا سوف يجري تحويل هذه العلاقة إلى "مبدأ ديني وسياسي" يتطابق مع فكرة القرشية. وأول من وظفها في تاريخ الاسلام الأموية والسفيانية عبر عثمان بن عفان. مع أن صيغتها الجنينية الأولية والدفينة قد حدسها لأول مرة عتبة بن نافع في مجرى مساومته مع محمد لثنيه عن دينه الجديد. إذ توصل إلى ما يلي: "إن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم". وقبل ذلك وفي مجراه واجه محمد اتهامات قريش المتعددة والمتنوعة. فقد اعتبروه كاهنا، بينما كان الرد "ما هو بزمزمة كلام خفي ولا سجع". وقالوا عنه انه مجنون. وكان الرد "ما هو بمجنون، فما هو بخنقة ولا وسوسة". وقالوا عنه انه شاعر، فكان الرد "عرفنا الشعر، فما هو بشعر". وقالوا عنه انه ساحر، فكان الرد "ما هو بسحر اذ لا عقد ولا نفث".

تعكس اغلب هذه الأوصاف والاتهامات نموذج الرؤية العربية السائدة آنذاك. لكننا نعثر فيها على أبعاد اجتماعية سياسية جلية. ففي الموقف منه بوصفه ساحرا ما يروى عن الوليد بن المغيرة الذي قال: "محمد ساحر، وأن ما يقوم به سحر لأنه يفرّق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه، وبين الزوج وزوجته، وبين المرء وعشيرته". ومفارقة اتهامه بالسحر تقوم في توسيع شهرته في الجزيرة. ولم تقف قريش عند هذا الحد، بل تعدته إلى المسّ به في كل شيء وبمختلف الوسائل بما فيها تعريضه للضرب والاغتيال، وذلك لأنه، حسبما قالوا "قد سفّه أحلامهم، وشتم آباءهم، وعاب دينهم، وفرق جماعتهم، وسّب آلهتهم". وبالمقابل كان الاستهزاء به أسلوبهم المحبب. ولم تكف قريش عن استعمال كل ما بوسعها من التعنيف والإغراء ومختلف الحيل من اجل ثنيه عما يسعى إليه.

فقد كانت مساعي عتبة بن الوليد، وهو من بين أكثرهم تنوعا وشدة في الصراع ضد محمد من اجل كسر إرادته، تستند إلى إغراءه بالمال والجاه والسلطة. وقال بهذا الصدد "إذا أراد المال جمعناه له بحيث يكون أغناهم". و"إذا أراد الشرف والسؤدد وليناه عليهم". و"إذا كان يريد الملك ملّكناه عليهم". ثم خاطبه بعبارة "إذا كان هذا الذي يأتيك رائيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب"., وقد أدى تردد العتبة بن الوليد المتكرر على محمد إن قالوا له: "سحرك والله يا أباً الوليد!".

ولاحقا أخذ الجدل بالانتقال إلى ميدان الفكر والتفكر والتأمل. وواجه محمد كل هذه الهجمة الشرسة المتواصلة بالرد عليها على مستوى الروح والجسد. فعلى مستوى الجسد أغلق أذنيه عن الاستماع لضجة وصخب الأودية الخالية لقريش، وعلى مستوى الروح كانت إجاباته سهلة وقوية كالحقيقة، إضافة إلى خروجها عن حالة المألوف من جهة، ومحكومة بالهموم الكبرى من جهة أخرى.

إنهم يطالبون إلهه بتفجير الأنهار وتوسيع البلاد، وبالجنة الأرضية، وأن يسقط عليهم السماء، أو أن يروا بأعينهم الله والملائكة. أما إجابته فقد كانت في اغلبها تتمحور حول ابراز الفكرة القائلة، بانه ليس بفاعل أي شيء، وانه لا يطالب الرب بشيء، وانه مبشر ونذير فقط. وهنا ينعكس الخلاف الجوهري بين الاتجاهين. فقريش تطالبه بالأخذ، وهو يطالبها بالعطاء.

وتحوّل القرآن إلى ميدان الصراع الفكري. وكان الهجوم عليه شديدا. فقد كان النضر بن الحارث أكثرهم غلوا بهذا الصدد. إذ كان يقول أن القرآن هو "أساطير الأولين"، وانه يستطيع "أن يحدثهم بأفضل منه"، أو أن "يكتب مثله" وما شابه ذلك. واستعانوا باليهود وتوراتهم لتعجيزه بالرد والإقناع. بينما كانت إجاباته أكثر تجانسا وتنطلق من فكرة تقول، بأن "علم الله أوسع مما في التوراة وغيرها". لقد كانوا يستهزئون بالقرآن، ولكنهم كانوا يستمعون ويتابعون ما هو جديد فيه. كما كانوا يتخوفون من اثر آياته القادمة بحقهم. لهذا نراه يطالب أتباعه بقراءة القرآن جهرا كما كان يفعل عبد الله بن مسعود. بينما كانت قريش تنتقم منه عبر الانتقام من أتباعه الفقراء كما هو الحال بالنسبة لتعذيبهم  بلال بن رياح الحبشي وعمار بن ياسر الذي قتلوا أمه. بينما كان رد محمد الأول يقوم في إخراج أتباعه من الضغط المباشر عبر الهجرة إلى الحبشة، ومن ثم الابتعاد عن أذيتهم بالبعد عنهم. وقد كان ذلك فعلا عنيفا وجريئا ومتفائلا في الوقت نفسه. اذ شحذت هذه الهجرة الاستعداد للمقاومة والتحدي، ورسّخت الثقة بالنصر الإلهي أو القادم أو المستقبلي، وأضعفت السيطرة القرشية وتحكمها بالمعارضة. وكشفت عن تنوع البدائل داخل الجزيرة وخارجها، كما وفّرت إمكانية الاحتكاك بالعالم الخارجي. ومن ثم إضعاف الروح القبلي عبر إرساء الأسس النفسية والاجتماعية والعقائدية لفكرة الجماعة والأمة، وأخير كشفت عن الدور الروحي الهائل للنبي محمد.

لقد كانت ملامح الصراع في كل شيء. ووجد ذلك انعكاسه في اغلب آيات القرآن. فقد كانت آيات الله المكية مشحونة بالصراع، مثل قوله "أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا" (ضد العاص بن وائل). و"لا تسبوا الذين يدعون من دون الله" (ضد أبي جهل). و"قالوا أساطير الأوليين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" (ضد النضر بن حارث). و"لا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ"(ضد الاخنس بن شريق). و"قَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"(ضد الوليد بن المغيرة)، و"َيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا"(ضد عقبة بن أبي معيط، الذي تفل مرة في وجه محمد). و"ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم. قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ"(ضد أمية بن خلف، الذي جاء للنبي محمد متذمرا وخاطبه: "تزعم ان الله يبعث هذا بعدما أرم ؟"، اي بلى. و"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ"(ضد العاص بن وائل). و"لَقَدِ اسْتُهْزِئَ  بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ"(ضد الوليد بن المغيرة وأبو جهل وأمية بن خلف).

كان الصراع عميقا لا يقبل المساومة. ووجد ذلك انعكاسه في الآيات "قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون. لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون. وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد. وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم. وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين". بحيث اوصل قريش لاحقا إلى أن تتخذ أسلوب المقاطعة المادية والمعنوية ضده وضد اهله وبني هاشم. وقد يكون الصراع حول قضية الإسراء والمعراج من بين أكثرها إثارة بهذا الصدد، وذلك لأنها أدت، بأثر الدعاية المضادة القوية من جانب قريش إلى انفراط بعض المسلمين عنه، لكنها صنعت في الوقت نفسه شخصية أبو بكر الصديق، ومن ثم أعطت لمحمد بعدا إلهيا وميتافيزيقيا لا مثيل له من قبل في تاريخ العرب.

كما اتبعت قريش في نهاية المطاف بعد استنفاذ مختلف الوسائل لكسر إرادته إلى أسلوب المقاطعة. فقد قاطعت قريش بني هاشم. وكانت المقاطعة قاسية، بحيث دفعت بزهير بن أبي أمية، بعد أن طاف بالكعبة قائلا: يا أهل مكة! نأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى؟! ومع ذلك استمرت قريش في استفزازه إلى أقصى الحدود بحيث كانوا يرمون القذارة عليه عندما كان يصلي في الكعبة. وكان يجيبهم على أفعالهم تلك بعبارة "يا بني عبد مناف! أي جوار هذا؟!". ذلك يعني ان اغلب كفاحه وصراعه كان يجري مع قريش. كما كانت جغرافية الصراع محصورة في مكة. وفي هذا تنعكس الرمزية التاريخية للتحدي وشحذ الإرادة النبوية في صراعهما من اجل تثبيت دعائم التوحيد.

فقد وصل الخلاف مع قريش إلى طريق مسدود. بمعنى انه استنفذ كل الإمكانيات والوسائل. وبالتالي أصبح الخروج بالنسبة للنبي محمد من حدود مكة إلى مختلف مناطق الجزيرة امرأ لابد منه. ولم يكن ذلك بأثر اليأس منهم فقط، بل وتعبيرا عن استمرار طاقة التحدي وقوة الإرادة المحمدية والنبوية في خوض الكفاح حتى النهاية. وقد مرّ هذا الصراع بتعرجات الدعوة والمصير. فقد كانت رحلته الأولى للطائف فاشلة من حيث مردودها الظاهري، لكنها ناجحة بالنسبة للإرادة. أنها كشفت له عن الإرادة الإلهية لا تنثني ولا تصاب باليأس، وإنها في أعماقها وآفاقها متفائلة. ولعل أهم تجلياتها بهذا الصدد هو أنها وسّعت مدى الإرادة واستعدادها للعمل خارج مكة وبمعزل عن قريش. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تجربة الاستعداد للهجرة إلى المدينة، أي كل ما وجد نتائجه الأولية في قبول بعض من الخزرج بالإسلام. وسعى لعرض نفسه على القبائل زمن الحج. وتوجه الى بني حنيفة، الذين واجهوه برد ليس له نظير في قبحه مما فعله أي من العرب. كما رفضته بني عامر بن صعصعة، وطالبوه مقابل تأييدهم، بأن يكون الأمر لهم بعده مقابل تأييدهم.

عكس هذا الموقف التحسس الأولي والثقة المبطنة بإمكانية التحكم بالجزيرة والعرب. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة المقلوبة لاستحواذ الفكرة الإسلامية على الجميع بأشكال ومستويات مختلفة. اذ أخذت الأفكار الإسلامية بالتوسع والانتشار في المواقف والاحكام مع توسع وانتشار التأثير المادي والمعنوي والقوة العسكرية والسياسية للنبي محمد. وفيها كلها تبرز الفكرة الجوهرية عن قدرة الله المتعاظمة وتأييد الرسول. ففي يوم حنين قال بجير بن زهير

لولا الإله وعبده وليتم      حين استخف الرعب كل جبان

وقال عباس بن مرداس في تأييده لأولية الله على العشيرة

يغشى ذوي النسب القريب وإنما    يبغي رضا الرحمن ثم رضاك

وقال عبد الله بن وهب

بشرط الله نضرب من لقينا     كأفضل ما رأيت من الشروط

وقال كعب بن مالك

نطيع نبينا ونطيع ربا       هو الرحمن كان بِنَا رءوفا

لأمر الله والإسلام حتى     يقوم الدين معتدلا حنيفا

تحول النبي محمد في مجرى الصراع من اجل تثبيت الإرادة النبوية إلى رمز الهيبة المادية والروحية التامة. فللنبوة تقاليدها الرمزية الخاصة. وينطبق هذا على الهيبة. وفيما يخص "الهيبة النبوية"، فإنها تبدأ من "السماء" وتنتهي بها.

انتهت مرحلة الصراع الأولى بانتصار الإرادة المحمدية والنبوية. واكتملت من الناحية الرمزية بتحويل الأنظار صوب القبلة والبيت الحرام ثم مكة. وفي نهاية هذه العملية تبلور وتكامل الشكل الجديد لتنوير الفكرة الجوهرية القديمة للتوحيد، والتي وجدت تعبيرها وانعكاسها في الآية القائلة: "قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ". أما استمرارها الأعمق فقد حصل على هيئة "الأمة الوسط" كما في الآية القائلة:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"، والتي اكتملت فيها الصيغة الأولية لتأسيس المرجعيات الدينية والسياسية الكبرى للإسلام، بوصفها الأساس البنيوي لانتصاره وإرساء أسسه الذاتية. وهذا بدوره لم يكن سوى النتاج الخالص للإرادة المتفائلة للنبي محمد.

***   ***   ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

 

محمد بنيعيشأولا: التغير الاجتماعي والانعكاسات السلوكية بين القمة والقاعدة

رغم بوادر اللهو والمجون الذي تسرب بصورة طارئة وشاذة إلى حياة الناس في عهد بني أمية وعلى وتفاوت وتقلب بين الإيجابي والسلبي في توجه الخلفاء آنذاك، و مع الأخذ بعين الاعتبار مبالغات المؤرخين وأعداء دولة الأمويين في إسقاط هذه الأوصاف، ،  فإن تلك المظاهر الشاذة من التغيرات  قد كانت محدودة وضيقة و أقل تأثيرا وحضورا مما سيكون الحال عليه في عهد العباسيين الموالي له.

بل قد كانت متأرجحة ومحتشمة لا تكاد تعدو الميل نحو الملذات والترف التقليدي الذي يختلف ارتياده من حاكم لآخر بحسب نوعية الندماء والمرافقين له، أي البطانة والأصدقاء الخواص.

وقد ذكر ابن جرير  الطبري في تاريخه الكبير صور ثلاثة خلفاء أمويين: أحدهم كان مولعا بشراء الجواري فكان الناس لا يتحدثون إلا عن كم اشتريت من جارية وما لونها وجمالها، وآخر كان مشغولا بشراء الضيعات واقتناصها حيث كانت،  فكان الناس يتذاكرون في الغالب حول كم ضيعة اشتريت وبكم وما مساحتها وما هي فواكهها... في حين سيذكر الخليفة الثالث وهو عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى والذي كان مولعا بقراءة القرآن وحفظ الأحاديث النبوية والإكثار من مجالس الذكر والصلاح، فكان الناس في عهده لا تجدهم يتحدثون في الغالب إلا عن كم من آية حفظت وكم من حديث رويت وما أخلاقك وما هي نسبة صيامك وقيامك وذكرك وأورادك وهكذا .أي أن انعكاس الحكام كان ظاهرا على سلوك الرعية بحسب مذهبهم وتوجههم وسياساتهم.

وذلك لأن بني أمية قد حافظوا على جملة من العادات العربية الأصيلة ولم يتفننوا في تلوين أنواع البذخ والترف، نظرا لقوة عصبيتهم القومية العربية، وعدم السماح لأي عنصر من العناصر الأجنبية بنيل درجة التأثير بالكامل على أحوال المجتمع آنذاك، وإن أخذوا عن بعضها قسطا من المظاهر محدودة فإنهم قد أضفوا على تلك الاقتباسات صفات قد تليق بالذوق العربي وما تعودوا على استساغه وتقبله بسجيتهم وسليقتهم[1].

لكن عند قيام الدولة العباسية وسيادة العنصر الفارسي آنذاك، بفعل المؤازرة والمناصرة الأولى لقيام الدولة الجديدة، ستدخل العوائد الخارجية على المجتمع العربي المسلم، وسيكثر الغناء والموسيقى ويشرب النبيذ، وسيقتبس الخلفاء نظام مجالسهم من الفرس، وسيرتب الندماء وتكثر العطايا والمنح[2]، بل حتى الأعياد المجوسية قد أوتي بعوائدها واحتفل بمناسباتها في دار الإسلام كعيد النيروز الذي كان عند الفرس قديما[3].

من خلال هذه المقتضبات التي تصور لنا مرحلة اللهو التي كانت سائدة في القرن الثاني وما تلاه بعد ذلك وتطورها مع الزمن،  كان لابد لنا من البحث في جانب آخر معاصر ومجاور لجانب اللهو والمجون، ومضاد له في نفس الوقت من غير انفعال أو عنف وتشنج.

وهكذا سنرى في نفس في الوقت وجود تيار آخر مجانس ومتحدى له سلوكيا وعمليا لتحقيق التوازن وسنة التدافع الإيجابي، سيكون أيضا في تطور مستمر، حسب حال المجتمع في كل ما يحدث فيه من مد أو جزر، ألا وهو تيار التقوى والورع والتشبث بالقيم والأخلاق الإسلامية الأصيلة في ثوبها الروحي المتسامي.

فلقد تطور الورع عند جماعات إلى زهد عادي فردي، وانتقل بعد ذلك إلى زهد منظم-حسب رأي علي سامي النشار- له امتيازاته ومقاييسه، وآراء تدور حوله.

بعد ذلك وفي أواخر القرن الثاني أخذ هذا التوجه يضرب إلى التصوف ويرمي إليه بصفته علما ومنهاجا يسعى إلى تهذيب النفس وتحليتها بكل الفضائل الهادفة إلى تكوين الإنسان  المتخلق والفاضل[4].

غير أن القول بالتطور قد لا يبدو ضروريا أو نتيجة منطقية حتمية، وذلك لأن أصول كل من الزهد أو الورع وكذلك مضمون التصوف سواء كان فرديا أو جماعيا قد كانت موجودة في كل العصور الأولى للأمة وأنشطتها، لكن كما يقال: في الليلة الظلماء يفتقد البدر، كما أن النقطة البيضاء قد تبدو أكثر بروزا حينما يكون الغالب على السبورة لون السواد!.

ثانيا: التصوف بين التسلسل التاريخي والتراتب الاصطلاحي

هذا المعنى سيلخصه لنا أبو القاسم القشيري بأسلوب موضوعي ومتزامن مع مظاهر التغير الاجتماعي الذي قد تتغير معه حتى الألقاب والمصطلحات العامة من صياغة متداولة إلى حلة جديدة بحسب زمانها وأهله.

يقول عن مرحلة ظهور التصوف كمصطلح في التسلسل التاريخي: "اعلموا رحمكم الله تعالى أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم الصحابة.ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة التابعين ورأوا ذلك أشرف سمة، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة"[5].

ولقد استند عبد الرحمن بن خلدون كمؤرخ جهبذ في تحديد مرحلة ظهور التصوف ومواكبته للظروف الاجتماعية وتطوراتها مع تبيين أصالة هذا العلم مضمونا وتاريخا على ما ذهب إليه القشيري في الرسالة حيث يقول في "المقدمة": "هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم، لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق و الهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة..."[6].

هذا من الناحية التاريخية، أما من جانب فقه اللغة وتحديد أصل المصطلح فقد يبدو اسم التصوف وكأنه  لقب وليس مشتقا من صفة من الصفات والنعوت أو المصادر  اللغوية المطابقة للفعل الصوفي وإجراءاته الخاصة!لهذا نرى القشيري أيضا يشير إلى أنه لم يعرف لهذا الاسم أي قياس أو اشتقاق في اللغة العربية، وحتى لو نسب إلى الصوف، الذي يكاد يوافق تصريف هذا الاسم، فإنه يخالف ما اختص به أصحاب هذا المذهب كما يذهب إليه في"الرسالة"بقوله:

"هذه التسمية غلبت على هذه الطائفة فيقال رجل صوفي وجماعة صوفية، ومن يتوصل إلى ذلك يقال له متصوف وللجماعة المتصوفة، وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس أو اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب، فأما قول من قال إنه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف ومن قال إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي، ومن قال إنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة وقول من قال إنه مشتق من الصف فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة من الله تعالى، فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف، ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ و استحقاق اشتقاق ..."[7].

وفي عبارته الأخيرة إشارة إلى قوة وصحة المسلك الصوفي وعدم وقوفهم مع الألقاب والمصطلحات مما قد يبين لنا أن ظهور التصوف كحركة عملية علمية عرفانية قد كانت ذات منهج خاص وليس أنها مجموعة أناس لابسين للصوف، أو أنهم يمثلون أهل الصفة أو غيرها من الإحالات التي يحيل الباحثون إليها أصل الكلمة.

لكن المستنتج مما رأينا من آراء المؤرخين القدماء، أن التصوف قد نشأ  أو برز بشكل متميز كعامل طبيعي ضد كل حركة تمرد و انحراف يحدث طارئا في وسط اجتماعي، قد كانت له أصالة وقسطاس مستقيم يزن به تصرفاته.فكلما ابتعد وانحاز عن محجته البيضاء إلا و كان هناك من يراقب هذا الزلل ويقيم السدود، حتى لا يطغى التيار  ويهدم كل شيء.

ولئن كان المجتمع الإسلامي الأول قد مر بمرحلة النقاء التام ثم دخلت عليه الشوائب وانتابته النوائب، حتى كدرت عليه صفوه، لولا أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، فإن نفس السنة قد جرت على التصوف، حيث ابتدأ بالصفاء والطهر و اتباع النص في كل تصرفاته، حتى سمي بالتصوف السني، ثم دخلت عليه المصائب وانتشرت في أوساطه الألاعيب، وكثر الغلط فيه كما اللغط حوله، حتى سمي جانب منه بالتصوف المتطرف .

وهكذا فقد أصبح التصوف يتجاذبه تيار الاعتدال كما يتجاذبه تيار التطرف والمغالاة، مما دعا الباحثين إلى استنباط ما هو سني فيه وإثباته واستخراج ما هو متطرف منه والتنبيه عليه.

فقد يمكن أن يسلم المتصوف السني جملة من التطرف، كما يمكن أن ينحرف المتطرف عن السنة كلية، وقد يحدث اجتماع جوانب سنية في شخص من جهة وتلبسه بجوانب متطرفة من جهة أخرى.

لهذا فلا يمكن الحكم على أشخاص ونسميهم بالسنيين جملة، وكذلك لا نحكم على آخرين ونسميهم متطرفين بالكلية، بل ندرس المنهاج السائد وكثرة وروده عن أفراد متألقين في مجال السنة، ونحكم عليه بأنه هذا هو التصوف السني، وكذلك نفعل مع الجانب المتطرف ونحكم عليه بأنه هذا هو التصوف المتطرف .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

............................

[1] أحمد أمين: ضحى الإسلام ج1ص104

[2] حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي ... ج1ص403

[3] أحمد أمين : ضحى الإسلام   ج1ص105

[4] علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام    ط7ج3ص17

[5] القشيري: الرسالة، دار الكتاب العربي بيروت  ص7

[6] ابن خلدون: المقدمة، المكتبة العصرية صيدا بيروت ط  5 ص142  -2004

[7] القشيري: الرسالة القشيرية  ، دار الكتاب العربي بيروت  ص126

 

 

زكية اعراباتتحتل القدس موقعاً رئيسياً في الفكر اليهودي بسبب الرؤية التوراتية لها، وتتجلى أهمية هذه الرؤية في تعبئة وحشد الرأي العام اليهودي في الشتات، وربطه "بأرض الميعاد" وتوجيهه للهجرة إلى فلسطين ليتحقق الحلم الإسرائيلي (الوعد الإلهي) على أرض الواقع. على اعتبار أن الرّب اختص بها اليهود وحدهم دون غيرهم من الأمم الأخرى، واختار لنفسه "أورشليم". ومن هنا سُمّيت بـ "مدينة الرّب" لأنهم يعتقدون أن "يهوه" يسكن فيها!!. وتكشف تسمية مدينة الرّب عن مدى التشبث اليهودي بالقدس، حيث التفريط بها يعني التفريط بمسكن الرّب "يهوه".

تذكر النصوص التوراتية -دون الأسفــار الخمسة-  رؤية اليهــود للمدينة المقدسة. ومن خلالها  يتبين لنا مكانة القدس في وجدان الشعب اليهودي، حيث تغنى سفر إشعيا بحب أورشليم "افْرَحُوا مَعَ أُورُشَلِيمَ وَابْتَهِجُوا مَعَهَا، يَا جَمِيعَ مُحِبِّيهَا. اِفْرَحُوا مَعَهَا فَرَحًا، يَا جَمِيعَ النَّائِحِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ تَرْضَعُوا وَتَشْبَعُوا مِــنْ ثَدْيِ تَعْزِيَاتِهَا، لِكَــيْ تَعْصِرُوا وَتَتَلَذَّذُوا مِــنْ دِرَّةِ مَجْدِهَا"[1]، وبهذا تكـــون القدس المكان الذي يفضل الإله أن يستقر به و يُعْبَدَ فيه " لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَ صِهْيَوْنَ. اشْتَهَاهَا مَسْكَنًا لَهُ"[2]، وهو أمر شائع عند الحضارات القديمة المحيطة بأرض فلسطين والتي تؤمن بضرورة توفير المسكن والمأكل للإله وأسرته؟!، فكما يحلو لبنــي إسرائيل تسمية ببيت الرب أو بيت يهوة، تقليــد سبقت إليه جميع المعابد المجاورة "وللهياكل كلــها دون استثناء اسم يبتدئ في اللغة السومــرية بحرف (E-أي)، وباللغــة الأكاديــة بحرف (بيت) أي (البيت)، ففـي بابل يملك الإله مردوخ (أي- ساغ- يل)(E-sag-il) يعني المنزل ذو الرأس العالي، الذي يرتفع بقربه حصن يدعى (أي-تيمين- أن-كي)، أي بيت أساس الأرض والسماء"[3]. وهنا كان على الإسرائيليين إيجاد اسم لبيت الرب فاقتبسوه من أسماء المعابد الأمم الوثنية التي جاوروها طيلة مدة السبي في أراضي بابل(العراق).

مكانة الهيكل في المعتقد اليهودي

يعد الهيكل الذي بناه سليمان، من أهمّ المقدسات اليهودية،  فقد احتل مكانة خاصة في العقل اليهودي، فهو يقع في مركز العالم بالنسبة إليهم،  بُني المعبد في مدينة القدس حيث  يوجد الهيكل، وقد أقيم داخله  قدس الأقداس[4] ،"وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ"[5] . ظل الهيكل محاطاً بهالة مــن القداسة مــن طرف حكام بني إسرائيل ابتداءًا، وتبعهم الكهنة الموكولُ إليهم القيام بمراسيم العبادة"[6]، ومارس الشعب اليهودي طقوس العبادة فيه انتهاءًا. وقد أصبح الهيكل مركزاً للدين اليهودي يتجه إليه اليهود للصلاة والدعاء وتقديم القرابين، هذا في حال تواجدهم في القدس. أما في حالات السبي والشتات، كانت أنظارهم تتجه نحو القدس، وكل صلواتهم تقام من أجل العودة إليها ويقولون العبارة الشهيرة "إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ، تَنْسَى يَمِيني"[7]، كما يقومون وخصوصاً في احتفالاتهم بعيد الفصح بترديد هذه الجملة : "نلتقي في العام القادم في أورشليــم". وهي أيضاً المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام"[8]. لقد ظلت القدس على مر العصور إحدى البــؤر المركزية للوعــي الدينــي اليهــودي، وتظهر الإشارة إلى طلب استعــادة القدس في الصلاة الأساسية في الديــانة اليهــودية "شمونا إسراي"[9] ، التي تتلى ثلاث مرات يومياً. وهــي كذلك جزء من تلاوة الشكر التي يرددها اليهود بعد تناول الوجبات خلال أيام الأسبوع. لكن تمجيد وتقديس الهيكل لم يظل على حاله حيث تم تدنيس المكان بعد وضع  تماثيل لمعبودات وثنية بداخله.

زعمت التوراة أن سليمان عبد آلهة أخرى دون الله عز وجل بعد تأثير زوجاته عليه، لذا من المهم ملاحظة أن الهيكل لم تكن له أي حرمة أو قداسة حتى على عهد نبي الله سليمان!!، جاء في سفر الملوك  الأول: "وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ». فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ"[10].هكذا تصور التوراة تنازل رجل الدولة الأول عن عقيدته إرضاءاً لزوجاته، فحتى لو لم يكن هذا الملك نبي مرسل[11]، يستحيل على ملك في قوة سليمان وسلطانه العظيم تغيير عقيدته ؟.

وإذا عدنا إلى الوراء، قرابة 200 عام، إلى عهد النبي الكريم موسى عليه السلام، فهو لم يأت على ذكــر المدينة المقدسة، بــل لم يكـن في بالــــه، حسب التــوراة نفسهــــا "فموسى الذي يعتبر صاحب الشريعة التوراتية لم يكن له توجه محدد نحو القدس على اعتبارها مكاناً مقدساً لليهود. وبدت العقيدة اليهودية في أسفار موسى الخمسة مفرغة من المعبد الرمز والأساسي الثابت( ...) فإذا كانت أسفار موسى الخمسة، وهي المعتمدة عند فئات يهودية كثيرة دون غيرها من أسفار التوراة، لا تأتي على ذكر القدس لا من قريب ولا من بعيدـ، فكيف يمكن أن يربط اليهود القدس بالمقدس اليهودي؟"[12]، هذا ولم تذكر القدس إلا في عصر داود عليه السلام، بعد أن استقرت المملكة الإسرائيلية، وفتحت القدس لتكون المركز الديني والسياسي تباعاً، "فالارتباط ارتباط مجموعتين-إسرائيل ويهودا- بمركز إداري يحكم الناس ويدير شؤونهم الدنيوية (...). ولو كانت القدس تشكل لديهم جميعاً المركز القدسي الروحي الأوحد لتمثل ذلك بطقوس معقدة لها قوانينها -على غرار ما تتميز به مكة المكرمة في وجدان المسلمين-، وقام بهـا داود والأتباع من الطرفين "[13].

كما جاء في التلمود أن "القدس ستتوسع في آخر الزمان حتى تصل إلى دمشق، وسوف يأتي المنفيون ليقيموا خيامهم فيها"[14]. "وللقدس مكانة مستقبلية في التراث الديني اليهودي؛ فهي ستكون عاصمة لمسيح الخلاص الآتي من نسل داود، ولهذا يطلقون عليها (الشخيناه) أي: الملكوت الذي سيتنعم منه العالم. جاء في (الأجاداة) [15] . (سيأتي اليهود إلى القدس وسيأخذونها، وستمتلئ حدودها بالثروة) . وفي تفسير التوراة صَوّرت (القبالاة)[16] .(أورشليم) وكأنها المكان الذي سيفيض بالخير من السماء، ومنها يوزع على بقية العالم! ومن اللاَّفت للنظر أيضاً، أنهم يعتقدون بمقتضى (القبالاة)أيضاً، أن القدس ستعلو أسوارها حتى لا تصل إليها (قوى الظلام) ! وستكون مكاناً مناسباً لتهيئة اليهود وإعادتهم إلى التقوى!"[17] .

وقد خصّت التوراة مدينة القدس بكثير من الروحانيات والعاطفة التي تشير إلى أن الإله خلــق أورشليم عند خلقه العالم. وأنــه أقــام خيمــة الاجتماع فيها وصـلى، ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته، أي "أورشليم". غير أنه في الواقع حدث عكس ما أوصاهم به الله، جاء في سفر الأخبار الثاني أن الأمة الإسرائيلية وفي مقدمتها الكهنة، وما كانوا عليه من فساد، وكفر، وعبادة الأوثان داخل بيت الرب، فأرسل الله إليهم من يذكرهم فأبوا فعاقبهم "حَتَّى إِنَّ جَمِيعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشَّعْبِ أَكْثَرُوا الْخِيَانَةَ حَسَبَ كُلِّ رَجَاسَاتِ الأُمَمِ، وَنَجَّسُوا بَيْتَ وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ الرَّبِّ الَّذِي قَدَّسَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. فَأَرْسَلَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ عَنْ يَدِ رُسُلِهِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً لأَنَّهُ شَفِقَ عَلَى شَعْبِهِ وَعَلَى مَسْكَنِهِ، فَكَانُوا يَهْزَأُونَ بِرُسُلِ اللهِ، وَرَذَلُوا كَلاَمَهُ وَتَهَاوَنُوا بِأَنْبِيَائِهِ حَتَّى ثَارَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى شَعْبِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ شِفَاءٌ. فَأَصْعَدَ عَلَيْهِمْ مَلِكَ الْكِلْدَانِيِّينَ فَقَتَلَ مُخْتَارِيهِمْ بِالسَّيْفِ فِي بَيْتِ مَقْدِسِهِمْ. وَلَمْ يَشْفِقْ عَلَى فَتًى أَوْ عَذْرَاءَ، وَلاَ عَلَى شَيْخٍ أَوْ أَشْيَبَ، بَلْ دَفَعَ الْجَمِيعَ لِيَدِهِ. وَجَمِيعُ آنِيَةِ بَيْتِ اللهِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَخَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنِ الْمَلِكِ وَرُؤَسَائِهِ أَتَى بِهَا جَمِيعًا إِلَى بَابِلَ. وَأَحْرَقُوا بَيْتَ اللهِ، وَهَدَمُوا سُورَ أُورُشَلِيمَ وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ قُصُورِهَا بِالنَّارِ، وَأَهْلَكُوا جَمِيعَ آنِيَتِهَا الثَّمِينَةِ"[18].كيف تكون ذاكرة أمة امتنعت عن الامتثال لأوامر الله، واتبعت الشهوات وعبدت الأوثان، وخرجت عن طاعة ربها، لا شك أن هذا التحول الذي طرأ على أمة بأكملها، وعلى رأسها كبار الكهنة، طوال الألفي عام،  قد أصاب العواطف الدينية بالقسوة والتلاشي، ثم النسيان.

فالشعب الذي جلب إلى نفسه غضب الرب، يخسر ارتباطه الروحاني بالواحد الأحد ويفقد الثقة في تدينه، وتضيع منه معالم الماضي والحاضر والمستقبل.

ترمز القدس بالنسبة للإسرائيليين إلى المملكة التي  تسيطر على العالم -كل الممالك والأمم ستجتمع تحت لواء أورشليم- "لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ"[19]. لقد أصبحت القدس مركزاً للتطلعات الدينية. فبعد دمار الهيكل استمرت القدس قبلة اليهود مراحل السبي والتفرقة، وظلت القدس على مر العصور بؤرة مركزية تتجه إليها أنظار اليهود حلماً بالعودة إليها، وإعادة أمجاد ماضيها. "شكلت  نظرة التوراة لفلسطين عامة وللقدس خاصة القاعدة التي منحت لليهود  بعض المبررات التي تشد الأنظار وتشحذ الهمم من أجل التشبث بالأرض على أساس أٌريدَ له أن يكون عقديا من الدرجة الأولى، وبهذا المعنى فإن الارتباط العضوي الذي صنعه منظور الصهيونية بين اليهود والقدس، يستند على مسلٌمة إلــهية قدرية!!، ينفذها على الأرض الشعب المختار بأمر إلهي لا مرد له ولا انحياز عن خطه"[20].

خلاصة:

من خلال ما مر معنا من حديث عن القدس في الفكر اليهودي فقد وقفنا على الخلاصات التالية:

* هم يطلقون عليها (يورشلايم) أو (أورشليم)، أي مدينة السلام، التي سيقودون العالم منها تحت قيادة (ملك السلام)  هكذا ورد في  التوراة.

* يطلق اليهود على القدس أيضا (صهيون) نسبه إلى الجبل الموجود فيها والمسمى بهذا الاسم

* رأينا أيضا أنهم يطلقون على القدس مدينة الإله ويطلقون عليها أيضا (إيل).

* وكل هذه المعاني تشير إلى مغزى واحد وهو ارتباط تلك المدينة بالعقيدة والشريعة اليهودية؛ حيث فرضت تلك الشريعة على اليهود أن يحجوا إليها ثلاث مرات في العام ,وأن يتوجهوا إليها دون أرضٍ غيرها في العالم.

*إن المدينة التي يحتفل بها اليهود منذ فترة بذكرى مرور ثلاث آلاف عام على بنائها,لا تقبل في تصورهم أن تقسم بينهم وبين غيرهم مادامت قد وقعت في قبضتهم.

وخلاصة القول:

عندما شُرد اليهود عن تلك الأرض، ودُمر المعبد المتخذ قبلةً فيــها، دون أن يستطيعــوا العودة إليها، أو إعادة معبدها عبر إلفي عام. فهــل يســهل عليهــم بعد أن عادوا إليها أن يتنازلوا عنها كلها؟، أو بعضها؟، إلى قوم آخرين يريدون أن يتخذوها عاصمة؟، هل يتنازل اليهود عن هذه المدينة التي انتزعوها بالدم والدمع كما يقولون..؟ لقوم أضاعوها في أيام -وهم العرب- بعد ما حفظها أجدادهم طيلة قرون؟!.

فالذين يتصــورون أن اليهود سيــفرطون في القــدس أو في أحــد شِطريها لصالح العرب فإنهم يعيشون وهما كبيراً. فالقدس في معتقد اليهود كل لا يتجزأ، فهم لا يعترفون بتقسيمها إلى نصفين أحدها لليهود والأخر للعرب، بل هي مدينه واحدة موحدة، تقبل الزيادة ولا تقبل التجزئة، وجاء في التلمود "إن القدس ستتوسع في آخر الزمان حتى تصل إلى دمشق، وســوف يأتي المنفيــون ليقيمــوا خيامهم فيها". كما للقــدس مكانــه مستقبلية في التراث اليهودي؛ فهي أيضاً ستكون عاصمة لمسيح الخلاص الآتي من نسل داود.

ولهذه الأسباب وغيرها بات من اللازم على الأمة إيجاد سبل جديدة لاسترجاع الأراضي المقدسة من يد اليهود، غير هذه المتبعة حالياً التي لن تأت بشيء لا في الحاضر ولا في المستقبل.

 

زكية أعربات

طالبة باحثة الدكتوراه

.........................

قائمة المصادروالمراجع

- التوراه

- انظر الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة يوسف نصر الله، مطبعة المعارف بأول شارع الفجالة –مصر، ط1، 1899م، مجلة البيان، المنتدى الإسلامي،العدد 238، عنوان المقال، عمران بيت المقدس.. ومصير الحل النهائي!، عبد العزيز كامل، ص100/137

- تاريخ الحضارة العام، أدريه أيمار، جانين أوبوابه،إشراف:موريس كروزيه، منشورات عوبيدات-بيروت-ج1،ط1

- القدس من الإسراء إلى الوعد بالآخرة، حسن باشا، دار قتيبة-لبنان – ط1،1425هـ- 2004م

- موسوعة الجماعة اليهودية،عبد الوهاب المسيري، دار الشروق –القاهرة- ج5، 1999م

- مجلة البيان، المنتدى الإسلامي،العدد 238، عنوان المقال، عمران بيت المقدس.. ومصير الحل النهائي!، عبد العزيز كامل، ص100/137

هوامش

[1] - سفر إشعياء(66 :10-12)

[2] - المزمور (132: 13)

[3] - تاريخ الحضارة العام، أدريه أيمار، جانين أوبوابه،إشراف:موريس كروزيه، منشورات عوبيدات-بيروت-ج1،ط1،ص 268

[4] - مصطلح قدس الاقداس تقابله في العبرية كلمة (دبير) ... وهو أقدس الأماكن في الهيكل المقدس،وقدس الأقداس عبارة عن مكعب حجري مصمت بدون نوافذأقيم على مستوى أعلى الهيكل من الجزء المسمى (الهيكل) في هيكل سليمان (انظر موسوعة الجماعة اليهودية،ص 271، 272)

[5]- سفر الخروج (31: 26)

[6] - انظر موسوعة الجماعة اليهودية،ص 270

[7] – المزمور (137: 5)

[8] - مجلة البيان،المنتدى الإسلامي،العدد 238، عنوان المقال، عمران بيت المقدس.. ومصير الحل النهائي!، عبد العزيز كامل، ص100/137

[9] - أهم قسم في الصلوات اليومية ويدعى (شمونة عسريه) بالعبرية يتضمن دعاء بمجيئ الماشيح الذي سيأتي في آخر الأيام ويقود شعبه إلى الأرض( انظر موسوعة اليهودية.. المفاهيم والفرق، عبد الوهاب المسيري،ص99 )

[10] - سفر الملوك الاول(11: 1، 5)

[11] - لا يؤمن اليهود بنبوة كل من داود وابنه سليمان

[12] - القدس من الإسراء إلى الوعد الآخرة، حسن الباش، ص55

[13] - نفسه،ص 52

[14] -انظر الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة يوسف نصر الله، مطبعة المعارف بأول شارع الفجالة –مصر،ط1، 1899م، ص

[15] - لأجاداة هي: الجانب القصصي الشفوي في التلمود، في مقابل الجانب التشريعي المدون

[16]-- القبالاة هي: مجموعة التفسيرات الباطنية (المقبولة) للتوراة، باعتبار أن كل كلمة منها وكل حرف ونقطة تحوى سراً داخلياً عندهم، لا يمكن فهمه إلا بالتأويلات الباطنية

[17] -  مجلة البيان، المنتدى الإسلامي،العدد 238، عنوان المقال، عمران بيت المقدس.. ومصير الحل النهائي!، عبد العزيز كامل، ص100/137

[18] - سفر أخبار الأيام الثاني 36: 13، 19

[19] - سفر إشعيا( 2: 3)

[20] - القدس من الإسراء إلى الوعد بالآخرة، حسن باشا،ص22

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (5)

إن الإرادة الساعية صوب الوحدانية النقية والإخلاص لها تفترض نفي ما هو غيرها بصدد توحيد الناس والعالم الروحي للجماعة والأمة. وهو منطق الإرادة النبوية أو الإرادة المتسامية. فهي الوحيدة القادرة على إيجاد الحلول بحدس الحرية والإخلاص، أي المتحرر من رق التقليد والقيم الجامدة والعادات والعبادات الموروثة، التي ماتت فيها أو تحللت طاقة الوجدان الحي، أي كل ما يتعارض مع حقيقتها الأولى، بوصفها وسائل الوحدة والإرادة الفاعلة بإخلاصها للحق

وقد كان صرف القبلة إلى الكعبة احد المظاهر الكبرى لهذه الإرادة التاريخية. إذ احتوت في أعماقها أيضا على أهم رموز التوحيد الجديد. فقد أدرك النبي محمد طبيعة وعمق الخلاف الآخذ بالتوسع بين اليهودية والنصرانية من جهة، وبين الإسلام الناشئ من جهة أخرى. ومن ثم توصل إلى استنتاج ثابت فيما يتعلق بالأديان والإيمان، بوصفها أنماط لا تلتقي فيما بينها رغم اشتراكها في الفكرة الجوهرية للتوحيد ومبادئها العامة المتعلقة بالحياة والموت، والمبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، وكذلك أغلب القيم الأخلاقية الأخرى. ووضع ذلك في الآية القائلة:"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ". 

احتوى الفعل التاريخي لصرف القبلة على بعدين ديني وسياسي. الأول مرتبط بفكرة البديل الديني الجديد، والثاني كان استجابة لإشكاليات الوجود التاريخي العربي آنذاك من أجل نقلهم من وثنية لا آفاق فيها بالنسبة للتوحيد القومي والدولة إلى طور جديد في التطور التاريخي الثقافي (المرحلة الدينية السياسية). فقد توقف امتداد وانتشار النصرانية واليهودية في شبه جزيرة العرب، كما توقفت الوثنية عن صنع عقائدها الثقافية والدينية الموحدة ودولها. وليس مصادفة أن تتعايش العرب، والعرب العاربة، والغاربة بوصفها حالة وجودية وذاكرة تاريخية. مع انه لا رابط بينهم. بمعنى تعايش الواقع السيئ والذاكرة الأكثر سوءا. الأمر الذي جعل إمكانية تحدي هذا الواقع مرهونة بإرادة تاريخية متسامية كان منفذها الوحيد آنذاك هو الدين التلقائي، أي النابع من الواقع وتحسس وإدراك مشاكله ورؤية بدائله بمعايير المستقبل.

فقد بلورت التقاليد العربية السابقة الروحية منها والفكرية شخصية محمد. وتركت القبلة والمسجد الحرام انطباعات عميقة في نفسه. والأهم من ذلك تعمق عالمه الروحي. ومفارقة الانعزال عن أديان التوحيد الكبرى آنذاك تقوم في شحذها للإرادة التاريخية الجديدة التي جرت أيضا من خلال اكتشاف "بيت الله" القديم بوصفه بيتا أزليا أبديا. ومن ثم هو أقدم وأحدث من القدس. وبغض النظر عن كل الملابسات القابلة للتأويل بما في ذلك مواجهة حالة الانعزال الصامت والناطق، والعداء العلني والمستتر للنصرانية واليهودية من الإسلام، فإن التوجه أو صرف الوجوه صوب الكعبة القديمة قد أنتج "بيت الله الحرام". وتطابق هذا من حيث أبعاده الدينية والسياسية بإعادة الانتماء العميق والضروري في الدين الجديد، بوصفه دين التجربة الذاتية للعرب ومهبط وعيهم الثقافي لفكرة المقدس. وبالتالي، فإن تحويل الأنظار صوب القبلة والبيت الحرام ثم مكة جعل منهم قبلة التحرر من تقاليد الاغيار المتخشبة، والشكل الجديد لتنوير الفكرة الجوهرية القديمة للتوحيد، التي وجدت انعكاسها في الآية القائلة:" قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ".

لقد كانت هذه العملية المتدرجة التي جعلت من مكة مدينة الروح التوحيدي الجديد بالنسبة للإرادة التاريخية المتسامية، أي لإرادة النبي محمد أشبه ما تكون بمطرقة التحدي وسندان الإرادة. فقد ظهرت في مجراها وتبلورت شخصيته النبوية. الأمر الذي جعل منها بداية ونهاية مصيره الروحي وفكرته الدينية والسياسية. وليس مصادفة أن يقول عنها وعن بيتها "اللهم زد هذا البيت تشرفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد عظمة من حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة". وأن تنتهي علاقته بها بتحريرها من قبضة الوثنية والجاهلية والقرشية، أي كل ثالوث المواجهة والتحدي الذي بلور وشحذ إرادته التاريخية. وليس غريبا أن يجري ختم الزمن المكي القديم بتاريخ البديل الإسلامي الذي جرى وضعه في أسطورة العبارة الجليلة القائلة حالما حررها بعد كل زمن العداء والمقاطعة والتهجير والحروب: "إن الله قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة. وإنها لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار ثم رجعت إلى حرمتها بالأمس".

تحولت مكة إلى مدينة الروح الأبدية، لأنها مدينة البداية المحرمة. ولم يكن ذلك معزولا عما يمكن دعوته بتمركز قوتها الذاتية، وتمركز الإرادة المحمدية فيها ومن خلالها وحولها. فقد كان تمركز القوة الذاتية لمكة نتاج مرحلة تاريخية طويلة، وجدت تجسدها بأشكال وهيئات ومؤسسات متنوعة. ومن الممكن أن نتخذ من حلف الفضول احد الرموز والعلامات التاريخية الاجتماعية والسياسية الكبيرة بهذا الصدد. والقضية هنا ليست فقط في أثره الفعلي بالنسبة لمركزية القرار، بل ولهويته الرمزية بالنسبة للنبي محمد. فقد عايشه وشارك في تأمله. الأمر الذي أبقى عليه في ذاكرته العملية. وذلك لأن التجربة الناجحة لحلف الفضول جعلته مرجعية مغرية للوحدة الدائمة بوصفها اتفاقا ضروريا ووفاقا عادلا. بحيث نرى الحسين بن علي يدعو إلى تجديد حلف الفضول في حال عدم كف السلطة الأموية عن انتهاك حقوقه في الحجاز. ولم يكن ذلك نكوصا إلى الوراء، بمعنى تخطي ما وضعه الإسلام من قيم وحدود للعلاقة بين الأمة وإمامها، بقدر ما تعني أهميته في الوعي الإسلامي المحمدي نفسه، بوصفه إجماعا على الحق بالحق. أما بالنسبة لحياة الإرادة المحمدية آنذاك، فإن مضمون حلف الفضول يعكس أهمية مكة الروحية والأخلاقية مقارنة بغيرها. إذ تضمن على فقرة تنهي القيام بأي فعل محرّم فيها، والذي وجد انعكاسه أيضا في الفكرة المجردة القائلة، بأن "مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا". أما في الواقع فإن الأمر قد جرى بشكل آخر. بل أن القرآن نفسه يحتوي على آيات عديدة في نقدها لقريش ومكة عما فيها من بغي وظلم وضلال. ومع ذلك ظلت مكة تشكل الهاجس الخفي الأكبر لمحمد. لقد كان النبي محمد يحس ويحدس بأنها مركز البدائل، وأنها "أم القرى". وقد جرت الأحداث كلها باتجاه أن تكون مكة "أم القرى" ليس بالمعنى الوجودي المباشر فحسب، بل وبالمعنى الميتافيزيقي. وحصلت هذه النتيجة على صيغتها التامة والثابتة في تمامها وثباتها بوصفها قبلة المسلمين و"بيت رب العالمين".

فعندما اشتد الصراع مع اليهودية آنذاك بوصفها ديانة توحيدية تحولت لاحقا إلى ديانة "قومية" صرف لا تختلف عن ديانات القبائل من حيث وظيفتها، حينذاك وجد في مكة قبلة روحه وملجأ جسده أو كلاهما في كلّ واحد. ولا يعني ذلك تعمق الأبعاد القومية العربية في الإسلام، رغم أنها كانت جزء من صراع المرحلة لكي يبرز ويتأطر، بوصفه دينا نوعيا جديدا ينفي ما قبله من أديان. إلا أن جذوره كانت أعمق من ذلك. إذ تحددت فيه معالم ومسار التمركز الذاتي لمكة في الوعي العربي والإسلامي.

فقد ذلل النبي محمد معالم ومضمون الوثنية المكية بإخراجها إلى عوالم أخرى. وليس مصادفة أن تكون مكة غاية صراعه السياسي. ومع ذلك لم يجعلها مركز إشعاعه اللاحق بعد تحريرها من الهيمنة القرشية. لقد أبقى عليها وحوّلها إلى جزء من منظومة الشعائر الإسلامية فقط. لقد انتزعها من زمن القبائل والعائلات، وأرجعها إلى تاريخ الجماعة والأمة. ووجد ذلك انعكاسه في العبارات المنسوبة إليه بعد فتحها واستباحتها السريعة قائلا:"إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض. فهي حرام إلى يوم القيامة. ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ثم رجعت كحرمتها بالأمس". لقد قضى النبي محمد بهذه العبارة أو الفكرة على مكة الجاهلية وزمنها الوثني عبر إرجاعها إلى أصلها الأول بوصفها مدينة الله الأبدية. 

سرت روح النبي محمد في معراجه صوب المسجد الأقصى، لكنها لم تهدأ إلا في "البيت الحرام". فالأول ظل بعيدا، بينما تتراوح في "المسجد الحرام" روح اليقين والثبات، الذي وجد تعبيره الدقيق في الآية التي خاطبته بعبارة: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ".

ولا يغير من هذه الحقيقة هروبه اللاحق منها. اذ لم تكن هجرته إلى يثرب هجرانا لمكة بقدر ما كانت الوجه الآخر للرجوع إليها. وذلك لأنها ظلت على الدوام بالنسبة له هاجس التخطيط والفعل وميدان الإرادة وبدائل المستقبل. فقد ظلت مكة تلازم صيرورته وكينونته بوصفها قبلة روحه وجسده، ومن ثم قبلة الروح والجسد. لقد تحولت مكة إلى عنصر جوهري في شعور الانتماء الموحد ووعيه التاريخي. أنها شكلت وعاء الانتماء الذاتي ووعيه الثقافي والروحي. فقد افرد لها التاريخ العربي مكانة البؤرة الروحية والثقافية والعقائدية في الإسلام.

فقد كدست مكة مشاعر العرب تجاه أربابها وتصوراتهم حول القواسم المشتركة بوصفها الصيغة المجردة والمقننة لتجاربهم التاريخية. ومن ثم جمّعت وبلورت هذه القواسم المشتركة في مبادئ وقيم كبرى موحدة. وبالتالي توسطها وتوسيطها لتقاليد العرب بلهجاتها المتنوعة ودياناتهم وأربابهم، بحيث جعلتها معقولة ومقبولة للجميع. ذلك يعني أنها صاغت وبلورت قبل ظهور الإسلام جزئية الاتحاد الروحي العربي. الأمر الذي أدى إلى إنفرادها في التاريخ العربي والإسلامي بمكانة خاصة لم ولن تفقدها فيما يبدو قيمتها المتميزة، شأن كل المدن التي ترتقي إلى مصاف "القبلة" الجاذبة للروح والجسد.

 ولم ينفصل هذا الترابط العربي والإسلامي فيها منذ البدء. فهي عربية بمعايير الجسد، إسلامية بمعايير الروح. والأخير هو الذي نقلها من زمن الوثنية إلى تاريخ الاسلام. وفيه فقط امتلكت معناها "المقدس"، رغم انعدام القدسية في المكان كما هو. فهي لا تتعدى كونها كومة من الحجر والصخر والرمال بمعايير الجسد، لكن الروح الإسلامي هو الذي جعل منها قبلة المسلمين. الأمر الذي وجد طريقه إلى مختلف الأساطير وحكايات الخيال، بوصفها الحالة الملازمة للانتقال إلى الوعي الثقافي الديني. فقد قلّم التوحيد الاسلامي مخالب الوثنية القبلية، مع ما لازمه بالضرورة من تهذيب وتجميل للجسد التاريخي وللروح الثقافي، اللذين تراكمت مكوناتهما في مجرى قرون من الزمن قبل الإسلام، أي كل ما حدد "مصيرها التاريخي". تماما بالقدر الذي لعب دورا هائلا في تثبيتهما بالمعنى العربي الوثني والإسلامي. وليس مصادفة ألا تنكر الرؤية الإسلامية العلاقة الحميمة والمتنافرة أيضا، شأن كل وجود متواجد في العقل والوجدان والذاكرة. بمعنى يطربهم ويدفئهم ويثير فيهم في الوقت نفسه حمية الانتفاض والتمرد. لقد رفع الإسلام مكة مع مرور الزمن إلى مصاف المكان المكرّم. وبقي هذا الاسم يلزمها ويلازمها، كما سيطلق لاحقا على المدينة كلمة المنورة. ثم تجري لاحقا بلورة وصياغة مختلف القصص والحكايات الجميلة والمعتوهة، بوصفها الوحدة المركبة لكل محاولة تسعى لإضفاء القدسية على ما لا قدسية فيه بحد ذاته. وذلك لأن المدن هي نتاج التاريخ، الذي لا ينفي ولا يتعارض عما في بعضها من خواص لا ترتقي إليها المدن الأخرى. وبالأخص تلك التي تجسّد في ذاتها رمزية الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، مع أن كل ما في الوجود رمز، كما يقول ابن عربي.

بهذا المعنى، فإنها تكون قد ارتقت إلى مصاف بابل وأثينا وروما ولاحقا بغداد، أي أنها عرضة للزوال والبقاء في الذاكرة التاريخية وإبداعها المتنوع. ولعب الخيال الإسلامي اللاحق دورا كبيرا في توسيع مداها الروحي، رغم أن ملامحها المادية بقت كما صورها القرآن، بوصفها "وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ" و"بكة المكرمة" التي آمنها الله من الخوف.

وشأن كل مدينة من هذا النوع، عادة ما تستثير اللغة ومباحثها، والتاريخ وذاكرته، والأسطورة وخيالها من اجل رسم ملامحها الفعلية والخيالية، أو حدّها وحقيقتها كما كان يقول الفلاسفة المسلمون. اذ وجد البعض فيها تحريفا لاسم المقرّبة مثل بكة ومكة. والمقربة تعني تلك التي يتقرب الناس لها وبها. وبالتالي تجري ضمن سياق ما نقله ياقوت الحموي عن أن مكة تعني الامتكاك، أي الامتصاص. فهي تمتص الناس وتجذبهم بأثر قدسيتها. وتنتشر في كتب السيرة النبوية تفسير مكة على أنها تعادل معنى الازدحام. ويقال تمككت العظم إذا اجتذبت ما فيه من المخ، فكأنها تجتذب إلى نفسها ما في البلاد أو بفعل جمعها الماء من الجبال والتلال المحيطة، لأنها واقعة في واد. وتختلف هذه التفاسير في البحث عن المعنى، لكنها تلتقي في كونها تأويلات محكومة بالأثر الذي أحدثه الإسلام فيها. 

إن أهمية مكة ومعناها وقيمتها ومصيرها كان محكوما بالتغير الوعي الذي أحدثه الإسلام في وجود العرب. إذ يستمد تقديس مكة مقوماته من الانتصار الإسلامي بوصفه أيضا نفيا لما أنجزته العرب الوثنية في مجال توحيدها الروحي ووعيها الديني والاجتماعي والأخلاقي. وقد ظهرت ملامح هذه الصورة للمرة الأولى بعد الانكسار الذي تعرضت له بأثر غزوة أبرهة الحبشي للجزيرة. أنها أعطت لمكة بعدا ميتافيزيقيا جديدا وقوة لم تتمتع بها من قبل. فقد وقعت الهزيمة عند تخوم مكة كما لو أنها العملاق الخفي الذي اهلك الأعداء بقوة السماء!

فقد كان في غزوة أبرهة الحبشي لمكة بعدا يكشف عن أهميتها المركزية والروحية بالنسبة للعرب آنذاك. ولا يقلل من ذلك كمية الأخبار والمعطيات التي تقلل من هذه الأهمية. وذلك لأنها كانت مجرد جزءا من الصراع والمنافسة. إذ تورد الأخبار التاريخية على سبيل المثال، موقف ثقيف في مهادنتهم أبرهة الحبشي وإشاراتهم له أن ما ينبغي قصده هو مكان الكعبة لتهديمها وليس كعبتهم (بيت اللات). ونعثر في هذا الموقف على واقع يقول، بأن مكة لم تحتل بصورة نهائية وتامة موقع المركز الروحي الموحد لعرب الجزيرة آنذاك. كما تعكس في الوقت نفسه تمسك أهل الطائف بآلهتهم، ومن ثم استمرار صراع الكعبات في الجزيرة. وليس مصادفة ان يتوجه النبي محمد في بداية دعوته بعد صدّ المكيوّن له، إلى الطائف. وهناك حصل على أقسى رد ومهانة. وهكذا استمر الحال حتى بعد احتلال الطائف. اذ أرادوا الاحتفاظ بآلهتهم ولو لعام واحد، والذي رفضه النبي محمد. وسمح لهم بتهديمها بمعاولهم.

إن الحصيلة الجلية لكل هذه الغزوة تقوم في صعود مكة من بين ركام القوة الحبشية المسحوقة بطيور أبابيل الأسطورية. فمن المعلوم إن الأسطورة لا تتكامل بين ليلة وضحاها. وهزيمة أبرهة الحبشي وصيغتها الأسطورية قد تكاملت في مجرى عقود من الزمن. فالزمن في جزيرة العرب آنذاك ليس تاريخا بل زمن الهواء والعواء، أي زمن العواء الذي ينقله هواء الخواء التاريخي في أوديتها وواحاتها. وقد تكاملت هذه الصورة الخيالية تدريجيا إلى ان بلغت نمطها الأعلى في الآية القرآنية القائلة:"وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ". فمن الناحية الدينية كان ينبغي الوقوف إلى جانب أبرهة الحبشي بوصفه نصرانيا من أتباع التوحيد في هجومه على أوثان الكعبة. بينما نرى القرآن يقف إلى جانب الوثنية في حماية "رب البيت للبيت". وهو تناقض سرعان ما ينحلّ فيما أسميته بالأبعاد الميتافيزيقية الجديدة التي أحاطت بمكة اثر هزيمة الغزوة الحبشية، أي تلك التي أعطت لمكة "مصيرها الأبدي" في الخيال الإلهي بوصفها مدينة الله الجديدة ومأوى بيتها المقدس. فهي الذروة التي تكاملت في الوعي العربي الأسطوري والواقعي ووجدانه القومي. ففي شعر رؤبة بن العجاج نقرأ ما يلي:

ومّسهم ما مّس أصحاب الفيل

 ترميهم حجارة من سجيل

ولعبت بهم طيرا من أبابيل

فمن الناحية الفعلية لم تكن هذه الصورة الأسطورية سوى التعبير المناسب عن حالة العدوى القاتلة التي أصيب بها جيش أبرهة بأثر أمراض الحصبة والجدري. إذ تنقل كتب التاريخ والسير قولا عن يعقوب بن عتبة قوله "أول ما رأيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام". واكتملت هذه الصورة الأسطورية بأبعادها الميتافيزيقية الجديدة في القرآن من خلال ربط قدسية مكة بالله الإسلامي وشعائره الجديدة. اذ أخذت مكة قدسيتها من "الإرادة الإلهية" كما في الآية "أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ؟ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟". ومنها جرى صنع مفارقة الفكرة الإسلامية البديلة لمكة في منظومة العقائد والشعائر الإسلامية الجديدة التي طالبت بعبادة "ربت البيت" فيها، كما في الآية " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ".

بعد ذلك أخذت تتكامل صورة مكة بوصفها قوة مادية روحية لعبت دورا كبيرا في صيرورة الشخصية المحمدية والإسلام ككل. إذ تحولت إلى مركز وعصب الحياة الاقتصادية للجزيرة ورحى حرامها وحلالها الروحي والأخلاقي. كما برزت في شخصيتها فكرة المدينة التي لا تذل ولا تذيل. بحيث نراها تحصل لاحقا على هيئة الفكرة التي جرى وضعها بعبارة "مكة لقاح لا تدين لملك لقاح بالفتح"، أو ما قاله عبد الله الزبعري:

تنكلوا عن بطن مكة أنها    كانت قديما لا يرام حريمها

إن القدسية الجديدة لمكة هي قدسية من طراز نوعي آخر يمكن رؤيتها في الاستعداد السريع للتحول من بيت الآلهة الوثنية إلى بيت الله الإسلامي. الأمر الذي يكشف عن وحدة مسارها التاريخي الذي ذلل الإسلام أبعاد الزمن العابر فيها. بمعنى التحول النوعي في موقع مكة بالنسبة للعقيدة الإسلامية وشعائرها. وما عدا ذلك، فإنها شأن المدن الأخرى. فقد هدمها واحرقها "أمراء المؤمنين" و"خلفاء المسلمين"، خصوصا زمن الأمويين عندما استعصت عليهم في المعارك السياسية والحربية. وكما يذكر الجمحي في (طبقات فحول الشعراء) قصة موت كثير وعكرمة في يوم واحد، وكيف أن أهل مكة خرجوا جميعهم لتشييع جنازة كثير مداح الأمويين وقصائد التشبيب، بينما لم يوجد لعكرمة مولى ابن عباس من يحمل نعشه!

كل ذلك يشير إلى أن المقصود بالقدسية هنا هو القدسية الروحية، أي الفكرة المجردة بوصفها النتيجة المترتبة على سيطرة الإسلام وشخصيته المركزية: محمد. إذ ليست القدسية الروحية سوى النتاج الذي رافق تطور وتوسع وتعمق الوعي الديني العربي وتمركز مؤسساته الكبرى في مكة، أي كل ما نعثر عليه في تطور التصورات الدينية العربية قبل الإسلام. فقد بدأت ظاهرة التمركز والمؤسسات بتنظيم الحمس، الذي لا يشكل بحد ذاته أهمية جوهرية كبرى. غير أن الاعتراف اللاحق بهذه الفئة الاجتماعية الدينية، كان يحتوي ويتضمن على تحول نوعي في المشاعر العربية تجاه مكة ومركزيتها الروحية والأخلاقية. وهي الظاهرة التي أقرّها الإسلام إلى جانب أشياء أخرى عديدة. وتكاملت هذه الصورة مع مرور الزمن بأثر تراكم الخيال والأساطير، التي أضفت على مكة هالة القدسية والتقديس، بحيث جعلتها خارج إطار الخضوع لأية قوة باستثناء "القدرة الإلهية" في قدرها، والتي سعى محمد، بإرادته التاريخية المتسامية، إلى تمثلها وتمثيلها في الفكرة التوحيدية الجديدة للإسلام.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (4)

كانت الهموم العقائدية والعملية للنبي محمد في ميدان الإرادة تقوم في صنع الإرادة المتوّحدة من خلال توحيد المعنى الإسلامي للمفاهيم والقيم. ففي معرض رده، على سبيل المثال، على رسالة مسلمة الحنفي (مسيلمة الكذاب)، فإننا نرى فيها الموقف من الإسلام والتوحيد بوصفه مبدأ دينيا سياسيا وليس سياسيا دينيا. فعندما كتب إليه مسلمة الحنفي (مسيلمة الكذاب)، كما تنقل الروايات التاريخية، كتابه الذي احتوى على نفس نموذج التحية الإسلامية، واعتبار نفسه رسول الله، وانه أشرك معه في أمر النبوة، ومن ثم اقترح عليه "تقسيم الأرض بينهما بالمناصفة"، رد عليه النبي محمد قائلا: "بسم الله الرحمن الرحيم.. السلام على من اتبع الهدى. الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين". ونرى نفس الشيء في موقفه من مطالب ثقيف مقابل القبول بالإسلام واعتناقه. فقد طالبت مع قبولها باعتناق الإسلام، بأن تبقى على عبادة اللات ثلاث سنوات، وترك الصلاة، وأن يزيلوا الأصنام بأنفسهم. وقد وافق محمد على طلبهم الأخير ورفض الأول والثاني. وليس مصادفة ان يتمسك أبو بكر الصديق زمن الفتنة التاريخية الصعبة التي واجهها في ظاهرة الردة بعد موت النبي محمد، بالرفض التام والقاطع لمطالب من أراد مقايضة البقاء على إسلامه ان يتركوا الصوم والصلاة وعدم إتيان الزكاة.

ونفس الشيء يمكن رؤيته في مواقف النبي محمد من التقاليد والأعراف والقيم. ففي موقفه من النسيء نعثر على رفض أولي قاطع للاستهانة بثباتها، بمعنى رفض من أراد تغيير حالة اشهر الحرام حسب رغباته، بحثا عن الثبات، ولكنا نراه يجد فيها حجر عثرة زمن الضرورة الحاسمة للصراع. وعندما سألوه عن ذك كما في الآية القائلة " يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...". وبرر ذلك بأن الكفر بالله والصد عنه، وإخراج أهله من المسجد الحرام عند الله أكبر من التمسك بالنسيئة. الأمر الذي يعني انه يدينها من حيث كونها جزء من إرادة الأهواء لا إرادة الحق.

كما تنوعت وتوسعت مواقفه من المفاهيم والقيم، لكنها كانت على الدوام مرتبطة بإرادة الحق والتوحيد. اذ أدى توسع وتنوع أشكال الصراع إلى أن يعيد النبي محمد ويوسع تصوراته وأحكامه عن الله ونفسه وجميع المفاهيم والقيم السائدة في عالم الوثنية والعرب الجاهلية. اذ لم تعد الهزيمة والفوز، على سبيل المثال، من عند البشر بل من عند الله. فالفوز هو هبة إلهية بينما الهزيمة بلاء منه لاختبار إرادة المسلمين. واعتبر ان ما يمس المسلمين من حرج في مجرى الصراع فقد مّس آخرين غيرهم، انطلاقا من أن الهزيمة والانتصار من حيث الظاهر هي حالة طبيعية بوصفها "أيام نداولها بين الناس". ومن ثم فإن الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للإرادة هو الثبات عند فكرة التوكل الفاعل انطلاقا من المبدأ القائل " وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ". وذلك لأن جميع الأحداث والمجريات محكومة بسرّ الهي، ومن ثم فإن البقاء ضمنه وفيه أولى. فبعدما صرخ البعض في مجرى معركة احد، بأن محمدا قد مات، جاء الرد في الآية " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ "، " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا  "، وأن الموت أصناف وأنواع وأفضلها هو الموت في سبيل الله، أي في سبيل الحق، كما في الآية "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". وبهذا تكون الفكرة الجديدة عن الموت قد حررت الروح من ثقل الجسد، والجسد من فكرة الاندثار والتلاشي. بمعنى الإبقاء على كينونة الإنسان بوصفه مخلوقا أبديا.

إن سوء الفهم لحقيقة الله، أو ما وصفه النبي محمد بعبارة "يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ" هو اساس ومقدمة الرؤية والمواقف المغلوطة التي شكلت حجر المسن الفعلي للإرادة المحمدية بوصفها إرادة التحدي والمواجهة والبدائل. بعبارة أخرى، لقد وجد النبي محمد في آراء ومواقف وأحكام العرب الوثنية بصدد مختلف القضايا والقيم مجرد ظنون خاطئة، أي ليست عقلية ولا تستقيم مع الحق والحقيقة. ففي الموقف من الموت، على سبيل المثال، كانت العرب الوثنية في مجرى صراعها ضده تؤكد على أن الإنسان يولد ويموت شأن كل ما في الوجود، وأنه لا قدرة للإنسان ولا اثر فيه. بينما جعل محمد من الموت والحياة أيضا أجزاء أو عناصر في الإرادة الإلهية التي تعطي في نهاية المطاف للإنسان بعدا وقيمة تتجاوز حدود ما أعطته الوثنية له. فالعرب الوثنية تقول بأنه "ليس لنا من الأمر شيء". بينما يجيب النبي محمد: " قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّه" بما فيه الحياة والموت. مع ما ترتب على ذلك من أبعاد أخلاقية وروحية. بمعنى الاستعاضة عن فكرة الموت زمن الشدائد بفكرة الشهادة الحية. بحيث نرى انعكاس هذا التعارض وتغلغله في المواقف والسلوك والإحساس والخطابة والشعر.

فقد كتب الزبعري، بعد معركة أٌحد، في إحدى قصائده الجميلة في الثأر على هزيمة ومقتل قريش في بدر قائلا:

كل عيش ونعيم زائل         وبنات الدهر يلعبن بكل

كم قتلنا من كريم سيد         ماجد الجدين مقدام بطل

ليت أشياخي ببدر شهدوا  جزع الخزرج من وقع الأسل

بينما رد عليه المسلم كعب بن مالك قائلا:

ابلغ قريشا وخير القول أصدقه  والصدق عند ذوي الألباب مقبول

إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا     والقتل في الحق عند الله تفضيل

إننا نقف هنا أمام لوحة تنعكس فيها الأفكار والمواقف المتضادة عن معنى الحياة والموت. الأول يعكس موقف التقاليد الوثنية القبلية عن القدر والثأر، بينما الثاني يربط الحياة والموت بالقيم المتسامية عن الحق والتضحية من اجله. بمعنى نفي قيم الوثنية والقبلية بقيم الروح المتسامي الذي تتكشف وراءه ما يمكن دعوته بإرادة التوحيد.

إن إرادة التوحيد هي القوة والطاقة والوسيلة التي تتوحد فيها الرؤية العقائدية المتسامية بالرؤية والمواقف العملية للوحدة الاجتماعية. وقد اتخذت الأخيرة في الإرادة المحمدية هيئة ونموذج الجماعة والأمة من أجل تنظيم توحيدها الروحي العقائدي والسلوك العملي، أي وحدة الروح والجسد على مستوى الفرد والجماعة والتنظيم. وتمثل الحادثة المروية عنه ورؤيته للحل الواقعي تجاه اختلاف أو تنافس القبائل في بناء الكعبة، سواء جرت بصورة فعلية أو رمزية، عن الأبعاد الفعلية أو الدفينة، الواقعية أو التأويلية للمغزى العميق في رؤيته وسلوكه. فعندما اختلف الناس فيمن يكون الأول بنقل الحجر إلى الكعبة. بينما اقترح محمد أن يكون من كل قبيلة من يمثلها، ثم وضع الحجر في الرداء الذي يحمله وأشركهم جميعا في رفعه وحمله دفعة واحدة. إننا نعثر في هذه الصورة على نموذج الفعل الجماعي، ومساعي التوحيد الاجتماعي. وطبق ذلك لاحقا على جميع العبادات ونمطها الإسلامي الجديد من صلاة وصوم وحج وغيرها. فعندما تم الإعلان عن الدعوة جهرا، اخذ النبي يصلي بالمسلمين في إحدى شعاب مكة. ولاحقا سينقلها إلى مكة و"بيت الله الحرام". وتجرى تدقيق وتنظيم هذه الوحدة العبادية (الروحية والعقائدية) في مجرى الصراع ضد قريش والوثنية عموما. بمعنى أن آراءه الخاصة بتوحيد الإرادة أخذت بالتطور والتدقيق والتهذيب في مجرى الصراع الاجتماعي والديني والفكري، الذي تبلور في مجراه أيضا فكرة الواحد والجماعة، بوصفها الحد الفاصل بين المتضادات والجماعات والأفراد والعلاقات. 

كانت فكرة التوحيد تعني بالنسبة للنبي محمد وتتطابق مع فكرة الحق. ومن ثم فما سواها باطل أيا كان شكله ومستواه ومظهره. فالله هو الإله الواحد ضد الكثرة، لأن الكثرة في هذا المجال هي أوثان وأوهام. ذلك يعني، أن الإله الواحد هو الحق، كما أن الحقيقة واحدة واحدة. وتغلغلت هذه الحقيقة الواحدة في أعماقه بوصفها وحيا حيا صنع على مثاله مقوماته الذاتية وإرادته الحرة، بوصفها قدرا أيضا. ففي هذه المفارقة كان ما يكفي من حيوية وصدق جعلته مستعدا للتضحية من اجلها دون تردد، ولكن بوصفها تضحية النبوة وليس قربان الوثنية، أي تضحية الإبداع التاريخي أو القربان التاريخي. وهذه أشياء مختلفة ومتباينة بل ومتناقضة أحيانا بمعايير المنطق الشكلي، لكنها وحدة حية بمعايير الإرادة المشتركة. من هنا يمكن فهم معارضته الأولية للمقايضة التي حاولت قريش إغرائه بها. إذ رفض أن يكفّ عما يقوم به ولو أعطوه مقابل ذلك الشمس والقمر. الأمر الذي أثار دهشة قريش المتربية بحب الجاه والمال والثروة. بحيث نراهم يجدون في موقفه وشخصه "سحرا عجيبا". وسحبوا ذلك على غيره من المواقف، مثل استغرابهم بقدرته على التفريق "بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه". أما في الواقع، فأن الإرادة النبوية وتحديها الشامل قد قلب الموازين والقيم، وأصبح ما هو غريب عاديا، وما هو مثيرا للاستغراب مقبولا، وما هو سحر معقولا. ولا غرابة في الأمر، فإن للتاريخ الفعلي مساره الغريب والمدهش والمثير للاستغراب أحيانا، مثل أن تتحول قريش التي أكثر من ناصب محمد والإسلام العداء إلى قبيلة "مقدسة" وحاملة الحق الأوحد في مدّ الخلافة بقبائلها ورجالها! لكن هذه المفارقة تبقى في نهاية المطاف الصيغة المشوهة للانقلاب التاريخي الذي أحدثته فلتة صعود أبو بكر للخلافة ومغامرة الأموية في تثبيتها اللاحق.

أما المسار الأول للخلافة النبوية، أي استخلاف النبي محمد للإرادة الإلهية، فقد كان له مساره ومنطقه الخاص القائم في البعد التوحيدي الكامن في كل فعل كان يقوم به محمد. فعندما اضطروه للهجرة الأولى إلى الحبشة، فإنه جمعهم وكوّنهم كوحدة من مختلف القبائل، بحيث نرى فيهم من بني هاشم وبني أمية وبني أسد وعبد شمس ونوفل وعبد قصي وعبد النار وهديل وبهراء وتميم وغيرهم.

وفي نفس الوقت كان النبي محمد مستعدا لمساومة قريش، ولكن بالاتجاه الذي يخدم وحدانية الدين الجديد، ومن خلاله توحيد العرب. انه دعا قريش الوثنية من اجل أن تسود قريش الإسلامية. وكان مستعدا للاتفاق معها بما في ذلك إزالة عبارة "محمد رسول الله"، على أن تبقى عبارة "لا اله إلا الله" وخلع عبادة الأوثان. حينذاك يمكن لقريش أن تسود العرب وتدين لهم العجم. ولا يتعارض هذا السلوك في احد مراحل تحديه للعرب الوثنية. فالإرادة المتسامية تعمل بمعايير الحق وليس بالأهواء. والجوهري في إسلام محمد هو "لا اله إلا الله"، أي الوحدانية الخالصة والإخلاص لها. وما عدا ذلك يمكن التساهل به ومعه. ولكن إلى حد.

فقد تنوعت مواقفه، لكنها توّحدت في الإصرار والثبات على فكرة التوحيد. إذ سمح في البداية وأحيانا وتساهل مع اقتراف الإثم، على الأقل فيما يتعلق بقضايا وإشكالات ما بعد الموت. ووجد تخريج لهذا الموقف في العبارة القائلة "الله إن شاء عذّب وإن شاء لم يعّذب". وينطبق هذا على مواقف أخرى متغيرة ومتبدلة، باستثناء مبدأ الاعتراف بالله. اذ وجد فيه السرّ العميق الكامن في كل الفضائل المحتملة. ومع ذلك وضع حدودا دقيقة متراكمة عن كمية ونوعية الفضائل التي شكلت منظومة القيم الإسلامية. من هنا توكيده منذ البدء على عدم السرقة والعدوان والقتل والزنا وقتل الأبناء وإتيان البهتان. كل ذلك كان يهدف إلى التوحيد الاجتماعي عبر شحذ مثال وأنموذج الفكرة الوحدانية الإسلامية، التي أخذت ملامحها تتراكم وتتضح في كمية ونوعية الجماعة المتجمعة حوله ودوره فيها وشخصيته.

غير أن أهم وابرز ملامح الفكرة التوحيدية ضمن مسار الإرادة وثباتها تظهر في الأبعاد العقائدية للإسلام المحمدي الأول، وبالأخص في الموقف من اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب. ووجد ذلك انعكاسه الأولي في الحكم المؤقت للفصل بين اليهود والنصارى. فقد كانت تكمن فيه أفضلية الإسلام، لما فيه من رمزية كامنة ومبطنة. إذ لم يقف محمد إلى جانب طرف ضد آخر، بل سعى للسمو والعلو عن هذه المعارك ومن ثم الكشف عما فيها من خلل كما صوره القرآن في الآية القائلة: "قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ. كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ".

إننا نقف هنا أمام موقف يتساوى فيها العلم والجهل بأثر تحزبهما وانعدام علاقتهما بالحقيقة كما هي. بمعنى إنهما ابتعدا عن حقيقة الدين اليهودي والنصراني. إذ لا يعترف أحدهما بالآخر، وكلاهما لا يعترفان بالإسلام، بينما الإسلام يقر بما فيهما من حقيقة وينتقد ما يجافيها عندهم.

فعندما طالبته اليهود بالتهّود، والنصارى بالتنّصر، أجاب بأن الهدى الإسلامي أهدى لله الحق والتوحيد الحق. وانه لا يستطيع إتباع ما جرى تحريفه. وانه يتبع مضمون التوحيد وحقيقته في اليهودية والنصرانية وليس ما يتبعه اليهود والنصارى من تحريف له، أو ما وضعه في عبارة تقول بإتباع "مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين".

كان مسار النقد الإسلامي لليهودية والنصرانية يقوم في تنقية الفكرة الوحدانية ورسم حدودها الحقيقية. ومن ثم البرهنة على أن التوحيد الحق لا علاقة له بالأديان نفسها ولا حتى بالأشخاص. ذلك يعني، إن حقيقة التوحيد تقوم في إبراز حقيقته كما هي. وإن التوحيد فكرة سليمة بحد ذاتها، أما محاولة امتلاكها ومصادرتها الخاصة فهو أما جهل أو بأثر التقليد وتلوث القلب الأخلاقي. من هنا اعتباره تصورات اليهود عن يهودية إبراهيم، وتصورات النصارى عن نصرانية إبراهيم أحكام لا علاقة لها بحقيقة إبراهيم وذلك لأنه قبل التوراة والإنجيل. إن حقيقة إبراهيم تقوم في كونه "حنيفا مسلما". وبهذا يكون محمد قد سعى لإبراز قيمة الحنيفية، أي التوحيدية الخالصة. فهو لم يناقش فكرة الانتماء والمصادرة للأشخاص أيا كانوا. وذلك لأن الجوهر والجوهري هو الله الواحد، وما عداه أشخاص وأسماء لا غير.

لقد أراد النبي محمد إبراز نقاء فكرة التوحيد، وأن دين الله واحد، أي أن الوحدانية الخالصة تقوم بالإخلاص لله الواحد الحق. وهي فكرة تتضمن في أعماقها مهمة تنقية الإرادة والعمل بموجبها من أجل التوحيد العام والشامل. وضمن هذا السياق يمكن توقع ما نسب إليه عن ضرورة الدين الواحد في الجزيرة، أي أن "لا يترك بجزيرة العرب دينان". وأيا كانت حقيقة هذه النسبة، بمعنى أن تكون من كلمات محمد أو من الاجتهاد الديني السياسي اللاحق لعمر بن الخطاب، فإن مقدماتها الخفية تكمن في فكرة الإرادة النقية. وبالتالي لا علاقة لها بفكرة القيم من تسامح وتعدد وما شابه ذلك. فهي حالة متناقضة بمعايير المنطق الشكلي، لكنها معقولة بمعايير الإرادة الساعية إلى دفع التحدي الشامل للوثنية صوب نهايته المنطقية. الأمر الذي نعثر عليه في الوحدة المتناقضة لفكرة "لا إكراه في الدين" و"لا دينان في جزيرة العرب". فالفكرة الأولى هي شعار الدفاع، والثانية شعار الهجوم. وبالتالي، يعّبران عن مسار الصيرورة الطبيعية والماوراطبيعية لفكرة التوحيد الروحي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي، الذي وجد انعكاسه في تدّرج الإرادة المتحدية والمتفائلة.

ففي بداية الأمر كان الصراع موجها من اجل القضاء على الوثنية، ولاحقا الإبقاء على الدين الأكثر تأثيرا وفاعلية، وأخيرا تحديد معالم ومهمات وغايات الدين التوحيدي الحق وإبعاد البقية الباقية وفرزها بهيئات مختلفة من كفار، ومشركين، وأهل ذمة، وأهل كتاب، وغيرها. وتوّجت هذه الغاية في الكتاب الذي أرسله النبي محمد بيد عمرو بن حزم إلى بني الحارث ينهي فيه الدعوة لشيء أيا كان لغير الله. وورد فيه النص التالي: "إذا كان بين الناس هيج الدعاء إلى القبائل والعشائر، فليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليحذفوا بالسيف حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له". بعبارة أخرى، إن الإرادة الساعية صوب الوحدانية النقية والإخلاص لها يفترض نفي ما هو غيرها بصدد توحيد الناس والعالم الروحي للجماعة والأمة. وهو منطق الإرادة النبوية أو الإرادة المتسامية. فهي الوحيدة القادرة على إيجاد الحلول بحدس الحرية والإخلاص، أي المتحرر من رق التقليد والقيم الجامدة والعادات والعبادات الموروثة، التي ماتت فيها أو تحللت طاقة الوجدان الحي، أي كل ما يتعارض مع حقيقتها الأولى، بوصفها وسائل الوحدة والإرادة الفاعلة بإخلاصها للحق.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيفلسفة النبوة المحمدية (3)

الإرادة صانعة المصير، سواء جرى النظر إليها بمعايير التجربة التاريخية والواقعية أو بمعايير القضاء والقدر اللاهوتية. وذلك لأن جذرها يكمن فيما يريده المرء ويسعى إليه، أي كل ما يتمثل القوة والرغبة العميقة في الإنسان. وبدونها يتحول المرء إلى كتلة بلا طاقة. فالإرادة تصنع العظمة والعظماء وتحقق من خلالهم إحدى المآثر التاريخية الكبرى. إذ تكشف التجارب التاريخية لصيرورة الأمم الكبرى عن ارتباط كينونتها الثقافية بشخصياتها الإرادية الكبرى، ومن ثم فإن الإرادة هي العنصر الجوهري بالنسبة للانتقال من طور وحالة ثقافية تاريخية إلى أخرى. فالإرادة الفاعلة تعادل معنى "الطاقة التاريخية" أو الإرادة التأسيسية بوصفها الحلقة الضرورية في سلسلة الآلية الداخلية لهذا الانتقال. وفيها ومن خلالها تبرز قيمة وأهمية وفاعلية العظماء في التاريخ. والمقصود بالعظيم هنا الشخصية الإرادية المتفائلة، والعاملة بمعايير الرؤية المستقبلية ومتطلباتها. فالانتقال من المرحلة الإثنية الثقافية إلى المرحلة الثقافية الدينية سواء ارتبطت بشخصية فردية أو جماعية، فإنها تعمل بالضرورة بنفسية وذهنية الإرادة المتفائلة بالمستقبل والإرادة الذاتية، الأمر الذي يحدد صيرورة المرجعيات الثقافية المتسامية والعمل بموجبها في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي، كما نراه على سبيل المثال في شخصية حمورابي وإرادته في تحديد ملامح الانتقال التاريخي صوب المرحلة الثقافية الدينية عبر بناء الدولة الإمبراطورية الموحدة، والقوانين الموحدة، والآلهة الموحدة.

وليست العظمة في الواقع سوى الإرادة التاريخية المتفائلة في تحديها للواقع والخروج منه عليه بعقل ثقافي مستجد ومتجدد صوب بدائل منظومية كبرى. وليس مصادفة، على الأقل في العربية، أن تكون العظمة والعظيم والعظم من جذر واحد يدل على القوة والبقاء. لكن العظمة في مسارها الفعلي هي تاريخ الصراع والكفاح والتحدي مع ما يتخلله بالضرورة من وحدة المتناقضات الملازمة للحياة والتاريخ الفعلي للبشر من نصر وهزيمة، وفوز وانكسار، وفرح وألم، والذي يجعل من الإبداع مرارة ومن مذاقها الثقافي حلاوة. كما انه لا احد يتذوق مرارة العظمة غير حاملها ومبدعها، ومن ثم لا يمكن تذوقها بوصفه أسلوبا لإدراك الحقيقة كما هي إلا من خلال معاناتها وتمثل ما فيها في العلم والعمل. وقد عانى محمد وتمثل رحيق التجربة التاريخية للنبوة من خلال صقل الإرادة الذاتية المتسامية وتجسيدها العملي في إرادة تاريخية كبرى وتحقيق ما فيها من مساع وغايات.

إن العلاقة بين الإرادة الفردية المتسامية والإرادة التاريخية هي الصلة الضرورية التي لا يمكن بدونها تحقيق الانتقال من طور تاريخي ثقافي إلى آخر. وكما لا ينجح التحدي الفردي إلا بوجود إرادة فردية متسامية، كذلك لا ينجح التحدي التاريخي بدون إرادة تاريخية كبرى. فالأولى وثيقة الارتباط باليقين الفردي المتفائل، بينما الثانية وثيقة الارتباط بالعقل الثقافي الجديد، أي بالعقل المؤسس لمنظومة المرجعيات المتسامية. وهذا بدوره ليس الا منظومة البديل التاريخي الذي يعي الخلل البنيوي أو المأزق التاريخي للعنصر الجوهري في صيرورة وكينونة المرحلة التاريخية الثقافية السابقة. فالإرادة التاريخية للانتقال من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية يفترض إدراك طبيعة ونوعية الخلل في العنصر الديني بوصفه المكون البديل لما قبله وإضافة العنصر البديل القادر على نفي عناصر المرحلة السابقة. وفي الحالة المعنية تذليل الفكرة الدينية السابقة بأخرى أكثر فاعلية في إرساء أسس البديل التاريخي الثقافي الجديد وتجذير البديل عبر العنصر الأكثر فاعلية ألا وهو العنصر السياسي. ومن ثم إرساء أسس الطور الديني السياسي ومنظومة مرجعياته المتسامية، أو المافوق تاريخية لكي ترسي أسس التاريخ الجديد.

صنعت الإرادة الفردية لمحمد شخصيته النبوية، كما صنعت شخصيته النبوية إرادة تاريخية أو طاقة تاريخية ثقافية كبرى وجدت تعبيرها وتحقيقها في الثقافة الإسلامية اللاحقة وحضارتها. بعبارة أخرى، لقد جعلت الإرادة الفردية المتسامية من محمد نبيا، بينما جعلت إرادته التاريخية الكبرى من النبي محمد رسولا ذا رسالة وشريعة.

وجسّدت الشخصية المحمدية وحققت فكرة الإرادة التاريخية، أي الإرادة المتفائلة تجاه المستقبل، وذلك لأنها كانت منذ بداية النبوة مليئة باليقين. ونعثر على هذه الحالة النفسية والعقلية للإرادة المحمدية من ناحيتها الفكرية المجردة في ظهور عبارات "عين اليقين" و"حق اليقين" في الآيات الأولى للوحي القرآني. ووجد ذلك تعبيره العملي الدقيق والواضح والجلي والمستميت من أجل تحقيقه في العبارة العميقة والمباشرة التي واجه بها طلبات وتحديات قريش من أجل ترك النبوة والتخلي عنها: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

فما قبل النبوة، لم تكن الإرادة الفردية لمحمد أكثر من إرادة البحث عن اليقين. اذ لا نعرف عنه ما قبل النبوة إلا أشياء قليلة وعادية مثل كونه يتيما، ورباه عمه أبو طالب، وعمل بالرعي ثم التجارة عند خديجة التي تزوج منها لاحقا، وسفراته إلى العراق والشام، وأمانته بحيث وصفوه بالأمين. وفِي الميدان الاجتماعي كان مختفيا وراء صيرورته الفردية وشخصيتها، بمعنى أنها كانت تتراكم في مجرى تأملاته العقلية والوجدانية في وديان مكة وديارها. والحالة الوحيدة التي أشار هو شخصيا إليها وجوده في مجرى الاتفاق على حلف الفضول في مكة عام 590 (ميلادية) بعد شهر من انتهاء "حرب الفجار" بين كنانة وقيس عيلان1.

ذلك يعني، إن إرادته الأولية المتراكمة في تصوراته عما يسعى إليه والطريقة المثلى لبلوغ ما يسعى إليه في مواجهة إشكاليات الواقع وقضاياه، لم تكن أكثر من إرادات الآخرين. لكن بأثر تحول الإرادة الفردية إلى إرادة متسامية (نبوية)، أخذت الشخصية المحمدية تعطي للإرادة قيمتها ومعناها التاريخي. بمعنى تحسس ورؤية الأبعاد المافوق تاريخية والماوراطبيعية في سلوكه ومواقفه التاريخية والطبيعية. إذ أصبحت إرادته جزء وتمثلا "لإرادة الله". ولعل الحادثة المشهورة عن مساهمته في رمي الحصى على أعداءه في معركة بدر، احد النماذج الحية بهذا الصدد، والتي وجدت انعكاسها وتعبيرها في الآية القائلة (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).

إن رؤية الإرادة الإلهية في إرادته تعكس من حيث طابعها الرمزي التأويلي والواقعي العملي، أو الديني والسياسي عن أن جوهرية الإرادة في شخصيته الجديدة تنبع من جوهرية الإرادة في مراحل الانتقال. وذلك لأنها تحدد مسار ونوعية التحدي والبدائل، ومن ثم تجد انعكاسها وتجسيدها في العقل الثقافي. من هنا أثرها الجلي اللاحق في المواقف العملية والنظرية للمرحلة التأسيسية الأولى للثقافة الإسلامية كما نراه على سبيل المثال في حركات الخوارج والمعتزلة والمتصوفة.

جعلت هذه الحالة المعقدة والمتداخلة من حيث مقدماتها ومكوناتها وقواها من محمد نبي الإرادة. بمعنى اختارها واختارته. وقد يصعب الكشف عن سرّ هذه العلاقة بمعايير المنطق، لكن المنطق يكشف ويبرهن على حقيقة جوهرية ألا وهي أن غلبة الإرادة في التحدي الشامل جعلت من "إرادة الله" الملجأ الأول والأخير لاختيار الفعل بوصفه تحديا. وبالتالي، فإن "إرادة الله" تعني الإرادة المطلقة، أي إرادة اختيار الفعل بمعايير الحق، التي ستجد منفذها الجلي بالنسبة للوعي الديني والسياسي والأخلاقي فيما يسمى بأسماء الله الحسنى، بوصفها مؤشرات على الفضائل العملية. بينما يشكل اختيار أي منها تحقيقا للإرادة. وضمن هذا السياق يمكن فهم تنوع واختلاف المواقف من الشدة إلى الرحمة، ومن الهجوم إلى الصبر وكثير غيرها، على وحدة الثبات في التغير. وذلك لأن عدم اقتران الفعل المختار بمعايير الحق يؤدي بالضرورة إلى زعزعة اليقين وخلخلة الإرادة. فالإرادة الحقيقة بلا رغبة. بينما الإرادة المقيدة بالرغبة مجرد أهواء عابرة. ومن ثم ليست قادرة على الصمود أمام التحديات الكبرى. فقد جعل النبي محمد من كل تحد درجة قصوى، وانه لا صغائر في الأمور، انطلاقا من أن الأشياء بالنسبة لله كلها سواء. الأمر الذي يجعل من الأشياء كلها سواء بالنسبة للإرادة المتسامية.

ونعثر على هذه الصيغة في شخصية محمد وإرادته حالما تجسدت في حالة "شخصية نبوية وإرادة متسامية". ولعل الحادثة الشهيرة عن رفضه المساومة على نبوته وإرادتها الفاعلة مهما كلفه الأمر بالعبارة الشهيرة "حتى يظهره الله أو اهلك دونه". ففي هذه العبارة والموقف نعثر على باعث اليقين بوصفه جوهر الإرادة المحمدية. فالإرادة المتسامية تعادل على الدوام فكرة اليقين، اذ يتغلغل اليقين في الإرادة ويتماهى معها بالشكل والمضمون، بحيث لا يمكن التفريق بينهما. فقد ظهرت عنده منذ البداية فكرة "حق اليقين" و"عين اليقين". وهو يقين يختلف عن يقين العلم والمعرفة، ويقين التقليد، ويقين البلادة والغباء. فالأول يحتمل الشكوك، بينما الثاني لا يعرف الشك، أما الثالث فهو يقين التقليد بمختلف مظاهره وأشكاله، والذي كان يطغي على تقاليد الوثنية العربية. أما اليقين المحمدي فهـو يقين متفائل، وذلك لأنه يقين النبوة أو حدس الوجدان الخالص. من هنا تداخل التفاؤل بالمعاناة العميقة التي تضعه أحيانا أمام هاوية اليأس والقنوط، ثم تعيده من جديد إلى تفاؤل مغر. فالإنسان الذي يدرك إرادته على أنها الحلقة الرابطة بين الأزل والأبد لا يصاب باليأس والقنوط، أو على الأقل إن هذه الأحوال تظهر وتضمحل بوصفها شفرات القطع الحادة لما هو عالق وعابر، أو حجر المبرد الذي يقطع الشكوك بيقين الإحساس الجديد بنعومة "الأذى"!

إن حالات الإحباط واليأس والقنوط وما شابهها ليست إلا أحوال الروح في معاناته شحذ قوة الإرادة بوصفها يقينا متفائلا. وقد كان هذا هو مضمون الإرادة الإلهية في القرآن، أي مضمون الإرادة المحمدية بوصفها إرادة إنسانية تاريخية كبرى. ذلك يعني، إن الإرادة الإنسانية إلهية بمعايير النبوة حالما تتمثل الحق والحقيقة. وبالتالي كانت الإرادة المحمدية إرادة التحدي والبدائل، المبنية على أساس فكرة التفاؤل واليقين، أو الإرادة المتفائلة يبقينها الذاتي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن تأسيس المرجعيات الثقافية الكبرى للإسلام، بوصفها الأساس البنيوي لانتصاره وإرساء أسسه الذاتية، هو النتاج الخالص للإرادة المتفائلة للنبي محمد، والتي يمكننا رؤيتها أيضا في جميع مظاهر وجوده وفعله العلني والمستتر بما في ذلك أثره وتأثيره فيمن حوله.

وقد تكون نبوة الإرادة من بين أكثرها نموذجية، بمعنى الاقتناع واليقين بنبوته وعلاقته بالله بوصفه رسولا للعالمين من جانب العرب الوثنيين، أي الواقعيين جدا والمشككين في كل ما لا يتجاوز حدود المعقول المباشر في الرؤية والفعل. وقد تكون الحادثة الطريفة بين محمد وأبو سفيان بعد تحرير مكة من بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد. فقد استجاب أبو سفيان للشطر الأول فقط من الشهادة الإسلامية عندما نطق بها قائلا "لا اله إلا الله" ثم سكت. وعندما قال له محمد "الم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟"، فأجابه "أما هذه، والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا" 2.

فإذا كان إسلام الشخصيات الأولى بصورة طوعية، بأثر إدراك لا يخلو من نوعية الإرادة المحمدية الشخصية والنبوية كما كان الحال بالنسبة للشخصيات التي ستلعب لاحقا دورا كبيرا في تاريخ الإسلام وإرساء أسس الخلافة. فقد كان إيمان عتيق بن عثمان (أبو بكر الصديق) وما تبعه من إسلام شخصيات أخرى كبيرة وكثيرة يعكس من الناحية الاجتماعية والنفسية والفكرية أيضا اثر الإرادة الفردية للنبي محمد. وذلك لأن إيمان هذه الشخصيات المتعرّكة في تجارب الحياة، والكبيرة في أعمارها، وغير المعروف عنها الاهتمام بقضايا الروح وما وراء الطبيعة، بل على العكس، الاهتمام بالثروة والتجارة، هو احد المؤشرات الدقيقة لأثر الإرادة المحمدية وشخصيته الفردية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار الحالات الفردية الخاصة للكثير منهم، ممن سيلعب دورا هائلا في تاريخ الإسلام والدولة والثقافة.

كان عمر بن الخطاب، على سبيل المثال، من ألد اعداء محمد والداعين إلى قتله. اذ كان يسمي النبي محمد بالصابئ. كما كان سلوكه يتسم بالعنف والقسوة تجاه المسلمين، بما في ذلك تجاه أخته التي أسلمت قبله. بحيث قال عن نفسه لاحقا "كنت  للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها وأسرّ بها". كما أسلم أغلب قواد الفتوحات الإسلامية مثل عمرو بن العاص وخالد بن الوليد. ويقال أن الأول أسلم خوفا من ملك الحبشة بسبب مؤامراته لقتل النبي محمد، بينما كان إسلام الثاني عاديا. في حين وجد فيه بعض من الخزرج، كما تنقل الروايات، ما كانت تبشر به اليهود عن النبي الجديد الذي يمكنه أن يجمع بهم شمل الأوس والخزرج. بينما كان إسلام اغلب من أسلم بعد فنح مكة بأثر القوة والخوف!

مما سبق يتضح، بأن محمدا كان يخضع، كما هو جلي من هذه الحادثة وأمثالها، كل ما كان يقوم به لتأسيس فكري وتبرير عقائدي. الأمر الذي كان يجمع بين الرؤية الواقعية (السياسية) والتأويل الفكري (الديني) ومن ثم احتوائهما على أبعاد غير متناهية بوصفهما جزء من الوحي. ومن ثم أعطى لكل ما يقوم به صفة التأييد الإلهي. والهدف من وراء كل ذلك هو التوحيد الاجتماعي والعقائدي، كما نراه في الآية "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ". ومن ثم صنع المناعة الذاتية والروحية، كما في الآية القائلة: "لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ... وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ"

لا يعني إتباع "أحسن ما انزل" في الوحي سوى اختيار ما هو ملائم للإرادة الفاعلة بمعايير الحق. بعبارة أخرى، إننا نعثر هنا على مرونة الموقف باختيار ما هو مناسب في تأسيس أو تبرير الموقف، ولكن بشرط ارتباطها بأحسن أو أفضل ما هو موجود في ذخيرة الرؤية العقائدية. وفي هذا كان يكمن الأساس العقائدي للإرادة المحمدية في صراعها ضد الوثنية العربية أولا، والأديان الأخرى لاحقا في الجزيرة من اجل إرساء أسس "التوحيد الخالص". واستعمل النبي محمد كل ما كان في متداول يديه من الذاكرة التاريخية وقوة المنطق والبلاغة والبيان ومعطيات الحس والعقل السليم، باختصار كل ما كان بإمكانه تقوية وشحذ الإرادة في مواجهة إشكاليات الواقع وقضاياه الفعلية. فنراه على سبيل المثال، يستشهد بحياة وأفعال ومآل من سبقه من الأنبياء والصالحين. بمعنى العمل من اجل شحذ الهّمة وإثارة الهموم لتلافي الرذيلة واليأس والقنوط. ومن ثم بناء منظومة المعنى أو المعاني المتسامية في الموقف من الوجود بوصفه حركة لا تنتهي. وقد كان هذا يعني من حيث مقدماته وغاياته العمل على تأسيس المعنى الروحي للعمل من اجل البديل التاريخي والمستقبلي، الذي كان يتطابق من حيث أسسه وآفاقه التاريخية مع فكرة الانتقال من المرحلة الثقافية الدينية (الوثنية) إلى المرحلة الدينية (الإسلامية) السياسية. ومن ثم يتطابق مع مهمة إرساء أسس الكينونة التاريخية الثقافية والسياسية الجديدة للعرب، بوصفها كينونة إسلامية. 

استمد هذا الإرساء أسسه من تمثل التجربة التاريخية للعرب بعد نفيها بمعايير الإسلام ومرجعيته الكبرى والجوهرية في التوحيد. وينطبق هذا على كل ملامح ونماذج المواجهة والصراع التي قام بها محمد ضد عرب الجاهلية بشكل عام وقريش بشكل خاص. اذ تنوعت أشكال الصراع ضد البنية الاجتماعية للعرب(القبلية) والديانة الوثنية، والتقاليد والقيم والأعراف التي وجد فيها أحوالا أو أساليب لا تخدم فكرة الوحدة أو تتعارض معها. فإذا كانت العرب، على سبيل المثال، تقول وتعمل بتقاليد الجوار (القبلي)، فإن الفكرة الإسلامية البديلة التي اخذ النبي محمد يدعو إليها تقوم باستبدالها بفكرة "جوار الله".

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

........................

1- حرب الفِجَار (43 قبل الهجرة الموافق لعام 580 ميلادية). وهي إحدى حروب العرب في الجاهلية التي جرت بين قبيلة كنانة (ومنها قريش) وبين قبائل قيس عيلان (ومنهم هوازن وغطفان وثقيف وغيرها). وسميت بالفجار لما استحلوا في معاركهم المحارم في الأشهر الحرم وغيرها من الرذائل.

2- هذا قول أبو الخليفة الأموي الأول. وهو إسلام مزيف دون شك.

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من أن الإنسان قادر على بلوغ الكمال الأخلاقي كما هو الحال في مثال النبي محمد. لكنه أكد في الوقت نفسه على أن العظيم الكامل (النبي) هو العظيم في أمته. وبالتالي، فأن المثال والمثالي هو النموذج الواقعي المتخلّق بالأخلاق المطلقة. إذ ليست النموذجية هنا سوى الحلقة الجامعة بين المطلق والعابر، والتي تنحلّ فيها حوافز التقديس العمياء، تماماً بالقدر الذي يصبح التقديس مثالاً للحقيقة الكاملة في نموذج الإنسان الحق والواقعي. من هنا تشديده على فكرة عظمة النبي في أمته. إذ كل عظيم، كما يقول الغزالي، ناقص بالإضافة إلى المطلق. أما الهيبة والاحترام والتبجيل وما شابه ذلك من مظاهر العظمة، فإنها تتهاوى وتندثر مقارنة بالمطلق. أما نموذجها الأرقى أو صيغتها الجامعة في الإنسان الكامل فتكون فيمن يوحد "الآداب الظاهرة في الجوارح، والحقائق الباطنة في القلوب"[1]. أي مبدئية الأخلاق الشاملة، ونموذجها العملي في ما أسماه "بكمال المعرفة وحسن السيرة "ومثالها في "الإنسان الذي لا تطفئ نور معرفته نور ورعه".

فالغزالي لم يحصر نموذجية مثاله الإنساني في ميدان النفس الأخلاقية، بقدر ما أنه وجد فيها المقدمة الجوهرية للانطلاق صوب العالم الأوسع استناداً إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان الكامل، هو الذي تسري صفات كماله في الوجود ككل. مما جعله يشدد على مهمته الإرشادية والإصلاحية، باعتبارها مهمته الكبرى[2]. وكتب بهذا الصدد قائلاً، بأن الإنسان المرشد المصلح هو الذي يصير قدوة يقتبس من أنواره وعلومه[3]، أي أنه لم يفرض هيبة التقليد والاستبداد في مثاله، بقدر ما أظهر منه قدوة المثال الأخلاقي والمعرفي.

إن مأثرة الفكرة الغزالية عن القدوة المثالية للإنسان الكامل تكمن في ربطه إياها بالقيم المطلقة لا بأشخاصها. وهي الصيغة التي نعثر على انعكاسها في موقفه من الحقيقة ورفضه كون الإنسان معيارها. بمعنى رفض فكرة أن يكون الإنسان معياراً لكل شيء ورفض تضييقها الإنساني وتحجيمها التاريخي. لهذا أكد على أنه لا ينبغي قياس الحقيقة بالرجال، بل الرجال بالحقيقة. وحتى حالما تكلم عن مثال الشخصية الكاملة في النبي محمد، باعتباره المثال النموذجي للإنسان الكامل، فإنه لم يفرضه كمثال مطلق. لهذا قيّد الصيغة المطلقة لمثالية الإنسان الكامل بالأسماء الإلهية. من هنا تأكيده حال الحديث عن الاسم الإلهي المؤمن، بأن تجليه الملموس يكون في الفرد الذي يكون سبباً لأمن الخَلق. أما نموذجه الحي فيقوم فيما أسماه "بحرفة الأنبياء والعلماء"[4]. أي كل ما حدد اهتمامه الكبير بالإنسان الكامل في منظومة الأخلاق العملية وروحها الإصلاحي.

إن حياة الإنسان الكامل على قدر حظه من حقيقة الحي (الاسم الإلهي). بمعنى على قدر سلامة قلبه من الغش والحقد والحسد، وسلامة إرادته من الشر، وجوارحه من الآثام، وصفاته من الانتكاس والانعكاس. وألا يكون عقله أسير شهوته وغضبه وسائر صفاته السلبية الأخرى[5]. أو كل ما يجعل من اكتمال صفاته الجميلة قدوة فاعلة حقة. وذلك لأن التخلّق بالأخلاق الإلهية ما هو إلا وسيلة بلوغ المثال الاجتماعي الأخلاقي الأسمى. لهذا رفض الغزالي، تحويل الغاية إلى وسيلة، رغم إدراكه الصلة الدائمة بينهما بما في ذلك تحول مواقعهما، أي تحول الوسيلة إلى غاية والعكس بالعكس. وفي الوقت نفسه شدد على أن الغاية الأسمى لا غاية لها غير السمو والكمال.

لقد حوّل هذا المبدأ إلى شعار الفعل والقول ومثال تجلي الحكمة العملية.. فالأخيرة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وإذا كانت أجلّ العلوم هو العلم الأزلي (علم الله)، فإن وجوده الواقعي يتجلى في إدراك حقيقة النسبية المطلقة في الأخلاق العملية. وهو لم يبتعد هنا كثيراً عن الحقيقة في حالة تجريد آراءه ومواقفه من الميتافيزيقيا الدينية. إذ ليس العلم الأزلي سوى الحقيقة المطلقة، باعتبارها أرقى وأجلّ العلوم والمعارف. إلا أن التجلي الدائم للحقيقة المطلقة، يقوم في إدراكها الملموس. وبالتالي فإن الحقائق الكلية لا يمكن سكبها في قوالب اللغة المعرفية وتأثيرها المعنوي. وقد جعله ذلك يتكلم عن أن ما يميز الحكيم هو سعيه لإظهار الكلي في كلامه وتجنب الجزئي فيه. ولم يربط ذلك بإرادة الحكيم الشخصية، بقدر ما ربطه إياه بالحكمة نفسها وصيرورتها وغاياتها. فهي الحصيلة المعمِّمة للوعي الفعال في وقوفه أمام ذاته الفردية والاجتماعية والثقافية والكونية لتأمل مصيرها في الكلّ. فهو الوعي الذي يدفع الحكيم إلى إعادة النظر، أو بصورة أدق، إلى تجاوز الجزئي في الكلام والتعرّض للكلي، أي فكرة عدم التعرّض للمصالح العاجلة والتعرض لما ينفع في العاقبة[6]. غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك وضع العاجلة (الحياة الدنيا) بالضد من العاقبة (الحياة الأخرى)، بقدر ما أن يزنهما في كفتي المصلحة العابرة والمنفعة الحقيقية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الاجتماعية الأخلاقية الدينية لمعرفة الجزئي والكليّ. وإذا كان الكليّ هو السائد في كلام الحكيم، فلأنه النتاج المجرد لتعميمه للجزئيات وتوليفها النظري. وينطبق هذا بالقدر ذاته على ما أسماه بمصلحة العاجلة ومنفعة العاقبة. بمعنى السعي لوضع أولوية المثال الأخلاقي الشامل والكليّ مقابل الأصغر والجزئي.

وحصلت هذه النتيجة على صيغتها النظرية في مواقفه المعارضة لتحويل الله إلى وسيلة بلوغ الجنة. لهذا أيضاً أكد على أن من "طلب شيئاً لغيره لا لذاته، فكأنه لم يطلبه فإنه ليس غاية طلبه". أما مضمونه الجوهري في منظومته الأخلاقية فقد تحقق في قيمتها التحويلية الممكنة. بمعنى رفضه تحويل الدين وعقائده الكلامية أو أيما شعار أو هدف معلن لأن يكون وسيلة بلوغ المآرب الشخصية. وبالتالي، فإن من الصعب فهم حقيقة مثال الإنسان الكامل إلا على أسس الأخلاق الفردية الصارمة باعتبارها أيضاً المقدمة الضرورية للفعل الاجتماعي الأوسع.  لهذا لم يضع في حظ الإنسان من الاسم الإلهي الجبار سوى فكرة الارتفاع عن الإتباع ونيل درجة الاستتباع، والانفراد بعلو المرتبة إلى الدرجة التي "يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به. ويفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، ويستتبع ولا يتبع، بل لا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه"[7]. ذلك يعني إنه شدد على ضرورة الارتفاع الدائم للذات الكاملة في توجهها صوب المطلق من خلال استجماع إمكانياتها الأخلاقية. إنه حاول رسم الصورة المجردة لإمكانية تجسيد المطلق دون أن يقيدها بغير قيوده. مما أعطى له تاريخياً، فعالية الإشعاع الروحي وخميرة الاحتجاج والإصلاح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

فالإنسان الكامل، إن أمكن القول، هو أسير المطلق وأداته. لهذا ركّز الغزالي، في معرض تناوله الاسم الإلهي العزيز على صيغة تجليه الإنساني بمثال الشخصية التي يحتاج إليها الآخرين لبلوغ سعادتهم الأبدية. وأكد في الوقت نفسه على أن الكاملين يشاركون الأنبياء كل في عصره[8]. حيث أدرج بين هؤلاء الكاملين أيضاً الخلفاء والعلماء، أي رجال السياسة والحكمة العلمية والعملية، وشدد على أن عزة الإنسان الكامل على قدر "عنائه في إرشاد الخلق"[9].

إنه حاول إظهار قيمة الفعالية الاجتماعية التاريخية في شخصية الإنسان الكامل، انطلاقاً من إدراكه للحقيقة القائلة، باستحالة وجود  هذه الفعالية الحقيقية دون وجود الإنسان الحق. من هنا تركيزه على مهمة التطهير الذاتي ببدائل القيم الأخلاقية. ومن هنا أيضا تشديده في مواقفه من حظوظ الإنسان من الأسماء الإلهية على ضرورة الانتقام من النفس باعتبارها أحد أعدائه، وعلى قهرها الدائم باعتباره مقدمة العمل، وعلى الإنصاف منها باعتباره شرطه[10]. إلا أن هذه السلبية الظاهرية، بما في ذلك موقفه المعارض للعنف ما هو إلا السلم الأخلاقي، لا سلبية الممارسة الاجتماعية السياسية. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي المنتقم، فإنه شدد على فكرة المحمود في الانتقام. غير أنه لم يضع في الانتقام بواعث الهمجية وردود الفعل النفسي التبريري، بل فعل الأخلاق الصارمة وضرورة توجيهه ضد النفس، باعتبارها "أعتى أعداء الله"[11]. أنه سعى لتحويل "الانتقام الذاتي" إلى وسيلة الرقي الأخلاقي والفعل السياسي السليم. ولم ينظر إلى الانتقام نظرته إلى ممارسة قائمة بذاتها، بل إلى جزء ضروري من الكلّ الأخلاقي. فهو لم يرد من وراء ذلك سوى إظهار قيمة المثال الفردي في الإنسان الكامل وفعاليته الاجتماعية الممكنة. ووجد في السلم والقدوة الحسنة الروحية أسلوبها الأمثل. فالتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الرحيم يعني أن "يرحم عباده الغافلين بصرفهم عن طريق الغفلة بطريق اللطف دون العنف"[12]. وأن التخلّق بأخلاق الاسم الإلهي اللطيف يعني أن يكون مثاله "الرفق بالناس والتلطف بهم ودعوتهم للحق من غير عنف ومن غير تعصب وخصام"[13]. وبغض النظر عن تباين المضمون السياسي في مفهوم العنف عند الغزالي عما هو عليه الحال في العالم المعاصر، إلا أنه أعطي لمفهوم وفهم العنف واللاعنف أبعاداً جديدة في منظومة البديل القيمي، من خلال تحويرها في قيم التسامح، بما في ذلك السياسي. ومن ثم نبذ التعصب. لهذا أكد على أن الوسيلة الفضلى لإظهار حظ اللطيف الإلهي في الإنسان، أو الدعوة للحق من غير عنف وتعصب وخصام هو "السيرة المرضية للأعمال الصالحة، فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزيفة"[14].

وحدد هذا الأسلوب العام فعالية الشخصية المتخلّقة بأخلاق الله في مواقفها وأحكامها وحلولها. فالإنسان الكامل هو الذي يتعامل مع معضلات الوجود كما لو أنها قضاياه الخاصة.  بمعنى  نفيه لعدم المبالاة وتحويل ذاته صوب ميدان الهموم الاجتماعية باعتبارهامن صميم همومه، أو ما عبّر عنه بكلمات "أن ينظر إلى كل مصيبة تجري كمصيبة له في نفسه"[15]. مما حدد بدوره استمرار المهمة الفعالة للإنسان الكامل. فالمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الفتاح، هو "المتعطش لأن يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات الإلهية، وأن يتيسر بمعرفته ما يتعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية"[16]. والمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي المعز المذل، هو الذي "يستعمل في تيسير أسباب العز على يده ولسانه"[17]. مما يعني أولوية التيسير في عمله وقوله مقابل التعسير. ولا يعني ذلك في مضمونه الاجتماعي من الناحية التاريخية سوى أولوية المصلحة العامة.

إن مأثرة الغزالي هنا تقوم في أنه لم يترك هذا التيسير والمصلحة العامة سائب الأطراف، بل حاول ربطهما بما أسماه بالرؤية الصادقة والحل السليم. وبغض النظر عما إذا كانت حلوله ومقترحاته صائبة أم لا، فإن قيمتها الفكرية المجردة تقوم في تأسيسه لضرورة العمل الأخلاقي والرؤية السليمة. وبالتالي بلورة قيمتها وقيمها الاجتماعية السياسية والفكرية. فقد نظر هو إلى كل ما هو موجود، باعتباره داخلاً في الوجوب[18]، أي لزومه وضرورته ونسبته في الوحدة والكلّ، بما في ذلك في الاجتماع. وهو ما حاول إظهاره بصدد مختلف القضايا والمشكلات والمسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، مثل رؤية الخير في الشر، وعرضية الشر في الوجود الاجتماعي، تماماً بالقدر الذي يفترض مثالية الحقيقة المجردة والمبدأ الأخلاقي المطلق. لهذا لم يجد، على سبيل المثال، حقيقة العدل في المنفعة، بل في وضع كل شيء في نصابه[19]. ولم يعن ذلك تبريراً لما هو موجود، وذلك لأنه انطلق من أن الوجود هو أفضل ما في الإمكان إبداعه. لكنه أقرّ في الوقت نفسه، بأن كل شيء عرضة للزوال، وأن الوجود هو الأفضل. وبالتالي فسح المجال أمام الفعالية الممكنة في ميادين الحياة وقيمة المصلح الأخلاقي، وذلك لأنه ينظر إلى الحركة الدائمة في الوجود ويعيها ويحكم عليها باسم المبدأ الأخلاقي. وقد حدد كل ذلك خصوصية الفكرة الإصلاحية في تآلفه الصوفي وتأسيس المثال لإمكانيات البدائل الشاملة ومثال الإنسان الكامل.

لم يحصر الغزالي ميدان فعل الإنسان الكامل في مجال دون آخر. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام ضرورته العملية الاجتماعية السياسية الرفيعة، باعتباره خليفة الله في الأرض، أي ما سبق وأن وضعه في  معنى حقيقة الخلافة بوصفها الاستمرار الحق للإلهي في الإنساني. لهذا جمع في كلّ واحد قيمة المثال المطلق للإنسان، باعتباره هدفاً لمساعيه العملية، وربطه في الوقت نفسه بتلقائية التأييد الإنساني الحقيقي. من هنا عدم تقييده بزمان دون آخر. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي البديع، فإنه يشير إلى أن مثاله في الإنسان هو من "يختص بخاصية النبوة أو الولاية أو العلم لم يعهد مثلها. إما في سائر الأزمان وإما في عصره، فهو البديع بالإضافة إلى ما انفرد به، وفي الوقت الذي هو منفرد به"[20]. مما يعني تضمنه إمكانية ظهوره الدائم.

لقد أبدع الغزالي المثال المجرد للإنسان الكامل وقيّده في الوقت نفسه بالميتافيزيقية الصارمة. وقد كانت هذه المفارقة نتاج التوليف الذي سبق وأن بلورته اتجاهات الثقافة الإسلامية في منظومات الكلام عن الخليفة، والشيعة عن الإمام، والمتصوفة عن القطب. ولهذا لم يكن مثاله عن الإنسان الكامل خليفة بالصيغة التاريخية لها، ولا إماماً بمقاييس الحكمة الإلهية الشيعية وباطنيتها، ولا قطباً صوفياً في فردانيته الروحية الخالصة. لقد وحّدها عبر توليف المبادئ العملية للإصلاحية الشاملة ومثالها في التخلّق بأخلاق الله.

مما سبق يبدو واضحاً المضمون الاجتماعي لفكرة التخل!ق بأخلاق الله. فعلى الرغم من تركيزه على هذه النتيجة في ميدان خلق الإرادة الذاتية، إلا أنها شكلت في منظومته العملية العلمية أسلوب الخروج إلى الآفاق الأبعد للوجود الاجتماعي. لقد ثوّر، إن أمكن القول، السياسة في حركة السموّ الأخلاقي وكشف عن محدودية السلطة السياسية من خلال إظهار سلطة المطلق الأخلاقي في الذات واستبدال واقعية الهيمنة واستبداد السلطة بالحرية الأخلاقية المعرفية للإنسان. وبهذا يكون قد حاول الكشف عن معالم السمو الأخلاقي والهوة الفاصلة بينها وبين الواقع والمثال. بحيث نراه يظهر في كل اسم إلهي يوحي بعناصر السلطة والقوة، هشاشة السلطة الظاهرية مثل سلطة القوة والمال والجاه وما شابه ذلك. فليس الملك الحقيقي سوى المستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود. أما الملك الحقيقي من الأنس فهو المستغني عن كل موجود سوى الله. ولا حكم حقيقي في مملكة الإنسان أكثر من التحكم، كما يقول الغزالي، بجنوده (شهوته وهواه) ورعاية أعضاء جسده. وبالتالي ليس الملك الحق في الأسماء سوى من "انضمّ إليه استغناؤه عن كل الناس واحتياج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة. فهو الملك في عالم الأرض"[21]. وليس المهيمن (الاسم الإلهي) الحقيقي سوى المراقب والمشرف على أنوار أسرار الذات الإنسانية ومن تشمل سعة سلطته واتساع إشراقه واستيلائه على حفظ عباد الله[22]. وعلى الرغم من تشديده على إمكانية الملك الحق في الأرض، إلا أنه لم يعط له أكثر من وظيفة المرشد الحق. واستند بذلك إلى أن حق السيطرة الفعلية مرتهن بعمق ذاتها الأخلاقية. فجلال الإنسان على قدر جلال همته. وبالتالي فإن قيمة الإنسان الفعلية على قدر ما فيه من مطلقها.

وقد حددت هذه النتيجة بدورها تأسيسه لاستمداد ما أسماه بمملكة الوجود الواحدة كامل مثالها من وحدة المطلق. فالموجودات كلها مملكة واحدة "لأنها مرتبطة بعضها ببعض. فإنها وإن كانت كثيرة من وجه، فلها وحدة من وجه. ومثاله بدن الإنسان. فكذلك العالم كله كشخص واحد، وأجزاء العالم كأعضائه. وهي متعاونة على مقصود واحد. وهو إتمام غاية الخير الممكن وجوده، على ما اقتضاه الجود الإلهي ولأجل انتظامها على ترتيب متسق، وارتباطها برابطة واحدة، كانت مملكة واحدة"[23]. فمملكته الواحدة هي غاية الخير الممكن وجوده في الأفراد والجماعة، أي رفع شأن حقيقة المملكة من خلال صنع مملكة الذات الواحدة.  ومن ثم بلوغ رتبة العزة والتكبّر والجبروت في الذات الإنسانية. أما شأنها الكامل، فإنه يقوم في سيادة الحرية الفاعلة في الإنسان واستقلالية المنزع والغاية، أي بلوغ الخير الممكن وجوده في الوجود "الكوني والاجتماعي التاريخي"، والذي تكف فيه قدوة العزة والتكبر والجبروت المستبد عن أن تكون تمثيلاً لحقيقته.

فقد شدد الغزالي على أن العزيز هو الذي يقلّ وجوده ومثله. وهو الذي تشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. والجبار هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد. وإن المتكبر هو الذي يرى الكلّ صغيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظم والكبرياء إلا لنفسه. ولا يمكن إغفال ما في هذه الأحكام من انعكاس للوجود الاجتماعي التاريخي السياسي لهرمية السلطة وإدانتها في الوقت نفسه، ونفيها فيتجانس المملكة الوحدانية لمبادئ (أسماء) الخير المطلق. وبهذا يكون قد انتزع أيضاً وهم القوة التاريخية من خلال الكشف عن أنه لا جبار ولا متكبر ولا عزيز حق مطلق إلا الله، تماماً بالقدر الذي أبقى عليه في متناول المساعي الدءوبة لبلوغ الخير الممكن وجوده. وبهذا يكون قد أسس أيضاً للفكرة القائلة، بأن حقيقة السلطة تقوم في قدرتها الرفيعة على الاصلاح، باعتبارها تمثّلا للتخلّق بأخلاق الله. إذ ليس العزيز من الناس سوى من يحتاج إليه الناس في أهم أمورهم[24]، ألا وهي السعادة الدنيوية والأبدية. وليس الجبار من الناس سوى من ارتفع عن الإتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو رتبته، بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته[25]. وليس المتكبر من الناس سوى الزاهد العارف، المتنزه سرّه عما سوى الحق، والمتكبر على كل شيء سوى الحق، والمستحقر للدنيا والآخرة[26].

لقد أراد الغزالي وسعى لإبداع أطر السلطة الحقيقية في النفس الأخلاقية. وبحث في الوحدة الأخلاقية المعرفية للإنسان عن مثال وحدة المجتمع والدولة، والفرد والجماعة. بمعنى إزالة الوسائط من مؤسسات وأحزاب وسلطات، دون أن يلغي ضرورتها. وبذلك يكون قد أّسس لنظرية عن الإنسان خارج إطار الفقه الرسمي والتقليدي، ولكنه صاغ فكرتها المجردة والعامة، وأبقاها في الوقت نفسه أسيرة الروح الفردي. ولعل قيمتها الكبرى تقوم في تناقضها هذا.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص143.

[2] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص110.

[3] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص110.

[4] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص71.

[5] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص70.

[6] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص.120

[7] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[8] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[9] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[10] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص143.

[11] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص139-140.

[12] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص64.

[13] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص113.

[14] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص103. من غير الصحيح تضمين هذه المفاهيم والمواقف ابعادا سياسية معاصرة مثل الديمقراطية بمفهومها المعاصر. لكننا نعثر في آراء الغزالي ومواقفه وأحكامه على صيغة تاريخية ثقافية (اسلامية) لها في احد نماذجها المتسامية، كما هو جلي في إظهار قيم السلم والتسامح ونبذ العنف والتعصب واستعمال القوة علة مثال الإنسان المتسامي. إذ ليس الإنسان الكامل سوى الكلّ الاجتماعي في نموذجه الأرقى. وبهذا نستطيع القول، بأن الغزالي قد أّسس في منظومته الأخلاقية الاجتماعية لقيم ديمقراطية الأمة. ولم يكن هذا التأسيس غريبا على تقاليد الفقه الإسلامي نفسه. وبالاخص ما يتعلق منه بشمول احكامه القانونية. وبالتالي تحويل القانون (والشريعة ككل) الى القوة النازعة للعنف المحتمل في الصراع الاجتماعي والسياسي. وإذا كانت هذه الفكرة ومقوماتها القانونية لم تنجح في تثبيت اسس النظام السياسي الشرعي الافضل، فلأنها في الاغلب كانت نتاج الفصام بين السلطة والقانون، وعدم توحيد المذاهب الفقهية في قانون موَّحد.  مع ما ترتب عليه من اغتراب للقانون والحق عن السلطة والدولة من جهة، وحصر وكسر شوكة القانون في قضايا العبادات والمعاملات. ومن ثم ابتعاده شبه التام عن إشكاليات السياسة. وانحسر روح الإبداع في القانون واقتصر على الأحكام الجزئية الواقعية والمحتملة. وتحول القانون والتشريع والفقه ككل إلى خادم وضيع للسلطة، وبالأخص ما يتعلق منه بنظام الحكم. وضمن هذا السياق يمكن فهم حقيقة آراء الغزالي بهذا الصدد على أنها الصيغة الأكثر تلطيفا ضد العنف الواقعي في مراحل انحلال وتفسخ الخلافة. وبالتالي كمّلت "تناقضات" التاريخ الفعلي من خلال توجيه الفكر والتفكير صوب قضايا الإصلاح والبدائل. فبالقدر الذي لم يجد الإغريق القدماء تعارضا بين الديمقراطية والعبودية، فإن تناقض الغزالي هنا يقوم في تشدده بقضايا المبادئ وتلطفه في المعاملة. وقد كانت تلك من تناقضات التاريخ الثقافي الواقعي.

[15] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص64.

[16] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص86.

[17] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص90.

[18] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص96.

[19] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص100.

[20] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص147.

[21] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص67.

[22] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص73.

[23] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص141.

[24] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[25] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص74.

[26] الغزالي: المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى، ص75.

 

 

ميثم الجنابي"النبي محمد هو التحقيق الأصيل للحقائق الإنسانية الكبرى والحق الأخلاقي"

 إن بداية النبوة المحمدية واستمرارها أعمق وأعرق من أن يجري ربطها بحالة أو ظرف أو حادثة عادة ما يجري وضعها في بداية النبوة، أو يجري النظر إليها عن أنها بداية الإسلام. فقد كان ظهور الإسلام نتاجا لإسلام محمد نفسه. وهو إسلام تشكلت ملامحه التأملية الأولى في مجرى نمو شخصيته، وبالأخص في مجرى رحلاته إلى العراق والشام، الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن البذور الأولية لإسلام محمد قد زرعها العراق والشام في أعماقه. فقد كانت مكة عصية على استيعاب وقبول الفكرة التي سيجاهر بها محمد بعد عقود من الزمن، اي حالما يبلغ الأربعين من العمر، بحيث جعلوا منه "عمر النبوة"، أي بلوغ الكمال بالنسبة لأولئك الرجال الذين قدر لهم لعب دور كبير في حياة الروح والتاريخ الفعلي للأمم.

فالفكرة الإسلامية هي فكرة "الهلال الخصيب"، على الأقل من حيث استعدادها للكمال الروحي الوحداني. وليس مصادفة أن يحصل الإسلام على بعده العالمي والثقافي بفضل المشرق (العربي). فقد كان تعرّب المشرق تعربا ثقافيا، وذلك لأنه استطاع بفعل تاريخه الثقافي العريق ان يتحول إلى كينونة ثقافية على عكس شبه الجزيرة العربية، التي كانت وما تزال بنية إثنية قبلية مغلقة. الأمر الذي أبقى على الإسلام فيها إسلاما بدويا، يصعب ان تتبلور فيه حالة العقل النظري.

ومع ذلك فإن الوعي التاريخي المحكوم بقيمة الزمن التاريخي يربط بداية الإسلام ببداية الوحي، أي الحالة التي أوحى إليه ملكه ومالك الوساطة الحية لتحويل المعاناة الفردية الصادقة والخالصة إلى آيات قابلة للقراءة في غار حراء، أي كل ما هو متعارف عليه عما حدث له في شهر رمضان، حيث ظهر له "جبريل" بكتاب فقال له:

- اقرأ!

- ما اقرأ؟

قال فختني به (خنقني) حتى ظننت انه الموت ثم أرسلني فقال:

- اقرأ!

وكرر طلبه أربع مرات. وفي الرابعة قال جبريل "اقرأ بسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم الإنسان بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم". إننا نعثر في هذا الوحي على البذرة الأولية واللحظة التأسيسية للفكرة الجديدة النابعة من معاناة ذاتية عميقة لازمته منذ زمن مبكّر عن علاقة الإنسان بالله وعبرها بالوجود من خلال قراءته بمعايير العلم والمعرفة. لقد كانت بداية الدعوة قراءة وقلم (كتابة) وعلم، اي أولوية الروح، شأن كل حركة محكومة بالروح ومتطلباته. وقد كانت الصيغة الأولية والجوهرية التي نبعت من أعماقه الصافية في غار حراء، أي في دهليز الصمت المدوي للتأمل الخالص، تقوم في تعلم قراءة الوجود وتجارب الإنسان والأمم. اذ لم يحميها ولن يحميها وينقلها إلى الأجيال اللاحقة غير القلم وما يسطّره من الأبجدية الثقافية للعلم والمعارف.

وما قبل ذلك لم يعرف محمد النبوة على حقيقتها. لقد كان لقاء حراء النداء العقلي الأول للوجدان المتراكم في مجرى عقود من الزمن في تأمل ما حوله، أي تأمل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي لعرب الجزيرة. وبعدها أخذت تداعب خياله، كما هو جلي في حالة انقطاع الوحي إلى ان يظهر من جديد ليناديه بقوة أكبر بحيث تجعل كل ما فيه يرتجف، مع ما أدى به لاحقا إلى النهوض بعد ان تدّثر ظاهريا بالغطاء وباطنيا بمعطف التحدي والإرادة الذي ارتداه حتى مواراته الأرض.

أما القصة المروية عن مخاطبة خديجة لأخيها ورقة بن نوفل لفهم ما جرى، باعتباره احد النصارى العارفين بشؤون النبوة استنادا إلى تقاليد النصرانية واليهودية، فإننا نعثر فيها على اختلاط الواقع بالاختلاق. فقد أجابها ورقة بن نوفل، حسب المصادر المؤرخة لهذه الأحداث، بعبارة: "قدوس قدوس! والذي نفس ورقة بيده لأن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى. وانه لنبي هذه الأمة. فقولي له: فليثبت!". وتحتمل هذه الرواية الصدق والكذب بقدر واحد، وذلك بسبب عدم تجانس ما فيها وسلوك نوفل بن ورقة نفسه. فعبارة الناموس الأكبر فلسفية إغريقية، ولو كان هذا الكلام صحيحا لكان هو أول من أسلم. ثم ماذا تعني عبارة "انه نبي لهذه الأمة". بمعنى طابعه القومي العربي؟ أو الصيغة الأولية والعادية لظهور نبي عربي بين العرب، وليس نبي من خارجهم. وتحتمل جميع هذه الفرضيات على قدر من الواقعية، لكنها لا تغير وقد لا تعني شيئا على الإطلاق بالنسبة لفهم وتحديد ماهية النبوة المحمدية وحقيقتها. لكنها تشير إلى حقيقة جلية، وهي أن محمدا كان يعرف الأنبياء ولا يعرف النبوة. وهي الصيغة الواقعية والتلقائية لحقيقة النبوة المحمدية بوصفها معاناة روحية وعقلية كبرى وعنيفة وضعته أمام تحديات هائلة تجاه إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للعرب آنذاك. 

لقد كان محمد يعرف الأنبياء، أي أولئك الذين "يرتبطون بالسماء" بوصفه طريق العودة للأرض. لكنه لم يعرف النبوة. والفرق بينهما جوهري وهائل. الأولى سماع وحكاية، والثانية إلهام واستلهام للعلم والعمل. فقد أدهشه حتى الهلع صوت ملاكه الغامض، أي ملاك الروح النابع من همومه الذاتية العميقة في تأمل الوجود. مما أنتج بدوره مهمة القراءة الجديدة للوجود بمعايير تتوحد فيها الرؤية الواضحة والجلية ومغامرات المستقبل، أو ما سيطلق عيها القرآن كلمة الغيب، أي كل ما يختبئ وراء الأفق ويظهر من جديد في الدورة الأبدية للحياة نفسها، بوصفها تحديا وكفاحا تجاه إشكاليات الحاضر والمستقبل، والطبيعة وما وراءها.

 إن معرفة محمد بالأنبياء والنبوة مبنية على السماع، أي تستمد تصوراتها مما تراكم في التقاليد العربية القديمة. فقد كانت العرب على معرفة ودراية كبيرة بالأنبياء والكهنة والعرافة وغيرهم. بمعنى أن تجاربهم التاريخية الروحية والفكرية بهذا الصدد تتسم بقدر كبير من الدراية الواقعية والنقدية. وليس بقاء الوثنية العربية، التي لا تخلو من روح وأرواح، واستمرار هيمنتها، سوى أحد الأدلة الدامغة بعدم قناعتهم بفكرة النبوة "السماوية" وما شابه ذلك. لقد كانت هذه التصورات تبدو لهم مجرد خرافات لا غير. وليس مصادفة ألا يقتنع محمد نفسه بنبوته في أول الامر، كما نعثر عليه في الخبر المشهور عن طلب محمد من خديجة ان تستفسر من ورقة بن نوفل، أخيها، الحنفي المتنصر. والسبب القائم وراء ذلك هو ضعف انتشار تقاليد الأنبياء بينهم، كما هو الحال عند بني إسرائيل الذين نعثر عندهم في كل حي ومزبلة على أربعة أنبياء! بينما قطعت النصرانية فكرة النبوة والأنبياء، انطلاقا من ان الله اختتمها بنفسه! إذ لم تكن الأولى قادرة على تثبيت اليقين، بينما تبدو الثانية غير منطقية وغير واقعية بحد ذاتها بالنسبة لذهنية العرب الواقعية الخشنة والشكوكية آنذاك. وعموما، إن الأديان جميعا لا تقتنع إلا بما عندها وفيها، وذلك لأنها تلقين واستسلام. وسوف يجري غرس هذه الشجرة الميتة في أرض الإسلام، وسوف تنتج أيضا ثمارها الميتة بهيئة تقاليد جازمة وحازمة تجاه كل ما يتعارض مع وعيها من تلقين سيء وتقنين أسوء. وهذه بدورها لم تكن معزولة عن اثر التقاليد الوثنية العربية وجمودها المتعجرف. فقد أنتجت الجزيرة العربية منذ بداية الإسلام النماذج الأولية لكل الأنماط الكلاسيكية للتقليد والإتباع وتقديس النصوص، أو ما يسمى بأهل الرواية، على خلاف أهل الدراية والعقل التي نشأت في العراق. من هنا ضعف أو اضمحلال الفكرة النقدية العقلانية فيما يخص إشكاليات عوالم الطبيعة والماوراطبيعة، والتفكير النظري في الجزيرة.

كان تفكير محمد وذهنيته في البداية يسيران ضمن هذا السياق، أو إنهما لا يخلون من أثره. فقد عاش محمد قبل النبوة أربعة عقود من الزمن في "الجاهلية" وتربى على قيمها ومفاهيمها. لكنه كان يعاني من خلل مضامينها الروحية والمستقبلية. وبالتالي، فإن ظهور النبوة من أعماقه في أعماق حراء، تكشف من الناحية البيانية الغور العميق للخلوة والابتعاد عن عالم الجاهلية، التي أثمرت نبعها الأول في إرواء مساعيه الشخصية التي أثمرت لاحقا بيقين النبوة والرسالة. فالنبوة الأولى هي كالطفولة الأولى كتلة وجدانية من البراءة والبراعة في كل شيء. بينما الرسالة هي وعي للبراءة، وبراعة في التحدي تجاه كل شيء. اذ نعثر عليهما في استفسار خديجة من أخيها ورقة عن ماهية ما جرى لمحمد، وخطابها لمحمد بعبارة "اثبت وأبشر! فو الله انه ملك وما هذا بشيطان". كما أنها تسمي جبريل في خطابها لمحمد بكلمة "صاحبك". وهي الصيغة التي كانت العرب تطلقها على الكهانة والعرافة. ذلك يعني إنهم كانوا يعرفون الله والملاك والشيطان. لكن الله المحمدي هو ليس إله الجاهلية.

فقد ارتبط الإله المحمدي بفكرة النبوة المحمدية أولا، وفكرتها التوحيدية الخالصة ثانيا، وانتصارها ثالثا. فهو ثالوث واقعي وتاريخي لا علاقة له باللاهوت أيا كان شكله ومحتواه. الأمر الذي أعطى للنبوة المحمدية أبعادها الخاصة، بوصفها تحديا نوعيا لتقاليد الوثنية بشكل عام والعربية بشكل خاص، أي كل ما سيحصل على معناه الدقيق في وصف "الجاهلية". وليس مصادفة أن تعكس ما وضعته التقاليد الإسلامية اللاحقة في تصوير النبوة المحمدية سواء بمعايير الفكرة الدينية والأسطورية أو غيرها، بأقدار ونوعيات متباينة الطابع التاريخي للظاهرة، أي تصويرها على أنها نبوة تاريخية من حيث الشكل، والمحتوى، واللغة، والعبارة، والصورة، والفكرة أيضاً. إذ كل ما فيها من توكيد على صحتها وغايتها كان يستمد شكله ومحتواه من مجرى الصراع ضد الوثنية. وتكفي الإشارة هنا إلى "أسباب النزول" لمعرفة حيثيات هذه الظاهرة. بمعنى إن كل آيات القرآن المرتبطة بالنبوة المحمدية هي انعكاس أما لتحدي الوثنية أو مواجهة الجاهلية، وأما لتأسيس معناها وحقيقتها بالنسبة للإنسان والجماعة والأمة، وأما لغايتها العملية والمستقبلية بوصفها أسلوبا ونموذجا لبلوغ الحق والحقيقة.

 كان اليهود، على سبيل المثال، يهددون غيرهم في جزيرة العرب من أن الله سيبعث نبيا يخلّصهم ويخلّص غيرهم من الظلم والحيف ويبسط سيطرته على من حوله. وقد وجد محمد في ذاته بعد الشعور بالنبوة وإدراك مهماتها الأولية وغاياتها الكبرى، ذلك النبي المقصود. وقد صورته آيات القرآن العديدة بعبارة "مصدّق لما معهم" أو "بين يديهم"، أي مصدّق للفكرة المذكورة أعلاه. وتصور إحدى الآيات ذلك بوضوح عن أن ما يأتي به "من عند الله مصدّق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به".

فقد كانت تلك فترة أو زمن النبوة والأنبياء، الذي حوّله محمد إلى تاريخ الإسلام. فقد كانت الجزيرة مليئة آنذاك بالأنبياء والكهنة والعرافين. الأمر الذي يشير إلى تراكم الشحنة الوجدانية التي تتحسس الأفق المسدود لما هو موجود على الأرض، ومن ثم السعي للخروج منه إلى عالم السماء في مجتمع لا يتسم بالتعقيد، ولكنه يتسم بخراب معنوي وأخلاقي كبير. وعادة ما تظهر في هذه الحالات التاريخية "قوة المستقبل" الجسدية أو الروحية أو توليفهما. وقد كانت النبوة المحمدية في بدايتها قوة المستقبل الروحي، بحيث يمكننا القول، بأن الإسلام "المكي" هو إسلام الروح، بينما الإسلام "المديني" هو إسلام الجسد. ولكن قبل ان يتخذ هذا التمايز طريقه بما في ذلك في تقسيم السور والآيات القرآنية، كان لابد للنبوة أن تقطع هذا المسار بتحولها من نبوة الروح إلى نبوة الجسد. بمعنى الصعود للسماء والهبوط منها إلى الأرض. وبأثرها تآلفت وحدة الروح والجسد، أو الدين والدنيا في "رسالة" تتعامل مع إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي بمعايير الفكرة الوحدانية الجديدة. لكنهما (المكي والمدني) بقيا مع ذلك في ترابط أو وحدة واحدة بالنسبة لتاريخ النبوة المحمدية بوصفه وحيا ذاتيا، أي وعيا فرديا خالصا لما يجري من حيث التحدي والإرادة والعقل والبديل.

 إن هذا التحول للنبوة من الروح إلى الجسد يتمثل مضمون الانتقال التاريخي من المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية. فهو التحول الذي أوقف الامتداد الزمني لفكرة الوحدانية، كما نعثر عليه في الحنيفية، عبر تحويلها من تأمل فردي وعروج صوب السماء الصافية للروح إلى عالم الصخب الأرضي وإشكالاته، أي تحويل الزمن إلى تاريخ، والذي نعثر على صيغته الرمزية في قصة سلمان الفارسي. اذ نعثر فيها على نموذج البحث عن نبي ينقله من سماء الروح إلى أرض التحدي الشائك للإرادة والعقل. ففي قصته نعثر على البحث عن إنسان - فكرة لكي يشاركها الكفاح من أجل الحق، بوصفه طريق الأمان والطمأنينة الصافية للروح والجسد. فقد اعتنق سلمان الفارسي المجوسية (ديانة قومية) ثم النصرانية (عالمية) لكنه ظل قلقا في إيمانه. انه يقطع مسافات وأحوال غاية في التعقيد آنذاك من اجل الأمان والإيمان الروحي العملي. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه القصة الواقعية والرمزية أيضا على المغزى التاريخي والفكري والروحي القائل، بأن الإسلام المحمدي هو مستودع الإيمان والأمان الروحي، ومن ثم خاتمة ما يصل إليه الإنسان المخلص في إخلاصه. أما عدم إيمان بعض من آمن بالله الواحد بنبوة محمد (من بين رجال الحنيفية العربية) فإنه يدل آنذاك على تعاظم الفكرة المجردة الوحدانية أكثر مما له علاقة بفكرة النبوة.

كان ظهور النبوة المحمدية بوصفها دعوة للتوحيد الحنيفي، الصيغة التاريخية لتقاليد الفكرة وشخصياتها العربية

1 . وبالتالي، فقد كانت النبوة المحمدية واحدة من بين نبوات كثر آنذاك. ذلك يعني أنها ظهرت ضمن حالة روحية تعكس حالة انغلاق الأفق التاريخي للعرب آنذاك. ومن ثم كان البحث عن قوة ما فوق طبيعية هو الأسلوب الوحيد للرجوع إلى الطبيعة أو الواقع. فقد بلغت التجزئة ذروتها وتكلسها، الأمر الذي جعل من الصعب توحيد العرب. فلا البنية الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا الثقافية ولا الفكرية ولا الروحية تحتوي على الحد الأدنى للتوحيد. بينما كان اغلب الأنبياء الذين انتشر ظهورهم آنذاك أمثال مسيلمة وسجاح وطلحة والأسود العنسي وكثير غيرهم يمثلون ويتمثلون مساعي الوحدة المجزئة، أي القبلية والمناطقية والفئوية. لقد كان هؤلاء الأنبياء كهنة التقاليد المتكررة، أي غير القادرة على الخروج من الطريق المسدود للعرب آنذاك.

كانت المهمة الفكرية والعملية للخروج من دهاليز الانحطاط والانغلاق ليس بالدوران فيها بل عبر كسرها ككل. اذ لا طريق فيها ولا مخرج. وهي المهمة التاريخية التي أنجزها محمد عبر تحويل نبوته إلى رسالة كونية وأبدية، بمعنى الخروج من المأزق العربي ككل إلى رحاب غير محدودة بالإثنية والجغرافيا المحلية، وتذليل الزمن الوثني بتاريخ الخلق الإلهي. بعبارة أخرى، لقد كانت مأثرته التاريخية بهذا الصدد تقوم في تحديه الشامل للوجود التاريخي للعرب آنذاك بنبوة تتمثل حقيقة ومعنى "الرسالة السماوية" الهادفة للتوحيد الخالص لله الواحد الأحد. لقد جمع محمد بين النبوة والرسالة عبر قراءة جديدة مهمتها تحدي الواقع بكل ما فيه بفكرة تحتوي في أعماقها على كل شيء.

وإلا فقد عرف تاريخ العرب ما قبل محمد كلمة النبي والرسول، ومن ثم لا معنى لقول من قال بأن أسم الرسول من أصول آرامية سريانية أو مسيحية (بالإغريقي ابوستولوس). فهذه مجرد خزعبلات لغوية لا غير، أي أنها اقرب إلى اللغو اللاهوتي منه إلى اللغو الثقافي. فالقرآن لم يستعمل كلمة رسول بالمعنى الوارد في (العهد الجديد)، كما أن القرآن يتكلم عن رسل المسيح باستعمال كلمة الْحَوَارِيُّونَ، التي تعادل معنى الصحابة، وليس معنى الصيغة الأمهرية لها. فكلمة حواري من حاور ويحاور وحوار.

 وقد أشار الهمداني في كتاب (الإكليل) إلى وجود عبارة رسول الله على قبور الأنبياء القدماء، مثل "أنا الحارث بن عمر. رسول رسول الله شعيب إلى مدين"، و"أنا حنظلة بن صفوان. رسول الله إلى حِمْيَر"، أي إلى عرب اليمن. كما كانت كلمة الرسول موجودة عند أهل حران بمعنى المبّشر والمنقذ. وتختلف كلمة الرسول بالمعنى الإسلامي عما ينسب إلى النبي ماني من قوله، بأنه رسول الله، في حين كان محمد يقول انه رسول للعالمين، ورسول أمين ومبشر ونذير وما إلى ذاك من وظائف تكشف عن وحدة الأبعاد الدينية والسياسية (العملية) التي سيجرى لاحقا تتويجها بفكرة خاتم الأنبياء. وقد سبق للنبي ماني أن قال بها، كما ينقل البيروني، لكن الفرق جلي بين الإعلان عن الفكرة وتحقيقها. فهي لم تتجسد في التاريخ الفعلي إلا في شخصية محمد. اذ لم يظهر بعده دين عالمي. وليس لهذه الخاتمة علاقة بالفكرة الدينية والدين واللاهوت، بقدر ما لها علاقة في بسط الديانة الجديدة في كل ما لم يخضع لأثر الديانات القومية والعالمية على النطاق "العالمي آنذاك"، أي نقل "العالم الإسلامي" إلى مرحلة تاريخية ثقافية جديدة لها عقيدتها الشاملة في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والأمة والدولة والثقافة.

 لقد دمج محمد النبوة بالرسالة، أي الفكرة الدينية بالفكرة السياسية. وهو ما لم يعرفه تاريخ النبوة والنبوات في الجزيرة. كما لم تعرف الجزيرة أيضا أهمية الفكرة السياسية. بمعنى جمعهما في كل واحد هو الذي أدى إلى الانتصار الأعظم في تاريخ العرب بنقلهم من أطوار المرحلة الثقافية الدينية إلى المرحلة الدينية السياسية.

إن بلوغ النبوة المحمدية درجة الرسالة أدت إلى رفع درجات التحدي التاريخي إلى ذروتها القصوى. فإذا كانت النبوة شيئا معهودا لحد ما في جزيرة العرب، وكونها جزء من تقاليدها الروحية والوثنية، بمعنى تعايش النبوة والكهانة والعرافة بوصفها أشكال مختلفة للوساطة بين الله والإنسان، فإن نبوة الرسالة كانت تتضمن بالضرورة صيغة التشريع، أي أن الرسالة الموجهة للعالمين وباسم رب العالمين، حسب الرؤية المحمدية، تحتوي على تشريع يمسّ عالم الإنسان الطبيعي والماوراطبيعي. الأمر الذي وضعه بالضرورة في مواجهة الوثنية العربية ككل وعلى كافة المستويات والجوانب. بمعنى مواجهة ونقض التقاليد الوثنية في الموقف من الله، والآلهة، والملائكة، والجن والشياطين، والحياة والموت، وما بعد الموت، والقيم الاجتماعية والأخلاقية وغيرها. بمعنى مواجهة وتذليل مضمون وأشكال الوثنية، ومن ثم الاستناد إلى الشريعة وليس إلى تقاليد القبيلة في فكرة الحق والقانون، وأولوية العقيدة على كل انتماء آخر، وأخيرا تأسيس وإرساء الفكرة السياسية عبر فكرة الجماعة والأمة.

ومرّت هذه العملية المعقدة للتحدي، التي لازمت حياة محمد حتى النهاية، بثلاث مراحل أو تحديات كبرى. الأولى وهي تحدي النفس؛ والثانية وهي تدقيق وتحقيق الفكرة الوحدانية؛ والثالثة وهي التحدي الذي بلغ ذروته في الفكرة الدينية السياسية عن أولوية وجوهرية الجماعة والأمة. 

فقد جرى مسار التحدي الأول (تحدي النفس) من خلال فكرة النبوة ذاتها، ومن خلال التحرر التدريجي ثم القطيعة الشاملة مع تقاليد الحنيفية في الجزيرة. وكلاهما كانا يتداخلان ويكمل أحدهما الآخر.

فتحدي النفس بفكرة النبوة تمثل نفسية وذهنية النقد المستتر والعلني لتقاليد الوثنية العربية، والابتعاد التدريجي عنها، ثم مقاطعتها التي بلغت ذروتها الأولى في الاقتناع الذاتي بنبوته. إذ كان الإعلان والجهر بنبوته يحتوي على يقين تام بصحة الفكرة التي يدعو إليها، أي فكرة التوحيد الخالص للإله الواحد ونبذ تعدد الآلهة بوصفه رديفا للوثنية. فقد توصل محمد، بأثر تأمله الطويل والعميق إلى فكرة جلية تقول، بأن تعدد الآلهة لا يصنع وحدة ولا يقينا. الأمر الذي يترتب عليه ديمومة الخلاف والصراع وانعدام وحدة القيم والقواعد الملزمة للجميع، مع ما يترتب عليه من ضياع للحق والحقوق والحقيقة. فإذا كانت بداية التحدي الأول والنقد العلني للوثنية مبنية على فكرة وموقف يقولان، بأن الأوثان والأصنام التي يعبدها العرب لا تضر ولا تنفع، فإنه سيقرر لاحقا، بأنها مجلبة للضرر. بعبارة أخرى، إن الأصنام ليست حجارة لا تضر ولا تنفع، بل نمط حياة ورؤية وعقيدة وقيم. فالحجارة بحد ذاتها على الدوام تضر وتنفع عندما تكون في محلها أو غيره. فحجارة الطريق ليست كحجارة على قارعة الطريق. أما حجارة الأوثان فهي رمز قوته بما فيه. فأوثان جوبيتر الرومية ليست كأوثان قبائل بدائية. فالأولى تعكس قوة الدولة والإمبراطورية والإرادة، بينما الثانية تحشر أتباعها في انغلاق مزدوج. وعلى العموم يمكن القول، بأن الأثر الأكبر للأوثان يقوم في قدرتها على تجزئة الإرادة ونثر الشلل في عضلات ومفاصل العلم والعمل. فالوثنية يمكنها صناعة الدولة والحضارة والوحدة والإمبراطورية، عندما تكون جزء من صيرورة الدولة والثقافة المرافقة للمرحلة الثقافية الدينية، بينما تفقد قيمتها وتتحول إلى أحجار معرقلة لمسيرة الروح والجسد في حالة الانتقال إلى المرحلة الدينية السياسية. وهي الحالة التي واجهها محمد في مجرى انتقال الدعوة النبوية للإسلام إلى إسلام الشريعة والمرسلة، التي شكلت فكرة الوحدة والتوحيد والوحدانية باطنها العقائدي والروحي والعملي. فقد تماهت الوحدة في الجزيرة مع المعشر القبلي. أما التراكم الفعلي لعناصر الوحدة فقد كان يجري بصورة بطيئة ومتوازية مع التجزئة القبلية، بينما كان التوحيد الفعلي يفترض وجود آلية ومرجعية من نوع آخر. وهو السرّ الذي يفسر القبول النسبي والجزئي باليهودية والنصرانية بين العرب قبل الإسلام. إذ جرت محاربة الوثنية عبرهما، من خلال نزع قدسية شعائرها واستبدالها بأخرى. أنها غزوة الروح، بمعنى الخروج إلى عالم أوسع وأعمق وأكثر تجريدا، بحيث تصبح معها فكرة خلق الله للإنسان والكون معقولة ومقبولة.

واحتوت هذه الفكرة على أبعاد نافية للفكرة الوثنية، ومن ثم اعتبار الوثنية في أفضل أحوالها مجرد أصنام وأوهام مخلوطة بقيم ومفاهيم واقعية أيضا. بمعنى أنها قادرة على صنع قوة الجسد والروح الأخلاقي أيضا وذلك لأنها تنزع عقيدة الثواب والعقاب الجسدي ما بعد الموت، لكنها غير قادرة على الديمومة ما لم تستنفذ طاقتها الدينية. وليس مصادفة أن يجري نفيها بالفكرة الدينية. فقد كان القضاء على الوثنية مجرد مرحلة أولية تلازم بالضرورة انتصار الفكرة أو العقيدة  أو الدين الجديد. هكذا جرت في كل مكان وزمان. ففي جزيرة العرب قبل الإسلام، أدى انتشار اليهودية في اليمن إلى هدم "بيت رئام" الوثني، رغم أنه كان يعني "بيت الرحمة". بينما سيقوض الإسلام لاحقا كل بقايا الكعبات العديدة مثل ذو الخلصة (الكعبة اليمانية) التابعة لقبائل خثعم وبجيلة ودوس، وكعبة أياد (شداد) الخاصة بقبائل أياد2 ، وذو الكعبات التابعة لبكر وتغلب، و"سقام" وهو بيت كان للعزى وكانوا يضاهون به الكعبة في التعظيم والإجلال، وبيت الربة (اللات) التابع لثقيف، إضافة إلى ما كان يقع خارج الجزيرة مثل كعبة بيت الأقيصر، الواقعة في مشارف الشام، التي كانت تقصدها قبائل قضاعة ولخم وجذام وعاملة، وغيرها من الكعبات، وبالمقابل يبقي على كعبة مكة باعتبارها قبلة الإسلام وبيت الله الحرام.

جعل محمد من محاربة الوثنية الأسلوب العام لنفي كل أشكالها ومظاهرها الفكرية الروحية والعملية، كما هو جلي في محاربة الكهانة والعرافة، والنسيئة، وتقسيم الثروة بين الآلهة والبشر، ومختلف أشكال العبادات القبلية، باستثناء "العبادات العامة"، أي تلك التي كانت تحتوي على عناصر التوحيد الاجتماعي والسياسي والروحي بعد دمجها في منظومة العبادات الإسلامية كالصلاة والحج وغيرها. وعموما تنوعت وتغيرت وتبدلت في مجرى تحدي النبي محمد لمعالم الوثنية، أساليب صراعه العملي معها. لهذا لم توجد صيغة واحد جامعة لموقف الإسلام من التقاليد الوثنية. والسبب يكمن في أن الوثنية بالنسبة للإسلام كانت تتطابق مع تقاليد "الجاهلية" أكثر مما مع تقاليد عبادة الأوثان والأصنام. ولعل موقف النبي محمد من تقاليد العرب الأخلاقية القائل، بأن "خيركم في الإسلام خيركم في الجاهلية، "وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، و"الناس معادن، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، تعكس رؤية محمد الواقعية والعميقة لقيمة التقاليد بوصفها تجربة حياتية ومن ثم تحتوي على متناقضات الوجود. وضمن هذا السياق يصبح الإسلام الوريث الجديد للتقاليد الوثنية بعد إعادة دمجها في العقيدة النظرية والعملية للإسلام المحمدي، أي أن قبول هذه التقاليد كان مرتبطا بشخصية محمد وبما يضمن استمرار الموقف من الفضيلة والرذيلة بوصفها قيما مجردة، ودمج البعض منها في عقيدة النبي محمد، بوصفها جزء من مهمة عملية. لكنها كانت في الاطار العام محكوم بفكرته عن التوحيد. وهذه بدورها كانت تسعى لتحديد وتقييد القيم والمفاهيم والسلوك الظاهر والباطن بالفكرة الوحدانية، بوصفها مصدر ومعين الحق والحقيقة واليقين التام. فإذا كانت العرب تحترم الكهانة والعرافة، فإن محمد وقف بالضد من إطلاقها عليه من أجل أن يحدّد ويقّيد الخلاف الجوهري بينهما وبين نبوته، انطلاقا من أن الفرق بينهما هو الفرق بين الحدس الشخصي والشعوذة من جهة، وبين الوحي واليقين الحق من جهة أخرى. إذ لا عرافة ولا كهانة عند محمد، مع أن ما يقوله في الشكل يتشابه معهما، والاستثناء الوحيد هو ما ورد في سورة (الروم).

إن الفرق الجوهري بين نبوته وبين الكهانة هو الفرق بين الطبيعي والماوراطبيعي في تأمل وفهم الوجود. فالعرب كانت تقول عن سقوط نجم "مات ملك"، أو "ظهر ملك"، أو "ولد مولود" أو "مات مولود". بعبارة أخرى، أنها كانت تربط حياة وموت النجوم بحياة وموت الناس. بينما أعطى لها محمد بعدا ميتافيزيقيا. فسقوط النجوم هو انعكاس لأمر الهي ينتقل منه إلى حملة العرش ثم أسفل حتى السماوات الدنيا. فالشياطين تسترق السمع لهذا الخبر أو ذاك فتنقله إلى الكهان. وبالتالي، فإن الكهانة تستند إلى طرق خاصة بها للاتصال بالله. الكهانة شيطانية، بينما النبوة رحمانية. والكهان يرتبطون بالله ولكن عبر وسيط آخر (شيطاني)، بينما تتصل النبوة بالله عبر الوحي (ملائكة الرحمن). فالكهانة تستمد مقوماتها من تقاليد الوثنية التي تعتبر الشيطان قوة مبدعة للشعراء والكهان والعرافة، بينما أعطى محمد لهذه العلاقة بعدا يتسم بالمغامرة والتخريب المريب للحس والعقل والحدس. الأمر الذي يفسر الموقف المعارض للشعر والشعراء، ليس فقط من اجل إبراز خصوصية الآيات القرآنية واختلافها عن بيوت الشعر والشعراء، بل ولمصادرهما الذاتية. فالشعر من دغدغة الشيطان، بينما الآيات من وحي الرحمن. لهذا نرى محمد لاحقا يدفع فكرة وشخصية الشيطان إلى أقصى درجاتها بمعايير الفكرة الوحدانية بحيث جعل منه مصدر الخطأ والخطيئة في المواقف والأحكام. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

1-  وبالتالي لا علاقة لها على الإطلاق بالفكرة الشائعة الانتشار (بالأخص بين المستشرقين والمستعربين) من أن النبي محمد في مجرى احتكاكه باليهود والنصارى وتعرفه على بعض ما في كتبهم عن النبي الموعود هو الذي رسّخ عنده اعتقاد نبوته ويقينه بها. إذ كل ما في الآيات "المكية" يؤسس لفكرة النبوة والأهم من ذلك فكرة الوحدانية الجديدة. أما محاولة البعض تفسير النبوة بمعايير علم النفس، انطلاقا من أن النبوة أقرب إلى الجنون والنبي شبه مجنون! فهذا ليس اكتشافا، بل أن أهل قريش اعتقدوا بأنه قد يكون مريضا لشيطان يلعب فيه، ومن ثم فهم مستعدون لتقديم المال من اجل علاجه! وينطبق هذا على اغلب الدراسات الأوربية بصدد النبوة المحمدية المبنية على مقارنات مألوفة لهم أو لاكتشافات شخصية ولغوية عابرة. 

2- وهي مجموعة قبائل كانت تعيش في تهامة إلى أن حاربتهم قبائل مضر وربيعة فأبعدتهم عن جزيرة العرب إلى العراق.

 

 

محمد بنيعيشأولا: حال الأمة الإسلامية في الواقع وأحكام الوجود

لو أعطينا هذا العنوان حقه من الدراسة والبحث لما استطعنا وضعه في وريقات قابلة للعد بهذه السهولة، ولما سلمنا من التخلص من البحث حوله إلا بانقضاء العمر ودون استيفائه كاملا، ذلك لأن الأوضاع التي كانت منذ بداية تأسيس الخصوصية الروحية للأمة الإسلامية قد مثلت التكامل التام بين المقتضيات النصية والإجراءات التطبيقية الواقعية على كل الأصعدة، ابتداء من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة حتى عهد التابعين .

والتصوف لم يكن نشازا عن هذه الوحدة والتكاملية، كما أنه لا ينبغي لنا عرضه بشكل منفصل عن هذه الوحدة وإعطائه صفة زئبقية وحلزونية رخوة ولينة تخضع للظروف والتغيرات والمزايدات السياسية والطائفية حتى نرضي الآخر أو نزايد على أجندات ومخططات بعض الدول القريبة أو البعيدة من الإسلام جوهرا وعقيدة وتطبيقا. فيكون كل هذا التنازل من أجل نيل رضا الآخر ، سلطة سياسية أو مالية كانت أو دولة داخلية وأجنبية، وتسهيله لمقامنا عنده أو الاستفادة منه أيما استفادة !!!.

وهذا كله منافي كل المنافاة للتصوف ومبادئه الرفيعة المستمدة من مقام الإحسان:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

فليس التصوف مادة للتوظيف والركوب عليه واللعب به لأن هذه الطائفة كما يقول بعض شيوخه "تلعب بالشيطان لا أن الشيطان يلعب بها".

ومن هذا المبدأ أقول باختصار وتواضع: فلقد اتفق المؤرخون والمحدثون أصحاب الإسناد القوي على أن هذه المرحلة كانت أعظم عصر مرت به البشرية في وجودها كله وفي مسيرتها الطويلة .

ففيها قد بدأت بعثة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، سيد الكونين والثقلين، حاملا الرسالة ومؤديا للأمانة وسراجا منيرا للسالكين . يقول تعالى :"يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا"[1].

فلقد كان هذا الرسول العظيم يدعو إلى الله على بصيرة ووعي تام لا يتخلله شك أو اضطراب"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني "[2]، فكانت حالته أنه خير العقلاء وكانت صفته أنه خير المتخلقين " ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لأجرا غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم"[3].

ولقد سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن صفته فقالت: "كان خلقه القرآن "[4].

و قال في مدحه الإمام البوصيري رحمه الله تعالى في قصيدته البردة مطلعها:

ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى أن اشتكت قدماه الضر من ورم

حتى قال:

دعا إلى الله فالمستمسكون به مستمسكون بحبل غير منفصم

فاق النبيين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم

ثم:

فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم

نعم تلك هي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك هو نعته حيث لا يصل ناعته إلى استيفائه حقه، ففضائله أسمى ما تكون الفضائل وأخلاقه أزكى الأخلاق.

فلقد كان يحيي الليل صلاة ودعاء وذكرا، حتى اشتكت قدماه من كثرة الوقوف وتورمت مع أنه قد كان مغفورا له ما تقدم وما تأخر من ذنبه.وفي نفس الوقت كان داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وكان رحمة للعالمين بالمؤمنين رءوفا رحيما، فالقرآن خلقه وشريعته وهو "ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"[5].

ولقد كان لهذا الرسول أصحاب، ورجال حوله، وأتباع آمنوا به وأحبوه وأطاعوه، بحيث لم أجد أية أداة أصدق وأنصع وأسمى أصف بها وضعيتهم وحالهم في صحبة هذا الرسول العظيم، وفي معاملة بعضهم بعضا إلا بما وصفهم به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حيث قال:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر الجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما"[6]صدق الله العظيم.

فلقد كانت سمة المجتمع آنذاك تطبعها الوحدة في القول والعمل، في الحب والبغض، في الخوف والرجاء، والكل يخضع لسلطان الله وشريعته المبلغة بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فكان المجتمع يسمى بالمجتمع المسلم، والبلاد بالبلاد الإسلامية والتشريع بدين الإسلام، فلا مذاهب ولانحل ولا طوائف، فالكل معتصم بحبل الله لا يبغي به بديلا "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"[7].

إذن، فلا عملة تتداول في وسط هذه صفته إلا العملة الإسلامية، ولا ألفاظ تنطق إلا ما نص عليها الكتاب والحديث، وهكذا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين، استمرت الحالة على ما كانت عليه:طهر وعفاف وتقوى وصلاح، لم يقع التغير إلا في اختفاء شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهريا وانقطاع الوحي تشريعيا:"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " هكذا قال أبو بكر رضي الله عنه حينما تأكد من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واستيقن من ذلك[8] "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شينا وسيجزي الله الشاكرين"[9].

ثانيا: حتمية التصوف عند التغيرات الاجتماعية والسياسية

نعم ! لم تنقلب هذه الأمة على عقبيها، بل استمرت في زحفها وأتمت فتوحاتها على كل الأصعدة، روحية كانت، أو فكرية أو اجتماعية أو علمية... فكان الخليفة له منصب عام يتولى من خلاله الأمور الدينية والدنيوية، ويقيم شرع الله كما أمر به سبحانه وتعالى، فلا يحيد عنه قيد شعرة، ولا يزيغ عن محجته البيضاء، ويحمي بيضته من كل دخيل أو متعنت بتحريف أو تأويل وتضليل..

من نموذج هذا ما وقع في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رواية الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال:قدم المدينة رجل يقال له صبيغ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه فأعد له عراجين النخل فقال من أنت؟قال أنا عبد الله صبيغ!قال:وأنا عبد الله عمر، فضربه حتى دمى رأسه، فقال:حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي!!!.

وأخرجه من طريق نافع أتم منه قال:ثم نفاه إلى البصرة وأخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق أنس والسائب بن يزيد وأبي عثمان النهدي مطولا ومختصرا: وكتب إلينا عمر لا تجالسوه! قال :فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا..."[10].

بحيث قد كان هذا الإجراء ليس قمعا لحرية الرأي أو التعبير كما قد يتوهمه بعض العبثيين وإنما كان عملا وقائيا وعلاجا نفسيا واجتماعيا بوسائل فعالة، غايتها حماية الأمن الباطني للأمة وضمان انضباط المجتمع على عقيدة سليمة وموحدة حتى لا تتشتت المفاهيم وتتسرب الزندقة و التشكيك والميوعة ، وبالتالي قد تتوالى الجراءة على المقدسات الدينية ومرتكزات الأمة وهيبتها قصد الاستهانة بها واختراق حدودها، مما سيؤدي إلى الفساد والانحراف حتما ونتيجة.

وعلى هذا المنهج والاحتياط سيتوالى الخلفاء الأربعة تطبيقا وتحقيقا، والدين لم يمسه شيء من البدع والمجتمع لم يفلس بعد، لأن أفراد الأمة التي مدحها الله سبحانه وتعالى مازالوا أحياء "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا"[11]، يمثلون خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

ولئن كانت قد وقعت أحداث واختلافات في عهد الخليفتين عثمان وعلى رضي الله عنهما وذلك عقب المؤامرة الدولية-إن صح التعبير- بين اليهود والنصارى الممثلون للروم والفرس الممثلون للمجوس إضافة إلى المنافقين بالمدينة، بحيث قد "شاع عقب ضرب عمر أن قتله لم يكن مجرد عمل أبي لؤلؤة المجوسي بل هناك أشخاص اشتركوا في دمه، فقد قال عبد الرحمن بن أبي بكر غداة طعن عمر:"مررت على أبي لؤلؤة أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجي ! فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شيء قتل، فجاءوا بالخنجر الذي ضرب به أبو لؤلؤة فإذا هو على الصفة التي وصفها عبد الرحمن"[12]ناهيك عن تلميحات كعب الأحبار- الحديث العهد باليهودية - وإنذاره لعمر بن الخطاب بقرب أجله من مزعم أنه قرأه في التوراة، الشيء الذي أدخل الشكوك حول كونه له ضلع في القضية حتى نظم على إثرها شعر على لسان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

فواعدني كعب ثلاثا أعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب

وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار الذنب يتبعه الذئب[13]

فكل هذه الأحداث لم تكن لتمس جواهر المسلمين ودينهم، وإنما قد كان ذلك الاختلاف ناتجا عن اجتهادات واعتبارات، تلبست بصبغة سياسية كان لليهود والمنافقين يد طولى فيها، لا أطيل الكلام عنها في هذا المختصر، لكن الكل قد بقي يعبد الله ويوحده وينزهه عن كل أنواع الشرك والشبهات، والكل بقي يقوم الليل ويصوم النهار وينفق في سبيل الله ويجاهد ويذكر ويذكر، فرضا ونافلة ووجوبا وندبا وتطوعا، على تفاوت وتنافس محمود في باب الطاعة، والكل يحترم الشرع في أصوله وفروعه.وذلك ثابت بنص شرعي حيث أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله:"خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه".

وحتى إن ظهرت أثناء ما حصل من تلك الفتن وبعدها بقليل مذاهب وطوائف إلا أنها كانت في جل أقوالها تتعلق بإبداء الرأي في الإمام المنصب والمقتول وما حكم قاتله وما منزلته من حيث الإيمان، فكانت في الحقيقة ليست إلا مذاهب فقهية أو سياسية أو ذات نزعات شخصية وإن تسمت بأسماء دينية عقائدية[14].

هكذا، وبعد وفاة معاوية، تولى يزيد ابنه الخلافة سطوا وعنفا وغدرا بالعهود-كما قد يصفه البعض- فلقد كثر في عهده المجون والشرود، وأريقت الدماء، وكان من أبشع ما وقع أن سقطت دماء سيد الشهداء وحفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما في كارثة كربلاء سنة61هجرية وحوصرت الكعبة المشرفة ورميت بالحجارة، وكذلك غزيت المدينة المنورة في وقعة الحرة، واستبيحت فيها محارم الناس، وأخذ من بقي من أهل المدينة بالبيعة، لا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن على أنهم موالون ليزيد وخول له.

يقول محمد بك الخضري: "لم تقف مصائب المسلمين عند قتل الحسين ومن معه بل حدثت حادثة هي في نظرنا أدهى وأشنع وهي انتهاك حرمة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي الإلهي وهي التي حرمها عليه السلام كما حرم إبراهيم مكة فصارت هاتان المدينتان مقدستين لا يحل فيهما القتال، فانتهاك إحداهما من الشرور العظيمة والمصائب الكبرى فكيف انتهاك حرمتهما معا في سنة واحدة؟"[15].

وبهذا فقد انتهك أصل من أصول التشريع في الحكم، ألا وهو مبدأ الشورى، وقضي على سنة الخلافة الراشدة و تفرق المسلمون شيعا وأحزابا، وكانت السلطة آنذاك قائمة على ملك عنيف لا يقوم على الدين وإنما يقوم على الأهداف السياسية والمنفعة الذاتية[16]، كما يصفها بعض المؤرخين والأدباء.

ولم تنقض الفتنة بموت يزيد وإنما قطعت مرحلة من مراحلها ثم استأنفت عنفها وشدتها بعد موته فعرضت المسلمين ودولتهم لخطوب ليست أقل جسامة ولا نكرا من الخطوب التي وقعت في عهد –الطاغية- يزيد بن معاوية[17].

هكذا، وبعد هذه الخطوب وما بولغ فيها من توصيف سواء من طرف المؤرخين الموالين أو المعادين لهذا الفريق أو ذاك أو المتربصين بالجميع، استمر حال المسلمين في انحلال دائب بين مد وجزر يزداد به المجتمع سوء وتضعف فيه همم الرجال، حتى صار الدين غريبا في بعض الأحياء، وأصبحت الفئة التقية والمحافظة على عقيدتها وشعائرها موسومة بالخصوصية.ولم يعد ذلك العموم في التقوى يوصف به المجتمع وإنما دخل الناس وخاصة من ذوي الثراء والسلطة في طور اللهو واللغو، والطرب والغناء…

فكان تطورا وتغيرا سلبيا خطيرا كأنه حدث في الأمة، وكان لابد من رد فعل قوي ضد هذه الظاهرة الغريبة والدخيلة على الحياة العامة، وكان لابد من العمل بكل جهد للمحافظة على الأصالة والعمل على ضمان استمرار نسخ منها في الوجود المرئي والحضور السلوكي والاجتماعي . ومن هنا بدأت بوادر التصوف كثورة روحية وسلوكية متميزة بالحال قبل المقال وبالواقع قبل التعريف والتصنيف والتوصيف ...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1] سورة الأحزاب آية 45-46

[2] سورة يوسف آية 108

[3] سورة القلم آية 2-4

[4] رواه مسلم في صحيحه

[5] سورة النجم آية 4

[6] سورة الفتح آية 29

[7] سورة آل عمران آية103

[8] حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والاقتصادي والاجتماعي مكتبة النهضة المصرية ط7 ج1ص151

[9] سورة آل عمران آية 144

[10] الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام ، دار الكتاب العربي بيروت ط1ص63

[11] سورة الأحزاب آية 23

[12] محمد بك الخضري:الدولة الأموية ، المكتبة العصرية بيروت ط1423-2003ص233

[13] نفس ص230

[14] أحمد أمين: ضحى الإسلام مكتبة النهضة المصريةط6 ج3 ص5

[15] محمد بك الخضري: الدولة الأموية، المكتبة العصرية صيدا بيرو ط1423-2003ص322

[16] طه حسين: إسلاميات منشورات دار الآداب بيروت ط1 ص1030

[17] نفس ص1032