محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن نظرية الحتمية المنطقية في مدرسة وارسو البولندية" لوكاشفيتش نموذجاً"، وفي هذا يمكن القول:.. وانطلاقاً من تسليم أرسطو  بفكرة الاحتمال على الأحداث المستقبلة، وضع لوكاشِيفتشِ هذه الفرضية لتأسيس منطقه الثلاثي القيم، فيقول: "سوف أحضر إلي وارسو بعد  الظهر في21 ديسمبر العام القادم"، ثم يتساءل هل هذه الفرضية صادقة أم كاذبة، فإذا كانت صادقة، فلابد أن حضوري في الميعاد المحدد سوف يكون ضرورياً. وهذا يصعب التكهن به، وإذا كانت كاذبة بأنني سوف لا أحضر في الميعاد المحدد، فمن الصعب أيضاً التكهن به، ولذلك فإنني أقول " من الممكن أن أكون في وارسو يوم 21 ديسمبر"، وتلك القضايا ليست ضرورية ولا صادقة أو كاذبة في اللحظة التي تم فيها تقريرها كقضايا المستقبلات الممكنة عند أرسطو(21).

وهنا نجد لوكاشِيفتشِ يقدم قيمة ثالثة لمثل هذه القضايا، وهى القيمة "ممكن"،  ويرمز لها بالحرف "لا". و لما كان المناطقة  رمزوا في الماضي للكذب بالرمز "0"، وللصدق بالرمز "1"، فإن لوكاشِيفتشِ يرمز للممكن بالرمز"Y" (22).

ولنتناول حساب دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم الذي وضعه لوكاشِيفتشِ سنة 1920، وهو يختص بمعالجة قضايا المستقبل بمنهج المصفوفات، مع الأخذ بالمبدأ القائل: إن كل قضية تثبت أو تنفى مستقبلاً لها قيمة مختلفة عن الواحد والصفر، هي قيمة متوسطة، وعلى مسافة واحدة على كل منهما، وإن معالجة مثل هذه القضايا بالحساب الثنائي القيم يوصلنا إلى نتائج متعارضة وغير مقبولة، مما يجعلنا نحكم عليه بأنه غير ملائم .

ولكي نقيم دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم عند لوكاشِيفتشِ يجب علينا أن نبدأ كما هو معروف في المنطق الثنائي القيم، بتحديد مصفوفات العوامل الأساسية، وأعنى النفي والواصل والفصل واللزوم والتكافؤ . وترانا هنا نحافظ على المصفوفات القديمة بشرط أن نطولها بإدخال القيمة Y بين القيمتين (1، 0 ) بحيث تقتسم هذه القيم الثلاث سطور المصفوفة  (23).

هذا هو باختصار المنهج الذى صاغه لوكاشِيفتشِ لبناء المنطق ثلاثي القيم، وقد شيده لضرب مذهب الحتمية الفلسفي، وهذا المذهب كما وصفه لوكاشِيفتشِ يؤكد على أنه إذا وقع حادث ما وليكن " ح " في اللحظة " ل " فيصدق في أي لحظة سابقة على  " ل " أن " ح " يحدث في اللحظة " ل " (24) .

ويسوق لوكاشِيفتشِ مثالاً لتوضيح ذلك فيقول " جون John    قابل بول Poul  في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس "، ويعلق على هذا المثال قائلاً:- من الواضح أن لقاء الأمس لم يعد موجوداً اليوم، إلا أن حقيقة الأمس لم تعد مجرد وهم اليوم . ولكن جزءً مـن الحقيقة أن " جون " و " بول " أخذا ذلك في اعتباراهما .كلاهما يتذكر لقاء الأمس، وبالتالي، فإن آثار وبقايا لقاء الأمس لا تزال موجودة إلى حد ما لديهما اليوم . فكل منهما يستطيع أن يقسم  أو يحلف في محكمة بأنه رأى الآخر في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس . وعلى أساس هذه المعلومة أقول "حقيقي فى كل لحظة اليوم أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسوا ظهر أمس ولا أقصد بهذه الجملة " جون " قابل بول في ميدان البلدة في وارسو ظهر أمس " أنها صادقة في كل لحظة من لحظات اليوم ما لم ينطق بها أو يفكر فيها شخص ما . إن هذه الجملة إن لم ينطق أو يفكر فيها أحد، فهي بالتالي غير حقيقية، لأنها ليس لها وجود على الإطلاق . وسوف استخدام التعبير " أنها حقيقية في كل لحظة T that P ، حيث أن " لحظة " تعنى نقطه نحن نعتقد بأن الشئ الذي حدث لا يمكن الرجوع عند حدوثه بمعنى ما قد حدث قد حدث بالفعل، وبذلك لا يمكن  أن نبطل حدوثه . وما كان صادقا أو حقيقياً سيبقى كذلك إلى الأبد . فالحقيقة كلها خالدة وباقية . وهذه تبدو حدسياًً مؤكدة . لذلك نحن نصدق إذا قلنا أن (أ ) هو( ب) في اللحظة (س)، وعليه فإن (أ) هو (ب) صادقاً في أي لحظة تلى اللحظة (س) . ولذلك عندما نقول أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس، فإن هذا القول صادق في لحظة تلى لحظة مساء أمس " (25).

ثم يعقب لوكاسيفتش على هذا بأن يتساءل فيقول: " ولكن المشكلة هنا هل يصدق القول بأن جون قابل بول فى ميدان البلدة القديم في أي لحظة تسبق ظهر أمس ؟ وهل من الصدق أن اليوم الذى يسبق الأمس أو عام مضى وفى لحظة ميعاد جون وأي لحظة تلى ميعاده يكون صادقا ؟ وهل أى شئ سوف يحدث في المستقبل سيكون صادقاً أو حقيقياً في المستقبل هو صادق أو حقيقي اليوم ؟ وهل هو صادق إلى الأبد ؟ وهل كل الحقيقة أبدية.

ويعلق لوكاشيفتش على هذه التساؤلات بأنها ستكون مثار جدل عنيف، فالحتميون ستكون إجابتهم بالإثبات، بينما اللاحتميون ستكون إجابتهم بالنفي . فالحتميون   يرون أنه طالما   ( أ) هو ( ب) فى اللحظة س صادق، فإن ( أ) هو( ب) في أي لحظة تسبق اللحظة (س) كاذب.

وهنا يؤكد لوكاشِيفتشِ بأن النظرة التي ينظرها الحتميون لا تجعلهم يفرقون  بين المستقبل والماضي . يقول لوكاشيفش:" فمن يتبنى مثل هذا المنهج، فإنه لا يستطيع أن يفرق بين المستقبل والماضي . فإذا كان الشئ الذى سيحدث فى المستقبل حقيقياً وصادقاً، إذا ما حدث اليوم وهو صادق وحقيقي بشكل أبدى، فالمستقبل يعامل كالماضي، ولا يختلف عنه سوى في كون المستقبل لم يمر أو لم ينقضي بعد (26).

ثم يوضح لوكاشِيفتشِ السبب الذى جعل الحتميون لا يفرقون بين المستقبل والحاضر فيقول  " أن الشخص الذى يتمسك بمبدأ الحتمـية ينظـر إلى الأحـداث الكـونية على أنها شريط أو فيلم درامي تتابع حلقاته فى استديو سينمائي كوني، حيث إننا نعيش هذا العرض ولا نعرف نهايته بالرغم من أن كل شخص ليس فقط مشاهد، بل ممثل في هذه الدراما . ولكن النهاية موجودة، حيث إنها موجودة منذ بداية العرض، وبالنظر بشكل كلى للأحداث، نجد أن الصورة مكتملة إلى الأبد، وعليه فإن حياتنا بكل ما فيها من أفعال ومغامرات وأحداث وكل أفعالنا وكل ما نأخذه من قرارات إيجابية أو سلبية، إنما هو مثبت سلفاً من الأزل، حتى لحظة الموت سواء كانت لحظة موتك أو موتى، إنما هي مقررة وحادثه سلفاً . وما نحن إلا دمى أو عرائس تحركها الخيوط فى الدراما الكونية . وعليه فنحن لا نملك سوى الانتظار ومشاهدة ما يقع من أحداث متحلين بالصبر حتى نصل إلى النهاية "(27).

غير أن لوكاشيفتش يرى أن هذه النظرة التي يأخذ بها دعاة الحتمية الفلسفية تقوم على قانون العلية، القائل بأن كل حادث له عله قائمة في حادث سابق، وإذا صح ذلك، فيبدو من البّين أن الحوادث المستقبلة كلها لها علل موجودة من الأزل، وجميعها إذن محتوم قبلاً، ومن الحق بالطبع أن الفلكيين باعتمادهم على بعض القوانين التى تحكم العالم، يستطيعون التنبؤ مقدماً بمواقع وحركات الأجرام السماوية بشئ كثير من الدقة . وعند لحظة انتهائي من الجملة الأخيرة، أود أن أتسأل هل ينبغى لى أن اعتقد أن هذا الحادث محتوم أيضاً من الأزل، وأن الذى تحتمه قوانين مجهولة تحكم العالم ؟ لو قبلنا ذلك لكنا نريد الاسترسال في تظنن لا ضابط له، منه إلى الاعتماد على مقررات التحقيق العلمى .

ثم يؤكد لوكاشتفتش بأنه حتى لو قبلنا قانون العلية، باعتباره قانونا صادقاً على وجه العموم، فإن الحجة التي ذكرناها الآن قاطعة . فلنا أن نفترض أن تكون لكل حادث حادثة، وأن شيئاً لا يحدث بالصدفة . غير أن سلسلة العلل المنتجة فى المستقبل، وإن كانت لا متناهية، فإنها لا تصل إلى اللحظة الراهنة (28) .

ويوضح لوكاشِيفتشِ ذلك بمثال رياضي فيقول:" فلندلل على اللحظة الراهنة بالعدد "0" وعلى لحظة المستقبل بالعدد "1" وعلى لحظات علله بكسور" Y " فلأنه لا يوجد حد أدني للكسور الزائدة علي Y فلكل حادثة قائمة في حادث سابق، ولكن سلسلة العلل والمعلولات بأسرها تتحدد عن اللحظة Y،وهذه اللحظة لاحقة على  اللحظة "0"(29)

وينتهي لوكاشِيفتشِ إلى هذه النتيجة،  فيقول:" لنا أن نفترض أن معركة الغد البحرية التي يتكلم عنها أرسطو رغم أنها سوف يكون لها علة، وهذه العلة سوف يكون لها علة أخرى وهكذا، فإن هذه المعركة ليس لها اليوم علة . وبالمثل لنا أن نفترض أنه لا يوجد اليوم شئ من شأنه أن يمنع وقوع معركة بحرية في الغد . فإذا كان الصدق قائماً في مطابقة الفكر للواقع، فلنا أن نقول أن القضايا الصادقة اليوم هي التي تطابق واقع اليوم أو التي تطابق واقع الغد، من حيث أنها تعينه علل موجودة اليوم . ولأن معركة الغد  البحرية ليست متحققة اليوم، فالقضية القائلة بأنه " سوف توجد معركة بحرية في الغد "، ليست اليوم صادقة ولا كاذبة، وإنما يجوز لنا فقط أن نقول: ربما توجد في الغد معركة بحرية، وربما لا توجد في الغد معركة بحرية . فمعركة الغد البحرية حادث ممكن، وإذا وجد هذا النوع من الحوادث، كذب المذهب الحتمي (30) .

مما سبق يتضح لنا أن لوكاشيفتش،  حين وضع المنطق ثلاثي القيم كان يهدف من وراء ذلك تقويض المذهب الحتمي وحل مشكلة الحرية، فلقد  اعتقد أن القول بالحتمية، إنما يرجع إلى تطبيق مبدأ الثالث المرفوع على القضايا المتعلقة بالمستقبل، فإذا ما خلعنا على تلك القضايا قيمة صدق ثالثة تتوسط بين الصدق والكذب، أمكننا نزع شوكة الحتمية  المنطقية التي يؤكدها المبدأ .

 

ثانياً:- تطور منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية  المنطقية من خلال انتقاله من المنطق رباعي القيم إلى المنطق متعدد القيم

إذا كان لوكاشِيفتش ِقد شيد النسق المنطقي الثلاثي القيم، للتغلب على الحتمية المنطقية، فذلك لاعتقاده بأنه مرتبط بعدم التسليم بمبدأ ثنائية القيم، غير أنه عدل فيما بعد عن هذا الاعتقاد، وذلك يعد أن أدرك أنه ليس هناك تعارض بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم . وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم، صار من الممكن إنشاء نسق رباعي القيم، وذلك بإضافة قيمة رابعة ؛ فإذا كان النسق الثلاثي القيم يؤكد على أن القيمة الثالثة هي القيمة " ممكن " أي محتملة الصدق أو الكذب، فإن القيمة الرابعة تكون ليست محتملة الصدق أو الكـذب ؛ أي لا صـادقة ولا كـاذبة .

والنسق المنطقي الرباعي القيم، كما يذكر بعض الباحثين، توصل إليه لوكاشِيفتش سنه 1951، وذلك بعد التعديلات التي أجراها على المنطق الموجه حين رأى في النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي في ضوء نسق رباعي القيم (31) .

وفى هذا التفسير وضحت فكرة المنطق رباعي القيم من خلال إعادة النظر فى قضية الممكنات المستقبلة عند أرسطو، حيث يقول لوكاشِيفتشِ" فنأخذ مثال المعركة البحرية، ولنفرض أن شيئا لم يتعين بعد اليوم بخصوص هذه المعركة، وأعنى بذلك أنه لا يوجد اليوم شئ محقق من شأنه أن يكون علة في حدوث معركة بحرية في الغد، كما لا يوجد شئ من شأنه أن يكون علة في عدم حدوثها، ومن ثم فإذا كان الصدق ( الحق ) قائماً في تطابق الفكر والواقع، فالقضية ستحدث معركة بحرية غدا ليست اليوم صادقة ولا كاذبة " (32) .

وفى فقرة أخرى يقول " إذا كان أرسطو " يرى أن القضية يحتمل أن توجد معركة بحرية غدا، والقضية يحتمل أن لا توجد معركة بحرية غداً، قد تصدقان معاً اليوم،  و ذلك يتفق مع تصوره للإمكان أنه قد توجد  قضايا ممكنه . هناك طريقان لتجنب هذا التناقص بين رأي أرسطو ونسقنا في المنطق الموجه(ذو الرباعي القيم)، فيجب إما أن ننكر أن تكون أية قضية  ممكنه وصادقة معاً، وإما أن نعدل تعريف أرسطو للإمكان، وقد اخترت الطريق الثاني (33).

ثم يعلن لوكاشِيفتشِ أن الطريق الثاني للإمكان يتمثل في أن حدوث معركة بحرية غداً لا صادقة ولا كاذبة اليوم، يقول لوكاشِيفتشِ:" إذا قلنا مع أرسطو أن بعض الحوادث المستقبلة كأن تقع اليوم معركة بحرية – متصفة بالإمكان، فالقضية التي ننطق بها اليوم عن مثل هذه الحوادث لا تكون صادقة ولا كاذبة، ومن ثم يجب أن تكون لها قيمة غير القيمتين [0،1] (34).

وانطلاقاً من هذا شرع  لوكاشِيفتشِ يشيد المنطق رباعي القيم من خلال طريقة الجداول التي أخذها من" بيرس" و"شرودر" كما يقول، وهذه الطريقة تختلف عن طريق الجدول في المنطق الثلاثي القيم، حيث تتراجع قيم [1،Y،0 ] ويأخذ بدلاً من ذلك طريقة أخري.

وينتهي لوكاشِيفتشِ من المنطق المتعدد إلي حقيقة هامة، وهي أن القوانين المنطقية ليست قوانين يقينية، وإنما قوانين احتمالية شأنها شأن قوانين العلوم الطبيعية، وفي هذا يقول " تشسلاف نقلاً عن أستاذه لوكاشِيفتشِ: " لقد مضي زمان طويل احتلت فيه القوانين المنطقية منزلة تميزها علي غيرها من قوانين العلوم الطبيعية . وقيل أحيانا في وصف القوانين المنطقية إنها قبلية ( أولية )، وقيل أحياناً أخري أنها تحليلية، وكان الغرض  هذين الوصفين، هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين  العلوم الطبيعة، ولكن المنطق المتعدد القيم بّين أن الاحتمالات عديدة أما منا، حتى ولو بلغنا  أعلى درجات العموم، كما هو الحال في منطق القضايا . ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم أو أي مبدأ آخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع، وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء " (35).

وثمة نقطة أخيرة نود الإشارة إليها، وهى أن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش"  لا تخلو من أصالة تعبر عن جذوره، وفى الوقت نفسه ليس شاغرا من الطرافة المتمثلة في مواكبته للثقافة التي طرح فيها.

الخاتمة:

بعد هذه الإطلالة التي قمنا فيها بمعالجة نظرية الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" لم تكن سوى استجابة للواقع الثقافي والعلمي المعاصر الذي رفض الحتمية بكل صورها، ليفسح الطريق أمام الممكن والجائز والمحتمل، وغير ذلك من صيغ قد عبرت عنها النظريات المعاصرة في شتى المعارف الإنسانية، الأمر الذي يؤكد أن ما جاء به "لوكاشيفتش" يعد نسقاً منطقياً متطوراً للمنطق الرياضي الكلاسيكي.

2- إنه من الخطأ الاعتقاد بأن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" قد قضت على المنطق ثنائي القيم، بل على العكس من ذلك تماماً،فقد بين "لوكاشيفتش" أن العلاقة بين المنطق الثلاثي القيم والمنطق الثنائي القيم علاقة تحاور وليست علاقة تصادم أو تزاحم. وذلك لأن المنطق متعدد القيم قد أسهم بفاعلية في تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة، علاوة على أن جميع قوانين المنطق الثلاثي القيم هى قوانين في المنطق الثنائي القيم الذي هو أساس الحتمية المنطقية.

3- إن "لوكاشيفتش" قد أراد، من خلال تبنيه للحتمية المنطقية، وضع حد للأحكام القطعية التي طالما تبناها معظم المفكرين والميتافيزيقيين علي مر العصور، الذين وضعوا أسساً حتمية مسبقة للوجود دون أدنى تدخل للإنسان فيها، فهي كلها من صنع القدر. فإذا كان مكتوب على (ص) أن تصبح صادقة،أو أن (أ) سوف يبعث في أخر الزمان، وغير ذلك من الأمور القطعية،فإن "لوكاشيفتش" يرى أن نسبة الصدق فيها يجب أن تخضع لنسبية الحكم بقدر تحققها في الحدث، وتبيت بذلك العلاقة بين العلة والمعلول ليست ضرورية، بل ممكنة، من الصفر إلى الواحد.

4- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش" كانت بمثابة المكاشفة التي جعلته يتوصل إلي وضع تعريفات جديدة لدوال الصدق تعتمد على فكرة درجات الصدق العادية المتصلة دون قطوع أو فجوات في فاصل مغلق من الأعداد الحقيقية اللامتناهية يبدأ من الصفر وينتهي بالواحد، كشف لنا أنه من الصعب أن نقيم مصفوفات لتلك الدوال .وهذه الصعوبة تزداد بزيادة عدد القيم،إلي أن يصبح الأمر مستحيلاً بالنسبة لحساب له عدد لامتناهي من القيم تناظر لانهائية درجات الممكن أو الاحتمالات غير المتناهية التي تنحصر بين الصفر والواحد، والتي تحتاج لوجود قواعد متناسقة تناظر على نحو ما قواعد حساب الاحتمالات.

5- إن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" امتاز بتوسيع الإطارات التقليدية بالنسبة للقضايا بعامة، والموجهة بخاصة، فقد أفضى هذا المنطق قيمة على القضية: ~ ق   ق، حيث جعلها تعريفاً للإمكان، وأمكن البرهنة على جميع مبادئ المنطق الموجه، التي أدى البرهنة عليها بالحساب الثنائي القيم إلى نتائج غير مقبولة.

6- إن الحتمية المنطقية الذى تبناها "لوكاشيفتش" كشفت لنا عن قضايا لا يمكن أن توصف، وبالأخص الآن بأنها صادقة أو كاذبة، فتكون محل إشكال،أو احتمال .وقد تتحدد قيمة صدقها،أو كذبها في المستقبل القريب أو البعيد، وقد لا نستطيع أن نحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة بسبب جهلنا. وعندئذ قد ندخل قيمة ثالثة أو رابعة متوسطات بين القيمتين صفر وواحد وعلى مسافة واجدة من كل منهما.

7- إن تبنى "لوكاشيفتش" لمنطق الحتمية لا يخلو من أثر على بعض فلسفات اللغة المعاصرة التي جعلت للألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية معان ودلالات يمكن الخلاف حولها تبعاً لرؤية القارئ دون التقيد بقيمة ثنائية يمكن القطع فيها صدقاً أو كذباً. وبمعنى أخر تعدد الدلالات.

8- على الرغم من عدم وجود الحتمية المنطقية عند المدرسة المشائية العربية التي عولت في مباحثها على المنطق الأرسطى،إلا أننا لا نستطيع القطع بعدم معرفة العرب لهذا المنحى،إذ نجد له إرهاصات فى المنطق الأصولي،وذلك في أقيسة الفقهاء المتضمن فى الجائز والمكروه والحسن،وغير ذلك من الأحكام التي تعد وسطاً قيمياً بين الحرام بالقطع والحلال بالقطع.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

21- لييفسكي ( تشسلاف): يان لوكاشِيفتشِ ومدرسة وارسو   المنطقية، ص 177.

22- نفس الرجع، ص 178.

23- نفس الرجع، ص 189.

24- نفس الرجع، ص 232.

25- نفس الرجع، ص 234.

26- نفس الرجع، ص 238.

27- نفس الرجع، ص 244.

28- نفس الرجع، ص 245.

29- نفس الرجع، ص 247.

30- نفس الرجع، ص 249.

31- نفس الرجع، ص 248.

32- نفس الرجع، ص 250.

33- نفس الرجع، ص 333.

34- نفس الرجع، ص 345.

 

 

 

محمود محمد عليالمقدمة: حين صاغ أرسطو (384-322ق م) ما يعرف بقانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع Law of excluded Middle في كتابه "العبارة "، أكد على أن: " كل القضايا سواء كانت موجبة أو سالبة إما أن تكون صادقة أو كاذبة، وكل محمول إما ينتمي إلي موضوع أو لا ينتمي . فكل محمول لابد من أن يثُبت لموضوع أو أن ينفي عنه، فتكون لدينا قضايا إما موجبة وإما سالبة، أو تكون إما صادقة وإما كاذبة " (1).

ونلاحظ مع بعض الباحثين، أن هذا القانون يقوم علي حصر كل ما في الكون في فئة، أوفي نقيضها، الذي يصدق علي مالا تصدق عليه الفئة ؛ بحيث لا يبقي أي شيء في الكون، لا يندرج تحت الفئة أو تحت نقيضها، فليس هناك أي وسط بين الفئة ونقيضها، وليس هناك أي احتمال آخر، يمكن أن يكونه الشئ، فيندرج تحت ثالث ليس هو الفئة، وليس هو نقيضها، أو أن يتصف بصفة ثالثة، ليست هي الصفة أو نقيضها . فهو يقرر مثلاً، أنه ليس هناك ثالث ممكن بين الوجود والعدم، فالشيء إما موجود وإما غير موجود، أو بين الصدق والكذب، فالقضية إما صادقة وإما كاذبة (2).

وقد دافع الرواقيون عن قانون الثالث المرفوع، وذلك لارتباطه بمبدأ الحتمية Determinism التي كانوا من أنصارها في موقفهم الفلسفي القائم علي أن الكون محكوم بقانون القدر الصارم الذي لا يسمح بأي استثناء. إذ لابد وأن تكون اختيارات الإنسان في الحياة اختيارا لما هو ضروري (3).

ولذلك نراهم يعلقون أهمية كبيرة علي قانون الثالث المرفوع في الصورة الاستدلالية: إما الأول أو ليس الأول، واستخدموه في البرهنة علي قانون النفي المزدوج أو تكافؤ القضية مع نفي نفيها، بالاستعانة باللامبرهنتين الرابعة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني) والخامسة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن الأول). ففي المبرهنة " إما الأول وإما ليـــس الأول، ولكـن الأول، إذن لي ليس الأول "، وصلوا إلي البرهنة علي إدخال النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الرابعة، أو بضرب النفي بالإثبات، وفي المبرهنة:" إما الأول وإما ليس الأول، ولكن ليس ليس الأول، إذن الأول " وصلوا إلي البرهنة علي حذف النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الخامسة أو بضرب الإثبات بالنفي وبذلك برهنوا علي قاعدتي النفي المزدوج (4) .

أما في تراثنا العربي – الإسلامي، فقد تمسك المناطقة العرب بقانون الثالث المرفوع، فنجدهم يأخذون به حين يعرفون القضية بأنها قول يمكن أن يقال لقائله، إما أن يكون صادقاً فيه أو كاذباً، وبعبارة ابسط هي جملة خبرية تحتمل الصدق أو الكذب . ولذلك أطلقوا علي القضية اسم " القول الجازم " ذلك لأن القول الجازم يقال لجميع ما هو صادق أو كاذب، أما الأقاويل الأخرى، فلا يقال لشيء منها أنه جازم، كما لا يقال أنه صادق أو كاذب (5) .

وأما في العصور الوسطي المسيحية، فنجد القديس أبيلارد Abelard (1079 م– 1142م)، يأخذ بقانون الثالث المرفوع، حيث يستند إليه في قاعدتيه، اللتين تكون ما يسمي الآن بجدول صدق عامل النفي، وأعنى القاعدتين "إذا كان الإثبات صادقاً، فإن النفي يكون كاذباً، وإذا كان النفي صادقاً، فإن الإثبات يكون كاذبا "، كما برهن "أبيلارد" علي تكافؤ القاعدتين المعروفتين تحت اسم "الإثبات بالإثبات " واسم "النفي بالنفي"، وعلي إمكانية اشتقاق كل منهما من الأخرى بواسطة الرد إلي المحال أو برهان الخلف الذي يستند إلي التسليم بقانون الثالث المرفوع، وبثنائية القيم، وبقانون عدم التناقض (6).

وإذا انتقلنا إلي العصور الحديثة، فنجد أن معظم المناطقة الرياضيين برغم أنهم عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية، ليكتسب مزيداً من الصورية برموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق، فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته، هو تلك الثنائية الراسخة أو بعبارة أخري هو التمييز بين ما هو صادق وكاذب (7).

ورغم ما أسهم به المناطقة الرياضيون من تأكيد وتطوير للمعايير المنطقية للصدق، إلا أنهم بتمسكهم بمبدأ الوسط المستبعد؛ حيث إن أي قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة ولا ثالث بينهما لم يتجاوزا المنطق ثنائي القيم، حيث أنهم يستخدمون فقط قيمتين لقضاياهم علي الرغم من أنهم يؤكدون علي أن بعض القضايا في الرياضيات، وفي مجالات أخري لا يمكن أن يقال عنها أنها صادقة أو كاذبة، حيث يرجعون ذلك إما لأنها غير ممكن البرهنة علي صدقها أو كذبها، أو لأنها تؤدى إلي تناقضات فى حالة إذا ما نسبنا إليها آياً من هاتين القيمتين (8) .

وتعد نظرية "فيرما" مثالاً جيداً علي هذا النوع، حيث ذهب هذا الرياضي الفرنسي الشهير إلي أنه لا يمكن حل المعادلة التالية:

n n  n

X + Y = Z

في حالة ما إذا كانت n >2

وعلي الرغم من الجهود التي بذلها الكثيرون من الرياضيين العظماء، إلا أنه لم يستطيع أحدهم إثبات ما إذا كانت قضية فيرما صادقة أو كاذبة. وهذا يعني أنها تتجاوز نطاق مبدأ الوسط المستبعد(9).

ولقد أجبر هذا المناطقة علي إيجاد قيم أخري أيضاً لبعض القضايا غير الصدق والكذب . ولقد اتجه المناطقة إلي المفاهيم الموجهة مثل الممكن والمستحيل والمحتمل والضروري، حيث أن مثل هذه القيم يمكن أن تنسب للقضايا التي ليست صادقة ولا كاذبة، كما تم التوسع أيضاً في فكرة الجهة نفسها عن طريق إضافة مفاهيم أخري مثل مفهوم " لا معني له "Senseless ومفهوم العبثAbsurd (10).

وقد جرت عادة الباحثين علي أن يسموا المنطق الذى يعول علي قانون الثالث المرفوع باسم "المنطق الثنائي "، نظراً لاعتماده من وجهه النظر المنطقية الرياضية علي نسق ثنائي القيم، مهما يكن المعني المنسوب لهاتين القيمتين . وبالمثل أيضاً، فإن المنطق الذى يسمح بوجود ثلاث قيم سوف يسمي بالمنطق ثلاثي القيم،Three-Valued Logic، بينما المنطق الذي يسمى بأربع قيم فيسمي بالمنطق رباعي القيم Four Valued Logic..الخ، ومثل هذا يقال أيضاً عن المنطق الذى يسلم بوجود عدد لا متناهي من القيم يسمي بالمنطق متعدد القيم Many-Valued logic (11).

ولقد خطا المنطق متعدد القيم أولي خطواته التصويرية علي يد" تشارلز بيرس "Perce C.S..(1839-1914)، حيث قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال فريجة Frege (1848 – 1925) و"راسل"Russell (1872 – 1970)،" ووايتهد" Whithead(1861-1947م)، لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلاً في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهى نظرية حساب القضايا Calculus of Propositions ووضع بعض قوانينها . وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئاً من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها "دى مورجان " De Morgan (1806-1887). وفضلاً عن ذلك استخدام بيرس قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه القوائم إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة، هادفاً بذلك إلى تعميم المنطق ثنائي القيم بمجاله المحدود،ليصبح أكثر فعالية إزاء قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب. غير أن بيرس لم يعمد إلى استكمال هذا البناء المنطقي الجديد، ولم يكن يتوقع لهذا البناء أن يصبح في يوم من الأيام حقيقة واقعة لها كل هذا الذيوع التكنولوجي (12).

ومن هذا المنطلق تأتي هذه الورقة عن نظرية الحتمية المنطقية عند رائد مدرسة وارسو وهو لوكاشِيفتشِ" Jan Luckasiewicz (1878م-1956م)، وذلك حين وضع عام 1920 نسقاً منطقياً للقضايا ذا ثلاث قيم، وقد استوحي تصوره لهذا النسق من معالجة أرسطو للحوادث الممكنة المستقبلةFuture Contingencies في كتابه " "العبارة" وكان لوكاشِيفتشِ يرمى من إنشاء نسق منطقي ثلاثي القيم إلى صياغة نظرية تحتوى على القوانين التقليدية في المنطق الموجه . وقد حاول أيضاً إنشاء ذلك النسق من أجل أن يتغلب على مذهب الحتمية الفلسفي القائم على مبدأ ثنائية القيم، ولكنه عدُِل فيما بعد عن اعتقاده ذلك، فلم يـَر تعارضاً بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم. وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم صار من الواضح انه يمكن إنشاء نسق رباعي القيم أو خماسي القيم، أو نسق عدد القيم فيه أي عدد نشاء، بل نسق يحتوى ما لا نهاية له من القيم.

وكان لوكاشِيفتش ِيعتقد أول الأمر أن النسق الثلاثي القيم والنسق اللامتناهي القيم هما أكثر الأنساق الكثيرة القيم أهمية من الوجهة الفلسفية، فقد كانا يبدوان أقل هذه الأنساق احتياجا إلى التبرير، ولكنه رأى فى النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي فى ضوء نسق رباعي القيم، ولا يزال الخلاف قائماً حول مسألة إمكان وضع المنطق الموجه فى إطار نسق كثير القيم، ولكن الأهمية الفلسفية لاكتشاف لوكاشييفتش لا يبدو أنها متوقفة على هذه المسألة. لقد مضى زمن طويل احتلت فيه القــوانين المنطقية منزلة تميزها على غيرها من العلوم الطبيعية . وقيل أحياناً في وصف القوانين المنطقية أنها قبلية (أولية) A priori . وقيل أحياناً أخرى أنها تحليلية Analytic، وكان الغرض من هذين الوصفين هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين العلوم الطبيعية، ولكن لوكاشِيفتشِ قد بيَن باكتشافه الأنساق المنطقية الكثيرة القيم أن الاحتمالات عديدة أمامنا، حتى لو بلغنا أعلى درجات العموم، كما هو الحال في منطق القضايا. ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم، أو أي مبدأ أخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع . وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء (13).

وقد قسمت هذا الورقة إلي محورين: المحور الأول عرضت فيه لمنهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية من خلال بناءه للمنطق الثلاثي القيم، المحور الثاني عرضت فيه لتطور منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية من خلال انتقاله المنطق الرباعي القيم إلي المنطق متعدد القيم، وسوف نعالج هذين المحورين بشيء من التفصيل، وذلك فيما يلي:-

أولاً: منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية وذلك من خلال بناء المنطق ثلاثي القيم

يري لوكاشيفتش أن المنطق ثلاثي القيم، اكتشاف قد تبلورت فكرته سنة 1918 ووضحت فكرته سنة 1920، حيث شرحها في الخامس من يونيه من نفس العام، أمام الجمعية الفلسفية في Lawow (14)، وفكرة هذا المنطق تقوم علي تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة فـي المنطق الكلاسيكي بإضافة قيمة ثالثة، لتصبح القيم المستـخدمة للحـكم علي أية قضـية هي " الصدق " و"الكذب" و"المحتمل الصدق و الكذب"، ويرمز لوكاشِيفتشِ للصدق بـ"1"، والي الكذب بـ "0" وإلي المحتمل بـY (15).

ثم يؤكد لوكاشِيفتشِ علي أنه توصل إلي فكرة هذا المنطق من خلال دراسة للقضايا الموجهة Model Propositions عند أرسطو، وبالذات جهة الممكن عندما نوه أرسطو إلي أن قانون الثالث المرفوع لا يصح علي الأحداث الفردية المستقبلة، وذلك حين ناقش إمكان حدوث معركة بحرية في المستقبل، واقترب كثيراً من تصور منطق كثير القيم، ولكنه لم يعمل علي توكيد هذه الفكرة العظيمة، فبقيت قروناً لا تثمر شيئاً، وبفضل أرسطو استطعت أن اكتشف هذه الفكرة سنة1920 (16).

والسؤال الآن، ما هي قصة الأحداث الفردية المستقبلة عند أرسطو، والتى جعلت لوكاشِيفتشِ يكتشف منطقه ثلاثي القيم؟

والإجابة تتمثل في أن أرسطو حين صاغ قانون الثالث المرفوع أكد أن القضيتين المتناقضتين، تكون إحداهما صادقة والأخرى بالضرورة كاذبة، وتشترك القضيتان الشخصيتان الموجبة والسالبة في هذا الحكم . غير أن أرسطو رأى أنه إذا كان موضوع القضية فردياً، وكان ما ينتمي إليه يتعلق بالمستقبل، فإن الأمر يتغير (17).

وهذه الجملة الأخيرة كانت مما دعا كثير من الباحثين إلى القول بأن أرسطو قد شكك في مبدأ ثنائية القيم المرتبطة به أو رفضه، وهذا بالفعل هو ما حدث من أرسطو، ففي الفصل التاسع من كتابه" العبارة"(18)، حيث أكد على أن قانون عدم التناقضNon-Contradiction لا يسرى علي أحداث الماضي والحاضر فحسب، ولا يسري على أحداث المستقبل الفردية التي لم تتعين بعد، ولا يمكن اختبار صدقه من عدمه، إلا بعد حدوثها و تحولها إلى أحداث حاضرة. أما وهي لا تزال في طي المستقبل، فمن الممكن أن يحدث الشيء أو نقيضه أو يحدث الاثنان معاً أو لا يحدث الاثنان معاً. فعندما توجد قضايا فردية حول المستقبل لا يكون الوضع الفعلي أن من الضروري أن واحدة سوف تكون صادقة منها، والأخرى سوف تكون كاذبة، فنحن لم نصل بعد إلي طريقة لمعرفة ذلك . إننا لو قلنا أن قانون عدم التناقض يسري على المستقبل وقضاياه الفردية، مثل سوف تكون هناك معركة بحرية غداً، لأدي هذا إلى نزعة حتمية يرفضها أرسطو بشدة، لأنها تؤدي إلي نتيجة تقول بأن كل شئ سوف يحدث بالضرورة ولا شئ بالمصادفة، وهذا متعارض مع الواقع المشاهد (19).

وبالتالي، فلا تكون أحداث المستقبل منغلقة وكاملة كأحداث الماضي والحاضر، بل قابلة للاحتمال، كما أنه لو كان صحيحاً أنها حتمية لما كانت هناك حاجة إلي التروي العقلي وإلى التقدير والحساب، فما هو آت سوف يأتي سواء رضيت أم لا، وعلى هذا فإن ازدواج القضايا الذي يقول: سوف تكون هناك معركة بحرية غداً، وسوف لا تكون هناك معركة بحرية غداً، ازدوجاً ليس متناقضاً بالضرورة، فكلتا القضيتان محتملتان الصدق إلي أن يأتي غداً، ومن ثم فلا تسرى الحتمية المنطقية على المستقبل (20). ... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

1- السرياقوسي (محمد): أهمية قانون الوسط الممتنع والنتائج المترتبة علي التخلي عنه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993، ص 21.

2- نفس المرجع، ص 33.

3- مراد (محمود): الحرية في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدينا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2000 م، ص 36.

4- السرياقوسي (محمد): الرمجع السابق، ص 78.

5- ابن سينا، الشيخ الرئيس: الشفاء – للمنطق (العبارة)، تحقيق د . محمود الخضيري، تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1903 هـ - 1970م، ص 11.

6- غيتمانوف (الكسندر): علم المنطق، لم يرد اسم المترجم، دار التقدم، موسكو، 1989، ص 133.

7- ديمتريو: تاريخ المنطق، جـ 4، قراءات حول التطور المعاصر للمنطق الرياضي،و ترجمة ودراسة وتعليق د . إسماعيل عبد العزيز، دار الثقافة للنشر والتوزيع 1997، ص89.

8- عثمان (د. صلاح محمود): المنطق متعدد القيم بين درجات الصدق وحدود المعرفة، منشأه المعارف، الإسكندرية، 2002، ص 34.

9-نفس المرجع، ص36.

10- نفس المرجع، ص37.

11- نفس المرجع، ص 39.

12- نفس المرجع، ص 56.

13- نفس المرجع، ص67.

14-Rescher ,Nicolas: The Degree of Completeness of The m-Valued Luckasiewicz: Propos ional Calculus, The journal of the London Mathematical Soci-ty,27,1952,P.43.

15-Ibid.

16- لييفسكي (تشسلاف): يان لوكاشِيفتشِ ومدرسة وارسو المنطقية، ترجمة عبد الحميد صبرة، ضمن كتاب لوكاشِيفتشِ (نظرية القياس الأرسطية)، منشاة المعارف، الإسكندرية، 1961 .

15- نفس الرجع، ص 77.

17- نفس الرجع، ص112.

18- نفس الرجع، ص123.

19- نفس الرجع، ص 155.

20- نفس الرجع، ص 165.

 

تُمثِّل البُنى الاجتماعيةُ فلسفةَ التحولات الإنسانية على الصعيدَيْن الفردي والجَمَاعي . وكُل تحوُّل في شُعور الإنسان سينعكس على طبيعة العلاقات الماديَّة التي تربط بين المَعنى والوَعْي في المجتمع، لأن الشعور سابق على المادَّة، وصناعة الإنسان هي الخُطوة الأُولى في طريق صناعة المجتمع . وفي ظِل هذه التشابكات المعرفية، تَظهر أهميةُ اللغة باعتبارها منظومةً وجوديةً رمزيةً تَجْمَع بين المَعنى والوَعْي، وتُعيد صِياغةَ الإدراكِ الحِسِّي والتَّصَوُّرِ الذهني وماهِيَّةِ الروابط الاجتماعية. وإعادةُ الصِّياغة تعني تكوينَ تاريخ اجتماعي يُولَد باستمرار، ولا يتوقَّف عن الحركة، فالتَّوَقُّف قتلٌ للمواهب الإبداعية، والجُمود تَحطيمٌ للأنظمة الفكرية في المجتمع . والحركةُ المُستمرة هي الضَّمانة الأساسية لعدم سُقوط الظواهر الثقافية والأنظمة الفكرية في الفراغ والعَدَم . وكُل حركة في المنظومة الاجتماعية، سواءٌ كانت أُفقيةً (تتعلَّق بالهُوِيَّات المُكْتَسَبَة إراديًّا) أَمْ عموديةً (تتعلَّق بالهُوِيَّات المُتَوَارَثَة لاإراديًّا)، تعني تَوليدًا مُتواصلًا للطاقة الرمزية في المجتمع واللغة معًا . والمجتمعُ هو لُغة واقعية، واللغةُ هي مُجتمع حَالِم . واللغةُ وَحْدَها هي القادرةُ على حَمْلِ الرموز المُنبعثة من شُعور الإنسان بذاته ومُحيطه، وبناءِ التفسيرات الحقيقية والتأويلات المَجَازية للأنا والآخَر، وصناعةِ التجارب الروحية والمادية في جسد الإنسان وجسد المجتمع، وتكوينِ الظواهر المعرفية المُتجانسة، ودَمْجِها معَ العناصر الفكرية المُتمركزة في جَوهر البناء الاجتماعي .

وأهميةُ الطاقة الرمزية في اللغة تتجلَّى في قُدرتها على قراءة ما بين السُّطور . والإشكاليةُ المركزية في الوجود الاجتماعي هي أنَّ الإنسان يَقْضِي حياته لاهثًا وراء الأشياء الاستهلاكية، ويَنسَى أن يَعيش . ومعَ مُرور الوقت، يُصبح الإنسانُ شيئًا مِن الأشياء، وتُصبح مشاعرُه تكريسًا لضياعِ ذاته الوجودية، وغيابِ صَوته الاجتماعي الفاعل، وانكسارِ هُويته المُميَّزة بين الثوابت والمُتغيِّرات .

والحياةُ الرمزيةُ للإنسان لَيست الفترةَ الزمنية المُمتدة مِن ولادته إلى وفاته، وإنما هي الفترةَ الوِجدانية المُمتدة مِن حُلْمه إلى جَوهره. والطبيعةُ الإشراقيةُ للمعنى الإنساني وجَدوى وُجوده، لَيست التفاصيلَ التي يَحْياها الإنسانُ في داخل المجتمع، وإنما هي التفاصيل التي يَحْياها في داخل نَفْسِه . وكُلَّما تَعَمَّقَ الإنسانُ في فَهْم نَفْسِه، وإدراكِ أبعادها الداخلية، استطاعَ إعادة تركيب نظام المشاعر الكامن في أعماقه، وتَوظيفه من أجل فَهْم أسرار ذاته المُتوارية وراء الأقنعة والاستعارات والتشبيهات والتأويلات، أي إنَّ الإنسان مُطَالَب بإيجاد صَوته الخاص خارج سُلطة الصَّدى، والعُثورِ على وَجْهه الحقيقي خارج نُفُوذ مَرايا المجتمع المُتعاكسة .

وهذه العمليةُ المُهِمَّة تُتيح للإنسان فُرصة الانتقال مِن أسرار ذاته إلى أسرار العلاقات الاجتماعية، وتحليل طبيعتها غَير المَرئية، والانتقال مِن جسد اللغة إلى تجسيدها على أرض الواقع، وُجودًا ونظامًا وخِطَابًا ومَفهومًا ومَنطوقًا وإلهامًا وإشراقًا ولَفْظًا ومَعْنى . لذلك، تَخرج اللغةُ _ في كثير من الأحيان _ مِن حَيِّز الوسيلة (وسيلة الخِطَاب والتواصل) إلى فضاء الغاية، وتُصبح اللغةُ غايةً مُكتملةً، وهدفًا قائمًا بذاته، وسُلطةً مُكتفية بكِيانها، وزمانًا عابرًا للتناقضات الاجتماعية، ومكانًا حاضنًا للأحلام الإنسانية .

والمُجتمعُ المالكُ لِصَوْته، والمُتحرِّرُ مِن الصَّدى، والحاضنُ لرموز اللغة، قادرٌ على تحويلِ الوسيلة إلى غاية، وتَقَمُّصِ الأشكال المعرفية المُختلفة، لأن الرمز كالماء يأخذ شكلَ الإناء الذي يُوضَع فيه . وكُلَّما سافرَ الإنسانُ إلى اللغة وَجَدَ نَفْسَه فِيها، وَوَجَدَ كِيانَه في كَينونة المُجتمع، مِمَّا يُشير إلى أنَّ اللغة هي هُوِيَّة الإنسان الوجودية، وشَرعيته الوِجدانية، وسِلاحه الرمزي .

والجديرُ بالذِّكْر أنَّ منطق اللغة الرمزي لا يتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي يَقُوله الإنسانُ، وإنما يتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي يَخاف أن يَقُوله الإنسانُ. وهذا يَكشف المسؤوليةَ الجسيمة المُلقاة على عَاتِق اللغة، حيث إنَّها مُطَالَبَة بتفكيك العُقَد النَّفْسية في الإنسان، وتحريره مِن الخَوف، لأن الخائف عاجز عن الإبداع، وفَكِّ شِيفرة التحولات الاجتماعية، ورَبْطِها بالرموز الحاملة لتاريخ الإنسان وأفكاره وذِكرياته وعواطفه وأحلامه وطُموحاته، مِن أجل التفريق بين الخيال والحقيقة . وإذا نجحت اللغةُ في تحمُّل هذه المسؤولية، وأدَّت وظيفتها على أكمل وجه، فإنَّها سَتَحْمي الإنسانَ مِن نَفْسِه، وتَمنع عمليةَ هُروبه مِن الواقع إلى الخيال، لأن الخيال موجود لتغيير الواقع، ولَيس الهُروب مِنه .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي رسول الربيعيتضع مسؤولية تحقيق العدالة عبئًا هائلاً على اللاهوت الإسلامي التقليدي (علم الكلام)، لأن رفضه للقدرة الطبيعية الفطرية الأخلاقية في الإنسانية قد أدى إلى إهمال ضار بالافتراضات الأخلاقية للتقاليد القانونية المعيارية. لا تأتي خيرية الفعل بالنسبة لمثل هذا اللاهوت، لأنه يرتبط بالطبيعة الأساسية للبشر، ولكن لأن الله هكذا شاء. ماذا لو شاء الله وأمر عكس ذلك الخير بالضبط؟ هل لا يزال له القوة الملزمة نفسها التي هي الآن خير لأن إرادة الله المطلقة تحدد ذلك؟ كان يميل اللاهوتيون المسلمون إلى منح الشرعية فقط لتلك الأفعال التي تتمتع بإقرار الإرادة الإلهية في شكل وحي. استبعدوا أي قيود أخلاقية - في الواقع أي قيود على الإطلاق - على سيادة الله والسلطة التقديرية المطلقة لإدارة الشؤون البشرية. ونتيجة لذلك، تم تجاهل الأهمية الأخلاقية العالمية للأسلوب القرآني وآثاره على تطوير نظرية القانون الطبيعي الإسلامي.

أدت أسبقية الإرادة على العقل في الإسلام إلى إنكار أن يمكن أن يكون للخير والشر أي أساس آخر غير إرادة الله، التي عبرت عن نفسها في توفير مخطط للنشاط البشري في الشريعة. لم تكن مقاييس العدالة التي كان من المقرر تطبيقها في النظام العام الإسلامي متاحة للعقل البشري، إلا من خلال وساطة الوحي الخارق للطبيعة بمعنى آخر، الشريعة هي تجسيد لإرادة الله للإنسانية دون أي أساس في الواقع، وبدون أساس في الطبيعة الجوهرية للأشياء - الأبدية وبالتالي غير القابلة للتغيير. كانت إرادة الله النقية هي محور اللاهوت والأخلاق في الإسلام بطريقة أثرت بشكل حاسم على تطور التقليد القانوني المعياري..

يسعى التقليد القانوني المعياري إلى معالجة واستيعاب والتوفيق بين مطالب العدالة والصالح العام. يعتمد الفقهاء المسلمون في التعامل مع الأسئلة الفورية على المذاهب والقواعد القانونية بالإضافة إلى التفكير القياسي القائم على الحالات النموذجية في التقليد الكلاسيكي. فتعكس الاحكام العملية لهذه المذاهب والقواعد القانونية رؤى الفقهاء التي تمكنهم ربط الوضع المعاصر بمجموعة مناسبة من المبادئ اللغوية والعقلانية، وهي مبادئ يمكن أن توفر أساسًا لاستنتاج صحيح في قضية معينة. تظهر المعالجة السريعة للمادة المشمولة في هذه القرارات العملية أنها تتعامل مع نظام مفصل للواجبات. إن مفاهيم العدالة أو الخير العام في هذه الأحكام العملية، حتى عندما يبدو أنها ذات تطبيق عالمي، خلقت مؤسسات وممارسات تحدد الواجبات، وليس الحقوق. إن المفهوم القرآني للكرامة الإنسانية (كرامة الإنسان) قد أُثير في كثير من الأحيان دون أي تأكيد على الحقوق المتساوية وغير القابلة للتصرف التي يتمتع بها جميع البشر بسبب الطريقة التي كرم بها الله البشرية جمعاء. حدد التقليد الحقوق القانونية الكاملة للمسلمين البالغين فقط. لقد فشلت في تطوير فكرة القيمة الأخلاقية لجميع البشر من خلال التفكير البديهي والكرامة الإلهي اللذين كانا سيقوده إلى تأكيد المساواة بين البشر كبشر. وبالتالي، فإن الأخلاق العالمية التي تأسست على الطبيعة الجوهرية للبشر وقيمتهم الأخلاقية الإنسانية ظلت غير مستكشفة بين الفقهاء حتى وقت قريب. لا يزال التحدي المتمثل في إعادة التفكير في الأخلاقيات اللاهوتية الإسلامية لتطوير المبادئ القانونية في ضوء المفاهيم الجديدة مثل المواطنة المتساوية والحكم الديمقراطي دون إجابة حتى يومنا هذا.

المشكلة المعرفية التي تواجه الفقهاء المسلمين الآن هي إعادة تأسيس العلاقة المقطوعة تاريخياً بين الأخلاق اللاهوتية القائمة على القيمة الأخلاقية لكل إنسان والفقه الإسلامي السائد. فكيف يسمح حكم شرعي للرجل المسلم أن يطلق زوجته طيلة حياته لأنها تقدمت في السن دون مراعاة أخلاقية مثل هذا القرار الشرعي؟ حتى لو كان الحكم صحيحا فكيف يمكن تبريره أخلاقيا؟ لا يزال على الفقه الإسلامي أن يعيد تأكيد فكرة الطبيعة الأخلاقية الأساسية للبشر ويؤكد أن القانون الأخلاقي هو تعبير عن الإرادة الإلهية. ما لم يتم التحقيق في الافتراضات العقائدية والأخلاقية للتقاليد الفقهية المبكرة وشرحها من جديد، ستستمر هذه المشكلة في إنتاج دراسات إسلامية فقيرة فكريا وغير حساسة أخلاقيا.

 إن إعلان المبادئ والقواعد الأخلاقية الأساسية التي تحكم القرارات الأخلاقية العملية أمر بالغ الأهمية لجعل أي منظور ديني محترمًا فكريا في النقاش المعاصر حول تفسير لحقوق الإنسان عبر الثقافات يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا. تشترك جميع المجتمعات في مبادئ أخلاقية معينة (الرحمة، والصدق، والعدالة، وما إلى ذلك)؛ تتطلب جميعها قواعد مثل الإنصاف ورد الحقوق العادلة كعناصر أساسية لتنظيم العلاقات الشخصية المسؤولة؛ ومع ذلك، لا تزال الخلافات العالمية الرئيسية قائمة حول قضايا مثل النسبية الثقافية التي تعيق تنفيذ حقوق الإنسان العالمية عبر الثقافات. ما نوع المصادر الأخلاقية التي تمتلكها التقاليد المختلفة والتي قد تؤدي إلى خطاب أخلاقي مشترك حول، وربما حتى حل، الخلافات العالمية المتعلقة بتنفيذ النظام الدولي لحقوق الإنسان؟ إن الحديث عن مثل هذا الاحتمال في "اللاهوت" المسيّس للعلاقات الدولية لا يخلو من المشاكل. مثل لغة التنمية التي يقدم المجتمع الغربي الحديث عنه النموذج الذي يجب على جميع شعوب العالم اتباعه، فإن أي اقتراح لإنشاء لغة ما وراء الثقافة لأخلاقيات علم الأحياء ينطوي على خطر الاشتباه في أنه حيلة أخرى للهيمنة من قبل الدول الغربية. ومع ذلك، هناك اختلاف جوهري في طريقة استخدام لغة التنمية للإشارة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي الغربي، والمفردات الطبية الحيوية التي تجسد بشكل أساسي الغايات العالمية للطب من حيث صلتها بالظروف البشرية والسعادة البشرية والإنجاز عبر الدول. ليس من الصعب إضفاء الشرعية على اللغة الأخلاقية الحيوية عبر الثقافات إذا أخذنا في الاعتبار الافتراضات الثقافية لمنطقة معينة في تقييم قابلية تعميم المبادئ والقواعد الأخلاقية.

غالبًا ما تتجنب الدراسات الإسلامية التقليدية التقييم النقدي للمصادر المعيارية التي قد تسهم في حل المشكلات القانونية الأخلاقية المعاصرة، ومعاملة المرتدين نموذجية هنا، فأكثر الأحكام المثيرة للجدل والتي تواجه فقهاء الشريعة من قبل إعلان الأمم المتحدة لحقوق الانسان عقوبة المرتد.

إن النهج غير النقدي للمصادر المعيارية له جذور عميقة في لاهوت الوحي في الإسلام. هناك اتجاهان رئيسيان يتعلقان بمعنى وملاءمة الوحي بالنسبة للمسلمين. وفقا لأحدهم، فإن الوحي الإسلامي في شكله الحالي "خلق" في الزمان والمكان، وهو يعكس على هذا النحو الظروف التاريخية لتلك الأوامر الإلهية الأصلية. ووفقًا للآخر، فإن الوحي "غير مخلوق" وبالتالي فإن شكله الحالي غير مشروط بالمكان والزمان. يرفض معظم الفقهاء والمفسرين التقليديين أي تلميحات إلى أن تفسير الوحي متغير ثقافي أو تاريخي. أثارت التغيرات الكمية والنوعية في العالم الإسلامي الحديث تساؤلات حول علاقة القراءات التقليدية للوحي بالمقتضيات الأخلاقية والاجتماعية المعاصرة.

إلى جانب مشكلة الروح المحافظة التي هيمنت على النهج الخاطئ للمصادر المعيارية، لم تستطع المصادر الكتابية نفسها أن تغطي بسهولة كل موقف جديد، خاصةً عندما امتد الحكم السياسي الإسلامي إلى ما وراء شبه الجزيرة العربية وكان مضطرًا للتعامل مع الحكم، الحياة الحضرية والتجارة والحكومة في الدول المتقدمة. ولكن كيف بالضبط كان المسعى العقلاني موجهًا لاكتشاف الفلسفة والغرض من أحكام نموذجية معينة مقدمة في المصادر الدينية، من أجل الاستفادة منها في صياغة ردود جديدة على الآفاق السياسية الآخذة في التوسع والعلاقات الوطنية والدولية المتغيرة المجتمع الإسلامي العالمي؟

كان هناك خوف من الاعتراف بالعقل كمصدر موضوعي وحتى مستقل لاشتقاق تفاصيل القرارات الأخلاقية - القانونية. كان هذا الخوف قائمًا على افتراض أنه إذا كان العقل البشري المستقل قادرًا على الحكم على ما هو صواب وما هو خطأ، فيمكن أن يجعل وحي الله مجرد تكملة للإدراك الأخلاقي. لكن يرى الفقهاء اللاهوتيون بأنه على الرغم من أن العقل يمكن أن يساعد الوحي في تنمية الحياة الأخلاقية، إلا أنه لا يكفي لاكتشاف تبرير ومعنى الأوامر والأحكام الأهلية. كما أكد هؤلاء الفقهاء اللاهوتيين على أن الوصايا الإلهية التي يجب على المرء الالتزام بها ليست متاحة بشكل موضوعي للبشر من خلال العقل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسنكان سقراط منهمكا في إستجواب قاس مع  زملائه  المواطنين الأثنيين، حتى عوقب بالموت عام 399 ق.م بتهمة إفساد الشباب والترويج لألهة جديدة. دفاع سقراط عن هذه التهم وكما ورد عن افلاطون يتمثل بـ : 1- سقراط لم يكن ابداً معلّما لأي أحد، و 2- لم تكن لدى سقراط أي معرفة يمكن تعلّمها . وبدلا من ذلك، هو انشغل في سعي مميز يسمى الفلسفة، او "حب الحكمة"، والذي شكّل "حياة مختبرة". بدون هذه الحياة المختبرة، لم تكن الحياة تستحق العيش .

ولكن كيف تم هذا؟ لطالما اشتهر سقراط  بإتقانه للجهل، وكما تمثّل في حوارات افلاطون التي سميت "سقراطية" معبراً عن فشله في العثور على الحقيقة حول الأسئلة التي أثارها في اختباراته، وهذا يقود المرء للتساؤل : ما فائدة الاختبارات اذا كانت بلا نتيجة تذكر؟ وكيف يمكنها ان تحسّن حياة أي شخص؟

في حوارات افلاطون، دائما ما يُعرض سقراط باحثا عن تعريف لمفردات أخلاقية مثيرة للخلاف، مثل العدالة، الشجاعة، التقوى. افلاطون يدمج تلك النقاشات ضمن سياقات دراماتيكية تعطينا فكرة عما هو غير مؤكد . يوثيفرو، الذي حضر للمحكمة لمعاقبة والده، يلتقي بسقراط  عند مدخل المحكمة وحيث كان سقراط على وشك ان يواجه تهمة العصيان. كلتا هاتين الحالتين مثيرتان للإشكال وكلاهما تتطلبان، من المرء  فهما لطبيعة التقوى. هل اختبر الأثنيون أنفسهم بما يكفي ليعرفوا ما اذا كانوا يعملون الشيء الصحيح في إتهام سقراط؟ هل يوثيفرو اختبر نفسه بما يكفي ليعرف انه كان يعمل الشيء الصحيح في معاقبة والده؟

يوثيفرو كان عرضة للاستجواب من قبل سقراط حول طبيعة التقوى، وان  جميع  أجوبته بدت تقود الى تناقضات. النقاش يستمر الى ان أصبح يوثيفرو غاضبا، مدركا انه ليست لديه فكرة واضحة يقدمها عن التقوى. هذه الصيغة ذاتها تكررت في العديد من حوارات سقراط.

الآن، وبعيدا عن الادراك بان الشخصيات في الحوار تجهل ما تظن معرفته، كيف يمكن لهذا النوع من التحقيق ان يحسّن حال المشاركين فيه؟ ربما يقود الى التواضع والى التردد  في أفعال غير عادلة (مثل محاكمة سقراط، او أبو يوثيفرو). يمكن ايضا للمرء ان يتوقع ان مثل هذا التحقيق يمكن ان يقدم أجوبة للمعضلات الأخلاقية. لكن هذه الرؤية تخالف حقيقة انه حتى لو ان سقراط اعتقد ان الفلسفة يمكنها إعطاء الحقيقة حول المسائل الأخلاقية (كما كان يأمل)، لكننا لانراه يصل الى الهدف الذي سعى اليه. افلاطون يترك العديد من حواراته مفتوحة لتعطي إحساسا بالالتباس لدى المتناقشين، الذين تلقّوا سلسلة من الأسئلة المحيرة. هذا هو الذي قاد العديد من القرّاء – القدماء والجدد – للتساؤل عن الهدف منه. يجب ملاحظة ان الادّعاء الرئيسي بان "الحياة غير المختبرة لا تستحق الحياة" لاتعني ان الحياة بدون مجموعة واضحة من الحقائق لا تستحق العيش، وانما ان الحياة بدون اختبار لاتستحق العيش. السؤال اذاً اصبح كيف اعتقد سقراط ان الاختبار من النوع الذي مارسه قد يجعلنا أفضل حالا؟

بالنسبة الى سقراط هذا الاختبار له شكل مميز – او نوع محدد من المحادثة. عند قراءة الحوارات الافلاطونية، يلاحظ المرء مرة بعد اخرى كيف ان الانتباه يُوجّه الى الشكل المميز لهذه الممارسة من المحادثة، خاصة في حوار افلاطون حول ممارسات الكلام (جورجياس). هذا النص يوفر فكرة عن القدرة التغييرية المحتملة للمحادثة. الحوار بالنسبة لافلاطون، يتم تصوره كـ "طرح اسئلة والاجابة عليها"، واحيانا تُوضّح كـ "تفنيد او قبولها التفنيد"، لأنها اساسا تجري عبر إستكشاف نتائج المقدمات المُعلنة، او التي أقر بها المحاور. الحوار وفق هذه الخصائص هو سعي مشترك، مؤلف من طرفين او اكثر يتبادلون الرؤى، ليقرروا ما اذا كانت الرؤى هذه منسجمة. سقراط يبدو حازما طوال الحوار الذي هو جهد جماعي مع المشاركين الساعين "باهتمام مشترك"، نحو الصالح العام.

الانخراط في السعي الى هدف مشترك يوفر اتجاها مقبولا بشكل متبادل، لكي لا تكون الأسئلة بلاغية خالصة، كما لو ان طرفا ما يبدأ الكلام، ولا هي  يتم توظيفها لضمان الخير الخاص، كانتصار جدلي . هي يتم توظيفها لأجل مهمة إلقاء اللوم على كل منْ ثبت ان ما قاله "ليس حقيقيا".

هذه الطريقة من الاشتراك في الاختبار كمشروع جماعي تتطلب التقاسم، لأن كل واحد يأخذ دوره "سائلا ومجيبا على الأسئلة". هذا يتطلب مساواة في توزيع "حصص نقاشية": لا أحد يجب ان يأخذ اكثر من حصته في النقاش، وبالتالي يُوجّه الانتباه باستمرار الى حب الـ  "الكلام المختصر".

ان تقاسم حصصا متساوية لا يُحكم بمساواة رياضية صارمة، احيانا يكون  مسموحا  وربما مطلوبا  التوسع في الكلام او الحجة. اذا كان أحد الأطراف لا يفهم او لا يستطيع الاستفادة من الجواب ، فان حصة اخرى ربما تؤخذ للتوضيح. هذا يساعد في التعامل مع الاعتراضات التي يستخدمها سقراط ذاته في مختلف المسائل. الأجوبة يجب ان تُعطى استحقاقها النقاشي، والذي يتقرر بمقدار الاستعمال لها، وهذا يُعد تجسيدا لمساواة تناسبية.

ان أهمية التقاسم، المساواة، والمقابلة بالمثل، في خلف السؤال وأمامه وفي الجواب  وفي أخذ الدور كمستجوب وكمجيب، يوضح لماذا تُعتبر الصداقة هامة جدا لحوار سقراط – لأن هذه هي بصماته المميزة.

يعترف سقراط بالصداقة مع كل المحاورين الثلاثة في جورجياس، هو باستمرار يتعامل معهم كأصدقاء. العلاقات الحوارية هي علاقات بدون هيمنة، والصداقة هي الإعتراف الذي يعطيه كل واحد للآخر كمساوي يشترك في تقاسم متبادل. العلاقات الحوارية تجسد خصائص المساواة في الصداقة، بمقدار ما يأخذ كل واحد دوره في الأسئلة والأجوبة، كل واحد يُستمع له بشكل متساوي، ولا احد أقل أهمية من الآخر، حيث ان قيمة كل مشارك وكل مقترحات تنال التقدير. الإعتراف بالآخر كمساوي هو مطلوب لكي يُنظر له كمستحق للتعامل بالمثل في المحادثة. مثل هذه المقابلة تبيّن العناية والخصائص المساعدة للصداقة، التي يربطها سقراط بما يقوله كل طرف للاخر من حقيقة، وعمل الإحسان لصديق هو ايضا مرتبط بإثبات ان الآخر خاطئ وانه يتم تخليصه من بعض الهراء. طيبة المتناقشين تجعلهم يتوصلون الى نتائج مرضية.

الآن، هذه الظروف الحوارية هي مثالية، لاشك، ان المتحاورين بمن فيهم سقراط نفسه – ربما يفشلون في بلوغها في مختلف المسائل، لكنهم مع ذلك، ينظّمون الممارسة النقاشية،وفقا للخصائص التالية:

1- الحوار يجب ان يجري بطريقة منظمة، وملائمة مع توضيح للمفردات الأساسية قبل ان يطرح أي شخص ادّعاءً حول  موضوع النقاش، او خصائصه.

2- المشاركون يجب ايضا ان يجيبوا لبعضهم البعض بعدالة، والذي يتمثل في ملاحظة الفرق بين المناقشة والمحادثة. هذا يعني ان احدا لا يجب ان يدفع الخصم لإرتكاب الخطأ ،وانما يجب مساعدة  الطرف الآخر وجعله واع في الزلات والمغالطات التي هو مسؤول عنها. اذا اُتبعت هذه القاعدة، فان المتناقشين سوف يضعون اللوم في التباسهم على أنفسهم وليس على الطرف الآخر.

3- النقاش يجب ان يجري باعتدال، والذي يعني عدم التسبب في فقدان أعصاب أحد وإمكانية عمل تنازلات عندما تكون مطلوبة . الانتباه الى شكل النقاش السقراطي يبيّن ان الكيفية التي يتحدث بها  المتناقشون مع بعضهم هي بنفس أهمية ما يقوله كل واحد منهم للآخر. يجب الاعتراف ان المتناقش مساوي، يتقاسم النقاش، لا يأخذ اكثر من حصته، ويقابل الآخر بالمثل  في روح السؤال والجواب، ويتقدم بإعتدال وبإنصاف. هذه المعتقدات الحوارية تعزز الفضائل. تلك الفضائل  ليست "نتائج" مرغوبة،او تُكتسب من "شيء" محدد، وانما هي تُغرس في فعالية المحادثة، كما مارسها سقراط. هناك أخلاق للمحادثة بُنيت في الممارسة السقراطية. وبناءً على هذا، فان محتوى النقاش (مثل تعريف الفضيلة) يُستوحى ضمناً ويُفهم من جانب المتناقشين في آداء شكله. وهذا يقترح جوابا لسؤالنا: كيف يمكن للحياة المختبرة تجعلنا أفضل حالا، حتى عندما لا تقود دائما لنتائج؟ لو نحن جعلنا المحادثة فنا، وممارسة مستمرة، كما فعل سقراط، عندئذ هذا ربما يكفي لتعويد المرء على الفضائل التي تنطوي عليها عمليات المحادثة. لذا يجب ان نجعل فن المحادثة مستمرا، فهو الذي يجعلنا أفضل.

 

حاتم حميد محسن

.............................

Socrates and the Ethics of conversation, by Frisbee Sheffield, philosophy, The classical Tradition.

 

علي رسول الربيعييعود مصطلح التأويل الى الكلمة اليونانية (Hermeneia) وهو مشتق  من اسم "هرمس" بوصفه أحد الأنبياء أو الرسل، و جاءت هذه الفكرة من إحاطة هرمز بهالة قدسية باعتباره الواسطة بين الإله والناس، حيث تكمن وظيفته فى نشر وإظهار الأفكار الإلهية فهو يترجم اللانهائية إلى صيغة محدودة متناهية تارة وتارة يجعل الروح الإلهية المتعالية حالة محسوسة، وهكذا فإنه يحلل ويقيس تارة، ويخصص تارة أخرى، فيعزى إليه فهم كل شئ.  وقد أستعملها أرسطو كعنوان لأحد مؤلفاته (peri Hermeneias  (وعبر الرومان عن كنه كلمة (هرمينيا) بكلمة أخرى  (Elocutio) أى بمعنى عرض الأفكار ثم أصبحت هذه الكلمة قريبة المعنى من كلمة أخرى هي (Exegesis) أي تفسير، واعتبرتا مترادفتين والحقيقة أن هاتين الكلمتين معنيتان أصلاً بالفهم والمعنى الحاصل.(1)

تذهب عملية التأويل بوصفها مصطلحاً تقنيا إلى ما هو وراء المنتج الفكري حيث تعتمد التفسير والفهم في إطاره الشامل إنها تبحث عن أولية الشيء وأساسه وأصله لتعيد بذلك تأسيس سؤال الفهم فى الأنبياء للمجهول وربط الصلة بين الحاضر والماضي مفضل مفهوم التراث الذي يعنى استحضار الأثر وإقامة حوار السؤال معه، (2)  إن التأويل حالة لا تتوقف فهو في حركة مستمرة، ويحاكى بصورة أساسية فن الفهم. (3)

يسبر التأويل بعداً مجهولاً فى النص ويكتشف دلالات جديدة لتوليد المعنى وتجديد الرؤية (4)، إنه يوسع نطاق استعمال صيغة ما إلى منطقة أوسع، بالكشف عن شبكة علاقات الواقع الموجودة (5). ويستدعى التأويل للتوفيق وتسوية الخلاف بين الصور التراثية القديمة والحاجات الحديثة (6) أنه يعيد مساءلة التراث عما يعيه ويقوم باستحضاره داخل زمانية المشروع الثقافي للأمة (7).

ونلاحظ هنا أن مشروعنا الثقافي يتمثل في طروحات الفكر العربي الإسلامي من خلال البحث عن السبل التي تؤول إلى تحديد مناهجه ومفاهيمه للوصول إلى نوع من إعادة التقييم للتاريخ والتراث، ومسألة تجديد الفكر العربي الإسلامي ترتبط بمسألة العلاقة المقامة مع ماضيه، فالتجديد يقتضي دوماً إعادة النظر بالأسس والأصول التي يقوم عليها التراث حتى يبرر ميله الإصلاحي ونزوعه التجديدي (8). إن الثقافة تنمو وتتحدد من خلال التأويل المستمر لأساسها وأصولها، وهكذا هي الثقافة العربية الإسلامية إذ كان التأويل ميزة هذه الثقافة وطريقها الذى يخرج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية كما عرفها ابن رشد (9).

إن التأويل بمفهومه الاصطلاحي من العوامل التي تسهم في نفى واحدية المعنى واحتكار الحقيقة إنها تحرير للفكر من سلطة الواحدية (10) ، إنها تعلمنا التخلي عن الإطلاقة في عملية الفصل بين التراث الحي وعملية امتلاكه الواعية وتجبرنا على الاعتراف بالنسبية وأننا محكومين بالصيرورة التاريخية (11) من خلال ما تسمح به تقنيات التأويل للإشارات بأن نتكلم وأن نكشف عن معانيها (12).

وهناك من يرى رغم كل محاسن التأويل المذكورة بوصفها سبيل انفتاح العقل وشموله أن هناك في واقعنا الفكري من يأبى إلا أن يتعامل مع التراث من موقف حصري، يصفه بمفاهيم أرثوذوكسية، أنه يروم العبور إلى التراث على جسور الأيديولوجيا، وهذا لا يؤدى إلا إلى إسقاطات لفظية مفتعلة تساهم فى تشويه ملامح التراث، وهذه التأويلات رغم ادعائها الدخول إلى ساحة الموضوع لكنها لم تكن أكثر من التحرك بتأثير أوهام الذات المعاصرة الباحثة عن دعامات من اعماق الماضي (13)  .

أما "مفهوم التراث" فيشمل مجالاً تداولياً واسعاً في النشاط الثقافي والفكري ومنذ ما يسمى ﺑ "عصر النهضة " وإلى الان، لقد أخذ هذا المفهوم دلالات جديدة ومتراكمة نتيجة الاستعمال المستمر والمتكرر عند تتناول الفكر العربى الإسلامى وتاريخه ومحاولات إحيائه وتجديده فتم تغليفه بمضامين أخلاقية أطلاقية أو بطانة أيديولوجية سميكة.

تعود كلمة "التراث " فى أصولها اللغوية إلى مادة (ورث) و(ميراث) وهى تدل على ما يحوزه الشخص من ممتلكات مادية عائدة إليه من سالف، وردت إشارة  اليها فى القرآن  (وتأكلون التراث أكلاً لما) (14) وأخرى فى آية (ولله ميراث السموات والأرض) (15) إذ لم يكن لهذا اللفظ فى استخدامه القديم أكثر من المعنى المادي، ولم يكن يعنى فى مجاله التداولى آنذاك التراث الفكري العام، وما أصبح يعنيه لفظ التراث الآن يعود إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر  وتحت تأثير الفكر الغربى كترجمة غير مباشرة لكلمات مثل   Heritage   و legacy مما يدل على نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى. (16)

لقد حدثت زحزحة (17) دلالية بين معنى اللفظ آنذاك و معاناها الحالي، لقد غير الزمن ومشروطتيه من مدلولها . وجرى التوسع وأخرجاها من الضيق الذي كان في طريق النظر إليها الى زاوية جديدة، فقد حدث تحول كبير في مفهوم اللفظة نقلها من دلالتها العادية إلى دلالة ثقافية واسعة ومحتوى أكبر، وأصبحت تعبر فى معناها الحالي عن التركة فى الجانب الفكري لحضارة الأسلاف.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

(1),  :Boechk, Philip Augus  , Philological Hermeneutics ,p 134 -135:  in:Kurt  Mueller – Vollmer: The Hermeneutics Reader , continuum , New York, 2985                   t:

(2) صفدى: استراتيجية التسمية فى نظام الأنظمة المغرفية، مركز الإنماء القومى، ط 1، بيروت 1986م، ص 223 ـ 230 .

(3) Schleiermacher, Friedrich D: Foundations: General Theory and the Art of Interpretation: in Vollmer (ibd) p 73 -74

(4) حرب، علي: التأويل والحقيقة، ص5

(5) ذى مان، بول: الشكل والقصد فى النقد الجديد ترجمة سعيد:    الثقافية الأجنبية، دار الشئون الثقافية، بغداد العدد 3، 1992م، ص 39.

(6) سونتاغ، سوزان: ضد التأويل، ترجمة باقر جاسم محمد الثقافة الأجنبية ص 16 .

(7) صفدى: استراتيجية التسمية، مركز الإنماء القومى، ط 1 بيروت 1986م، ص 240 .

(8) حرب، على: التأويل والحقيقة، ص 221 .

(9) كذلك: ص 224 .

(10) وهبة مراد: محاكمة العقل العربى، مجلة المنار، العدد 45، 1988، ص

(11) غادامير، هانز جورج: فن الخطابة وتأويل النص ونقد الأيديولوجيا، ترجمة نخلة فريفر،مجلة العرب والفكر العالمى، مركز الإنماء القومى، بيروت العدد 3/1988، ص 11 .

(12) صفدى: كلام الكتابة بين الميراث والتراث،مجلة الفكر العربى المعاصر، العدد 2، 1984م، هامش (9)، ص 19.

(13) صفدى: كلام الكتابة بين الميراث والتراث،مجلة الفكر العربى المعاصر، العدد 32، 1984م، هامش 19، ص 19 .

(14) القرآن، 89 الفجر 20 .

(15) القرآن، 3 آل عمران 10 .

(16) د/ حنفى، حسن: الفلسفة والتراث، ضمن كتاب الفلسفة العربية المعاصرة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1،بيروت، 1988م ص 370 .

(17) المقصود بالزحزحة هنا هو تغير يطرأ على المعنى القديم والتقليدى للفظ أو مقاربة جديدة لمعناه تحل محل مقاربات، المعنى القديم وتعليقها أو تزحزح عن مكانها .

 

 

محمد لمعمر"الفضاء العمومي؛ مجموعة من الأشخاص الخواص يجتمعون من أجل النقاش حول مواضيع تكتسي طابع المصلحة العامة أو المصلحة المشتركة".

Nancy fraser (repenser l’espace public : une contribution à la critique de la démocratie réellement existante, pp. 103-134.

إن المجال العام بالنسبة للنظريات السوسيولوجية عامة، والفضاء العمومي عند هابرماس خاصة، مجال تنازع المصالح والمنافع الذاتية، لأن الفضاء العمومي ليس وعاء فارغا، ولكنه مملوء بالذوات المتفاعلة فيما بينها، حيث الحرص على المنفعة والمصلحة، وسعي كل ذات للبحث عن تحقيق الرغبات، الأمر الذي يؤدي إلى تحرر الأفراد في بعض الآحيان من سلطة الدولة، والتنصل من المبادئ وقواعد الفضاء العام. لذلك، وخوفا من تقويض أسس المجال العمومي، كونه وسيطا بين الدولة والمجتمع المدني، لا بد من توفر مجموعة من الشروط: كضرورة تفعيل العقلانية العمومية والحجاجية، وفتح المجال للنقاش العلني الحر عبر وسائل الاعلام، باعتبارها مجالات ينشط فيها السلوك الاحتجاجي المعقلن المبني على ضرورة تحقيق الصالح العام. فبداية النقاش السياسي والعقلاني في الفضاء العمومي، معناه، الحد أو التخفيف من السلوكات العدوانية والقضاء على جميع الافعال السلبية كالظلم والاقصاء والتهميش والنبذ.

لذلك، وحرصا منا على البعد المنهجي في الدراسات السوسيولوجية، سنوضح في مقالتنا كيف أن هابرماس جعل من الفضاء العمومي، عالما مصغرا ومشتركا، خاضعا لقواعد الضبط الاجتماعي التي تؤطر وتنظم المجال العمومي، وتسمح بالانتقال من مجال الرغبة الذاتية، والعلاقات الحميمية داخل الأسرة إلى مجال القاعدة لضبط العلاقات التي تنتج بناء على اللحمة الاجتماعية. فالفضاء العمومي الهابرماسي، يجسد نموذج الوساطة بين الدولة والمجتمع، بين الأفراد والمؤسسات، وبين الأفراد فيما بينهم، لجعل العلاقات البينذاتية مؤطرة بالنقاش العقلاني المبني على الحجج. مبرزين أهمية الحديث عن الفضاء العمومي الهابرماسي.

الفضاء العمومي حسب هابرماس، هو مجال لعقلنة الفعل، وذلك بضبطه والتحكم فيه ليصبح فعلا استراتيجيا يخدم المسائل الحيوية ذات الطابع العملي. بغية تعظيم القدرات العقلانية وتفعيل الحداثة والتنوير. فغاية الفضاء العمومي هو التقاء الأفراد لنقل المعلومات من شخص إلى أخر، والبحث عن نقطة التلاقي التي تتيح إمكانية تعظيم الكفايات العقلانية للفرد، باستخدام الحجج المولدة للنقاش العمومي، وتحقيق المواطنة ما فوق الوصاية، بإلغاء العوائق التي تحجب الاستعمال العمومي للعقل، وتؤدي إلى الاعتراف التلقائي بإمكانية تقديم الأراء حول ما يجمعهم من مصلحة مشتركة، بما في ذلك الاعتراف بالوجاهة الاجتماعية، وفي ذلك تفعيل لمبدأ سوسيولوجي يتمثل في رمزية حضور الذات بناء على الحاضنة الاجتماعية. وأساس ذلك تفعيل العقلاني المحجم للهوى، والكابح للذة التي لا تستقيم والاتفاق الاجتماعي.

هابرماس حدد الوظيفة السوسيولوجية للمجال العمومي بناء على الطبيعة والأساس والهدف والوسط، مبينا أن الفضاء العمومي يتحدد انطلاقا مما يخرج من إطار الذاتي والحميمي إلى الجماعاتي، حيث الطبيعة المفتوحة القائمة على الإشهار والإعلان والتعبير الحر عن الموقف، والاستخدام الحر لعقل الفرد، في أفق خلق توافق بين إرادة الذات وإرادات الأفراد، شريطة الانضباط لقواعد اللحمة الاجتماعية. فالفضاء العمومي بالنسبة لهابرماس مؤطر بالنقاش العمومي المفتوح، حيث إثارة قضايا الشأن العام كأرضية مشتركة للنقاش، عبرها ينشط ما يحسب على الحميمية، وبين مجال أخر يحسب على السلطوية. لذا، استحق المجال العمومي أن يكون ألية حداثية سوسيولوجية لتفعيل الحلول السلمية، وتساكن المصالح خدمة للمجتمع، وتلاقح الأفكار، وتفاتح الألسن، لأن الأصل في الفضاء العمومي كونه مدنية العقل، واعتماد أدوات سلمية حجاجية قائمة على شرط التواصل والاحترام التي هي شروط وموجبات العيش المشترك. فكيف يمكن للأفراد أن يتفاعلوا داخل المجتمع؟ وماهي شروط استمرارية المصير المشترك؟

إن الدولة كيان عاقل، ضروري كإطار مؤسساتي مالك للقوى العمومية، وحائز على العنف المشرعن وفق تعبير ماكس فيبر، لذلك، يجوز لها وفق القانون اللجوء إلى إعمال القاعدة التي تؤطر ما ينمي الحاجة للسلم والمراقبة والتحكم. وما بين الدولة والمجتمع يوجد الفضاء العمومي، المرسخ للنقاش، بغية الاعتراف  أولا، وتحقيق الإنصاف ثانيا، هذا الأخير هو المؤدي إلى الشرعية في حقل الفاعلين، بمعنى أخر؛ أن الفضاء العمومي وفق المقاربة السوسيولوجية لهابرماس يجعل الفرد يحتل موقعا ضمن خريطة الفاعلين، ومن ثمة فالاعتراف هو أساس الشرعية، الاعتراف المؤدي إلى الوجاهة الاجتماعية، وتهميش الاعتراف معناه، الخروج من الشرعية، دون نسيان العلاقة الجوهرية بين الفضاء العمومي وقاعدة الإعلان بغاية البروز في الفضاء العام لتحقيق المصلحة أو حيازة موقع يؤدي إلى وجود مساحة للاعتراف.

الفضاء العمومي، مبني على ضرورة حضور الحجاج العمومي لتفعيل العيش المشترك، والتنازل عن جزء من المصلحة الشخصية، والدخول في سلوكيات مشتركة يمكن الاصطلاح عليها بسلوكيات المدينة أو الفضاء العمومي، وعليه، فالفضاء العمومي مجال للتفاوض حول المصالح المجموعات، مصالح تتنافر فيما بينها، والأصل هو السيادة، وإمكانية الاعتراف بالشرعيات السياسية، التي تنشط داخل الفضاء العمومي وتتنازع فيما بينها، لكن، بطريقة عقلانية سلمية وحجاجية قائمة على مسارات واختيارات وتوجهات معقولة. النقاش العمومي يساهم في إظهار الأراء القائمة على الحجة، التي لا تغيب العقل، وتصبح الحرية فعل معقلن، وموجهة لخدمة الصالح العام. فالتاريخ الحديث، تاريخ الأنوار شاهد على البزوغ الرائع للنقاش العمومي كوسيلة لظهور فكر المجموعة، بحيث وضح هابرماس كيف برزت اجتماعيا البرجوازية كفئة، وكيف تشكل الوعي لدى الطبقة البرجوازية، وكيف خلقت الرأسمالية كطبقة اجتماعية ذات مصالح أطرت سياسيا، المواطنة الحديثة ما فوق الوصاية والحد من سلطوية البلاطات الملكية.

فالمجال العمومي وفق المقاربة السوسيولوجية الهابرماسية، هو مجال وسيط بين المجتمع ومالك السلطة السياسية، وبين المجتمع والمؤسسات، بمعنى أخر، ان المجال العمومي، هو إطار وسيط يؤطر علاقة المجتمع بالمؤسسة، وهو لقاء بين أفراد خارج اللقاءات الاعتيادية، التي تتم داخل الأسرة مثلا. الفضاء العمومي، هو وسيط بين لقاء حميمي عمومي، وحميمي داخل المؤسسات، حلقة بين- بين، بين الأسرة والمؤسسات العمومية. لذلك، لا بد من تنمية ثقافة الحوار والتفاوض على المصالح دون اللجوء إلى شكل من أشكال القوة، فالحوار هو التعاطي السلمي، والتواصل المعقلن، وفق شروط جامعة مانعة. وخلق تعاقدات، بدونها نكون أمام نزوات فردية شخصية لا يستقيم عليها العيش المشترك، والنتيجة الدخول في تنازعات لا حدود لها. وكل حديث عن الفضاء العمومي يقتضي بالضرورة إبراز العلاقة الوطيدة بينه وبين الديموقراطية في الفكر الاجتماعي لهابرماس، لأن الديموقراطية تترسخ كممارسة فعلية عن طريق مجموعة من المؤسسات، وخلق نقاشات عقلانية عمومية حول قضايا الشأن العام. مناقشة ديموقراطية تضمن المشاركة الفعالة لجميع المواطنين في النقاش العمومي، فلا فضاء عمومي بدون نقاش، ولا نقاش بدون ديموقراطية.

إن أهمية النظرية السوسيولوجية الهابرماسية حول الفضاء العمومي، تكمن في كونها تأخذ بعين الاعتبار وضعية الفعل الإنساني التواصلي، والسياق الاجتماعي الذي يؤطر الفعل، وهو سياق يتأطر وفق مفهوم النسق. بمعنى ان هابرماس ينظر للمجتمع كنسق وعالم معيش، فالفضاء العمومي ليس مجرد ذوات منفصلة ومتباعدة ومنغلقة، وإنما هي ذوات متصلة ومتفاعلة فيما بينها، الأمر الذي يؤكد دمج هابرماس لعقلانيات أخرى داخل الفضاء العمومي، كالعقلانية التواصلية والعقلانية الأداتية.  غاية الفضاء العمومي، ترسيخ استقلالية الفرد في أرائه، وأخذ مسافة عن ممارسة السياسة، للتفاوض على موجبات العيش المشترك، وفق الشفافية والمسؤولية والديموقراطية، والفضاء العمومي هو الحاضن والمؤطر، يحتضن إمكانية مراقبة السلطة السياسية، وتتبع مسار اتخاذ القرار السياسي ونقده.

 

محمد لمعمر

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون - المغرب

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن بدايات النشق الاستنباطي في المنطق الميجاري – الرواقي، حيث إن الرواقيين لم يكتفوا بتعريف القضايا المركبة فى وضوح وصراحة كل على حده، بل اهتموا أيضا بدراسة العلاقات القائمة بين دوال الصدق، وذلك عن طريق إمكانية تعريف الروابط بواسطة رابط آخر، ولقد توافر لدينا حتى الآن عدة تعريفات تقررت من جانبهم على النحو التالي:

1-إذا كان الأول كان الثانى تكافئ ليس معا الأول وليس الثاني؛ وقد أجمع معظم مؤرخي المنطق المعاصرين على أن هذا التعريف ينسب صراحة إلى " كريسبوس " من جانب " شيشرون " وذلك فى كتابه عن القدر " Defeta "؛ حيث قدم " كريسبوس " هذا المثال ليعبر عنه: " إذا كان شخص ما قد ولد فى أيام الكوكب الشعرى فإنه لا يموت عرقا فى البحر تكافئ ليس معاً فى أن يكون شخص ما قد ولد فى أيام الكوكب الشعرى ولا يموت غرقاً فى البحر "

2-إما الأول أو الثانى تكافئ إذا كان ليس الأول، فأنه الثانى ؛ وهذا التعريف ذكره معظم مؤرخي المنطق المعاصرين نقلاً عن "جالينوس "، وذلك من خلال هذا المثال: " إما أن تـكون الـدنيا نـهار أو لـيل تـكافئ إذا كـانت الدنيا ليست نهار فإنها ليل ".

3-إما الأول أو الثانى تكافئ أن الأول لا يكافئ الثاني ؛ وهذا التعريف ذكره " ماتيس " و" "بوشنسكى " نقلاً عن "جالينوس " من خلال هذا المثال " إما أن تكون الدنيا نهار أو ليل تكافئ أن النهار لا يكافئ الليل " .

4- إما الأول أو الثانى يكافئ إذا كان الأول كان ليس الثانى وإذا كان ليس الثانى كان الأول .

ثانياً: اللامبرهنات: بعد أن قدم الرواقيون تعريفات للثوابت فى وضوح وصراحة، وضعوا " مقدمات أولية "، وهذه المقدمات الأولية، قد اشتقها الرواقيون وذلك من خلال نظريتهم فى الحجج ومخططات الاستدلال، حيث ميزا بين الشكل والحجة، فنظروا إلى أن الشكل تلخيص للحجة، وان الحجة نسق مركب من مقدمات ونتيجة، ولكن ليس على نحو ما كان القياس عند ارسطو . والحجة تكون صحيحة متى كانت القضية الشرطية، التى تمثل فيها مقدماتها دور المقدم ونتيجتها دور التالى صادقة . ومن ناحية أخرى فان الحجة تكون صادقة حتى كانت مقدماتها صادقة وبالتالي فان الحجة الكاذبة فى تلك التى إما أنها غير صحيحة أو أنها تشتمل على مقدمات كاذبة . كما كانت الحجة الصادقة تسمى برهانيه متى كشفت عن نتيجة غي واضحة، بينما كانت بعض الحجج الصحيحة من جهة أخرى تسمى لامبرهنه، وهى التي تكون إما غير ممكن البرهنة عليها أو تلك التي لا تحتاج إلى برهان وهذه اللامبرهنات تنقسم إلي بسيطة وتمثل المقدمات الأولية وغير بسيطة وهى التى تحتاج إلى الرد إلى المقدمات الأولية؛ منها يمكن استنباط قضايا، وهذه المقدمات تمثل فئة من القضايا اخذوا بها دون برهان وسلموا بصحتها تسليما واتخذوها أساساً لإقامة البرهان على غيرها من القضايا، وقد سمى كريسبوس الرواقي هذه القضايا " صورا استدلالية " inference schemata، وسماها أيضاً " ضروبا لا تقبل البرهان " basic or indemonstrable  mood، أي ضروب غير مبرهنة يقوم عليها كل استدلال وتشتق منها كل الأضرب الأخرى ؛ وكل ضرب يحتوى على مقدمتين هما: المقدمة الرئيسية، وهى قضية شرطية أو منفصلة أو متصلة منفية . والافتراض الإضافي وهو قضية حملية مثبتة أو منفية .

وقد أحصى منها كريسبوس خمسة ضروب وهى على النحو التالى: إذا كان الأول، كان الثانى، ولكن الأول، إذن الثانى.

وهذا الضرب يطلق عليه الرواقيون صورة الإثبات بالإثبات modus ponendoponens وهو عبارة عن قياس شرطي متصل مثبت يتآلف من مقدمة شرطية متصلة (لزومية) وأخرى حملية ونتيجة حملية، وقد جاءت المقدمة الحملية مثبته لمقدم القضية اللزومية، كما جاءت النتيجة مثبتة لتالي تلك القضية .

وهذا الضرب يطلق علية الرواقيون صورة النفى بالنفى  madus tollendo tollens، وهو عبارة عن قياس شرطى متصل منفى يتآلف من مقدمة متصلة (لزومية) وأخرى حملية، ونتيجة حملية، وقد جاءت المقدمة الحملية، وقد جاءت المقدمة الحملية منكرة لتالى الكبرى، وجاءت النتيجة منكرة لمقدم القضية نفسها .

3- ليس معاً الأول والثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني؛ وهذا الضرب يطلق علية الرواقيون صورة النفى بالإثباتmodus ponendo  tollens  ؛ وهو عبارة عن قياس شرطى منفصل بالمعنى القوى بعد أن رد ( كريسبوس) الانفصال إلى عطف بواسطة النفي التناقضي، وهو يتآلف من مقدمة شرطية عطفيه يكون مقدمها نفياً لأحد البديلين، ثم مقدمة حملية مثبتة لمقدم القضية العطفية ونتيجة نافية لتالي تلك القضية

4- إما أن يكون الأول والثاني، ولكن الأول ؛ إذن ليس الثانى ؛ وهذا الضرب يطلق علية الرواقيون صورة النفى بالنفى  modus ponendo tollens ؛ وهو عبارة عن قياس شرطى منفصل بالمعنى القوى، حيث يتآلف من مقدمة شرطية منفصلة كمقدمة كبرى وقضية حملية كمقدمة صغرى مثبتة لمقدم القضية الكبرى، ونتيجة حملية منكرة لتالى تلك القضية.

5- إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثانى، إذن الأول ؛ وهذا الضرب يطلق علية الرواقيون صورة الإثبات بالنفى  modus tollendo ponens ؛ وهو عبارة عن قياس شرطى منفصل بالمعنى الضعيف، حيث يتآلف من مقدمة شرطية منفصلة كمقدمة كبرى ومقدمة حملية كمقدمة صغرى منكرة لتالى الكبرى ونتيجة حملية مثبتة لمقدم القضية نفسها .

وقد اعتقد كريسبوس أن هذه الضروب الخمس مكتملة ؛ أي كافية لاشتقاق كافة النتائج المطلوبة، كما إنها مستقلة independent ؛ أي منفصلة الواحدة منها عن الأخرى " فلا تقبل الرد "، كما أنها أوليه بمعنى انها تتوج صور أخرى سابقة عليها فى عملية الاستدلال، ولا تقبل البرهان بمعنى أنها حقائق منطقية  Logical truth .

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الصور ليست ضروباً ؛ بمعنى أنها صور متعددة للاستدلال، وإنما بمعنى أنه يمكن اعتبارها قواعد للاستدلال ، وذلك أول عهدنا بوضع قواعد للاستدلال فى وضوح وصراحة قبل البدء بأى برهان

ثالثاً: المبرهنات: إذا كان الرواقيون بقيادة " كريسبوس "، قد وضعوا خمسة صور استدلالية افترضوها كبديهيات لاستنباط الأشكال الأخرى، وهذه الأشكال تمثل جملة القضايا أو الصيغ التي يتم اشتقاقها من مجموعة اللامبرهنات . ولذا عادة ما تسمى بالقضايا أو الصيغ المشتقة أو القابلة للاشتقاق derivable  أو باختصار " المبرهنات "

والسؤال الآن: كيف حاول الرواقيون رد المبرهنات إلى اللامبرهنات ؟

يذكر المؤرخون أن كريسبوس كان يتبع فى رد المبرهنات إلى اللامبرهنات أربع قواعد منطقية عامة وهى على النحو التالي: ـ

القاعدة الأولى: ويذكرها " وليم نيل " نقلاً عن "جالينوس "، والاسكندر الافروديسى، حيث تقول أنه إذا تضمنت قضيتان قضية ثالثة، فإن أيا منها مع نفى الثالثة يتضمنان نفى القضية الباقية، وهذا المبدأ الذي استخدمه أر سطو في الرد غير المباشر

القاعدة الثانية:-فقد ضاعت، وربما تكون هي مبدأ التحليل، الذي يؤكد كما يذكر (سكتوس أمبيريقوس) أن " وجود النتيجة فى المقدمات التي تصدر عنها وجود اً بالقوة "

القاعدة الثالثة: ويذكرها "وليم نيل " و "بوشنسكي" نقلاً عن جالينوس والاسكندر الافروديسى، حيث تقول القاعدة: " إذا تضمنت قضيتان قضية ثالثة، وأثبت إحدى هاتين القضيتين ببعض المقدمات، فإن القضية الأخرى، وهذه المقدمات مما تتضمن النتيجة الأصلية " .

القاعدة الرابعة: فقد ضاعت أيضاً وربما نكون مبدأ الاشتراط الذي يسمح لنا بأخذ القضية على مقدمها لقضية شرطية جديده لها نفس تالي القضية الأصلية وهذه القاعدة يصوغها بوشنسكى على النحو التالى: أن القول إن} (ك) {تقبل الاستنباط من ف [إنما يتكافئ مع القول حيث أن المقصود هنا هو اللزوم الديدورى .

ومن خلال هذه القواعد استطاع الرواقيون أن يبرهنوا على صحة جميع الاستدلالات التي تزداد مقدمتها الرئيسية تركيبياً وتعقيداً وذلك من خلال اللامبرهنات الخمس التي ذكرها كريسبوس، وفى هذا يقول لنا شيشرون: " أنهم كانوا يستخلصون من هذه اللامبرهنات نتائج كثيرة، حيث كانوا يبرهنون بها على عدد كبير من الاستدلالات العقلية وذلك بحصرها فى أحد اللامبرهنات بواسطة عدد صغير من القواعد تسمى مواضيع " .

وقد حفظ لنا المؤرخون بعض هذه المبرهنات أو النظريات التي أقاموا البرهان عليها، واستخدموها فى تحليل الاستدلالات الأكثر تعقيداً، ومن هذه النظريات أو المبرهنات أو الاستدلالات التي تقوم على اللامبرهنات الخمس ما يلي:-

المبرهنة رقم (1): إذا كان الأول والثاني، كان الثالث، ولكن ليس الثالث، ومن جهة أخرى نثبت الأول، إذن ليس الثانى .

المبرهنة رقم (2): إما أن يكون الأول أو الثانى أو الثالث، ولكن ليس الأول، ولكن من جهة أخرى ليس الثاني، إذن ليس الثالث .

المبرهنة رقم (3): إما الأول أو ليس الأول، ولكن الأول، إذن ليس ليس الأول.

المبرهنة رقم (4): إذا كان الأول، فإنه إذا كان الأول كان الثاني، ولكن الأول، إذن الثانى

المبرهنة رقم (5): إما أن يكون الأول أو ليس الأول، ولكن ليس ليس الأول، إذن الأول

المبرهنة رقم (6): إذا كان الأول كان الأول، ولكن ليس إذا كان الأول كان الأول،  إذن الأول

المبرهنة رقم (7): إذا كان الأول كان الأول، ولكن الأول، إذن الأول.

المبرهنة رقم (8):إذا كان الأول كان إما الثانى أو الثالث، ولكن ليس الثانى، ومن جهة أخرى ليس الثالث، إذن ليس الأول.

المبرهنة رقم (9): إذا كان الأول كان الثانى، وإذا كان الأول إذن ليس الثاني، إذن ليس الأول.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنلماذا وُجد هذا الكون؟ سؤال فيه الكثير من التحدي لأنه ربما كان ممكنا جدا ان لا وجود هناك لشيء على الإطلاق – لا أرض ولا نجوم ولا مجرات ولا حتى كون.

في عالم مثالي، كل سؤال فلسفي إستثنائي تأتي معه قصة استثنائية تصف كيف فكّر أول شخص في ذلك السؤال. لسوء الحظ، نحن نستطيع فقط التخمين في السبب الذي قاد الفيلسوف الألماني ليبتز لطرحه ما وُصف عادة بأكبر سؤال فلسفي حتى الآن، وهو لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء؟

الفيلسوف ليبتز أورث لنا حساب التفاضل والتكامل والنظام الثنائي الذي يشكل أساس أجهزة الحاسوب الحديثة.  مات ليبتز قبل 300 سنة في 14 نوفمبر عام 1716. العديد من المفكرين القدامى سألوا لماذا كوننا هذا يبدو في الطريقة التي هو فيها، لكن ليبتز ذهب خطوة أبعد متسائلا لماذا هناك كون أصلا. اعتقد ليبتز ايضا ان لا شيء كان "أبسط وأسهل". اذا لم يكن وُجد أي شيء، عندئذ لا حاجة للتوضيح، لا أحد سيسأل عن توضيح .

اعتقد ليبتز ان حقيقة وجود شيء ما، وليس لا شيء تتطلب توضيحا. التوضيح الذي عرضه كان ان الله أراد ان يخلق الكون – أحسن كون ممكن – وهذا يجعل الله أبسط سبب لمعرفة ان هناك شيء بدلا من لا شيء. وفي السنوات التي أعقبت وفاة ليبتز، استمر سؤاله العظيم  يشغل الفلاسفة والعلماء، مع انه في العصر المتزايد العلمانية من غير المدهش ان نجد العديد من الناس حذرين في إستدعاء الله كجواب لذلك.

آلهة الكوانتم

أحد الأجوبة هو ان هناك شيء لابد ان يكون موجودا، وانه سيكون مستحيلا ان يكون هناك عدما. كانت هذه الرؤية لدى فيلسوف القرن السابع عشر سبينوزا الذي ادّعى بان كل الكون، بكل ما فيه،  القوانين، الأحداث، كان يجب ان يوجد، ويوجد بالطريقة التي تعمل. اينشتاين الذي إعتبر نفسه من اتباع فلسفة سبينوزا، يبدو إعتنق رؤية مشابهة.

علماء آخرون مثل الفيزيائي لورنس كروس Laurence Krauss في كتابه الشهير" كون من لا شيء"(2012)، يعرض نسخة اكثر دقة للجواب على سؤال ليبتز الكبير. يدّعي كروس ان كوننا نشأ طبيعيا وحتميا من عمل الجاذبية في الفراغ الكوانتمي، وان الفضاء الفارغ يعج بالجسيمات الافتراضية التي ظهرت تلقائيا للوجود قبل ان تختفي مرة اخرى. نظرية كروس تؤكد ان لا إمكانية للعدم لأن هناك دائما شيء، اولاً  كانت الجاذبية والفراغ الكوانتمي، ومن ذلك وُلد الكون كما نعرفه. نظريات اخرى في علم الكون ايضا تفترض سلفا انه يجب دائما ان يكون هناك شيء موجود برز منه الكون ، مثل الـ strings  او جسيمات الـ membranes .

المشكلة في مثل هذه الأجوبة العلمية لسؤال "لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء" هي انه من غير الواضح لماذا يجب ان نعتقد بوجود  جاذبية او فراغ كوانتمي او غبار كوني او حتى كون. يبدو ممكنا تماما انه بدلا من هذه الأشياء ان لا وجود لشيء اطلاقا.

تعدد الأجوبة؟

جواب آخر لسؤال ليبتز هو ببساطة إنكار ان هناك جواب. الفيلسوف برتراند رسل اتخذ هذا الموقف في حديث إذاعي شهير عام 1948. هو سُئل لماذا إعتقد بوجود الكون، أجاب " انا اقول ان الكون هو موجود فقط، وهذا كل ما هو مطلوب". ووفقا لهذا فان الكون سيجسّد ما يسميه الفلاسفة الحقيقة القاسية - شيء ما ليس له توضيح. موقف رسل هو عدم وجود توضيح ممكن لسبب وجود شيء بدلا من لا شيء. اولئك الذين يعتقدون ان كوننا هو جزء من أكوان متعددة هم ايضا يأخذون هذا الخط من التفكير مقترحين ان الكون المتعدد ومن ثم كوننا ليس له توضيح نهائي. وعلى الرغم من ان الجواب الشائع الآن لسؤال ليبتز هو القول بان الكون يتعذر تفسيره بالنهاية، لكن العيب فيه هو كونه غير مقنع فكريا (مع ان ذلك لا يعني ان الجواب زائف).

الجواب الأكثر حداثة لسؤال ليبتز هو القول ان كوننا يوجد لأنه يجب ان يوجد. التفكير هنا هو ان كل الأكوان الممكنة فيها ميل فطري لكي توجد، لكن البعض منها لديه نزعة للوجود أكبر من غيره. الفكرة هي في الحقيقة تعود الى ليبتز الذي استمتع بفكرة ان هناك ربما صراع على الوجود بين عوالم ممكنة وان أفضل كون هو الذي سيفوز كما لو ان هناك عملية من الاختيار الطبيعي الافتراضي. بالنهاية هو لم يقبل بالفكرة، وانسحب الى رؤية اكثر تقليدية بأن الكون يوجد لأن الله اختار ان يجعله هكذا.

لكن فكرة الصراع الافتراضي بين الأكوان الممكنة لقيت إعجابا من بعض الفلاسفة الحديثين، الذين اتّبعوها الى استنتاجاتها المنطقية وادّعوا ان الكون الممكن الذي له  نزعة اكبر للوجود – والتي ربما بسبب انه الأحسن، او بسبب انه يحتوي على بعض السمات الهامة مثل الظروف التي تسمح بظهور الحياة – سوف يجلب حقا ذاته للوجود. طبقا لهذه النظرية، كوننا يصبح حقيقيا ليس بسبب ان الله او أي شيء آخر خلقه في صورته الحالية  وانما بسبب انه في الحقيقة رفع ذاته من اللا وجود وجعل نفسه حقيقيا . بالنهاية، السؤال الفلسفي الاستثنائي يتطلب جوابا استثنائيا.

 

حاتم حميد محسن

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن بدايات النشق الاستنباطي في المنطق الميجاري – الرواقي، حيث إنه من المعروف أن لكل نسق في الرياضيات مجموعة من التصورات يتلائم معها، فالهندسة الأقليدية مثلاً، تعالج النقط والخطوط والمثلثات والدوائر وما إلى ذلك، وتشكل التعريفات المحددة لهذه التصورات المتعلقة بالنسق الركائز الأساسية التى تقوم عليها الرياضيات، ولهذا فأول ما يقوم به الرياضى هو أن يعرف لنا هذه التصورات تعريفاً دقيقاً، وفى هذه الحالة تسمى تلك التصورات بـ " المعرفات ".

ونفس الشىء يمكن أن يقال عن النسق عند الميجاريين والرواقيين؛ حيث أنه يحوى مجموعة من التصورات القائمة على تحليل السمات المنطقية للروابط القضوية، وقد تم دراسة هذه السمات خلال بحث مسألة صدق القضايا المركبة التى تعتمد فى تركيبها على هذه الروابط، ومن أهم أنواع القضايا المركبة التى نقوم بدراستها هنا: القضايا الشرطية (اللزومية) والانفصالية والعطفية، وقضايا أخرى ولكنها أقل أهمية مثل القضايا السببية والتشبيهية والتصعيدية والتخفيضية .

ونبدأ بعرض أهم التعريفات التى أوردها الميجاريون والرواقيون للقضية اللزومية، حيث يذكر "سكستوس امبيريقوس"، بأن القضية اللزومية تعنى عند الميجاريين والرواقيين بصفة عامة بأنها قضية مركبة من قضيتين يشار إليهما بالأعداد الترتيبية الأول (ويسمى أيضاً بالمقدم) والثاني (ويسمى أيضاً بالتالي)، ويتم ربطهما عن طريق آداه الشرط " إذا "، والتي تبين أن الثاني يلزم عن الأول.

ونلاحظ أنه بجانب هذا التعريف العام لمعنى اللزوم الذى أورده سكستوس، هناك تعريفات أخرى للزوم عندهم،حيث تعود الى كل من:فيلوphilo الميجارى،وديدور Diodorus الميجارى، وكريسبوس الرواقى:

أ - فأما فيلون،فقد عرف القضية الشرطية، بأنها تصدق حين يصدق مقدمها وتاليها،أو حين يكذب مقدمها و تاليها،أو يكذب مقدمها ويصدق تاليها. بينما تكذب في حالة واحدة،وهى إذا صدق مقدمها وكذب تاليها . وقد صاغ فيلون هذه القواعد الأربع كما يذكر " سكستوس امبيريقوس "على النحو التالي: " تصدق الشرطية حينما تبدأ بصدق وتنتهى بصدق، مثل إذا كانت الشمس طالعة، كان النهار موجوداً . وتكون صادقة أيضاً إذا بدأت بكذب وانتهت بكذب مثل: إذا طارت الأرض، فالأرض فلها أجنحة، وبالمثل فإن الشرطية تكون صادقة أيضاً إذا بدأت بكذب وانتهت بصدق مثل: إذا طارت الأرض، فالأرض موجودة . بينما تكذب الشرطية في حالة إذا ما بدأت بصدق وانتهت بكذب مثل: إذا كانت الأرض موجودة، فلها أجنحة " .

من هذا النص يتضح لنا أن فيلون كان يرى أن هناك شروطاً ضرورية لكى تكون القضية الشرطية صادقة، فاللزوم يكون صحيحاً عندما لا يبدأ بالصدق لينتهي بالكذب، وعلى هذا تكون هناك ثلاثة أشكال يكون فيها اللزوم صحيحاً، وشكل واحد يكون فيه باطلاً . فيكون صحيحاً عندما يبدأ بالصدق وينتهى بالصدق . ويكون باطلاً فقط عندما يبدأ بالصدق وينتهى بالكذب . وبهذا يكون فيلون قد استبق المناطقة الرمزيين فى دالة الصدقFunction Turth وقائمة الصدقTruth Table دون استخدام هذه التعبيرات؛ حيث أن عامل هذه الدالة هو ثابت اللزوم، والذى يعبر عنه فى المنطق الرمزى الحديث بالرمز (⊃) والذى يقرأ ( تلزم أو يلزم عنها أو تؤدى إلى أو تقضى، وهو يربط بين قضيتين ابتدائيتين مكونا منهما قضية لزومية، يتوقف صدقها على صدق التالي مع صدق المقدم، دون أن يشترك صدق المقدم مع صدق التالى، وعلى كذب المقدم مع كذب التالي . كما يتوقف صدقها أيضاً مع كذب المقدم مع صدق التالى . فى حين تكون كاذبة إذا صدق المقدم وكذب التالي .

ومن ناحية أخرى، نلاحظ مع بعض الباحثين معادلة اللزوم الفيلونى باللزوم المادي عند "هويتهد " و "برتراند راسل " ، وذلك فى نسقها المسمى بنسق (البرنكيبيا)، والذى يسمح بهاتتين القاعدتين

-القاعدة الأولى : ق .⊃.  ( ك⊃ ق)

-القاعدة الثانية : ق .⊃. ( ق⊃ ك)

وتعنى القاعدة الأولى أن الحكم الصادق يلزم من أى حكم آخر، بينما القاعدة الثانية أن الحكم الكاذب يلزم أى حكم آخر .

ب- وأما بالنسبة للتعريف الثانى للزوم، فهو تعريف" ديدور "؛ وفيه يعارض التصور الفيلونى للزوم، لأنه قد ينشأ عنه أن يكون اللزوم نفسه تارة صحيحاً، وتارة باطلاً حسب الفترة الزمنية، إذ سيظهر على مر الزمان تبدلات موقعية، مثل أن يكون السابق صادقاً واللاحق كاذباً . ولهذا اقترح ديدور تعريفاً أعقد وأدق من التعريف الفيلونى للزوم، فبدلاً من القول أن اللزوم يكون صحيحاً عندما لا يبدأ بالصدق لينتهي بالكذب، فإننا نقول أن اللزوم يكون صحيحاً عندما " ما لا يمكن أن يبدأ بالصدق لينتهى بالكذب " أو " عندما ما لا تكون ولا يمكن أن تكون القضية الشرطية مشتملة على مقدم صادق وتالى كاذب " .

ومن ناحية أخرى، فإن ديدور إنما أراد بهذا التعريف أن يستخلص من المنطق معنى معارضاً تماماً للمعنى الذى كان يتمسك به فيلون، حيث هدف ديدور إلى توجية المنطق شطر الصورية .

جـ- وأما بخصوص التعريف الثالث للزوم، فهو تعريف " كريسبوس "، وفيه يرى أن الشرطية تكون صادقة " متى كان نقيض تاليها لا يتفق مع مقدمها "، ولما كان عدم الاتفاق يعنى هنا الاستحالة، فإن تعريف "كريسبوس " قد يبدو معارضاً لتعريف (فيلون وديدور)، وذلك لأن نقيض تالي قضية فيلون قد يتفق وقد لا يتفق مع مقدمها، كما أن نقيض تالي قضية ديدور قد يتفق مع مقدمها .

وإذا كان" كريسبوس" ، قد عرف الشرطية الصادقة، بأنها التى لا يتفق نقيض تاليها مع مقدمها، فإنه بذلك كما يرى بعض الباحثين يكون قد وصل تعريف "دى مورجان " للزوم عن طريق العطف والنفى. ومن ناحية أخرى يقترب برأيه في الارتباط الضروري بين المقدم والتالى من " المشائيين الأرسطيين "، الذين حالوا التعبير عن قضايا اللزوم بالقضايا الشرطية مؤكدين أنه إذا لزمت قضية أخرى، كان من الممكن دائماً أن تكون قضية شرطية صادقة من الأولى كمقدم ومن الثانية كتالى . ومصدر هذه الفكرة هو ارسطو نفسه، حين صاغ مبادئ ضروب القياس صياغة شرطية، وذلك حين عبر عن لزوم المقدمات للنتائج تعبيراً شرطياً.

وعلاوة على ذلك فإن تعريف كريسبوس للشرطية الصادقة يماثل إلى حد كبير تعريف "لويس" Lewis للزوم الدقيق Strick implication ، حيث عرف" لويس " اللزوم الدقيق كما يذكر (ديمتريو) على النحو التالي:" أنه من المستحيل أن تكون ق صادقة و ك كاذبة، حيث أن هذا التعريف فى رأيه يقوم على علاقة مفهومية بين القضيتين ق، ك على نحو يرتبطان معا بتصور الضرورة necessity ، وهذا ما يسميه "لويس" (اللزوم الدقيق).

تلك هي أهم التعريفات التى ناقشها (فيلون وديدور وكريسبوس) فى تعريف معنى اللزوم، على أن هناك تعريفاً آخر له يمكن تسميته مع " ماتيس" اللزوم بالمعنى الضمنى وهو ما وصفه عن بعض المؤرخين على النحو التالى:" تصدق القضية الشرطية فى حالة ما إذا كان تاليها متضمناً بالقوة فى مقدمها "، وبمقتضى هذا التعريف كان ينظر للصيغة " إذا كان الأول كان الأول " على أنها كاذبة، إن الشىء لا يمكنه أن يكون متضمنا فى ذاته .

وتنتقل إلى جزئية أخرى من التعريفات الخاصة بالقضايا المركبة، وهو تعريف القضية الانفصالية؛ حيث يعرفها الرواقيون بأنها قضية تصاغ باستخدام الرابط " أو " وتنطوى على تقابل كامل بين القضيتين المكونتين لطرفي الفصل . ولكن الرابط " أو " يشتمل على تعريفات متعددة من أهمها، أن القضية الانفصالية تكون " صادقة فى حالة ما إذا كان إحدى أطرافها كاذباً " أو " إذا كان لها طرف واحد فقط صادق "، وهذا التعريف غير واضح إلى حد ما، إلا أن هناك نصاً آخر يرويه " بوشنسكى" عن جالينوس، حيث يذكر أن القضية الانفصالية تكون " صادقة إذا كان هناك طرف واحد صادقاً والآخر أو الأطراف الأخرى كاذبة ومتعارضة " .

من هذه النصوص يتضح لنا أن القضية الانفصالية لها  معنيان:-

المعنى الأول: معنى استبعادي Exclusive يستبعد فيه أحد الطرفين صدق الطرف الأخر، فأحد الطرفين فقط يجب أن يكون صادقا،إذ الطرفان بمثابة قضيتين متضادتين، إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى، ولكن كذب إحداهما لا يستبق كذب الأخرى، لأن الشرط الأساسي لكي يكون فصل من هذا النوع الذي يسمى بفعل المتضادات صادقا، أن يكون أحد طرفيه على الأقل كاذباً .

المعنى الثاني:- معنى غير استبعادي non Exclusive   لا يستبعد فيه صدق أحد طرفي الفصل الطرف الآخر، إذ الطرفان بمثابة قضيتين داخلتين تحت التضاد،إذا كذبت إحداهما صدقت الأخرى،ولكن صدق إحداهما لا يستبعد لا يستبعد صدق الأخرى، لأن الشرط الأساس لكي يكون فصل من هذا النوع الذي يسمى بالفصل الضعيف أو بفصل ما تحت التضاد صادقا أن يكون أحد طرفية على الأقل صادقاً .

ولم يكتّف الرواقيون بهذا، بل قالوا بقضية شبه منفصلة quasi disjunctive تكون " صادقة في حالة ما إذا كان غير ممكن لمكوناتها أن تصدقا معاً "؛ ومعنى هذا أن الرواقيين قد عرفوا الانفصال بواسطة النفي والعطف، وبهذا يكونوا قد سبقوا العالم المنطقى " شيفر " Sheffer  الذي أخذ بهذا الانفصال لتعديل نظرية أصحاب البرنكيبيا في حساب القضايا ".

ومن جهة أخرى، فقد عرف الرواقيون نوع آخر من القضية الانفصالية عرفت عن طريق جالينوس باسم " الانفصال التبادلي "، ومثاله:" إما أن تكون الدنيا نهار أو ليل تكافئ إما أن تكون الدنيا ليل أو نهار " .

تلك هي أهم التعريفات التى وردت بخصوص القضية الانفصالية، وننتقل إلي قضية أخرى، وهى القضية العطفية، حيث يعرفها الرواقيون بأنها قضية مركبة بواسطة الرابط " و"، وإنها "تصدق في حالة ما إذا كانت جميع عناصرها صادقة "

كما استخدم الرواقيون بجانب الروابط الرئيسية الثلاثة (اللزوم والانفصال والعطف) التى وصفناها روابط أخرى؛ حيث نجد عندهم قضية استدلالية مركبة بواسطة الرابط " بما أن "، والتي تعنى أن " الثاني يلزم عن الأول ومثاله: بما أن هناك نهار هناك ضوء " .

كما يوجد أيضاً عند الرواقيين عدداً آخر من الروابط التى لا يمكن تعريفها عن طريق قوائم الصدق مثل " القضية السببية " المركبة بواسطة الرابط "لأن " ومثالها " لأن هناك نهار هناك ضوء "، والقضايا التشبيهية والتي تكون إما تصعيدية مثل أن نقول " هناك نهار أكثر مما هناك ليل ". وإما تخفيضية مثل " هناك ليل أقل مما هناك نهار " .

وعلى الرغم من أن الرواقيين لم يدرسوا النفى بالإضافة إلى الروابط، إلا أنهم اهتموا بالنفى أثناء دراستهم للقضايا المتقابلة؛ حيث ميزوا فيه بين أربع أنواع وذلك على النحو التالي:

1 – النفى التناقضي، ويكون بوضع أداة النفى " ليس " فى البداية، حيث ألح الرواقيون بشدة على ضرورة وضع أداة النفى ليس فى بداية القضية.

2- النفى البسيط، وهو الذي يجمع بين آداه نفى مثل لا أحد ومحمول ومثال ذلك " لا أحد يمشى "  .

3- النفى الحرمانى، وهو الذي يكون فيه الموضوع مقيداً بحد منفى ومثاله " هذا لا إنساني ".

4- النفى المزدوج، وهو الذي يجمع بين أداتي نفى، مثل " لا لا يوم " ... وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

رحيم الساعديبقلم: بيتر آدمسون

ترجمة: د. رحيم محمد الساعدي


يطلعنا ابن سينا عن الوعي الذاتي ومشكلة العقل والجسد، وكثيرا ما استمتع فلاسفة العالم الإسلامي بالتجارب الفكرية، فقد تساءلوا مثلا انه عند اختفاء السماء، هل سيستمر الوقت في المرور؟ وإذا كان الوجود يختلف عن الجوهر، فهل يعني ذلك أن الوجود نفسه يجب أن يكون موجودًا؟ هل يمكن أن يحول الله خادمك إلى حصان، فتعود إلى المنزل لتجد أنه قد تبول على جميع كتبك؟

لكن أشهر التجارب الفكرية الاسلامية ما يسمى بتجربة "الرجل الطائر"، التي ابتكرها الفيلسوف الأكثر نفوذاً في العالم الإسلامي، ابن سينا (افسينا الذي عاش من 980 إلى 1037 م). تخيل، كما يقول، أن الإنسان خلقه الله في الهواء، وفي حالة جيدة ولكن بصره محجوب وأطرافه ممدودة حتى لا يلمس شيئًا، ولا حتى جسده. هذا الشخص ليس لديه ذكريات، لأنه تم إنشاؤه بشكل مؤقت، هل سيكون عقله خاويا وخاليًا من التجارب الحسية السابقة أو الحالية؟ لا، يقول ابن سينا. انه سيكون على علم بوجوده.

ثلاثة أسئلة تظهر على الفور بذهني أولاً، عندما تخيل دوغلاس آدامز، مؤلف كتاب دليل المسافر إلى المجرة (1978)، حوتًا يظهر في الجو فوق كوكب غريب، هل كان يقرأ لابن سينا؟ الجواب ليس لدي أية فكرة، لكني أحب أن أعتقد ذلك.

ثانيًا، هل كان ابن سينا محقا في أن "الرجل الطائر" سيكون مدركًا لذاته؟ حسنًا، من المهم أن ندرك أن ابن سينا لا يحاول المجادلة بأن الرجل الطائر سيعرف أنه موجود. بدلا من ذلك، يعتبر الأمر واضحا.

في إحدى النسخ، أخبر القراء أنه يجب أن نتخيل أنفسنا مخلوقين على هذا النحو.

 إذا وضعنا أنفسنا في أحذية الرجل الطائر المتدلية، علينا فقط أن ندرك أننا سنكون واعين بذواتنا. وفي الواقع، تبين هذه الفكرة الاساسية في فلسفة ابن سينا،إنه يعتقد أننا جميعًا على دراية بأنفسنا دائمًا، حتى عندما نكون نائمين أو نركز بشدة على شيء آخر غير أنفسنا. ومن المفارقات أننا غالبًا لا ندرك ذلك من خلال الوعي الذاتي وهو (الموسيقى الخلفية غير المتقاطعة مع علم النفس البشري) وهو شيء نلاحظه فقط عندما يتم توجيه انتباهنا إليه، وهو وعي ما قبل الانعكاس للذات.

ان  التجربة الفكرية للرجل الطائر هي في حد ذاتها طريقة واحدة للفت الانتباه إلى هذا الوعي الذاتي: ويسميها ابن سينا التنبيه، بمعنى (مؤشر '' لشيء ما).

إن وعينا الذاتي هو أساس لمنظورنا سواء للشخص الأول او  للأشياء. إنها علامة على أنه عندما أرى شيئًا أو أتخيله أو أفكر فيه، يمكنني أن أفهم على الفور أنني أرى ذلك الشيء أو أتخيله أو أفكر فيه. وأي شكل آخر من أشكال الإدراك (أي الوعي بالأشياء الأخرى) يفترض وعيًا للذات.

 

بالمناسبة، قد نعترض على أن الرجل الطائر سيكون لديه أشكالا معينة من الوعي الجسدي على الرغم من افتقاره إلى الرؤية والسمع وما إلى ذلك. لكن ألن يشعر على الأقل بموقع أطرافه من خلال شكل آخر من أشكال الإحساس، ألا وهو الحس العميق؟ تخيل أنك في ظلام دامس وذراعك لا ترتكز على أي شيء: الحس العميق هو الإحساس الذي يخبرك بمكانه.

هذه بالفعل مشكلة للتجربة الفكرية التي  وضعها ابن سينا، لكن ذلك في الحقيقة ليست حاسما من الناحية الفلسفية. ويمكن للمرء فقط تعديل السيناريو عن طريق إضافة أن الله يمنع قدرة الرجل على استخدام الحس العميق، أو أن القدرة التحسسية للرجل الطائر معيبة. سيكون ادعاء ابن سينا بعد ذلك أنه، حتى في ظل هذه الظروف، سيكون الرجل الطائر على علم بنفسه.

الآن السؤال الثالث والأكثر صعوبة: ماذا تثبت تجربة الرجل الطائر؟ يتوصل ابن سينا إلى استنتاج مفاجئ: يوضح أننا لسنا متطابقين مع أجسادنا. وهنا فقط ضع في اعتبارك ان الرجل الطائر يعرف نفسه ويعرف أنه موجود، لكنه لا يعلم بجسده. إنه لا يعرف أن جسده موجود، ولا أن أي جسد هو موجود بالفعل. وإذا كنت مدركًا لشيء ما دون الآخر، فكيف يمكن أن يكون هذان الشيئان متطابقين؟

هذا يبدو مقنعًا جدًا، حتى تفكر في أنه يمكن للمرء أن يكون مدركًا لشيء ما دون أن يدرك كل شيء عنه.

 

أنت، على سبيل المثال، كنت على علم بقراءة هذا المقال خلال الدقائق القليلة الماضية، لكنك لم تكن على علم بقراءة شيء مكتوب أثناء عزف موسيقى الجاز مثلا و سيكون من الخطأ الاستنتاج من هذا، أن المقال ليس شيئًا مكتوبًا بعزف موسيقى الجاز لديكسي لاند.

و في الواقع، هذا هو بالضبط ما هو عليه .و بعبارة أخرى، يمكن للرجل الطائر أن يدرك نفسه دون أن يدرك أن نفسه جسدا.

وقد يقول الفلاسفة المعاصرون أن ابن سينا ينتقل عن طريق الخطأ من سياق "شفاف" إلى سياق "معتم"، وهو في الأساس طريقة خيالية لقول ما قلته للتو.

بذلت جهود لتجنيب ابن سينا هذا الخطأ. إحدى الطرق الممكنة لإنقاذ الحوار يمكن أن تسير على هذا النحو. يحاول ابن سينا انتقاد طريقة أخرى للتفكير في الروح، تعود إلى عهد أرسطو، وفقًا للنظرية التي يرفضها، وترتبط الروح ارتباطًا وثيقًا بالجسد بحيث لا يمكن فهمها إلا على أنها جانب أو مبدأ تنظيمي للجسد، وهو ما أطلق عليه أرسطو "شكل" الجسد. تم تصميم التجربة الفكرية لإظهار أن هذا خطأ. إنه يفعل ذلك من خلال لفت انتباهنا إلى أن لدينا وسيلة للوصول إلى أرواحنا بصرف النظر عن الإحساس الجسدي، أي الوعي الذاتي.

كيف يدحض هذا أرسطو؟ حسنًا، فكر مرة أخرى في سبب عدم وعي الرجل الطائر بجسده. هذا لأنه لا يستخدم حواسه حاليًا ولم يفعل ذلك أبدًا (تذكر انه قد بدأ للتو في الوجود)، والإدراك الحسي، كما يفترض ابن سينا، هو الطريقة الوحيدة لإدراك أي جسد. إذا كان هذا صحيحًا، فإن أي شيء يمسكه الرجل الطائر دون استخدام الإدراك الحسي ليس جسماً وليس مادياً. بما أنه يمسك روحه دون استخدام الإدراك الحسي، فإن روحه ليست جسدًا.

في هذه القراءة، كان ابن سينا يساعد نفسه على افتراض كبير جدًا، وهو أن الجثث لا يمكن اكتشافها إلا عن طريق الحواس. يمكنك رؤيتها أو سماعها أو لمسها أو تذوقها أو شمها، ولكن بخلاف ذلك لا يمكنك أبدًا معرفة أنها موجودة. بما أن الروح بالنسبة لأرسطو هي شكل من أشكال الجسد، إذا لم تستطع تجربة الجسد، فلن تتمكن، على حسابه، من الوصول إلى الروح ؛ ومع ذلك، يدعي ابن سينا، أن الرجل الطائر سيكون له الوصول إلى روحه.

أظن أن هذا (جزئيًا على الأقل) هو ما كان يدور في ذهنه عند إنشاء هذه التجربة الفكرية. لكن هذا لا يعني أنني مقتنع. كل ما فعله ابن سينا حقًا هو إلقاء تحدٍ على خصومه الماديين: أرني كيف يمكن للجسم أن يدرك نفسه دون استخدام الإحساس للقيام بذلك.

 

..............

* نشر الفلسفة في العالم الإسلامي لبيتر آدمسون من خلال مطبعة جامعة أكسفورد .

** بيتر آدمسون، نشر في الأصل في Aeon وتم إعادة نشرها

 

 

محمود محمد عليينبغي بادي ذى بدء، قبـل أن نعـرض لإرهاصات النسق الاستنباطى في المنطق الميجارى – الرواقى، أن نعـرف أولاً ما المقصــود بالنسـق الاستنباطي Deductive system ؟

المقصود بالنسق الاستنباطى، هو أن يحوى العلم – ذو الطبيعة الصورية مجموعة محددة من اللامعرفاتundefinables والتعريفات Definition والبديهيات Axioms توضع صريحة منذ البدء ؛ حيث نسلم بصحتها دون برهان، وتستنبط منها قضايا أخرى هي نظريات ذلك العلم .

ولقد عبر العالم المنطقى " الفرد تارسكى " Alfred Tarski في كتابه " مقدمة للعلوم الاستدلالية" عن كل ذلك إجمالاً بقوله : إننا حين نشرع فى تكوين نسق استنباطى لمبحث معين " علينا أن نبدأ بمجموعة محددة من المصطلحات أو الحدود الأولية Primitive terms أو الحدود اللامعرفة Unedfined، نقبلها بدون شرح أو تعريف …. وعلينا نتبنى مبدأ مؤداه وهو ألا نستخدم فى النسق مصطلحاً آخر دون أن يكون معناه قد حدد مسبقاً بواسطة هذه الحدود الأولية غير المعرفة، وبواسطة مصطلحات التى شرحت معانيها من قبل بهذه الحدود، وتسمى هذه المصطلحات التى حددت معانيها بالحدود المعرفة، وتسمى عملية الشرح بالتعريف، وتسمى العبارات الشارحة بالتعريفات.. وعلينا أن نسلم ثانياً بمجموعة من القضايا التى نقبلها كحقائق دون أن نقيم دليلاً أو برهاناً على صدقها ومشروعيتها، وتسمى هذه القضايا بالقضايا الأولية، وبالبديهيات وبالمصادرات Postulates، وتسمى أيضاً باللامبرهنات indomonstrable … وعلينا ألا نقبل أي قضية أخرى على أنها صادقة إلا إذا استطعنا أن نقيم دليلاً على صدقها ومشروعيتها بواسطة التعريفات والمسلمات والبديهيات وقضايا النسق التى سبق أن تقرر صدقها وتبررت مشروعيتها، مما يسمى بالقضايا المبرهن عليها theorem أو المبرهنات، وتسمى العملية التى يتقرر بها صدق هذه القضايا بـ ( البرهان )، وتسمى عملية إقامة صدق قضية على قضايا أخرى صادقة بالاستنتاج أو الاشتقاق . كما تسمى القضايا التى نتوصل إليها على هذا النحو بالقضايا المستنتجة أو المشتقة من قضايا غيرها أو التي تعتبر نتيجة تلزم عنها . ويسمى المنهج الذي يتبع في إقامة مبحث معين وفقاً للقوانين التي ذكرناها من قبل بالمنهج الاستنباطي .

ونلاحظ أن معظم الباحثين يرون أن فكرة إقامة المنطق نسقا استنباطيا لم تقم فى أذهان المناطقة إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، حين تطور البحث فى الهندسات اللاإقليدية، وحاول الرياضيون وضع أسس النسق الاستنباطي كى يقيموا الهندسة نسقاً استنباطياً محكماً .

وقد كان المنطق فى ذلك الوقت قد نشأ وبدأ يتطور ؛ حيث فكر أصحابه حينئذ فى إقامته استنباطياً هو الأخر، وقد تم ذلك على يدى المنطقي الألماني العظيم " جوتلوب فريجة " “Gottlob Fraga، الذى صاغ فى سنة 1879 نظرية (حساب القضايا) بكل عناصرها المتكاملة فى صورة نسق استنباطي على نحو لم يسبق له مثيل . ثم جاء مؤلفاً كتاب Principa Mathmatica وهما "هوايتهد " و"رسل "، فوضعا ذلك النسق المنطقي على رأس الرياضيات بأسرها تحت عنوان " نظرية الاستنباط " .

والسؤال الآن، هل يمكن وضع المنطق الميجارى – الرواقي فى صورة نسق استنباطي؟

للإجابة على هذا السؤال يمكن القول بأنه إذا أخذنا النسق الاستنباطي فى المنطق ؛ بمعنى أن نضع قائمة اللامعرفات والتعريفات والبديهيات والمسلمات وقواعد الاستدلال صريحة منذ البدء، ثم نقوم بعد ذلك باستنباط نظريات منطقية من تلك القوائم لا نملك إلا أن نقول أن المنطق الميجارى – الرواقى لا يتضمن نسقاً استنباطياً بهذا المعنى الدقيق . أما إذا أخذنا النسق الاستنباطي بالمعنى المعروف فى هندسة إقليدس، وهو الذى يبدأ بمجموعة من المقدمات يستنبط منها كل ما يترتب عليها من نتائج أو نظريات، وتشتمل " هذه المقدمات على التعريفات المستخدمة فى النسق من ألفاظ، وبديهيات ومسلمات يُسلم بها دون برهان عليها، لكى يستنبط من هذا كلة النظريات اللازمه عنها "، فيمكن القول بأن المنطق الميجارى – الرواقى لديه فكرة واضحة عن هذا النسق، وخاصة فى نظرية القضايا المركبة .

فعلى على عكس ما يدعيه بعض المناطقة المحدثين من أنه لا أهمية لكل أبحاث الرواقيين فى باب القضايا، اللهم إلا فى وضع اصطلاحات جديدة كان لها حظ الانتشار بعد ذلك فى المصطلح المنطقى، فإن نظرية القضايا المركبة تعد من أكثر إنجازات المدرسة الميجارية – الرواقية التى يمكن من خلالها أن نلتمس ارهاصات النسق الاستنباطي لنظرية حساب القضايا قبل " فريجة " بمئات السنين .

والدليل على ذلك، فقد أدرك الرواقيون ضرورة التخلي عن لغة الحديث فى الكتابة المنطقية كى يكون المنطق صورياً ( تجريدياً ) إلى أبعد حد، فاصطنعوا الرموز بمنأى عن الحروف الهجائية كما عنوا عناية خاصة بالثوابت المنطقية، وكانوا يسمونها بالروابط connectives، وهى على النحو التالى " إذا ……..."، "و "، " إما ……. أو ….. "، " حيث أن …. "، " لأن ….. "، "ليس ….. و ……. معا " وغيرها . كما وضعوا للقضية المركبة التي تحوى واحدة من تلك الروابط قواعد لصدقها وكذبها، وعينوا معانى وتعريفات هذه الروابط .

وعلى الرغم من أن الرواقيين لم يدرسوا النفي بالإضافة إلى الروابط، إلا أنهم اهتموا بالنفى اهتماماً كبيراً ؛ وذلك أثناء دراستهم للقضايا المتقابلة، حيث ميزوا بين عدة أنواع مثل النفى التناقضى والذى صاغوه بوضع أداة النفي " ليس " ببداية القضية، والنفي البسيط وهو الذى يجمع بين آداة نفى ومحمول مثل : لا أحد يمشى، والنفي الحرمانى وهو الذى يكون بين موضوع مقيد وحد منفى مثل : لا إنساني .

ومع أنه لا يوجد عند الرواقيين أية محاولة لبناء قائمة صدق للنفي، إلا أنهم قرروا مع ذلك، مبدأ النفي المزدوج، والذى يعبر عنه فى المنطق الرمزي الحديث على النحو التالي : ~ ~ ق= ق

كما اهتم الرواقيون أيضاً بدراسة العلاقات القائمة بين دوال الصدق، وذلك عن طريق إمكانية تعريف الروابط بواسطة روابط أخرى، مما يدل على أنه يوجد عندهم محاولة لبناء نسق أكسيومى من هذه الروابط .

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى أنه بعد أن قدم الرواقيون تعريفات للروابط، وضعوا بعد ذلك مقدمات أولية لكى يستنبطوا منها قضايا أخرى، وقد اطلقوا عليها صوراً استدلالية Inference schemata وأطلقوا عليها أيضاً " ضروباً لا تقبل البرهان "، Basic indemonstrabe moods وقد أحصى منها " كريسبوس " الرواقى chrysippus خمس ؛ حيث رأى أنها أولية ؛ بمعنى لا توجد صوراً أخرى سابقة عليها فى عملية الاستدلال . كما أنها لا تقبل البرهان؛ بمعنى أنها حقائق منطقية logical truths، وليست هذه الصور الاستدلالية ضروباً بمعنى أنها أنماط أو صور Schemata متعددة للاستدلال ؛ وإنما بمعنى أنه يمكننا اعتبارها " قواعد استدلال "، وذلك أول عهدنا بوضع قواعد للاستدلال فى صراحة ووضوح قبل البدء بأى برهان " .

ولم يكتّف الرواقيون بوضع تلك الصور الاستدلالية ؛ وإنما جعلوها مقدمات أولية يبدأون منها البرهان على نظريات منطقية، وهذه النظريات هى التي أطلقوا عليها بـ " القضايا المشتقة Derived أو المبرهنات Theorems، مما يدل على أن الرواقيين كانوا بحق فيما يقول العالم المنطقى البولندى " لوكاشقيتش " أول من ابتكروا نسقا استنباطيا لمنطق القضايا بعد عصر أرسطو بحوالى نصف قرن،و لو أن هذا المنطق لم يكن مؤلفاً من مقررات ؛ بل مؤلفاً من قواعد استنتاجية " .

وتقتضى الأمانة العلمية، أن نشير إلى أن هناك دراسات وبحوث قد سبقتنا إلى تناول جانب أو اكثر من جوانب النسق الاستنباطي فى المنطق الميجارى – الرواقي، ولكننا عندما اطلعنا عليها لم نجد فى أى منها معالجة إضافية ومستوعبة لمقومات هذا النسق ؛ وذلك لأن مناقشة الباحثين لتوضيح مقومات هذا النسق ؛ قد جاءت فى ثنايا دراسات عالجت تاريخ المنطق الصوري القديم والحديث بصفة عامة، فقد رأيت أن حق تلك القضية أن يفرد لها مثل هذا البحث .

ولذلك سوف ندرس في هذا المقال إرهاصات النسق الاستنباطي فى المنطق الميجارى – الرواقي، لنبين كيف كان الميجاريون والرواقيون أول من أدخلوا النسق الاستنباطي فى المنطق قبل المناطقة الرمزيين في العصور الحديثة.

وأما عن المنهج الذى اعتمدنا عليه الباحث في إعداد هذا الورقة عن إرهاصات النسق الاستنباطي فى المنطق الميجارى – الرواقي، فهو المنهج التحليلي المقارن، الذى يعتمد على تحليل النصوص تحليلاً دقيقاً واستنباط واستخلاص كل ما تشمله من أراء وأفكار، مع المقارنة بين أراء الرواقيين والمناطقة المحدثين ليتضح لنا تباعاً مدى ما طرأ على الفكرة من تطور وازدهار .. وللحديث بقية..

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعييدعو أركون في كتابه "إعادة التفكير في الإسلام"، إلى تطبيق "استراتيجية معرفية حديثة"، تهدف إلى "تجاوز الممارسات الموروثة من الماضي، سواء في الإسلام أو المسيحية أو الغرب العلماني"، عندما يتم "انتهاك الدوغمائيات وتقلب أو تدمر النظريات القياسية".[1] " يقترح تبني الخط فكري لما بعد الحداثة الذي يعبر عن عملية "يشكك فيها العقل بوضعه الخاص في التكوين النفسي للوعي والتفكير، ويكشف عن جميع الأنشطة المعرفية." اذ من المفترض أن يسمح ذلك للباحثين "بمراجعة تصوراتهم عما يسمى الثقافات القديمة والتقليدية والحديثة، ومواقفهم تجاه التبادل الثقافي وممارساتهم داخل المجال المنطقي (logosphere) الذي يحدد كل لغة".[2]  ثم تهدف إعادة البناء اللاحقة إلى "توفير مساحة لظهور وبناء المفاهيم والتصورات والمقولات التي يمكن العثور عليها في جميع أنواع الثقافة وفي جميع مجالات النشاط الدلالي والسيميائي".[3]

قدم أركون نفسه بوصفه "مشتك من المظلومية" ويوضح قضيته ضد الظلم التاريخي المفروض على المسلمين من قبل الغرب، فيقول: على الرغم من خضوع الغرب "لأزمة عامة" متأثرة بشدة بـ "نهاية الايمان مع الماركسية"، الاً أنه استمر في الضغط على بقية العالم ورفض استقبال "أشكال التفكير" من خارجه. ويتابع أركون، أن الخطاب الغربي فرض باستمرار على "الأصوات الناقدة التي تعبر عن التضامن مع تاريخ الشعوب الإسلامية والمطالبة بأن يكون هناك أكثر" موضوعية "،" أكثر "حيادية"، "أقل" جدلية " أو ان لا تكون " منخرطة "في أشكال متكررة من الاحتجاجات ضد الغرب ".  وفي صميم خطاب السلطة والقوة هذا، تم إصدار دعوة أساسية للتحول إلى قيم الغرب. ونتيجة لذلك "يسير تاريخ العالم المهيمن، بما يديم السيادة على البشر التي كانت تُنسب إلى الله في يوم من الأيام، في حين يستنفد الفاعلون الثانويون أنفسهم في تقليد، وتكييف، وإعادة إنتاج، وتأكيد إنتاجية هذا العالم وعصيانه. ومن المفارقات، على حد تعبير أركون، أنه في حين أن المفكرين الغربيين قد يكونون مستعدين للاعتراف بضعف منطق التنوير، وأزمة الفكر السياسي، واختفاء الخطاب الأخلاقي، وإضعاف البحث الفلسفي عن المعنى، وتدهور دولة الرفاهية، وزيادة تهشيم الإنتاج الأدبي والفني وتجريده، اللا أنهم ليسوا على استعداد لتحمل أو قبول تقييمات بديلة. وهذا ما يؤكد أن هذا الموقف محكوم، من بين أسباب أخرى، من قبل التيارات النقدية "الاستبطانية" في الفكر الغربي. وهكذا، عندما يشير الفكر الإسلامي، على سبيل المثال، "إلى مخاطر الولاء غير النقدي لتلك القوى نفسها، قوى الانحلال والفساد والاغتراب، يميل الغربيون إلى إعادة التأكيد على عدم المساس بها وبعالمية نموذجهم".[4]

كان يمكن للمسلمين (التقليديين والأصوليين) أن يتوقعوا، بعد توجيه اتهامات شديدة للغرب كهذه، أن يشرع أركون في ممارسة منهجية لكشف وتفكيك هذا التسلسل الهرمي للسلطة في الفكر الغربي. لكنه وبدلاً من ذلك، يرون أنه "انقلب" على تراثه الإسلامي، وقام بتفكيك أنظمته المعرفية وقوانينه الأخلاقية - القانونية، وتاريخ معتقداته أو أرخنتها، ايً اخضاعها للتاريخية. إن مقاربته المعرفية للإسلام من خلال الإطار النظري للسلطة كما هي عند فوكو، تجعله عرضة للكثير من العلامات أو السمات المتناقضة لهذا الأخير، بالإضافة إلى التناقضات الخاصة به. لا يقترح أركون القيام بهذه الممارسة فقط في غياب نظام منهجي إسلامي يُفترض أنه أعيد بناؤه كشرط مسبق لا ضفاء الشرعية، ولكن في تطبيق مقاربة أو نهج معرفي على الإسلام، أدى عن غير قصد بتدعيم التسلسل الهرمي للسلطة على الضحية الذي يدعي أنه أدانه. وأعلن في لغة اعتذارية، صراحة أن هدفه هو "تحديث المواقف القديمة وكذلك إعادة تأهيل الإحساس بالتقاليد الثقافية الحية للمجتمعات الإسلامية في الممارسات الفكرية والثقافية من قبل الغرب".[5]

بما أن المجموعات العرقية والثقافية المختلفة تستخدم دائمًا "الإشارات" و "الرموز" لإضفاء الشرعية على دوافع السلطة، كما يذهب منطق أركون، فإن جميع "المؤمنين"، سواء كانوا ملتزمون بالديانات السماوية أو العلمانية المعاصرة، سيكونون كذلك على القدر نفسه من القيود بخصوص تصور مسألة المعنى ليس من زاوية التعالي غير المتغير- أي الأنطولوجيا المحمية من كل التاريخ - ولكن في ضوء القوى التاريخية التي تنقل القيم الأكثر قداسة.[6]

إن هذا النهج "العلماني المنفتح"، المطبق بمنظور نقدي على أي جانب من جوانب المعرفة ويُفهم على أنه بحث عن أكثر أشكال التعبير حيادية، والأقل إيديولوجيًا احترامًا للإرادة الحرة للشخص الآخر، يشكل تقدمًا كبيرًا للعقل".[7] إن مثل هذا الحياد، ممكن فقط، وفقًا لأركون، من خلال الفكر العلماني، الذي سيُنتج في نهاية المطاف "إسلامًا ليبراليًا نقدًيا منفتحًا للتغيير ... بعيدًا عن الإنغلاقات الإيديولوجية الأصولية ... والاكراهات المتكررة للأرثوذكسية كأداة للسيطرة والتحكم".[8]

إن مقاربة أركون المقترحة تضع الإسلام بشكل لا لبس في موقع أنه لا يمتلك مزايا خاصة تجعل له حصانة، ومسيطر عليه أو خاضع للرقابة فيما يتعلق بتسلسل هرمي معرفي وعلماني للسلطة في حين من المفترض أنه "محايد". وعليه قد يرى المسلمون (تقليديون واصوليون) أنه لا يمكن للمطالب بالحياد في ظل هذه الظروف إلا أن تعكس تناقضًا في الشروط. وقد يجادلون ايضًا أن أركون يضع هذا القالب (أيً البيئة أو الوسط الذي تتطور فيه المطالب) كمرجع لعلاقة خطابية فيما يتعلق بالإسلام حيث مطلوب منه باستمرار التكيف والامتثال للمبادئ التوجيهية الخارجية. وبدلاً من محاولة إعادة تأسيس استقلالية المرجعية الذاتية الإسلامية، فإنه يقدم ممارسة نظريًة ومنهجيًة يتم اختزال الإسلام فيها إلى حدود القوالب المعرفية الغربية في النهاية. وربما يعترضون ايضًا بعد كل هذا: كيف يمكن أن يُختزل الوحي المنبثق من الإله الذي يقوم بشكل أساس في وضع معايير الحقيقة والخطأ إلى عالم معرفي ومحايد، وتاريخي، وغير -أنطولوجي؟ ماذا تبقى من جوهره؟ كما- أنهم قد يرون- أنه ليس دليلًا ضامنا أن يؤدي تفكيك القوالب المعيارية للإسلام، كما هو حاصل بقوة في عمل أركون، الى أنه سيشكل شرطًا أساسيًا لظهور إسلام نقدي ليبرالي. لكنه بالتأكيد سيؤدي انهيار أو تهميش هذه القوالب المعيارية في واقع الأمر إلى القضاء على شرط ضروري وأساسي لميوله الليبرالية - الحرية. إن ترسيخ هذه القوالب الإسلامية، كما قال غليون، هو ما يبرر في نهاية المطاف الغايات الاجتماعية والدينية والسياسية، ما يتناسب معها من وسائل. فيكاد يكون من المستحيل على المسلمين بشكل عام، وكأفراد، ممارسة الاختيار الحر بناءً على مبادرتهم الخاصة في ظل غيابها كمعيار إرشادي. سيتوقف العديد من خياراتهم في نهاية المطاف على مجرد ظروف تتحدد وتتشكل من خلال واقع معادٍ مهيمن. سوف يتخلى المسلمون عن ثباتهم دون حذر، ليتم تهميشهم الى مجرد أدوات وآلات عمياء تصممها وتديرها تجسيدات لإرادة قوة أكبر.[9]

تتدهور محاولة أركون لإدخال " سلطة مضادة" في نهاية المطاف إلى فرضية الاختزال المعرفي، وبالتالي تختزل في حدود أفق سلطة هذا الإطار نفسه. إن أركون ومن أجل الهروب من مفارقات "عالم" السلطة (بالمعنى الفوكوي) وربما يذكرنا بالليبرالي المصري الشهير طه حسين، يقترح فلسفة للتاريخ تعرض اهتماما ووعيًا في ثقافة البحر الأبيض المتوسط الإنسانية المعاد تشكيلها.  لا يتم هذا في إطار مرجعي ذاتي إسلامي، ولكن من خلال عملية إعادة تفكير جذرية يتم فيها تصور "العلاقة بين الفكر والعلامة وبين الفكر والرمز" من منظور "التاريخ المقارن" مع نقد فلسفي لجميع النظم الثقافية والمعرفية الموجودة الحالية؛[10] فيبدو الهدف الأساس الضمني هو "إدارة عملية لامركزية لا تترك أي امتياز لأيً مركز".[11] يفكك أركون من خلال القيام بذلك نظام القيم الإسلامية المتمركز في الأنطولوجيا (المنجذبة الى المركزية) من داخل آفق سلطة النظام المعرفي الغربي اللامركزي (الطرد من المركز). سوف يزدهر النظام الأخير الذي يُحكم عليه وفقًا لأوضاعه وشروطه الخاصة في إطار جميع الاحتمالات الطارئة، بينما (وهنا قد يعترض المسلمون التقليديون والاصوليون): أنه لا يمكن للإسلام، الذي يُحكم عليه وفقًا لشروط النظام الغربي إلا أن يُستنفد ويفقر، ويتحطم أيً مظهر من مظاهر المساواة، وإذا ما استعملنا لغة ما بعد الحداثة، يتفجر الاختلاف. يشير الاختلاف- هنا- إلى حالة الصراع بين خطابين (أو أكثر) غير متجانسين ولا يمكن حلهما بشكل منصف بسبب عدم وجود افتراضات محددة تنطبق على جميع الأطراف المعنية. وينشأ هذا الوضع عندما يتم تنظيم "الصراع الذي يعارضهم في لغة أحد الطرفين بينما لا يتم الإشارة إلى الخطأ الذي يعاني منه الآخر في تلك اللغة. لا يمكن لأي حكم يصدر في هذا السياق إلا أن يخطئ أحد الجوانب لأن قواعد نوع الخطاب الذي يحكم فيه ليست من النوع الخطاب المحكوم عليه. يمكن أن يؤدي التطبيق الإجرائي المتساوي لأنظمة القيم المتعاكسة الثنائية إلى تفاوتات عميقة وموضوعية بطبيعتها.[12] إذا كانت "كل المعرفة"، كما يوحي نهج ما بعد الحداثة، "تستند إلى الظلم"، وإذا "لم يكن هناك حق، ولا حتى معرفة الحقيقة أو أساسها"،[13] فقد يعترض المسلمون التقليديون والأصوليون قائلين: أين يُترك هذا القرآن والتقليد النبوي والوحي الإسلامي كمصادر للمعرفة؟ أين يترك هذا الإسلام بالنسبة للمسلمين؟ إن من يدعي الحقيقة، ويحدد مصدرها من خارج التاريخ، لا يمكن أن يتخلى عن حقوقه في العدالة والعالمية دون التخلي عن جوهره الخاص.

لا يمكن أن تسمح إعادة التفكير في الإسلام بأي مقياس بمثل هذه التناقضات. ومع ذلك، يفترضها أركون ومن غير تردد عن طريق الخوض في الأمور المعرفية وتجاهل الكوزمولوجيا والمعيارية. ونتيجة لذلك قد يُنظر اليه ان قد فشل في إثبات تفوق منهجه أو مطلبه في حقيقة الاتجاه او الميل للعالمية.[14] إن أركون-المشتكي في موافقته المتضمنة في المنطق القائل بأنه "فقط ما يمكن التحقق من صحته في ظل نظام الأدراك هو الحقيقي،[15] يحاول إثبات أي ضرر يدعيه معرفياً، بينما – يراه المسلمون المذكورين صفة- يتجاهل قواعد المرجعية الذاتية الإسلامية. فإذا كان نظام العبارات التي ينتمي إليها المشتكي يختلف عن العبارات المعرفية، وبالتالي يختلف بالضرورة عن نظام المحاكم الوحيدة التي يمكنه أن يلجا اليها، فمن المؤكد أنه سيفقد دعواه. هذا هو الحال، على سبيل المثال، مع فلسفة لا يمكن أن يقتصر نظام عباراتها من خلال فرضية على النظام المعرفي.[16].

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1], Arkoun, (1994) Rethinking Islam trans. by Robert D. Lee, (Boulder: Westview Press).123.

[2] Arkoun, (1994) Rethinking Islam.127.

[3] Arkoun, (1994) Rethinking Islam. 125.

[4] Arkoun, (1994) Rethinking Islam.174.

[5] Arkoun, (1994) Rethinking Islam. 121.

[6] Arkoun, (1994) Rethinking Islam.9.

[7] Arkoun, (1994) Rethinking Islam. 121.

[8] Arkoun, (1994) Rethinking Islam. 124.

[9] غليون، برهان ، اغتيال العقل، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1990 ، 254.

[10]Arkoun, (1994) Rethinking Islam.121-2.

[11] Foucault, Michel 1972. The Archeology of Knowledge, trans. A. Sheridan (New York: Pantheon).205.

[12] Lyotard, Jean, Francois (1988) The Differend: Phrases in Dispute (Minneapolis: University of Minnesota Press).  xi.

[13] Foucault, Michel .(1977) Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and Interviews, trans. Donald F. Bouchard, and Sherry Simon (New York: Cornell University Press).163.

[14] Arkoun, (1994) Rethinking Islam.123.

[15]. Teubner, Gunther, (1989) "How the Law Thinks: Towards a Constructivist Epistemology of Law,'' Law and Society Review, Vol. 23, No. 5.

[16] Benjamin, Andrew, ed. (1989) The Lyotard Reader (Oxford: Basil Blackwell).353.

 

علي رسول الربيعي11 - ما الذي تلزمنا به  ثيودسيا إيرينا؟

إنها تلتزم برفض مذهب المتعة، وقبول الإرادة الحرة، وقبول الفضيلة التي يتم التوصل إليها بعد مجاهدات حيث يمكن أن يكون لها قيمة أكبر. وتؤدي إلى معتقدات حول مقاصد الله في خلقنا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

حاتم حميد محسنعادة يجري الحديث عن السوسيولوجي كـ "علم جديد". وهذا صحيح بمعنى معين، غير ان الفكر الاجتماعي هو قديم قدم التاريخ، وان الفلسفة الاجتماعية كحقل منظّم وُجدت منذ ارسطو. ولذلك، يمكن الحديث عن السيوسيولوجي كعلم جديد فقط بمعنى خاص. عندما ندرك ان السوسيولوجي هو فقط الجهد المبذول لتطبيق طريقة القياس الكمي على الظاهرة الاجتماعية، وتفسيرهُ لهذه الظاهرة فقط كتجسيد معقد لقوى العالم الفيزيائي، عندئذ سيكون لدينا التبرير في اعتباره كعلم جديد، لأن السوسيولوجي بهذا المعنى هو نتاج الوضعية الحديثة. ولكن اولئك الذين يرفضون النظرية الميكانيكية للمجتمع، ويرفضون ايضا فكرة ان التفسير العلمي له يعتمد على تلك النظرية، ليس لهم الحق في التحدث عن السوسيولوجي كعلم جديد. عندما نعتبر السوسيولوجي الحديث كـ "دراسة اكثر نقدية ومنهجية للواقع الاجتماعي، "نحن لن نجعله علما جديدا"، وانما كعلم اعيد تجديده وتنظيمه. ان بداية السوسيولوجي كعلم بهذا المعنى بالتأكيد تكمن في الماضي البعيد عن العصر العلمي الحديث.

اوكست كومت ايضا جرى الحديث عنه كمؤسس للسوسيولوجي. صحيح انه اخترع اسم "سوسيولوجي"، ولهذا فان العالم مدين له. لكن ما يرمز له كومت حقا في تاريخ الفكر الاجتماعي هو النظرية الميكانيكية او الفيزيائية للمجتمع. بالنسبة له يرى ان "الفيزياء الاجتماعية" و"السوسيولوجي" مصطلحان بمعنى واحد، طالما في رؤيته ان ظاهرة العالم المادي وعالم المجتمع هما من نوع واحد. وبالتالي، هو اقترح تفسيرا لظاهرة المجتمع وفقا لعلاقته مع الكون الفيزيائي . اذا كنا نعني بالسوسيولوجي دراسة المجتمع من تلك الزاوية، فان كومت يبدو يستحق بجدارة اسم "مؤسس" العلم، لكنه لا يستطيع نيل الاعتراف به كمؤسس لعلم المجتمع من جانب اولئك الذين يرفضون افتراضاته المادية، مع انهم يعترفون تماما بخدماته لذلك العلم حين جادل بضرورة تحريره من التكهنات ومن اللاانسجام. الدراسة العلمية للمجتمع، بهذا المعنى من التحليل الاجتماعي، يمكن تعقّبها من خلال عشرات المفكرين رجوعا الى فترة الفلسفة اليونانية. ما لم يُقبل اساس خاص للتمييز بين العلم والفلسفة، فان ارسطو بدلا من كومت يمكن اعتباره أول من حاول جادا ايجاد علم المجتمع. هو اول من حاول منهجيا جمع وعقلنة المعرفة حول الناس في المجتمع، وهو لهذا يكون خلق وجودا موضوعيا في تأسيسه للسوسيولوجي باعتباره فلسفة اجتماعية عامة.

ربما يعارض البعض بان ارسطو لم يحقق في الظاهرة الاجتماعية عامة، وانما فقط الظاهرة السياسية ، ولهذا، من الملائم وصفه كمؤسس للعلوم السياسية والتي هي ليس سوسيولوجيا وانما فقط واحدة من بين عدة علوم اجتماعية معينة. ان فحص كتاب السياسة (politica)، سيكشف حقيقة ان ارسطو يتعامل فيها مع عدة اشياء تتجاوز حدود العلم السياسي. الحقيقة هي ان ارسطو ونظرية الحياة الاجتماعية للانسان ككل، والسياسة تحتوي على فلسفة اجتماعية بالاضافة الى سياسية. السياسة يمكن حقا وصفها كنظام للفلسفة الاجتماعية وُضع من وجهة نظر الدولة، وهي وجهة نظر اتخذها كل من كومت وسبنسر، وسيتخذها معظم السوسيولوجيون عاجلا ام آجلا، لأن الدولة هي المؤسسة او الوحدة الطبيعية لكل الافكار الاجتماعية. لذلك، فان الموقف العام لارسطو، يمكن اعتباره نفس موقف السوسيولوجي بالمعنى الملائم للكلمة. في الحقيقة، ربما من الملائم القول انه يبدو يتعامل مع علم وفن الحكومة فقط على نحو ثانوي، لأن الكتب الثلاثة الاخيرة فقط من السياسة خُصصت جديا لذلك الموضوع.

اذا لم يكن ارسطو فقط فيلسوفا اجتماعيا، وهو أول من وضع الفلسفة الاجتماعية على اساس علمي محدد من الحقيقة، عندئذ فان السوسيولوجي الحديث سيقوم بعمل رائع عندما يحقق في طريقة ارسطو ونظرياته السوسيولوجية . عمله سيلقى الثناء لأنه سيجد في كتاب (السياسة) أصل العديد من النظريات الحديثة والعديد من النظريات القديمة التي لاتزال تستحق الإعتبار. نعتقد تماما ان نظريات ارسطو لاتزال تستحق النظر من جانب العلماء و المفكرين الاجتماعيين الحديثين، سوف نستعرض باختصار وبلغته الخاصة النقاط المهمة في فلسفته الاجتماعية.

شكلان للارتباط

يبدأ ارسطو بافتراض بسيط بان هناك شكلان أساسيان للارتباط الانساني human association، ارتباط الذكر مع الانثى لأجل التناسل، وارتباط الحكام الطبيعيين والرعايا الطبيعيين لأجل السلامة. كلا هذين الشكلين من الارتباط هما طبيعيان وليسا تشاوريين، وكلاهما تجسدا في رب المنزل في شكله الاولي او المبسط. كل الارتباطات الاخرى للانسان نتجت عن هذين الارتباطين الأساسيين. رب المنزل، مثلا، هو ارتباط طبيعي تشكّل لتلبية الحاجات اليومية. القرية في شكلها الطبيعي هي ايضا مشتقة من رب المنزل، انها أبسط ارتباط بين العديد من ارباب المنازل لأجل أهداف ليست مؤقتة. اخيرا، الدولة هي ارتباط مركب من عدة قرى في شكلها التام. معيارها هو استقلال تام، اكتفاء ذاتي وحكم ذاتي. وكما في رب المنزل والقرية، الدولة لها وجود طبيعي، فيه ابسط اشكال الارتباط يحقق التطور التام لها.

وهكذا، الدولة هي مؤسسة طبيعية، والانسان هو حيوان سياسي طبيعيا. الانسان الذي بلا دولة، او الفرد الذي لا يعيش في مجتمع منظم، اذا كانت عزلته طبيعية وليست عرضية، فهو اما انسان عملاق او ذو مرتبة متدنية في درجة التطور . كذلك، الحوافز للارتباط الاساسي هي فطرية، حتى عندما لاتوجد هناك حاجة للخدمات المتبادلة، يبقى الناس أقل قلقا للعيش مع بعضهم ولكن في نفس الوقت يجب ان لا يُنكر ان المزايا المشتركة للجميع هي ايضا حافز للاتحاد. الحياة الاجتماعية المنظمة هي ضرورية لوجود الانسان كانسان، هذا الانسان الذي هو غير قادر على الارتباط مع الآخرين او هو مستقل وليس لديه حاجة لمثل هكذا ارتباط فهو اما وحشي او إله. الفرد الانساني كان قد تطور في ومن خلال المجتمع. لذلك، فان الدولة في نظام الطبيعة سابقة على الفرد، مثلما الكل يجب ان يسبق اجزائه، الفرد خارج الدولة فقد وظيفته كفرد.

اخيرا، الانسان هو حيوان سياسي بمعنى أعلى من النحلة او أي مخلوق اجتماعي، لأن الانسان هو الحيوان الوحيد الذي وُهب القدرة على الكلام. الحيوانات الاخرى لا تتقدم الى ما وراء تصور الألم والمتعة ونقلها تلك التصورات الى حيوان آخر عبر الصوت فقط. من جهة اخرى، الهدف من الكلام، هو للاشارة الى المزايا والعيوب ومن ثم ايضا الى العدالة واللاعدالة. الفعل العادل هو، طبقا لذلك، مقيد بوجود الدولة، وان المجتمع الانساني المنظم، باختصار، له اساس اخلاقي بالاضافة الى الطبيعي. هذه نظرية ارسطو في أصل وطبيعة المجتمع الانساني، وهي نظرية مالت البحوث اللاحقة لتأكيدها.

القانون

بعد عرضه لفلسفته الاجتماعية، يتقدم ارسطو الى دراسة ما يسميه "القانون" او علم رب المنزل طالما رب المنزل هو العنصر المكون الاساسي للمجتمع المنظم. علم رب المنزل يقسمه ارسطو الى ثلاثة اقسام، تتطابق مع العلاقة بين السيد والعبد، الزوج مع الزوجة، الاب مع الاطفال. الى هذه الاجزاء الثلاثة يُضاف جزء رابع وهو فن الحصول على النقود. ارسطو يدافع عن العبودية. نظريته هي ان هناك افراد تكون لهم حياة العبودية عادلة وذات مزايا، هناك عبيد طبيعيين، الذين هم بالطبيعة ليسوا أسياد انفسهم، وانما يعودون الى شخص آخر. في الحقيقة، ان مبدأ الحكم والخضوع rule and subjection هو مبدأ عالمي في كل الطبيعة، وهو بنفس المقدار مفيد وحتمي. عندما عدة أجزاء تتحد لتشكل كُلّ واحد مشترك، فان علاقة الحاكم والمحكوم تجسد ذاتها بأشكال مختلفة. لذلك، فان علاقة السيد والعبد هي ليست الا تجسيد واحد لمبدأ الحكم والخضوع هذا الذي يبقى عموما صالحا في كل الطبيعة. اولئك الذين هم فقط كائنات عقلية يفهمون العقل بدون امتلاكه هم عبيد طبيعيين. لكن العبودية الطبيعية يجب ان لا تلتبس مع العبودية القانونية. العبودية القانونية هي صحيحة جزئيا وخاطئة جزئيا ايضا.

في بعض الحالات العبيد الحقيقيين ليسوا عبيدا طبيعيين، ولكن من جهة اخرى هناك حالات لا يوجد فيها هذا التمييز وتكون العلاقة بين السيد والعبد عادلة ومفيدة بشكل متبادل. حيثما تكون العلاقة طبقا لقانون الطبيعة، ستكون هناك فائدة متبادلة وصداقة بين السيد والعبد. ولكن العكس يحصل عندما تكون العلاقة غير طبيعية وتعتمد على القانون او القوة.

قيمة النقود

بعد هذا النقاش عن العبودية، يخصص ارسطو اهتماما لا بأس به الى فن الحصول على النقود او التمويل. موقفه هذا هو الذي يميز كل العالم القديم. هو لم يفضل اكتساب النقود لأجل النقود. يجب ان يكون هناك حد معين لملكية المرء، المقدار يجب ان يكون كاف للاستقلالية ولحياة جيدة، وليس اكثر. وظيفة المالية الحقيقية ليست اكتساب النقود فقط، هدفها هو في شيء وراء مجرد التراكم، هو في العيش الجيد. ارسطو ينظر بعدم ارتياح للتجارة والسعي التجاري، لأنه يعتقد ان الجهود الزراعية هي المصدر الوحيد للثروة الحقيقية.

هو لم يشر الى التصنيع، لأن التصنيع في ذلك الوقت يتم تضمينه ضمن الاعمال الزراعية ان لم يكن صُنف ضمن الفنون. المالية، بمقدار ما هي تتبع الطبيعة، كما يقول، تعتمد عالميا على ثمار الارض والحيوانات. ومن هنا ايضا، تأتي معارضة ارسطو للفائدة. هو يقول، في كل اشكال الحصول على النقود لا شيء يستحق الاشمئزاز مثل اخذ الفائدة، لأنه عبر الفائدة تكون ، النقود ذاتها تنتج المكاسب، بدلا من خدمة الهدف الذي خُلقت لأجله. لا شكل من أشكال الحصول على النقود يسبب المزيد من الأذى للطبيعة كهذا.

وبالنسبة للعلاقات الطبيعية بين الزوج والزوجة، الوالدان والاطفال، هي مشابهة في احدى الحالات، كما يقول ارسطو، للعلاقة بين الحاكم والمحوم في ظل شكل دستوري للحكومة، وفي حالات اخرى، للعلاقة بين الملك ورعيته. الزوج اوالاب هو طبيعيا رئيس شؤون المنزل. حكمهُ للزوجة والاطفال هو في كلا الحالتين حكم لأفراد متحررين . في الاولى يُفترض ان كلا الحاكم والمحكوم هما طبيعيا متساويان ولا تمييز بينهما، بينما في الاخيرة المبدأ هو ان الحاكم يجب ان يتميز عن رعاياه بالطبيعة ولكنه واحد معهم في العرق .

طبيعة الدولة

الكتابان الثاني والثالث من السياسة ربما يتم تجاهلهما، النقاش فيهما في معظمه من وجهة نظر اجتماعية عامة، ربما من الملائم الادّعاء انهما يعودان للفلسفة السياسية، حتى في المعنى الصارم. في الكتاب الثاني يناقش ارسطو الأشكال المختلفة للمنظمات السياسية او الاجتماعية، يبدأ ببرنامج كان قد اُقترح في جمهورية افلاطون. العديد من الأضواء الجانبية اُلقيت على نظرية ارسطو الاجتماعية في هذه النقاشات لمختلف انواع السياسات. في الكتاب الثالث هو يناقش طبيعة الدولة. هو يعرّف الدولة كاتحاد من العوائل والقرى ضمن وجود تام ومستقل، وهو التعريف الذي يسر الفيلسوف الاجتماعي بدلا من العالم السياسي. يرى ارسطو ان الاتحاد المحلي او الاتحاد لمنع أذى متبادل او لتعزيز تبادل تجاري، لا يمكن ان يشكل الدولة، لأن كل هذه الشروط لاتعني بالضرورة الدولة. الدولة تُدرك فقط عندما يكون هناك اتحاد من العوائل وأرباب المنازل ضمن عيش جيد مع رؤية لوجود مستقل وتام. ولكن في كل هذا من الواضح ان ارسطو يجسد مثالا اجتماعيا، هو ترك وجهة النظر السياسية الصارمة لأجل رؤية أوسع للفلسفة الاجتماعية . لهذا فان عقيدة ارسطو بطبيعة الدولة، ربما توصف كعقيدة في الفلسفة الاجتماعية. الكتاب الرابع هو نقاش لطبيعة الحياة المرغوبة للدولة. انه يجسد عقيدة ارسطو في المجتمع التام، وفي أخلاقه الاجتماعية. ان حياة الدولة المرغوبة اكثر لا يمكن معرفتها ما لم نعرف طبيعة الحياة الأكثر رغبة للفرد. عناصر الرفاهية او الحياة السعيدة للفرد حسبما يقول ارسطو هي ثلاثة، الخيرات الخارجية، خيرات الجسم، وخيرات الروح. الانسان السعيد يجب ان يحوز على جميع الخيرات الثلاث، ولكن في نسب مختلفة. بما ان الخيرات الخارجية، مثل الوسائل، لها حدود معينة وهي منفعتها، يتبع ذلك ان الفائض منها اما ان يكون مؤذيا او لا نفع فيه للحائز عليه. اما خير الروح فانه كلما كان اكبر، كلما كانت منفعته اكبر. انه لأجل الروح ان يكون الجسم والملكية مرغوبان طبيعيا ويجب ان يكونا مرغوبين من جميع الافراد . لهذا، تعتمد سعادة الفرد على خيرات الروح التي هي الشخصية والذكاء. ونفس الشيء يصح على الدولة. أحسن دولة هي تلك التي تكون سعيدة وتعمل جيدا، ولكن يستحيل ان تكون سعيدة وتعمل جيدا بدون التصرف بفضيلة، وان فضائل الدولة هي بالنتيجة والشكل مشابهة لتلك لدى الافراد. لذلك، فان أحسن حياة، سواء كانت للفرد ام للدولة، هي التي تحوز على فضيلة مصحوبة بمزايا خارجية لدرجة تكون قادرة على التصرف طبقا للفضيلة. لذلك فان أحسن سياسة، هي بالضرورة النظام الذي في ظله يمكن لأي شخص عمل الأفضل والعيش بسعادة. لكن السعادة يجب تعريفها كـ عمل خيّر، لأن الفعل من اي نوع هو الغاية لكل من حياة الفرد وحياة الدولة.

الديناميكية الاجتماعية

لا شكوك لدى ارسطو حول الكيفية التي تدرك بها الدولة المثال الذي هو يبنيه لها. هو لديه نظرية في الديناميكية الاجتماعية بالاضافة الى الاخلاق الاجتماعية. السلوك الفاضل للدولة، كما يقول، ليس مسألة حظ، وانما المعرفة والهدف الأخلاقي. مثل هذا الشخصية يتم ادراكها فقط عندما يكون كل المواطنين الذين يتمتعون بالحقوق السياسية هم فضلاء. النقطة التي يجب دراستها، هي الوسائل التي بواسطتها يصبح الانسان فاضلا. الآن هناك ثلاثة وسائل يصبح بها الفرد خيّرا وفاضلا، وهي الطبيعة والعادة والعقل. الطبيعة هي معطى وهي وراء سيطرتنا، لكن العادة والعقل هما مسألة تعليم. التعليم يتألف من جزئين، التعوّد والتوجيه المباشر. تعليم العادات يجب ان يسبق تعليم العقل، وان تعليم الجسد يجب ان يسبق تعليم المعرفة . ولكن عندما يكون العقل او الفكر هو الغاية وهو التطور التام لطبيعتنا، فاننا يجب ان ننظّم تدريب العادات. وعليه، فان تعليم البدن يجب ان يسبق تعليم الروح، وتعليم الجزء غير العقلاني من الروح او الرغبات الشهوية، يجب ان يسبق تعليم الجزء العقلاني، الفكر، لكن تعليم الرغبات الشهوية هو لأجل الفكر، وان تعليم الجسد هو لأجل الروح. ولهذا فان المبدأ الذي يجب ملاحظته في التعليم كما في أي شيء آخر، هو ان الأدنى لأجل الأعلى.

لذلك، فان تعليم الشاب، حسب ارسطو، يجب ان يحظى باهتمام اساسي من المشرّع. الاشراف على مثل هذا التعليم حسبما يذكر يجب ان يكون شأنا عاما بدلا من ان يكون بأيدي الخاصة. وانه من غير الصحيح الافتراض ان أي مواطن هو سيد نفسه في هذا الشأن، ولكن بدلا من ذلك فان الجميع ينتمون الى الدولة، لأن كل فرد هو عضو في الدولة والإشراف على أي جزء هو نسبي للكل. كذلك، ان التعليم العام لكل المواطنين يجب ان يكون واحدا وذات الشيء. لأنه في جميع الدول ولمدى معين كل المواطنين يجب ان يشاركوا في تغيير الحكم والخضوع له. بما ان نفس الفرد يصبح رعية اولاً وحاكم لاحقا، فان المشرع يجب ان يسعى من خلال التعليم ليجعل كل الناس خيّرين. لكن النظام التعليمي يجب دائما ان يكون نسبيا من حيث السياسة المعينة التي يوجد فيها. فيما يتعلق بالسمة العامة للتعليم، يجب ان يكون ليبراليا ونبيلا وان العنصر النفعي يجب ان يكون ثانويا. المواطنون يجب ان يُعلّموا ما هو مفيد و لا غنى عنه ، وان يبقى اخلاقيا في ذاته. يجب على التعليم ان يناسب الناس ليس فقط للانخراط الملائم في الأعمال، وانما لقضاء أوقات فراغهم بنبل، لأن الاستخدام المناسب للفراغ يتطلب درجة من الفضيلة أعلى مما في الأعمال او الحرب. اخيرا، الغاية التي يجب ان يسعى اليها التعليم هي دائما السمة الأخلاقية للمواطن، لأنه كلما كانت هذه السمة أعلى، كلما كانت السياسة التي تنتجها أرقى. كان هذا عرضا مختصرا للفلسفة الاجتماعية لارسطو، لكن لازلنا لم نلامس بعد ثراء الاقتراح الذي يكشف عن نفسه للطالب الذكي في صفحات السياسة.

طريقة ارسطو

ان القيمة الرئيسية التي يحصل عليها السوسيولوجي الحديث في دراسته لارسطو تكمن في مسألة الطريقة. طريقة ارسطو كانت في كليتها واقعية واستقرائية لكنه مع ذلك كان فلسفيا في الروح التي يتعامل بها، دون تحيز او اتخاذ رؤى أحادية الجانب. هو بدأ بحقائق عن الناس في المجتمع الانساني عندما جسّدوا انفسهم له، وسعى لتوضيحها في طبيعة الانسان، بدون اي افتراضات ميتافيزيقية حول علاقة الانسان ببيئته الفيزيائية. في هكذا توضيح للمجتمع الانساني المرتكز اساسا على الانسان بدلا من الكون الفيزيائي، كان ارسطو علميا حقا في طريقته. هو ايضا سعى للاستدلال من بيانات ميدانية خالصة وصولا الى مبادئ عامة رابطا استنتاجاته بكل الحقائق العلمية. وهكذا، كانت طريقته منسجمة مع التراكيب synthesis الواسعة التي سعى اليها، انها كانت فلسفية وان تفسيراته للمجتمع اتخذت شكل فلسفة اجتماعية عامة كانت في اتفاق مع نظامه الفلسفي الكلي. في كل هذا كان ارسطو مخالف بقوة لكومت. لاشك ان كومت كان محقا عندما عارض الطريقة الحقيقية للسوسيولوجي تجاه الفلسفة التأملية وأعلن فصل الاولى عن اللاحقة. لكنه كان مخطئا في فصل السوسيولوجيا عن الفلسفة، كما فعل عبر إنكار السمة الايجابية لكل المعرفة التي تجاوزت "الفيزياء الاجتماعية". الفلسفة كما هي العلوم تميل كثيرا وكثيرا لإفتراض سمة غير تأملية وبناء نفسها على اساس من الحقائق. لهذا فان الفلسفة الحقيقية والعلوم الاجتماعية الحقيقية لايمكن معارضة بعضهما البعض، كما رأى ارسطو ذلك بوضوح. وبالعكس السوسيولوجي يجب، لكي يكون شيء ما اكثر من مجرد تقسيمي اوتفسير احادي الجانب للمجتمع، ان يتخذ سمة فلسفية، أي، كما قيل من جانب البروفيسور A.W.Small ، "المجتمع لكي يستحق الاحترام يجب ان يصبح جزءا مصادق عليه من الفلسفة العامة".

كلمة اخيرة

قبل طرح استنتاج لهذه الورقة يجب ان نلاحظ طريقتين خاطئتين لدى العديد في رؤيتهم للفلسفة الاجتماعية لارسطو. احداهما هي موقف الانسان الذي ينظر لارسطو كسلطة لا اعتراض عليها، حيث يفترض ان نظرياته الاجتماعية هي شيء نهائي، نظامه تام جدا وكامل لدرجة يجب علينا فقط الالتفات اليه لنجد الحقيقة الكاملة. الطريقة الاخرى هو موقف الانسان الذي ينظر للفلسفة الاجتماعية لارسطو كما لو كانت نتاج للقرن التاسع عشر، فيه نسيان لظروفه الاجتماعية واعتباره فقط كنتاج للعقل، وليس ايضا كنتاج لظروف زمانه. ارسطو يجب ان يوضع في بداية الفلسفة الاجتماعية وليس في نهايتها. فقط لأنه كان اول مفكر علمي اجتماعي حقيقي، لا يجب لنظرياته ان تؤخذ كنهائية ولا ان تُعتبر كتجسيد للحقيقة التامة. ولا يجب ايضا ان تُلام نظرياته بشكل متسرع لأنها في أماكن معينة تزعج شعورنا الحديث او تفشل في الانسجام مع الظروف الحديثة. الاستحقاق الحقيقي لها يمكن تصوّره فقط عندما يُنظر اليها ضمن منظورها التاريخي. عند اعتبارها كنتاج للحياة اليونانية والنظر اليها كمحاولة اولى لانجاز فلسفة متسقة ومنهجية للمجتمع الانساني، حينذاك ستكون لنظريات ارسطو أهمية مضاعفة وقيمة مضاعفة للمفكر الاجتماعي في الوقت الحاضر.

لهذا السبب، وبالاضافة الى اسباب اخرى، يمكن ان تؤخذ فلسفة ارسطو الاجتماعية كنقطة انطلاق من جانب المبتدئ في السوسيولوجي. هدوء تفكير ارسطو وصحة نظرياته مقارنة بالعديد من الكتاب الحديثين، سيكون مصححا مفيدا وصحيا للكثير من التأملات "العلمية" للحاضر، كذلك ان وجهة النظر التاريخية المعروضة عبر اتخاذ ارسطو كنقطة انطلاق ستمنع التلميذ الشاب من السقوط في العديد من حالات سوء الفهم.

اتخاذ ارسطو كنقطة انطلاق وملاحظة تطور الفكر الاجتماعي منذ ايامه سيوضح بإعجاب مناخ التأمل الاجتماعي، بينما ستبقى بعض مفاهيم اليونان القديمة عن الانسان والمجتمع مفيدة وتستحق الاحترام.

 

حاتم حميد محسن

...........................

Aristotle as a sociologist, Annals of the American Academy of political science, volume 19(1902).

 

 

علي رسول الربيعيهل يتوافق عقاب الله لمرتكبي الكبائر من الذنوب يوم القيامة مع كونه رحيما؟

 هناك من يؤمن بالجنة والنار والعقاب على الإثم؛ ولا يعتقد أن الله يعاقب البشر. ولكن يرى نحن نعاقب أنفسنا إذا فصلنا أنفسنا عن الله، سواء بشكل مؤقت أو دائم، وكذلك أنفسنا من تحقيقنا الأعلى وسعادتنا.  فيرى نحن مخلوقون من أجل الله، وبدون الله سنكون بائسين. وإن أسوأ طريقة لمعاقبة أنفسنا هي رفض الله بشكل دائم وإلى الأبد. وسيكون هذا لعنة أبدية. بينما يمكن للكائنات الحرة أن تختار هذا، لكن هل حدث هذا من قبل؟ إنه يستمر في منح الناس فرصة ثانية (وثالثة و ...) للتغيير، وبذلك يتم إنقاذ الجميع في نهاية المطاف.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

علي رسول الربيعييحاول حنفي تجاوز الممارسات النقدية لاقتراح استراتيجيات للخطاب تتناول ما يراه التحدي الأساس الذي يواجه الأمة الإسلامية اليوم وهو معضلة الحفاظ على الهوية-الاسلامية في عملية التلقي من الثقافات والحضارات الأخرى. لقد اقترح بديلًا منهجيًا يتمثل فيما أطلق عليه " الاستغراب" الذي يعبر عن طريقة أدراكه للمشاكل المتعارضة التي ينطوي عليها التسلسل الهرمي المعرفي. كان هدف حنفي المباشر هو وقف وعكس عملية التغريب التي تبدو بلا عوائق في تغلبها على العالم الإسلامي وذلك من خلال محاولة إعادة بناء الهوية الإسلامية للتغلب على اغترابها، حيث تتعرض الطبقات العليا في المجتمعات الإسلامية الى حالة من الاغتراب لم تعد قادرة معها على التعرف على نفسها من خلال تراث وتقليد يُنظر إليه على أنه راكد ومتحجر. فقد اختاروا بدلاً من تحمل مسؤوليتهم تجاه تراثهم من خلال تغيير تكويناته، وإعادة ضبط محاوره، والاختيار من بين مقولاته الانغماس الأسهل وغير المقيد في نظام فكري غريب. يهدف الاستغراب، وفقًا لحنفي، إلى إعادة تلك الفئات الاجتماعية المنفصلة إلى حيث تنتمي. إنه يشكل خطوة أولى ضرورية نحو تقييد الحضارة الغربية والتخفيف من ثقلها الكبير الذي يلقي بظلاله على الإبداعات البديلة.

يعكس تعقيد هذا الموقف السيولة القطبية المرتبطة بالتركيز على الذات والرفض من جهة، والانهيار في حدود الاعتماد على المحاكاة من جهة أخرى. يشكل حل هذه المفارقة، بحسب حنفي، المهمة الحضارية للمسلمين المعاصرين. فمطلوب ضمن هذه المهمة، تقييم التراث الإسلامي والغربي بشكل نقدي وموضوعي من وجهة نظر تتجنب الاعتذار أو الإدانة. تظل هذه عملية قابلة للتطبيق على كل من التراث والتقليد. يحرض حنفي في هذا السياق على الابتكار المنهجي بوصفه ذو أهمية كبرى حيث تفقد بدونه الديناميات الحضارية الداخلية حيويتها خلافا للتقليد، الذي يؤكد بشكل صحيح أنه "ليس مصدرًا للمعرفة".[1] إن هذا الجهد لإعادة البناء كعمل إبداعي قادر على تلبية هذه المتطلبات لا يسمح فقط بالتفاعل الحضاري المثبت والمحدد من قبل الذات، ولكن أيضًا من أجل النقل المجدي وتكييف عناصر التجربة مع الاحتياجات والمتطلبات الأخرى. يمكن بعد ذلك فهم الحضارة الغربية السائدة في سياق تطورها التاريخي الخاص. ويمكن، بالتوازي مع ذلك، تطوير مقاربة تفصل منهجيا الترابط الذي يبدو مستعصًا على الحل بين الحداثة والغرب.

على الرغم من مقاربته للتيارات الفلسفية واعترافها بالأبعاد الذاتية المرجعية غير الخطية للتاريخ الإسلامي، إلا أن حنفي لا يتعمق بما فيه الكفاية في الآثار الكاملة لهذا التاريخ، أو في القوانين الدائرية للاكتفاء. وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه القوانين، فهو يتعامل معها إما بشكل سطحي أو محدود لدمجها بالشروط اللازمة للنهضة الإسلامية؛ أو يتوقف عن تحديدها بشكل صريح في أحسن الأحوال. وبذلك، فإنه يحد من الإمكانات الكاملة لنهجه "الاستغرابي". تعتبر شروط الاكتفاء ذات أهمية خاصة حتى لا نغفل عن حقيقة أن الموقف المخيب للآمال الحالي للمسلمين لم يتأتى لهم بسبب التفوق الفكري للغرب ومنه الاستشراق. ولكنه بالأحرى، قد تم إلى حد كبير كنتيجة للقوة المادية المتاحة لهم والتي بدونها ربما أصبح العديد من اتجاهاتهم غير مؤثرة أو غير ضارة. إن مواجهة الغرب على مستوى "الاستغراب" في ظل غياب العديد من القدرات التي جعلت الاستشراق فاعلًا قد يقلل من التحدي إلى مجرد فضول فكري. قد يساهم الاستغراب عند حنفي، على مستوى الضرورة في إيقاف حالة الانكسار من أن تصبح غزوًا ذاتيًا داخليًا.  لكنه يبقى، بهذا المعنى، مجرد  رد فعل دفاعي. يظل التفاعل عملية تكيفية، يتم تحديدها إلى حد كبير من خلال تصرفات قوة مستقلة، وتخضع لمقتضياتها البيئية. وبالتالي، يظل ما قد يفعله أو لا يفعله المثقفون العرب والمسلمون نتيجة لمقررات الآخرين وانعكاسًا لمفهومهم الخاص.

لا يتوقف الإحياء على هذا النحو على مسائل العقلانية والتراث والثقافة فقط، ولكن عما ينتج من لقاء عدد لا يحصى من المصادفات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، التي توسع أو تحد من الآفاق التي تواجه الأمم التي تتطلع إلى التجديد. بعبارة أخرى، لا يوجد مخطط أو برنامج عمل أو إسقاط خطي محسوب كميًا لـ "النهضة". قد تتمكن التدرجات الخطية من تحديد النتائج (العلاقات بين السبب والنتيجة) ولكن لا تحدد العواقب في أحسن الأحوال.  فالعواقب هي نتاج الأحداث غير الخطية التي "لا يمكن التنبؤ بها بشكل حتمي".[2]  فبينما قد تعتمد الأحداث جزئيًا على الظروف المادية الموضوعية، إلا إنها ليست مقيدة فيهم بأي حال من الأحوال.  تفشل الخطية التاريخية، كتوجه أيديولوجي، بالضرورة، في الوفاء بوعود التقدم أو قول الكثير عن الأحداث التاريخية المستقبلية. لم يكن من الممكن أبدًا من خلال افتراضاتها نفسها، التفكير في شيء مثل الثورات، ولا يمكن أن يكون ممكنًا في هذا الصدد.  فإذا تم النظر إلى هيمنة الغرب، مثلا، في ضوء محاولات النهضة العربية/ الاسلامية على أنها حدث وليس كتقدم محدد خطيًا، هذا من شأنه أن يضع نظامها الحضاري في سياقه باعتباره محتملًا تاريخيًا بدلاً من كونه ضرورة عالمية. لن تكون الحضارة الغربية قادرة بعد الآن على المطالبة بالسيطرة على التاريخ وستصبح بدلاً من ذلك خاضعة لتقلبات الأحداث اللاحقة. على هذا النحو، يتوقف عن وضع قوانين للتاريخ، أو أن يكون قادرًا على إصدار إعلانات انتصارية حول نهاية التاريخ. وبالتالي، فإن فشل محاولات النهضة في العالم العربي، أكثر من كونها مجرد مسألة مصلحة غربية موضوعية، بل تشكل ضرورة ذاتية لا غنى عنها.

ومع ذلك، فإن عمل حنفي، على الرغم من كونه فلسفيًا بشكل عام ويريد ان يظل يحافظ على الدقة المنهجية، الا أنه عبر ايضًا عن محاولة لتوضيح وصياغة أبعاد المعارضة هذه. والأكثر من ذلك، أنه يساهم في عكس ترتيب الذاتي / الموضوعي الذي كان يحكم حتى الآن الكثير من التصورات الغربية والعربية/ الإسلامية المتبادلة. تكمن أهميته الرئيسة في الآفاق التي يفتحها لإدخال بعد معياري من خلال تقليص الجانب المعرفي إلى حدوده الطبيعية مما يسمح بفك اندماج هيمنة الحضارة الغربية عن المفاهيم المصاحبة للعالمية.  إن النهج المعرفي الذي يستوعب معايير نظام الأدراك الخارجي الذي أنتجه، في غياب الإغلاق المعياري، من شأنه أن يجعل الهيمنة مترادفة والعالمية. وبالتالي، فإن الطابع التاريخي للأول مرتبط بتاريخ الأخير. إن هذه العملية، كما في عمليات الإنتاج، والانحدار، والاتساق، والتناقضات في تجربة تاريخية نسبية تُظهر نفسها على أنها ديناميات الحتمية المطلقة والخطية. يستجيب الاستغراب، في هذا الصدد، الى الحاجة المتزايدة لخطاب تأسيسي يمكن من خلاله إطلاق النقد والارتباطات المضادة للخطاب. يهدف الاستغراب ومن خلال الانعكاس البنيوي لمنطقه إلى تغيير شروط التفاعل بشكل كبير.[3]

ومع ذلك، فإن التوسع إلى ما بعد تحديداته يظل ضروريًا من أجل تجنب الوقوع في "الفخ التفاعلي" الذي قد يقودنا الاستغراب إليه، ولإعادة تأسيس الاستقلال التاريخي غير الخطي للتاريخ الإسلامي. يتطلب تجنب هذا الفخ نظامًا منهجيًا وعمليًا للفعل، غير مثقل بالأمراض داخل الإسلام، أو أعباء النظريات البالية التاريخية. يجب أن يكون هذا مؤهلًا ولائقًا بالطبع من خلال الالتزام الضروري والكامل بالمقتضيات والأسس التي لا يمكن المساس بها للمبادئ الإسلامية وبنى الهوية. وطبعا كل ما تقدم هو حسب راي حنفي.

بناءً على تفاعل العناصر المكونة للاختلاف والاختيار الاجتهاد، والأبعاد الزمنية المقابلة لها - المستقبل والحاضر والماضي - قد يتطور التاريخ الإسلامي بعد ذلك. لم يعد الاجتهاد يعكس حالات منفصلة من الابتكار، ويصبح بدلاً من ذلك عملية توسع مستمرة. يجب أن يكون هذا النمط غير الخطي من النمو دائريًا، للسماح للمستقبل بأن يكون إلى حد كبير انعكاسًا للماضي. "وفقًا لهذا التكرار المبتكر، هناك بعض الحداثة في التكرار؛ كل دورة تحرك المجتمع على طول محور معين، كما قد يكون مصير الدورات المستقبلية غير محدد".[4] طبقًا لهذه المصطلحات، تفقد المفاهيم الخطية "الرجعية" و "التقدمية" للديناميكيات التاريخية الكثير من ملاءمتها ومعناها. عندما يتم استعادة الارتباط بين الماضي والمستقبل، والاستمرارية، فإن الانقسامات "التقليدية - الحديثة" لا معنى لها. وبالتالي، يجب إعادة العمل والقدرات الإسلامية على مستوى الاكتفاء من خلال تحول أولي غير خطي (دائري) من شأنه أن يسمح بالديناميات اللاحقة للفعل المستقل والمعنى. يترتب من هذا، أنه في حين أن قوانين الضرورة قد تكون معرفية، فإن مقدار الاكتفاء يجب أن يكون معياريًا مع تحديد الافتراضات المسبقة المطبقة على كليهما. وسيشكل الفاصل "الخطي" بين الاثنين فرقًا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1]  حنفي، حسن، (1991) مقدمة في علم الاستغراب، دار الفنية، القاهرة، ص 26-27، 83.

[2] Lazio, Ervin )1991) The Age of Bifurcation (Reading: Gordon and Breach). x.

[3]  حنفي، حسن، ( 1991)  مقدمة في علم الاستغراب، دار الفنية ، القاهرة ، ص 9 فمابعد

[4] Lazio, Ervin,(1991) The Age of Bifurcation .50.

 

علي رسول الربيعيقال أوغسطينوس1  إن حياتنا مضطربة وعشوائية لدرجة أنه من الصعب تمييز خطة إلهية وراءها. لكن رعاية الله لنا واضحة من العقل (كيف صمم الله أجسادنا بشكل جيد) والوحي (كيف عاش الأنبياء وماتوا من أجلنا). لذلك، من الأفضل أن ترى الله على أنه وضع لنا خطة غامضة.  هل نوافق؟

قد لا يوافق اللاهوتيون وعموم المؤمنون على هذا تماما.  فقد يقولون: يمكننا استيعاب جزء من خطة الله على الأقل.  لقد قصد الله أن نكافح لنحصل على الحكمة والمحبة في المواقف الصعبة والفوضوية. حياتنا بها تقلبات ونكسات ومآسي وأحداث مجنونة تربكنا وتتحدانا فتدفعنا إلى  ان تنمو الحكمة والمعرفة والمحبة  لله والكائنات الأخرى. وهذا هو ما قصده الله. وبالتالي فإن فوضى حياتنا هي جزء من خطة الله.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

  Augustine,"God's providence," in Swindal 2005: 107-11.

منقول من :

Swindal, James, and Harry Gensler (eds.) (2005) The Sheed and Ward Anthology of Catholic Philosophy, Lanham, MD: Rowman and Littlefield.

محمد لمعمر"ستالين ليس غلطة ماركس، وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه".  نيكولاس بولانتزاس

1- مشكلة نظرية الدولة

إن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي حدثت في أوربا على المستوى السياسي، غيرت الرؤية السياسية للراهن الأوروبي، الامر الذي يستدعي فهما سياسيا جديدا للربط بين الدولة والسلطة في عملية التحليل، والتوفر على أليات لفهم واستيعاب ماهية العلاقة الحميمية بينهما، بغية تفكيك التشابكات بين الدولة والسلطة، والطبقة الاجتماعية، خصوصا في زمننا المعاصر حيث توطدت السلطوية في الواقع، وانغرست في النفوس، وتضخمت الأنانيات. لذلك، لا بد من إبداع  نظريات سياسية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية الكبرى، أو إخراج بعض النظريات من عزلتها وغربتها، كالاشتراكية مثلا، وتوظيفها لتقديم تفسيرات للراهن السياسي المشوب بشوائب التبدل والتغير، آن أوان الماركسية لمساعدة العقل على الفهم والاستيعاب، في أفق بلورة نظريات سياسية واضحة المعالم حول الدولة، خصوصا، وأنه منذ ماكس فيبر كان التعامل مع الماركسية يتم بالتحاور معها بهدف نقدها لا إبراز جوانب القوة فيها، بهدف توظيف مفاهيمها وألياتها التي تساعد على التحليل السياسي في زمن تقوت فيه مكانة الدولة، وتوطدت المقاربة الأمنية، وتوسعت السلطوية، فانعكس ذلك سلبا على فئات عريضة، وطبقات اجتماعية[1].

وظيفة النظريات السياسية التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، والجواب دائما نفسه؛ الدولة أولا، ثم بعد ذلك القوى الاجتماعية الفاعلة والمجاورة لها؛ كالطبقات الاجتماعية، جماعات الضغط، الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الدولة للتحكم في بقية القوى المؤثرة في الفضاء العمومي[2]. بمعنى؛ يصعب الحديث عن نظرية سياسية حول الدولة في غياب المفاهيم الضرورية المساعدة على التحليل السياسي، وتفكيك منطق السلطة المتجلية في أجهزة  ومؤسسات  كقوى وإمكانات لضبط الجماهير وتوجيه الطبقات والاجتماعية والمؤسسات الفاعلة، ذلك هو هدف النظرية السياسية كنسق من المفاهيم والمبادئ المنظمة قليلا أو كثيرا والمطبقة في ميدان مخصوص، إنه المجال السياسي.

الدولة كمؤسسة، وفق تعبير ماكس فيبر، وككائن عاقل حسب هيغل، تتكون من نواة مركزية أساسية هي ذاتها، ومن عناصر أخرى يمكن أن تؤثر فيها الطبقات السائدة أو تتسلل إليها محدثة تغييرا وتأثيرا كبيرين. فالدولة، تتضمن في ذاتها عناصر صامتة خفية مضمرة يصعب فهمها وإدراكها، أما العناصر الأخرى، فيمكن للعقل إدراكها والوعي بها، وتحديد طبيعتها وعلاقتها التفاعلية مع القوى الاجتماعية[3]. لكن، الصعوبة هنا تتمثل في علاقة الفرد بالدولة، كيف يمكن للفرد أن يندمج في الدولة بشكل دقيق وصحيح، وبناء على أية أسس منطقية واجتماعية؟ بمعنى أخر أشد وضوحا، هل اندماج الفرد في الدولة يجعله يحقق مصلحته الخاصة معتبرا الدولة مجرد وسيلة أم أنه يحقق مصلحة الدولة كغاية في ذاتها؟

هناك من يجيب على هذا السؤال من وجهة نظر الماركسية، معتبرا أن أساس الدولة هو السلطة التي تمارس تأثيرها على الأفراد، وهي سلطة مرتبطة بطبقة سائدة ومسيطرة على بقية القوى المبثوثة في المجتمع، فهي التي تصنع الدولة وفق إرادتها، إنها هنا دولة الطبقة السائدة المسيطرة والمحتكرة للإنتاج المادي، وكل دولة بموجب التحليل السابق هي ديكتاتورية طبقة سائدة،[4] وهو الفهم الذي يجعل الدولة مجرد أداة لخدمة طبقة متحكمة، هذا التحليل يذكرنا بتحليل فريديريك إنجلز الذي يعتبر فيه أن الدولة ليست نظاما طبيعيا؛ فهي نتاج المجتمع في مرحلة معينة من تطوره، وليدة تناقضاته وصراعاته التي لا يمكن التوفيق بينها، فانقسام المجتمع إلى طبقات تتوسل المنفعة، وخوفا من ضياع الكل، فإن الضرورة فرضت وجود سلطة عليا من داخل المجتمع، تضع نفسها فوق الجميع، لكن، العيب أن الدولة التي من المفروض ، أن تفرض النظام والعدالة الاجتماعية، ستصبح شيئا غريبا، ومتناقضا، لأنها لا تحقق الحياد الاقتصادي والسياسي، إنها في الحقيقة تكرس دولة الطبقة القوى، الطبقة المسيطرة على الاقتصاد والسياسية، بحيث تبتكر وسائل لاستغلال واضطهاد الطبقة الضعيفة، ، بمعنى أن الدولة ليست نقطة توازن بين مصالح ومنافع، وإنما هي الأداة التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها.[5]

الرؤية السابقة للدولة تنظر إليها كأداة ووسيلة، وليس كغاية في ذاتها، والمشكل المترتب على ذلك ليس مشكل الطبقية في الدولة، وإنما مشكل الدولة في علاقتها بثنائية الغاية والوسيلة. إن الدولة شيء خاص ومميز ومعتبر، وله قيمة معتبرة، فهي بنية مادية، لا يمكن إخضاعها في نمط سلطة معينة ومحددة بدقة، وكأن هناك تمييز بين الدولة والسلطة، فالبورجوازية تلجأ إلى الدولة لتوظيفها واتخاذها وسيلة للسيطرة عليها أولا، والتحكم في مؤسساتها الفاعلة والحيوية لتحقيق المنافع والمصالح الطبقية ثانيا. هناك أيضا تفسير أخر للماركسية حول النزعة الاستبدادية للدولة، التي هي تعبير عن إرادة الطبقة السائدة أو إرادة السياسيين المأجورين، دون إهمال أن هناك تفسير ماركسي ثالث للدولة، يتمحور حول وجود نواة داخل الدولة، تعمل إلى جانب الطبقة السائدة، بحيث تصبح الدولة مزدوجة، فهناك الدولة الخاصة، التقنية، ذات الوظائف الاجتماعية، وهناك دولة أخرى، ما فوق الدولة، لنصبح في منطق دولة في دولة، فالدولة الفوقية، دولة البرجوازية والسلطة السياسية، التي تتحكم في الدولة الخاصة، وتجعلها وسيلة لتحقيق أهدافها. ذاك هو تفسير النزعة التكنوقراطية للدولة، حيث التركيز على المهام التقنية للدولة، خاصة المجتمعات الما بعد الصناعية.[6]

بمعنى؛ أن التفسيرات الماركسية المختلفة للدولة تشترك في كون الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة ووسيلة تستخدم من طرف قوى ما (الطبقة البورجوازية، التكنوقراط..) لجعل الدولة أوليغارشية، تحمي مصالح طبقة معينة، وفي ذلك نزوع نحو الاستبداد أو التسلط والهيمنة، لتحقيق مصالح فئوية، وفي هذه الحالة تصبح الدولة تابعة للطبقة السائدة والمسيطرة اقتصاديا وسياسيا. كل من ينظر إلى الدولة بناء على التوصيفات السابقة، يعرفها انطلاقا من وظيفتها الأداتية كجهاز يحتكر من طرف فئة ما، وليس بناء على كونها غاية في ذاتها.

إن الدولة كيان مادي لا يرتبط بالسيطرة السياسية، لأن مفاهيم السيطرة والقمع والتحكم مرتبطة بأجهزة الدولة وليس الدولة، أجهزة تتموضع عبر مؤسسات الدولة، أي أن الدولة ليست كيانا يمكن التحكم فيه ببساطة من طرف طبقة سائدة، علما أن هناك طبقة معينة داخل الدولة تترك أثرها في مؤسسات الدولة. الأمر الذي يتطلب البحث عن أسس البناء المادي للدولة والسلطات التي تبث الرعب والخوف وتؤثر في علاقات الإنتاج، وفي التقسيم الاجتماعي،[7] بهذه الكيفية يمكن أن يتشكل جهاز الدولة، ويعبر عن ذاته في المؤسسات، وفهم الأساس المشكل للرابطة النوعية بين الدولة والطبقات.

عنصر الربط بين الدولة والطبقات الاجتماعية يجد أساسه في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فكل تصور للاقتصاد، يرتبط بنمط الإنتاج أو نوع النظام السائد في مجتمع ما، وهو عنصر ثابت يوجد في جميع أنماط الإنتاج، يجعل الدولة تعيد إنتاج وتنظيم ذاتها بمساعدة تركيبة داخلية محددة، تتجلى في عنصر الاقتصاد. فهذا الأخير هو أساس التناقض أو الصراع كنتيجة للاستغلال وعلاقات الإنتاج السيئة المؤدية إلى سوء العلاقات الإنتاجية، حيث بزوغ الصراع الطبقي، وكأن المشكلة في جميع أنماط الإنتاج اقتصادية بالضرورة، وهنا يجب تحديد علاقة الدولة بالاقتصاد[8].

لو كانت الدولة هيئة مستقلة بذاتها، لتشكلت نظريات حولها، لكن، في ظل التباين بين المفاهيم السياسية حول الدولة ومفاهيم الاقتصاد، يصعب بناء نظرية أو التنظير للدولة، خصوصا وأن النظرية بناء مفاهيمي ومنهجي مؤسس على تعيينات ضرورية وعامة، تختلف من نمط إنتاج إلى أخر، الأمر الذي لا يساعد على تبلور نظريات للدولة، عكس الدولة الرأسمالية، حيث الفصل بين الدولة والاقتصاد، فصار بالإمكان الحديث عن نظرية حول الدولة، ومعها تتحدد معالم نظرية للاقتصاد الرأسمالي، وبموجبها يصوغ الانسان أسسا نظرية عامة للدولة[9].

وعليه، وفي ظل تباين المفاهيم، يصعب الحديث عن نظرية حول الدولة، تخص الماركسية الكلاسيكية. غير أن البعض يعترض على ذلك، بأنه توجد مقومات وأسس يمكن استثمارها لبلورة نظرية عامة حول الدولة، شريطة الابتعاد عن التصورات الميتافيزيقية للفلسفة السياسية، والابتعاد عن التنظيرات المجردة والعامة والفارغة من المعنى[10].

يعتبر نيكولاس بولانتزاس، أن للماركسية نواقص حول الدولة والسلطة، وهي نواقص يجب البحث عنها في المجالات التي تفتقر إلى تكوين نظرية، نواقص تتعلق بالدرجة الأولى، بالأسس النظرية العامة، مقدما مثالا على ذلك، الدولة في البلدان الاشتراكية التي يغيب فيها التحليل الملموس والمتطور للدولة. بمعنى أن بناء نظرية للدولة يتطلب تطوير المقولات العامة، وفي سياق تحليل الدولة الرأسمالية[11]. هذا هو المنهج الذي اتبعه بولانتزاس مبتعدا عن التحليل الهيغيلي والماركسي للدولة، حيث عدم الانطلاق من الدولة الرأسمالية في ذاتها كدولة، وكأنها النموذج الفريد والوحيد الذي يمكن الاستناد عليه، لبناء نظرية حول الدولة. بحيث يدعوا إلى ضرورة الوقوف عند الظروف التاريخية للرأسمالية، لا الدولة الرأسمالية، بهدف صياغة المقولات السياسية العامة ودراستها. لكن، هل يمكن للمقولات السياسية الرأسمالية حول الدولة أن تساعد على الفهم والبناء، وفي سياق مغاير؟

حسب بولانتزاس أن نظرية الدولة الرأسمالية يمكن أن تقدم عناصر مهمة بخصوص الدولة، التي هي في طور الانتقال إلى الاشتراكية، علما أن تلك المقولات النظرية تختلف من مجال إلى أخر، لذا، تعتبر تلك المقولات المستوحاة من الدولة الرأسمالية توصيفات نظرية استراتيجية في وضع عملي، يساعد على ردم الهوة بين النظرية والممارسة، والنظرية والواقع؛ فالنظرية، هي الخيط الرفيع الذي يربط الممارسة بالواقع، وإذا كان البعض يعتبر أن فلاسفة التنوير مسؤولين عن الدولة الشمولية، فإن البعض الأخر يربط وضعية الدول الاشتراكية بالماركسية، وذلك مجرد وهم، لأن المشكل، أن  البلدان الاشتراكية تميز وتفصل بين النظرية والواقع[12].

الكلام السابق ليس دفاعا عن الماركسية وإنما يمكن تفسير ذلك أيضا بكون كل نظرية، لا تحوز النقاء المطلق، وإنما تتضمن عيوبا يمكن استثمارها لممارسة سلطة معينة، وانشاء خطابات ودول شمولية فستالين ليس غلطة ماركس وبونابرت ليس غلطة روسو، وهتلر ليس غلطة نتشه، فبولانتزاس يوجه اللوم للفلاسفة الجدد الذين يتبنون نظريات كارل بوبر حول انبثاق عالم المعسكرات من المنظومات النظرية المعتبرة، ومن الجوانب الاستبدادية للمفكرين. علما أن هناك مسافة شاسعة بين النظرية والواقع، والمفارقة، أن الأنظمة الاستبدادية التي تستند في ممارستها للسلطة على مفكرين كانوا في الأصل مبتعدين عن الدولة.

وفي معرض تبيان علاقة الدولة بالاقتصاد، يرى بولانتزاس أن هناك عدة تفاسير حول علاقة الدولة بالاقتصاد. التفسير الأول، يعتبر أن الدولة مجرد تابع وانعكاس للاقتصاد، وهو تصور ميكانيكي تقليدي للدولة، وهناك التفسير الثاني الذي يؤكد على أن أنماط الإنتاج المختلفة، مرتبطة بتجل الكل الاجتماعي، في شكل هيئات مستقلة ذاتيا، ومؤثرة في البنى الفوقية (الدولة والايديولوجيا)، فالهيئات المستقلة ليست انعكاسا للاقتصاد، ولكنها جوهرية وضرورية لأنماط الإنتاج[13].

مجال الاقتصاد، هو مجال علاقات الإنتاج والاستغلال، خاصة في النظام الاشتراكي، علاقة لم تكن ميكانيكية ومغلقة في الأنظمة الأخرى، بحيث لم تكن الدولة محايدة. بل، لعبت دورا مهما في علاقات الإنتاج، ومن ثمة التدخل في الاقتصاد لخلق البنية التحتية المادية، لذا، يمكن القول مع بولانتزاس، أن دور الدولة مهم في المجال الاقتصادي، بحيث تتدخل في الاقتصاد بمختلف الوسائل، وبأشكال متنوعة، تتدخل في علاقات الإنتاج بغية التوغل والتحكم في المجال الاقتصادي، أو تبقى خارجة، لكنها، تنشط بشكل حيوي على هامشه[14]. فالدولة بناء على مضمون الكلام السابق ليست غاية في ذاتها، ولكنها وسيلة للتحكم والتوجيه والتأطير والتأثير في علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج.

الدولة والاقتصاد لا يؤثران بنفس الكيفية في نفس المجال، لأن جميع أنماط الانتاج ليست مجرد أشكال اقتصادية ناتجة عن تراكيب متفاوتة لعناصر ثابتة، وملازمة لمجال مغلق، على عناصر أخرى مميزة للدولة، بمعنى أن نمط الإنتاج ليس انعكاسا لعناصر ثابتة ومعطاة بشكل قبلي، تتخذ شكل ضرورات، تتجلى في الاقتصاد الذي هو تلاقي تلك العناصر، فنمط الانتاج وحدة تتداخل فيها عدة عناصر تحتية، كالاقتصاد مثلا، وفوقية كالسياسة والايديولوجيا، فحوى ذلك، أن هناك علاقة وطيدة بين الدولة والاقتصاد، ووجود السلطة لحظة أساسية في علاقات الإنتاج[15].

الرأسمالية نظام ينبني على الانخراط المباشر في الإنتاج، ووجود ملكية، بغض النظر عن علاقتها بوسائل الإنتاج، وتلك هي سمة العالم الحر، حيث قوة العمل وتدخل المالك، بحكم عقد يتحكم في قوة العمل، التي تصبح سلعة، ويصبح فائض العمل قيمة، وهنا يتم الفصل بين الدولة والمجال الاقتصادي، فصل مميز للرأسمالية التي تجعل للدولة والاقتصاد أدوارا ومجالات جديدة. فالغاية هنا هي الرأسمالية، بينما الدولة وسيلة لخدمة الرأسمالية، هذه الأخيرة محددة ومحركة للفعل السياسي للدولة ومعه الاقتصاد.

خلاصة القول في هذا الباب أن التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى، استوجبت ضرورة بناء نظرية حول الدولة، نظرا لبزوغ رعب السلطوية، رغم صعوبة تأسيس نظرية ماركسية، بإمكانها أن تفسر رعب الأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية، لأن الشمولية نظام مرعب واقعيا، منفلت سياسيا، يصعب وضعه في تعميمات عامة، خاصة في البلدان الاشتراكية التي تحتاج إلى تعميق وتطوير المقولات النظرية العامة حول الدولة، وذلك بالانطلاق من ظروف تشكل  المفاهيم المتعلقة بالدولة الرأسمالية، خاصة ما يتعلق بعلاقات الإنتاج وتقسيم العمل الاجتماعي. لكن، ما يعاب على نيكوس بولانتزاس في نظريته حول الدولة، أنه ربط الجوانب الشمولية في الدولة الاشتراكية بجوانب رأسمالية تسللت وأثرت في البناء والممارسة السياسية، خاصة علاقات الإنتاج والعمل الاجتماعي والاستغلال، أو تأثير المحيط الرأسمالي على البلدان الاشتراكية، وكأن الدولة الاشتراكية لا تتضمن في ذاته عيوبا ونواقص قد تفضي إلى شكل من أشكال الرعب والسلطوية. فخذ بنا إلى المبحث الثاني لتفكيك الأجهزة الإيديولوجية للدولة، وإبراز علاقتها بالقمع.

2- الأجهزة الإيديولوجية للدولة:

الدولة كجهاز أو مؤسسة تلعب دورا حيويا في علاقات الإنتاج وإعادة انتاج الطبقات الاجتماعية، متوسلة بالقمع المادي المشروع، بغية تنظيم الروابط الاجتماعية، لذلك فقد  ركز بولانتزاس في مبحثه على الحديث عن وضعية القمع والايديولوجيا بالنسبة للدولة، معرفا الأيديولوجيا بكونها ممارسات مادية وأعراف وعادات وأسلوب حياة، وليست فقط منظومة من الأفكار والتصورات، وهو الأمر الدي يجعل من الأيديولوجيا أداة تأثير وقوة ، لأن الروابط الأيديولوجية تلعب دورا مهما في الملكية الاقتصادية والتملك، وتقسيم العمل الاجتماعي داخل علاقات الإنتاج. فالدولة تستعين بالأيديولوجيا وتتخذها وسيلة لإضفاء الشرعية والمشروعية على العنف والقمع وإعادة انتاج وتوطيد السيطرة السياسية، وخلق توازن بين طبقات وأقسام المجتمع، علما أن الأيديولوجيا هنا، ليست محايدة ولكنها تعبير عن سيطرة فئة أو طبقة داخل المجتمع، فالأيديولوجيا ليست مجرد فكر نظري، ولكنها تمظهرات واقعية، في أجهزة الدولة ومؤسساتها[16].

فإعادة الإنتاج والتقسيم الاجتماعي، تضطلع بهما أجهزة معينة هي جزء من مجال عمل الدولة، لأنها أجهزة أيديولوجية للدولة، بما في ذلك تلك التي لها طابع قانوني، كالكنيسة مثلا والمدرسة والاعلام الرسمي والجهاز الثقافي، وأيضا أن الأيديولوجيا تتدخل في تنظيم الجيش والشرطة والقضاء والسجون، بعض هذه الأجهزة مكلف ومختص بممارسة العنف المادي الشرعي[17].

وحسب بولانتزاس أنه يجب التمييز بين الأجهزة القمعية والأجهزة الأيديولوجية، وفهم الدور القمعي للدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، او عبر أجهزتها، فالقمع بالنسبة للدولة شيء طبيعي ومسلم به قانونيا، ولا شك في ذلك، لأن كل دولة تلجأ إلى شكل من أشكال القمع، للحفاظ على وجودها واستمرار فرض النظام، لكن، المشكل هنا، هل القمع غاية الدولة أم أنه مجرد وسيلة لحظية عابرة؟ هنا جوهر الاختلاف ببين الدولة الديموقراطية، دولة الحق والقانون وفصل السلط والكرامة الإنسانية، حيث القمع والعنف المادي المشروع مجرد وسيلة، استثنائية، تضطر إليها الدولة مكرهة، وبين الدولة الديكتاتورية حيث العنف والقمع غاية الدولة، فالأنظمة الشمولية والتحكمية والديكتاتورية تجعل من العنف بمختلف اشكاله أداة رعب وقهر وتعذيب وترويع للناس، فهناك فرق ما بين أن يكون الأصل هو القانون والقمع فرع استثنائي، وبين أن يكون القمع أصل والقانون فرع. فما معنى العنف الفيزيائي المنظم؟

العنف الفيزيائي المنظم؛ عنف ضد الجسد، وجه أساسي للسلطة، وشرط ضروري لترسيخ سياستها وممارستها، فهو عنصر إكراه وتهديد ومذل للجسد، على اعتبار أن الجسد ليس مجرد عنصر طبيعي، ولكنه مؤسسة سياسية، وهذا ما يفسر العلاقة المعقدة بين الدولة/ السلطة والجسد، فالدولة تمارس سلطتها بالتأثير في الجسد، باستخدام وسائل فيزيائية، وجعله أداة في أفق الاستيلاء عليه، إما عن طريق المؤسسات السجنية أو من خلال فرض نظام جسدي بواسطة الدولة، بهدف إضفاء طابع مؤسسي على الجسد، فالدولة، تقولب الجسد وفق مؤسساتها وأجهزتها، لذا، فهي كيان احتقار وإبعاد واستهلاك لأجساد المواطنين. إنها تجسيد للعنف والقمع والترويع وجعل المواطنين موضوعات لا ذوات حرة ومستقلة. فالجسد صيغ بشكل ساسي جديد، جسد السلطة والدولة، ووفق خطة استراتيجية لقتل الشخصية الجسدية أولا بالتحكم في الجسد، ثم قتل الشخصية المعنوية ثانيا.

في ظل دولة الرعب والقمع، لم يعد هناك حديث عن الجسد الطبيعي، وإنما الجسد السياسي، الذي تم ترويضه بمساعدة أجهزة ومؤسسات فيزيائية خاصة، تفننت الدولة الرأسمالية في إبداعها، علما أن بولانتزاس يتحفظ على التصورات التي تميز بين أجهزة الدولة القمعية وأجهزتها الأيديولوجية، فإذا كان غرامشي يعتبر أن هناك علاقة بين الجهازين القمع والايديولوجي، فإن لوي التوسير مجدد الماركسية يقيم تمييزا بين أجهزة القمع حيث تنشط الدولة بشكل فعال، وبين المذهبية الأيديولوجية حيث التأثير والمنع والاعاقة والكذب والتزوير والكتمان والانحجاب[18].

ألتوسير، يعتبر من الفلاسفة الفرنسيين الذين جددوا الفكر الماركسي  عن طريق استثمار مفاهيم وأدوات نظرية مستمدة من التحليل النفسي، ففي معرض حديثه عن نظرية الدولة، يعتبر أن الدولة هي عبارة عن مجموعة من الأجهزة تضم إلى جانب الأجهزة القمعية التي تحدثت عنها الأدبيات الماركسية  التقليدية، أجهزة أخرى أيديولوجية، يقول التوسير:" نقصد بالأجهزة الأيديولوجية للدولة عددا من جوانب القمع التي تمثل أمام الملاحظ المباشر على هيأة مؤسسات متميزة ومتخصصة سنقترح بصددها لائحة تجريبية تتطلب بالطبع ان تفحص في تفاصيلها وأن يتم اختبارها ومراجعتها وتعديلها[...] إذا كان هناك جهاز واحد قمعي للدولة، فإنه توجد عدة أجهزة أيديولوجية للدولة، والوحدة التي تشكل هذا التعدد من الأجهزة الأيديولوجية للدولة في أجسام إذا ما كانت موجودة، فإنها ليست منظورة بشكل مباشر، في لحظة ثانية يمكن أن نلاحظ أنه في حين أن الجهاز القمعي للدولة جهاز موحد وينتمي كله إلى المجال العمومي، فإن أغلب الأجهزة  الإيديولوجية للدولة في تشتتها المظهري تنتسب على العكس من ذلك على المجال الخاص، الكنائس، والأحزاب، والنقابات، والعائلات، وبعض المدارس، ومعظم الصحف والمؤسسات الثقافية"[19].

إن الفصل بين ألية القمع والمذهبية الايديولوجية لن يفضي إلى تحليل وتحديد جيدين للدولة، ولا يساعدان على فهم دور الدولة في علاقات الإنتاج، وكيفية الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية، ولا يساعد على فهم الدولة الراهنة، التي تتدخل بالخصوص وبكيفية نوعية في إنتاج رأسمال الدولة، باعتباره المحدد الأساسي وعنصر تغيير الواقع، أي أن دور الدولة الراهنة لا يتمثل في القمع والمذهبية الأيديولوجية. فمثلا؛ يصعب فهم علاقة الدولة بالجماهير والفئات المضطهدة، بالاعتماد على عنصر القمع فقط. إذ لا بد من الانفتاح على جوانب أخرى مهمة، كالمفهوم المثالي للشرطة، كونه أداة ووسيلة الدولة للتحكم في الجماهير عن طريق خطط استراتيجية معينة، فبجانب القمع تحضر أليات أيديولوجية تعمل من خلال بنيات تقوم على الخداع والتمويه وتتمظهر في شكل تصرفات وسلوكات[20].

بناء عليه، يصعب تحديد عمل الدولة بشكل دقيق وواضح، لأنها تنشط بكيفية منلفتة وغير مباشرة، داخل حقل اجتماعي معين لخلق التوازنات بين الطبقات الاجتماعية السائدة والمسودة، متخذة جملة من الإجراءات المادية والرمزية، تلعب فيها الأيديولوجيا دورا كبيرا، حيث التأثير القوي دون اللجوء إلى القمع، فتفسير سلوك الدولة يتطلب الحضور المكثف لثنائية القمع والايديولوجيا، والوعي بهما معا في بعض الأحيان، فيقال مثلا: لقد قمعت الجماهير، وخدعت بالإيديولوجيا الفاشية.

إن الدولة مهما كانت طبيعتها، حتى ولو كانت فاشية تجد نفسها مكرهة على اتخاذ مجموعة من التدابير ذات الأولوية، كالقمع والايديولوجيا لصالح الجماهير، علما، أنه ليس هناك ربط ميكانيكي بين التدابير وتجويد ظروف العيش، فيمكن لتلك التدابير أن تؤدي إلى تفاقم الاستغلال، بحيث تصبح تدابير مرتبطة بالتضليل الأيديولوجي الذي هو وجه من وجوه إنتاج أليات مادية ولا مادية لحصول الاجماع الشعبي حول السلطة. وبالتالي؛ فنشاط الدولة، يتجاوز ما هو متعارف عليه، أعني القمع والايديولوجيا، فربط الدولة بهما، يؤدي إلى فهم سطحي ومغلوط للدولة، نظرا لعدم معرفة الأهداف المتوخاة من ذلك، بحيث ينظر إلى الدولة، نظرة أحادية الجانب، وتختزل في كونها دولة القمع، ولا يلتفت إلى الأدوار الأخرى للدولة، كالوظيفة التنظيمية الخاصة بالطبقة السائدة، والكشف عن سلطتها الإنتاجية بشكل مكشوف يفضح تأثيراتها الاجتماعية، فالدولة لا تنتج خطابا واحدا، وإنما أنواع متعددة تناسب كل طبقة على حدة، إنها استراتيجية السلطة[21].

الدولة عندما تلجأ إلى خطط استراتيجية وتكتيكات معينة، فإنها لا تخفي ذلك. لأن تصرفها جزء منها كدولة ومتضمن في كيانها، باعتبارها الممثلة لجميع الطبقات، وكمثال على ذلك، فهتلر لم يخفي يوما برنامجه السياسي، يعلن عنه، وفي ذلك إعلان عن سلطته، واضعا الخطط الاستراتيجية للتنفيذ. بإنتاج المعرفة والتقنيات، متجاوزا لما هو إيديولوجي، إلى درجة أن الدولة تستعين بالطبقات لمدها بعناصر ضرورية لتحديد الأهداف والخطط وليس الخداع والقمع[22].

وعليه؛ فإرجاع سلوك الدولة إلى ثنائية القمع والايديولوجيا، يفضي إلى القول بأن ممارسة السلطة تتمركز في جهازين: واحد قمعي، وأخر إيديولوجي، وانصهار بقية الأجهزة الأخرى خاصة الاقتصادية في القمع والايديولوجيا، الأمر الذي ينعكس على علاقة الجهاز الاقتصادي بالقمع والمذهبية الأيديولوجية، مما يشكل عائقا أمام الانتقال إلى الدولة الاشتراكية. بمعنى يجب التمييز بين الجهاز القمعي والجهاز الأيديولوجي، لكن، هذا لا يعني الفصل التام بينها، فيمكن للجهاز القمعي كالجيش أن يتحول إلى جهاز ايديولوجي خصوصا الديكتاتورية العسكرية التي تتحول إلى حزب سياسي له أيديولوجية معينة، وكل تمييز بينها يلغي نفسه بنقسه[23].

3- روابط وصراعات السلطة:

هناك مسلمة سياسية أساسية تتمثل في أن الدولة تلعب دورا حاسما في علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، فهي قوة فاعلة وحاضرة منذ بداية التكوين وإعادة الإنتاج، وهذا ما يفسر اهتمام الماركسية بالمجال السياسي الحيوي الضروري للحديث عن الدولة، علما أن الماركسية تعرضت لانتقادات بدعوى أنها أهملت الحديث عن الدولة والتركيز على الاقتصاد، وعندما تحدثت عن الدولة اعتبرت بكونها نزعة استبدادية، نقد للماركسية لم ينطلق من ممارسة ستالين السياسية، ولكنه شمل النظرية الماركسية في ذاتها، مع العلم أن الماركسية لا تساوي بين الدولة والسلطة، ولكنها تقيم تمييزا بينهما، فيصعب ربط كل سلطة قمعية بالدولة، فالقوى المنتجة وعلاقات الإنتاج المحددة لسيرورة الإنتاج راجعة إلى السلطوية السائدة حيث هيمنة طبقة مستغلة قد تتحكم في الدولة، وتتخذها وسيلة فاضطهاد، فتنشأ الملكية الاقتصادية والتملك، أي أن الصلاحيات السلطوية تسيطر على وسائل الإنتاج وتخلق شبكة من الروابط بين المستغلين والمستغلين[24]. لكن، ما تأثير تمركز الإنتاج في طبقة سائدة؟

يجيب نيكولاس بولانتزاس، بأن تمركز الإنتاج في يد طبقة، إعلان عن بزوغ فجر الصراع الطبقي والتناقض. لأن المشكل هنا، ملتصق بالممارسة السيئة للسلطوية، حيث افرزت شبكة معقدة ومتداخلة من الصلاحيات السلطوية، مما يوحي بارتباط علاقات الإنتاج بالروابط السياسية والأيديولوجية. فعلاقات السلطة بالنسبة للماركسية ليست بعيدة عن العلاقات الأخرى، خاصة الاقتصادية والاجتماعية، على درجة أن السيرورة الاقتصادية هي الصراع الطبقي الذي هو الأخر مرتبط بالسلطوية أو الجانب السياسي، علاقات متشابكة فيما بينها، مفضية إلى التناقض والصراع الطبقي. إن السلطة في المجتمعات الطبقية تشير إلى المواقع الموضوعية المؤثرة في تقسيم العمل، بحيث تتحدد وظيفة كل طبقة ساعية لتحقيق مصالحها الخاصة في مواجهة الطبقات الأخرى، بحيث يمتد التأثر على العلاقات الاقتصادية، علاقات سلطوية تدخل في الإنتاج خصوصا عندما ترتبط بالبنى السياسية، المتجسدة في أجهزة ومؤسسات خاصة كالمصالح مثلا، التي هي مجال السلطوية حيث الابتزاز والاستغلال[25].

وفي معرض حديثة عن علاقة الدولة بالسلطة يفند بولانتزاس نظرية أن السلطة متطابقة مع للدولة، كما ادعى فوكو وجيل دولوز، حيث يعتبران أن السلطة استمرار للدولة، وعبر أجهزتها ليحصل التطابق بينهما، في مقابل الماركسية التي ترى أن السلطة تتجاوز في ممارستها الدولة، متحكمة في تقسيم العمل الاجتماعي والصراع الطبقي، بمعنى أن أجهزة الهيمنة مرتبط بالسلطة لا الدولة، وفي ذلك تمييز ذكي للماركسية. غير أن بولانتزاس يرى من وجهة نظره، أن المجالات الحيوية كالصحة والضمان الاجتماعي وجهاز الاهتمام بالرياضة، هي مجالات رغم غياب عنصر القمع فيها، فهي سلطة، ومجالات حيوية لتبلور السلطة، حيث إمكانية التأثير في الأفراد والجماعات، لذا، فالسلطة عندما تتوغل وتتغول في مفاصل الدولة، تتجاوزها، تصبح الصراعات السلطوية المنصبة على الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي داخل الدولة، منفلتة من قبضة الدولة. لكن، هناك تصورات أخرى ترى أن الدولة بمفهومها الحديث، هي مركز للأشكال السلطوية، حيث توغلت في المجالات الاجتماعية، واستولت على سائر مجالات السلطة، وعلى كل سلطة طبقية. إن الدولة بناء على البعد الأيديولوجي تلجأ لتكتيكات معينة لترسيخ خطاب خاص بها، بموجبه تتدخل في الاستهلاك الجماعي (النقل، الصحة، السكن، مؤسسات تمضية أوقات الفراغ)[26].

إن السلطة الايديولوجية المعبرة عن ايديولوجية طبقة، تتجاوز الدولة بمختلف أجهزتها التي تصبح أداة مسخرة لخدمة طبقة معينة، متوسلة بأليات السيطرة والاخضاع الأيديولوجي، فالأجهزة الأيديولوجية تقوي من سلطة الطبقة السائدة، وكمثال على ذلك، فالدين لا تخلقه الكنيسة، وإنما الروابط الأيديولوجية التي تتجاوز الأجهزة الأيديولوجية، لذلك، فالعلاقات السلطوية الأيديولوجية لا ترد هنا على الدولة، بل، تتجاوزها في أفق الارتباط والتحكم في تقسيم العمل الاجتماعي مستغلة قوى الإنتاج، بحيث تصبح لها الأولوية على أجهزة الدولة. فمجالات الصراع والاستغلال وعلاقات الإنتاج، مجال خصب للسلطة. لكن، هنا نتساءل أي دور للدولة في هذه الحالة؟ هل الدولة غاية في ذاتها وتتجاوز جميع الطبقات والسلط الناتجة عنها أم أنها وسيلة لترسيخ الوجود المادي لسلطة طبقية معينة؟

يجيب  نيكولاس بولانتزاس، بكون دور الدولة حيوي في عملية إنتاج علاقات الطبقات السلطوية، خاصة الصراع الطبقي، فهي حاضرة في علاقات الإنتاج، بالقوة والفعل، متحكمة ومؤثرة في المجال الاجتماعي وليست تابعة له، كما ذهبت إلى ذلك بعض التصورات السياسية، خاصة في فرنسا، حيث تم نقد الماركسية، وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبته الماركسية الأداتية التي تفهم كون الدولة وسيلة وتابعة للصراعات الاجتماعية والسلطة، تصورات مردها إلى تقاليد الفوضوية في الحركة العمالية الفرنسية، حيث السعي لتوطيد دعائم الإدارة الذاتية التي تجد أساسها وعنصر قوتها في الديموقراطية القاعدية المباشرة، وإهمال الدور الفعال للدولة. حالة غذت هي الواقع الفعلي بالنسبة للفكر القاعدي، حيث استخلاص السياسة والممارسة الاجتماعية المضادة للدولة، وفي ذلك إضعاف للدولة[27].

وبناء عليه، ولتجاوز تلك التصورات ومعرفة الدور التكويني للدولة يجب أن نفهم ونستوعب ونتجاوز السؤال التالي: من وجد أولا: الدولة أم الصراع الطبقي؟

يرى نيكولاس بولانتزاس، أنه لا معنى للقول بوجود حقل اجتماعي متحكم في تقسيم العمل الاجتماعي وسلطة سابق عن الدولة، وأيضا، لا معنى للحديث عن بنية تحتية (الاقتصاد) هي أساس الدولة، مدافعا عن تصور سياسي حول الدولة مفاده، حيث يوجد تقسيم طبقي وسلطة توجد الدولة، بمعنى لا وجود لسلطة سياسية أو اجتماعية ذات طابع مؤسساتي، ولا وجود لصراع طبقي، ولا وجود لأي وضع طبيعي أو اجتماعي سابق عن الدولة. وتبني عكس ذلك، سقوط في التصورات الشائعة، حيث التأثر بالفلسفة السياسية لعصر الأنوار، خاصة فلاسفة العقد الاجتماعي الذين أكدوا على أن العقد أو الاتفاق الحاصل بين الأفراد هو أساس الدولة. والحاصل، أن الدولة هي الأصل والمحدد منذ البداية لحقل الصراع الطبقي، سواء تعلق الأمر بعلاقات الإنتاج، أو تنظيم السوق والملكية، أو توطيد السلطة السياسية. فالدولة هي التي تعين وتقنن وتهندس جميع أشكال تقسيم العمل الاجتماعي، بحيث يصعب قول، أن هناك واقع اجتماعي سابق عن الدولة، لأن الواقع من صميم وجود الدولة ذاتها، ملازم لها، لكن، هذا لا يعني أنه لا يوجد واقع اجتماعي او سلطة دون وجود الدولة، بمعنى يمكن أن توجد روابط اجتماعية سابقة عن الدولة، لكنها ممهدة كرابطة تكوينية مع الدولة[28].

خلاصة القول لهذه القراءة، أن كل فهم للدولة، يقتضي استحضار ثنائية الغاية والوسيلة، هل الدولة غاية في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة؟ فالنظر للدولة كوسيلة، معناه السقوط في نزعة تشيء الدولة وجعلها وسيلة وأداة مسخرة لخدمة أجندة طبقة معينة، صحيح، أن الدولة هي المالكة للسلطة، بل، ولجميع السلط، و تقسيم العمل الاجتماعي، ووضع الخطط المناسبة للتنمية الاقتصادية، لأنها مسيطرة على جميع المؤسسات والأجهزة الخفية والمعلنة، الإيديولوجية والمادية، وبموجب ذلك، تلجأ إلى استعمال شكل من أشكال العنف المادي المشروع بعبارة ماكس فيبر لترسيخ سلطتها، ولا عيب في ذلك من وجهة نظرنا، لأنه لو وجدت دولة لا تمارس العنف المادي المشروع لا ختفى مفهوم الدولة من الوجود حسب ماكس فيبر.

فالدولة كيان قوي، متجسد في الجيش والشرطة والمحاكم والسجون، إلى جانب المؤسسات الأخرى، فمن حق الدولة امتلاك السلطة، لكن، وفق التعاقدات القانونية والتشريعات الوضعية التي تحترم الشعب، كي لا تتحول إلى دولة ديكتاتورية مطبوعة بالرعب والقمع والتخويف والتطويع الأيديولوجي.

إن الممارسة السياسية الحديثة نزعت عن الدولة الكثير من الأقنعة والتصورات الأخلاقية، بحيث صارت الدولة ألية وجودية ضرورية لممارسة الحكم، وتنظيم الفضاء العمومي، ومن ذلك استمدت مشروعية وشرعية وجودها. ومادامت الدولة موجودة بالفعل في الواقع، فإن بناء نظرية سياسية حولها يرتبط بوظيفتها كدولة، والمتمثلة في السهر على استتباب الأمن الداخلي ولو بالعنف المشروع، وتحقيق السلم، وأن تكون دولة العنف المعقلن والمنظم والضروري، لا دولة تكرس انحيازا لطبقة محتكرة لجميع وسائل وقوى الإنتاج، الدولة يجب أن تكون معبرة عن عقل المجتمع وإرادته في العمل والإنتاج والتطوير.

 

محمد لمعمر - المغرب

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.....................

الهوامش:

[1] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة مشيل كيلو، (التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت)، الطبعة الثانية، ص.7.

[2] الصفحة نفسها.

[3] المصدر نفسه، ص، 8.

[4] المرجع نفسه، ص، 8.

[5] - F. Engles, L’origine de la famille, trad. J, éd, Stern, éd. Sociales, paris,1983, pp.281-28 (بتصرف طفيف)

[6] بولانتزاس، مصدر سابق، ص، 9.

[7] المصدر نفسه، ص، 10.

[8] المصدر نفسه، ص، 12.

[9] المصدر نفسه، ص،16.

[10] المصدر نفسه، ص، 17.

[11] المصدر نفسه، ص، 18.

[12] المصدر نفسه، ص، 19.

[13] المصدر نفسه، ص، 20.

[14] المصدر نفسه، ص، 21.

[15 المصدر نفسه، ص، 22.

[16] المصدر نفسه، ص، 25.

[17] المرجع نفسه، ص، 26.

[18] المصدر نفسه، ص،27.

[19] محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية، الإيديولوجيا، دار توبقال، 1999، ص، 46-48.

[20] بولانتزاس، مصدر سابق نفسه، ص، 27.

[21] المصدر نفسه، ص، 29.

[22] المصدر نفسه، ص، 30.

[23] المصدر نفسه، ص،31.

[24] المصدر نفسه، ص، 32.

[25] المصدر نفسه، ص، 33.

[26] المصدر نفسه، ص، 34.

[27] المصدر نفسه، ص، 35.

[28] المصدر نفسه، ص، 37.

 

 

علي رسول الربيعي8- لماذا جعل الله والدتي تعاني كثيرا من التهاب المفاصل الروماتيزم؟ هل أرادها الله أن تعاني؟

إن الله لم يجعل أو يرغب في هذا الشر المحدد. ولكن يتناسب هذا الشر مع البنية التي خلقها وصممها الله. ستصاب هناك نسبة مئوية معينة من الناس بمثل هذه الأمراض. يمكننا أن نفهم بشكل عام لماذا خلق الله هذه البنية وصممها. تُعطى لنا هذه الشرور حتى نتمكن من النمو من خلال الاستجابة بالحب. يمنحنا الله القدرة على جعل مثل هذه الشرور مناسبة للحب والنمو (كما كان في الغالب لأمي). إذا أردنا بدلاً من ذلك ان نتلقاه بالوجع والمرارة، فهذا خطأنا. أعطانا الله على الأقل خيار إعطاء إجابة محبة لها قيمة كبيرة. 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

 نشير هنا الى أن هذه الأسئلة التي نطرحها في هذه السلسلة هي من اهم الأسئلة في الإطار اللاهوتي فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين الشر والأخلاق والله.