صفاء الصالحيتاريخ نشوء الدولة العراقية

قبل ان استعرض الكتاب لابد من تعريف القارئ بمؤلفه وهو الدكتور واثق كريم سارو من مواليد ١٩٧٧ناحية جلولاء، تخرج من كلية الطب جامعة بابل١٩٩٦، وحائز على شهادة الدبلوم العالي (الماجستير) في الطب الباطني ٢٠١٣، له العديد من المقالات والبحوث المنشورة في المجلات والصحف العراقية والعربية، بالاضافة الى مشاركته في المحافل الادبية والمجالس الثقافية.

يقع الكتاب في ٣٦٢ صفحة من القطع الكبير ١٧*٢٤ ، صادر في ٢٠٢٠ عن دار الفرات للثقافة والاعلام بالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع، ويصنف ضمن كُتب التاريخ التي تتناول العديد من الأحداث التاريخية في ضوء المنطق الاجتماعي الحديث عن فترة طويلة نسبياً تمتد من العهد العثماني حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً.

والكتاب عبارة خلاصة افكار ماكتبه الدكتور علي الوردي عن تاريخ العراق وتحديداً كتابه الموسم "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" الصادر بستة أجزء وعلى ثمانية مجلدات، ويعلل المؤلف في المقدمة اختزاله للأجزاء الستة بكتاب واحد تماشياً مع ما يسمى بعصر السرعة وعقلية الجيل الحالي الباحث عن المختصر المفيد، كما يوضح فيه الفرق بين هذا الكتاب عن كتب علي الوردي الأصلية.

2167 واثق كريم ساروويستهل المؤلف كتابه ما بعد العتبات النصية الاولى (العنوان، والمقدمة)، الى اهم ما سرده الدكتور علي الوردي في بداية كتابه الأصلي عن موضوع " التنويم الاجتماعي " الذي يشير فيه الى ان المجتمع يسلط على الانسان منذ طفولته الباكرة إيحاءا مكرِّرا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الانسان في قوالب معينة يصعب الخروج مِنْهَا ، وهو الذي جعل الانسان الذي نشأ في بيئة معينة ينطبع تفكيره بما في تلك البيئة من عقائد دينية وميول سياسية واتجاهات عاطفية وما شابه ذلك، وان الفرد الذي يعيش طيلة حياته في بيئة مغلقة كما هو الحال في القبائل والقرى المنعزلة يظل خاضعاً للتنويم الاجتماعي حتى ساعة مماته، وعلى العكس من الانسان الذي يعيش في بيئة مفتوحة فانه يقع تحت تأثير إيحاءات اجتماعية من أنماط شتى، وبهذا يخرج من قوقعته الفكرية الذي نشأ عليها في بيئته الاولى ويدخل في عالم جديد يحتوي على الكثير من وجهات النظر وصراع الافكار والجماعات.

ويشيرالمؤلف الى ان كتابه " قصة نهوض العراق " كتاب يسرد احلك العصور التي مرت على بلاد ما بين النهرين طيلة تاريخه، والتي عاصرت فيه نشوء الدولة العثمانية والصفوية، كما يشير الى استفحال الصراع الطائفي في العراق بعد ما صار موضع النزاع العنيف بين تلك الدولتين، ويكشف الكتاب سر وصف العثمانيين لسلاطينهم بالخلفاء، مع ذكر سيرة السلاطين الذين حكموا العراق لحين الاحتلال البريطاني، كما يستعرض الأسباب التي كانت وراء اندلاع ثورة العشرين مع تسليطه الضوء على على تفاصيل معاركها في عموم العراق، وينطلق قاريء الكتاب في رحلة طويلة مع المؤلف ليكتشف  خبايا ترشيح ملك العراق ومن كان منافسه على العرش من العراقيين.

ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن تلخيصه لتاريخ العراق في العهود المظلمة من الاحتلالين العثماني والإنكليزي، وكيف قام هذا الشعب من غيبوبته واستفاق على حاله وأصبح شعباً ووطنناً له ثقله في المنطقة .

 

صفاء الصالحي

 

 

 

بشير خلفأدب الرحلات هو ذلك الأدب الذي يُصوِّر فيه الكاتب بكاميراته، وبقلمه، وربّما بريشته ما رآه، وما عايشه شخصيا، وما جرى له من أحداث، وما صادفه من أمور، وما تعرّف عليه من معلومات في أثناء رحلةٍ، أو رحلات  قام بها إلى بلدٍ، أو عدد من البلدان .

‎ ولأدب الرحلات أهمية كبرى في توثيق الأحداث، والمواقف، والثقافات، بل وحضارات الشعوب، وتعريف المتابع، أو القارئ بأبرز معالم، وعجائب، وموروث تلك البدان، وتاريخها، وعادات وتقاليد أهلها أفرادًا، وجماعات.

في رأيي يُشترط فيمن يقتحم الكتابة في أدب الرحلات أن يكون متمكِّنًا من اللغة التي يكتب بها: تعبيرًا، وتوصيفيا، وذا مقدرة في تقريب المَشاهد الى مُخيلة القارئ؛ كما يجب أن يكون صاحب خلفية ثقافية مناسبة كي يستطيع رفْــد مشاهداته بحقائق جغرافية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو اقتصادية وقت اللزوم.

فما بالكَ إنْ كان هذا الكاتب الرّحّالة إعلاميا ذا ثقافة عالية، وخبرة ميدانية اقتربت من العقد والنصف، وهذا ما لمسته؛ بل عشْت، وتماهيت مع كاتبه، وكأنني رفيقٌ له في رحلته إلى ربوع عشْر دُولٍ إفريقية، أثّث رحلاته إليها في كتاب متميّزٍ آيةٍ في النسج اللغوي البهي، والأسلوب الممتع المُشوِّق الموشّح بجمالية اللغة العربية، وسحْرِ الكلمِ. أخذنا الكاتب القدير الرحّالة الإعلامي الجزائري، نجم الدين سيدي عثمان في رحلاته إلى ربوع عشْر بلدان إفريقية التي دوّنها في كتابٍ متميّزٍ:" رحلات جزائري في ربوع إفريقيا.. حكايات ومشاهدات من مالي إلى ليزوتو في 137 يومًا".

الكتاب من الحجم الكبير، يقع في 270 صفحة، تضمّنت توطئة المؤلف، و تغطية الرحلات العش: السودان، غينيا الاستوائية، مالاوي، جنوب إفريقيا، بوركينا فاسو، ليزوتو، مالي، تنزانيا، البنين، ليبيا. الكتاب صدر عن دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع. 2017م. تغطية الرحلات من المؤلف نجم الدين تفاوتت صفحاتها بين: 21 صفحة، و29 صفحة.

في مقدمة الكتاب ينبّه الكاتب القارئ إلى أن ما سيطالعه في الكتاب هو مشاهدات عايشها ضمْن زيارات متكررة قام بها كإعلامي لعشر دول إفريقية خلال ست سنوات ونصف، تمكّن فيها قراءة المكان والزمان في تلكم الدول، وقف على طبائع، وعادات، وأخبار، وغرائب تلك الدول الإفريقية التي زارها، بناء على انطباعات استخلصها مباشرة مع ناسها، وتجارب حياتية، وتجارب حيّة طوال 137 يومًا، طوال تلك المدّة كان يستنتج، ويختبر، ويدقّق، ويشخّص، ويميّز، ويغربل، ثم يكتب، فكان كتابه الذي بين أيدينا.

بأسلوبٍ شاعريٍّ جميل وكأنه يأخذ بأيدينا معه إلى متعة النصّ الأدبي الرّحلاتي:

2164 رحلات جزائري« كنتُ في كلِّ بلدٍ أحرّك عقارب الساعة إلى الأمام أو الخلف، ثم أتحرّك بحثًا عن المتعة، والدّفْء التي يتوق قلبي إلى مجاهلها على نحْوٍ دائمٍ، إلى غموضها، إلى أسرارها، فأرغب أن أكون هناك على أن أمتطي الطائرة باتجاه أوروبّا، وكنتُ لا أكلُّ، ولا أملُّ؛ وأنا على أرضها، أكتشف الجديد، وألتقي بالناس، ولا أتردّد في السؤال، وكان في خدمتي دليلٌ سيّاحيٌّ متطوّعٌ في كل رحلةٍ، وربّما أكثر من ذلك؛ بينما افتقدْتُه في بلدانٍ لم أجدْ فيها مُعينًا وادًا مثل مالاوي.ص:5 »

ممّا برع فيه الكاتب تشويق القارئ في مستهلّ الحديث عن البلد بعتبة عنوانية يُبرز فيها أهمّ حدثٍ، أو صفة تطغى على ذاك البلد:

" في السودان يوم انفصل الجنوب، وفقد الشمال ساقيْه"، " ليلة الهروب من دكتاتور غينيا الاستوائية"، " في ملاوي أفقر البلدان الإفريقية"،" في جنوب إفريقيا حيث الجنة والنار على مرمى حجر"، في بوركينا فاسو بلد النقاء والشقاء والذهب"،" أيّامٌ مع شعب الباستو في مملكة السماء ليزوتو"، حكايات مالية في فرْن باماكو"، " تنزانيا دار الأمان والهيرويين والنفوذ اليهودي"،" البنين بلد الفودو، وجنّة تبييض الأموال"، " إرهاصات الثورة في بنغازي شهران قبل شرارة 17 فبراير".

إننا نعرف عن إفريقيا غير أنها قارة الأمراض، والفاقة، والحروب، فمن يزورها، ويطلع على حقائقها تأكيدا سيغيّر نظرته، وسيلغي أحكامه السابقة؛ الأفارقة يا ناس ليسوا أبدا شعوب غابات، وإفريقيا ليست أبدا محضن الأوبئة، والأمراض، وشعوبها شعوبٌ طيّبة، ومضيافون كرماء، وقلوبهم تتنافى مع بشرتهم السوداء؛ إلّا القليل الشّاذّ عن القاعدة، كما هو في كل شعوب الأرض.

إفريقيا قارّة شاسعة، قارة الخير والبركة، شعوبها تحبّ أرضها، وتدافع عنها منذ التاريخ القديم، تكوّنت بها ممالك وإمارات، وعمّرت قرونا، وكانت سيّدة؛ لكن البض الغزّاة الزاحفين من أوروبّا هم الذين دمّروا السود، السكان الأصليين أينما تواجدوا في القارّة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، فأذاقوا سكّانها شتى أشكال التعذيب، والتدمير الجسدي والنفسي، وألحقوا بهم الأمراض والفقر المدقع، واستولوا على أراضيهم، وما تحتها من معادن ثمينة، وغير ثمينة؛ بها اغتنوا، وأغنوا بلدانهم الاستعمارية: بلجيكا، فرنسا، اسبانيا، إيطاليا، البرتغال، إنقلترا.

تخلّصت القارّة من الاستعمار إلا بعد منتصف القرن العشرين، لكن بعض دولها دخل في نزاعات إقليمية، أو عرقية، أو حروبٍ اثنيّة مدمّرة، وتحول الأمر من رقّ الاستعمار إلى قبضة أنظمة عسكرية، أو شبه عسكرية. بعد استقلال دول القارة من الاستعمار وجدت نفسها منهكة، ومضطرة لأن تربط نفسها من جديد مع مستعمريها باتفاقيات تتحكّم في مصيرها؛ وإن بدأت بوادر نهضة متميّزة في بعض دولها في السنوات الأخيرة.

السودان بلد السلام

تحدّث المؤلف نجم الدين عن كل ذلك في كتابه، نقّب عن المعلومات، شخّص الأوضاع، غربل المعلومات، دوّن فكان السودان بلد السلام، والمحبّة، والإنسان السوداني بشوش جدا، أساريره منفرجة على الدوام؛ عيون الجميع إلّا ما ندر متّسعة بالرضا، والغبطة، ومشاعر القبول والحمد.. الإنسان السودانيّ نادر في هذا الزمان الأرعن.

من تلك البساطة والطيبة أنّ بإمكانك لقاء المسؤول الكبير، دون مرورك على صغار الموظفين، فالمسؤول الكبير صغيرٌ بالسليقة السودانية. زار الكاتب السودان للمرّة الثانية، في زيارته تلك عاش حدثا تاريخيا في الخرطوم عاصمة السودان الموحّد، عاش إعلان استقلال الجنوب الذي نُظِّم في شهر جانفي 2011م ، ظهرت دولة في الجنوب ليست ورمًا انتُزع من جسدٍ آدميٍّ؛ إنما من جسد السودان، حيث فُصل الساقان اللّذان كان يقف عليهما؛ فضاعت ثرواتٌ ومداخيل المخزون الطّاقويّ المنفرد به الدولة الجنوبية الجديدة.. دخله الكاتب بلدًا واحدًا، وغادره بلديْن.

تنزانيا برُّ الأمان

لئن كانت تنزانيا دار الأمان يأتيها الناس من كل بقاع العالم لتسلّق جبل" كليمانجارو"،أو " شيطان البرد" باللهجة المحلية، وهي أعلى قمة جبلية في إفريقيا، كما حبا الله هذا البلد بطبيعة خلّابة, واخضرارٍ دائمٍ، وأراضٍ خصْبةٍ، وإطلالة بحرية، وبحيرات مثل بحيرة " فكتوريا" التي يقع جزء كبير منها في تنزانيا، فضْلًا عن بحيرة النطرون في شمال البلاد على الحدود مع كينيا؛ البحيرة الوحيدة في العالم التي لونها أحمر؛ فإنّ تنزانيا تبدو الحياة فيها جميلة، منظمة؛ وكأنها ليست بلدا إفريقيا، دار السلام العاصمة تعجّ بالحركة، وتنبض بالحياة. في هذا البلد ثقافة تترسّخ لدى الطفل منذ ولادته، وهي احترام الكبير، وتوقيره. صار البلد ملْجأً لمواطني دول أخرى عانت ويلات الحروب الأهلية، والمجاعة منذ سنوات عديدة متتالية، عدد اللاجئين بالكاد يناهز المليون، تنزانيا فتحت أبوابها للجميع، وقامت، وتقوم بالواجب الإنساني نحوهم. دار السلام مدينة إسلامية بامتياز، بناها المسلمون، هندستها عربية كما أنّ تسعين بالمائة من سكانها مسلمون.

تنزانيا بلد السكر الأبيض، ونعني به الهيرويين، وأسعار استهلاكه في متناول الجميع، بسعْر قطعة جبْنٍ، دليلٌ دامغٌ على كثرة الانتشار، والتناول. مهرّبو الهيرويين، وموزعيه يملكون نفوذا كبيرا، وتأثيرا قوييْن في المجتمع، والسلطة. إسرائيل متواجدة بقوّة في هذا البلد حتى أن علمها في الصدارة لدى البائعين المتجوِّلين؛ ساعدت إسرائيل تنزانيا في إنشاء سدٍّ فوق نهر النيل سنة 2010م، وقامت بإنجازه شركة تابعة للجيش الإسرائيلي، كما قامت بإنشاء منشآت، ومشاريع طبّيّة.

جنوب إفريقيا

مؤلّف الكتاب يؤكد لنفسه عديد المرّات أنهم محقّون في هذا البلد الجنوب إفريقي عندما سمّوا بلدهم "جنوب إفريقيا"، وأعطوْه تسمية جغرافية بسيطة؛ من المؤكّد أنهم عجزوا أمام مئات التسميات الممكنة. كانوا قادرين أن يسمّوه بلد المحميات، والحروب، والعزل العنصري، والجمال، والتنوّع، والامتزاج، والتطوّر، والقوّة الاقتصادية، وغير ذلك.

جنوب إفريقيا عالمٌ بأكمله على أرضٍ واحدة.. هي اجتماع الأضداد في نفس المكان، والزمان تحت سقْفٍ واحدٍ، هي الأمن والرهبة، الخوف والطمأنينة، النّقاء والخبث، الشياطين والملائكة، هي الاخضرار والقفار، هي المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي اللذان يلتحمان على شواطئها، هي الجنّة والنار على مرْمى حجرٍ. نهارًا تعتقد أنك في لندن، نمط أكْلٍ، وعملٍ، وبنيان، وتسوّق، وعيش بريطاني؛ أمّا الليل فهو أمريكي صاخبٌ مليءٌ بالمجون والغواية، وحتى الجريمة مع طقْس البحر الأبيض المتوسّط المعتدل؛ وعلى الأرض مزيجٌ من خلْق الله فلا تعرف الأوروبيَّ من الجنوب إفريقي؛ وفي هذا البلد ليس من اللباقة أن تسأل فيه؛ فهناك حواجز عالية مثلما هي عالية أسوار النايات، والمساكن، المسافات شاسعةٌ بين الناس، فالجميع يسكنون في بيوت شائكة، مسيّجة بالكهرباء الصاعقة، الجار لا يعرف جاره؛ الكلّ متوجِّسٌ من الكلّ، والنوافذ معتمة.

الكاتب لم ينظر فقط إلى الجزء الفارغ من الكأس؛ فجنوب إفريقيا قوة عظمى في إفريقيا، وأكثر دولها تطوّرا، بلدٌ جميلٌ جدّا؛ بل قطعة من أوروبا، كل شيء منظّمٌ بشكل أنيقٍ، هندسة الشوارع كأنها مسطرة، الطرق مثل ملاعب لكرة القدم، الفنادق راقية، وبكلّ الأنواع، والأشكال، والأثمان، هنا يمكنك كل أنواع الهوايات حتى التي لا تعرفها، أو لم تسمع بها. مطويّات تقترح عليك تمضية وقتك، شواطئ ساحرةٌ وسياحة طيلة العام، ورحلات منظمة، وطبيعة خلّابة؛ والمقاطعات التسع للبلاد تنفرد عن غيرها بخصوصيّة المناخ، والطبيعة، والثقافة، والتاريخ، وكلّ شيء؛ كل مدينة هي سرٌّ بحدّ ذاته؛ إن هذا البلد له خصوصيّة لم تُعْط لغيره. جنوب إفريقيا أكبر دولة في العالم من حيث عدد المناجم، على أرضها ما يقرب من 90 بالمائة من مناجم البلاتين و 80 بالمائة من مناجم الماغنيز، و73 بالمائة من الكروم، و45 بالمائة من الفاناديوم، و41 بالمائة من الذهب.

يتعرّض الجزائريون المقيمون في هذا البلد إلى الخطر في كل وقتٍ، يموت 5 إلى 6 منهم كل سنة تقريبًا؛ أمّا السطو فيتعرّضون له دائمًا، ولا يمثّل لديهم خسارة كبرى لدرجة أنهم لا يتحدّثون عنه؛ الخوف الأكبر من الموت قتلًا. سمعة الجزائريين تتفاوت، منهم من نجح في التجارة بامتيازٍ، وأصبح مضرب الأمثال؛ ومنهم من اختار الطريق الخطأ كأحدهم الذي نزوّج من شقيقة رئيس عصابة خطيرة تتاجر في المخدّرات، وأصبح صاحبنا الجزائري مع مرور الوقت بارون " كوكايين"؛ وذات العصابة قتلته في " بريتوريا".

مالاوي .. البلد التعس

مالاوي أفقر بلدان إفريقيا والعالم. مالاوي أو رسميا جمهورية مالاوي، هي دولة حبيسة في جنوب شرق أفريقيا، عُـرفت سابقاً باسم نياسالاند. تحدها زامبيا إلى الشمال الغربي، وتنزانيا إلى الشمال الشرقي، وموزمبيق من الشرق والجنوب والغرب. تنفصل مالاوي عن تنزانيا، وموزامبيق ببحيرة مالاوي. ملاوي دولة غير متطورة ويعتمد اقتصاد مالاوي الزراعي إلى حد كبير على دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول أخرى في معاركه مع الاقتصاد والتعليم وانتشار مرض الإيدز.

من مطار بلانتير العاصمة إلى وسط المدينة مسافة 15 كم، مظاهر التخلّف بادية تصدم المرء، وكأن عقرب الزمن عاد به إلى القرن السابع عشر، حياة بدائية وسط الأدغال، أرصفة مختفية، مساكن الصفيح المقامة فوضويا، بعضها الآخر لم يكتمل بناؤه، لكنه يعجّ بالحركة، والجلبة؛ وهناك ما يشبه سوقًا قذرة، وكأنها من قرون غابرة، أطفالٌ عرّاة، نساء يطحنّ الذرّة، ويغسلن الملابس في العراء، جذوع الأشجار تُنقل على ظهور الشبّان، والأطفال، والشيوخ، وحتى النساء، رزمٌ بكل الأحجام من الفحم؛ من يحملونه تلوّثت ملابسهم الرثّة بالسواد، ما رأيتُ أحدًا نظيفًا؛ الناس تمشي في الطريق المعبّد الوحيد؛ كما كانت التلميذات وهنّ خارجات من المدارس قد حلّقن رؤوسهن بالكامل؛ ويصعب التفريق بين التلميذ، والتلميذة. الغاز ترفٌ لا يملكه الناس؛ لهذا رائحة الحطب والنار تسيطر على أغلب الأمكنة؛ لهذه التعاسة التي يعيش معها السكان في يومياتهم يلجأون إلى احتساء الكحول، أماكن بيعها منتشرة في كل الأماكن؛ شظفّ العيش طاغٍ في بلدٍ ليس له سواحل بحرية، ويكسب الناس فيه عيشهم من الزراعة؛ أو ما يُسمّونه" زراعة الكفاف"، أن يزرعوا ما يحتاجونه، ويعيشون عليه دون بيع المحاصيل؛ حياة الناس، خاصة المزارعين مرتبطة بالمطر؛ فإذا لم ينزل في وقته تحصل مجاعة، وإذا تهاطل بكميات كبيرة غير متوقعة، فيضانات جارفة مدمّرة.

في العاصمة بلانتير لم تجر المياه في الصنابير منذ سنوات، الاستسقاء بالطرق التقليدية هو الحل؛ الأطفال الذين من المفترض أن يكونوا في المدارس، ذاهبون إلى منابع الماء، وعلى رؤوسهم آنيات الماء، قليل منهم من يحصل على التعليم، الإناث مشروع تاجرات متجولات، وسيّدات بيوت فيما بعد. المنطقة الاقتصادية بالمدينة لا يسكنها الناس العاديون، فلا مكان لبيوتهم البائسة؛ ولكنهم في كل صباح يوم يتسكعون في شوارعها الفسيحة، ويتكئون على أسوار البنوك التي في خزائنها آلاف الدولارات، البطالة متفشية جدا، فالشبان والفتيان لا يفعلون شيئا غير البقاء، وتتبّع من يدخلون ويخرجون من البنوك، أولئك المتأنقون رجال المال الأثرياء الذين تشجعهم المصارف في بلانتير بنسب فوائد كبرى، منهم من يأتي من دول إفريقية بعيدة. ما يزيد من معاناة الناس أن أسعار معظم السلع الاستهلاكية باهظة الثمن، أغلبها قادمة من جنوب إفريقيا؛ وبما أن مالاوي دولة حبيسة، فالأسعار تُضاف إليها ضرائب الاستيراد، والجمارك، والشّحن.

من أغرب سلوكات سكان هذا البلد مطاردة الفئران لأجل أكلها، وهي جزء من النظام الغذائي للسكان، خاصة في العاصمة، تُقدّم مسلوقة، أو مشوية؛ كما أنها تُباع على قارعة الطريق في عيدان شواء، فالإقبال عليها من البديهيات اليومية. رؤية الأطفال أمر عاديٌّ وهم يحملون معروضاتهم من الفئران على الطريق، سعر 4 فئران حوالي 150 كواشا" نصف دولار". الأمر لا يتعلق بالجوع، والمجاعات؛ إنما هي ثقافة السكان، وعاداتهم، وموروثهم.

يوجد الهنود المسلمون بكثرة في مالاوي، يسيطرون على التجارة والاقتصاد؛ إنهم العصب المحرّك للعجلة الاقتصادية، وهم السبب في تحوّل مدينة بلانتير إلى قطب اقتصادي، أغلبهم أثرياء، يُدينون بالإسلام، مثل كثير من حاملي الجنسيات الآسيوية المقيمين بالبلد، وإنْ كان عددهم قليلًا. عددُ الهنود حوالي نصف مليون نسمة، كما أن ثلث السكان يدينون بالإسلام، فانتشاره واضحٌ، والآذان يصدح مسموعًا.

في مالاوي لا يطلب الناس لأكثر من الأكل، إذ يردّدون المثل الشعبيّ" شيمانغو ندي مويو"، أي " الذرّة هي الحياة"، إنهم لا يطلبون لحمًا؛ بل ذرّة فقط، وهو الأكل الشائع، والناس مع الأجانب رغم الفقر المُدقع ودودون في معاملاتهم اليومية لكنهم لا يضحكون، ولا يمنحون أنفسهم هذا الحقَّ؛ وإنْ فعلوا فبعيدا عن الأعين؛ الضحك والابتسام بذخٌ لا يليق بهم؛ خُلقوا ليكونوا فقراء.

مالاوي قلْبُ إفريقيا الدّافئ لا تستحقّ هذه التعاسة الشاملة.

اكتفيتُ بالحديث ممّا جاء في الكتاب عن أربع دول: السودان، تنزانيا، جنوب إفريقيا، مالاوي؛ وما هو مدون في الكتاب عن الدول الستّة الأخرى لا يقلّ مُتعة؛ بل أكثر، وكذلك ألمًا. ممّا يُتّهم به الجزائريون أنهم لا يدوّنون رحلاتهم إلى بقاع العالم، وهم من السبّاقين إلى الرّحلات البعيدة والقريبة، وأنهم أقلّ جرأة من تدوين حيواتهم الشخصية؛ إلّا أنّ الإعلامي القدير المتميّز نجم الدين سيد عثمان ألغى هذا الحكم، وربّما فئة ممّنْ قرأوا، أو سيقرؤون هذا الكتاب سيشمّرون، ويدوّنون رحلاتهم.

كتاب" رحلات جزائري في ربوع إفريقيا" ذو مضمون ثريٍّ جدّا، وأسلوبٍ مشوّقٍ، سرْدٌ فما هو بالسّرد فحسب، شعْرٌ فما هو بالشعر فحسب، حكْــيٌ فما هو بالحكي فحسب، إنما كلها اجتمعت في هذا الكتاب كي يكون وجبة شهية ماتعة للقارئ.

 

بشير خلف/ كاتب من الجزائر

 

 

جمال العتابيتاريخ الخوف.. للكاتب الباحث فالح مهدي

زخم الأسئلة عن الجذور وأدوات الصنع

الكاتب فالح مهدي يسعى لتجاوز ماهو مألوف ومكرر أو مستهلك في معظم كتاباته، وبرؤية جديدة في مشروعه النقدي، ويحاول فالح أن يحقق حضوراً متميزاً ومضافاً، فيجد نفسه في حالة إلزام وبحث عن الحقائق في موضوعات فكرية، وبلغات أخرى غير العربية، تفتح أمامه أبواباً واسعة لمعرفة مضافة.

ولعل فالح قدّم للمكتبة العربية إسهامات جديدة أغنت الذهنية الإنسانية بدراسات جادة، كنمط جديد في التفكير والإبداع، منذ أن صدر له (المنقذ) عام 1972، دراسة مقارنة في عقيدة المنتظر بين ثماني ديانات، وللكاتب مهدي إسهامات مهمة في كتابة الرواية والقصة القصيرة، باللغتين العربية والفرنسية، ثم إتجه نحو تناول القضايا الفكرية الأكثر حساسية، تلك التي تتعلق بالمكبوت الديني والإجتماعي والأخلاقي والسياسي في تاريخنا الحديث والقديم، وهو في سائر أعماله هذه ينتبه إلى ماهو مثير في الكتابة، منشغلاً بعمق في الكشف والإضاءة.

إن إختيار فالح مهدي لنهجه الجديد في الكتابة، ليس إختياراً شخصياً فردياً لمادة معرفية، بقدر ماهو إستجابة لحاجة عميقة في الذات تتمثل  بزخم الأسئلة السايكولوجية، الميتافيزيقية، الأنثروبولوجية، السسيولوجية، وعموما هي أسئلة وجودية، عن الحياة والموت، عن الاديان، واللاهوت والطوائف، لذلك كان إختياره لـ(تاريخ الخوف) كميدان للدراسة، إختياراً فكرياً يضرب بجذوره في أعماق الكائن القلق المتسائل، انه إختيار غير عرضي، فالإنسان منذ القديم، يجد نفسه مدفوعاً إلى التساؤل عن مصادر الخوف وأسبابه ودوافعه،

ولكي نقف عند أبعاد (تاريخ الخوف) الصادر عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع في مصر 2022، لابد من الإشارة إلى الصعوبة التي تواجه الكاتب في البحث التاريخي، فالباحث فالح مهدي ليس مؤرخاً يعتمد التسلسل التاريخي، إنما هو باحث في المعرفة والفكر، وحسب أوغست كونت، فأن المعرفة الجيدة بمعنى من المعاني لا تتيسر إلا بالإطلاع على تاريخه، كما انه ليس طرفاً في صراعات، ومن ثم فهو لن يوجهها، بل عامل أساس في إخمادها.

توزع الكتاب إلى ستة فصول، تبحث في جذور الخوف، أصوله وبداياته الأولى منذ عصر الصيد وجمع القوت حتى زمننا المعاصر، وتجنب فالح البحث في حالات الخوف (البديهية) كما يصفها، كالذعر والرهبة والهذيان، وفقدان العقل، وراح نحو (العمود الفقري) للكتاب المتمثل بالسؤال : لماذا إستندت كل الديانات إلى موضوع الخوف لكي تقوم ويستقيم أمرها؟ والثيمة الأساسية الثي إعتمدها البحث، هي الخوف الممنهج الذي رسم مسيرة المجتمعات، وتحكّم بطرق أداء وظائفها، وإعادة بناء سلوكها، في ضوءالمنهج الذي إعتمدته الأيديولوجية الدينية والأسطورية منذ مئات السنين، الموت أساس وجوهر مخاوف الإنسان، بل كان العامل الأول في قيام الحضارات، وتطور الثقافات.

1981 تخاريخ الخوف

ان تاريخ المعتقدات الدينية التي سادت كانت من نتائجها الإيحاء بتشييد الإهرام، والقبور، والتوابيت، والمعابد، والكتابات والتماثيل والنصب، والكثير من الصناعات الفنية، والأدوات الموسيقية، وحتى الرقص والموسيقى تقدما بسبب ذلك، ان الدافع لعبادة مظاهرالطبيعة كان بسبب الخوف لإتقاء شرها، وبرأي الفيلسوف الأثيني كريتياس(460-403 ق. م)، ان الناس ابتكروا الآلهة كي يزرعوا الخوف في نفوس الآخرين.

ان صعوبات عديدة تواجه الباحث في دراسة الخوف، فهو موضوع معقد ومتشابك، لانه يتعلق بدراسة تاريخ الذهنيات والأحاسيس الداخلية الدفينة جراء حوادث ووقائع كثيرة، مثل الكوارث والحروب والأوبئة والموت، والمجاعات، والأهوال الكثيرة، ودراسة فالح مهدي تعدّ اضافة جديدة لدراسات سابقة بدأها المؤرخ (جورج لوفيفر) نشرها عام 1932، بعنوان الخوف الكبير عام 1789،خصصها للثورة الفرنسية التي عمّت فيها الفوضى بشكل خطير، وكانت الدراسة حافزاً لدراسات أخرى تشتغل على الخوف كثيمة، أهمها مقالة مهمة للمؤرخ الفرنسي (لوسيان فيفر)، إلا ان أهم عمل صدر عن تاريخ الخوف هو الكتاب المرجع للمؤرخ الفرنسي (جون دوليمو)، بعنوان تاريخ الخوف من القرن 14 الى القرن18الصادرعام1978، ودراسة أخرى للمؤرخ البريطاني (ريتشارد أوفري) حول العصر المريض، نشرت عام2009، وفي كتاب: الخوف تاريخ فكرة  سياسية للامريكي (كوري روبين)، يخلص فيه الى ان الخوف أصبح ركيزة أساسية لدعم السلطة وتبريرها.

في ضوء ذلك يمكن القول ان الخوف كشعور انساني وغريزة طبيعية، أسهم بشكل كبير في صناعة التاريخ العالمي، وان تاريخ البشر ما هو الا يوميات مجتمع يعيش على وقع الخوف بكل أشكاله.

وإذا كان تساؤل فالح مهدي عن إمكانية قراءة تاريخ الخوف وفق المعايير التي إعتمدها في البحث، فان العديد من الآراء والأستنتاجات التي توصل اليها الباحث تستحق المراجعة والتأمل، والمناقشة، منها على سبيل المثال، اشارته الى ان الأيديولوجية الدينية هي التي كرّست صناعة الخوف، وليست تلك الايات التي قادت للذعر، انا افهم ان الايديولوجيا في هذا الحقل اساسها واحد، وفي اشارة أخرى الى ان الانسان الاوربي، كفّت ان تكون بلاده بلاد خوف، بتقديري ان الوقائع والأحداث التي يشهدها العالم الآن وأوربا على وجه الخصوص تقول غير ذلك، فالمخاطر والتهديدات ومصادرالخوف ما تزال ماثلة بوجوه متعددة.

وأمام واقع قاد العالم الى كوارث كبرى بملايين الضحايا والخسائر في حربين عالميتين، هل يمكن الجزم ان نظاماً قام ببنائه لينين وشيده ستالين انه(اكثر الأنظمةإرهاباً في العالم)؟ وإختتم فالح مهدي كتابه بمبحث أخير عنوانه (الرحمة مقابل الخوف)، ناقش فيه كتاب الباحث عبد الجبار الرفاعي (الدين والإغتراب الميتافيزيقي)، بتقديري، ان هذا المبحث بحاجة الى دراسة مستقلة، لا تندرج ضمن كتاب تاريخ الخوف، ربما لأن الكاتب مهدي ذهب الى موضوعة أخرى تتعلق بالحرية لا الخوف،

والملاحظة ذاتها بخصوص النصوص والصلوات والاشعار التي وردت في المتون، اتساءل كم هي أضافت للمضامين غنى وتأثيراً؟

وثمة ملاحظة أخيرة أقولها لانها تأتي ضمن إهتمامي بالإخراج الفني، والطباعي، والتشكيل، وهي ملاحظةأعني بها دار النشر، التي لم تكن موفقة في تصميم الغلاف واخراج الكتاب بالشكل الذي يتناسب واهميته الفكرية والمعرفية، أو مع أهمية اسم الكاتب وحجم الجهد العلمي الذي بذله فيه.

ان الاقتراب من موضوعة الخوف بالبحث والدراسة المعمقة، وبمقاربات متنوعة، يعد مغامرة للكاتب، استطاع فالح مهدي أن يخوضها بجدارة، والكتابة في هذا المجال، تعد إنجازاً له، وللفكر الإنساني.

 

جمال العتّابي

 

محمد عبد االشافي القوصيأول كتاب يُؤرِّخ لشعراء المعارضــة

كتاب (شعراء في مواجهة الطغيان) يُعدُّ موسوعة أدبية عن تاريخ الشِّعر السياسي في الوطن العربي، إذْ يَعرِض مآسي الشعراء العرب عبر العصور.. أولئك تعرضوا لأشد أصناف القمع والتعذيب والمطاردة والتصفية الجسدية!

"هذا الكتاب" بمثابة صندوق للشكاوى، ودفتر للمظالم، وساحة مصارعة، ومحكمة علانية منعقدة، تتبادل فيها الاتهامات بين الظالمين والمظلومين، بين المفترِين والمُفترَى عليهم، بين الطغاة المسلحين والمستضعفين العزل!

"هذا الكتاب" يحتوي على القصائد الممنوعة، والقصائد التي لم يُعرف أصحابها الأصليون، والقصائد التي بسببها تمَّ تصفية هؤلاء الشعراء، أوْ سجنهم، أو مطاردتهم، أوْ نفيهم؛ بدءاً من عمرو بن كلثوم، مروراً بالفرزدق، والكميْت، ودعبل، حتى نصل إلى البارودي، والكاظمي، ومحمود الزبيري، وأمل دنقل، ويحيى السماوي، ومُظفَّر النواب، ونزار قباني، وأحمد مطر، وغيرهم من الذين قضوا أعمارهم في المنافي والسجون!

إنَّ أزمة هؤلاء الشعراء تكمن في (أنظمة الحكم) الجائرة التي أنشبتْ أنيابها عبر حقب تاريخية مظلمة، وجاءت عن طريق انقلابات رعناء؛ تعمّدت تهميش الصالحين والمصلحين، وعزلهم عن مواقع الريادة والتأثير، بلْ ومطاردتهم وتصفيتهم؛ حتى يخلو الجو لحواشي السلطان من الأقزام والمتسلّقين الذين هم –بمثابة– اليد اليُمنَى من الطغيان!

***

ترى؛ لماذا يغضب الشعراء؟ وما هي الدوافع التي جعلت الشعراء يحملون راية العصيان؟ وأجبرتهم على كتابة القصائد المسمومة؟ التي يُعَدّ اقترافها من "الكبائر" أوْ من "المحظورات"! وما هي الأسباب التي أرغمتهم على كتابة هذا الشِّعر الحارق، وهذه القصائد المتفجِّرة التي جَرَّتْ عليهم كثيراً من الأزمات والمصائب؛ كالسِّجن والنفي والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية!

هؤلاء الشُّعراء لا يتصنَّعون "الشِّعر السياسي" ولا يتكلَّفونه كالأغراض الشعرية الأخرى، إنما يفرض نفسه عليهم فرضاً، ومُساقونَ إليه سوقاً، ومدفوعونَ إليه دفعاً .. ربما لسوء الأحوال الاجتماعية وتدهور الأوضاع السياسية، أوْ ربما بسبب طبيعتهم النفسية القلقة، أوْ بفعل شياطينهم المردَة، أوْ بسبب قسوة الحياة، ووحشية الحكومات، وضراوة الأنظمة الحاكمة!

فالشَّاعر العربي جُبِلَتْ نفسه على خَلْق هذا اللون الشِّعري "المُزعِج"! ورأى نفسه مشدوداً إليه شداً، ومدفوعاً إليه دائماً بدافع قهري. فعندما تلحّ عليه فكرة القصيدة أوْ موضوعها، لا يستطيع صدها أوْ منعها أوْ حتى تأخيرها ... إنها لحظة المخاض -كما وصفها الشعراء أنفسهم! فلابد لهذا الجنين أن يخرج إلى النور على الفور سواء كانت ولادته عادية مُيسّرة، أوْ قيصرية مُتعسِّرة! المهم أن يخرج هذا الكائن إلى الحياة ... أمَّا عن اسمه ورزقه وأجله؛ فهذه مسائل أخرى تتضح معالمها فيما بعد الولادة.. حيث يبدأ صراع هذا "الوليد" الشِّعري مع الوجود الخارجي المُلَبَّد بالسحب الداكنة، والعواصف الهوجاء، والحُفر الاجتماعية والمطبّات السياسية. ولطالما أمسى هذا الوجود الخارجي في حالة لا تسمح له بقبول هذا الوليد أوْ منحه مكاناً تحت النور!

***

"هذا الكتاب" جمع أشهر القصائد السياسية عبر التاريخ التي أودتْ بحياة أصحابها، وألقتْ بهم في غياهب الضياع ... حيثُ نتوقف مع الشّاعر الذي هجا "نوبار باشا"، والشّاعر الذي هجا "رياض باشا"، والشّاعر الذي هجا "الخديوِ سعيد"، وثورة شاعر البادية، وشـاعر البـؤس، وشـاعر في رَحِم السجن! والمُلاكِم الأدبي، وشـاعر الإسلام، وشاعر الثورة، وشاعر الدعوة، وشاعر وراء القضبان، وشاعر الانتفاضة، وشاعر الصحوة، والشَّاعر المجهـول، وأزهري في مواجهة الاحتلال، والأعمى الذي رأى كل شيء، وأمير شعراء الرفض!

وهناك قصائد مهمة جداً، احتواها الكتاب، مثل: قصيدة جـلاّد الكنانـة! ورسالة في ليلة التنفيذ! ورسالة في ليلة النصر! وفلسفة الثعبان المقدس، والخروج من السجن الكبير، واللَّعين الأول، وفرعون مصر، وفرعون وقومه، وقذائف الحياة الأولى، وصرخة من خلف الأسوار، والقدس عروس عروبتكم، والسيرة الذاتية لسيّاف عربي،  وأغاني الديكتاتـور، ومبارك العميـل، وكـِلاَب وأُسُـود، وصـلاة الكُهَّـان، والحاخام يخطب في بغداد، وارحــل يا جبان، وارحــل .. يا بلطجـي، وارحلـوا عنّا .. إلى غير ذلك من القصائد التي تقطر دماً.

نعم؛ إنها قصائد حارقة أطاحت بالأنظمة، وزلزلت عروش الطغاة!

وفي الوقت ذات؛ جنتْ هذه القصائد على شعرائها مصائب كبرى، فعوقبوا بالمطاردة، والملاحقة، والتصفية الجسدية!

العجيب؛ أنَّ أغلب هؤلاء الشعراء من (مصر واليمن والشام والعراق) وهذا أمر يجب التوقف عنده، والبحث في كُنْه هذه المجتمعات الاستبدادية؛ التي فرضت على أدبائها التمرُّد والعصيان!

ومن القصائد التي احتواها هذا الكتاب، قصيدة (ارحــل يا بلطجي) للشاعر السوري "محمود السيد الدغيم" التي هجا بها "بشّار الأسد"، قائلاً له:

ارْحَلْ وَخُذْ كُلَّ اللُّصُوْصِ

وَخُذْ رُعَاْعَكَ يَاْ هُبَلْ!

بَلْ خُذْ جَمِيْعَ الْمُخْبِرِيْنَ

وَكُلَّ جُمْهُوْرِ الْفشلْ

إِنَّاْ خَلَعْنَاْ خَوْفَنَاْ

فَارْحَلْ كَمَخْلُوْعٍ رَحَلْ!

بلْ استمع إلى الشاعر العراقي (يحيى السماوي) وهو يَروي مآسي وطنه:

فأرض "دجلة" عندي عن مصائبها

ما لا يُقالُ، فماذا يكتبُ القلمُ؟

مدائنٌ أصبحتْ للناس مقبرةً

وأنهُرٌ ماؤها مما يُراقُ دمُ!

وأيُّ حاكم لؤمٍ بات يحكمنا

وقدْ تساوى لديهِ الدِينُ والنغمُ!

وما أروع تشبيه الطغاة العرب بالكلاب الضالة، بل الكلاب أشدّ طهراً منهم –كما يقول الشاعر "إسماعيل شعشاعة":

كِلابٌ والكلابُ أشدُّ طُهْراً

كِلابٌ .. والكلابُ أجَلُّ قَدْرَا

إذا شبّهْتَهُمْ فيها اشمأزَّتْ

وتاهتْ فوقهمْ تختالُ كِبْرا

كلابُ الأرضِ أنصعُ .. بَلْ كَفَجْرٍ

وهم زادوا اسْوِداداً بَلْ وفُجْرَا

كِلابُ الأرضِ أرفعُ في مقامٍ

وأطهرُ منهمو فعلاً وسؤْرا

وهُمْ عارٌ على وطني وقومي

أحالوا الخصبَ كُثْباناً وقَفْرَا !

***

محمّــد عبد الشّــافي القُوصِـــي

 

 

وجبة دسمة من الجمال

يعود د.سمير ايوب مجددا ليأسرني بحروفه، بأحساسه وسرده، يعود هذه المرة ليحدث دويا في داخلي ضجيجا من المشاعر

يكتب بهذا العمق وهذا الاحساس ونعيش معه كل هذه المشاعر ليصعب علينا النسيان

نواصل المسير في عالم د.سمير ايوب وهذه المرة مع مجموعة جديدة من القصص الاكثر إمتاعا .

40 قصه يبدع بها الكاتب الكبير بنفس النهج الذي يعتمد على اختصار الكلام واطلاق الحكايه في افاقها الواسعة .

هنا ستجد لوحات من حياتك وحياة الاخرين بكل تفاصيلها، وقد تبتسم وتقول هذه الحكايه تمثلني، وهذه حكايه جاري، وهذا فلان دون شك !!

هنا يبدأ الابداع برسم ملامحه، عندما يمسك د.سمير القلم .

"ثرثرات في الحب "  عنوان مجموعة نصوص جديدة للكاتب سمير ايوب وأنا أعتبر ة شاعرا وقاصا وروائيا، رغم أنه لا يصف ولا يصنف ما يكتبه، هو يكتب فقط، يكتب دون أن يعكر ويفسد الدهشة بلغة التأويل، ولا تهمه الاعتبارات التي ينظر إليها الكتّاب حين يمسكون القلم.

عندما تقرأ نصه، تجده رسالة، أو مقطعا  من رواية، تقرأه مرة أخرى، فتحسّه قصيدة أو قصة قصيرة.

وهو في الكتابة ليس له خط سير، يتكلم بصدق وجرأه عن الكثير من القضايا التي تتوارى في الصمت ويطرح وجهة نظره ونظر غيره من الرجال والنساء

 يحس بتعب المفردات ويدعونا ان ننسى تماسكنا وننساب في متعه الانكسار العظيم عندما يقول :

 ماذا أفعلُ بهذا الكَمِّ الهائلِ مِنَ الألمِ  يا ظالمة؟ حضورُكِ الغائبُ يَعتصرُني، ويُلبِسنُي وجَعاً، مُمْتداً بينَ كلِّ غَفوةٍ وقَطرةِ حِبْر .

مر زمن طويل لم يشدني كتاب حتى عثرت على الدهشة هنا خلطة آسرة من المشاعر المربكة

خوف..إعجاب..دهشة..وجع..وارتجاف يصيب قلبك وعقلك

ادب يضعك على خيط رفيع بين الواقعي والخيال، بين تفاصيل الواقع وجزئياته الحياتية والغوص عميقا في التخييل لدرجة تجعل عقلك مأخوذا في دهشة لا تنقطع، دهشة تجعلك تتدخل في الحدث السردي وتعيد تشكيله وتأويله، وتفتح خيالك على اتساعه صارخا بلا وعي" يااااه.. كيف قال ما عجزنا عن قوله.. كيف رأى ما لا نراه؟!"

 في المجمل لا يمكن اختزال الحياة في عبارة ولا كتاب في كلمة لكن د. سمير ايوب لص محترف يسرق منك وقتك فتغرق في تفاصيل قصصه ورؤاة"

ليس من السهل أن تدخل عوالم سمير ايوب القصصية، الطريق المزينة بجمال لافت وعبقرية سردية طريق وعرة، ستشدك من قلبك وتتركك هناك تقرأ وتعيد، تقرأ وتشهق، تقرأ وتضحك، تقرأ وتبكي، تقرأ وتعيد.

ستجد نفسك مأسوراً، وراضياً جداً..

"ثرثرات في الحب" عمل لا يمكنك أن تتركه حتى تنهيه، ولا يمكن أن تنهيه إلا لتعود إليه مجدداً فأفضل الكتب تلك التي تجبرك على العودة إليها كالقُبلة الأولى في ثنيّات الذّاكرة!  تلك الكتب التي تخرج منها بعبارة عميقة و باقتباس جميل .

لم آسف في حياتي على انتهائي من كتاب، بقدر ما أسفتُ على مفارقةثرثرات في الحب "

كلما انتهت حياة شخصية شعرت بأن سمير يكسر لي ضلعًا. لا أذكر كم مرة ضحكت، ولا كم مرة بكيت، ولا كم مرة شهقت، لأن هذا المعلّم العملاق يبرع في إخفاء أدواتة .

أكثر السحرة إدهاشًا لا يستخرجون الأرانب من القبعات، بل يستخرجون القبعة من أذن الأرنب، وسمير من الصنف الثاني، النادر، العبقري دونما مبالغة وبتطرف تام من قبلي.

إذا كانت الكتابة هي الطريقة، فإن سمير ايوب هو شيخ الطريقة حتمًا.

د.سمير ايوب عرفته جيدا و منذ فترة طويله جدا

هو ذاك الذي يضعك في مكان تضيق فيه المساحات و يجبرك على ان تبحث عن طرق اخرى لتعرف نفسك اكثر فاكثر

هو نفسه الذي يجعلك تتفجر انهارا، ينابيع من كل المشاعر يجعلك تصبح طفلا صغيرا يبحث عن اله على مقاسه علّه يتفهمه

ثم يجعلك مراهقا يبحث عن ملامح حبيبة قادمة في خيوط دخان..في رائحة الجِنان..و يقع صريع قبلة هاربة، يجعلك تستبق عمرك الفاني لتشيخ قبل الوقت بايام ثم تسعد برؤية تجاعيد الكلمات في مقلتيك..تتساقط شلالا

 يجعلك تصدق بأن الشخصيات والأماكن والحوادث التي يكتب عنها هي حوادث حقيقية حدثت بالفعل، أو قابلة للحدوث، ومن خلال رسمه الدقيق لهذه الشخصيات يجعلك تراها بعينك حقيقة واقعة، حتى أنك ترفض مجرد فكرة التشكيك بها. 

كاتب ذو خيال يمتلك قدرة من نوع ما على تطويع الكلمات في وصف أشياء انت تصادفها كل يوم وتشعر بها وتتفاعل معها لكنك لا تتمكن من وصفها، لذلك فأنت تحب هذا الكاتب دون سواه لقدرته على وصف شعورك وليس لأنه جاء بشيء جديد لم تكن أنت تعلمه.

كاتب يتفوق على نفسه ولا يكرر ذاته وجمله، وعندما يكتب كأنما يعيش حياة أخرى، ليست حياته، ومع الانتهاء من الكتابة، يموت، ويمضي بعينين وأصابع جديدة، نسميها نحن المُخيّلة.

ربما من الغريب بالنسبة لي كقارئة متأنية  أن أقرأ كتابا كاملاً في جلسة واحدة، فأنا أرى في النص الادبي القصير حلوى أختم بها وجبة دسمة من قراءات متعددة..

ما حصل مع هذا العمل كان مختلفاً..

فمن الإهداء حتى آخر صفحة بيضاء كنت في حالة امتلاء ودهشة..

تتداولني مشاعر الحب، والخوف، والشغف، والشوق، والرعب والمتعة.

كل كلمة كانت تمتلك لحنها الخاص، كل نص كان رواية .

عمل مهم ومختلف في الشكل..والمعنى..والمبنى..والتقسيم.. والعناوين.. حوارات مدهشة ومتداخلة ومترابطة، في تركيب روائي ساحر، بشكله المغاير، وأساليبه المتعددة .

لن أتحدث كثيرًا عن الكتاب وكذلك لن أكتب عنه ما أريده حقًا

انتظروه واقرأوه ففيه الكثير الكثير، مما لم يكتبه غيره .

هذا ما تخبئه ثرثرات د.سمير ايوب ثرثرات رشيقه وشخصيات جريئه حره مرسومه بدقه وعنايه ناقلًا إلينا الدهشة، بخفة ساحر، وارتباك شاعر، وعين ضائعة، تبحث عن رؤاها، فيما لا يُرى.

مبارك صديقي..تستحق ألف شكر على هذه الوجبة الدسمة من الجمال..

لن أقرأ أي شيء آخر اليوم..غير أنني سأحلي بهذه النصوص قراءاتي لأيام كثيرة قادمة.

 

نوال عايد الفاعوري

 

 

يسري عبد الغنيعلي بن عيسى الكحال، طبيب عربي له إسهامات كبيرة في طب العيون، ومعنى كلمة الكحال أي طبيب العيون، عاش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، ويعد كتابه (تذكرة الكحالين)، من أشهر الكتب في طب العيون عبر تراثنا .

ومن الأمور الجديدة التي أحدثها علي بن عيسى الكحال استخدامه للتخدير أثناء إجراء العمليات الجراحية في العين، وقد اعترف المستشرقون بأنه أول طبيب في تاريخ الطب العالمي يستخدم التخدير في العمليات الجراحية على وجه العموم، وفي العمليات التي تجرى في العين على وجه الخصوص .

هذا الرجل الذي عاش في بغداد العراقية تشهد بشهرة كتابه (تذكرة الكحالين) ترجمتان مهمتان، إحداهما: باللاتينية، والأخرى: بالعبرية، وترجع الترجمة الأولى إلى سنة 1497 م، وسنة 1499 م، حيث نشرت في مدينة البندقية الإيطالية، أما الترجمة العبرية فيرجح أن تكون قد نشرت في حوالي سنة 1500 م .

هذا، وقد عني المؤلفون والباحثون من أهل الاستشراق في القرن العشرين بتحقيق التراجم الموجودة لكتاب علي بن عيسى، وقاموا بنقلها إلى اللغات الأوربية الحديثة، حيث استفاد منها الغرب استفادة كبيرة .

ويقع كتاب (تذكرة الكحالين)، في أجزاء ثلاثة، وهو أقدم مؤلف كتب باللغة العربية في (الرمد)، إذا استثنينا مؤلف حنين بن إسحاق، والذي عنوانه (المسائل في العين)، وقد جاء على طريقة السؤال والجواب، حيث أنه وضعه لولديه: داود وإسحق .

ونشير هنا إلى أن الدكتور / ماكس مايرهوف، والأب سباط، قاما بنشر كتاب حنين بن إسحاق سنة 1938 م، والمعروف لنا أن حنين ابن إسحاق توفي سنة 877 م، في شهر أكتوبر تحديداً .

ولا يمكن لنا إلا أن نقطع في هذا المجال بتأثر علي بن عيسى في كتابه (تذكرة الكحالين)، بما ورد في كتاب حنين، ونؤكد أنه بنى عليه من عندياته إضافات عديدة مفيدة، فكانت النتيجة أنه أحاطنا علماً بكل معلومات زمانه في مضمار طب العيون .

ونقول أيضاً: إن حنين نفسه اعتمد على ما جاء قبله في نفس المجال، وهذه هي سنة التراكم العلمي، فلا ضرر ولا ضرار، أن يأخذ اللاحقين من السابقين، فكلنا عيال على الكتب، وعليه فلا داعي أن نشوه ونسئ إلى الآخرين عندما يستفيدون بكتب من سبقوهم، المهم أن يشيروا إلى ذلك وفقاً لقواعد البحث العلمي والأمانة العلمية، وفي نفس الوقت يجب أن يكون لهم رؤيتهم الخاصة بهم، وإبداعهم الذي يفيد القارئ .

نعود فنذكر: أن أول جزء من كتاب الكحال عني بالتشريح والوظيفة، بينما عني الجزء الثاني بالأمراض ذات الأعراض الظاهرة من الخارج، وجاء الجزء الثالث ليهتم بالأمراض الخفية، وبالغذاء، وبالطب العام، مع اهتمام كبير بالرمد وكيفية علاجه .

وقد ورد في الكتاب وصفاً لحوالي (130) مرضاً من أمراض العيون، وورد أيضاً (143) عقاراً لعلاج هذه الأمراض .

وفيما يلي نشير إلى بعض الدراسات والأبحاث التي قام بها أهل الاستشراق لدراسة الكحال، ودوره المتميز في الاهتمام بعلاج وتشخيص وبحث أمراض العيون:

1 - البحث الذي كتبه (هوشبرج)، بعنوان (علي بن عيسى الكحال)، وقد استند فيه إلى العديد من المخطوطات العربية الطبية، التي شرح الكثير مما تضمه عن الكحال، وقام بنشر هذا البحث باللغة الألمانية في مدينة ليبزج سنة 1904 م، ويجدر بالذكر هنا أن هوشبيرج قام بترجمة كتاب الكحال إلى اللغة الألمانية أيضاً .

2 ـ كذلك عقد (هوشبيرج)، فصلاً مهماً عن الكحال ضمن كتابه (متن في طب العيون العام )، وذلك في الصفحات من 121 إلى 146 .

3 - كما قام (سي.أ.وود)، بترجمة كتاب الكحال، بترجمة كتاب الكحال إلى اللغة الإنجليزية، وذلك في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1936 م.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علي محمد اليوسفصدر لي عن دار غيداء بالاردن كتابي الفلسفي الجديد بعنوان (نقد في الفلسفة الغربية المعاصرة)، إليكم تفاصيله:

المحتويات

المقدمة

القسم الاول : اللغة والفلسفة

-  فائض المعنى في فلسفة اللغة

-  توليدية جومسكي في التحول اللغوي

- البنيوية:الانسان خارج منظومة الحياة

- التفكيكية وسلطة تقويض النص

- بول ريكور : فلسفة الارادة والانسان الخطاء

- بول ريكور : تأويل خطاب ما بعد البنيوية

- ادراك الوجود ..الفكر واللغة

القسم الثاني: مختارات فلسفية محكمة

- فويرباخ: الطبيعة ونزعة التفكير البدائي الميتافيزيقي

- عالم الانسان المصنوع والطبيعة

- وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة

- الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل

- وعي الذات وما بعد الحداثة

- العقل والجسد ...البيولوجيا والفلسفة

-  الفلسفة وما بعد الفلسفة

القسم الثالث: الفلسفة الامريكية المعاصرة

-   الذرائعية والواقعية الجديدة في الفلسفة الامريكية المعاصرة.

-   وليم جيمس... هل الوعي موجود ؟

- المثالية النقدية الاميكية..الطبيعة والعقل والاخلاق

-  تيارات فلسفية امريكية متداخلة معاصرة

-  المنهج الطبيعي في الفلسفة الواقعية النقدية الامريكية

-  النزعة المثالية النقدية في الفلسفة الامريكية

القسم الرابع: هيدجر والميتافيزيقا

-  سؤال هيدجر في الوجود والعدم

-   الوجود مفهوم ميتافيزيقي وليس موجودا انطولوجيا

-   الوجود والموجود.. الثابت والصيرورة

-  هيدجر وميتافيزيقا الوجودية

- تعالق الوجود والموجود في فلسفة هيدجر

-  كلمات فلسفية في الوجود والحياة ج6

- العدم من منظور فلسفي

- الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف

القسم الخامس : الفلسفة والمعرفة

- مبحث الابستمولوجيا في الفلسفة المعاصرة

- الابستمولوجيا والخبرة العقلية

- كانط وقالبا الزمان والمكان في الادراك العقلي

- فرويد :الزمن في اللاشعور

-  قضية فلسفية: قريبا من المتن بعيدا من الهامش

- شذرات فلسفية مداخلة وتعقيب ج2

- كلمات فلسفية في الوجود والحياة ج6

- هوسرل:ماهية الانسان في المنهج الظاهراتي (الفينامينالوجيا).

- الجنس البدائي ومشاعية تملك المرأة والثروة

2154 علي محمد اليوسف

المقدمة

كعادتي المتبعة في مؤلفاتي الفلسفية الاخيرة لا يقتصر هذا المؤلف على موضوع محوري مركزي واحد كما يدأب عليه بعض الباحثين في الفلسفة عنونة الكتاب فقط، وغالبا ما يسود مثل هذا التناول الحشو الزائد والاستطرادات الاجتزائية من تاريخ الفلسفة المعادة المكررة التي لا علاقة له بمتن الكتاب المركزي المتناقض مع العنونة من حيث وجوب ربط العنوان الدلالي مع موضوع الكتاب المحوري الواحد قيد البحث الفلسفي، أذ نجد عنونة عريضة مبهرة ومضمون فكري فلسفي فقير ضحل يبتعد عن توضيح ومناقشة صلب موضوعه المعلن في عنوان الكتاب وهو ما نجده واضحا عند المشتغلين في المباحث الفلسفية تعريبا أو شروحات عرضية لا تخرج عن تكرار نفس المفردات نصّيا ونقلا حرفيا عن أصل الموضوع دونما حتى أمكانية عرضها بوضوح.

أختصر القول أن محتوى هذا الكتاب لا يخرج عما كنت دأبت عليه في مؤلفاتي الفلسفية من ميزات أقصدها بالذات ولا تفرض هي نفسها، تلك هي أن القضايا الفلسفية التي أتناولها وهي جميعا تخص الفلسفة الغربية المعاصرة متنوعة جديدة، مقالة ، دراسة ، وبحث، مثال ذلك أني أفردت قسما كاملا يتألف من ثمانية مباحث في الفلسفة الذرائعية (البراجماتية) الامريكية وتياراتها الفلسفية المتعالقة المتداخلة تحقيبا زمنيا معها، التي غالبا لا نجدها في مؤلفات مترجمة عن الانكليزية والفرنسية والالمانية معظمها ترجمات أكاديمية لا تتعرض كثيرا للتيارات الفلسفية المتعالقة مع البراجماتية العملية المزامنة لها من حيث التحقيب التاريخي لنشوء تلك التيارات وتبيان الاضافات الفلسفية التجديدية والاختلافية التي طرأت على الذرائعية الامريكية الفلسفة الأم التي ولدت من رحمها..

مسألة أخرى أن مباحث ومحتويات هذا الكتاب الفلسفية تقع في خمسة اقسام موزعة على ستة وثلاثين مبحثا هي تنويعات فلسفية مختارة بدقة وعناية مكتنزة بموضوعاتها وليست عروضا سطحية مكتفية بالتعريف بها كمواضيع كما هي في الاصل المترجم كأنها مسلمات لا يطالها الشك ولا النقد الرصين في توضيح نقاط الضعف التي تحويها تلك القضايا البحثية المعربة في ألنص الاجنبي المنقول الى العربية ويجري عندنا التعتيم على تحاشي نقد تلك الاراء لغياب توفرالقدرة الفلسفية والامكانية الفكرية في نقدها وتبيان مناحي القصور فيها ومعاملتها كتوثين فكري صنمي معصوم من الاخطاء لا نقد يطاله ولا توضيح حصيف يتقصّاه..

كما أن تخمة العروض الفلسفية المترجمة للعربية أصبحت من الكثرة والتراكم الثقافي والاكاديمي التداولي قرائيا تخصصيا في قاعات التدريس الفلسفي الجامعية ما يستوجب معه ضرورة ممارسة النقد لها وزرع النزعة النقدية لدى طلبة الجامعة المتخصصين بدراسة الفلسفة بغية الشروع بتأسيس مشروع فلسفي عربي يقوم على التكافؤ الندّي في رؤيتنا الفلسفية العربية الخاصة بنا التي بدأت تفرض نفسها علينا..والتحصيل الفلسفي أصبح مكمن قيمته اليوم لنا عربيا أن يكون جزءأ لا يتجزأ من مشروع تحديث عربي مطلوب وأكثر الحاحا بضرورة حضوره في كل مناحي حياتنا..

مسألة أخرى جديرة بالتنويه لها هي أنني أعمد تجنب أستخدام ثبت المصادر والمصطلحات الفلسفية باللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية المعرّبة كما وردت في الاصل والتي أصبح هوس الاكاديمين من نقلة النصوص الفلسفية محموما بأستعراض قدرات لا تتعدى نقل تعريب حرفي للمصطلح الاجنبي على أنه مفتاح التفلسف المحتكر من قبل الفيلسوف المؤلف والتغاضي عندنا عن ضرورة تقريب تلك المصطلحات الفلسفية الاجنبية من ذهنية وتلقي القاريء العربي كبنية نقدية وليس كمسلمة ناجزة لا يمكننا المساس بها..

معظم الباحثين في قضايا الفلسفة عندنا يعاملون المصطلحات الفلسفية الاجنبية على أنها مفاهيم ومباحث فلسفية قائمة بذاتها وهو خطأ..فالمصطلح الفلسفي كما هو المصطلح في كل ميادين العلم والمعرفة هو أجماع متفق عليه من قبل واضعي تلك المصطلحات بينما يكون (المفهوم) مبحثا فلسفيا مشاعا للجميع الاسهام بتناوله وتخليقه وتصنيعه من جديد..بمعنى المصطلح ثابت لا يتغير، والمفهوم متغير متحرك غير ثابت لعدم أمتلاكه أجماعا حسميا عليه..

لا حاجة لتكرار أن القضايا الفلسفية المطروحة في فصول هذا الكتاب هي من الكثرة والتنوع الثري التي تجعل المتلقي المتخصص الفلسفي وغير المتخصص يتنقل بين ثنايا تلك المواضيع بمتعة معرفية نقدية وحصيلة فلسفية تجعل من تلك القضايا الفلسفية نصوصا يمكن للباحث العربي المتمكن من ثروته الفكرية وأدواته البحثية ممارسة نقدها بكل يسر وسهولة ولا تحتاج الفذلكة اللغوية المستعصية الخاوية من المعنى والتنطع وراء المصطلح المستغلق واللغة التي دأبت عليها المؤلفات الفلسفية العربية كتلفيق وتدليس يستغفل المتلقي العربي وليس كتأصيل معرفي حقيقي في مسؤوليته توصيل المعنى المطلوب فلسفيا..

وميزة أسلوب طرح مواضيع الكتاب المنوعة هذه التي أعتمدتها في جميع مؤلفاتي أنها تبتعد عن تقعرات اللغة وطلاسمها العصيّة المربكة في محاولة التضليل المخادعة على أنها فلسفة تمتلك العمق والرصانة وهي في حقيقتها تعمية لغوية وعدم وضوح في التعبير الفكري الفلسفي..

النقد الفلسفي ألذي أمارسه مع منقودات لمواضيع فلسفية أجنبية في محتويات هذا الكتاب أجدها تضطرني مجاراتها بلغة فلسفية من وزنها قد تبدو صعبة على المتلقي القاريء المتخصص وطلبة الدراسات الفلسفية في الجامعات العربية لكنها هي بالاصل كذلك صعبة فلسفيا..فالفلسفة ليست قيمتها في وضوح المعنى ولا قيمتها في أستغلاق لغة التعبير عنها أيضا..وعلى النقد تكافؤ المنقود كقراءة جديدة على صعيد لغة الفلسفة مع الاصل النصي والا انفقد الهدف الذي لا يكتفي بعرض الموضوع الفلسفي فقط..

أود هنا بالختام الاشارة الى أن محاربتي الوضيعة في مدينتي الموصل والعاصمة بغداد كوني باحثا في مجال فكري – ثقافي هو الفلسفة غير متاح ولا متوفر لغيري من عديمي الموهبة والامكانية مجاراتي به من حملة الشهادات الجامعية العليا بوسائل التزويرومزاد البيع والشراء لتراخيص الشهادات الجامعية المفلسة في مجال الفلسفة وحملتها غالبيتهم خلو من القدرة والقابلية في كتابة بحوث في مجال تخصصهم الذي يدعونه أساتذة جامعيين يقومون تدريس الفلسفة في الجامعات العراقية،،

لذا أصبحت محاربتي والتعتيم على منجزي الفلسفي عراقيا وليس عربيا الذي غالبا ما أنشر العديد منه على مواقع عربية فلسفية وثقافية محكمّة مثل موقع المثقف في سدني وموقع الحوار المتمدن، وموقع كوة المغربي وموقع فيلوبريس التونسي وموقع النور بالسويد.. وأني والحمد لله متابع ومقروء في نتاجي الفلسفي بآلاف من القراء العرب بما يسعدني المفاخرة به وبهم بهذا المجال.. عليه تكون محاربتي في مدينتي الموصل والعراق هو شهادة كفاءة أبداعية فلسفية أنتزعها منهم عنوة أن كتاباتي الفلسفية الموزعة في بحوثي ومقالاتي ومؤلفاتي الصادرة عن دار غيداء الغراء بالاردن هي رقم صعب تجاوزه أمام عديمي الموهبة والقدرة الفلسفية ممن يحاربوني بغباء ودناءة وأنانية مرتذلة على الصعيد الشخصي وليس الفكري.. وأجد ذلك من الامور غير الغريبة التي أعتدتها تصدر عن أناس متخلفين يرون في المبدعين الحقيقين جبالا سامقة ويبقون هم صغارا يتصارعون في الحفرالموحلة على سفوح وحافات تلك القامات الثقافية الكبيرة ..

لقد عقدت ببغداد واربيل بالتعاون مع بيت الحكمة الذي لا يمتلك أي نوع من مباديء ورسالة بيت الحكمة العباسي العريق فلسفيا وحضاريا وبالتعاون مع المؤسسات التي ترتبط بوزارة الثقافة أو الاتحادات شبه المستقلة عنها وبعض كليات جامعة بغداد جميع هؤلاء عقدوا مؤتمرات بائسة داخل العراق بأسم الفلسفة لا تمت للفلسفة بأدنى صلة، ومسخوا محبة الفلسفة وقيمتها العليا في أذهان الطلبة والمهتمين بالشأن الفلسفي من العراقيين، ولا يوجد من بين هؤلاء القائمين على مثل هذه المؤتمرات الهزيلة ثلاثة مشاركين على الاقل ممن يمتلكون حضورا فلسفيا على المستوى العربي كباحثين تحترم كتاباتهم أسوة بمفكرين وباحثين كفوئين عربا بهذا المجال كما في الاردن والمغرب وتونس ولبنان ومصر ممن أصبحت منابرهم ومنتدياتهم الفلسفية مفخرة لكل العرب الذين يتطلعون تحقيق نهضة فلسفية متاحة..

أخيرا أود التنبيه ألى مسألة مهمة أن ما سبق لي نشره على صفحات مواقع الكترونية ويجدها القاريء من محتويات هذا الكتاب، تشوبها في العديد منها أخطاء تعتبر من الامور العادية التي يقع بها كل مؤلف وكاتب وأتداركها بالتصحيح  ويعتبر تصويب الكتاب لها هو المرجع الصحيح وليس المنشور منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

أتوجه بالعرفان الجميل لكل متابعي نتاجي الفلسفي على مواقع الانترنيت العربية ومؤلفاتي الورقية المطبوعة بدار غيداء في الاردن على ثقتهم بكتاباتي الفلسفية... والى مزيد من الابداع الفلسفي العربي بعون من الله وتوفيقه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان /2019

 

جاسم الصفارصفحات لم تنطوي بعد.. المهيأ للنشر

من الفصل الأول "زائر الفجر"......

في الدول التي حكمتها انظمة دكتاتورية كانت معظم الاعتقالات السياسية تُنفّذ قُبيْل الفجر، وهي أهدأ فترة في الليل، يخلد فيها الانسان للنوم، تاركا حذره جانبا، وتخلو الشوارع من المارة، فلا يشهد على الظلم الا ألله. وقد استوحيت عنوان الفصل الأول من الفلم المصري المعروف (زائر الفجر) لممدوح شكري 1975، الذي ترددت في أحد مشاهده عبارة "البلد دي ريحتها فاحت... عفنت... بقت عاملة زي صفيحة الزبالة.. لازم تتحرق". وكان مصير معتقل "قصر النهاية" الرهيب، الذي ارتبط اسمه وسمعته بنظام البعث الإرهابي الهدم، بعد ان فاحت رائحته العفنة.

ولكيلا يكون هدمه سببا لنسيان ما اقترفه البعثيون من جرائم بين جدرانه، تأتي شهادتي المتواضعة عن تلك الأيام لتضاف لشهادات اخرى كثيرة، أوسع اطارا وأعمق تأثيرا لتوقظ في الذاكرة تاريخ المظالم التي تعرض لها عدة أجيال، من خيرة أبناء شعبنا العراقي، ابان حكم البعث. تصرخ فيهم كما صرخت ماجدة الخطيب (نادية) في فيلم (زائر الفجر): "الناس اللي تظلمت.... اوعوا تنسوا، اوعوا تنسوا....".

من الفصل الثاني "حكايات من قصر النهاية".....

وانا أعود بذاكرتي الى ما قبل خمسين عاما مسترجعا بعض من ذكرياتي عن تلك الأيام وشخوصها، خطر على بالي ما كتبه الروائي الروسي الرائع فيودر دستيوفسكي في (ذكريات من بيت الموتى) عن شخصيات عاشت في سجن في سيبيريا عانت جميعها من عالم يفرض عليهم قوانينه ويستلب حريتهم. أما بالنسبة لطبيعة هذه الشخصيات وسلوكياتها ومكنوناتها الروحية والعقلية، ففي رواية دستيوفسكي يختلف السجناء في سجيتهم، وهم كذلك في المعتقلات التي اكتب عنها في مذكراتي المتواضعة التي بين ايديكم.

تجدر الإشارة الى ان الحكايات التي سأسردها هنا، تشمل شهادات شخصية إضافة الى شهادات من كان معي في ذلك المعتقل الرهيب تلك الفترة، بعضها قاسية وبعضها لا تخلو من الطرافة. وسيدرك القارئ أني في سردي لتلك الحكايات لا ادعي بطولة، كما أني سأتجنب ذكر أسماء من لم يتحمل الموقف المذل والقاسي في المعتقل فاضطروا الى الاعتراف بأسرار تنظيمية او تعاونوا مع رجال الامن بعد ان استنفذت قواهم طاقة التحمل. وهناك حقيقة لا يجب ان تغيب عنا، وهي ان قدرة تحمل ظروف الاعتقال وأساليب التعذيب القاسية لا علاقة لها بحزب او قومية او طائفة او دين، فكم من المحسوبين على أحزاب دينية او طائفية او حركات قومية صمدوا وتحملوا ولم تنكسر ارادتهم طيلة فترة مكوثهم في المعتقل.

ما يحيي فينا انسانيتنا ليس البحث عن عثرات الاخرين فمن منا بدون اخطاء وبدون عثرات. ان ما يجعلنا انسانيون هو اندماجنا بالجزء الانساني من اقراننا في الانسانية وليس شحذ ذاكرتنا وخيالنا من اجل تضخيم سقطات الاخرين والبحث عن أسباب سقوطهم في زيف انتمائهم. ولكن هذا لا يعني اطلاقا تحرير الاخرين من مسؤوليتهم تجاه تنظيمهم وتجاه رفاقهم الذين شاطروهم الفكر والموقف.

رغم ادعاء البعثيين بتمسكهم بشعارات الوحدة العربية وتحرير فلسطين الا انهم كانوا يحتجزون في قصر النهاية مواطنين فلسطينيين واردنيين ومن المغرب العربي. معي في المعتقل كان عدد من الفلسطينيين وفي المطبخ الخاص بجلاوزة القصر كان يعمل معتقل من الأردن، لا ذنب له سوى انه تجاوز الحدود مع ماشيته فصودرت الماشية واستعبد صاحبها. وفي مكان اخر ليس بعيدا عن الصالة التي احتجزت فيها، كان هناك معتقل من تونس، تهمته اشتباه أحد رجال الامن بتلاعب مادي في صفقة تجارية شاركه فيها!

كان معي في المعتقل شاب، يكبرني في العمر ببضعة سنوات، معتقل بتهمة انتمائه للبعث اليسار (وهو جناح بعثي مؤيد لحزب البعث في سوريا)، لاحظت عليه دماثة الخلق مع مستوى لا بأس به من الثقافة، فأصبحت اتحين الفرص للحديث معه. في حديثنا كان قدر من الصراحة، رغم ما في ذلك من خطر علينا نحن الاثنين. لم اعرف انه من القومية الكردية الا بعد خروجي من المعتقل وزيارتي لأهله حاملا وصية منه. فاستغربت وقتها ان كرديا يتحمل كل هذا القدر من التعذيب دفاعا عن شعارات قومية عربية، بينما من يعذبه يدعي انه امينا على هذه الشعارات.

من الفصل الثالث "في معتقل مديرية الأمن العامة".......

في صباح يوم خريفي من عام 1970 نودي عليَ من زنزانتي ليجري اقتيادي برفقة أحد رجال امن القصر الى مكان قريب من بوابة الخروج لأصطف في انتظار السيارة المخصصة لنقلي، الى جانب اثنين من المعتقلين الذين كانوا معي في معتقل قصر النهاية وهما كريم احمد (ابو شروق)، عضو اللجنة العمالية للحزب الشيوعي العراقي، والمعتقل الثاني هو اخي باسم، الى معتقل مديرية الأمن العامة. وبعد طول انتظار دُفعنا نحن الثلاثة الى المقعد الخلفي لسيارة صغيرة، وكان ترتيبنا انا وأخي في طرفي المقعد الخلفي يتوسطنا كريم احمد. أما المقعد الامامي الى جانب السائق فقد احتله نائب رئيس الهيئة التحقيقية الثانية حسن المطير.

في طريقنا الى معتقلنا الجديد في مديرية الامن العامة، خاطبني حسن المطير ناصحاً بالابتعاد عن السياسة والاهتمام بمواضيع اخرى كغيري من الشباب، فالحياة بالنسبة لي، كما قال، في بدايتها وعلىَ ان لا اضيع مستقبلي وان استفيد من فرص الحياة الأخرى دون الدخول في مغامرة سياسية غير مضمونة العواقب. تحدث حسن المطير طويلا في هذا السياق، بينما كان كريم احمد يندسني خفية على قدمي استخفافا بكلام حسن المطير. كانت تلك بداية تعزيز الثقة بالمناضل المغدور كريم احمد (أبو شروق)، بعدها قدر لنا ان نصبح صديقين حميمين، وبقينا كذلك الى ان جرت تصفيته في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

من الفصل الرابع "في معتقل الفضيلية".....

بعد معتقل الامن العامة تم نقلنا انا وابي وأخي وعدد من المعتقلين الاخرين الى معتقل الفضيلية الذي كان اشبه بمركز احتجاز لمعتقلين بتهم تنوعت بين الجريمة العادية والسرقة والاغتصاب وتهريب وترويج المخدرات وغيرها الى جانب المتهمين بممارسة النشاطات السياسية أو المغضوب عليهم من النظام السياسي القائم. وكما تنوعت التهم التي بسببها تم احتجاز مرتكبيها او المتهمين بارتكابها فقد تنوعت مباني المعتقل.

كانت هنالك الصالات الكبيرة او القواويش المنفصلة عن بعضها ببوابات صغيرة، وقد حشرت فيها فئة السجناء العاديين الذين لا نفوذ لهم ولا حظوة في المعتقل بينما خصصت غرف منفصلة صغيرة تتوفر فيها بعض وسائل الراحة للمعتقلين المتنفذين من امثال جبار كردي وعمار علوش وهما من كوادر البعث القديمة وشقاواته، وقد كانت لهم سطوة بعد انقلاب شباط الاسود في عام 1963 وكانوا من المسؤولين عن حمامات الدم ضد الشيوعيين في معتقل قصر النهاية السيئ السمعة.

جرى حشرنا في أحد القواويش الذي كان اغلب المحتجزين فيه بتهم سياسية. وقد بدى لي بعد تعرفي الاولي على المعتقلين، بحسب طبيعة علاقتهم بنا، ان هنالك تصنيف للقواويش وفقا لنوعية التهمة، وأغلب الظن ان هذا التصنيف قد حصل حسب العرف وليس بتخطيط من ادارة المعتقل. اضافة الى القواويش والغرف الخاصة كانت هنالك زنزانات الاعتقال الانفرادي، وقد عرفت ان من بين المحتجزين فيها (كريم حواس) شقيق (مطشر حواس) عضو تنظيم الحزب الشيوعي العراقي-القيادة المركزية والذي اصطدم بقوى الامن في بغداد وجرح أحدهم بطلق ناري قبل ان يقتل.

أعود مرة أخرى لرواية (ذكريات من بيت الموتى) للكاتب الروسي فيودور دستيوفسكي والتي يحكي فيها عن علاقة السجناء في سجن اومسك السيبيري ببطل روايته، والتي تميزت في البداية بالشك وبعض من الكراهية بسبب انحداره من طبقة النبلاء وعلاقته هو بهم كسجناء غلاظ النفوس، ثم تبدلت هذه العلاقة لتحل محلها علاقة، ان لم تكن ودودة فهي طبيعية. هذا، تقريبا، ما حصل لنا في معتقل الفضيلية، فقد تغيرت علاقتنا بغيرنا من المعتقلين بغض النظر عن طبيعة التهم الموجهة لهم واصبحت أكثر ايجابية وأحيانا ودية.

توطدت العلاقة بجبار كردي الذي وجد في حضورنا متنفس له للحديث عن امور يهتم بها كالسياسة والتاريخ السياسي للعراق، وقد افاجئ البعض إن ذكرت بانه قد اظهر اهتمامات ادبية وخاصة بالأدب السوفيتي مما اوجد ارضية للحوار الادبي بنكهة انسانية. وربما ان ما عزز العلاقة معه اننا قد تجاوزنا اي حديث عن تاريخه الشخصي الدموي. ومما لاحظناه عليه هو انفتاحه علينا (أنا ووالدي) بحيث انه كان يطرد وكلاء الامن في المعتقل عند الاقتراب من مجالسنا.

أما عمار علوش فلم يكن سوى شخصية قميئة، كان جبار كردي يحتقره. وهو من جانبه كان يحسد جبار كردي على نفوذه وسطوته في معتقل الفضيلية ويتمنى ان يحظى باهتمام المعتقلين السياسيين به كما هم يهتمون بجبار، وكان عندما أمر بغرفته يدعوني لتبادل الحديث معه ويفتخر كما جبار بانه قرأ "كيف سقينا الفولاذ" للكاتب السوفيتي نيكولاي استروفسكي اضافة الى كتابات مكسيم غوركي، ولكن شخصيته الى ان غادرت معتقل الفضيلية لم تولد عندي اي ثقة بانه يمكن ان يتمسك في ساعة بمفاهيم الانسان وهموم المجتمع.

الشخصية الاخرى التي بودي الحديث عنها من معتقلي الفضيلية هي شخصية الشرطي (هتلر) الذي كان يعمل في مركز شرطة قريب من وزارة الدفاع. كان (هتلر)، وهذا هو اسمه الحقيقي، متزوج من قريبة له عضوة في الحزب الشيوعي العراقي وكان الحزب يختزن في بيتها اسلحة وقنابل يدوية خاصة بالحزب، دون علم زوجها هتلر. ولم ينكشف هذا الامر له الا في أحد الايام عند عودته من عمله، حيث لاحظ وجود رجال امن امام باب بيته فسألهم عن غايتهم، ولكنهم حال ما عرفوا بانه صاحب الدار اعتقلوه واتهموه بخزن اسلحة في داره.

زوجة (هتلر) تمكنت من الفرار قبل وصول رجال الامن، أما هو فتعرض لصنوف التعذيب القاسي وهو لا يعرف اي شيء عن الاسلحة التي في داره، وبعد ان يئس المحققون من الحصول على معلومة مفيدة منه قرروا احتجازه في سجن الفضيلية لحين الوصول الى زوجته. وفي أحد الايام جيء بأحد اقارب زوجة (هتلر) الى معتقل الفضيلية. فتم فسح مجال له لوضع فراشه في نفس القاووش الذي كنا نحن فيه، وصادف ان يكون هذا المكان قريبا مني فاستمعت الى حديثه مع (هتلر) الذي كان يهدد بطلاق زوجته حال الافراج عنه، بينما قريبها يقنعه بالحفاظ عليها كونها قريبة هتلر كذلك، أما ألأسلحة فقد خبأتها في البيت، كما قال قريبها مستغفلا هتلر، فهي لحمايته شخصيا، ليتساءل هتلر بسذاجة "يعني شلون؟ اذا فد يوم اتعارك ويه جاري تكوم هيه تضربه بقنبلة...."

من الفصل الخامس "ما بعد الاعتقال".....

بعد مغادرتي العراق للدراسة، زارني الشهيد عبد الكريم احمد (أبو شروق) في موسكو وتعرفت من خلاله هناك على الممثلة العراقية المعروفة ناهدة الرماح (احدى بطلات النخلة والجيران)، فأصبحنا ثلاثة اصدقاء نلتقي ليس فقط لمناقشة هموم الوطن بل ولنقضي ساعات جميلة فيها النكتة والمرح. أذكر مرة اننا، أنا وابو شروق، زرنا الفقيدة ناهدة الرماح في قسم داخلي كانت تقيم فيه، وبينما غادرت هي غرفتها لتغسل اكواب الشاي، لمح ابو شروق وجود باروكة نسائية في احدى زوايا الغرفة فلبسها مازحا، وكان جالسا وظهره الى الباب، لذا تفاجأت ناهدة عند دخولها مع اقداح الشاي فسألتني اين ابو شروق ومن هذه الفتاة التي معك؟ فضحكنا جميعا وعلقت ساخرا "كيف يمكن ان يمر هذا المشهد المسرحي على ممثلة قديرة مثلك يا ناهدة".

قررنا يوما انا وناهدة الرماح وابو شروق ان نقضي امسيتنا في مطعم (بودابيست) الذي كان يقع مقابل تمثال مايكوفسكي في مركز موسكو تقريبا. تمتعنا هناك بعزف موسيقي جميل ادته الفرقة الموسيقية التي تعمل في المطعم والتي كانت تعزف اضافة الى الاغاني الكلاسيكية الجميلة المناسبة للرقص البطيء، اغاني تتطلب من الراقصين مهارة في الحركة. راهنت ناهدة على ان يطلبها للرقص أحدهم، بعد ان اعتذرنا انا وابو شروق من اداء هذا الدور. ولما لم يتقدم أحد لطلبها خاطبتنا بحزم "شوفوا، إذا محد منكم يكوم وياي راح اكوم اركص لوحدي" فتعين على أحدنا ان يرافقها الى الرقص، وكنت انا.

تركت ناهدة حذائها بكعبه العالي تحت الطاولة وتقدمت نحو صالة الرقص حافية. ومن حسن الصدف ان الفرقة الموسيقية عزفت اغنية فيها المزيج من اللحن الروسي والشرقي، مما وفر فرصة كبيرة لناهدة كي تظهر مؤهلاتها في الرقص فكانت لوحة جميلة انسجمت فيها المعزوفات الموسيقية مع حركات ناهدة الرشيقة مما اثار اعجاب الحاضرين الذين تركونا في المنتصف متنحين جانبا واكتفوا بالتصفيق لنا.

يحضرني في استذكاري لتلك الساعات الجميلة ما قاله الكاتب البرازيلي جورج امادو من اننا، حتى في أحلك الظروف، حتى في ايام العبودية، يجب ان نحتفل ونفرح، ذلك لأننا لا يمكن ان نحافظ على الامل دون ان نفرح ونعزف الموسيقى ونرقص. قول امادو هذا يصلح لمواجهة كل اشكال العبودية سواء تلك التي سادت بمضمونها السياسي او تلك التي تسود اليوم بمضامين جديدة هي خليط من السياسة والدين والقومية والطائفية.

 

د. جاسم الصفار

14/12/2020

 

بهجت عباسمقتطفات من مقدّمة من كتاب لم يُنشر بعد

الحظّ

كلمة جميلة وغريبة في الوقت ذاته. لغويّاً تعني (السّعد) بصورة عامة أو ما يأمَله المرء من رغبة تتحقّق أو نجاح في عملٍ فيفرح ويرقص طرباً فيكون (محظوظاً). ولكنْ ماذا عن سوء الحظّ أو الحظّ السّيّء؟ إنّه حظٌّ أيضاً ولكن ليس في صالح المرء، حيث يكون على عكس ما يرغب أو يشتهي فيكون نحساً يجلب التَّعْسَ! لذا يُقال في اللغة الإنكليزية Good luck (حظّ جيد) أو Bad luck (حظّ سيّء) إذا أصابه سوء حظّ. ولكنّ كلمة lucky الإنجليزية وكلمة Glücklich الألمانية تعنيان دائماً (محظوظاً). لذا يمكننا القول إنّ الحظّ ليس دائماً (حسناً) فقد يكون (عاثراً) أيضاً أو ربّما يمكن القول إنّه القدر/ المصيرDestiny أو Fate في الإنگليزيّة أو  Schicksal في الألمانية وإنْ كانت تُطلق على الحظّ أيضاً.

**

الحظّ يبدأ قبل ولادة الانسان

حظّ الإنسان جينيّاً (مقدّرٌ) له قبل أن يُخلَقَ، إذ يبدأ قبل البيضة/البويضة المخصّبة Zygote، التي تتولّد أو تنشأ من اتّحاد الحيمن والبيضة، وهما خليّتان جنسيّتان تحوي كلّ منهما 23 كروموسوماً فرديّاً (من الأمّ أو الأب) يتّحدان ليكوّنا 23 زوجين من الكروموسومات (46) فتكون الخليّة المخصّبة التي تتكاثر بالانقسام ويكون الجنين. أمّا كيف يبدأ الحظ (جيّداً أو سيِّئاً) هنا؟ فهذا يعتمد على ما يحدث قبل الاتّحاد، ذلك أنّ الخلية الخاصّة تعاني انقسامين، حيث تتضاعف الكروموسومات في الانقسام الأول فقط، فيلتصق الكروموسومان المتماثلان (واحد من الأب وآخر من الأم) ببعضهما ويتبادلان قطعاً جينيّة قبل أن ينفصلا وينقسما ليكوّنا أربعة كروموسومات فرديّة (كروماتيدات) فتنتج عن ذلك أربع خلايا جنسية تحمل كلّ منهن عدداً فرديّا من الكروموسومات (23 كروموسوم) وتُسمّى كلٌّ منهنّ  (گميت)، حيمن في الذكر أو بيضة في الأنثى، وهذا ما يُسمّى بالانقسام الاختزالي، الميوزي  Meiosis  والنتيجة هي أنّ هذه الخليّة الجنسيّة تحمل كروموسومات فرديّة (23) مختلفة عن الكروموسومات الأصلية لاحتواء كلّ كروموسوم منها على  قطعة من كروموسوم مماثل، كما ذُكر آنفاً. تتلاشى ثلاث بيوض وتبقى  بيضة واحدة للتخصيب وهذه عند ّ اتّحادها مع أحد الحيامن تتكوّن الخليّة المخصّبة Zygote التي تحتوي على العدد  الزوجي من الكروموسومات (46 كروموسوم)  وهنا يلعب الحظّ دوره.

فقد تحوي البيضة المخصّبة جيناً منحرفاً أو مشوّهاً (غير فعّال) يحتوي على مجموعة المثيل CH3 فتغلقه، أو جيناً فعّالاً، وقد يكون هذا (الغلق) في صالح الطفل بعض الأحيان، كما يكون (الفتح) ضارّاً أيضاً. وهناك هيستون الكروماتيد الذي تلتصق به مجموعة الأستيل CH3CO فتبطل عمل  الجينات التي تجاوره، ثمّ إنّ البيضة تحتوي على الميتاكوندريا  التي يكون قسم منها مشوّهاً أو خاملاً، وهي مصدر طاقة الخليّة، (يتراوح عددها بين 1000 إلى 2000 في كل خلية ولكن خلية عضلة القلب قد تحتوي على 5000 لحاجتها إلى طاقة أكبر.) فعند الانقسام تتوزّع بصورة غير متساوية أو متناسقة (اعتباطاً)على البيوض الأربع الناتجة وهنا قد يحصل الجنين (الطفل) على ميتاكوندريا أكثرها سليمة، فيكون نشيطاً ذا طاقة جيدة وقد يكون (خاملاً) نتيجة حصوله على ميتاكوندريا (عاطلة) إضافة إلى قسم من الميتاكوندريا السليمة. فيتكوّن كروموسوم جديد في الجنين (الطفل) نتيجة تبادل القطع الجينيّة وإعادة الاتّحاد Recombination لا يُشبه أيّ كروموسوم من والديْه، ليكون خاصّاً به. لذا يحمل كلّ إنسان كروموسومات خاصّة به لا تُشبه كروموسومات أبويْه أو إخوته أو أطفاله من بعده، حيث يكون ترتيب الجينات فيه مختلفاً وكذا تسلسل القواعد النتروجينيّة. وتجري العمليّة ذاتها هذه على أطفاله . هذه القطعة المتبادلة قد تحمل جينات سليمة أو متغيّرة mutated وقد يكون التغيّر جيّداً أحياناً، معتمداً على (الحظّ) فتلعب دوراً أو أدواراً  في حياته! ثمّ إنّ البيئة تلعب دوراً في حياة الأبوين من حيث التغذية (نوع الطعام) والانفعالات العاطفية التي تزيد أو تقلّل من إفراز هورمونات أو خمائر تؤثّر على الجينات التي سيُورثانها أطفالهما. ولكنْ هل ينتج الجينُ البروتينَ بكمية متساوية وفعّالية واحدة في كلّ الأفراد الذين يحملونه مع بعض الفوارق البسيطة، أم أنّ ثمة تفاوتاً في الإنتاج؟ هذا ما تُجيبنا عليه القصة الهولندية التالية التي روتْها د. نيسّا كيري في كتابها (Epigenetic Revolution 2013 ) وكذلك د. ريشارد فرانسيز في كتابه (Epigenetics 2011 ) وهذا مختصرها:

**

هولندا والحصار الألماني

عندما حاصر الألمان غرب هولندا في الأشهر الأخيرة (نوفمبر 1944- مايس 1945) من الحرب العالمية الثانية كانت هناك مجاعة، حيث حاول الهولنديون البقاء على الحياة بسعرات حرارية هي 30% من السعرات العادية اليومية، أكل الناس فيها الحشائش وأزهار التوليب. مات أكثر من 20 ألفاً منهم. فأخذ العلماء يدرسون تأثير

هذه المجاعة على الأطفال (الأجنّة) الذين كانوا في أرحام أمهاتهم حينذاك. فماذا وجدوا؟ إذا كانت الأم في تغذية صحيحة في فترة الإخصاب ولكن عانت المجاعة في الأشهر الأخيرة من الحمل ولدت طفلاً صغير الحجم، وهذا الطفل بقي صغير الحجم طوال عمره مهما كانت تغذيته جيدة في السنين التي تلت مع نحافة بدنية. أمّا الأم التي عانت المجاعة في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ولكنها كانت في تغذية جيدة في الأشهر الباقية من الحمل، ولدت أطفالاً ذوي حجم طبيعي أو طوال القامة مع بدانة غير طبيعية. والغريب أنّ أطفال هؤلاء الأخيرين اكتسبوا البدانة أيضاً. وعندما درس العلماء نفسيّة هؤلاء الذين ولدتهم أمهاتهم اللواتي عانـيْـن المجاعة قبل ولادتهم، وجدوهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسيّة وخصوصاً مرض الشيزوفرينيا والكآبة وضغط الدم العالي ومرض السكّر وأمراض القلب وتصرّفات غير عادية في علاقتهم بمجتمعهم. ولكنّ نوع المرض المصاب به هؤلاء الأطفال يعتمد على فترة المجاعة أثناء الحمل، فيما إذا كانت في الشهر الأول أو الرابع أو التاسع مثلاً. كما أنّ المرأة الحامل في المجاعة معرّضة للأمراض، فمثلاً إذا كانت في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل وتعرّضت للمجاعة تكون عرضة لمرض القلب التاجي وسرطان الثدي، وفي الأشهر الثلاثة الثانية من الحمل تكون عرضة لأمراض الرئة والكلى، والأشهر الأخيرة فمرض السكر يكون في انتظارها.

**

د. بروس لبتون وبرمجة العقل الباطن

هو بروفيسور سابق في جامعة ستانفورد – كاليفورنيا - ومؤلف "بيولوجية الاعتقاد  Biology of Belief  "وكتاب التطور العفوي Spontaneous Evolution" كان يعتقد بأن الجسم هو "ماكنة بيولوجية مُبرمجة بالجينات" وبتحوير أجزاء منها يمكنك تغيير صحتك، وباعتبارها ماكنة فهي تستجيب للأشياء المادّية مثل المواد الكيميائية الفعّالة في الأدوية، وبضبط كمية الدواء لهذه الماكنة يستطيع الطبيب أن يغيّر الحالة الصحيّة ويسيطر عليها. ولكن طبقاً لآراء د. لبتون الآن، فإنَّ "إدراكنا أو تفسيرنا للبيئة يسيطر مباشرة على جيناتنا، والبيئة تسيطر على فعّالية الجينات بواسطة السيطرة فوق الجينية. والفهم الجديد لبيولوجية الإنسان لا تنظر إلى الجسم على أنّه مجرّد ماكنة ولكن تشمل دور العقل والروح." وإنّ سرّ الحياة ليس في الدنا DNA وإنما في آليّة غشاء الخلية. ففي هذا الغشاء توجد مستقبِلاتٌ تلتقط إشارات البيئة، و"هذه الآليّة تسيطر على قراءة الجينات داخل الخليّة"، وللخلية الخيار في قراءة هذه الإشارات اعتماداً على نوع الإشارات الواردة من البيئة.. لذا يكون الاعتقاد، حسب هذه الدراسات الحديثة، بأنك "أسير" جيناتك المورثة وأنّ القدر محتّم عليك حسب تركيبها، وأنْ لا قدرة لك على السيطرة على صحتك، محض باطل. فالعلم الحديث يُظهِرُ بأنّ "الادراك الحسّي" يسيطر على صحتك البيولوجية، فإذا استطعت أن تغيّر هذا الادراك أو الإحساس تستطيع أن تلعب بقراءة الجينات، يعني فتحها إذا كانت في صالحك وغلقها إذا كانت ضدّ صحتك. وكما يقول د. لبتون بأنّ " البيولوجي الجديد ينقلك من "الضحية" إلى "المُسيطِر" على صحتك الخاصّة. ففكرة د. لبتون إنّ 98% من الأمراض التي تُصيب الإنسان هي بيئية، وإنّ 2% فقط هي جينية، ذلك أنّ تركيبنا الجيني له تأثير بسيط علينا، ولكن كيمياء الجسم تفعل الكثير. ثمّ يذهب د. لبتون أبعد من هذا فيقول" إنّ المفتاح الذي يفتح صحتنا كامن في العقل الباطن (اللاشعور) إذا أعدنا برمجة عادات تفكيرنا السالب، سنخلق كيمياء داخلية يمكن أن يكون الشفاء الفوري والصحة النابضة بالحياة ممكناً.". وأخذ يتساءل عن العلاقة التي تربط بين جسم الإنسان وخلاياه التي تتجاوز الخمسين تريليون وعن تأثيرات البيئة على كيمياء الإنسان الداخلية، فوجد العقل الباطن الذي يسيطر على 95% من تفكيرنا، اعتقادنا، فعالياتنا، وعواطفنا هو الذي يدير كيمياء الجسم. فعندما تكون لدينا فكرة أو إحساس بشيء، يقود تفاعلات كيميائية داخل الجسم. فإذا كانت الفكرة إيجاباً، ستعزز وجود بيئة كيميائية مرغوبة - تؤدي إلى حالات عقلية مشعة تتماشى على طول مع عمليات جسمية متناغمة. أما إذا كانت الفكرة سالبة، فيكون ثمة إحباط/إجهاد وخوف تغرق كيمياؤها النظام برسالة مرض واضطراب، تغلق  جهاز المناعة والفعاليات المناسبة اللازمة. وهذه تسبب معضلة خطيرة، لأن أكثر تفكيرنا هو عقل باطني، تبرمجت فيه أفكار وعادات سالبة كثيرة اعتمدنا عليها خلال طفولتنا وسيطرت على تصرفاتنا وبقيت لاصقة بنا حتّى الممات. فـ"إحساس العقل بأنّ ظروف البيئة ملائمة وجيدة تجعل خلايا الجسم تتكاثر فيقوى الجسم، ولكن عندما يكون العقل في حالة كآبة، تنسى خلايا الجسم التكاثر الطبيعي وتتّخذ وضع (الدفاع الوقائي)، فتتوجّه الطاقة المُخصّصة للتكاثر إلى أجهزة حماية الجسم خلال فترة الكآبة." كما يقول لبتون. لذا يكون التكاثر خلال فترة الكآبة والغمّ والقلق محدوداً جداً. فإذا كانت فترة الكآبة قصيرة، يمكن تداركها، أما إذا طالت، فيكون المرض الذي يصعب علاجه. وهذه الحال تُشبه وضع المجتمع الذي يعيش في بلد معيّن، فعند الاستقرار والحرية والسلام، يشعر الفرد بالطمأنينة فيستثمر ماله وينفتح على الآخرين ويعيش بصحة ورخاء. أما إذا كانت الظروف قاسية وخطرة، كما الحال عليه الآن في العراق مثلاً، يخشى الفرد من استثمار ماله، بل يحافظ عليه ويعيش منه، فينكمش ويتقلص. وقد يتحمّل هذه الحالة إذا كانت فترة عابرة، وإن طالت، فالانهيار. المصدر الرئيس للكآبة هو العقل، الذي أطلق عليه د. لبتون (الصوت المركزي) وهو على قسمين منفصلين، العقل الخلاّق المبدع المفكّر الذي هو (أنتَ) المعبّر عن إرادة حرّة أو الشعور، ورفيقه المساند له، العقل الباطن أو اللاشعور. هذا الأخير هو "حاسوب أعظم محمّل بمعلومات التصرّفات المُبرمَجة"، كما يصفه لبتون، " بعض المعلومات هي جينيّة، وهي غريزية تمثّل الطبيعة" أما برامج العقل الواعي (الظاهر)، فأغلبها مُكتسبة من التجارب والتعليم وتمثّـل (التطبع). العقل الباطن هو "ليس عقلاً واعياً أو مُبدعاً، بل أداة استجابة للمحفّـز. هو طيّار آليّ مُبرمَج يستطيع أن يقود الطائرة من دون مراقبة أو معرفة الطيّار- العقل الواعي/الظاهر." و"عندما يكون الطيار الآليّ (اللاشعور) مسيطراً على تصرّف ما، ينطلق العقل الظاهر بحرية في الحُلم بالمستقبل أو الإبحار في الماضي." 

 

د. بهجت عباس

 

 

حاتم جعفرعن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، صدر مؤخرا للشاعر العراقي جليل حيدر نوفيلا تحتِ عنوان تنظيف الماضي. وتعريفا بهذا الجنس اﻷدبي وعلى ما أجمع عليه أصحاب الشأن والعلاقة، فهو ينتصف المسافة بين اﻷقصوصة والرواية، لذا ستنطبق عليه شروط الكتابة السردية بكل ما تحمله الكلمة من دلالة ومعنى، غير انه سيختلف عنهما في حجمه ليس الاّ. وزيادة في الإيضاح وعلى ما يرى البعض، فإنَّ عدد صفحاته (النوفيلا)سوف لن تزيد عن المائة أو نحو ذلك. في كل اﻷحوال فإنَّ أمرا كهذا ليس مهما، فما يعنينا هنا وبالدرجة اﻷولى، أن يكون النص مكتمل الشروط، مستجيبا لها ويصل القارئ على كف من الراحة والمتعة والفائدة.

ومن خلال قراءة النص، فقد بدا واضحا وبما لا يدع مجالا للشك وبضرس قاطع، بأن الكاتب يتمتع بذاكرة وقادة وقدرة فائقة على الخوض والغوص في الماضي وفي عالم السرد، لذا وإذا جاز لنا أن نبدي رأيا، فكان بإمكانه أن يمد يديه ويبسطها أكثر كي يوسع من نصّه، وأن يحث خطاه ليشتغل على موضوعة الربط بين حلقات مدونته وفصولها، وأيضا الدخول وبشكل أعمق على مستويات أخرى كاﻷحداث والوقائع التي جاء على ذكرها، وكذلك على بنائه لشخصيات  نصه وتفعيله لها، لتمتد وتأخذ  مديات أرحب، خاصة إذا ما علمنا بأنَّ الكاتب يتحدث عن فترة زمنية فائقة الخطورة وعصيبة من تأريخ العراق، الا وهي فترة الستينات وما حملته من تغيرات دراماتيكية وإضطرابات، كان لها الدور الكبير في رسم مستقبل البلاد وما لحق به من مصائب. غير انه وفي كل اﻷحوال، سيبقى لصاحب النص الكلمة العليا في إختيار نوع الجنس اﻷدبي الذي سيخرج من بين يديه، وبما ينسجم ويتلائم وغاياته التي كان قد خطط لها ورسمها، عند شروعه في الكتابة.

أمّا عن لغة القص فقد استوعبت بين جنباتها وفي اغلب فصولها الكثير من فنون الكلام وبديعه، عدا عن الإستعارات والتشبيهات وأخواتها اﻷخريات من أشكال البلاغة، لنخرج بنتيجة مفادها: أنَّ الكاتب قد أحْسَنَ وأجاد في إستخدامها. وهدف كهذا على ما أجزم لا يقل أهمية عما جال في خاطره وأراد إيصاله. وإذا كان لنا من قول وتعليق على هذه الجزئية من العمل، فينبغي ان لا يغيب عن بالنا بأن صاحب السرد أو النوفيلا هنا، هو شاعر من الطراز اﻷول، وبينه وبين اللغة ما أنصف الدهر. وإذا ما تحدثنا عن سلطة الخيال فعنده منسابة، سلسة، طوع يديه، مكنته من توظيف ملكاته هذه على صياغة نصه. وكحصيلة لهذا كله، سنجده موفقا في اﻷخذ بيد القارئ والتحليق به وبخفة الطير ورشاقته حيث يشاء.

وعن أثر لغته الشعرية في بناء شخصياته فلا بأس من التوقف عند بعضها، ولنأخذ هنا مثالا الا وهي شخصية لويزة. فقد صاغها الكاتب بطريقة واضحة، أكملها من كل أطرافها، لتصل المتلقي بإعتبارها إبنة الحي (الحبابة)، ذات اﻷصول والحسب والنسب، بل حتى راح مغاليا في بناء هذه الشخصية، وربما أراد من خلال ذلك التذكير بطبيعة العلاقة ومدى جمالها وطهرها وأناقتها، والتي كانت سائدة آنذاك بين بنات المحلة وشبابها. وعن ذلك أقول، أنا كاتب هذه السطور ومن غير تردد، بأنَّ هذه الـ (لويزة) التي صاغها لنا جليل حيدر قد أثارت حفيظتي، رغم البعدين الزماني والمكاني الذي يفصلنا عن بعض، وأعادت لي مواجع الصبا ولوعاته، لِمَِ لا وهي الخاتون والأكثر سحرا وجمالا من بين بنات المحلة، لذا دعني ياصاحبي أغتبطك على رسمك لهذه الفاتنة.

وﻷن شخصيتها تتمتع بجاذبية لا يدانيها أحد وأقضت على مضاجع الكاتب قبل غيره، فقد أفرد لها من الكلام ما لم يقله لغيرها، لذا بات لزاما علينا العودة الى ما كتبه عنها. ففي إحدى الفقرات على سبيل المثال. رأى فيها ما لم يره في النساء اﻷخريات (ﻷنها رصينة مثل راهبة، ومحتشمة مثل مصلية في كنيسة). بهذه العبارة البليغة التعبير والدقة سيعيدنا جليل الى مفهوم الحب العذري، التقي النقي، البريء من كل شائبة الاّ ما حلَّله الله ودعاة العشق الالهي.

وﻷنه يعيش مغتربا ومنذ أمد بعيد، وبينه وبين لويزته دهر من المسافات واﻷزمة، لذا راح يبحث عن معادل موضوعي، يعوض من خلاله ما كان قد فقده هناك في بغداده، فكانت مايا بحضورها البهي، السويدية اﻷب واللبنانية اﻷم، فهي اﻷخرى، تتمتع بقلب طيب وبلا حدود.شفيفة، لطيفة، بدت ومن بين سطور السرد، كما التي إصطفاها الله لتكون شفيعة ومنقذة للكاتب أولا ومن ثم لجمهرة غفيرة من المغتربين الى بلدان الشمال، بلاد الثلج والمحبة، بعدما ضاقت بهم اﻷرض بما رحبت، وَضَيَّقَ عليهم الحكام حتى سُمِعَ أنينهم. وإذا كان هناك من إختلاف بين الشخصيتين اﻵنفتي الذكر فيتمثل في الأجواء المحيطة بهما، فللجغرافية بعض نصيب وللعادات نصيب آخر، فمالمو السويدية ليست كبغداد في أحياءها ودرابينها وتقاليدها وقاهيها، وليست هناك من عتبة أو دكة تجمع شباب الحي وفتيته.

ـــ 2  ــ

في هذا القسم من النوفيلا،سنستعرض شخصيات أخرى ومن حيث انتهى اليه الكاتب وعلى قاعدة الفلاش باك، والحديث هنا سيدور عن كريم دعبله، احد الشخصيات الرئيسية التي جرى تركيز الضوء عليهان إذ كان ضمن مجموعة أصدقاء، جرى التعويل عليها أيام الحرس القومي، وكان الحال كذلك حيث تصدى هو وصحبه ﻷولئك الذين عاثوا في اﻷرض فسادا. هنا وعلى ما جاء في النص ستقع المفارقة بل قل الفاجعة. فـكريم هذا وبعد مضي قرابة العقود الستة على تلك الواقعة، وبعد أن كان يدافع عن أبناء حيّه وعن تلك المبادئ التي حملها بين ضلعيه ويديه، فإذا به يقف (مؤشرا على قصر عباسي من قصور بغداد) وهو في حالة سطو علني وأمام الملأ وبالهواء الطلق، موعزا لشلته المرافقة بطرد سكان البيت اﻷصليين والإستحواذ عليه. هنا سيأتيك السؤال: هل تمت عملية الطرد على أسس طائفية ودينية وعرقية؟ الرد سيكون في ذمة أهل الحكم.

عن حالة كهذه وما يشابهها وهي كثيرة وباتت مدن العراق وخاصة العاصمة تَعجٌ بها، سيعلن جليل حيدر إحتجاجه وبصوت عالٍ، لِيُسمعُ حتى مَنْ بإذنه صمم (أنا اﻷول واﻵخر أعلن عن بدء الضد وأصرخ ايضا تفاً). ثم يمضي مكملا وبدافع الغيرة عن مدينته التي أحبها وفارقها على ضيم: دَعْ بغداد تكن بغداد لنا يوماً. وفي هذا البيت الشعري، ومن غير عناء وبتفسير صريح العبارة، أراد الكاتب أن يقول أن مدينته لم تعد له ولا ﻷخوته ولا لويزة وشقيقاتها.

والذي أثار حنق الكاتب أكثر هو أن يكون قائد مجموعة السطو على البيوت هو كريم دعبله: حتى أنت يا كريم يا إبن دعبله، أنسيت اﻷحبة هكذا؟ وإذا كنت نسيت أو تناسيت عن عمدٍ، فسأعيدك الى ذلك اليوم الذي جرى فيه إحتلال مركز شرطة الخلاني من قبل ثلة من الحرس القومي، ليتخذوه مقرا لهم، ويقوموا بإعتقال فلان وفلان وفلان والقائمة تطول، بتهمة الولاء للشعب. وعن ذلك اليوم اﻷسود وشباطه سأذكرك أيضا حين قمت بالدفاع عن أهلك، يوم كنت رجلا بشاربين وزندين، ويوم إهتزت فرائص كل مَن سولت له نفسه.

وإستمرارا لمدونة الكاتب، سيظهر بجلاء مدى إلتصاقه ببغداد، وإذا كان لنا من وصف لها فهي علاقة عشق أبدية، جرى تعميدها بمباركة كبار سدنتها وسادتها، وجال أزقتها وتخبّرَ درابينها مُذْ كان صغيرا. فمنطقة الفضل هنا، وعكَد الأكراد هناك، والشواكة على مرمى حجر. وإذا ما أراد أن يستحث التأريخ وَيُحضرهُ، فسيتذكر كيف تم عقد صلحا أبديا بين محلتي أبو سيفين والعوينة، فاق في نظافته كل المواثيق، عماده المحبة والنخوة، مما شجع أحياء أخرى على الإنضمام لهما وكان في مقدمتهم أهالي فضوة عرب. سار كرخها ورصافتها بقدمين مباركتين، وبنشوة خمر وغرة شعر بطويات ستة، وعلى هدى وإيقاعات المقام البغدادي وصوت حسن خيوكة ويوسف عمر .

أما والحال قد تغيَّرَ، فما كان له الاّ أن يناجي أحد متصوفة مدينته، انه بشر الحافي، الإمام التائب عن المعاصي:

ــ  يا أزهد الناس وأكثرهم أناقة في الكلام، إياك أشكو حال بغداد، فها نبوءتك قد تحققت حين قلت: يأتي زمان ستكون الدولة للحمقى. ثم راح الكاتب يزيد عليها في إستشهاده ما قاله الجواهري الكبير بعد قرون، بعد أن شَمَّ اﻷخير رائحة الطغاة وهو على بعد عقود عديدة، لتأتي أبيات شعره كما الذي قرأ ما سيحصل:

فضيق الحبل وأشدد من خناقهم

فربما كان في إرخائه ضرر

تصور اﻷمر معكوسا وخذ مثلا

مما يجرونه لو انهم نصروا

وحدثت الواقعة ووقع المحذور، فخسر الشعب كل الشعب الاّ قلة باغية.

ـــ3 ـــ

سيواصل الكاتب سبر سيرته البعيدة ليتوقف ويسترجع واحدة من أهم وأزهى المحطات التي ظلَّت راسخة وبقوة في ذاكرته، والتي يمكن عدَّها موئلا  وخزينا ثريا، لا أظنه سينضب بتلك الخفة، بل سيكون معينا له ويعود اليه كلما إقتضت ضرورات الكتابة. ولعل النص الذي بين أيدنا، لهو نموذج ودليل قاطع على ما ذهبنا إليه. فمصادر التأثير على منتج جليل حيدر بادية عليه. وإذا شئنا العودة الى فترة الستينات والعود رحمة لِمَنْ يُحسنها، وعلى الرغم من يفاعة عمره، فقد راح ساعيا في مناكب اﻷدب والثقافة، بهمة وحماس وكان له ما أراد. ومن هناك إبتدأ مشواره وشرع في بناء أعمدته والمشي بخطى ثابتة ومستقرة، ليجد نفسه مؤتلفا مع ذائقته الفنية بل راحا يسيران سوية.

إنه إبن الجمهورية اﻷولى وزعيمها اﻷمين، ومن جيل سيُطلق عليه بجيل الستينات. وخلال الفترة التي كان فيها طالبا للمرحلة المتوسطة، كان إبن الحجي، الشيوعي الصغير، قارئا ممتازا وشغوفا (مقارنة بأقرانه وزملائه ... حفظ الكثير من شعر المعلقات للزوزّني)، فضلا عن تأثير شقيقته الكبرى على ذائقته الفنية وعلى خياره السياسي، فقد كانت هي اﻷخرى مولعة بقراءة الكتب الملتزمة ومواضبة على مشاهدة اﻷفلام الجادة، من على شاشات السينما، يوم كانت بغداد زاهية وعاجة بدور العرض، وربما فاقت آنذاك في عديدها وبهاءها كل العواصم العربية بما فيها القاهرة، التي تُعد عاصمة للدراما العربية، إذا ما حسبنا اﻷمر على قاعدة النسبة والتناسب من حيث عدد السكان.

مبروك لجليل حيدر إصداره لنوفيلاه (تنظيف الماضي)

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

عدنان حسين احمديُشكِّل الكتاب الثالث للناقد السينمائي علاء المفرجي انعطافة في مساره الإبداعي الذي كرّسه للفن السابع منذ ثلاثة عقود أو يزيد لكنّ شغفه لم يقتصر على السينما حسب وإنما تعدّاه إلى الأدب والفنون بأشكالها المتعددة. كما ساهم عمله الصحفي في تشظية اهتماماته الإبداعية إلى فن الحوار الاستقصائي الذي ينبش في أعماق المبدع ويكشف عن أسراره الدفينة وعوالمه المخبّأة. وهذا ما لمسناه في  كتابه الجديد "تاركو الأثر" الصادر عن دار "المدى" في بغداد. يضمّ الكتاب مقدمة بقلم الكاتب سهيل سامي نادر وعشرين حوارًا مع مبدعين عراقيين كانت الغَلَبة فيها للأدباء والشعراء على المنهمكين في الحقول الإبداعية الأخرى.

يتميّز المُحاوِر علاء المفرجي في هذا الكتاب بقدرته على الإحاطة بالسير الذاتية والمنجز الإبداعي لغالبية الشخصيات التي حاورها إن لم أقل كلها على الإطلاق، بل أنّ هناك شذرات وومضات نقدية تلتمع في بعض المقدِّمات المركّزة التي تزوِّد القارئ بما يحتاج إليه من معلومات مهمة كانت غائبة عنه قبل شروعه بقراءة الكتاب.

على الرغم من أنّ الحوار مع الشاعر مظفّر النوّاب لم يتعدَّ حدود الدردشة التي اشترك فيها علاء المفرجي والكاتب علي حسين والشاعر كاظم غيلان ولعل أهمّ ما جاء فيها أنّ النوّاب يعُدّ "أبو صخر الهذلي" أبرز وأهمّ شاعر في تاريخ العربية!" ومن بين التصريحات المُلفتة للنظر في هذا الحوار قوله: "أنا فخور بأني من شعب حادّ كالشفرة رقيق كما الماء" مُذكِّرًا إيانا بالشخصية العراقية المتضادّة التي رسمها عالِم الاجتماع علي الوردي في أبحاثه ودراساته الاجتماعية.

البوح الصادق

يكتنز الحوار مع الشاعر والمُترجم صلاح نيازي بما يُشبه اللُمع والأقوال المأثورة، فحين يفرّق بين "الغريب" و"المغترب" يقودنا إلى المتنبّي والجواهري اللذين يعدّهما غريبَين لأنهما لا يُتقنان غير اللغة العربية، ويصف البياتي وبلندا الحيدري "بأنهما وحيدا اللغة مهما ادعَيا من ترجمة ليست من صنعتهما البتّة". فالمُغترب من وجهة نظر نيازي "مغامر من أجل البقاء. نبات منقول من بيئة إلى أخرى". ومن بين الصفات الحميدة لدى نيازي هي قدرته على البوح الصادق من دون مُزوّقات لفظية فحين يسأله المفرجي عن سبب هيمنة السرد في شعره لكنه لم يقترب من كتابة القصة والرواية فيجيب بصراحة تامة:"لم أطّلع في ذلك الوقت على القصة القصيرة، ولا على الرواية. ما من أحد دلّني على أهميتهما".

يُقرِّع الشاعر ياسين طه حافظ النقّاد العراقيين ويسِم اشتغالاتهم النقدية بالسرعة وعدم التأني، بل أنه يذهب أبعد من ذلك حين يقول: "النقد عندنا عَجِل، وفي أحيان كثيرة يعتمد الانطباع والقراءات الجاهزة" التي تخالف الطرق العلمية المتّبعة في البلدان المتطورة علميًا وحضاريًا. يكتب ياسين طه القصيدة المُركّبة التي تتوفر على أنماط من التعابير، والدلالات المشتبكة، ويرى أن الشعر العظيم هو "صدى لروح عظيمة" وأنّ "الداخل هو مَصهر وورشة للإبداع الوطني".

يُعدّ المبدع خزعل الماجدي هو واحد من أبرز شعراء جيل السبعينات فلاغرابة أن يركِّز المفرجي على قصيدة النثر، وجيل السبعينات، وصورة المثقف العراقي، وثمة أسئلة أخرى لامست الدين، والأسطورة، وتاريخ الحضارات. ومن أبرز مقولاته في هذا الحوار هي أنّ "الشاعر الحقيقي هو الذي يكون بارعاً في تأليف قصيدة ذات إيقاع روحي عميق". ثم يمضي الشاعر في التفريق بين قصيدة النثر والنص المفتوح، فقصيدة النثر بالنسبة إليه تعني بالضبط "كتابة الشعر عن طريق النثر" لكنها تظل قصيدة مكثفة تُعنى بالمضمون الخفيّ المُوارب والمُدهش أكثر من عنايتها بالشكل واللغة.

الشاعر والباحث في الفن الإسلامي شاكر لعيبي غسلَ يديه من العراق حدّ الكوع، فبعد محنة الهروب والاغتراب القسري خرج بخُفيّ حُنين حيث يقول بمرارة:"أنّ العراق الراهن لم يمنحنى للأسف إلا الخيبة. وبمقدار انشدادي إليه ورغبتي بالعودة إلى أحضانه فقد جُوبهت بالصدّ المُعلن من طرف الدولة وعدم الرغبة المُضْمرة من طرف بعض المثقفين". ولعله يذهب أبعد من ذلك حينما يستدرك ويقول:" جُلّ المتنفّذين والمقرّرين في حقل الثقافة الآن خرجوا من معطف الأحزاب الواحدة والطغاة".

الثقافة الثالثة

2144 تاركو الأثرتكتب لطفية الدليمي القصة القصيرة، والرواية، والنص المسرحي، والمقال النقدي، وتترجم عن الإنكَليزية بغزارة. تعلمت العزف على يد الفنانة  بياتريس أوهانسيان، كما تعلّمت الرسم على يد الفنانة نزيهة سليم، لكنها ما إن شبّت عن الطوق حتى تعلّقت بالكتابة وأخذت توظّف الموسيقى والتشكيل في سردياتها. وبما أنها كائنة معرفية حتى النخاع فقد أصبحت مثل "توليفة مشتبكة من المعارف والأهواء والمُصنّفات التجنيسية". تُحبِّذ لطفية الدليمي مفهوم الثقافة الثالثة وتستسيغهُ جدًا كما تميل إلى صورة الروائي المتجسدة في كل من "مارغريت آتوود، إيّان ماكيوان، ديفيد ميتشل، كازو أوشيغورو" وتجدهم ممثلين معياريين لهذا النمط المُغري من الثقافة.

ما يميّز الروائية إنعام كجه جي عن قريناتها الروائيات هو الكتابة النوعية، وشغفها بالوطن الأول الذي لا يمكن أن تستبدله بأيّ وطن آخر. فلاغرابة أن تقول:"أنني بعد بغداد لم أرتبط بمكان بالقوة ذاتها". وهي محقّة تمامًا لأنه ما مِن نبتة في العالم تتمنى أن تُقتلَع من تربتها وتُزرع في بيئة مغايرة تُشعِرها في الغربة المكانية، وتفشل في تدجينها ولهذا تقول:"رغم أنني أعيش في باريس منذ أربعين سنة فإنها بالنسبة لي كبسولة فضائية، وأشعر أنني طافية بين جدرانها في حالة من انعدام الجاذبية". أمّا عن شعورها بالحنين إلى الوطن فتقول:"لا تسكنني النوستالجيا لأن الحنين مرض. وقد برئتُ منه بعد السنة الخامسة من اغترابي". لا تتعامل كجه جي مع التاريخ بحذر لأن "الحذر يُقيّد الكاتب، ويقتل الخيال، ويعطّل السرد".

أصدر سعد محمد رحيم ست مجموعات قصصية، وثلاث روايات أنجزها خلال حياته القصيرة، وروايتين نُشرتا بعد رحيله، إضافة إلى بعض الكتب الفكرية. يحب الراحل السرد منذ زمن مبكر ويقول في هذا الصدد:" السرد حاجة، وأكاد أقول غريزة أساسية، كما هي غرائز الجوع والجنس والخوف والبقاء". وأنّ "الرواية تمنح قارئها حياةً بديلة". وحين يتحدث عن البطل المأزوم والمهزوم لا يوعِد قارئه بالخلاص، ولا يخدعه بحزمة أوهام كبيرة وإنما يقول بلغة الجمع:"حين نكتب لا ندّعي أننا سنغيّر العالم. وإنما نوفر، ولو بقدر جد ضئيل، الأمل بتغييره". لا يفرض سعد محمد رحيم قناعاته وآراءه الخاصة على شخصياته كي لا يقع في فخ الافتعال.

حاول المُحاوِر أن يسلّط الضوء على أكبر عدد ممكن من الروايات المهمة التي أصدرها محسن الرملي، وسوف نعرف من إجابات المؤلف نفسه بأنّ رواية "حدائق الرئيس" التي نالت حقها من النقد والتحليل قد كتبها "بصيغة الراوي العليم" بخلاف غالبية رواياته الأخرى التي كتبها بضمير الشخص الأول الذي يحب أن يروي به الأحداث. و "تمر الأصابع" التي ناقش فيها صراع ثقافتين ومكانين وهُويتين، وبعد تفريغ هواجسه وهمومه على الورق بدأ يتصالح مع نفسه، ويشعر بالاسترخاء، ويتخلص من التوتر الذي كان يعاني منه قبل كتابة هذا النص الروائي.

زيارة إلى قلب العدو

لم يكتب نجم والي سوى أربع قصص قبل أن يغادر العراق ويتخذ من ألمانيا مستقرًا له، ففيها واصل دراسته، وتأسست تجربتة السردية في القصة القصيرة والرواية. يوضح نجم والي طبيعة المخطط الذي رسمه لحياته المستقبلية فيقول:"كان في ذهني مشروع واحد: أن أصبح كاتبًا، وكنت أعرف، أنني أنجح بذلك فقط إذا حافظت على استقلاليتي". اشتغل نجم والي على تعدد الهُويات في روايتي "تل اللحم" و "صورة يوسف". ويدعي بأنه لا يعرف رواية كُتبت في المنفى عن الحرب. ويعتقد أنّ المهم هو "كيف تكتب رواية بمستوى عال، رواية جيدة وجميلة تشد القارئ وتضيف له معرفة جديدة ".

تأسست شهرة القاص أحمد خلف منذ  أواسط الستينات من القرن الماضي وتعززت مكانته الروائية في بداية الألفية الثالثة التي توالت فيها رواياته الأربع  من بينها"موت الأب" و "الحلم العظيم". بعد إحالته على التقاعد اتبع منهجًا يلائم هذه المرحلة التي "يقرأ فيها كثيرًا ويكتب قليلاً". يسأله المُحاور عن القاسم المشترك بين كتاب "الجمال في مدياته المتعددة" و "مذكّرات الدرويش" فيجيب قائلاً:"إن منجز المبدع لا يتجزأ ولا ينفصل عن بعضه، ولا مفرّ من دراسته أو قراءته على اعتباره نتاج حياة واحدة عاشها إنسان ذو وعي وثقافة".

يلامسَ المفرجي في هذا اللقاء محاورَ حسّاسة في تجربة الفنان سامي عبدالحميد الذي كان منهمكًا بالتجريب، والبحث عن الجديد الذي يصدم ذائقة الجمهمور، ويفجّر في أعماقهم حُزمة من التساؤلات. دعونا نقتبس الجمل الآتية التي يقول فيها:"لجأتُ إلى التجريب في عدد من أعمالي المسرحية، ولكن لم أدخل باب المسرح التجريبي، بل  لجأت في بعض أعمالي إلى تقنيات المسرح التجريبي ومنها "العمل الطاقمي" و"التأليف الجماعي" و"الارتجال"، وكان يراهن على تقنيات "السهل الممتنع" و "ما قلّ ودلّ" ولكنه يشدّد على ضرورة وجود المسرح التقليدي قبل أن نتجه للمسرح التجريبي الذي تمّ ابتذاله وانتحال صفته في أحد البلدان العربية.

تكتظ جعبة المخرج المسرحي صلاح القصب بالكثير من الآراء التي تصدم المتلقين وتهزّ قناعاتهم، فهو يقول، تمثيلاً لا حصرًا، "أنّ الفن تعلّم وليس موهبة"، كما ينفي وجود مسرح عربي، ويؤكد على "وجود تجارب مسرحية عربية"، ويعتبر "المسرح العربي جزرًا صغيرة وسط محيط كبير جدًا". ويعتقد بأنّ "المسرح العربي يعاني من قصور في أوجه عدة أبرزها النص، والأداء المسرحي"، بل يذهب إلى أنّ "التمثيل عندنا عملية استنساخ بائسة"، وأنّ مسرح الصورة الذي تألق فيه ليس من عندياته ولم يبتكره هو شخصيًا، "ولكنه طوّر هذا الاتجاه".

سينما المؤلف

مثل زميله السابق صلاح القصب يتحفّظ قتيبة الجنابي على توصيف "السينما العراقية" ويدعو منجزها بأفلام عراقية وذلك لانعدام مستلزمات صناعة الفيلم إلاّ بحدود ضئيلة. تناول الجنابي قضية المنفى في أكثر من فيلم ويتمنى مثل السينمائيين العراقيين كلهم بأن ينجز الفيلم الروائي الطويل الذي يدور في ذهنه. ويقول في هذا الصدد:"منذ أن بدأت العمل في هذا المجال وفي رأسي أكثر من عمل روائي عراقي. يقترح الجنابي اللجوء إلى "سينما المؤلف" ذات الكلفة الواطئة وهي أقرب إلى السينما الواقعية الإيطالية التي نبذت الأستوديوهات ونزلت إلى الشوارع والميادين العامة.

يمتلك الفنان فيصل لعيبي بصمة خاصة تُحيل إليه، وتدلُّ على تجربته الفنية الواسعة التي تشظّت بعيدًا عن لمسة الرسم المدرسي التي لا تستجيب للجماليات التي ينغمس بها. ثمة أسئلة دقيقة لا تخطئ الهدف، وإنما تصيبه مباشرة وهذا ما حدث في سؤال المفرجي الأول الذي استفسر فيه عن البيئة المحلية التي انغمس فيها الفنان وظل مخلصًا لها منذ أوائل السبعينات وحتى الوقت الحاضر. يقول فيصل لعيبي في هذا الصدد:"أنّ ما نتعلمه في المعهد والأكاديمية، لا يتعدى المنهج الغربي في الرسم، من هنا ذهبت الى المتحف العراقي القديم  أفتش عن حلول من خلال أعمال اجدادنا القدماء والى رسوم الواسطي و المنمنمات الفارسية والهندية في الكتب المطبوعة، والتمعن في تصورهم  لحياة الناس وعلاقاتهم وطرق التعبير عنها. كنت منجذباً ولا أزال لطريقة المشهد الشامل".

سيقان وأرصفة

لم يرتقِ فنان تشكيلي عراقي إلى مستوى النجومية مثل ستار كاووش، فشأنه شأن نجوم السينما والمسرح والتلفزيون حقق شهرة كاسحة منذ معرضه ذائع الصيت "سيقان وأرصفة" الذي احتضنته "قاعة التحرير" عام 1987. يقول كاووش عن هذا المعرض المتفرّد:"كانت كل اللوحات تقريبًا عبارة عن مقاطع تظهر فيها فقط الأحذية والأرجل والسيقان على أرصفة مغسولة توًا بفعل المطر". ما كان لستار  كاووش أن يفكّر بهذه الطريقة لو لم يشاهد فيلمًا تشويقيًا لم يظهر من بطله سوى جزمته في إشارة إلى "أنّ الجزء يعوّض عن الكل"، ولولا الصورة الشعرية المُذهلة التي اجترحها أوكتافيو باث وهو يقول:"الريشة عصفور حي يرزق" لما أقدمَ كاووش على معرضه الاختزالي الذي اكتفى بأجزاء محددة من شخصياته وموضوعات اللوحات التي تعدّ صادمة في حينها. يبحث كاووش عن التمرد، ويذهب بالمغامرة إلى أقصاها.

ينتقد السلطاني "المزاج الشعبوي" الذي شوّه مبانينا التي صُممت من قِبل روّادنا المعماريين، وانتهكَ حُرمة منجزاتهم الراسخة في الذاكرة الجمعية. ولعل السلطاني لا يختلف عن غيره من المعماريين العراقيين الذين يعبّرون عن إعجابهم بالمهندس الحداثي المبدع لوكوربوزيه ويقيّمون منجزاته المعمارية الملفتة للأنظار.

يحاول المعماري معاذ الآلوسي أن يتبسّط في كتبه الثلاثة المعروفة "نوستوس، وتوبوس، وذروموس" وينزل من برج العمارة العاجي كي تكون آرائه ومفاهيمه في متناول القرّاء غير المختصين بالهندسة المعمارية. كما ينتقد المعمار المشوّش الذي يفتقر إلى أي هُوية محلية، ويصل تحامله إلى حد القول:"دروسنا بالية، مناهجنا لا تواكب الزمن"، كما ينتقد بعض المسؤولين الذين شوّهوا المدن المقدسة بتوسعتها وإضافةسقوف في صحون الأضرحة المفتوحة.

شاعر الضوء

يستحق المصوّر الفوتوغرافي فؤاد شاكر لقب "شاعر الضوء"، وهذا ما كنّا نشعر به قبل هذا التوصيف وبعده. يسأله المفرجي سؤالاً جوهريًا عن الفكرة التي تشغله قبل أن يضغط على زر الإغلاق فيجيب:"أنني أضع في الأولوية الفكرة قبل الصورة لتنتهي كناتج تفكير مسبق وحصيلة فوران أحاسيس". وهو لا يلتقط أي صورة من دون التماع فكرة ما حتى لو كانت صغيرة أو خاطفة يراهن على مضمونها وفنيّتها. وحتى عندما نزل إلى الشارع وبدأ بتصوير الحياة العامة، والمحيط البيئي، والنماذج المقهورة والمُستلبة من البشر المنسيين، والعابرين الذين يمرّون أمام عينيه كان يضع الأفكار نُصب عينيه لأنه يؤمن "بأنّ الصورة تنبع من فكرة وليس من فراغ". وبما أنه يثق بشعرية الصورة التي يلتقطها فلاغرابة أن يقول بالفم الملآن:"أنا شاعر الحقيقة الذي قدّم للذائقة والذاكرة الجمعية قصائد صورية لا تتكرّر ولا تشبه إلا نفسي تماماً".

يراهن عازف العود أحمد المختار على التأمل والإحساس ويكاد يهمل التقنية رغم أهميتها. لنقتبس هذه الفقرة التي يقول فيها:"بالنسبة لي كعازف وكإنسان، أرى أنّ الموسيقى تأمّل، ومن يعتقد أنها تكنيك عضلي فهو واهم، أو أنّ من يقوم بذلك لم يصل إلى جوهرها". ويختم المختار في الإجابة حول إمكانية إشراك العود في القالب الغربي قائلاً:"عن نفسي لا أخوض التجارب إلا إذا كنت مقتنعًا بها وواثقًا منها ولا أستغلها من أجل الإعلام والخبر الصحفي".

الدِقّة والاكتناز

نخلص إلى القول بأنّ هذه الحوارات العشرين التي أجراها الناقد السينمائي علاء المفرجي تقدّم صورة بانورامية لجانب من المشهد الثقافي العراقي في الداخل والخارج، إذ شملت الحوارات عددًا من الشعراء والروائيين، والمخرجين المسرحيين والسينمائيين، والفنانين التشكيلين، والمعماريين، إضافة إلى مصور فوتوغرافي واحد، وعازف عود منفرد. وقد تميّزت بعض الحوارات بالدقة، والانسيابية، والاكتناز، فيما اتسمت حوارات أخرى بالجرأة، والجسارة، وحدّة التعبير، فيما أخذ بعض الحوارات طابع الغمر واللمز والتشهير من دون أن يتدخل المحاوِر في ردّ التُهم أو الدفاع عن المتهمين الذين لم تُثبت إدانتهم حتى الآن. "تاركو الأثر" كتاب سلس يركِّز في جانب منه على السِيَر الذاتية للشخصيات التي حاورها علاء المفرجي وكأنّ قضايا السيرة، كما يذهب سهيل سامي نادر، قد "باتت من صلب اهتماماته" في إشارة واضحة إلى كتابه السينمائي الثاني "أفلام السيرة الذاتية" الذي قُوبل باستحسان القرّاء والنقاد على حد سواء. 

 

عدنان حسين أحمد

 

صالح الرزوقتعزو رجاء بن سلامة في كتابها (بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث)* الفضل في ريادة وتأسيس مفهوم  الجندر (ص11) أو ما تسميه النوع الاجتماعي (ص13) لفرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي. ومع ذلك كان منهجها أقرب لحفريات فوكو. فقد تابعت ولادة معنى الجنس الثالث (المخنث) واللاجنسي (الخصيان) في المدونات ابتداء من القرآن وحتى الأغاني لأبي فرج مرورا بكتابات الجاحظ، ولم ترفد قراءتها بأي دليل مادي. بمعنى أنها اكتفت بتذييل  نص على نص مثلما فعل ابن رشد بأرسطو على سبيل المثال. وهذا يترك كل شيء على ذمة الراوي. كما أنها خلال تشريح المدونة اكتفت بجانب واحد من الحقيقة اللغوية. فقد اعتبرت أن القرآن حرّم بشدة المثلية الذكورية ولكنه وعد الصالحين بولدان مخلدين. ورأت أن هذه الإشارة تدعم موضوع متعة الرجال بغلمان من الجنة (ص15).  ولم تكلف نفسها عناء قراءة العبارة بسياقها اللاهوتي، على الأقل، والذي يشير بكل وضوح لدور خدماتي لا يشمل البهجة الجنسية أو اللذة. ناهيك أن كلمة ولدان تدل على يافعين وغير بالغين وكلمة مخلدين تدل على أهل الجنة (من نشأ فيها بعيدا عن كل قيود وأعصبة الواقع الدنيوي). ثم إن العبارة غير نوعية ولا مخصصة، وتطلق على المذكر والمؤنث. ولا أعلم  لماذا ترى ابن سلامة في هذا المشهد شيئا يتجاوز حدود الخيال الإسلامي لليوتوبيا. فهو مجرد وعد من الذات الإلهية بتوفير أساليب ووسائل الراحة للكبار الذين اتبعوا توصيات الخالق وطبقوا كل تعليماته. وربما لا يوجد في كل القرآن آية نظيفة ومتعالية على الشهوات مثل هذه الآية. ولدينا كم هائل من المشاهد فوق الطبيعية سواء في القرآن أو الحديث، وفيها تتعايش كافة الأجيال والأجناس في جو مسحور، وفي إطار رموزي يتعمد المبالغة.

ولكن هذا لم يمنعها من استنتاج ملاحظات هامة عن الفجوة المعرفية التي تفصل الواقع عن النص. فقد كان المجتمع العربي منذ بداياته يعاني من ازدواجية في المعايير، ويتعايش مع واقع شيزوفراني تسوده مقاييس غامضة. وهو ما رأت فيه ريبكا غولد، ضمن دراساتها عن إسلام العصور الوسطى، اضطرابا بالتعبير المجازي. فالعرب كانوا يميلون للاستعارة والفرس للتشبيه. وأعتقد أن هذه النتيجة هي تحصيل حاصل لدراما الصراعات البينية. وإذا كان الصراع على الموارد قد تحول إلى صراع على السلطة، وإذا كانت تلعب به أيدي الدول العظمى (الفرس والبيزنطيين) فقد انتقل لصراع بين بين لوبي حضارات، أو ثقافة شمسية مقابل ثقافة قمرية. وهو ما تطور في العصر الحالي لنوع من المواجهة بين الولاءات. وبلغة رجاء ابن سلامة بين عرب محدثين وموجات تدخل في عداد ما يسمى الصحوة الإسلامية (ص20). ولا تنسى بهذا السياق أن تشير لعقدة مستعصية في تفكيرنا السياسي المعاصر وهي تهمة التآمر والتجسس. حتى أن محمد حسنين هيكل ذكر في كتابه “كلام في السياسة” أن ملك الأردن السابق كان يتقاضى راتبا شهريا من المخابرات الأمريكية. ويحالف ابن سلامة الصواب حينما تعزو هذه المشكلة لسقوط وتصدع النظام الأخلاقي (وضمنه الجنسي والسياسي) عند العرب. فالسياسة مثل الجنس مجال خصب للأوهام وإضفاء هالات تقديس مزيفة وبلا طائل، وهي جزء من الأساطير التي اختلقها النظام المثنوي في عملية الخلق الإلهي. وقادها ذلك إلى قراءة سريعة في بعض المفاهيم ومنها مبدأ القوامة في الإسلام (ص30)، فهو مبدأ اجتماعي وله أسباب اقتصادية فرضها النظام الاقتصادي المتبع في القرن السادس بعد الميلاد والذي يتصف بأنه اقتصاد جائر وغير متوازن ويعبر عن اختلافات عميقة بين بقايا مجتمع البادية ورواسب الحياة الحضرية. فقد كانت حياة القبائل تعتمد على الصدفة والمغالبة، بينما استقر في المدن نظام عمالة هرمي وطبقي، وبقليل من المرونة يمكن أن تفهم أن الحياة في المضارب تحتاج لذراع لحمل السيف، إن لم يكن بهدف الحرابة فعلي الأقل لمواجهة مخاطر وغدر الطبيعة، مقابل الإيمان بالقيمة التبادلية للسلع والحرف في المدن. حتى أن الأمر الإلهي كان مشروطا. فقد ربط القوامة بالتفضيل والإنفاق (ص 30). وكما لاحظت ابن سلامة إن انتهاء الظرف يفرض إنهاء المفعول. وتعتقد أنه ضرورة واقعية ولا مندوحة عنها، ولذلك تدعو دون مواربة في خطوة أولى لإنهاء وصاية التراث وفرض الحداثة باعتبار أنها مكسب مدني ومعرفي تنظر للإنسان على أنه قيمة بحد ذاته وليس مصدرا للقيمة فقط. وفي خطوة ثانية لافتراض حداد على الماضي وأمواته، أو بالأحرى لتبني “عمل حداد” بلغة فرويد. وتضيف لاحقا: إن الحداد لا يسيء لأحد ولكن يضفي جوا من الاحترام والتقدير دون أن يسمح للموضوع المنعدم بالتحكم بحياتنا ومصيرنا (ص146).  

لم يكن الإسلام دينا جاهزا ومفصلا بشكل مسبق مثل الأحزاب السياسية الحديثة، ولكنه جاء ليعيد ترتيب العلاقة بين الوعي والطبيعة أو بين نظام المعرفة ونظام العمل. ولم تبدأ المشكلة إلا حينما تحول لدين دولة.  وهذه نقطة مفصلية. وسرعان ما فقدت المرأة بعد ذلك الحقوق التي كفلها لها الشرع (ما تعارفنا على تسميته بالوحي)، وأصبحت رهينة بيد إرادة ورغبات الفقيه. ويوجد فرق ملحوظ بين المفهومين. فالتشريعات نصائح إلهية، في حين أن الفقه حوّل الوعي الباطن إلى قدوة يجب اتباعها. بتعبير آخر فرض رغبات الفقيه ولم يعرب عن حاجات المجتمع والأفراد. ونجم عن ذلك استبدال الشرائع بمجموعة من اللوائح والأحكام، وبهدف واحد لا ثاني له، وهو تعويم السياسة الدينية على حساب الدين ذاته، أو كما تقول ابن سلامة: الارتهان لهوية أمة متخيلة (ص42).

2140 رجاء بن سلامةويمكن القول إن انحطاط واقع المرأة لا يمكن تعديله بالشعارات التي رفعتها الحركات النسوية مثل المساواة (أو المساواة قليلة الدسم - المختزلة إلى ما تسميه ابن سلامة الإنصاف)، ثم الحق بالتصويت أو مطالب مضحكة ومدعاة للطرافة كقيادة السيارة، وارتداء أزياء لا تعمل على تجريمها وسوى ذلك (ص42). فالمشكلة هي في انحطاط الوضعية الاجتماعية والحقوقية لشعوب العالم الثالث بشكل عام. ولسوء الحظ أن معظم الشعوب الإسلامية تعيش ضمن المجال المجدي لهذه الحضارات نصف الميتة. فقد خسر فيها الدين وضعه الوظيفي (التحرر من أدوات التأويل والدخول بشراكة موضوعية مع السياق)، وأصبح جزءا من نظام الرقابة والعقاب، أو بتعبير ابن سلامة: عمل على إخلاء وتفريغ الفضاء العام وعلى زيادة دور آلة المحاسبة (ص40). حتى أنه في بعض الحالات لعب دور وسم إيديولوجي مع إعادة ترتيب لنظام الفوارق (ص40).

وهذه الصورة القاتمة هي تحصيل حاصل لما تعرضت له المنطقة من حالات تهجير ونزوح. ولا أشير لموجات الهجرة بسبب الحروب ولكن بسبب الكوارث. فإخلاء الريف من سكانه، ومحاصرة المدن بالمهاجرين من الأرياف ساعد على تبدل جذري في سلم الأخلاق. ولم تعد هناك أي علاقة انتماء للأرض وإنما التزام بنظام الإنتاج. ولا ضرورة للتذكير أنه نظام عسكري. حتى الشرائح المدنية تخضع لتراتب يشبه المفهوم العسكري بالواجب والانضباط، وهو ما ترى ابن سلامة أنه سبب لانتشار مقولات مغلوطة ونفعية مثل خصوصية الأمة وفرض هويات غير مرغوب بها (ص42). ولكن السؤال الشائك: عن أي أمة نحن نتكلم، وبالمنطق عن أي هوية؟؟..

لا يوجد لحينه أي اتفاق حول هذه الحدود. وتبدو لعين الناظر أشبه بتعويم رأسمال رأسمالي، فكل حد مرتبط بصورة نفعية ومؤقتة بحد آخر يدخل في تركيبه، مثل معنى جوهر الإسلام، فهو بمفهومه المعاصر مجرد طريق لتشكيل وعي مادي عن مسائل ميتافيزيقية.

ومن هذه الصدوع تسللت مفاهيم جهادية متناحرة لم تفعل شيئا غير زيادة مساحة الخراب والتخلف والازدواجية في السلطات، أو ما تقول عنه ابن سلامة: انفصام لدرجة الطلاق بين التشريعات والواقع الاجتماعي (ص41).

وعلى هذا الأساس تنظر لمشكلة الحجاب الذي تختص به المرأة وتعفي منه الرجل، ولكنها تقسم الحجاب النسوي لنوعين: حركي (خمار وفوقه جلباب- ص65)، وفضائي (يفرض إقامة جبرية على النساء في محميات لا تصل إليها عيون الذكور البالغين) وتقصد به على نحو خاص عزل نساء النبي عن الحياة العامة (ص58).

وأغتنم هذه المناسبة لتوضيح نقطتين.

الأولى أن الخمار تقليد اجتماعي معروف قبل الإسلام. وهذا باعتراف ابن سلامة التي بنت فكرتها على بحوث روزين لامبان المختصة بالثياب الدينية (ص65).

النقطة الثانية أن تضييق الحركة على النساء مذكور حتى في معلقة طرفة بن العبد المتوفى قبل البعثة بحوالي 40 عاما، وذلك في معرض كلامه عن البكهنة في حرمها المعمّد (المرأة البدينة بيضاء اللون التي لا تضطر لأداء أعمال سخرة عضلية). فقد كانت زينة ذوات الخدور لا تكتمل إلا بلون البشرة الأبيض. وهذا بالضرورة يتطلب ارتداء كساء فوق كساء أو جلبابا مع خمار. بالإضافة إلى الاحتماء تحت سقف يمنع  أشعة الشمس والغبار. وأنا مع ابن سلامة أن الخباء كان علامة طبقية خاصة بالحرائر كما لاحظت في خطاب للخليفة  عمر بن الخطاب مع جارية مكممة (ص67). وحين فرض الإسلام الحجاب على كل النساء لم تكن الغاية تحصين المجتمع من الفتنة، كما هو شائع، ولكن لتحقيق المساواة ولتحرير الإماء من علامة التبعية. لقد ساوى ما بين الحرة والأمة، وألغى الفروق بين من يملك ومن لا يملك. عدا ذلك لم تكن المرأة العربية تفتقد للتقدير لدرجة العبادة. وخذ اللات على سبيل المثال. كان لها معبد في الطائف يدعى بيت الربة، وله كسوة وحاجب، ويجاريها بهذه المكانة العزى ومناة، وهما بالأساس من آلهة الأنباط والآشوريين. وباعتقادي أن العرب أكرموا المرأة عندما اختاروا للحياة وللأرض والشمس صيغة تأنيث، وللموت واللحد والقمر صيغة تذكير. بتعبير آخر كانت المرأة واضحة ومعروفة ومأمونة الجانب، بينما الرجل كائن مجهول ومحجوب عن الإدراك والتجربة العملية ولا يمكنك أن تضمنه. ولا ضرورة للتذكير أن المؤنث في كل اللغات مبدأ يعمل على ثلاثة محاور:

الطبيعة المانحة، والأرض الحاضنة، واللسان الذي يلزم للتواصل ولبلورة حياة اجتماعية وإنسانية كريمة. وهذا المثلث وحده يكسر القاعدة الشريرة لعقدة أوديب ويخففها ببدائل تضمن لنا تصعيد الجانب المدمر من الغرائز. وبالنسبة لشرط اللغة لا يسعنا إلا ملاحظة طبيعته الثنائية. فهو يتكون مثل الآخر عند لاكان، من حالة شمولية (أحرف كبيرة) تحيلنا إلى اللسان أو القواعد الأساسية. وحالة نوعية خاصة (أحرف صغيرة) تحيلنا إلى الكلام. وعليه لا يمكن أن يكون القانون ذكوريا باستمرار، بل هو بالأساس اختراع أمومي له تطبيقات ذكورية. وهذا خير تعبير عن الطبيعة المتكررة للسان الأم، والحالة الاجتماعية المعزولة في بيئاتها للكلام واستعمالاته. بتعبير آخر إن الحالة الطبيعية في أي مجتمع هي رحمانية (تدين بالفضل للأم - بالتحديد الرحم) مع وجود مساحة للتطبيقات المذكرة. ومن هنا يبدأ التقابل المدمر بين المعاني الضمنية والألفاظ الظاهرة، ويمكنك القول بين سياسة البيت وسياسة الشارع، فكر الحضانة والرعاية وفكرة استنزاف الطبيعة واستثمارها. وإذا تورط العرب بمنطق ذكوري فهذا ليس مشكلتهم بل مشكلة تطوير الفكر الريعي بشكل عام، ولا سيما في حالة الديانات السماوية التي حصرت الربوبية والتأله بالرب والله والخالق (وهي مفردات تأخذ حصرا صيغة تذكير). ولا يفوتني هنا التنويه بخصوصية معنى “الفحولة”، فهو مجرد ترضية رخيصة للطبقات المعدمة التي لم تحصل على كفايتها من التعليم والثقافة، وتستطيع أن تشعر بخطره في أوقات الشدة حينما تكون المبادرة لغريزة الموت وما يرافقها من عنف وانتهاكات واستعمال مفرط للقوة.

ولا بد هنا من التفريق بين خطاب الجماعات الشعبوية وخطاب ذاكرة الشعوب الذي تحفظه الملاحم والسير والأمثال من الضياع. فالخطاب الشعبوي يتطور باتجاه واحد ودون أي بنية فنية، في حين أن للذاكرة الشعبية عدة صيغ وأشكال، وكلها تتفق على المساواة بين الجنسين. مثلا الساحرة امرأة لديها قوة خارقة، ولكن المارد رجل لديه عضلات فولاذية. ويمكن أن يتصارع الطرفان، وأن تنشب حرب بين امرأة استثنائية وسوبرمان، ويصبح كيد المرأة بمواجهة علنية مع جبروت الرجل.

إن الظواهر السلبية التي عانت منها المرأة طويلا هي نتيجة تخلف حضاري أو اختناقات اجتماعية. ولا علاقة لها بالعرب أو الإسلام. وإذا كنا نقر بتعدد الزوجات فالعرف المدني الأوروبي يقر بتعدد المعشوقات والمحظيات. وإن كنا نلجأ للزواج المدبر، فالغرب يعرف هذه الترتيبات سواء بين الأسر الحاكمة، أو بين العوائل البورجوازية التي واكبت أول ثورة في وسائل الإنتاج واستمرت حتى سقوط الرايخ. وتورد ابن سلامة عدة ملاحظات بهذا الاتجاه منها أن غطاء الرأس كان مستحسنا عند النساء والرجال منذ العصر الجاهلي، وتحول لفرض أو واجب أخلاقي منذ ظهور الطربوش في القرن التاسع عشر (ص70). وتجد أصداء هذه التحولات في الرواية العربية، سواء المكتوبة بعد ما يسمى بالثورات (المقصود انقلابات العسكر بعد مأساة 1948)، أو بعد اندلاع شرارة الربيع العربي. وتجد في الطورين أدلة على ظواهر عجيبة يندى لها الجبين مما تنطوي عليه من أحقاد وانتهاكات للقانون الإنساني ولبديهة وفطرة البشر، ولا سيما في روايات ظاهرة الحرب الإسلامية المقدسة. فقد رفعت الستار عن تشوهات نفسية عميقة لم تدفن المرأة تحت الأرض فقط بل شجعت على تسليعها واعتبارها مجرد قيمة جاهزة للتداول في السوق (وتشير ابن سلامة لعدة أمثلة من هذا النوع لكن في مجال الحفريات والدراسات. انظر ص 80 - 84). وتزامنت هذه الظاهرة مع موجة الرواية المثلية في أوروبا والأمريكيتين، وحولت المسألة لقضية حقوق طبيعية. بمعنى أنها نظرت إليها كجزء من إكراه الطبيعة على إلغاء نفسها وميولها.  ويمكن لأي متابع أن يشعر بالدهشة كيف تتوازى مسائل الجنوسة في الحالتين: استعباد الإنسان من قبل أدوات التخلف أو تحريره بواسطة أدوات الصناعة. إن الفوضى الناجمة عن التخلف لا تقل شأنا عن الركود الناجم بسبب زيادة التقدم، وربما كانت أول لحظة هي نتيجة موضوعية لثاني لحظة. فأي أطروحة يرافقها أطروحة مضادة، وهو ما يدعوني للنظر للمسألتين على أنهما جزء من نفس المنظومة. وربما أبسط تفسير لذلك تجده في قانون الصدمة.  فأثر التخلف لا يقل عن أثر الإفراط بالتحديث، وكلاهما ارتطام بالحاجز الزمني أو إقلاع بآلة الزمن وإن تعاكست الاتجاهات. والدليل على ذلك هو تطابق البنية الفنية وأدوات التصوير والمحاكاة في الحالتين. لقد وضعت هذه الوحدة السردية عاطفة الإنسان أمام الطبيعة وليس العقل، ولذلك كان التناقض بين عاقل وغير عاقل وليس بين ذهن ومشاعر. وساعد ذلك على زيادة الجرعة الدرامية أو الصراع لدرجة تناقض أساسي، ولم تنجم عنه مواقف انطباعية تشجع على التكهن والتأمل، وربما الدعوة للمصالحة. لقد تم تفكيك أي فلسفة تشجع على المصالحة وأصبح الطريق ممهدا لأن يلغي كل طرف عكسه. وأعتقد أن هذا الإلغاء أفاد أطروحة هنتنغتون المشؤومة في صراع الحضارات، فصحوة الحضارة الشرقية القديمة لم يكن يجاريها شيء غير صحوة الحضارة الغربية الصاعدة. وأعتقد أن المتضرر من هذا الصدام المسعور هو وعي النوع لذاته. فقد ظهر مفهوم نوعي غريب وشاذ لكل فئة، وتدخلت الإرادة الوهمية لفرض حقيقة مفتعلة، وربما لو تفاقمت هذه المساعي لتبدل توازن البشرية وأصبحنا أمام مشكلة في بيولوجيا النوع مثل مشكلة تلويث الجو والمياه، أو حتى ظاهرة الاحتباس الحراري. ولا أستغرب أن يأتي يوم ونجد أنفسنا فيه أمام نوع بشري غير معروف، فالإنسان الجليدي مختلف تماما عن الإنسان الحديث سواء بالبنية التشريحية أو حجم الدماغ، وهذا سينعكس على الواقع وأشكال تطوره. ويكفي أن نلاحظ النمط الجديد من الهجرات. إذا غلبت هجرة الأفراد على جيل التنوير في بدايات القرن الماضي، تغلب على الدفعة الثانية هجرات جماعية، وأغرب ما في الموضوع أن الاتجاه معكوس. الغرب الرأسمالي يوفر الرعاية للاتجهات المتأسلمة (ذات الاتجاه المتزمت) بينما توفر الإمارات والممالك العربية الملجأ لبقايا اليسار العربي. بلغة أوضح تحولت منطقة الخليج الناطقة بالعربية لأندلس جديدة، لم يبق فن لم يشهد نهضة، وكذلك بالنسبة لكل الصناعات الاستهلاكية ومنها السياحة والثقافة. بالمقابل تحولت العواصم التقليدية للشرق إلى نفق مظلم، وتحتله سلطات مشغولة بأوهامها. ودون أي تردد أجد أن الشرق التقليدي تحول لغربال أو بأحسن حال لمنطقة عازلة. بمقدار ما هو مشغول بمشاكل البقاء والضروريات هو أيضا معزول عن مستقبل العالم، والأسوأ عن هويته الأصلية والحقيقية، وربما هو حاليا شرق غير شرقي، لا يعرف نفسه، ويغطيه رماد موته البطيء. وفي هذا الجو لا يهم أي بنية، فهي بنية عقيمة ومعطلة، ولا يمكنها أن تكون واضحة، أو لها معنى بمضمون محدد. ولا شك أن الواقع الجريح سيتكفل بخصاء الدوائر الاجتماعية، لا فرق أنها مذكرة أو مؤنثة. المهم أنها معطوبة وجريحة، وتحتاج لتضميد محتوياتها المنهكة قبل أن تدلي بدلوها. وأي حديث عن جنس ثالث أو حريات مدنية سيكون موضوعا سابقا لأوانه. وأن نطالب للمرأة بحق التصويت والاقتراع هو في حقيقة الأمر أقل من نصف المشكلة. والمفروض أن نطالب أولا بالنزاهة في إجراء انتخاباتنا. وفي ظل الأنظمة القمعية لا يمكن تفعيل أي دستور، ناهيك عن تنشيط بقية الفعاليات، فدساتيرنا لهذه اللحظة مجرد حبر على ورق. وأفضل من يعبّر عن ذلك الصحف الوطنية. فالصفحة الأولى قصائد عشق ومديح للقيادات، والصحف الداخلية تعيش في حالة غيبوبة، كأن الصحيفة الواحدة موزعة على حلقات ودوائر مغلقة لكل منها دستورها ومرجعياتها. والتعديلات الدستورية نتيجة لمسيرة طويلة وشاقة، ويمكننا أن نتعلم خلالها المعايير الحديثة، وأن نعيد هيكلة عقولنا وأدمغتنا. وهذا ينطبق على الأنظمة العلمانية والمشيخيات على حد سواء.  وإذا سلمنا مع رجاء ابن سلامة أن المرأة تتعرض لانتهاك دستوري وأخلاقي في منطقتنا، فهو جزء من الانتهاكات العامة التي تلحق بعلاقة الأب بابنه، ومدير المؤسسة بالعاملين لديه.

وباعتقادي إن جيل التنوير العربي كان مناصرا للمرأة أكثر من جيل التنوير الغربي. وأي مقارنة بين أعمال فنية لها عناوين نسائية تحسم المشكلة لمصلحة أول طرف مع أنه كان يضع شعرا أوروبيا مستعارا. بتعبير آخر مع أنه بجوهره ينادي بمحاكاة الغرب في تثوير الواقع تبقى الإيديولوجيا ببرقع نسائي واضح. وإذا أخذنا (زينب - 1913) لهيكل و (سارة- 1938) للعقاد على سبيل المثال لن نقابل غير بنات حقول خضراء مدللات أو سيدات صالونات مخملية. ولا يمكن أن تسجل أي خشونة تدين الرجل حتى لو أن المجتمع دون قلب ولا عاطفة.  ولو تمهلت قليلا ستلاحظ أن المشكلة في مستوى الحياة وليس في ظرف الوعي، أو أن المواجهة كانت محتدمة بين المطلق والنسبي. بعكس حال مول (فلانديرز- 1722) لديفو أو (نانا- 1879) لزولا.

فكل شيء هنا ينصب على تأثيم المرأة وتذليل الرجل. ولا أعلم ماذا يمكن أن تقول عن هذه الإيديولوجيا الفنية. إنها عمليا لا تدعو لتمريغ واقع الجنسين بالوحل، ولكن لعلها تكتب مرثية لموت أخلاق وعادات وصعود بديل عنها. ويمكن أن تقول إن المرأة بنظر رواد التنوير الأوروبي كانت تلقي وزر ووصمة العار التوراتية على النساء، سبب طرد الإنسان من الجنة.

ولا يمكنني أن أجد في التقابل بين الجنسين أي خطأ استراتيجي. فالتصنيف شيء من طبيعة الأمور، والجينيالوجيا (علم الأنسال) موضوع قائم بحد ذاته، ويخدم تعريف الأشياء بصفاتها النوعية والوظيفية الخاصة. ومن الطبيعي أن المرأة هي كائن أو مخلوق غير الرجل (وهما ثنائية متقابلة - ص97). وأن يكون للمرأة اسم صفة يعني أنها كائن مختلف، ويتطلب مقاربة خاصة في معظم الأحيان. إن التقابل شيء والتمييز شيء آخر. ويتأتى العنف من أسلوب الفهم والاستيعاب والمقاربة. وهو شيء ينطبق على الجنسين. وأن تحدد عمل المرأة بواجباتها المنزلية(ص79) مثل أن تحدد للرجل القيام بأعمال عضلية وشاقة. (الحالة لا تختلف كثيرا عن واجبات الشاب البالغ والكهل أو الشخص القصير والشخص الطويل). وإن لم نعترف أن ثقافة العنف هي لدينا أخلاق موجهة ضد الذات والطبيعية وتعبر عن ردة الحضارة الجريحة على ظروفها التاريخية نكون قد أغفلنا جزءا هاما وأساسيا من حقيقة المشكلة. ومثلما لا أجد أي مسوغ للتحفظ على إدانة العنف المطبق على النساء (ص104) لا أفهم لماذا لا نعمم ونطالب بإدانة العنف المطبق على الإنسان الذي يعيش في ظروف قهرية. وأن نخص المرأة بهذا الطلب يعني أننا نميز بينها وبين الرجل ضمنا. والأجدى في الحقيقة المطالبة بشروط حياة كريمة وبعدم تطبيق أي عنف من الكبار على اليافعين، وعدم توريط الصغار بعمالة تتطلب جهدا يتخطى حدود عمرهم، سواء من الناحية العضلية أو الذهنية، وأن يشمل هذا الطلب البنات والذكور معا ودون تمييز. وبهذه الطريقة نكون قد ألغينا مشكلة الفصل بين الجنسين أو إقامة حزام عازل يحاصر البنات والنساء. فالمرأة ليست إيديولوجيا، ولا هي شيء فوق التاريخ، ولكنها نوع له وظائفه بقوة الطبيعة.

بوجيز العبارة: لحينه المرأة مثل الرجل ضحية لعنف اجتماعي يأخذ شكل البلطجة. وهذا النظام الذي يعتمد على الإكراه له عدة ترجمات واقعية بالأخص في الحواضر، أو ما يسمى المجتمعات المدينية، حيث يكون لكل حي عصابة تضبط أموره وتوزع الصلاحيات والحصص فيما بينها وكأنها دولة داخل دولة. لا أستطيع أن أقول إنها ما فيات عربية، ولكنها انحراف في النظام، ولا سيما في حال ضعف الدولة، وحصر اهتمامها على ضبط بعض المرافق، وترك ساحة الخدمات والكماليات لنوع من العرف أو الاتفاق الأهلي. إن الدولة الضعيفة تمهد الطريق أمام تنمر وتغول التكتلات الأهلية والمحلية التي يسودها تفاهمات غير مكتوبة ويصعب حصر طرائق عملها.

ويوجد أمثلة عن الانفلات الأمني، وإهمال الدولة له، في بعض المحطات غير الحساسة. وهذا ينطبق في بلداننا على العشوائيات، فهي دائما محرومة من عاطفة ورعاية النظام، ويوجد حالة مشابهة في أحياء المهجرين والمعدمين والأقليات العرقية في دول الشمال. ولا أعتقد أن النظام المتحضر عاجز عن ضبط هذه التجاوزات، وعلى الأرجح هي بالون اختبار، والعين الساهرة لا تتدخل إلا إذا وصلت الأحوال لدرجة معينة. وبهذا السياق أحيل لرواية “مذكرات من نجا” للبريطانية دوريس ليسنج، ورواية “شرف” للتركية إليف شافاق. في العملين متابعة لظروف إنضاج وتهيئة الفوضى قبل دخول الدولة على الخط والقضاء على الرؤوس المدبرة. ولكن الصبر والحنكة اللذين تلجأ لهما دول الشمال ليسا مطروحين للنقاش في بلداننا، وغالبا ما تتفاقم الأحوال، وتتحول لتصفية حسابات أولا بين البلطجية، ثم بين العوائل المتنفذة في كل منطقة. بمعنى أن النتائج تبقى داخل أسوار اجتماعية كتيمة لا تخترقها السياسة لأنها أصلا غير مهتمة بها. هذا إن كان في البلد المعني سياسة من الأساس.

وبظني إن منطقة الشرق الأوسط تنحو لتمييع أي شكل من أشكال السياسة باعتبار أنها فن الحكم، وتتحول بسرعة مرعبة لمجتمعات منقسمة على نفسها ومعصوبة، وبينها انقطاعات بنيوية. فالحكم في مجتمعات الداخل تحركه لغة ومنطق يختلف ويتعارض تماما مع المنطق الدبلوماسي أو النشاط الذي يستهدف الساحة الدولية.

كما تفضلت رجاء ابن سلامة لقد تطور القهر ضد المرأة لدرجة جناية، وأسبابه التاريخية البعيدة تشير لعمل إجرامي منظّم ناجم عن أحقاد دفينة، وهي نتيجة صراع مستميت على التسلط، وكل الحفريات تؤكد أن حلول الرجل مكان المرأة تلازمت معه تبدلات في شكل حياة النوع البشري بشكل عام. والفرق بين الدولتين.. دولة الأم ودولة الأب يشبه الفرق المؤسف بين معنى الرعاية والحراسة، ومعنى التملك والتسيد. ولكن إذا وضعنا إلى جانب ذلك نكوص الوعي في منطقة شعوب العالم الثالث لا يمكن أن لا تنتبه لتربيع الدائرة. إنه انتقام ذكوري دموي من دولة المرأة رافقه انفجار الغرائز البدائية التي تميز نشاط قانون الضرورة في مجتمعات التخلف. بل ويمكن القول إن الأسباب أحفورية وتاريخية. مثلا لم يتم التخلص من شجرة الدر لأنها امرأة بل لأنها امرأة تجلس على العرش. وغني عن القول أن القاتل هن من جواريها، نساء يقتلن امرأة غاشمة ولا مبالية. باختصار العنف في منطقتنا لا يوفر أحدا، غير أنه مزدوج بالنسبة للنساء.

ثم تضع ابن سلامة قائمة بانتهكات الدين ضد النساء. أو بالأحرى الوكالة الدينية أو الحلقات التي تتكفل بحراسة اللاهوت والميتافيزيقا. ولكن حقيقة لم أجد أي عيب فعلي في النصوص، فالأديان تلجأ للأساطير والترميز للترويج لنفسها. إنما تخلف الحضارة وقصور عقلية التخلف يحد من مرونة التواصل مع المعنى. فالتخلف لا يعتمد كما يفترض أدونيس على نقل وتمكين الأسطورة وكأنها واقع، أو التصورات وكأنها أحداث جرت فعلا، أو أعمال طبقها الإله بالفرض من فوق لتحت، أو من ذات علية إلى كتلة فيزيائية تؤدي عقوبتها على خطأ ارتكبه أبو البشر. وإنما يلجأ التخلف للمحاكاة، ويقلد أوهامه الذاتية قبل أن يقلد تصورات غيره (التقاليد). فالتخلف لاشعور جماعي تابع. وهنا أود أن أستعير من خليل أحمد خليل مخططه عن البنية الهرمية للقيادة عند العرب. في وقت الرخاء يكون التابع مساويا للمتبوع، لكن في أوقات الشدة تفصل الطرفين مساحة غامضة من الأفعال المؤجلة. ولذلك إن بنية التخلف ليست تبعية فقط، ولكنها ملغومة، وتزداد فيها الاحتمالات. ومن هذا الباب يمكن تفسير زيادة عدد الأعمال الانقلابية في منطقتنا. لم تكن تمر خمس سنوات دون تبدل دراماتيكي في السلطة سواء بالشكل (بين 1950 -  1970) أو بالمضمون (بعد 1970). وكان يتخلل ذلك مناوشات تصل لدرجة حروب محدودة أحيانا. وفي واقع من هذا النوع لا يمكن أن تساوي بين الإيمان والدين. فالدين واحد لكن أشكال الإيمان مختلفة. ويمكن أن تقول لا يوجد ولاء حقيقي بالسر، وتقتصر الطاعة على النفاق العلني المدفوع القيمة.  ويبدو لي أن اضطهاد المرأة هو جزء لا يتجزأ من هذه البنية غير الإيمانية واللاهوتية التي تدين للتخلف وللطاعة المأجورة. وبرأيي إن الفحولة ترفع من مكانة المرأة كطرف مرغوب أو جائزة للاستجمام والسعادة. لكن دراما الصراع على التسيد والاستئثار هو الذي يبدل المعاني. ناهيك عن الأكاذيب والتلفيقات التي تضاف منهجيا وبشكل متعمد لإرضاء الدولة. ولا أعتقد أن أحدا لم يسمع بمشكلة صحيح البخاري والكم الهائل من الأحاديث المشكوك بصدقيتها ولكن المنسوبة للرسول والتي يقيس الفقهاء عليها أحكامهم وتشريعاتهم. وأن تجتهد على خلفية أسطورية وملفقة لا يختلف عن بناء دين لا علاقة له باسمه أو منابعه اليقينية. وعمليا لا يمكننا انتقاد الدين (ومن خلفه الفكر الديني) قبل غربلة الحقائق، وملاحظة أساليب تطورها وتحولاتها. 

ويأتي آخر فصل بشكل مسك الختام. النهاية السعيدة التي تجرّأ كامو ورأى فيها انتحارا طوعيا، أو ميتة سعيدة. وأقصد بذلك التفاؤل بالحداثة العربية، وتقسيمها لأنواع: منسية ونهضوية ومعاصرة (ص149). ولا جدال أنه لدينا كم هائل من المقاربات لمشكلة الحداثة، ولكن هل نحن على وشك أن نفهم هذا اللغز الغامض؟؟!!.. إن ما كل ما فعلناه حتى هذه اللحظة هو البحث عن اسم لتفكيرنا ولأساليب المناورة مع هذا التفكير. وبالنسبة للحداثة تحديدا فهي رماد لأوراقنا المحترقة التي لا يسعني أن أرى فيها غير بقايا رومنسيات وميتافيزيقا. والمحوران بتناحر دائم، كل منهما يلعب بعروس الحداثة بطريقته، وبرأيي حداثتنا لا تزيد على مسرح عرائس أو خيال ظل. فالشكل الراديكالي أو الميلودراما المتواضعة من دعوات التحديث لا تزيد على استيراد الثياب الجاهزة، مفصلة في مخبر دريدا أو فوكو، وإن كنا من أنصار الحداثة الواقعية أو الاشتراكية الحديثة (ويسمى في بعض الحالات: “الطليعية” تهربا من الدخول بملف الإمبريالية الراعي الأول لكل هذه الصيغ) ستكون الأجهزة والأدوات من القاموس الماركسي (بنسخته الأوروبية غالبا)، لأن النسخ الأرثوذوكسية الشرقية وقفت ضد أي تحديث بشكل أعمى ولم توفر شتيمة لم تنعته بها بدءا من التحريفية المعاصرة وحتى الانحلال والتميع والمغالطة التاريخية (ص149).

ويوجد تحديث آخر معكوس بأقنعة تراثية، وهو ما بدأ يأخذ اسم تأصيل الحداثة أو تحديث الأصول. وهي معادلة طرفاها مغيبان بقوة الواقع التجريبي لأن أي معادلة لا يمكنها أن تقف بوسط الطريق وتختار أن لا تكون شيئا لتلعب دور المخلص والمطهر. وهذه هي حال كل النظريات القومية. دائما أقف أمام خلطتها عاجزا. فهي تتبنى فلسفة من كل بستان زهرة، وتسمي ذلك تأسيسا لهوية عروبية ثورية. ولكن لو وضعتها في أنبوب الاختبار ستنفصل لمكونات تلغي نفسها بنفسها. والواقع سيد الأحكام، فالعرق العربي يمر بنفق مظلم، ومثله العاطفة القومية برومنسياتها وطموحاتها، تتعرض لكبوات فظيعة، وأقله هي مرتهنة لأصدقاء غير عرب ليفضوا النزاعات البينية أو ليحسموها وفق إرادتهم.

وحالة تغييب الحداثة، أو قلة حضورها على ساحة حياتنا اليومية، تضعنا أمام معضلة يسميها فرويد الكمون. فالليبيدو لا يعرف كيف يعبر عن نفسه، وهو أيضا تحت مظلة ليس لها لون محدد، فهو خائف من المشكلتين الأساسيتين: قضية العمل وقضية المعرفة. ولذلك كل شيء يضيع في متاهات الاستهلاك. وهذا بدوره استهلاك رخاء أو استهلاك حرب. بمعنى أنه تعبير عن العدم بلغة الوجود. فهل يجب أن تستغرب إذا كانت المرأة موجودة في الخطاب الرسمي، ومفقودة من التجربة الواقعية أو البراكسيس. بمعنى أنها ليست متحققة في مجالات العمل؟.

ولم تفوت رجاء ابن سلامة الفرصة على نفسها، وأعلنت عن أقنعة حداثاتنا المبسترة وقليلة الدسم، بمعنى غير النافعة إن لم تكن الضارة (في كل أساليب تطبيقاتها)، حينما قالت إنها شيء بأسماء مستعارة، ونعتقد أنه يدل على أفق نهضوي لكنه يعتمد على ماهيات تعيق المعرفة التاريخية العلمية (ص149).  وتضيف في السطور القليلة التالية: حتى أن كل هذه الأسماء الشائعة لا تشير إلى فكرة وصورة الخروج أو القطيعة أو التبدل الجذري (ص150)، بل تحولت لمشروع مجتمعي يروج لرواية رسمية أو شبه رسمية عن نهضة ميتة (ص153).

 

د. صالح الرزوق

 ...................

*بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث. رجاء بن سلامة. 2005. ط1. دار بترا للنشر والتوزيع. دمشق. 174 ص.

 

علجية عيشمن خلال كتاب "الكتابة تَحَوُّلٌ في التَّحَوُّلِ" للناقدة اللبنانية يمنى العيد

(خطاب الإسترداد والدفاع يخفي حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي)

في كتاب لها حمل عنوان: "الكتابة تَحَوُّلٌ في التَّحَوُّلِ" سلطت الناقدة اللبنانية يمنى العيد الضوء على الظاهرة الحربية وعلاقتها بالثقافة، ودور الإستعمار في الإستيلاء على أراضي الآخر وسلب حريته ومحو هويته مقدمة في ذلك مثال عن القضية الفلسطينية ومشاهد الإجتياح الإسرائيلي للقدس وللبنان في ظل الحرب الأهلية وما لحق بالشعوب من دمار وخراب للمدن، سعى فيه الخطاب افسرائيلي إلى التعتيم على هذه المشاهد ومن ثمّ إلى تحوير معناه ووظيفته من منظور يخدم العدوان الإسرائيلي ومن ثم كيف يمكن صيانة الذاكرة الثقافية من الإعتداء على كل ما يشكل تاريخها

والكاتبة اللبنانية يمنى العيد ناقدة أدبية، أستاذة في النقد العربيّ من مواليد 1935 بصيدا، اسمها الحقيقي حكمت المجذوب الصباغ، وتعرف أيضًا باسم حكمت الخطيب، حائزة على عدة شهادات تقدير وجوائز عربية منها جائزة سلطان العويس، أما عن انتمائها السياسي فهي يسارية، انتسبت في بدايات حياتها الثقافية والفكرية إلى الحزب الشيوعي اللبناني، في كتابها السالف الذكر، قد قسمت المؤلفة الكتاب إلى سبعة فصول تطرقت فيها إلى الأعمال الأدبية التي لها صلة بالحرب، لاسيما رواية العطل والفرق: (الظل والصدى) للروائي اللبناني يوسف حبشي الأشقر الذي تحدث عن السقوط اثناء الحرب باعتباره علامة مختلفة في مسار الكتابة الأدبية اللبنانية، ورواية العطل الآخر: (أيام زائدة) لحسن داوود، وقد خصصت الكاتبة لكل رواية فصل خاص (الفصل الثالث والرابع)، كذلك رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ التي تناولت الوضع السياسي وأخطائه أيام الحكم الناصري، مشيرة أنه من الضروري الأخذ بعين الإعتبار ما يعتري التناول الروائي للأمور السياسية من غموض، وكيفية الخروج منه لتحديد الهُمْ والنَّحْنُ، أي بين القاتل والضحية، بين المُتَسَلِّطِ والمُخَلِّصِ، حتى لا تتحول الحروب إلى تدمير ذاتي، فتردم الأحلام تحت ركام الحاجة إلى أولويات العيش .

كما عرضت التجربة الشعرية خلال الحرب حددت فيها المفاهيم المتعلقة بالشعر المقاوم وشعر التجريب، وكيف تتأثر الكتابة باعتبارها تعبيرا بالواقع المعيش، كما تطرقت إلى الحرب من وجهة نظر ثقافية وإعلامية، فالحرب كما قالت هي خارج الثقافة وضدها، لأن الحرب تدمير وخراب والثقافة بناء وحياة، أي مقاومة، وبالرغم من الإختلاف بينهما، فالحرب تترك أثرها في الثقافة، وقدمت صاحبة الكتاب أمثلة حية عن الحروب التي عاشتها الإنسانية، لاسيما احتلال فرنسا البلاد العربية، كذلك حروب نابليون بونابرت وحرب أمريكا ضد الفيتنام، وحروب المغول... وغيرها، وباختلاف أساليبها وأهدافها، وعليه فإن للثقافة خطابها المقاوم، لكن هذا لا يعني أنها تدعو إلى حرب أخرى، وانما فضح إيديولوجيا الحرب، فثقافة المقاومة هي إحلال الحوار مقابل القمع والعقل مكان القتل، أما في الجانب الإعلامي اشارت الكاتبة كيف استخدم الإعلام التكنولوجيا الحديثة محولا في ذلك المعلومة المرسلة التي يقدمها خطاب الحرب، هذا الخطاب الذي طالما استخدم علم الإشارات وعالم الصورة لصنع المعلومة التي يتوجه بها إلى الجماهير.

ومما لا شك فيه أن هناك من يتفق مع وجهة نظر الكاتبة بأن الغزاة والمستعمرون هم أعداء الثقافة ومُدَمِّرُوا الحضارات، وهم يتبنون خطابا يسوغ لهم منطقا قادرا على الإقناع يتوجهون به إلى فئات واسعة من الناس بغية حملهم على الإنتصار لهم، في محاولة منهم تشويه التاريخ وتغليط الرأي العام، والإعتداء على أراضي عربية معترف دوليا بحدودها، ومعروف تاريخها وهويتها المرتبطة بهذه الأراضي، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن الخطاب الإسرائيلي يسعى إلى محو تاريخ عاشه الفلسطينيون فوق أرضهم ولا يسمحون لهم بأن يقيموا دولة، وهذا الخطاب الذي قالوا أنه خطاب استرداد ودفاع يهدف إلى تحقيق المشروع الصهيوني الخاص بإقامة دولة إسرائيل الكبرى على حساب مساحة واسعة من الأراضي العربية بالإضافة إلى فلسطين وتدمير قواها، كي تبقى في وضعية الأضعف والتابع لنظمها، إذ كيف للخطاب الإسرائيلي أن يدّعي لنفسه معاني الدفاع وهو يمارس الإعتداء ويستبيح أرواح المدنيين وأرزاقهم، ترى صاحبة الكتاب أن خطاب الإسترداد والدفاع يخفي حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي الذي صارت فيه إسرائيل طرفا قويا، كما توضح في كتابها أن الخطاب الذي يحمل نزعة التدمير لا يمكنه أن يكون خطابا ثقافيا، إلا أنها تدعو إلى وجوب التفرقة بين الصهيونية واليهودية، إذ ترى أن الأولى هي إيديولوجيا سياسية والثانية دينا سماويا، ولذا وجب عدم الإنزلاق وراء خطاب يصنع الصراع على حد الإنتماء الديني.

من جهة أخرى تعرف الدكتورة يمنى العيد الإستعمار على أنه نظام اقتصادي سياسي وسلطة حكم زمنية وليس هوية قومية ولا انتماءً دينيا، ومن هنا تكتسب الثقافة معنى المقاومة وسمات النضال والمعارضة للحروب، فهي ترتبط بحياة الشعوب وبوعيهم للعالم، وهي بذلك ترمز إلى الثراء البشري، حتى لو كانت الحرب حربا أهلية، لكن ما يميز الحرب أهلية هنا هو أن هذه الأخيرة تكون فيها ثقافة المقاومة أكثر تعقيدا، لأنه الحرب الأهلية هي حرب بين مواطنين، وهنا تقدم يمنى العيد تجربة لبنان كنموذج، عندما تفتت المدينة وتهاوت أجزاؤها، ومن ثم يمكن القول أن الحرب الأهلية تفعل ما يفعله الإستعمار الخارجي من تدمير للمنشآت وتقتيل أبرياء وتعطيل الحياة الثقافية، من هذا المنطلق تطرح إشكالية الكتابة في زمن الحرب، وقد طرحت الكاتبة جملة من الأسئلة حول كيف يتكون النصُّ الكتابي في ظل سلطة تمحو وتهدم كل شيئ، وبأي لغة يكتب النصّ؟ هل باللغة السابقة، أي بالذاكرة؟ بالمرجعي العام؟ وكيف تُنْتَشَلُ الكتابة من الموت لتكون إبداعا يستعيد حضوره، وليكون لها موقعُ الفاعل في الثقافي نفسه؟، وهل مشكلة الكتابة هي مشكلة وجود؟ أم مشكلة ولادة جديدة، أي لها ديمومة التعبير وحياته؟.

و كما هو في الكتابة الروائية تحدثت يمنى العيد في كتابها عن الكتابة الشعرية، ووصفتها بالحفر على الجسد، عندما يتفتح الوعي على صوت المدفع والتاريخ يصعقهم في بداية حياتهم، شعراء ذهبوا للقتال دفاعا عن الوطن أو عن الطائفة أو عن الحزب، لكن غالبا ما تنتهي الحرب إلى مستنقع من الدماء، والمعركة التي كان يتبغي ان تستهدف عدوا عند حدود الوطن ويكون للموت فيها معنى للشهادة والفداء، فإذا بها معارك بين القوميين والمرابطين أو بين البعثيين العراقيين والإشتراكيين، وة بين الشيوعيين، مثلما حدث في معركة طرابلس عام 1985 ضد حركة التوحيد والفلسطينيين التي دفعت الكثير لترك السلاح عندما وجدوا ان يعضهم يقتل بعضا وشعروا انهم يغطسون في الوحل، وأضحت الحرب حرب الدمار بين الداخل والداخل، وليس بين الداخل والخارج كما رسمه مشهد الإجتياح الإسرائيلي للبنان.

 وتستخلص الكاتبة إلى أن الكتابة تحوّل في التحوّل، وكانت هذه العبارة ملائمة لإختيارها كعنوان لكتابها، حاولت أن تُفْهِمَ القارئ العربي أن الأدب الذي وظّف ذاته للتغيير الإجتماعي في الستينيات يسعى إلى البحث عن لغة جديدة لحياته، من أجل رؤياه لا رؤيته، وليتحرر بذلك من الواقعية والإلتزام، إنه الأدب الإيديولوجي الذي يختزل النص ويُحَوِّلُهُ إلى خطاب، ففي رواية "نهاية الوجوه البيضاء" لإلياس خوري تعلق يمنى العيد أنه في الحرب لا جدوى من معرفة من هو القاتل ومن هو المقتول، لأن الجميع معرض للموت ولذا لا يمكن الحديث عن الضحية لأن الكل ضحية، في الحرب كل شيئ مباح وجائز، التجارة بالسلاح، بالحشيش، تصبح الجريمة أمر عادي ويكون السقوط هو الغالب، لأن اللصوص يحكمون باسم الثورة.

 

قراءة علجية عيش

 

شاكر فريد حسنللناقدة ستيلّا رانش "نافلة علي مرزوق"

"مسار الشّمس" هو عنوان الكتاب النقدي الجديد وباكورة أعمال الكاتبة الناقدة ستيلّا رانش "نافلة علي مرزوق" من بلدة البقيعة في أعالي الجليل، الصادر حديثًا، ويقع في 94 صفحة من الحجم المتوسط.

يتناول الكتاب برؤية نقدية معاصرة ومعمقة في الطرح والتناول والتحليل والتشخيص، وبلغة علمية بارعة، وأسلوبية منهجية، وتحليل أكاديمي، التجربة الشعرية الإبداعية للأستاذ د. عامر جنداوي، بما تملكه المؤلفة من ثقافة واسعة واختصاص بالأدب المقارن، وآليات نقدية وثقافية حديثة، مكنتها من الغوص واستكناه عالم الشاعر والوقوف مع صياغاته الشعرية بكل تفاصيلها وأبعادها وقوامها واتجاهاتها اللغوية والفنية الجمالية.

وإنني اتفق مع ما تفضل به البروفيسور لطفي منصور، والشاعر نبيل طربية في استهلالهما للكتاب، بإشادتهما بالدراسة وبالكاتبة وتحليلاتها، حيث قال منصور:" ستيلّا تمتاز بحاسة التأمل وسبر عمق المعاني واستنباط معاني جديدة من بين السطور وما وراء السطور وهذا هو الفن في النقد. فهو المكمل للنص الذي يبقى ناقصًا حتى يتيسّر له الناقد الذي يقف على مواطن الجمال فيه فيشرحها. وأنها غنية بالثقافة وخاصة بالأدب المقارن، ويعجبني الاستشهاد بالشعر العربي والانجليزي في كتاباتها وهو قمة النقد". بينما طربيه فيقول:" في هذه التجربة، والتي أظنّها الأولى من نوعها في البلاد، نصادف كاتبة ومشروع ناقدةٍ تسير بخطى واثقة على طريق الأدب خاصّة وقد لمست لديها غنى المعرفة وسعةً في الاطلاع وإلمامًا بمقومات الشعّر وضوابطه، وتمكنًا من النّحو وحسًا رفيعًا، الأمر الذي صقل هذه القدرة وهيّأ لنا هذه التجربة المشبعة بالجمال".

وفي هذه الدراسة النقدية الأكاديمية تتعرض ستيلّا إلى شاعرية د. عامر جنداوي، فتسبر أغوار نصوصه، وتسهب في التعاطي والتعامل مع قصائده وأغراضها وموضوعاتها الاجتماعية والنفسية والتصويرية والوصفية والبلاغية، وتقدم استعراضًا وتحليلًا وافيًا لكل نص تعاملت معه، وتحلق عاليًا مع النتاج والإبداع الراقي عالي الجودة والدهشة لشاعر مبدع يحسن صياغة المفردات وسبك الكلمات في قوالب فنية جميلة ولوحات شعرية مدهشة وساحرة عميقة الأبعاد ولافتة النظر.

في البداية، وفي المقدمة التي كتبتها ستيلّا تقرر أن د. عامر جنداوي "شمس شعر بازغة، حرفه بؤر نور حملت إرث جمال شعري لا يضاهى، حرفه مختلف، ملامحه تعمّدت في أفق السحر، تخاله سيفًا ماردًا يشق عُباب الرتابة والملل، حرف كأنه شهاب نيزك يشقّ عباب السّماء ليقصم ظهر الظّلمة، فهو شاعر الحديث الشّعرِيّ المثاليّ المصبوغ بعناق ثلاثي مميّز، لا يخترقه فضولٌ أو شكَ بين عمق الفكرة الحديثة، رهافة الحسّ التّلقائية الفطريّة واستثنائية اللغة على وجهها اللفظيّ والتّصويريّ".

في الباب الأول من الكتاب تعرض الكاتبة للنضوج الفكري لشاعرنا الالق د. عامر جنداوي، ووعيه لقضايا مجتمعه الملحة خصوصًا القضايا الأخلاقية، وتقدم نماذج شعرية تدل على ذلك. 

وفي الباب الثاني تتطرق لفن التصوير المحترف لدى الشاعر، المتمثل بالصورة الشاملة لقصيدته، والتناغم بين الشكل والمعنى في شعره، موضحة أن عامر برع في هذا المجال، وكم أدهش وأذهل عقولًا، خاصة في قصائد البادية والبداوة، حيث براعته في التصوير، وأي براعة، كما هو واضح بكل جلاء في قصيدته "مشوار مع الندى" من مجموعته الشعرية "نزف الخاطر" الصادرة في العام 2005.

وفي الباب الثالث تتوقف مع المجاز عند العامر، الذي يجعل - كما تقول- من الشعر أكثر جاذبية وزهاء وينقل رسالتها بقوة وسلطان يصيبان قلب وفكر المتلقيّ وتشدّانه إلى حيث المعنى والغرض. وتخلص إلى الاستنتاج أن عامرًا هو "شاعر المعاني والمواعظ، شاعر الوجدانيات والأخلاقيات، الذي جعل من الحروف دررًا، ومن الكلمات أصدافًا ملوّنات ساحرات، وقد احترف الشعر من شغف وهوًى، ونبع شعره من محبة وعشق لفن الكتابة، وإنصات لأنين اليراعة".

وفي الباب الرابع تطرق ستيلّا رانش موضوعة المرأة والغزل في شعر العامر، من خلال ديوانه "قصائد لعيني السهر"، فترى إلى أنه أنصف المرأة كقيمة وجودية، ووهبها احترامها وتبجيلها أكثر من بعض النّساء الشّاعرات اللاتي هوين بمقامها وقيمتها ومقامهن تباعًا إلى الحضيض شعرًا وأخلاقًا.

وتؤكد أن عامر يميل إلى الغزل العذري، كيف لا وهو الشرقي الغيور على عرض المرأة، والذي نهل من منابع التربية الأخلاقية الشرقية المحافظة التي تتخذ من القرآن الكريم قبلتها.

 

وفي الباب الخامس تتعرض للمدارس الشعرية التي يتجول عامر جنداوي في رحابها، مشيرة إلى أن فضاء عامر الإبداعي الخيالي بطبعه، مزدان بالرومانسية بمعناه الفكري الفلسفي، وبالواقعي، والكلاسيكي الاتساعي الممتد في مسافات وسياقات الزمن.

أما في الباب السادس والأخير فتتناول النزعة الوطنية والمشهد البدوي الأصيل في شعر عامر، منوّهة إلى أنه عند قراءتنا لنصوصه يصادفنا تصريحًا أو تلميحًا ملامح حسّه الوطني الحاد، وأن قلبه يسكنه عشق حارق لكل ما هو عربي وبدوي، ونجده يفتخر بجذوره البدوية، ويبدع في تصوير أجوائها، ورسم طبيعة وملامح الصحراء  السّاحرة الخلّابة.

وتقرر ستيلّا أن عامر صادق مع نفسه ومع شعبه، وافتخاره بنفسه لا يمنعه من قول الحقيقة، فهو لا يخشى لومة لائم، وهو الشاعر الحقيقي الذي لا يساوم على الحقيقة وقول كلمة الحق بكل الصدق العفوي.

وفي ختام الدراسة تقدم ستيلّا رانش خلاصة لملامح وميزات شعرية د. عامر جنداوي وتستنتج أنه شاعر الأصالة، في زمن غدت شاشات التواصل ساحة واستباحة، يصدح شعره في أرجاء العقل، والنزعة الإنسانية الاتساعية تلازم قصيدته، وهو ابن التراث ومتمم تاريخه، وحارس اللغة والأدب من ذئاب الافساد والترقيع، وفي هويته الشعرية نضوجًا احتوى عمقًا في المعاني، ورقة في السبك، ودهشة في الرسم والتصوير، ونزعته الخيالية المشبعة بالمجاز المبتكر، وفن تصوير الإحساس الداخلي المتناغم مع عناصر الطبيعة، ما يجعلنا نثمل ونرتوي من شعره الوطني الإنساني الوجداني الصادق.

كتاب "مسار الشّمس" هو ثمرة جهد نقدي وأدبي يسلط الضوء على مواضع وبواطن الجمال والفنية العالية في نتاج شاعرنا مرهف الإحساس عامر جنداوي، وقد برعت ستيلّا في المقارنة بين قصائده وبين وينستون، ما يدل ويثبت على ذائقتها الأدبية، وسعة اطلاعها، ومعارفها النقدية، والمامها بالثقافتين العربية والاجنبية.

أحيي الصديقة الكاتبة والناقدة ستيلّا رانش على دراستها الهامة حول الشاعر د. عامر جنداوي، التي تستحق الاهتمام، وجديرة بالقراءة والتقدير، وتشكل مساهمة جادة ورائدة وإضافة نوعية للمكتبة العربية الفلسطينية، التي تفتقر في السنوات الأخيرة للإصدارات والدراسات النقدية والأدبية، متمنيًا لها وللصديق الشاعر د. عامر جنداوي المزيد من النجاح والتألق والإصدارات القادمة.

 

 بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

عزالدين عنايةيحسب المرء التجسّسَ، كنشاط منظَّم تابع لأجهزة سياسية وأمنيّة، ظاهرةً حديثةً رافقت أوضاع العالم الراهن، سيما بعدما شهده التاريخ المعاصر من تدافع حادّ بين الكتلة الاشتراكية والكتلة الرأسمالية، وما خلّف ذلك من تنافس محموم على الفوز بمعلومات حسّاسة عن الخصم في شتى المجالات. وقد زاد من إلحاق الظاهرة بالتاريخ الحديث الضجيج المرافق لوقائع أنشطة التجسس في الإعلام وداخل أقبية السياسة فضلا عن ندرة الأبحاث في الموضوع في عهود سابقة. فالتاريخ السياسي الحديث، في الشرق أمْ في الغرب، مطبوعٌ بسلسلة من الدورات المتلاحقة لأنشطة المخابرات، متنوّعة الأشكال والتداعيات، تبلغ أحيانا حدّ العصف بعلاقات الصداقة والوئام بين الشعوب لأثرها البالغ في تعكير صفو العلاقات بين الدول. ولعلّ أشهر أجهزة المخابرات والجوسسة في التاريخ المعاصر: "السي آي ايه" في أمريكا، و"الدُّوزيام بيرو" (المكتب الثاني) في فرنسا، و"السيم" في إيطاليا، و"الكا جي بي" في روسيا، و"الموساد" في إسرائيل، و"السافاك" في إيران البهلوية، وإن غلبت على مرادف أنشطة تلك الأجهزة في بلدان أخرى من عالمنا تسمية "البوليس السياسي".

الكتاب الحالي الذي نتولّى عرضه هو مؤلَّفٌ من إعداد باحثيْن إيطالييْن في التاريخ القديم، الباحثة آليسيا فاسونيه المختصّة بعلم المصريات التي سبق لها أن أعدّت أبحاثا أثرية لفائدة جامعة تورينو؛ وناثان موريلو وهو أيضا باحثٌ يدرّس في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في موناكو، سبق أن أنجز جملة من الأبحاث الأثرية عن فلسطين. والطريف في هذا الكتاب هو نقلُ ظاهرة يحسبها المرء حديثةً إلى مجريات التاريخ القديم، وإعطائها سندا علميا وتاريخيا يكشف للمرء عُمق تجذّر الظاهرة في المجتمعات قديما وحديثا. يركّز الكتاب الحالي على جانبين في التاريخ، ما تعلّق بموضوع الجوسسة كما لاحت عبر أسفار التوراة وما أفصحت عنه الرُّقُم العائدة للحضارة الآشورية. فما يبدو عبْر الكتاب أن مهنةَ التجسّس هي مهنةٌ موغلة في القدم قِدم الصراعات السياسية (ص: 42). فعملُ التجسّس والتلصّص والتخابر هو بالأساس هو عملٌ للاستعلام، هدفَ للاطلاع الخفيّ على الخصم المنافس. ليبقى غرض التجسّس الرئيس مباغتة الخصم والإطاحة باستراتيجيته، بقصد ضرب النقاط الحساسة لديه ومحاصرة فاعليتها. فقد نشأ التجسّس لصيقًا بالصراع السياسي وحروب التوسع ومعارك النفوذ، وما كان عملا للترف، بل عملا متقَنا وهادفا لغرض استراتيجي، ولذلك نشط التجسس قديما في ظروف السلم والحرب على حد سواء. إذ ثمة يقين لدى الموجِّه السياسي بجدوى المعلومات والأخبار الواردة عن الخصم.

2134 كتاب الجاسوسيةحاول الباحثان البقاء في حيز الفضاءين التوراتي والعراقي (الآشوري منه تحديدا)، مع مقارنات بفضاءات تاريخية قديمة، سابقة أو لاحقة. فالظاهرة عامة وشاملة في التاريخ شغلت المصريين القدماء والقرطاجيين والرومان والصينيين على حدّ سواء. يقول الفيلسوف الصيني سون زو (548-496 ق.م) في حديثه عن مهام الجواسيس في العصور القديمة: "إن ما نطلق عليه 'قدرة التنبؤ' لا يمكن أن يكون نتاج عطية الآلهة، ولا نتاج حسابات دقيقة، ولا نتاج مقارنة أحداث سابقة، ينبغي أن يُكتَسَب بوساطة رجال يعرفون واقعَ العدوّ جيّدا".

في القسم الأول من الكتاب المعنون بـ"التجسس التوراتي" يتراوح انشغال آليسيا فاسونيه بشكل عام بين القرن الخامس عشر والقرن الثاني قبل الميلاد، أي من تشكّل القبائل الإسرائيلية إلى الغزو الإغريقي ليهوذا. تخترق ظاهرة الجوسسة التوراة العبرية، غير أن الباحثة تسلّط الضوء تحديدا على مملكتي يهوذا وإسرائيل. فقد أملت محاولات إرساء السلطة القبول بلعبة الخديعة السياسية والتجنيد لأعوان مختلفي المشارب للغرض. في هذا القسم تحاول الباحثة استعادة المعارك التوراتية التي تخلّلت أحداثها أعمال تجسّسٍ مستعرضةً ما اقتضته تلك المعارك من تخابر وتجسس. تمثِّل أحداث التوراة المتعلّقة بالغزو والحروب والصراع المحورَ الرئيس لبحث فاسونيه، فلا شك أن التوراة كتاب تعاليم دينية بالأساس، فاللفظة لغويا تعني التعليم، وسمّيت التوراة بالعهد القديم تمييزا لها عن العهد الجديد، كما سمّيت التوراة بـ"تنك"، وهي الأحرف الأولى لمسمّيات الأقسام الرئيسة لهذا السفر الضخم. فالتاء من كلمة توراة، وهي نعت للأسفار الخماسيّة؛ والنّون هي نعتٌ لأسفار الأنبياء؛ والكاف مستوحاة من تسمية الكتب، وهي جملة الأقسام الثلاثة التي تكوّن الكتاب المقدّس اليهودي. لكن في نهاية مطاف التدوينات باتت التوراة خزانا لذاكرة جماعية منها ما يعود لليهود ومنها ما يعود لشعوب المنطقة. فقد جرف اليهود في حلّهم وترحالهم تراث الشرق، وهو تراث سلطة وصراع ومؤامرات وجوسسة، جنب التعاليم والترانيم والوصايا (ص: 65).

أُثيرت مسألة التجسس منذ مطلع أسفار التوراة عبر مصطلح "مرجليم" (سفر التكوين42: 9) وتعني الكلمة "السائرين على الأقدام"، وقد جاءت في الترجمة العربية "فتذكر يوسف الأحلام التي حلم عنهم وقال لهم 'جواسيس' أنتم. لتروا عورة الأرض جئتم". لكن هذه الدلالة الأوّلية ستأخذ أبعادا سياسية في ثنايا العهد القديم لتبرز وقائع التجسس المنظَّمة مع إرسال النبي موسى (ع) عقب الخروج من مصر اثني عشر عينًا للتعرّف على أرض كنعان، "الأرض الموعودة" حسب التصور التوراتي، قبل الوصول إلى الأرض المقدسة "ثم كلّم الرب موسى قائلا أرسلْ رجالا ليتجسّسوا أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل. رجلا واحدا لكلّ سبط من آبائه ترسلون" (العدد13: 1) "فأرسلهم موسى ليتجسسوا أرض كنعان وقال لهم اصعدوا من هنا إلى الجنوب واطْلعوا إلى الجبل وانظروا الأرض ما هي. والشعب الساكن فيها أقويٌّ هو أم ضعيفٌ. قليل أم كثير. وكيف هي الأرض التي هو ساكن فيها أجيّدة أم رديئة. وما في المدن التي هو ساكن فيها أمخيمات أم حصون. وكيف هي الأرض أسمينة أمْ هزيلة. أفيها شجر أم لا. وتشدّدوا فخُذوا من ثمر الأرض. وأما الأيام فكانت أيام باكورات العنب" (العدد13: 17-20).

تحاول الباحثة آليسيا فاسونيه الإحاطة بروايات التجسس التوراتية من خلال تنزيلها ضمن إطار عام يتعلّق بغزو "أرض الميعاد". فقد كانت عودة العيون المرسَلة من قِبل موسى (ع) بعد أربعين يوما، رووا إثرها حصيلة المَهمّة المنوطة بهم أمام عموم الشعب، متلخصة في ردّ خبر عن القوة الهائلة التي يتمتّع بها الخصم الكنعاني، وهو ما أثار رعبا داخل الجموع الخارجة التي أبت التقدّم، وانتفضت في وجه النبي موسى (ع)، ما أوجب تدخل الرب وإنزاله عقابه ببني إسرائيل تيهًا أربعين سنة في الصحراء. تبقى عملية التجسس الأولى الواردة في التوراة مجرّد استطلاع لا غير، لتطوّر لاحقا وتأخذ منزلقا مغايرا مع النبي يوشع بإرسال جاسوسيْن مدرّبين ليطّلعا على الأوضاع في أريحا "فأرسل يشوع بن نون بن شطيم رجلين جاسوسين سرّا قائلا: اذهبا انظرا الأرض وأريحا. فذهبا ودخلا بيت امرأة زانية اسمها راحاب واضطجعا هناك" (سفر يشوع2: 1). بما سيغيّر الخطاب الخُلقي التوراتي بشأن التجسس برمّته (ص: 101). يتملّص فعل التجسس من النواهي والموانع الدينية، ويعلو بلوغ الهدف أي مقصد، دون أي رادع في ذلك، وهو ما سيتطور مع دليلة وشمشون (سفر القضاة16)، ومع أستير وخشايارشا الأول الملك الفارسي (سفر أستير8: 13).

تحاول الباحثة استعراض كافة الأساليب المستعملة في التخابر، النفسية منها والعملية، فضلا عن كافة العناصر الموظّفة للغرض مثل الخمرة والإغراء الجنسي بغرض الفوز بالمعلومة.

في القسم الثاني من الكتاب المعنون بـ"التجسس في الإمبراطورية الآشورية" يسلّط الباحث ناثان موريلو الضوء على أهمّ مؤسسة تجسّس عرفها التاريخ القديم، وإن تفادى الباحث المقارنة بين نموذجيْ التجسس التوراتي والآشوري وحرص على استعراض التجربة الآشورية وسابقاتها في الفضاء العراقي. كان هدف الكتاب بناء كيفية اشتغال العملية الاستخباراتية وتوظيفها. فمع الآشوريين انتقل التجسس من عمل فردي طارئ إلى عمل جماعيّ منظَّم. يعود هذا التطور في العمل إلى طبيعة النظام السياسي الآشوري. فقد شكّلت آشور إمبريالية حقيقية في المشرق امتدّ نفوذها إلى أطراف العالم بالشكل المعروف في ذلك العصر. وقد أملى هذا التمدّد الاستعانة بقوة معلوماتية انتظمت داخل مؤسسة تجميع الأخبار وصياغة الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية. كانت المعلومة والخبر من جملة الركائز التي اعتمدت عليها القوة الآشورية في بسط هيمنتها. وما كانت البيرقراطية الكثيفة تعوز السلطة في تحقيق أغراضها البعيدة المتطلّعة لإرساء "السلم الآشورية" حتى يستتبّ الأمن على البسيطة بمفهوم ذلك العصر، حيث كانت عناصر الجوسسة والرقابة والاستخبار والتوثيق والتخطيط حاضرة بقوة في العملية. كان اعتماد الحاكم الآشوري على شبكة واسعة من المتعاونين والمخبِرين، يتابعون أمر الداخل ويتولون بالمثل الاستعلام عن الخارج (ص: 139).

واعتمادا على وثائق واردة في مجملها من العاصمة الآشورية نينوى (القرن الثامن- القرن السابع ق. م)، يذكر الباحث ناثان موريلو "أملتِ الحاجة العسكرية الآشورية الاستعانة بجهاز معلوماتي يستخبر عن أوضاع الخصم، ولم تكن قوة الجند ووفرة العتاد وحدهما كافيتين لخوض أية مغامرة أو مجازفة، بل تطلّبَ الاستعداد إحاطةً بالخصم لتجنّب المفاجآت ولتيسير العمل العسكري" (ص: 175). وبناء على ما يخلص إليه الباحث، ما كان الاجتياح السريع للمدن والحواضر، في الحروب القديمة، نابعًا من قوة عسكرية قاهرة، بل يعود أيضا إلى دقة المعلومة المتاحة أمام القوة الغازية، مما ييسّر عملية الاجتياح. والثابت أن آشور كانت امتدادا لقوى سياسية سابقة في المنطقة، وهو ما يسّرَ تراكم كمٍّ من المعلومات عن مفهوم العالم السياسي حينئذ بالإضافة إلى تصحيحه. فمنذ الألف الرابع قبل الميلاد كان بحوزة السومريين جهاز مخابرات في الدولة المدينة. وأول إمبراطورية على وجه البسيطة من تأسيس سرجون الأكدي (2334 -2279 ق.م) كانت بحوزتها شبكة واسعة من الجواسيس بقصد مراقبة الحدود. فأرشفة المعلومة تقليدٌ عراقي بدَا جليّا من خلال استخدام ألواح التدوين، وقد كان الأرشيف الملكي الكهنوتي أغناها، ليس عسكريا فحسب بل غطّى مجالات عدة مثَّلَ فيها القسم السياسي العسكري أهمّ تلك الأقسام.

من جانب آخر يبرز ناثان موريلو أن جيوش الإمبراطوريات القديمة، كما كانت تتكون من جندٍ مرتزقة كانت تتكون من جواسيس مرتزقة أيضا، يعملون لصالح جهة معينة بمقابل. وكانت مهمة الجوسسة في العصور القديمة تقتضي قدرة عالية في الاندماج في الجماعة المستهدَفة، وبراعة في الإلمام بالمعلومات الضرورية. وعلى وصف الفيلسوف الصيني سون تزو في مؤلف "فنّ الحرب": "الجوسسة هي فنّ عسير، وفعلا عسير، ليس هناك مجال بمنأى عن التجسّس". فغالبا ما كان الجواسيس في العهود القديمة على دراية بلغات الجماعات المستهدَفة ولهجاتها. لكن ما يلاحظه موريلو أن أسماء هؤلاء الجواسيس بالنسبة إلى المؤرخ المعاصر تبقى في معظمها خافية لِما اقتضته العمليات حينها من سرّية (ص: 203). في هذا النشاط الاستخباري لعب سكّان البوادي والرُّحّل دورًا مهمّا في الجوسسة في التاريخ القديم. فعنصر الهوية الغائمة الطاغي على الرّحّل، إلى جانب التمرّس بمعايشة تنوعات بشرية ولغوية يسَّر توظيفهم في عمل الجوسسة منذ القدم.

يُعَدّ التجسس من المكونات المهمة والضرورية في الحياة السياسية والعسكرية للدول قديما. فمن الضروري معرفة الخصم قبل الإقدام على إلحاق أي ضرر به: من معرفة الوحدات إلى الاطلاع على خاصيات المجال الجغرافي. تحاول المخابرات رسم خطتها ووضع معلوماتها رهن استخدام العسكري وقبل الشروع والبدء في أي مناورة.

لقد كان الآشوريون والبابليون من أوائل من بنوا مؤسسات جوسسة منتظمة، فالإمبريالية الآشورية خصوصا، كما وصفها المؤرخ ماريو ليفيراني في مؤلفه "آشور.. إمبريالية ما قبل التاريخ"، كانت تملي الاستعانة بمؤسسة تجسس لتفادي المفاجآت والمغامرات وهدر الطاقات. ومؤسسة الاستعلام في تجميعها للأخبار السياسية والعسكرية، وإتقانها لعملية نقل المعلومة عبر وسائل التكتم والترميز هي قوة فاعلة في عملية الغزو والتوسع.

ضمن سياق خطورة هذا الفعل يذهب المؤرخ هيرودوت إلى أن الحرب الفارسية الثانية (481 ق.م)، على سبيل المثال، قد فشلت بسبب مخبِر إغريقي، المسمى ديماراتوس، اندسّ في بلاط فارس في عهد خشايار الأول، وعلم بمخطط الهجوم الفارسي فأرسل إلى الإغريق عبدًا يحمل لوحة عليها كتابة سرّية تفصّل خطّة الهجوم المرتقَب.

لقد بات التجسس منذ مطلع العصر الحديث منتظمًا داخل مؤسسات نشيطة في عديد الدول الأوروبية مثل فرنسا وبريطانيا. ويعتبر الألماني ويلهلم ستيبر (1818-1882) باعث التجسس الحديث. هذا النشاط الضار كان للفيلسوف إيمانويل كانط حكمًا قاطعًا بشأنه في "مشروع السلام الدائم": "الجواسيس جزاؤهم القتل لأنهم ينتجون الزيف ويزرعون الفتنة بين الشعوب وينسفون الثقة المتبادلة".

 

الكتاب: الجوسسة التوراتية والآشورية

تأليف: آليسيا فاسونيه و ناثان موريلو.

الناشر: منشورات نوفا أرغوس (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 238ص.

***

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

علاء اللاميودراسات أخرى.. مقدمة كتابي الجديد

صدر قبل أيام ببيروت، عن (مؤسسة الانتشار العربي)، كتابي الجديد (نقد الجغرافيا التوراتية خارج فلسطين ودراسات أخرى). وهو كتابي الثاني في موضوع التاريخ الفلسطيني القديم بعد كتابي الأول (موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي)، الصادر عن دار "الرعاة" في رام الله بفلسطين المحتلة خلال السنة الماضية. بحثيا، يجري هذا الكتاب كسابقه ضمن استراتيجية تأليفية هادفة إلى إعادة موضعة الحدث التوراتي وبضمنه قصة شعب بني إسرائيل القديم وشبه المنقرض في التاريخ الفلسطيني العام بوصفها حيثية فرعية من حيثياته المتراكمة والمعقدة، على سبيل التصدي لما فعلته وتفعله الاستراتيجيات التأليفية التوراتية وغير التوراتية ذات النزوع الصهيوني، والهادفة لقلب المعادلة وجعل تاريخ فلسطين الطويل والعريق حيثيةً فرعيةً صغيرةً من الرواية التوراتية وبطريقة لا عقلانية ولا تاريخية تماما! كما يضم الكتاب عدة دراسات أخرى خارج موضوع الجغرافيا التوراتية وقريبا من الموضوع الفلسطيني الأرحب ومن تاريخ الأديان. هنا مقدمة الكتاب:

المقدمة

يضم هذا الكتاب ستة نصوص، منها دراستان طويلتان وأربع مقالات أو دراسات قصيرة. ولقد شجعني نوع هذا الكتاب وموضوعه، وكونه كتابا غير تخصصي بالدرجة الأولى، وموجهاً أساساً إلى القارئ غير المتخصص في ميادين التاريخ العام وفروعه والعلوم القريبة منه، على اعتماد أسلوب خاص في العرض والتحليل، وألجأني إلى استعمال لغة تعبيرية خاصة هي الأخرى؛ لغة تراوح بين التبسيط المُحاذِر للتسطيح، والتحليل والعرض الملتزمين بالمنهجية العلمية المضبوطة باشتراطاتها والمفارِقة للتعقيد الأكاديمي.

وضمن سعيي للمساهمة في تثقيف جيل الشباب العربي بتفاصيل هذه المواضيع، بطريقة مبسطة، نشرت عددا من صفحات هذه الدراسات في هيئة مقالات صحفية أو دراسات مكثفة ومبتسرة في يومية "الأخبار" البيروتية، ومجلة "الآداب" اللبنانية الشهرية إلى جانب صحف عراقية، إضافة لنشر فقرات ضافية من المسودات على صفحتي على موقعيِّ التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر بهدف الحصول على نماذج من التفاعل المتاح والمباشر مع القراء والتعرف على ردود أفعالهم على بعض مضامين هذه النصوص.

الدراسة الأولى في هذا الكتاب، وهي بعنوان "أورشليم القدس في العصر البرونزي"، هي آخر دراسة كتبتها، ولكني جعلت ترتيبها الأولى لأهميتها السياقية فهي تأتي بمثابة استدراك أصححُ عبره بعض المعطيات ووجهات النظر التي احتواها كتابي "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي"، وأضيف معلومات ووجهات نظر وتحليلات أخرى جديدة، وتحديدا حول موضوع ودور مدينة أورشليم القدس في العصر البرونزي وبدايات العصر الحديدي.

أما الدراسة الثانية المعنونة "نقد الجغرافيا التوراتية العسيرية واليمنية" - وهي أكبر الدراسات حجما - فتتناول بالعرض والتحليل النقدي، ما بات يعرف بالجغرافيا التوراتية العسيرية واليمنية، كما ظهرت في كتب ودراسات عديدة مشهورة وأخرى أقل شهرة. والمقصود بالجغرافيا التوراتية العسيرية واليمنية هي تلك النظريات والفرضيات والتفسيرات التاريخية الذاهبة إلى أن السردية التوراتية وقصة شعب بني إسرائيل الجزيري "السامي" القديم، ونشوء الديانة اليهودية بكل تشعباتها ومراحلها الأساسية، لم تجرِ وقائعَ وأحداثاً في جزء من بلاد فلسطين، بل في إقليم عسير جنوب غربي المملكة العربية السعودية اليوم، كما يرى المؤرخ د. كمال سليمان صليبي وآخرون، أو أنها حدثت في اليمن القديم كما يذهب الباحثان د. أحمد عيد وفاضل الربيعي وآخرون. وسنبدأ قراءتنا النقدية مع كتابات الباحث اللبناني د. كمال الصليبي، أول من قال بالجغرافيا التوراتية العسيرية، حين نشر كتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، والذي صدرت طبعته الأولى سنة 1985 باللغة العربية. وفي سنة 1988 أصدر كتابه الثاني "خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل"، متوقفين نقدياً عند كتاب الباحث الفلسطيني زياد منى "جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير" الصادر سنة 1994والذي يمكن اعتباره امتدادا لكتابي د.الصليبي سالفي الذكر.

 2133 علاء اللاميوبعد كتاب د. الصليبي الأول بتسعة أعوام، أي في سنة 1994، صدر للباحث اللبناني فرج الله ديب كتاب بعنوان (التوراة العربية وأورشليم اليمنية) وستكون لنا عند أهم ما فيه وقفة نقدية معمقة. ولديب كتاب آخر في هذا المجال اسمه "التوراة العربية وأورشليم اليمنية"، صدر سنة 2009.

وقبل ديب، وبالضبط في سنة 1996، صدر في القاهرة، عن "مركز المحروسة للبحوث"، كتاب للباحث المصري د. أحمد عيد بعنوان "جغرافية التوراة في جزيرة الفراعنة". ويقصد المؤلف بجزيرةِ الفراعنةِ شبهَ الجزيرةِ العربية، وتحديداً جنوبها اليمني، التي كانت بحسب هذا الباحث إقليماً خاضعاً للدولة الفرعونية في زمن رعمسيس. وسنخص هذا الكتاب، الذي يمكن اعتباره أول تأسيس تأليفي للجغرافية التوراتية اليمنية، بوقفة نقدية عند أهم ما ورد فيه أيضاً.

الدراسة الثانية، خصصناها لقراءة نقدية في كتابات الباحث العراقي فاضل الربيعي، وهو من القائلين بيمنية الجغرافيا التوراتية. لقد خصصنا لبعض مؤلفاته دراسة خاصة، نظراً لغزارة نشاطه التأليفي وانتشاره، ما يجعل نقدها وبشكل أكثر إسهاباً والوقوف عند مضامينها الأهم أمراً ضرورياً ومفيداً للقارئ والباحث المتخصص في التاريخ والعلوم المتفرعة عنه والقريبة منه كعلم الإناسة "الانثروبولوجيا"، والآثاريات "الأركيولوجيا"، والتأثيل اللغوي "الإيتيمولوجي"، والتصويتي "الفونولوجي"، وعلوم اللاهوت والإلهيات "الثيولوجيا"، وتاريخ الأديان المقارن...إلخ.

في الدراسة الثالثة، سنناقش مجموعة من التصريحات والآراء التي عبر عنها الكاتب المصري د. يوسف زيدان، وكرر فيها آراء ومزاعم باحثين ومستشرقين صهاينة، أو ذوي نزوع مؤيد للصهيونية، من قبيل نفيُهم إسلامية وفلسطينية المسجد الأقصى ولقدسية هذا الرمز الإسلامي عند المسلمين، ولعروبة القدس ومحاولة تسفيههم لقدسيتها لدى العرب مسلمين ومسيحيين، ومحاولتهم تزوير الحقائق والمعطيات التاريخية أو فبركة معطيات أخرى، وسنحاول في مناقشتنا لآراء هذا الكاتب الكشف عن حقيقة وجذور تلك المزاعم، وعمن أخذها، وما هي دلالاتها وأهدافها التاريخية والفكرية والثقافية وحتى السياسية، وكيف يمكن الرد عليها بالعودة إلى أمهات كتب التراث العربي الإسلامي القديمة وكشف عملية التحريف الخطرة التي قام بها المستشرقون قبله، ثم جاء هو ليأخذ عنهم ما أخذ.

وفي الدراسة الرابعة والتي تحمل عنوان "العبث النقدي بعلم تاريخ الأديان: محمد آل عيسى نموذجا" نقرأ نقدياً كتاباً خطراً، يمكن اعتباره نموذجاً في قلب الحدث التاريخي وتزوير مفرداته وإخراجها من سياقها التاريخي الحقيقي بهدف الإساءة إليه، وإلى أشخاصه وشواخصه من رموز الإسلام دينا وحضارة راقية سادت ثم بادت، وإلى الطعن في صفحات مهمة من صفحات التاريخ العربي الإسلامي منذ بدء البعثة الإسلامية وحتى حروب الفتح والتحرير العربية الإسلامية.

الدراسة الخامسة والأخيرة، تناولنا فيها موضوعاً ذا مسيس مباشر بمزاعم الحركة الصهيونية الحديثة وتحديدا بعلاقة هذه الحركة ومؤسسيها من اليهود الأشكناز الذين يعتبرون أنفسهم جزيريين "ساميين" ومن شعب "بني إسرائيل" شبه المنقرض، وسنعرض أحدث الاكتشافات والأطروحات العلمية في ميدان علم جينولوجيا الحمض النووي الذي أثبت بالدليل التحليلي المختبري وهن وضعف هذه العلاقة السلالية المزعومة لليهود الأشكناز بالجزيريين "الساميين" وكونهم خزريين متهودين ومزيج سلالي من شعوب أخرى لا علاقة لها بالساميين وبني إسرائيل.

والأكيد – من وجهة نظري - أن ما سأقدمه في هذه الدراسات الخمس سيبقى وجهات نظر تضمها قراءة نقدية تاريخية، تحتكم الى الوقائع والأدلة والتوثيق المحكم والمنهجية الدقيقة ما أمكن ذلك، في محاولة لمقاربة الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يحتكر النطق باسمها أو التعبير عنها بشكل مطلق ووحيد.

وقد قسمت هذه الدراسات على ثمانية فصول:

الفصل الأول: أورشليم القدس في العصر البرونزي

الفصل الثاني: بين فأس الأركيولوجيا وصفحات التوراة

الفصل الثالث: نقد الجغرافيا التوراتية العسيرية

الفصل الرابع: نقد "الجغرافيا التوراتية اليمنية" عند أحمد عيد وفاضل الربيعي

الفصل الخامس: الأركيولوجيا في مواجهة مقولات الربيعي

الفصل السادس: يوسف زيدان وخرافة "الأقصى في الجعرانة"

الفصل السابع: العبث النقدي بعلم تاريخ الأديان: محمد آل عيسى نموذجا

الفصل الثامن: الأبحاث الجينية وحقيقة اليهود الأشكناز السلالية

أغتنم هذه المناسبة للتعبير عن احترامي لجهود واجتهادات جميع الباحثين والكتّاب الذين تناولت كتاباتهم بالقراءة النقدية في هذه الدراسات طالما كانت كتاباتهم تلك تستهدف مقاربة الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

  

علاء اللامي

............................

للحصول على نسخة ورقية من الكتاب، هنا رابط موقع "نيل وفرات " لبيع الكتب على الإنترنيت / صفحة كتب علاء اللامي:

https://www.neelwafurat.com/locate.aspx?search=books&entry=%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A&Mode=0&fbclid=IwAR31_FU9azpLwAHY9P02Yqjuqmtv3ihCwi8Rm5ydvxEqBKzLFt788V1SGcY

 

معمر حبار1- الكتاب: "التّراث والتّجديد، مناقشات وردود"، للأستاذ أحمد الطّيب، شيخ الأزهر، دار القدس العربي، القاهرة، مصر، الطبعة الثّانية، 1437هـ - 2016، من 144 صفحة.

2- تعتمد الجدلية الغربية على قطع الصلة بالماضي وآثاره. 21

3- ويرون أنّ العقل وحده المرجع وليس الوحي الإلهي. 22 

4- تتمثّل كيفية التعامل مع التّراث في: استبقاء الأصول والثّوابت ، ومعالجة كلّ النّصوص القطعية مع الاجتهاد المنضبط بالنّقل والعقل في الفروع الظّنية القابلة للتحرّك لمواكبة مايستجد من النّوازل والقضايا.   24

5- التّراث ليس كتبا ولا مخطوطات وليس التّراث حقائق مجرّدة مستقلّة نتلقاها من مصدر يتعالى على مستوى واقعنا، بل التّراث هو المعبّر عن الواقع الذي هو جزء من مكوّناته. والشعب هو الممثّل الحقيقي للتّراث، أو الحامل الحقيقي لتأثيرات التّراث.  39

6- للدين قدسيته وحرمته في القلوب. وهناك الدّين كحقائق إلهية وقصص شعبية لانعرف مصدرها. 41

7- من الأخطاء الاعتقاد أنّ التّراث يرتبط بمرحلة زمنية وبواقع معيّن، ولا يحقّ له أن يعيش الآن. 45

8- حقيقة التّراث الإسلامي في أصوله ماجاءت إلاّ لتغيّر من الواقع، وتتحوّل به من مسار إلى مسار، ومن توجّه إلى توجّه آخر. 46

9- أخطأ بعض المفسّرين حين جعلوا تفسير لآيات القرآن على أنّه من أسباب النزول. وإنّما يعدّ ذلك من تصانيف أحكام القرآن. 50

10- القدر المشترك عند القدامى والمحدثين في موضوع أسباب النّزول هو أنّ آراء المفسّرين الشخصيّة فد أخذت -في كثير من الأحيان- على أنّها أسباب نزول. 51

11- قدرا كبيرا جدّا من القرآن الكريم نزل بلا أسباب أو مقتضيات من الواقع، بمعنى أنّ هذا القدر الكبير لم يكن إجابة عن أسئلة ولا ردود فعل لمثيرات معيّنة أثارها واقع المجتمع المكي أو المدني في عصر الرسالة. وقد وردت "يسألونك" في القرآن الكريم خمس عشرة مرّة. 52

12- إذا كان بعض آيات الأحكام قد قارن نزوله حوادث جزئية، فإنّ آيات التوحبد لم ترتبط في نزولها بسبب ولا مقتض ولا باعث من الواقع، بل نزلت أساسا لتدمّر واقع المجتمع الجاهلي، ولتنشىء على أطلاله مجتمعا من نوع آخر. 52

13- كتب أسباب النزول -وهي لحسن الحظ محصورة ومعدودة- لم تقدّم لنا سبب نزول لكلّ آية، وهذا وحده كاف في دحض المقولة التي تخضع القرآن للواقع وتربطه به اشتدادا وضعفا، وإمكانا للقبول أو الامتناع. 53

14- ماذكره المفسّرون هو من التّفسير لا من أسباب النزول، أي رأي المفسّر ولا يلزم به أحدا ويصيب فيه ويخطئ. 53

15- قاعدة "العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب". أي لايصحّ الوقوف بمحتوى الآية عند حدود الحادثة التي نزلت الآية في جوّها بل تتخطىّ دلالة الآية حدود المكان والزمان التي أحاطت بتنزلات الآيات القرآنية. 54

16- القرآن الكريم موجّه للواقع ومؤثّر فيه وحاكم عليه. والوحي لايكون بحال تابعا للواقع. 55

17- القول باختصاص القرآن بالواقع الذي تنزّل به، فوق أنّه افتئات على الحقيقة التي لم يعرفها المسلمون جميعا، هو قول لا يمكن أن يقول به عاقل. 56

18- حكم الآية ليس مختصا بالشخص الذي نزلت بسببه الآية، وتختصّ بنوع ذلك الشخص فيعمّ مايشبهه. 57

19- جاء القرآن هاديا إلى مابه صلاح الأمّة في أصناف الصّلاح. فلا يتوقّف نزوله على حدوث الحوادث الدّاعية إلى تشريع الأحكام. 57

20- قسّم العالم المفسّر الطّاهر ابن عاشور التّفسير إلى أقسام، منها: أصل التشريع ألاّ يكون خاصّا. 59 وقال المفسّر الزركشي: "عرف من عادة الصحابة والتّابعين أنّه إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا فإنّه يريد أنّ هذه الآية تتضمّن هذا الحكم، لا أنّ هذا كان سببا في نزولها". 60

21- القرآن كتاب جاء لهدي الأمّة والتّشريع لها. 61

22- المقصود بأسباب النزول هو: تعديل الواقع حسب الوحي، وليس تعديل الوحي حسب الواقع. وأنّ العبرة بعموم اللّفظ لابخصوص السّبب.61

23- من أخطاء الذين حاربوا التّراث أنّهم هدّموا الأصول والأسس وبالتّالي كلّ مايتعلّق بالتّراث من نقد وتشنيع. ولم يفرّقوا بين ماهو أصيل صحيح ومطلوب، وما هو طفيلي وزائف ومطلوب القضاء عليه في تجديد التّراث. وهناك تطبيقات سيّئة للتّراث وليس التّراث. ومحاكمة المبدأ بتطبيقات تنحرف عن المبدأ ليست من البحث العلمي المنصف في شيء. 72

24- يعترفون أنّ التّراث الإسلامي كان إحدى مصادر ركائز الحضارة الغربية والوعي الغربي. لماذا إذن يطالبون بهدمه والإبقاء على التّراث الغربي؟. 76

25- الواقع بالنسبة لهم هو المقدّس الذي لايمسّ، ومتغيّراته ثابتة لاتتغيّر. والتّراث هو المتغيّر الذي يستحقّ التّغيير والإلغاء. 78

26- الإلحاد بالنسبة لهم مفهوم نسبي وليس وصفا محدّدا كما نعرفه من تراثنا وتراث الأديان قاطبة. 78

27- الإيمان أصل العمل، ولا قيمة للعمل إذا لم يعتمد على الإيمان. والإيمان أصل وأساس. (وهو بهذا يردّ على الذين يقولون أنّ الإيمان ليس له أهمية في العمل). 89

28- مقاييس الإيمان في تراث الإسلام هي مقاييس حدّدها القرآن الكريم والسّنة الثّابتة وانتهى أمرها. 91

29- الله تعالى بصفاته وأسمائه موضوع للعلم والإيمان. قال تعالى: "فاعلم أنّه لاإله إلاّ الله" سورة محمد19. ص 93

30- يقبلون بقواعدهم العلمية التي تنفي وجود الله تعالى، ويرفضون القواعد العلمية التي تثبت وجود الله تعالى. 95

31- أسبقية الواقع على الفكر، وربط الفكر باللّغة أمر غير وارد في التّراث الإسلامي. فاللّغة أداة التّعبير عن موضوعات حسّية تستقلّ استقلالا تاما عن واقعنا المحسوس. 100

32- ثمّة فرق بين التّجديد والتّغيير، الأوّل: حفاظ على الأصول وإضافة إليها، ونفض لما يتراكم عليها من غبار يحجبها عن الأنظار. والثاني: هدم وبدء جديد من فراغ يتمّ تحت أيّ مسمّى.. إلاّ مسمّى التجديد، اللّهم إلاّ إذا كان القصد تغييب الوعي أو خداع الجماهير. 103

33- "إنّ تجديد التّراث الإسلامي لايحسنه إلاّ عالم ثابت القدمين في دراسة المنقول والمعقول، فاهم لطبيعة التّراث ولطبيعة المناهج وأدوات التحليل الفكري المستخدمة في البحث والتقصّي، وهل تتلاءم مع طبيعة تراث يعتمد على أصول ثابتة موجّهة للواقع وحاكمة عليه، أو تتنافر معه منذ الخطوة الأولى من البحث". 104

34- من قال أن لاثابت ولا مقدّس كانت نتائجه مضطربة متناقضة. 105

35- لاننكر أنّنا في حاجة إلى التّجديد، شريطة الوضوح والفصل بين مجال الثوابت ومجال المتغيّرات، والتّفرقة الحاسمة بين أصول الدّين وتراث أصول الدّين. 105

36- لايزال أمام دعاة المسلمين من أولي الفهم والوعي الكثير ممّا هو مطلوب لربط المسلم بتراثه في هذا المجال. 105

37- مشكلتنا ليست في التّراث لأنّنا لم نعمل بالتّراث في حياتنا اليومية. ضف لها بعض السّلوكات السّيئة كنظرتنا للمرأة من زاوية مجتمع عربي، أو الغربي الظالمة المنحلة، وكذا بعض الفهوم المغلقة والقبلية. 106

38- المشكلة أنّنا نعيش عصرنا وإحدى قدمينا في ميدان "داحس والغبراء" والأخرى في "البيكادلي والشانزليزيه". 107

39- غياب التّراث الحقيقي كان دائما مصدر الخلل، وستظلّ مقولاته الثابتة هي الحلقة المفقودة لاستعادة توازن المسلمين في عصرهم الحاضر. 107

 

تلخيص معمر حبار

 

 

مادونا عسكروقفة مع كتاب "نسوة في المدينة"

"الحقيقة عدوّة للقلب الضّعيف وهو حتماً أجمل منها، وعاجزة عن إغاثة المظلوم لأنّها منذ الأزل تأتي بعد فوات الأوان." (أنسي الحاج)

تتجلى هذه الحقيقة بنسوة في مدينة الكاتب، بل إنّها المدينة الّتي اتّسعت لكلّ هؤلاء النّساء، وقد تتسّع إلى المزيد منهنّ أو لا تتّسع. فبحسب ما نقرأه في كتاب فراس حج محمد "نسوة في المدينة"*،  تجربة واختبار شخصيّ في مرحلة من حياته أراد أن يضعها تحت المجهر  ليتحرّر منها.

استناداً إلى التّصدير، يقدّم  الكاتب  نفسه كضحيّة. فهو في عمقه يشعر أنّ هذه التّجربة إثم ثقيل يحاول أن يتخلّص منه من خلال إظهاره للعلن. فللحديث الشّريف في التّصدير (الإثمُ ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه النّاس) دلالة على ذلك، كأنّه ينبّه القارئ إلى أنّ الصّدق التّام والصّادم الحاضر في المضمون، ما هو إلّا اعتراف بهذا الإثم لينزع عنه ثقله. فإذا اطّلع عليه القارئ انتفت عنه صفة الإثم. وبذلك يريح الكاتب ضميره من جهة. ومن جهة أخرى يعتمد على هذا الحديث كوسيلة دفاعيّة غير واعية أمام القارئ الّذي قد يحكم عليه من خلال القصص الواردة في الكتاب.  

وإذا ما وضع الكاتب نفسه تحت المجهر، وعبّر عن ذاته دون مواربة أو تزوير ناقلاً تجربته الحياتيّة كما هي وبكلّ صدق، فلا ريب في أنّه يعرض للقارئ أعمق ما في ذاته بما فيها من جوانب مظلمة وتناقضات والتباسات. ولا ريب أنّه لا بدّ من رصد إشارات تكمن في قعر النّفس الإنسانيّة بشكل عام، وبشكل خاصّ عند الكاتب.

بطبيعة الحال لم يخرج الكاتب من هذه التّجربة وهو راَضٍ عن نفسه، فهو يعيد قراءة هذه التّجربة على ضوء الحاضر النّاضج والمتحرّر. إلّا أنّه أظهر  شجاعة في مواجهة هذه التّجربة الّتي أظهرت جوانب من شخصيّته: كالغرور والعبثيّة والعاطفة الّتي غالب الظّنّ تطبع شخصيّة الكاتب.

- العبثيّة:

 تمدّدت العبثيّة في الكتاب كلّه وتغلغلت في كلّ القصص بدءاً من حكايته مع الكتابة وصولاً إلى الجملة الأخيرة في الكتاب: " وبعد: كيف لي أنْ أتخلّصَ من كلّ النّساءِ العالقاتِ على جثّتي؟".

يبدو الكاتب في نصّ (هذه هي أشدّ الأفكار غباء/ ص21) عبثيّاً متأمّلاً النّهاية الحتميّة: "ماذا ستستفيد البشريّة من مقالٍ كُتب؟ وما معنى أن تكتب أصلاً؟ وما الفائدة لتعابث مثل هذا العبث؟ ألتصبح مؤلّفاً مشهوراً ومفكّراً وشاعراً وروائيّاً وناقداً؟ وماذا يعني كلّ ذلك؟ ولماذا تريد أن تصبح شيئاً من ذلك وأنت ستؤول إلى "لاشيء" في نهاية المطاف؟" فيتساءل في هذا النّصّ عن أهمّيّة المعرفة والقراءة والكتابة في حين أنّ كلّها آيلة للزّوال، للموت. الكاتب في مواجهة السّؤال عن أهمّيّة الوجود بحدّ ذاته وعن الغاية المرجوّة منه. فيبرّر حزنه الكبير، لكنّه يضيف عبارة لافتة فيقول: "ألا يكفي ذلك لأكون حزيناً وإن كنت شبقاً أيضاً؟"، فهل تناقض الحزن والشّبقيّة في هذه الجملة أم أنّ العبثيّة دفعت الكاتب ليقيم علاقات عاطفيّة متعدّدة أدّت به لموت من نوع آخر. فهرب من عبثيّة إلى عبثيّة؟ هل كان يبحث عن السّعادة في هذه العلاقات ليتحرّر من العقلانيّة والتّفكير والبحث الوجودي؟ أيّاً كان الجواب، فالنّتيجة  هي أنّ الكاتب هرب ممّا اعتبره وهماً إلى وهم آخر وغرق فيه حدّ النّخاع. ولعلّ هذه العبثيّة تنطلق من الدّائرة الواسعة ثمّ تضيق شيئاً فشيئاً حتّى تخنق الكاتب. فالدّائرة الواسعة هي الكتابة، وصراع الكاتب مع شريعة الغاب والأحكام المطلقة جزافاً كما صراعه مع عبثيّة الكتابة نفسها. وأمّا الدّائرة الضّيّقة فهي نفس الكاتب حيث يتمّ الصّراع الحقيقيّ وحيث يفعل اللّاوعي فعله في سلوكيّاته الّتي قد تكون غير مفهومة للآخر، أو على أقل تقدير يتمّ الحكم عليها ظاهريّاً.

يسبق هذا النّصّ "هذه هي أشدّ الأفكار غباء" نصّ يبدو لي أشبه بنصّ حكميّ، يربط الكاتب بين الكتابة والنّساء "الكتابة ليست شفاء دائماً/ ص20"، فيلامس الفكرة من بعيد ليعود ويتحدّث عنها جليّاً في نصّ آخر. ويبدو هذا الحكيم قاسياً في حكمه على الكتابة وعلى نفسه. وأظنّ أنّ ذلك يعود لما كان في نفس الكاتب من تخبّط  في مرحلة من حياته. كما أظنّ أنّه كان يعتبر الكتابة تعبيراً عن ذات متخبّطة أم أنّه كان يترجّى من كتاباته أكثر من اللّزوم. فالفقرة الواردة في نصّ "الكتابة ليست شفاء دائماً" توحي للكاتب كأنّ الكتابة مرض ينهك الكاتب حتّى الموت: "نحن ما نحن يا سيّدتي، فكلّ ما كتبناه وما سنكتبه لا يساوي جملة في أيّ كتاب مقدّس أو في أيّ نصٍّ لكاتب عظيم ممن تشبّعنا بنصوصهم ورؤاهم. لقد أصبحنا أعشاباً طفيليّة، لا تتقن سوى مصّ الماء الآسن في حفرة طين التّكنولوجيا، تتعربش على الجذور وأغصان الشجر، وتنام مع الدّيدان والرّخويات، وتلطّخ الفضاء الأزرق.".  تحيل هذه الفقرة إلى الكتابة والكتّاب  بشكل عام في الفضاء الأزرق حيث غالباً ما تشهد الكتابة انحداراً وانحطاطاً ناتجين عن أخلاقيّات الكتّاب والكاتبات. فتظهر الكتابة كشكل من أشكال الغواية غير معنيّة ببناء الفكر.

- الغرور:

ثمّة خيط رفيع  بين الثّقة بالنّفس والغرور. إلّا أنّ كاتبنا كشف عن اعتداد بالنّفس حدّ  الغرور.  في نص "من يجرؤ على فعل ذلك؟ ص23"، يهدي أستاذه في الجامعة كتابه جعل مع الكتاب ولّاعة في غلاف واحد كُتب عليه: "الأستاذ الفاضل والنّاقد المحترف، تحيّة الأخوّة الأدبيّة، أمّا بعد: إن لم يعجبك هذا الكتاب، فهذه أولى به" ويكرّر السّلوك ذاته مع امرأة ما، ويقرّر أن يهديها آخر كتبه ويجعل مع الكتاب ولّاعة وزجاجة عطر صغيرة، ويكتب رسالة قصيرة ويلصقها في الكتاب: "عزيزتي، إن أعجبك الكتاب فتطيّبي به وطيّبيه بهذا العطر، وإن لم يعجبك فالنّار أولى به".

تُرى من يظنّ نفسه هذا الكاتب؟ فهكذا سلوك ينمّ  في الظّاهر عن غرور وتعالٍ مغلّفين بالرّومانسيّة. إلّا أنّه في تأمّل بسيط للعمق يمكن استنتاج محاولةً غير واعية من جانب الكاتب لفرض الكتاب أو لجعله ذا أهميّة. فلحرق الكتب دلالات وإشارات اقتنصها الكاتب وخزّنها في عقله، لكنّه يفتح قوسين على حرق بعض الكتب وبعض المؤلّفين كتعبير عن نقمة على أشباه الكتّاب والشّعراء.

نصوص الفصل الأوّل بشكل عام تمهّد إلى لحظة تمرّد على كلّ شيء، وعمليّة تحرّر من كلّ شيء انبعثت منها روائح الجوانب المظلمة الكريهة الكامنة في النّفس الإنسانيّة. لقد أخرج الكاتب من ذاته كلّ الشّوائب والأدران العالقة على جدار روحه. كاتب، غرق في التّكنولوجيا والافتراضيّة وسخافتها وتفاهتها حتّى شوّه خياله ونفسه.  

لعلّ ما أعلنه الكاتب في نصّ "ما أجملك أيّتها الحرّيّة/ ص40"، مدخل إلى عمق أعماق الكاتب. ولعلّه شاء في هذا النّصّ أن يمهّد للقارئ قراءة النّصوص اللّاحقة وفهمها. فيجلو مرآة نفسه ويعبّر بصدق وحرّيّة. فالحرّيّة عند الكاتب تعني الكتابة بصدق، فالكاتب الحقيقيّ يكتب ذاته كما هي ويدخل القارئ في سراديب نفسه وإن كانت مظلمة حتّى الموت.  ولا بدّ للقارئ من أن يتطلّع إلى ما هو أبعد من قصص وسرد، فبطبيعة الحال للكتاب هدف وليس محصوراً بسرد "البطولات" الزائفة والعلاقات الغراميّة.

- العاطفة الملتبسة:

يذكر الكاتب أنّه كان مولعاً  بالأفكار والشّخصيّات في الرّوايات ومنغمساً فيها كحقيقة، فيغار من البطل إذا أحبّ، ويتمنّى البطلة لنفسه. ويشبّه نفسه بأمّه الّتي كانت تبكي إذا مات أحد الأشخاص في مسلسل بدويّ. ما يشير إلى قوّة خيال الكاتب وتحويله إلى واقع معيش، وهو ما يجعلنا نفهم سبب انغماسه في الفضاء الأزرق.

هذه هي "العاطفة الملتبسة"، بل يمكنني القول "العاطفة الضّعيفة" تحتاج إلى إشباع عبّرت عنه النّصوص الّتي تضمّنت علاقات الكاتب الافتراضيّة مع نساء عديدات لم تخلُ من الابتذال وشيءٍ من الفوقيّة الذّكوريّة الّتي لا ترى في المرأة إلّا جسداً يغوي. فالكاتب في هذه النّصوص استخدم المرأة كسلعة لإشباع خياله وعاطفته وربّما غريزته الجنسيّة الافتراضيّة، مع العلم أنّ نساء الكاتب في القصص هنّ المسيطرات، وهو المستجدي لهنّ وأسيرهنّ. وإنّ قدّم الكاتب نفسه كضحيّة إلّا أنّه قدّم نساءه كضحايا كذلك. وأظّنّه بسرد قصصهنّ معه، وجرأتهنّ وإن الافتراضيّة، وبحثهنّ عن إشباع غريزتهنّ وإرسال صورهنّ العارية له، أظّنه يقول إنّ الرّجل والمرأة على حدّ سواء يعانيان من كبت اجتماعيّ وعاطفيّ ونفسيّ. هؤلاء النّسوة لم يقتحمن مدينة الكاتب رغماً عنه، ولا هو اقتحم أسوارهنّ رغماً عنهنّ. ما حصل في الحقيقة هو ممارسة في الخفاء ما هو ممنوع في العلن. وعلى الرّغم من الكذب والمراوغة اللّذين تظهرهما هذه السّلوكيّات إلّا أنّها تشير إلى النّفس الإنسانيّة المكبوتة والمحتاجة إلى الإشباع العاطفيّ والغرائزيّ. وأعتقد أنّ الكاتب أراد أن يقول إنّ أغلب الأشخاص يختبئ خلف هذا الفضاء الأزرق ليعبّر عن حاجاته المكبوتة خاصّة الجنسيّة. بيد أنّ هذه العلاقات الواهمة الّتي ينعتها الكاتب بالعشق والحبّ ما هي إلّا خيال وأوهام. هذه العلاقات الافتراضيّة منحت الكاتب لذّة ما وأشبعت غروره ربّما، أو أنّه كان يبحث عن شيء مختلف، أو كان يبحث عن الحبّ بطريقة خاطئة. وقد تكون إحدى هذه العلاقات مع إحداهنّ تقمع في داخل الكاتب الغيرة أو الشّعور بالنّقص  ممّن يسمّيهم "أصدقاءها الكتّاب الكبار".

كلّ النّسوة في مدينة الكاتب واحدة. دلّ على ذلك تكرار المشاهد، وتكرار الحالة العاطفيّة، واستجداء الكاتب للمرأة الّذي يظهر في لغته كأن يقول لإحداهنّ: "تبا لكلّ نصّ لم تمرّي عليه بضمّة أو قبلة. إنّه لا يستحقّ أن يكتب أصلاً، هذه أمارة النّصوص عندي، فهل ستجعلين نصوصي نَدِيّة حيّة أم سيكون الوأد مآلها الأخير؟ القرار قرارك وحدك"، خلف هذا المكر الذّكوريّ المدغدغ لمشاعر بعض النّساء استجداء كاتب يرى في كلّ النّساء على اختلاف أشكالهنّ وجمالهنّ واستجابتهنّ امرأة واحدة. "كلّ الرّجال واحد كلّ النّساء واحدة/ ص 62" يسلّط الضّوء على أنّ الرّجل والمرأة جسدان ملهمان لبعضهما البعض، فيعبّر بذلك عن فكرة الكون القائم على الجنس. كما أنّه يرى في الحالة الإنسانيّة وجهاً واحداً للمرأة والرّجل، وكلّ ما يقال عن العلاقة بينهما لا ينفي هذه الحالة الإنسانيّة الواحدة. وأيّاً كانت النّزاعات بينهما تبقى اللّعبة قائمة بينهما، لعبة الحرب. يبقى الرّجل منقاداً إليها، وتبقى هي الأصل. الفكرة الّتي  ينزاح إليها الكاتب  في هذا النّصّ ضمناً، المرأة الأصل، وكأنّي به يبحث عن الحبّ في المرأة الأم، المرأة الاحتواء.

قد يكون الأمر صحيحاً من وجهة نظر الكاتب، إلّا أنّ هذه التّجارب لا تدخل في إطار البحث عن الحبّ. مع أنّ الكاتب استخدم  لفظ الحبّ واحداً وستّين مرّة، وغالب الظّنّ أنّ الأمر اختلط عليه، فتوهّم أنّه يعيش حالات حبّ في حين أنّها مجرّد حالات عاطفيّة، بل مجرّد حالات غرائزيّة عبّر فيها الطرفان- الكاتب ونساؤه- عن إشباع غرائزي خياليّ واهم. وبلغت الغريزة ذروتها في نصّ "عاهرة على أطراف الكون/ص218". وصف للغريزة بأبشع صورتها ووحشيّتها. فيظهرها الكاتب بشكلها الحيوانيّ المطلق ويلوّح لدور الرّجل المسبّب في تجريد هذه الغريزة من إنسانيّتها أو هدفها كتعبير عن الحبّ. يقابل هذا النّصّ نصّ آخر "مع الألمانيّة في شقّة صديقتي/ص225" يظهر فيه الذّكوريّة المريضة المنحدرة كذلك إلى الحيوانيّة فتلهث خلف جمال ظاهريّ بدافع الغريزة فقط.

كلّ النّساء في مدينة الكاتب واحدة حتّى الزّوجة. "زوجة ثانية لا تشبهني/ص258". زوجة ثانية تشبه الأولى، لكنّها لا تشبه الكاتب، كدلالة على رتابة الزّواج، وربّما فشله في تحقيق السّعادة كما يُظنّ. ولعلّ الزّوجة في نصوص هذا الكتاب هي الوحيدة المستسلمة بشكل أو بآخر. فغالباً ما لا يرى الرّجل في زوجته ما يراه في نسائه، ولا يبحث في زوجته عمّا يبحث في نسائه. وذلك يعود إلى العقدة الذّكوريّة الّتي توهم الرّجل أنّه هو المسيطر، وهذا ما أبانت عنه نصوص أخرى.

- أين أخطأ السّارد؟

ورد هذ النص في الصفحات الأخيرة من الكتاب (ص 289)، نصّ يستبق فيه الكاتب حكم القارئ، وهو العارف أنّه أخطأ حتّى وإن قدّم نفسه كضحيّة معتبراً ما فعله إثماً. ولعلّ السّؤال بحدّ ذاته لا ينتظر جواباً بقدر ما هو تأمّل لتجارب الكاتب الّتي أدخلته في حالة من الاكتئاب وربّما القرف. ولست أدري إن كان بإمكاننا الحديث عن خطأ أو صواب. إنّها الحياة بطبيعيّتها وتجاربها. إنّه الإنسان بتركيبته المعقدة والغريبة العجيبة. إنّها أعماق النّفس المتأثّرة بالمحيط والظّروف والأسباب الظّرفيّة على أنواعها. لعلّ السّارد أخطأ في انغماسه في الوهم والخيال. فعلى الرّغم من أنّ الكاتب يضع نفسه تحت المجهر في هذا الكتاب ويتحدّث بكثير من الصّدق، إلّا أنّه غرق في الوهم. وكلّ ما تضمّنه هذا الكتاب من سلوكيّات وعلاقات وتعبيرات حصلت في الحقيقة فإنّما هي بنيت على الوهم. وما بُني على وهم فهو وهم. فليكن السّؤال إذاً: أين أصاب السّارد؟

لقد أصاب السّارد في إبراز التّناقضات الإنسانيّة بين الظّاهر والعمق الإنسانيّ الحقيقيّ. كما دلّ بشكل مباشر على العلاقة الجنسيّة بين الرّجل والمرأة بمفهومها الحيوانيّ، ولعلّه أراد للقارئ أن يعيد بناء مفهوم العلاقات على أنواعها. وبيّن أنّ المستور في أعماق النّفس هو ما يحدّد الأخلاقيّات وليس الظّاهر منها. لقد أصاب السّارد في تلميحه إلى أنّ الظّاهر الدّينيّ لا يحمي الإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة من الغريزة، وإنّ العقل والفكر هما من يهذّبانها ويرتقيان بها. وبلغ صواب الكاتب ذروته عندما وضع نفسه تحت المجهر فوضع معه كثيرين؛ فاتّسعت الصّورة، وظهرت بتفاصيلها الدّقيقة. ولعلّك أيّها القارئ حينما تقرأ هذا الكتاب تقف أمام مرآة نفسك فتتبيّن.

والسّؤال المهم، هل تحرّر الكاتب فعلاً بعد سرده هذه القصص؟ وحده يجيب في آخر جملة من هذا الكتاب: "وبعد: كيف لي أنْ أتخلّصَ من كلّ النّساءِ العالقاتِ على جثّتي؟".

 

مادونا عسكر/ لبنان

.....................

* صدر الكتاب عن دار الرعاة للدراسات والنشر  ودار جسور ثقافية، رام الله وعمان، 2020.

 

بشير خلفعلاقة الانسان بالسينما علاقة وطيدة، فالإنسان كائن جماليٌّ، يبحث عن الجماليات في كل شيء، وتيمة الجمال تُغذّيه بما يحتاجه من مشاعر، وقيم متعددة منها الرضا واللطف، والخير والحق، وتُشعره بالانتظام والتناغم والكمال، إذْ أشار الاديب الأنقليزي اوسكار وايلد:

« إن الجمال نوعٌ من العبقرية؛ بل هو أرْقي من العبقرية لا يحتاج الي تفسير، والانسان قادر علي تذوق الجمال، وصناعة وابداع اشكال جمالية حسية او وصفية، او تفاعلية، وخير ما يمثل ذلك هو الابداع السينمائي، أحد انواع الفنون الجمالية التي باستمرار يبدعها الانسان.»

لإن كان المسرح هو أحد فروع فنون الأداء، أو التمثيل الذي يُجسِّد، أو يترجم قصصًا، أو نصوصًا أدبية أمام المشاهدين باستخدام مزيج من الكلام.. الإيماءات.. الموسيقى.. الصوت على خشبة المسرح؛ ذلك البناء ذو المواصفات الخاصة في التصميم. فأية علاقة بين المسرح والسينما، والتلفزيون؟

سؤال رئيسٌ جوهري يتضمّن مجموعة أسئلة ضمنية غير متناهية.

الدكتور الجزائري الباحث في هذا المجال، الذي له عديد المؤلفات بغداد أحمد الأستاذ الجامعي أجاب عن الكثير منها في كتابه الموسوم بــ " التلفزيون الجزائري، والسنيما" الصادر في دار منشورات ليجوند ببرج الكيفان.

الكتاب في 175 من خلال المقدمة الوافية يستنتج القارئ مضمون الكتاب بالكاد عندما يشير بوضوح، وبلغة سلسة، وأسلوب جميل إلى أنّ العرض المسرحي مرتبطٌ بالجمهور، فإذا غاب لا جدوى من العرض، المسرحية مرتبطة بالفضاء المكاني، والزماني؛ أمّا إذا صُوِّرت المسرحية بتقنية اللغة السينمائية، أي بعدسة الكاميرا تتحوّل إلى واقعة تمثيلية. إذا كانت المسرحية تُعرض في قاعة السينما، والفيلم السينمائي في قاعة سنما بحضور المتفرجين، فإن العرض التلفزيوني لا يشترط مشاهدا ماديا، مجسّدًا؛ بل مشاهدًا افتراضيًا.

في العنصر الأول من الفهرس: مدخل إلى تاريخ التلفزيون يتحدث الباحث عن تطوّر الوسائل السمعية البصرية خلال قرن العشرين، حيث كانت البداية الحقيقية مع بداية القرن لكل من السينما، والإذاعة، والتلفزيون، ولمّا انتهى القرن حتى عرفت الوسائل الثلاث اكتمالها، وأضحتْ وسائل اتصال ضرورية في المجتمع الإنساني العصري. إلّا أن التلفزيون احتلّ الصدارة لوظيفته الشاملة: لأنه أكبر صحيفة، أكبر مسرح، أجمل سينما، أحسن قاعة موسيقية، أكبر مكتبة. ورث التلفزيون عن الإذاعة تنظيمها، وقاعدتها المالية، ومبادئها في البرمجة، وحتى وسائلها التقنية؛ بينما أخذ من السينما اللغة، وإمكانيات الإبداع.

2126 التلفزيون الجزائريفي بحثه وتتبعه لتاريخ المسرح والسينما في الجزائر يُثبتُ أحمد بغداد أن سنة 1926م هي السنة الفعلية لبداية المسرح الجزائري كفنٍّ استعراضيٍّ استجاب لجميع شروط العروض، بوجود فِرقٍ مسرحية محترفة، وإمكانية العروض داخل قاعاتٍ مخصّصة للمسرح، وكانت قاعة الكورسال بالعاصمة محضن الكثير من العروض المسرحية الهامّة في تاريخ المسرح الجزائري. ظهور تلك الفرق المسرحية الناجحة لفت انتباه العاملين في الحقل الفني من المعمرين؛ بل ومن الفنّانين القاطنين بفرنسا، ومن السينمائيين إلى الاستعانة مباشرة بأبرز الأسماء في المسرح الجزائري كمحي الدين باش تارزي، رشيد قسنطيني.

محي الدين باش تارزي أكّد في مذكّراته أن المنتجين المغاربة فيما بعد استعانوا بالممثلين الجزائريين لأدار الأدوار الأساسية في الأفلام التي أرادوا إنتاجها، كما أن شهرة كثير من الجزائريين تعدّت الحدود الداخلية، وتجاوزتها إلى البلدان المجاورة. كانت التجربة السينمائية مع الأفلام المغاربية ذات فائدة للممثلين الجزائريين، وظل محي الدين باش تارزي مع فرقته المسرحية يجوبون المدن الجزائرية، وكذا فرقة محمد التوري بالبليدة، وفرقة الكوكب الوهراني، وفرقة المسرح الجزائري التي أسّسها مصطفى كاتب سنة 1940م، تلك التجارب المسرحية كان لها أثرها المباشر في توجيه أولئك المسرحيين إلى فضاء آخر جديد، فضاء الإذاعة التي أنشأها المعمرون الفرنسيون بالعاصمة الجزائرية سنة 1929م، تحت اسم " راديو الجزائر".

في البداية كانت البرامج خاصة بفئة المعمرين ممّن امتلكوا القدرة على اقتناء أجهزة استقبال لاسلكية، بعد اتساع طاقة البثّ سنة 1940م أدخل القائمون على الإذاعة برامج عربية ليشمل البث المستمعين الجزائريين. تلك الإذاعة كان لها دورٌ كبير في الحفاظ على الكثير من الأسماء المحترفة لفنّ التمثيل، إذْ كانت ظروف الحرب العالمية الثانية صعبة، فساعدت أولئك الممثلين ماديًا، وفتحت لهم مجال عرْض تمثيلياتهم المسرحية.

مشاركة المسرحيين الجزائريين بإذاعة الجزائر مكنتهم من الانتقال من استديوهات الإذاعة إلى استديوهات التلفزيون الفرنسي الحديثة النشأة بالجزائر العاصمة، ففي 24/ 12/ 1954م بدأ أوّلُ بثٍّ لقناة " ر.ت.ف " وقرر مسؤولوها مزاوجة بين البرامج العربية، والبرامج الفرنسية بطريقة التناوب. البرامج الفرنسية كانت تُجلب من القناة الأم بالعاصمة الفرنسية، والبرامج العربية لُجئ فيها إلى الأسماء المسرحية الناشطة، وعلى رأسهم محي الدين باش تارزي، جلول باش جراح، مصطفى كاتب، وغيرهم. كانت تلك الأفلام التي بُثّت على القناة الجديدة عبارة عن مسرحيات مصورة نظرا للطريقة البدائية المستعملة، حيث كان الممثلون يعرضون مسرحياتهم في قاعة مسرح، وتقوم الكاميرات بالتصوير، والمخرج يتحكّم في اللقطات، فكان العرض في الأخير يبدو على شكْل عرْضٍ سينمائي في تتابع المناظر، ومنطقية الحدث.

كانت بعد ذلك ظروف حرب التحرير صعبة ممّا أعاق معظم العاملين في التلفزيون من مواصلة مشوارهم الفني، فبعضهم سُجن، والبعض الآخر التحق بالثورة؛ وفي الجبال كانت الظروف مخالفة وأصعب، ومع ذلك أدركت قيادة الثورة أهمية الصورة في التعريف بالثورة التحريرية، وبقضية الشعب الجزائر العادلة، وبخاصة لدى الدول الصديقة، والمحافل الدولية. كانت أغلبها وثائقية، وقد استمرت تلك الرؤية الوثائقية عند سينمائي الجبل سنوات عدة بعد الاستقلال.

بعد سنوات قليلة من استقلال الجزائر عرفت الحركة الفنية نموا بارزا، والسينما انتعاشا كبيرا، غير أن تلك البداية سايرت التوجه السائد السائد حينها، وذلك بإخراج أفلام وثائقية. لتبدأ فيما بعد الأفلام الطويلة الغير الوثائقية. بعد الاستقلال كانت صور الحرب التحريرية ماثلة في أذهان الجزائريين فكانت أحداثها مُلهمة للسينمائين لسنوات، الموضوع الرئيس للمخرجين الجزائريين، والتلفزيون الجزائري؛ غير أن الواقع الجزائري بمرور السنوات تداخل مع الماضي، حينها ظهرت في الساحة أفلام خيالية لآثار الحرب على الجزائريين، وأخرى لتعرية عصابات الإقطاع الجدد الذين حلّوا محلّ الكونول المستعمرين، وبداية استشراء الفساد الإداري والمالي.

من الموكد أن الإنتاج الفيلمي التلفزيوني بخاصة ساير التطورات الحاصلة في المجتمع الجزائري، وعبّر الممثلون باقتدار عن الظواهر الخفيّة والظاهرة عن المجتمع؛ علما أن معالم ثورة التحرير ظلت عالقة في النفوس حتى بعد مرور عقدين من الاستقلال، من ذلك أن أول مبادرة في الإخراج السينمائي التلفزي كان للروائية الكبيرة آسيا جبّار، أرادت أن تخوض مجال التعبير بالصورة فكتبت سيناريو" نوبة جبال شناوة"، وأخرجت الفيلم سنة 1976م، أرادت الروائي آسيا جبّار أن تحفر في ذاكرة الأماكن، والأشياء، والعقول لتُجْلي للمشاهد مدى تفاعل الماضي والحاضر، وتماهي الذوات مع المحيط الثقافي من خلال نماذج نسائية من منطقة شناوة.

الكاتب والباحث أحمد بغداد أثبت في كتابه هذا بالوثائق، والتحرّي العلمي الدقيق على أن الإذاعة والتلفزيون كان لهما الدور الفعّال في التأسيس لسينما جزائرية خيالية على غرار السينما العالمية؛ وأثبت الباحث بأن الفنانين، والتقنيين الجزائريين، تمكّنوا باقتدار كبير مضاهاتهم خبرة الفرنسيين القادمين من فرنسا؛ ثم مسايرتهم بعد الاستقلال لتطوّرات السينما العالمية بإخراج أفلام خيالية راقية في تقنياتها، وموضوعاتها ممّا أهّل العديد منها إلى نيْل جوائز عالمية.

كتاب" التلفزيون الجزائري، والسينما.. مغامرة الأفلام الخيالية الطويلة، كتابٌ تضمّن عديد العناوين الهامّة: مدخل إلى تاريخ التلفزيون، التلفزيون الجزائري، وريادة الإبداع، المسرح الجزائري، وعلاقته بالسينما، من الإذاعة إلى التلفزيون، بين المنظور السينمائي والتلفزيوني، الأفلام الخيالية التلفزيونية، التاريخ والثورة التحريرية، أفلام الإنتاج المشترك.

كتابٌ قيّمٌ، ووثيقة تاريخية نفيسة تسجّل مسار وسائل اتصال جزائرية هامّة منذ عشرية الثلاثينات من القرن الماضي: المسرح، الإذاعة، التلفزيون؛ وممّا يُعطي الكتاب أهمية علمية وفنية أنه جاء في وقته رفقة كُتُبٍ أخرى للباحث في هذا المجال، ذلك أنّ المكتبة العربية بالكاد تخلو من مثل هكذا كُتُب.

 

بقلم: بشير خلف

كاتب من الجزائر

 

 

صباح شاكر العكامتعددت الأديان والمذاهب في العراق، ففي القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي يوم كانت تحكم المنطقة دولتان هما الدولة العثمانية والدولة الصفوية ظهرت في الديانة الإسلامية الكثير من الحركات الفكرية كالشيخية أو الكشفية والبابية التي ولدت من الشيخية، والتي تحولت الى الديانة البهائية، والتي تعد من الفرق الباطنية الغنوصية التي تعني المعرفة أو الحكمة أو العرفان .

صدر عن دار الفرات للنشر والاعلام بالتعاون مع دار سما للطباعة والنشر كتاب (البابية والبهائية في العراق) للباحث الأستاذ نبيل عبد الأمير الربيعي عدد صفحاته (334) من القطع الوزيري، وهو يتألف من مقدمة وخمسة فصول مع نص كتاب (أقدس) وهو الكتاب المقدس عند الديانة البهائية .

في الفصل الأول : أوضح الربيعي إنّ الشيخية أو الكشفية هي مدرسة فكرية شيعية أثنا عشرية، أوجدها وارسى قواعدها الشيخ أحمد بن زين الدين الاحسائي، فهم يوالون الأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبي محمد (ص)، ويقتدون بهم ويعملون بأقوالهم، كما يحرصون على أداء الاعمال الشرعية من صلاة وصوم وحج وزكاة وخمس وغيرها .

مؤسس الشيخية هو الشيخ أحمد بن زيد الدين الاحسائي الذي كان له مكانة سامية في أندية العلم ومحافل التدريس في كربلاء والنجف وايران، ويعد من المجددين للفكرة الباطنية التي نشأت في القرن الثاني الهجري، والتي لم تكن من التعاليم الإسلامية وإنما أخذت من المعتقدات الإيرانية التي دخلت في الإسلام .

أوضح الربيعي إنَّ الشيخ أحمد الاحسائي من الشيعة الحلولية الذين يفسرون علياً على غرار الشيعة النصرية (العلوية) وأدلته مستقاة من الفيلسوف الإيراني الباطني الملا صدرا الشيرازي (ت 1050هـ) . لقد حدد الشيخ الأحسائي طريق الكشف الصادق بالإقبال على الله والإخلاص في ذلك الاقبال، كما قيد صدق الكشف بشهادة الكتاب والسنة وهما دليلا الشيعة بل المسلمين جميعاً في مسائل أحكام الدين . وبعد وفاة الشيخ أحمد الأحسائي خلفه في قيادة أتباعه تلميذه السيد كاظم الرشتي الذي سكن مدينة كربلاء، وقد أتهم بالكفر من قبل علماء زمانه، وجرت له محاكمة في الصحن الحسيني من قبل المرجعين الشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب الجواهر، فرفضوا الحكم بكفره ولكنهم حرقوا رسائله .

2125 البابية والبهائية في العراقالفصل الثاني (ظهور البابية) أوضح الربيع بعد وفاة السيد كاظم الرشتي سنة (1259هـ/1843م) أخذ الشيخ حسين البشروئي بالبحث عن خليفة للرشتي، فوقع اختياره على السيد علي محمد رضا الشيرازي ليكون الباب الموصل للإمام المنتظر، فأطلق الشيرازي على نفسه لقب (الباب) وكان البشروني أول من آمن برسالته فاطلق عليه لقب (باب الباب)، وقد وضع الشيرازي أفكاره ومعتقداته بكتاب سمي "قيوم الأسماء" في تفسير سورة يوسف .

أوضح الربيعي إنَّ اشتراط الباب لإعلان دعوته أن يؤمن به ثمانية عشر شخصاً، وبعد أن التف حوله العدد المطلوب وهو العدد الذي يمثل حروف كلمة "حي" (الحاء ثمانية والياء عشرة) أعلن دعوته، فتكون الخلية الأولى مع رئيسهم تسعة عشر، فقسمت السنة البابية إلى تسعة عشر شهراً، أرسل الباب أتباعه إلى مدن العراق وإيران لنشر دعوته .أعلن الباب نفسه إنه الامام المنتظر، وانه كان مصراً على إنه لم يكن سوى المبشر الذي أرسله الله لتهيئة الطريق أمام شخص أعظم منه يأتي من بعده، أعتقل الباب ونفذ فيه حكم الإعدام بأمر من الشاه سنة 1850م في مدينة تبريز، ثم نقل جثمانه سراً ودفن على جبل الكرمل في حيفا سنة 1909م . بعد اعدام الباب حاول اتباعه اغتيال شاه ايران ناصر الدين شاه انتقاماً لإعدامه، وبعد فشل المحاولة تم قتل أعداد كبيرة من البابيين في جميع المدن الإيرانية .

في الفصل الثالث (حواريو الباب) ذكر الربيعي بعد إعدام الباب ادعى (25) رجل من اتباعه ، كل واحد منهم إنه الموعود الذي بشر به الباب، وكان من أبرزهم ميرزا حسين علي نوري الملقب (بهاء الله)، والملا حسين البشروئي، والحاج محمد علي القدوس، والملا علي البسطامي، وقرة العين . وقد ركز الربيعي على شخصية قرة العين الفتاة الإيرانية التي بدأت ببث الدعوة الى البابية كخطيبة بين الرجال مكشوفة الوجه واليدين، ودورها في نشر الفكر البابي ودفاعها عن حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل، وذكر عدة روايات لطريقة قتلها بالخنق ورمي جثتها في بئر مهجورة .

في الفصل الرابع ذكر الربيعي إن بهاء الله هو الميرزا حسين علي عباس برزك النوري الذي ولد في طهران سنة (1233هـ \1817م) . بعد محاولة اغتيال الشاه سنة 1852م سجن بهاء الله، وفي السجن أخذ يعد لتجديد البابية بالبهائية، أطلق سراح بهاء الله ورُحّل إلى العراق، ويعد الوحيد الذي سلم من المذابح من بين زعماء البابيين، فسكن أول الامر في الكاظمية ثم أنتقل الى الكرخ . هجر بهاء الله بغداد واعتكف في جبال كردستان لمدة عامين، وقد دون رحلته هذه في كتاب (الإيقان) الذي عرض فيه جوهر الدين والأهداف التي يأتي من أجلها، ويصور فيه الرسل والانبياء على إنهم جميعاً واسطة لتنفيذ تدبير إلهي مستمر لا انقطاع له . نشط البابيون برئاسة بهاء الله في نشر دعوتهم في العراق، فاستجاب لدعوتهم بعض الافراد، ولكن دعوتهم لاقت مقاومة من قبل عالم إيراني يسكن العراق اسمه عبد الحسين الطهراني بمساعدة القنصل الإيراني في بغداد بالضغط على السلطات العثماني التي رضخت وأبعدت بهاء الله إلى إسطنبول، فبقي فيها خمس سنوات، ومن بعدها إلى أدرنة ثم رُحِل بسبب خلاف مع أخيه (صبح الأزل) الى عكا ليسجن فيها ويموت سنة 1892م .

ذكر الربيعي في عشية رحيل بهاء الله الى إسطنبول دعا نفراً من صحابته إلى حديقة نجيب باشا (مدينة الطب حالياً)، والتي سميت فيما بعد بحديقة الرضوان حيث أعلن عن دعوته، وأسرَّ إليهم كُنة رسالته، وإنَّ الوحي قد نزل عليه، وإنه هو (الموعود) الذي كان الباب يبشر به في كتبه وألواحه، فانتقلت دعوته من السرية الى العلنية، وعد ذلك اليوم عيدا سمي عيد الرضوان، كان ذلك في أواخر شهر نيسان سنة 1863م .

في المبحث الثالث أوضح الربيعي : بعد وفاة بهاء الله آل الأمر الى ابنه عباس أفندي الذي لقب (عبد الباب) المولود في طهران سنة (1260هـ \1844م)، أقام بناء على سفح جبل الكرمل كقلعة يتحصن بها مع اتباعه. سجن عبد البهاء مع اتباعه في عكا، وقد استمر بنشر دعوته وهو في السجن، وبعد اطلاق سراحه سافر الى الولايات المتحدة الامريكية، ثم الى بريطانيا، ثم قصد باريس ومنها الى المانيا . توفي عبد البهاء سنة 1921م ودفن على سفح جبل الكرمل بعد أن شيع تشيعاً مهيباً من قبل الجماهير واعيان حيفا .

في المبحث الرابع ذكر الربيعي، إنَّ شوقي أفندي رباني هو حفيد عبد البهاء ولد سنة (1314هـ \1897م)، ودرس في مدارس حيفا وبيروت وبريطانيا، بعد وفاة عبد الباب تولى شوقي أفندي رباني شؤون الأمر البهائي سنة 1921م، فقام بكتابة وترجمة العديد من الكتب البهائية، وقام بنشر الديانة البهائية في العالم، وتطوير المؤسسات الإدارية المحلية والإقليمية للمحافل البهائية، ووضع شروط انتخاب المحافل المحلية والمحفل المركزي . توفي سنة 1957م في لندن ودفن فيها .

في الفصل   الخامس وفي المبحث الأول ذكر الربيعي إنَّ الدار التي سكن فيها بهاء الله في محلة الشيخ بشار في الكرخ تعد (الكعبة البهائية الأولى)، وقد قام عبد البهاء بتجديدها واتخذها أول محفل للبهائيين في بغداد، وبعد منازعات بين الورثة تحول الدار الى حسينية . وبعد احتجاجات الجمعيات الاوربية والأمريكية، قامت الحكومة العراقية بتعويض البهائيون قطعة أرض في شارع السعدون في رصافة بغداد شيدوا عليها المحفل البهائي سنة 1936م .

في الفصل الخامس استعرض الربيعي الامتيازات التي حصل عليها البهائيون والاعتراف بديانتهم في عهد الاحتلال البريطاني للعراق وفي العهد الملكي ومراحل انشاء المحفل الرئيسي في السعدون (حظيرة القدس) ومشاركهم في التعداد السكاني كبهائيين في الأعوام 1934م و1947م و1957. أمّا في العهد الجمهوري فكانت علاقة البهائيين وحكومة عبد الكريم قاسم علاقة طيبة، وكانوا يقيمون طقوسهم وعباداتهم بكل حرية، وبعد انقلاب 8 شباط 1963م بدأت المضايقات والتعقيدات في ممارسات البهائيين لطقوسهم وعباداتهم، وفي حكم عبد السلام محمد عارف في سنة 1965م أغلقت المحافل البهائية في كل انحاء العراق ووضع اليد على ممتلكاتهم تطبيقاً لقانون السلامة الوطنية . وبعد عودة البعث الى السلطة وفي سنة 1970م صدر قانون تحريم النشاط البهائي، فتم تحويل المحفل المركزي في السعدون الى دائرة أمنية، وسيق البهائيون الى محكمة الثورة وحكم عليهم بالسجن، وفي سنة 1975م صدر قانون تجميد قيود البهائيون في سجلات الأحوال الشخصية، وفي سنة 1979م صدر عفو عن السجناء البهائيون واطلق سراحهم لكن بقوا تحت المراقبة ومع السفر خارج العراق  .

بعد 2003م ذكر الربيعي بالرغم من صدور قرار وزير الثقافة باعتبار بيت بهاء الله الذي تحول الى حسينية تراثياً، الا ان البهائيون ما زالت ديانتهم محظورة وممنوعون من إدراج ديانتهم في سجلات الأحوال المدنية، ولم تعاد ممتلكاتهم المصادرة، ولكنهم أخذوا يمارسون طقوسهم الدينية بشكل هادئ وبعيداً عن العلن مما دفعهم للانعزال .

أمّا في كردستان العراق ذكر الربيعي تم الاعتراف الرسمي بالمجلس البهائي للإقليم، وتم تثبيت ممثل عنهم في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية للإقليم، وشاركوا رسمياً بمناقشات حراك دستور الإقليم .

في الفصل السادس المبحث الأول : أوضح الربيعي معتقدات البهائيين والتي تتضمن ثلاث أنواع من الوحدات هي : وحدة الخالق، ووحدة الديانات في أصلها ومنبعها وأهدافها، ووحدة الجنس البشري، وإنَّ الأديان جميعها حقيقة واحدة وهي واحدة في أصولها، وهيأة البهائية ما يزيل أسباب الخلاف والشقاق بين الأمم، وأتت بما يقضي على بواعث الحروب، وأظهرت ما يوفق بين العلم والدين، وساوت الحقوق بين الرجال والنساء، ودعوتهم لتبني لغة عالمية موحدة، وان جميع الكتب السماوية منزلة من الله سبحانه وتعالى. وأوضح الربيعي المفهوم البهائي للذات الإلهية، وللجنة والنار، والثواب والعقاب، ووجهة نظرهم للإسراء والمعراج، وديانتهم بلا وجود للشيطان فهو شخصية مجازية للتعبير عن عامل الشر الموجود في الطبيعة البشرية والذي ينمو وينشط عندما يبتعد الانسان عن الله .

في المبحث الثاني أوضح الربيعي عبادات البهائيين فقبلتهم مدينة عكا في فلسطين مرقد بهاء الله، أمّا صلاتهم فإنها فرضت على من بلغ الخامسة عشر من العمر، وهي ثلاث صلوات هي: الصلاة الكبيرة والوسطى والصغيرة وفيها قراءة الأدعية والسجود والقنوت وتقام مرة واحدة في اليوم، وتكون فردية وفي عزلة، ماعدا صلاة الميت تكون جماعة، بعد الوضوء بالماء ولا يوجد عندهم تيمم . أمّا الصيام فيكون في "شهر العلاء" وهو الشهر الأخير في السنة البهائية (من 2آذار لغاية 21آذار) وهو الامتناع عن الاكل والشرب والشهوات لمدة 19 يوماً . أمّا الحج فانه فرض على الرجال دون النساء من استطاع اليه سبيلا، ويكون أمّا لبيت بهاء الله في بغداد أو بيت الباب في شيراز، ثم أضيف الحرم الأقدس في عكا . أمّا الزكاة في الديانة البهائية كالزكاة في الإسلام، فتجب في النقدين (الذهب والفضة) وفي الغلاة الأربع (الحنطة والشعير والتمر والزبيب) وفي الانعام (الغنم والبقر والإبل) . ثم تطرق الربيعي إلى أعياد البهائيية وهي عيد النوروز بعد شهر الصيام، وعيد الرضوان، وعيد ميلاد الباب وعيد ميلاد بهاء الله، وعيد يوم اعلان الباب الدعوة . أمّا السنة البهائية فتقسم الى (19) شهراً وكل شهر(19) يوماً وتضاف لها خمسة أيام (أيام البهاء) . أمّا الزواج عند البهائيين فيكون رجل واحد وامرأة واحدة فلا يجوز تعدد الزوجات أو الأزواج . أمّا الطلاق فمسموح به، بوجود هيئة خاصة تحاول مصالحة الزوجين قبل الطلاق والذي يستغرق سنة كاملة . أمّا عند موت البهائي فيغسل ويكفن ثم يدفن بعد أن يصلى عليه صلاة الميت، ويقام له (مجلس ختم)، ولا تقام له مجالس تذكارية بعد ذلك . أمًا الإرث عند البهائيين فلا يورث الميت إلا أبيه وأمه وذرياته وزوجته وأخيه وأخته ومعلمه، وفق نظام خاص بالديانة البهائية، وعند انعدام الوريث يذهب الورث الى بيت العدل (المحفل الروحاني المركزي) .

أمّا المبحث الثالث فهو للمعاملات فتطرق الربيعي إلى عقوبات الزنى والقتل وشرب الخمر والمخدرات ولعب القمار عند البهائيين، كما تطرق الى حرمة العمل السياسي بما في ذلك عدم شغل أي منصب سياسي وعدم الانتماء لأي حزب سياسي أو عمل دعاية له، ولكنه سمح بالاشتراك في المنظمات الاجتماعية والمساهمة في الانتخابات، واطاعة الحكومة طاعة تامة، كذلك نادى بالمساواة بين الرجل والمرأة بالحقوق، وتحليل الربا، ورفض كل أشكال العنف، وتطرق الربيعي الى المبادئ التي يرددها البهائيون في محافلهم وكتبهم وعددها (13) مبدأ .

وفي خاتمة الكتاب أورد الربيعي (كتاب أقدس) وهو الكتاب المقدس للديانة البهائية، والذي يتكون من (190) فقرة تنظم الحياة الفكرية والعقائدية للديانة البهائية .

  

صباح شاكر العكام