علجية عيشخطة الماسونية والصهيونية لنشر البهائية

(كتاب "الأقدس" حرّف واضعوه القرآن ودعوا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين)

(من تعاليم البابية (البهائية) إلغاء حضور الوليّ في الزواج)

من البابية إلى البهائية صورة تسلط الضوء عن أخطر مذهب خالف تعاليم الإسلام وادعى أحد مؤسسيه أن النبي محمد (ص) لم يترك للمسلمين سوى القرآن فقاموا يتحريف آياته وكان زعيمهم وهو المدعو حسين المازندراني المدعو " بهاء الله" قد أعلن النبوة ثم قال أنه لا إله إلا هو، وتمكن من نشر دعوته بدعم من جاسوس روسي يعمل لصالح الماسونية والصهيونية، فاتبعه عدد كبير من السذج، عقدوا مؤتمرهم من أجل طمس تعاليم الإسلام كدين الفطرة والعقل والعلم والنظام والرحمة والعدل وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والتمهيد للإعتراف بالصهيونية كحركة عالمية ولكن كانت نهايتهم القتل والنفي والخزي والعار

هذه هي البهائية كتيب يكشف فيه صاحبه عن مراحل إنشاء "البهائية" التي تعد من أخطر المذاهب على الإسلام فكرا وممارسة، فيه كثير من الغموض، ويطرح عدة تساؤلات أولها من هو مؤلف الكتاب؟ لأن ما جاء في الكتيب هو خلاصة لمذكرات كتبها جاسوس روسي، ولعل صاحب الكتاب هو الجاسوس الروسي دنياز دالكوركي هو الكاتب نفسه، حيث كشف في مذكراته عن علاقته بالشخصيات التي أسست لهذا المذهب وكيف ساهم هو في غرس هذه الشجرة الملعونة، والسؤال الثاني هو: لماذا أوصت الهيئة العليا للدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بطبع هذا الكتاب ونشره وما هدفها من ذلك؟ والسؤال الثالث ما مصلحة دار لقمان للنشر والتوزيع تونس التي تكفلت بنشر هذا الكتيب؟ وهل كانت مأمورة من طرف الهيئة السالفة الذكر؟ والسؤال الرابع كيف تم تسويق هذا الكتاب، وما علاقة مكتبة خنقي عبد الكريم بهذا المشروع؟، لأن الكتاب مؤشر عليه ختم هذه المكتبة وبلون أخضر، للعلم أن هذا الكتاب طبع في جويلية 1978 وسحبت منه 2000 نسخة عدد 12، أي 24 ألف نسخة تم طبعها.

2433 البهائيةيضم الكتيب31 صفحة، كتب بخط صغير جدا ( 12) واحتضنته كل المكتبات حتى وصل إلى سوق الكتب في الجزائر (قسنطينة)، في وقت لم تكن فيه الرقابة على الكتب في الجزائر مشددة مثلما نشهده اليوم، بحيث منعت كتب من تسويقها داخل الجزائر في التظاهرات الثقافية الدولية (صالون الكتاب الدولي) على غرار الكتب التي تتحدث عن الفكر الشيعي والمذاهب أو العقائد الأخرى، ومنعت الطلبة المختصين في مقارنة الأديان الإطلاع على ما يقوله الطرف الآخر، في إجراء بحوثهم العلمية، ماعدا قلة منهم سمحت لها الظروف بالسفر إلى البلاد العربية (العراق، إيران) وزيارة مكتباتها من أجل الوقوف على المراجع والمصادر العلمية التي تناولت المسائل العقدية وأخبار العلماء، وهذا منذ ظهور الفكر الأفغاني المتطرف في الجزائر الذي تسبب في مقتل مئات الأبرياء فيما عرف بالعشرية السوداء.

فالبهائية مشروع خططت له الماسونية السرية والصهيونية العالمية لطمس معالم الدين الإسلامي ودفع المسلمين إلى التخلي عن دينهم من خلال تحريف القرآن وإصدار فتاوي لتغيير أركانه كتقليص عدد الصلوات وترك الصيام وغير ذلك، كما يهدف هذا المخطط إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، السؤال الذي يفرض نفسه ويلح على الطرح هو: لماذا اختارت الماسونية الروسية والصهيونية العالمية العراق بالذات لنشر بذور هذه الشجرة، وهي المعروفة بمهد الحضارات والعلم والمعارف، خاصة وأن ما جاء في مقدمة الكتاب أن المبشر الأول لهذا المذهب أو العقيدة إن صح القول رجل مجهول الأصل والنسب والمولد والمنشأ، ما قيل عنه أنه كان قسّيسا، ادّعى أن اسمه كاظم الرشتي نسبة إلى رشت وهي قرية من قرى إيران، رغم أن أهل رشت لا يعرفون عنه شيئا، وهذا ما يؤكد أن هذا الشخص لا هو عراقي ولا هو إيراني، ولا هو مسلمٌ وقد يكون يهوديا مكلف بمهمة.

مؤسسو هذه العقيدة جماعة من بينهم امرأة أسماؤهم كالتالي:

1- كاظم الرشتي الرجل الأول الذي وضع المخطط الماسوني الصهيوني

2- حسين البشروئي نسبة إلى بشرويه إحدى قرى خراسان ويلقب بكبير التلاميذ للمدعو كاظم الرشتي ويلقب بباب الباب

3- أمُّ سلمى بنت صالح القزويني، حملت عدة ألقاب فقد لقبها أبوها بزرين تاج، وكانت مدللة عنده، لا يرفض لها طلب، راسلت كاظم الرشتي ولقبها هذا الأخير بـ: "قُرَّةُ العين" وبطلب منه حضرت إلى كربلاء لمباشرة حملتها التبشيرية

4- علي محمد رضا الشيرازي يقال انه كان ينتمي إلى الشيعة الإثنا عشرية ثم انفصل عنها

5- محمد علي البارفروشي الملقب بالقدوس،

وقد كثر عددهم إلى أن أصبحوا 19 عنصرا ناشطا، وقد تبين أن وراء هذا المخطط جاسوس روسي اسمه كنياز دالكوركي، كان يعمل مترجما بالسفارة الروسية في طهران، ادعى أنه اعتنق الإسلام، درس اللغة العربية والفارسية واصبح يلازم مجلس هؤلاء الأشخاص الذين وقعوا في فخه لسذاجتهم وضعف شخصيتهم، حيث تمكن هذا الجاسوس من غرس هذه الشجرة الملعونة في أرض الأمة الإسلامية، والطعن في الشيعة الإثنا عشرية المحسوبون على أهل البيت، كما اعتمد هذا الجاسوس على رجل آخر اسمه حسين علي المازندراني من أصل إيراني وقد منحه الجاسوس الروسي لقب "البهاء" .

مؤتمر بدشت من أجل نسخ دين الإسلام

بدعم من الجاسوس الروسي تحوّل محمد علي الشيرازي إلى باب المهدي المنتظر، ومن باب المهدي إلى المهدي نفسه، ثم ادّعى أنه الممثل الحقيقي لجميع الأنبياء والمرسلون، زاعما أنه يجمع بين اليهودية والنصرانية والإسلام ولا فرق بين الديانات الثلاث، وهو ما تخطط له الماسونية بالضبط وهو جمع الأديان في دين واحد، وبحكم عددهم ( 19 عنصرا) فقد عملت هذه الجماعة على تغيير أحكام الشريعة الإسلامية، فأوّل ما قامت به هو جعل عدد شهور السنة 19 شهرا، والشهر 19 يوما، كما اعتبر الشيرازي اليوم الذي أعلن فيه دعوته هو بدء التاريخ، وجمع جملا متناقضة مملوءة بالأكاذيب والسفسطات وجعلها أساس دينه الجديد وسمّاها "البيان"، كما ألغى الصّلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة الجماعة إلا في الجنازة، وجعل الصوم لمدة 19 يوما فقط وقال أن القِبلة el-qibla هي البيت الذي ولد فيه شيراز أو البيوت التي يعيش فيها هو وأهله، فكانت هذه البيوت هي الحج الذي يقصده كل من آمن بعقيدته وانخرط فيها، كما ألغى حضور الوليّ في الزواج، إلى غير ذلك من الأحكام الغير شرعية والتي لا يقرها عقل.

و لما انتشرت دعوته ووصلت اسماع علماء شيراز في عهد الوالي حسين خان، ثاروا على دعاة البابية فأمر الحاكم بإحضاره وأودعه السجن إلى حين محاكمته، ثم استدعاه من جديد وقابله بعلماء شيراز، فخاطبهم بأن النبي محمد خاتم لنبيين لم يترك للأمة سوى القرآن وأن كتابه البيان لا بديل عنه ولما اطلع علماء شيراز على كتاب البيان وقفوا على الإنحرافات التي جاء بها الشيرازي، فتعرض للتعذيب وهو معلق من رجليه، ثم أعيد به إلى السجن، بيد أن الجاسوس الروسي وبواسطة جاسوس آخر تمكن من تهريبه إلى أصفهان، وتحدث الجاسوس الروسي في مذكراته (كما جاء في هذا الكتيب) عن أحداث مؤتمر بدشت بالصحرء الواقعة على نهر شاهرود بين خراسان ومازندران برئاسة حسين البشروئي (باب الباب) والقدوس ومعهم قرة العين ، فجمعوا كل أنصارهم في هذا المؤتمر من أجل إخراج الباب من السجن، وهو في الحقيقة من أجل نسخ دين الإسلام ولكن كل مساعيهم ومخططاتهم باءت بالفشل، حيث استقر رأي الحكومة والعلماء على وجوب قتله مرتدا، فتم إعدامه وتركت جثته في خندق طعاما للوحوش.

نهاية قرة العين والمازندراني

أما قرة العين فقد نفيت إلى بغداد، فاقامت في بيت محمد شبل الكاظمي وأفسدت دينه وأمالته إلى البابية، فأمر نجيب باشا والي بغداد بوضعها تحت الرقابة ثم تم إعدامها بأمر من الشاه ناصر الدين، هكذا انتهت حياة هذه العصابة، لكن المخطط لم يتوقف، حيث استمر الجاسوس الروسي في تنفيذ مخطط الماسونية والصهيونية لزرع الفتنة بين المسلمين، فاستأنف من تبقى من عناصر هذه العصابة نشاطهم من خلال تنظيم تشكيلات جديدة في بغداد وبدعم من السفارة الروسية، إلى أن حققوا مشروعهم وهو الإنتقال من البابية إلى البهائية رغم الخلافات التي دارت بينهم انتهت بفرار البابيين من إيران إلى العراق، ولما كانوا يمثلون خطرا على الأمة، طلب شاه إيران من الخليفة العثماني طردهم من العراق، فاستجابت الدولة العثمانية لذلك وأصدرت أمرا بنفي حسين المازندراني وشقيقه يحي وأتباعهما، خاصة بعدما أصدر حسين المازندراني كتبا بعدما أمّدته الصهيونية بلقب "بهاء الله"، كما وقع صراع بين الأخوين وانشق كل منهما عن الآخر فكان لكلاهما أتباع وأنصار، فأنصار يحي سمّوا بالأزليين، وسمي انصار حسين بهاء الله بالبهائيين، وقد حاول بهاء الله أن يقتل أخاه بواسطة السم، لكن محاولة الإغتيال بلغت اسماع الحكومة فقامت بنفي يحي إلى قبرض ونفي حسين إلى عكا بفلسطين.

بدعم من الماسونية والصهيونية واصل حسين المازندراني (بهاء الله) دعوته إلى دينه الجديد، حيث ادّعى أنه المسيح، وأنه يرتدي لباس النبوة، ثم قال أنه إله السماوات والأرض، أي أنه هو الله (والعياذ بالله)، من رسائله رسالة "الإيقان" ورسالة "الإشراق" طبعتا في مصر، والكتاب الثالث بعنوان: "مجموعة الألواح" في هذا الكتاب خاطب المازندراني بهاء الله شخصا اسمه عبد الوهاب قائلا: "يا وهاب إذا اجتذبك ندائي الأحلى وصرير قلمي الأعلى قل الهي الهي...، يا قلمي الأعلى، بدل اللغة الفصحى باللغة النوراء"، ثم يأتي كتاب "الأقدس"، وهو أهم كتاب عند البهائيين، ألفه حسين المازندراني في آخر أيامه بعكا قبيل هلاكه،طبع في مطبعة الآداب ببغداد لأول مرة عام 1349 هجرية 1931 ميلادية ويقع في 53 صفحة بالقطع المتوسط، يدعو في هذا الكتاب إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والتبشير بالصهيونية.

و كما جاء في العدد 186 من كتابه الأقدس يؤكد فيه أنه الله، إذ يقول: "قل يا ملك برلين أن استمع النداء من الهيكل المبين إنه لا الله إلا أنا الباقي الفرد القديم" وهو بهذا يطلب من الحكومة الألمانية الإعتراف به والتمهيد لليهود الألمان خدمة للصهيونية، وقبل هلاكه ترك وصية لإبنه عباس وهو أكبر أبنائه وقد أطلق عليه لقب "عبد البهاء" بأن يتمم مسيرته في نشر البهائية، واستجاب الإبن الأكبر لوصية والده، إلا أنه وقع نزاع كبير بينه وبين إخوته الثلاثة، فأعلن إيمانه ببنوة عيسى عليه السلام لله، كتمهيد للدعوة للتجمع الصهيوني وتحقيق مشروع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وظل على حاله تلك حتى توفي في الثامن من نوفمبر عام 1921م عن 78 سنة.

 

قراءة علجية عيش

 

 

علجية عيشصور النضال ضد البيروقراطية عند المفكر السلوفيني إدوارد كارديلي

(قراءة في كتاب)

الجديد في عالم اليوم هو مقدرة الإنسان على تغيير العالم والظروف الموضوعية للحياة والوسائل الأكثر كفاءة المتاحة له لتحقيق هذه الأهداف، وباختصار فإن الجديد هو الإتساع المدعم لا للإرادة فقط، وإنما لقوى الوعي البشري الذي اكتسبه الإنسان أو يمكن أن يكتسبه من خلال علاقات جديدة وتحكم متناه في قوى الطبيعة، وهنا تشن المعركة الفاصلة من أجل الإنسان وتحرير المجتمع وإضافء عليه  الصبغة العلمية، في كتاباته وضع  المفكر الإشتراكي إدوارد كارديلي تصورا جديدا للديمقراطية الإشتراكية، كما صوّرالنضال ضد البيرقراطية وكيف يكون الإنسان صانع قرارات، وهنا يمكن أن نفتح قوسا ونقول أن الكثير من لا يفرق بين الإشتراكية كنظام اقتصادي وبين الشيوعية كإيديولوجيا

هي رؤية إنسانية طرحها  المفكر الإشتراكي إدوارد كارديلي في كتابه بعنوان: " في النقد الإجتماعي" ترجمه أحمد فؤاد بديع، مقدما في ذلك أمثلة من الواقع وهي أمثلة  محسوسة يدركها كل إنسان،  فقد كانت الإنسانية الجوهر والهدف معا لكل نزعة إنسانية  مخلصة سواء في الأزمنة القديمة أو الحديثة، والإنسانية هي لب النزعة الإنسانية  الإشتراكية، يقول كارديلي أن الأمر يتطلب حكمة بالغة كي نؤكد أن المعدة الممتلئة هي أفضل علاج للجوع وأن الصحة خير بديل للمرض، فالمرء يجب ان يحصل على الطعام كي يخفف من وطأة الجوع وعلى الدواء كي يحارب المرض، بيد أنه عند معالجة المسائل التعلقة بوجود الإنسان مثل الإنسانية والحرية، فإن الوعي البشري الحديث يفضل الفرار إلى عالم المضاربة الذاتية الذي يمكن إيجازه في التأكيد بأن الحرية هي افضل علاج للعبودية والإنسانية للإنسانية،  ولذ نجد الإنسان في صراع دائم لبلوغ هذه الأهداف.

و الكاتب كارديلي عرف بنشاطه السياسي  داخل الحركة العمالية ودخل السجن عدة مرات بسبب مواقفه الساسية،عاش حياته كلها باسم مستعار  بسبب ملاحقة الشرطة له، عندما كان أحد منظمي حركة للتحرر الوطني إلى جوار تيتو، ضد قوى الإحتلال الفاشية، وكان عضوا في  هيئة أركان الحرب العليا لجيش التحرير الوطني واشرف على تنظيم الإنتفاضة الشعبية في سلوفينيا وكرواتيا، كما انتخب نائب رئيس اللجنة القومية لتحرير يوغسلافيا (الحكومة المؤقتة) وكان من بين الذين أرسوا أسس يوغوسلافيا الجديدة، وإلى جاني نشاطه العسكري اهتم كارديلي ببحوثه في حقوق الإنسان لاسيما الطبقة العمالية، مع تحليله للديمقراطية الشعبية بوصفها شكلا من أشكال الدكمتاتورية البروليتاريا، ليشير في ابحاثه إلى تطور الديمقراطية الإشتراكية وتدعيمها، كانت له مشاركات عديدة في وضع الدستور الجديد ليوغسلافيا، في كتاباته يؤيد كارديلي غقامة تعاون أوسع وأكثر ديمقراطية فيما بين الأمم على قدم المساواة، كما يؤيد تقدم كل الأمم والبلاد بصرف النظر عن أنظمتها السياسية والإجتماعية والحكومية وذلك من اجل غحلال السلام والتعايش السلمي بين الشعوب.

الراسماليون حاولوا إغراء الإنسان على نبذ كل ماهو إنساني

فمن خلال النظرية الكارديلية يلاحظ أن الفكر الإشتراكي حدد شرطين أساسيين لإستمرار الحياة الإنسانية وهي الجوع والمرض،  وكيف يمكن مواجهتهما من أجل إنقاذ البشرية وتحقيق التقدم الصحيح باعتبار أن هذين الشرطين من الضروريات ومن ثم تحرير المجتمع والإنسان من كل ما هو غير إنساني، عكس الرأسمالية التي جعلت الربح هو رأس مال الإنسان مهما كانت الطريقة والوسيلة، وبالتالي يمكن القول ان الفكر الرأسمالي قضى على الوجود الإنساني، لأنه يرى الإنسان كأداة، وقد أفقدته المادة الإتصال بكل ماهو إنساني، لدرجة أن الراسماليون حاولوا إغراء الإنسان على نبذ كل ماهو إنساني، اي جعل الإنسان على صورة ليست صورته بعدما تحول إلى عبد للمادة وداس على كل المقدسات، الأسوأ من ذلك كله هو أن بعض الرأسماليين أو عُبَّادُ المادّة كما يمكن وصفهم جعلوا انفسهم وُعَّاظًا لكن في حقيقة الأمر فإن مواقفهم تتناقض مع الأخلاق والإنسانية تناقضا تاما مع دورهم الفعلي في التطور الإجتماعي، فقد خلق الرأسماليون ظروفا اجتماعية، اقتصادية وسياسية تولدت معها البيروقراطية وتولد الأخطار التي تمثلها البيروقراطية.

حاول كارديلي أن يشرح في كتابه صور النضال ضد البيروقراطية وكيف يكون الإنسان صانع قرارات، كما وضع كارديلي تصورا جديدا للديمقراطية الإشتراكية، وكان يرى أن تحقيق الوجود الإنساني يجب أن يتبعه نضال ضد الإستعمار الإقتصادي، والملاحظ من خلال كتاباته أن كارديلي اعتمد في بحوثه على الأسلوب النقدي لواقع المجتمع في الدول المتخلفة فكان نقده، نقدا للنقد نفسه،  للرد على النقاد الذين أولوا اهتماهم بـ: "الإنتلجنسيا" ويرون أن هذه الأخيرة (أي الإنتلجنسيا) هي الدفاع عن البيروقراطية، وقالوا إنها الضمير النقدي للمجتمع أو بعبارة أخرى، صانعة الأهداف الإجتماعية العليا، وأن الصراع ضد الحكم الذاتي الإجتماعي هو من أجل اغتراب الإنسان، إذ يقول: إن البيروقراطية والتشويهات السياسية المعادية للديمقراطية هي بالتحديد نتاج  لهذا الإغتراب، ويكون ذلك تحت ضغط البراغماتية الضيقة الأفق، ويبدو أن كارديلي من أكثر المدافعين على أفكار ماركس، عندما قال أن ماركس غايته أن يفتح آفاقا جديدة للبحث أو التطبيق العملي للعلم، وأن الماركسية تكمن في نقد المجتمع الرأسمالي وإيديولوجيته، واكتشاف سلسلة من القوانين الإجتماعية التي تسمح للإنسان أن يمارس وعيه، مستندا على مُسَلَّمَتِهِ الشهيرة القائلة بأن الفلاسفة لم يقدموا حتى الآن سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد أن الأمر الهام هو تغييره، وهذا يعني أنه ينبغي نقد كل ماهو قائم بصرف النظر عن الموقع الذي ينطلق منه النقد.

الصراع بين المثقف والسلطة هو صراع رأي

 الهدف من هذا النقد، هو أن يتحمل المرء نصيبه من المسؤولية عن الآخرين، إذ لا يمكن التهرب من المسؤولية إلا إذا رفض الإنسان تحملها، يوضح كارديلي أن الذين يفضلون السلبية ويظلون سلبيين خوفا من ارتكاب خطأ  ما، هم أطكصثر خطأ ممن يعملون ويرتكبون أخطاء، لأن الممارسة الإجتماعية تظهر الأخطاء وتعلم كل إنسان كيف يصححها، فليس هناك ما هو أكثر أخلاقية من أن يتحمل الإنسان المسؤولية بشجاعة، كما ليس هناك ما هو أكثر معاداة للأخلاق من أن يتنصل المرء من المسؤولية بالإنسحاب، وجب هنا التفرقة بين النقد الهدام الذي لا يعرف المهادنة والنقد الخلاق الذي يجمع الشمل ويضيق شقة الخلاف، ويدعم الظروف الملائمة لنجاح التعايش السلمي، كما أن اللغة بين النقدين مختلفة تماما، أي أن هناك دائما أندادا بينهما صراع رأي (المثقف والسلطة)، فمن وجهة نظر كارديلي فإن الإنسان لا يستطيع أن يغير العالم وأن يغير نفسه وفقا لصورة مقدسة  مرسومة ومستقرة في داخله، بل يستطيع فعل ذلك عن طريق تغيير الأشياء من حوله، وبذلك يُعَبِّدُ الطريق أمام علاقات بشرية مختلفة لأن ما تخلقه يد الإنسان لا يمكن أن يكون كاملا أو مثاليا، وهكذا بالمثل لا يمكن أن تكون الحرية  أو الإنسانية كاملة.

و بالعودة إلى فكرة الإنتلجنسيا، فإن أيّ مجتمع ما  يبحث بوعي  عن وسائل وطرق التقدم والرقي الحضاري لا ينبغي عليه أن يبخس دور المثقفين بل ينبغي عليهم جعمهم  كمًّا وكيفًا باعتبارهم قسم من المجتمع مهما كان نوع النظام الذي يعيشون فيه، أكان نظاما اشتراكيا أو رأسماليا، فعكس المثقف الذي يعيش في نظام  اشتراكي، نظام يتسم بالحرية والديمقراطية  والعدالة، فالمثقف في النظام  الرأسمالي  يكون مسلوب الإرادة والحرية في التفكير والإبداع وإبداء الرأي واتخاذ القرار، فهو تحت الضغوط يبيع جهده وقوة عمله الفكرية  المتخصصة  للسلطة، فتتوهم أنها القوة الإجتماعية القائدة ولها دور قيادي، حيث تمارس الإحتكار السياسي والإداري في كل مجالاته، وبدلا من أن يكون المثقف صاحب الدور القيادي في المجتمع بوصفه الضمير النقدي للمجتمع، نجده إمّا ملاحق ومتابع قضائيا بسبب مواقفه وإمّا أن تضعه ين خيارين : أي أن يكون منزويا في مكتبه يتأمل ما يحدث من بعيد وليس له حق المشاركة أو إبداء الراي وصنع القرار أو أن يكون اقرب إلى الصعلكة اي تخلق مهه مثقفا صعلوكا، ببيع نفسه من أجل المنصب والمال، وتنظع عنه الصورة المثالية للمثقف المتوحد والمناهض لكل ضروب الطاعة والامتثال لغير مرغوب فيه.

فالسلطة ترى أن رسالة المثقف هي التعليم والنشاط الثقافي، ماعدا ذلك لا يحق له أن يقحم نفسه في المجالات الأخرى وبخاصة الجانب السياسي، وتتجاهل ان دورهم هو ان يكونوا احد العوامل الخلاقة التي ترفع وعي الشعب ليدرك اين تكمن مصالحه الإجتماعية التاريخية والسياسية ايضا وتساعده على تطتشاف طرق ووسائل تحقيق هذه المصالح، ولإبعادهم تعمل السلطة على أن  تبخسهم دورهم وتمنعهم من  تقدم الصفوف، وقد رفعت شعار: الثقافة للمشتغلين بالثقافة"، وهذا يعتبر انعكاس لمستوى التطور الذي وصل اليه الوعي الإجتماعي وللمستوى الثقافي للمجتمع، لأنها لا ترى في المثقفين كصفوة، بل كجماعة أو جمهور متجمع في جماعات، كما تسعى أن تستبدل الصفوة الحقيقية من المفكرين والمبدعين وأصحاب الرأي أو رجل الإجماع بصفوة بيروقراطية لها وهي بالتالي تسعى لنفي الدور الإجتماعي التاريخي والسياسي والقيادي لمصالح الإنسان والنخبة المثقفة، لأنها تريد أن تشكل حكومة بيروقراطية.

 

قراءة علجية عيش

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن النظرة الصوفية كما جسدها الدكتور كمال جعفر في كتابه " التصوف طريقا وتجربة ومذهبا"، وهنا نركز علي موقفه من التصوف والحضارة، وفي هذا يقول الدكتور جعفر:" يري بعض الباحثين أن ذيوع التصوف يتبع مباشرة تدهور الحضارات المتطورة في آخر مراحلها. ويري أنه في مثل هذه الأوقات – كما كان في الهند القديمة، وفي العالم الروماني والإغريقي، وفي القرون الوسطي في ألمانيا، وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر في فرنسا – في مثل هذه الأوقات تخبو الرغبة الصحيحة في الحياة لدي بعض الموهوبين ذوي العقول النبيلة والمشاعر المرهفة، وينقطع الرجاء في حياة مستقبلة ممتعة، وتنهدم القيم الملوسة والأهداف والأعباء التي تفرضها الحياة (1).

والذي يفهم من هذا الرأي ببساطة كما يري الكاتب هو أن نضج التصوف وتطوره يصاحب دائماً تدهور الحضارة، أي أنه لا يمكن أن تكون هناك حضارة متقدمة وزاهية يصاحبها تصوف ناضج مكتمل.. وقد يضيف مثل هذا الباحث إلي ذلك تعليلاً عقلياً يحسبه مرضياً، وهو أن الرجل التقي الورع بما أنه غير راض عن العالم وعظمته وبهجته، يشعر بأنه غريب علي هذه الأرض، وبأنه مشدود إلي بدنه، الذي يعتبره سجناً وقبراً، ومن ثم تهفو هذه النفس السجينة إلي التخلص والحرية، لتحلق في الآفاق السماوية التي منها أتت. ويري هذا التقي أن الوسيلة إلي ذلك هذه النفس من شباك هذا العالم الخارجي والانطلاق أو الانسحاب داخليا إلي باطن أعماق النفس (2).

ويلاحظ الكاتب أن الباحث يناقض نفسه في مواضع كثيرة من كتبه؛ لأنه يري في مكان آخر أن حركة التصوف ليست إلا ثمرة لرد فعل مضاد لحركة التقدم الحضاري والانغماس في ملذات الحياة وترفها؛ أي أن حركة التصوف قد تصاحب الحضارة والانغماس في ملذات الحياة وترفها؛ أي أن حركة التصوف قد تصاحب الحضارة في عنفوان شبابها. ويرجع هذا التناقض فيما تعتقد إلي غموض مفهوم كلمة الحضارة في هذا المضمار. فمقاييسنا المثالية لا يمكن أن تعد تهافت الإنسان علي إشباع نزواته وشهواته الميسرة في مجتمع ما، مقياسا صحيحا للتقدم الحضاري لهذا المجتمع؛ وإن تحدت شواهد العمران والتقدم املادي عيوننا، لأننا نري الحضارة بمعناها الكامل كلا لا يتجزأ، فيه تنعكس عقلية الإنسان وقلبه وإرادته؛ أي أن أهم الوظائف الرئيسية للإنسان تكون ممثلة فيه أروع تمثيل فكر، وشوعر، وإرادة مترجمة إلي واقع يفرض نفسه علي الحياة. ولا بد لكي تنال الحضارة تقدير التاريخ أن تتوازن هذه القوي الثلاثة في التمثيل فلا تطغي واحدة منها علي الأخرى، فالأمة التي يسمو فكرها ويتأجج شعورها دون أن تكون هناك إرادة وعزيمة لتغيير الحياة فيها، وهي أمة حالمة تقتات المني وترضع الأوهام، والأمة التي تندفع بشعور لا يرشده ولا ينيره فكر، وهي أمة تتخبط في الظلمات سرعان ما تهوي (3).

وإذا عرفنا ذلك فلنا كما يقول الكاتب أن نسأل هذا السؤال: ماذا يقصد هذا الباحث بلفظ الحضارة؟.. وماذا يقصد بانحطاط هذه الحضارة؟

إن وصفه للساخطين علي هذه الحضارة كما يري الكاتب بأنهم ذوو عقول نبيلة، وبأنهم ذوو عقول نبيلة، وبأنهم موهوبون أتقياء، قد يفهم منه السبب في هذا السخط، وهو انحطاط المستوي الأخلاقي أو الروحي في الأمة التي يعيشون فيها، وتلك وظيفة سامية يجب علي الموهوبين القيام بها – أما الجانب السلبي الذي نلحظه في بعض هؤلاء الموهوبين فإن بعضه يرجع إلي غلبة ظاهرة الانحطاط الذي يستعصي مقاومته ومن قم يتمسك هؤلاء بإصلاح أنفسهم ومن يستطيعون التأثير فيه. وهذا قصاري ما يطمع فيه مصلح يري استحالة بث تعاليمه أو نشر فكر علي صعيد المجتمع ككل. وقد يكون هذا الاتجاه الانطوائي لفترة استرجاع واستعراض وتهيئة واستعداد يعقبها العودة إلي المجتمع بعد تسليح هذا الفرد بأسلحته الروحية التي أكسبه إياها تأمله وتدريبه. ولا يمكن إنكار أن الاتجاه الصوفي إن هو إلا استعداد وموهبة فردية قد تعطي لإنسان غارق في أحضان الترف أو البذخ بل الملك والأبهة. ويحوي التاريخ قصصاً لأفراد تركوا ملكهم وانسلخوا من ثرواتهم ليعشوا عيشة الشظف والتقشف. وقد أدخلهم التاريخ وأضفي عيليهم من الخلود ما لم يكونوا يحلمون به لو أنهم احتفظوا بثرواتهم وعروشهم (4).

علي أننا الكاتب – فيما يمس حضارتنا الإسلامية التي بلغت أوجهها في القرنين – الثالث والرابع الهجري – التاسع والعاشر الميلاديين) – أن نضج التصوف وتطوره وبلوغه مرحلة تدنو إلي الكمال يمكن ملاحظته من خلال هذه الفترة أيضا. إن الحضارة الإسلامية سارت في تطورها جنباً إلي جنب مع تطور التصوف ونضجه. كما أن خطوات التدرج التي خطتها العلوم حتي دونت واكتملت تجد نظيرها في مجال التصوف. وقد أثر لبعض أعلام التصوف مواقف حازمة وحاسمة فيما يتصل بالسلطان ونصحه ولومه وتقريعه لانحرافه. وفي أشد الأزمات الاجتماعية والروحية كان الصوفية الخلص – كغيرهم من صادقي العباد والفقهاء – الراحة الخضراء والساحة الرحبة التي يلقي فيها الشعب بهمومه وينفس فيها عن آلامه ويعبر عن آماله (5).

ويستطرد الكاتب فيقول:" ولا يصرفنا اندساس بعض الناس الذين وسمهم التاريخ بأنهم متصوفة في صفوف هؤلاء الصفوة، فكل طائفة عوارها وبلاؤها. ولم يبتل الصوفية في طوال التاريخ وعرضه بآلم ولا أشد من أنفسهم مع بعضهم البعض، ومن الانحراف في الأهداف والوسائل لدي كل من محبيهم وخصومهم. ومما لا شك فيه أنهم أثاروا حركة نقد واسعة، حدث كثيرا إلي تصحيح بعض الأوضاع، ويحتفظ لنا التاريخ بنماذج طيبة لهذا النقد " (6).

ويوجد تراث فكري كما يري الكاتب رائع أنتجه التصوف في مثل البوذية وتصوف القرون الوسطي وأعلام التصوف الإسلامي، كما أن بعض الفنون استمدت وعيها من التصوف، إلي جانب ذلك فإن الصوفية قد أنتجوا في عالم الأدب والشعر إنتاجا غزيزا جدير بالإعجاب، متحليا بقيمة جمالية مدهشة (7).

إن الشعر الصوفي الإسلامي في إيران ومصر كما يري الكاتب ينتزع إعجاب الناقد، ولا يقبل عن ذلك الشعر الديني للبوذيين، ولقد خاض الصوفية وشاركوا في كثير من معارف مجتمعهم، وبرهنوا علي رحابة الأفق في تبنيهم لكثير من الأنماط المتباينة، وإن عدد الصوفية الذين يمكن اعتبارهم بين أعاظم الفلاسفة ليس قليلا جدا إلي حد يجوز لنا القول بأن التصوف مجدب أو عدو للحضارة (8).

إن التحليلات النفسية الدقيقة والملاحظات الواعية كما يري الكاتب لنوازع ورغبات النفس وطريقة سلوكها المتنوعة وتشابك أوجه نشاطها قد ظفرت من صوفية الإسلام والصوفية الهنود والمسيحيين بعناية فائقة، ونتائجهم التي وصوا إليها تستحق الإعجاب، حيث تتنبأ بنظريات وحلول نحن ما زلنا الآن في سبيل اكتشافها أو البرهنة عليها وفحصها وتحليلها. وربما كان أقرب عالم نفس تتشابه آراؤه مع بعض الآراء الإسلامية لبعض الصوفية هو عالم النفس الشهير " يونج" خصوصا فيما يتصل بما يسميه " اللاشعور الكلي " الذي أطلق عليه الصوفية " جمهور القلب" أو سويدائه وكليته." ويسجل التاريخ لبعض الصوفية المسلمين مواقف لا تنقصها الشجاعة إزاء نصح الحاكم ورده عن ظلمه في عزة مدهشة قل أن توجد في مثل هذا العصر. وكان اتصال أغلب الصوفية بالقاعدة الشعبية أوثق منه بالقمة، فكانوا أعرف الناس بآلام وآمال الناس وأدي بعضهم دوره الاشتراكي الإنساني في مجال المواساة والإسعاف والإنصاف والإرشاد، ولم يقبع ويجحم إلا المتصوف ذو المزاج المريض. أما عدم اشتراكهم في المجال السياسي الرسمي – وهذا فيما يخص المسلمين – فيجيب التاريخ عنه إجابة، حيث كان الفساد فرشاً ووطاء للحكم في هذا العهد الذي التمس فيه كل إنسان التقرب من السلطان، طمعا فيما بين يديه، أو اتقاء لشره (9).

ولم ينج " أبو بكر الشبلي " كما يري الكاتب من نقد الصوفية المر لتقبله منصبا حكوميا،ولا هروبا من أداء مسؤولية، ولكن هروبا من القسر علي تنفيذ أوامر يحدوها الظلم والعدوان والتجبر. وقد جلس عبد الله بن مشرف – وزير هارون الرشيد – يوما بين يديه وقال له: يا أمير المؤمنين، لو استغاث بك رجل في رد عبد هرب إليك، أما كنت ترده إليه ؟ قال بلي؛ قال: فأنا عبد قد فررت من خدمة سيدي، فاتركني له، فقد أردت الرجوع إليه، فبكي الرشيد ومن حضره، وقد هذا رجل قد نجا من بيتنا ونحن جلوس ننظر إليه، ثم خلي سبيله فخرج من وقته محرماً "، وقصة سهل بن عبد الله التستري مع الحاكم ابن الصفار جد مشهورة (10).

ويستطرد الكاتب قائلا: لقد أصال هذا الحاكم داء واستدعي سهل لمعالجته،فرفض حتي يرد كل مظلمة، ولما عالجه عرض عليه الحاكم مالا وثيابا، فردهما ولم يقبلهما، علي أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان أن صراعا حدث فعلا بين وجهتي نظر عرضهما الصوفية بكل أمانة. وتشكل وجهتا النظر هذه عن السؤال: أيهما خير ؟ أن تتقلد منصبا تحسن أداءه – سواء كان ذلك وعظا أو حجابة، أو كتابة، أو ولاية، أو قيادة، أم تربأ بنفسك عن أن تكون أداة ظلم وأضحية شهوة؟

أخذ الصراع بين وجهتي النظر هاتين يشتد ولكل وجهة وجاهتها كما يري الكاتب، وإذا كان من الصحيح أن أغلب الصوفية كان في صف وجهة التنحي عن مثل هذه المناصب في حين قبلها بعض الفقهاء الذين لم يسلموا من نقد الصوفية أنه موجه للطريقة والظروف التي يعمل في ضوئها من قبل هذا المنصب. إذ نسمع أحدهم مثلا يقول لفقيه: تسع الناس يغتابون فلانا لدي السلطان، فتكست وتنكص عن أداء رسالتك، فهل وعظته وأمرت المغتاب بالكف عن أداء رسالتك، فهلا وعظته وأمرت المغتاب بالكف؟ تأكل دينك بدنياك؟ ولكنك خشيت غضب الحاكم ولم تخش غضب الله (11).

علي أن بعض الفقهاء المتورعين كما يذكر الكاتب ربما شاركوا في الاتجاه إلي رفض مثل هذه المناصب؛ فلكي حكي أن أبا حنيفة، وسفيان الثوري، وشريكا دخلوا علي أبي جعفر المنصور، فأردا أبو جعفر أن يولي سفيان الصرة، وأن يولي شريكا الكوفة، وان يولي أبا حنيفة بغداد. أما شريك فتسلم ما وليه، وأما سفيان فهرب من وجه الحاكم، وأما أبو حنيفة فتمسك بالرفض حتي لتذكر بعض الروايات أنه جلد في نفسه حتي مات (12).

وفي ختام هذه القراءة يمكننا القول بأن هذا الكتاب غنيّ بالأفكار والتفصيلات والتوضيحات حول شتى جوانب مسألة التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، وتكمن أهمية الكتاب في تناوله لمسألة “التصوف النقي الخالص” من الجوانب الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والنفسية، والمؤلف لا يكتفي بالطرح والمناقشة النظرية لهذه المسألة، وإنما يسقطها على الواقع، ويتبيّن ذلك من خلال إيراده للعديد من الأحداث والوقائع والمجريات القديمة والمعاصرة، وهناك سلبية نذكرها: وهي عدم تطرّق المؤلف إلى “التصوف في الخطاب الفكري العربي المعاصر” ذلك أنه بالرغم من عدم وجود مؤلفات كثيرة في هذا الصدد ولكن توجد كتابات معاصرة تتناول التصوف وتجربته النقية عبر دراسات وأبحاث منشورة في الصحف والدوريات العربية.

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به الدكتور محمد كمال جعفر من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب. ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية من انجليزية، وفرنسية، وألمانية وغيرهم. وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها الدكتور محمد كمال جعفر، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر. ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الفلسفية اليونانية واللاتينية.

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور محمد كمال جعفر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- محمد كمال جعفر: التصوف طريقا وتجربة ومذهبا، دار الكتب الجامعية، القاهرة، 1970، ص 29.

2- نفس المصدر، ص 30.

3- نفس المصدر، ص30

4- نفس المصدر، ص31.

5- نفس المصدر، ص31.

6- نفس المصدر، ص32.

7- نفس المصدر، ص 32.

8- نفس المصدر، ص32.

9- نفس المصدر، ص33.

10- نفس المصدر، ص33.

11- نفس المصدر، ص34.

12- نفس المصدر، ص 35.

 

عامر هشام الصفارأصدر مؤخرا الزميل الدكتور الطبيب المتخصص سند البلاغي كتابه الجديد والمعنون ب " مدوناتي اليومية في متابعة التطورات العلمية في جائحة الكوفيد19"، حيث جاء الكتاب بما يزيد على 700 صفحة، وفيه نصوص مما نشره البلاغي من مقالات طبية بخصوص فايروس الكورونا أو الكوفيد19 بعد أن أعلن في آذار 2020 عن كونه وباءا عالميا.  ومن المهم أن يكتب أهل الأختصاص عن الأمراض بأعراضها وعلاماتها وأسبابها وعلاجاتها، خاصة اذا ما كان هذا المرض وباءا وفيه من الجدة ما فيه، مما جعل علماء العالم وسياسييه يعقدون الندوات والمؤتمرات الصحفية اليومية، ومنذ بداية عام 2020 للتوضيح وزيادة معرفة الناس بالوباء وبالفايروس المسبب، وبما يمكن أن يُتخذ من أجراءات للحد من أنتشار المرض. والدكتور سند البلاغي بعد ذلك طبيب متخصص بعلم المناعة السريرية، وأستاذ علم المناعة السريري في كلية الطب بجامعة بغداد، وهو الذي أختص بشهادة البورد السويدي في علم المناعة السريري، وعمل في مستشفيات السويد بأختصاصه.. فكان لابد من أن يكتب في يومياته على صفحته النشطة على صفحات الفيس بوك ما كتب بخصوص الكوفيد19، فجاء الكتاب بجزء أول ليشمل ما كتب المؤلف وعلى مدى عام كامل وأبتداءا من شهر آذار 2020.

يقول الدكتور البلاغي في مقدمة كتابه المهم: لقد أستمرت متابعتي اليومية وعلى مدار الساعة للأحداث والتطورات الخاصة بالوباء، وذلك من خلال المتابعة لما تنشره الدوريات العلمية الطبية العالمية، ومواقع الدوائر الصحية العالمية مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية، فضلا عما تنشره الصحف العالمية. ويضيف: أن مدوناتي المنشورة في الكتاب أنما تستهدف في الأساس أيصال المعلومات العلمية الصحيحة والدقيقة، ومن مصادرها الرصينة، وفي أسرع ما يمكن وبلغة عربية سهلة وبسيطة، الى أهلنا في بلدنا الحبيب، مساهمة مني في نشر الثقافة الصحية في مواجهة جائحة الكوفيد19، وما نتج عنها من أوضاع غير طبيعية تتطلب المعرفة العلمية الصحيحة للوقاية من العدوى والحد من أنتشارها.

وقد جاء الكتاب المدونة بتصميم غلاف جميل معبّر، وبفهرست للمواضيع التي تناولها المؤلف تفصيلا، في كتاب حمل رقم الأرشفة الدولية للكتب. ومن موضوعات الكتاب:

مناعة القطيع أو المناعة المجتمعية، ما هي سلالات فيروس الكورونا المستجد؟، لقاحات الكوفيد19 : ثلاثة دخلت مرحلة التجارب السريرية، جواز السفر المناعي هل هو فكرة جيدة؟، جائحة كوفيد19 في السويد: آراء ومواقف شخصيات علمية بارزة، الأختبارات المبكرة والمكثفة لفيروس كورونا تنقذ الأرواح. المناعة في كوفيد19، هل يمكن الأصابة بعدوى فايروس كورونا المستجد مرة ثانية؟، أقنعة الوجه أداة أكثر فائدة مما كنا نظن في البداية لحمايتنا من كوفيد 19، منظمة الصحة العالمية تحث على العدالة في توزيع اللقاح وتحذر من "فشل أخلاقي كارثي". هذا أضافة الى مواضيع مهمة أخرى..

ولعل القاريء الكريم وهو يستزيد علما عن الوباء وفايروس الكوفيد19 أو الكورونا المستجد أنما سيشعر بالغبطة لمرتين؛ مرة لأنه حصل من العلم الكثير، ومرة ثانية لأنه أرتحل عبر صفحات كتاب البلاغي في رحلة زمن صعب على البشرية شخّصت فيه مختبرات العالم وجود وباء حصد ما يزيد على الثلاثة ملايين من البشر، وأصاب ما يزيد على 154 مليونا منهم وحتى نيسان 2021.. وعليه فالمدونة البلاغية هذه أنما هي كتاب علم، وكتاب رصد تاريخي لتطورات العلوم الطبية بأختصاصاتها ومجالاتها المختلفة، مما نحتاجه ونبحث عنه.. وقد أشار المؤلف الى مصادره فأحسن، كما أشار الى أسماء الزملاء ممن تفاعلوا معه في مدونته، وهي تواصل عطاءها في زمن وباء لابد من أن يسيطر عليه العلم، كما سيطر على غيره من أوبئة في تاريخ الأنسان. 

 

 د. عامر هشام الصفّار

 

نبيل عودةللباحث عمر أمين مصالحة

الكتاب الأول: "اليهودية – ديانة توحيدية أم شعب مختار"

قدم للكتاب البروفسور يوسف غينات واصفاً الكتابة عن الديانة اليهودية من قبل باحث عربي "كخطوة جريئة ويمتدح عدم تحيز الكاتب وأسلوب البحث العلمي للكتاب.

يقول غينات بحق ان المكتبة العربية تفتقد لكتاب يصف مبادئ الديانة اليهودية بشكل علمي.

الكاتب عمر مصالحة، أعد الدكتوراه في موضوع "الصحافة الفلسطينية في العهد العثماني" في جامعة سانت بطرسبرغ (لينينغراد سابقا) وبنفس الوقت أعد رسالة الماجستير في التربية الاجتماعية في جامعة بار ايلان في تل ابيب. وهو من مواليد1956، من قرية دبورية الواقعة على الطريق إلى جبل الطور المشهور في الديانة المسيحية (جبل الطور أو طابور هو الجبل الأعلى في القسم الجنوبي للجليل الأسفل في فلسطين يقع شمال مرج ابن عامر. يبلغ ارتفاعه حوالي 588 متر فوق سطح البحر وحسب الإنجيل هو موقع تجلي السيد المسيح لتلاميذه)، د. عمر مصالحة مترجم وباحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية ومتخصص أيضا في الديانة اليهودية. له العديد من الأبحاث المنشورة في الصحافة العربية والعبرية، إلى جانب ترجمة العديد من الكتب الدراسية وقصص الأطفال ويعمل مدرسا في ثانوية "عمال" في الناصرة.

أنهى تعليمه الإعدادي والثانوي في مدرسة عبرية -يهودية... الأمر الذي وضعه بمواجهة الديانة اليهودية والتعرف على تعاليمها، حيث درس التوراة والتلمود والكتب الدينية المختلفة.

بحق يمكن اعتبار هذا الكتاب موسوعة – أو بيلوغرافيا شاملة عن الديانة اليهودية، أصولها، خصوصيتها، معتقداتها ومواقفها من سائر القضايا المتعلقة بنظرتها الدينية، مثلا حول من هو اليهودي، أساليب تعاملها مع الاغيار (أي غير اليهود حسب تعبير الدين اليهودي) وموضوع الطعام الشرعي (الكشير).

يستعرض الكتاب بشكل شامل نشؤ المدارس والاتجاهات اليهودية المختلفة ، وتفسيرات للعديد من الظواهر في الدين اليهودي ، لم يبق اي موضوع يتعلق بالدين اليهودي واتجاهاته إلا شرحه بوضوح وحيادية علمية، بدون ان يطرح الكاتب آرائه الخاصة، هناك شرح عن اليهودية الارثوذكسية ومدارسها ونشوئها، تيار الحريديم اليهود السود المتعصبين – تعبير سود من لباسهم الأسود من البرنيطة حتى الحذاء- والصراع بين الجديد والقديم، بين التطور والانغلاق، نشؤ الأحزاب الدينية، نشوء التيارات "الحسيدية" وهي تيار روحي اجتماعي يهودي نشأ في أواسط القرن ال – 18 في أوروبا، يعرف بتعصبه وانغلاقه الديني ولها مدارسها المختلفة، يطرح أيضا مكانة المرأة في الدين اليهودي ولدى مختلف التيارات، بالطبع لا ينسى ان يعطينا شرحاً لنشؤ التيارات الحديثة- التيارات الإصلاحية .

2430 التلمودهذا الكتاب يجيء في وقت تحتاج فيه المكتبة العربية إلى تعميق معرفتها بالدين اليهودي، لفهم طابع وخلفية هذا الدين. د. عمر فعل حسناً، بأن ترك الحقيقة المجردة للقارئ، لم يتدخل ليلقن القارئ كما نلاحظ في مؤلفات مختلفة أقحمت النزاعات السياسية أو الاختلافات الدينية في مواقفها من الديانة اليهودية خاصة ومن اليهود عامة. هذا الكتاب يعد مرجعاً ممتازاً لمن يريد حقاً ان يتعرف على المجتمع اليهودي في إسرائيل أيضا بكل مركباته وتناقضاته غير القابلة للتحسير احيانا، كذلك تركيبته الفكرية وصراعاته العقائدية داخل المدارس الدينية وداخل التيارات السياسية – الدينية والمراحل التاريخية التي قطعتها هذه التيارات.

ليس سرا ان بعض "الساحات" الدينية ("حاتسروت" بالعبرية وهي تتبع لحاخام معين أشبه بالنبي في سطوته وسيطرته على جماعته بكل ما يخص حياتهم ومواقفهم وتفكيرهم وتصرفاتهم) لها موقف عدائي من الدولة نفسها والمثال على ذلك مجموعة " ناطوري كارتا"، احد قادتهم الدينيين كان مقربا من الرئيس الفلسطيني المرحوم ياسر عرفات، وشاركوا مثلا في مؤتمر طهران قبل عدة سنوات حول المحرقة اليهودية، لكن تأثير هذا التيار في إسرائيل هامشي جدا .

الكتاب يشد بوفرة المعلومات التي يضعها الكاتب أمام القارئ العربي، وبما يميز الكتاب من أسلوب مبسط في الطرح بحيث لا يبق اي موضوع يتعلق بالعقيدة الدينية اليهودية وتشعباتها وانقساماتها عبر التاريخ دون توضيح وشرح ... انه حقاً كتاب هام، تفتقد له المكتبة العربية، خاصة بموضوعيته، وهو مرجع لا بد منه لفهم القاعدة الايمانية، الخلفية الفكرية التي تشكل اليوم ما يعرف بالدين اليهودي ، بل وأكثر من ذلك دور التيارات الدينية في المجتمع الإسرائيلي وفي السياسة الإسرائيلية .

الكتاب الثاني: التلمود -المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية

بعد كتابة الأول عن "اليهودية-ديانة توحيدية ام شعب مختار" الذي صدر قبل سنة، يعود الباحث د. عمر أمين مصالحة إلى اليهودية من زاوية أُخرى ليكمل الصورة أمام القارئ العربي، بتناول خبايا الديانة اليهودية وأصول التشريعات الاجتماعية الحياتية في الديانة اليهودية المعروفة باسم "التلمود"، في بحث جديد شامل يحمل اسم "التلمود-المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية".

ما يميز أبحاث د. عمر مصالحة موضوعيته العلمية، اعتماده على المصادر الأصلية لمواضيع بحثه، هذا ما جعل كتابه الأول من أفضل الدراسات عن اليهودية التي كتبت باللغة العربية، تميز اسلوبه بالمصداقية والدقة العلمية دون التدخل والتعليق واستنتاج مواقف شخصية، بذلك اثبت نفسه كباحث ثقة يمكن الاعتماد عليه في فهم اليهودية.

يطل علينا اليوم بكتاب هام جدا لقراء العربية، حول التلمود كمرجعية للتشريعات. يبدو ان هذا البحث غير مسبوق في اللغة العربية، بموضوعه من حيث الإلمام والشمولية وبموضوعيته غير القابلة للتهاون بنفس الوقت.

يشرح عمر مصالحة ان التلمود، يتشكل من عنصرين: الأول هو الجانب التشريعي والقانوني (هلاخي) الذي يذكرنا بأحكام الفرائض والتشريعات الواردة في أسفار الخروج والاويين والتثنية، الثاني: العنصر القصصي الأسطوري (أجادي) بما يشمله من أقوال مأثورة وأخبار وخرافات وخيال إلى جانب السحر والتراث الشعبي.

في الفصل الأول يمهد الباحث عمر مصالحة لبحثه باستعراض نشوء أصول التشريعات اليهودية بدءا من الموقف في جبل سيناء، حين تسلم النبي موسى، الوصايا العشر من الله، حسب القصة التوراتية (وبالمناسبة هي قصة/ اسطورة نفاها العديد من الباحثين اليهود) ثم دخول اليهود ارض فلسطين وبدء مرحلة القضاة (هشوفطيم) في التاريخ اليهودي، وصولا إلى إقامة مملكتي إسرائيل-المملكة الشمالية والتي سميت "مملكة إسرائيل" والمملكة الجنوبية والتي سميت "مملكة يهودا". يستعرض الكتاب أسماء ملوك مملكة يهودا، وصولا إلى هدم الهيكل وإعادة بنائه وهدمه من جديد، والأحداث التاريخية التي عصفت بالمملكتين منذ ذلك التاريخ، مثل الاحتلالات المختلفة... وتشتت اليهود - سبيهم!!

يطرح الباحث أجزاء "المشناه" وهي كلمة عبرية معناها بالعربية يُثنٌّي أو يكرر، ثم أصبحت الكلمة تشير بشكل محدد إلى دراسة الشريعة الشفوية التي تشمل مواضيع واسعة للغاية، الكتاب يستعرض أسماء مؤلفي المشناه والتلمود حيث بدأها الحاخام هليل الأول في بابل. ويستعرض الباحث ما اشتملت عليه المشناه وهي ستة بنود:

1- الزراعة وقوانينها - ويشمل الري والحرث والحصاد، الموضوع الزراعي في المشناه يكاد يكون برنامجا زراعيا كاملا، بالطبع له جانبه الديني، حيث يرتبط بالعبادة اليومية والتبريكات .

2- العبادات والمواعيد - عن تبجيل السبت والعبادة فيه ومواعيد الصيام والأعياد والاحتفالات والتقويم العبري.

3- النساء - ويشمل قوانين الزواج والطلاق والجنس بين الزوجين.

4- الجنوح والجنايات - ويشمل التشريعات المدنية ومسلكيات التصرف اليومي، أنواع العقاب ونظم التجارة والسياسة .

5- المقدسات - مخصص لأعمال الضحايا (القرابين) مهام رجال الدين وواجباتهم.

6- الطهارة - ويشمل أمور التطهر من النجاسة، يتحدث هذا البند عن الصلة بين بني البشر والإنسان اليهودي والكائنات الأخرى وما يجوز أكله من الحيوان.

يبين الباحث الخلافات والتناقضات في التشريعات اليهودية، مع ذلك تحولت هذه التناقضات إلى شرائع مقدسة لدى المجتمعات اليهودية. ثم يعالج أقسام المشناه الستة وتسمى "سدريم" (هي التوراة الشفوية والقصد النقاط الستة التي ذكرناها سابقا) وأسفار كل قسم، التي تشمل كل تفاصيل حياة الفرد اليهودي في جميع مناحي حياته اليومية والعامة.

يوضح الباحث للقارئ العربي جذور الدين والعقيدة اليهودية، التي لا تدع للفرد مساحة للاجتهاد، إنما أمورا جاهزة وفرائض نهائية. صحيح ان الباحث لا يعالج وقع هذه الفرائض على الإنسان المعاصر، لكن القارئ يستطيع ان يصل إلى النتيجة الأساسية، بان الدين اليهودي يتعامل مع الإنسان بأحكام وعقلية لم يعد شيء يربطها بالواقع الإنساني المعاصر، وهذه إشكالية تبرز في ديانات أخرى أيضا، ربما كون الديانة اليهودية ديانة محدودة بالعدد، يجعلها أشبه بالمحمية الطبيعية، مع ذلك نجد في الغرب والى حد ما في إسرائيل، تيارات يهودية لم تعد تستطيع التماثل مع القيود الدينية العتيقة، المتصلبة والمزعجة، فأنشأت اتجاهات حديثة ليبرالية، تقوم بينها وبين التيار الديني اليهودي المحافظ (الاورتوذكسي) حرب عنيفة، لدرجة عدم الاعتراف بيهوديتهم ورفض التعامل معهم على كل المستويات.

أما اسم التلمود فهو مشتق من الجذر العبري "لمد" أي درس، تعلم وهو نفس الأصل السامي لكلمة "تلميذ" العربية. يشرح الباحث ان التلمود من أهم الكتب الدينية عند الشعب اليهودي، هو الموجه والمنظم للحياة الاجتماعية، هو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشرائع التوراتية.

يؤمن بعض اليهود، المتعصبين خاصة، ان نصوص التلمود أوصي بها من الروح القدس نفسه (روح هكودش) باعتبار انها مساوية للشريعة المكتوبة (التوراة).

ليس من السهل استعراض الكتاب بكل تفاصيله. الكاتب لا يترك أي فرغ للتأويل، بل يطرح جميع التفاصيل بتناقضاتها أحيانا، ليوضح جذور الدين اليهودي، ببحث واسع لم يغفل أي تفصيل.

الكتاب يثري المكتبة العربية بمرجع هام جداً وضروري لفهم إحدى أقدم الديانات، مصادرها، طرق تفكيرها، بعيداً عن الاستنتاجات الارتجالية وبهذا يخدم الباحث الحقيقة العلمية المجردة.

 

نبيل عودة

 

عادل رضاالمرحوم السيد محمد حسين فضل الله انتقل الى رحمه الله تعالى منذ عشرة سنوات، ولكن ما قدمه "مستمر في التأثير والتفاعل" ونتحدث هنا عن مشروعه ومجمل ما يحتويه من انتاج ثقافي قرآني ساعي لصناعة حالة حضارية وانبعاث إسلامي حقيقي يريد ان يكون "الإسلام" هو القائد للمجتمع والمثل للفرد ضمن خط الهداية القرأنية للصراط المستقيم الملتزم بالنواهي والتعليمات الالهية الربانية كمحدد وضابط لحركة الفرد في خط التقوى التي لا تشمل الانسان الفرد فقط بل المجتمع ككل وانطلاقة الخطاب القرأني لكي يكون الضابط للحركة والمقوم لأي مسيرة إنسانية مجتمعية تريد الفلاح .

صحيح انه كانت هناك محاولات ايحائية كثيرة لشخصيات اخرى من قبل وجود السيد فضل الله وأيضا كانت هناك معه في نفس زمان حضوره الشخصي على الساحة الإسلامية الواسعة ولكن المختلف هو ان ما قام به لم يكن ضمن حالة انشائية وشعارات ولكن ضمن ثقافة قرأنية ساعية للحركة على ارض الواقع لكي "تأسلمه" ضمن "أدوات" الواقع نفسه والالتزام بالموضوعية والأسباب بعيدا عن خيالات من هنا وتمنيات من هناك من دون الجلوس على ارض الحقيقة بعيدا عن الاحلام.

لأن واقع الحياة هو الحركة والتنفيذ وما يمس حياة الناس ويضرب على "وتر"احساسهم ويرتبط بحياتهم اليومية وصناعة مستقبلهم هو ما سيصنع الارتباط مع الفكر الإسلامي القرأني اذا صح العبير، فما هو قابل للتطبيق بدون "التكلس" في القوالب الجاهزة والجمود هو ما سيعيش ويستمر، فالواقع متغير ولكن ضمن اصالة المبدأ المقدس وتغير الفهم ضمن القراءة العصرية الحديثة المضبوطة بالنص المقدس نفسه منعا لانحراف المسيرة او اهتزازها وكذلك لربطها بالجانب الروحي، وهنا ما نجح به المرحوم السيد محمد حسين فضل الله في تقديمه في قراءته الواعية للنص القرأني وفهمه في مجال الحياة والتطبيق ومراعاة الشروط الموضوعية للواقع الفردي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني بعيدا عن الخيالات والأوهام والتنظيرات الهوائية التي يسقط معها أي فكر واي "فهم" للنص المقدس بعيدا عن القدرة على الحركة التنفيذية.

كل هذا ساهم في تميز "تفسير من وحي القران" وهو موسوعة قرأنية الفها المرحوم فضل الله، نقول هذا الكلام كمقدمة لما تم نشره مؤخرا حيث صدر كتاب حديث تحت عنوان "مختصر تفسير من وحي القرآن، للعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وقد قام باختصاره، الأستاذ محمد خليل طراف.

وقال طراف في مقدمة هذا الكتاب:

" إن فكرةُ هذا الكتابِ بدأت منذُ نحو 5 سنوات.

وأضاف أنه في فترةٍ كانت الطّبعةُ الثانيةُ من تفسيرِ وحيِ القرآنِ قد نفَدَت تمامًا. وكان السيد محمد حسين فضل الله قبل وفاته قد عمل على مراجعة التفسير مضيفًا حوالي ألفَي صفحة.

وأشار إلى أن الطّبعةُ الثالثةُ من الكتاب صدرت لاحقًا في عشرينَ مجلّدًا، ولمّا كان الطّلبُ لافتًا وكثيفًا على التفسيرِ الحركيّ للسيّد، وكانت الغالبيةُ من الذين يطلبونَه هي فئة الشّباب، وجدتُ لزامًا أن يكونَ هناك تفسيرٌ مختصرٌ مُوجزٌ يمكنُ أنْ يرويَ ظمأَهم ويسدَّ رمقَهم لمعرفةِ تفسيرِ آياتِ الكتابِ الحكيم. فلا حاجةَ للقارئِ العاديِّ أو الباحثِ عن بعضِ معاني المفردات، أوِ الآياتِ البينات، أنْ يقتنيَ المجلّدات الطِّوال، ويتكلّفَ عناءَ البحثِ في الصَفحاتِ وبينَ الأسطرِ ليستخرجَ مُرادَ آيةٍ هنا وأخرى هناك؛ وبخاصّةٍ حينَ يغوصُ السيّد في التفسيرِ ويستعرضُ الآيات، ويناقشُ الروايات، فيردّ بعضَها ويعتمد بعضًا آخر، أو حينَ يدخلُ في مناقشة الآراءِ التفسيريّة المعقّدة التي لا تهمّ القارئَ العاديَّ غيرَ المتخصّص."

ونحن اذ نشكر الأستاذ محمد خليل طراف على جهوده ومعه العاملين بالمركز الإسلامي الثقافي، نتمنى ان يستفيد طلاب المعرفة القرأنية الحركية من هكذا اصدار وكتاب مهم في تعزيز ثقافتهم وتثبيت الوعي والبصيرة لديهم في خط إعادة الامة في خط صناعة الحضارة وتفجير الابداعات الفردية والمجتمعية بما يخلق السعادة للفرد والنهضة للمجتمع.

 

د.عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

كاظم الموسويمن قوائم الأسماء والمصادر التي انقلها كما وردت اغلبها دون ذكر سنة نشر ومكان وطبعة وما يعرف الكتاب به من معلومات وشروط النشر الفنية، محاولا الاستدلال بالجهود عموما وتثمينها، فجاءت في الكتاب باسم المؤلف وإسم الكتاب، كما يلي حسب تسلسلها الابجدي: احمد كاظم، ناظم الطبقجلي ودوره السياسي والعسكري في العراق حتى عام 1959 . امينة داخل، فائق السامرائي ودوره السياسي في العراق (1908-1978 (انعام مهدي، هنري دوبس واثره في السياسة العراقية (1923-1929). اياد طارق، بغداد في ظل الاحتلال البريطاني (1917-1921 ). بشرى عسكر، حسين جميل ودوره السياسي في العراق. جمعة عليوي فرحان، علي جودة الأيوبي ودوره في السياسة العراقية حتى عام1958.. جمال مصطفى مردان، عبد الكريم قاسم البداية والسقوط. حامد قاسم، محمد مهدي كبه ودوره السياسي في العراق. ذاكر محيي، محمد يونس السبعاوي ودوره السياسي في العراق. رجاء الخطاب، تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي1921-1941 وكتاباها; عبد الرحمن النقيب، والمسؤولية التاريخية عن مقتل الملك غازي. رياض رشيد الحيدري، الاثوريون في العراق (1918-1936 (وكتابه عن الحركة الوطنية في العراق (1948-1958 (زاير نافع فهد، توفيق السويدي ودوره في السياسة العراقية (1925-1958 (سامي عبد الحافظ القيسي، ياسين الهاشمي ودوره في السياسة العراقية. ستار جبار، سعد صالح ودوره السياسي في العراق. سعاد رؤوف، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية (1932- 1945 .(سمير عبد الرسول، محمد صديق شنشل ودوره السياسي في العراق حتى عام 1956. سؤدد كاظم، ارنولد ولسن ودوره في السياسة العراقية. سعيد شخير، ناجي السويدي ودوره في السياسة العراقية (1921-1942 (صفاء عبد الوهاب مبارك، انقلاب سنة 1936 في العراق. طارق الناصري، عبد الإله الوصي على عرش العراق (1939-1958 (عامر سلطان، العراق وعصبة الأمم (1920-1932 (علاء حاسم محمد، جعفر العسكري ودوره في السياسة حتى عام 1936 وكتابه عن الملك فيصل ودوره السياسي في الثورة العربية وسوريا والعراق. عبد الحميد نوري خليل، التاريخ السياسي لامتيازات النفط في العراق (1921- 1952 (عباس فرحان، رستم حيدر ودوره السياسي في العراق. عبد الامير هاري العكام، تاريخ حزب الاستقلال (1946-1958 (عبد الرزاق أحمد النصيري، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1932 . عبد المجيد كامل، دور الملك فيصل الاول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة. عبد الهادي كريم سلمان، الأمير عبد الإله (1939-1958 (علي الشلاه، طالب النقيب ودوره السياسي في العراق. عدي محسن، كيهان كورنواليس ودوره السياسي في العراق حتى عام1945 . عماد احمد الجواهري، نادي المثنى بن حارثة الشيباني. عمر عادل طه، تطور القوة الجوية العراقية الملكية (1931-1958 (عماد نعمه، رفعت الحاج سري ونشاطه العسكري (1948-1959 (فاطمة صادق عباس، صالح جبر ودوره السياسي في العراق. فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية - البريطانية (1922-1948 (فؤاد حسن الوكيل، جماعة الأهالي في العراق. فؤاد مطر نصيف، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق (1869-1914 ,(قيس جواد، رشيد عالي الكيلاني ودوره في السياسة العراقية (1892-1965). كاظم نعمة، الملك فيصل الاول والإنكليز والاستقلال. لطفي جعفر فرج، عبد المحسن السعدون ودوره في السياسة العراقية، وكتابه عن المللك غازي ودوره في سياسة العراق الداخلية والخارجية. ليث الزبيدي، ثورة 14 تموز 1958 في العراق. محمد حمدي الجعفري، انتفاضة تشرين الثاني 1952 وانقلاب الوصي في العراق. محمد مظفر الادهمي، المجلس التأسيسي العراقي. محمد يوسف ابراهيم، المس بيل وأثرها في السياسة العراقية، وكتابه عن ونستون تشرشل والقضايا العربية. منتهى عذاب ذويب، برسي كوكس في السياسة العراقية1864-1932 . مها عبد اللطيف، انتفاضة عام 1952 في العراق، وكتابها عن مذكرات كامل الجادرجي. وليد الاعظمي، انتفاضة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية- البريطانية 1941. وميض عمر نظمي، ثورة 1920 الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية. يوسف عكاب عليوي، حكمت سليمان ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1964.

واعتمد المؤلف على مصادر اخرى من تأليف الأساتذة ابراهيم كبة، احمد رفيق البرقاوي، اسامة الدوري، امين سعيد، تشارلز تريب، جعفر عباس حميدي، خيرية قاسمية، خليل ابراهيم حسين، عادل غنيم، عبد الله فياض، عبد الرزاق الحسني، عبد الرحمن البزاز، عبد الله جدوع، عبد الفتاح ابراهيم، عبد العزيز نوار، كمال مظهر احمد، فاضل حسين، فيليب ايرلاند، مجيد خدوري، محمد سلمان حسن، محمد عزيز، محمد عودة، محمد مهدي البصير، محمود الدرة، هنري فوستر. ومذكرات: توفيق السويدي، ساطع الحصري، سليمان فيضي، صبيح علي غالب، صلاح الدين الصباغ، طه الهاشمي، عبد السلام عارف، علي جودة الايوبي، وكامل الجادرجي، وربما غيرها مما لم يذكره، وهناك الكثير من المصادر والمراجع المماثلة العناوين والموضوعات. وفي المذكرات الشخصية، وحسب كتابها وادوارهم وحتى شخصياتهم، تتحمل ملاحظات يتوجب التقيد بها لما قد تحتوي من ادعاءات ومغالطات بحاجة إلى التدقيق والتثبت من صدقيتها وصحتها ومقارنتها، على العموم لا الخصوص، مع تقدير الخصوصية والقدرات التعبيرية لدى مؤلفيها. خاصة وأن هذه الأيام مملوءة من صفحات مزورة ومبالغة فيها لكتاب، كما يدعون أو يحسبون أنفسهم فوق ميزان التاريخ، مهما استثمروا من وسائل واغراءات مادية أو معنوية، لكسب الصمت أو تمرير الاكاذيب الملفقة.

هذه المصادر والمراجع التي وردت في هذا الكتاب، تشي بوفرة الأبحاث والاهتمامات. وهناك بالتأكيد اكثر من مصدر عن كل موضوع أو عنوان، من زوايا أو اتجاهات البحث والمواقف والتعامل معها. ولكل عنوان مصادر متعددة تضيف معلومات توثيقية اكثر وقراءات مختلفة تكسب قناعات أوسع وأدلة متنوعة.

كم يحتاج التاريخ الى صدق ووفاء ونزاهة وشفافية وتأكيد الوقائع والحقائق. أن التاريخ أمانة وليس كل من كتب تاريخه امين عليه، وهذه مهمة الباحث والبحث والاشراف والمناقشة الأكاديمية، التي ينبغي ان تكون كفوءة أو جديرة باسمها وشهاداتها وصفاتها الاكاديمية التي تكتب أمامها في قاعة المناقشة. وان يكون الهدف من البحث والموضوع خدمة التاريخ والثقافة والعلم والإنسان، وبالتالي الشعب والوطن. فالشعوب التي لا تهتم بتاريخها لا مستقبل لها، ولا يمكنها أن تتبارى في الحضارة الإنسانية والمشاركة فيها، بجدارة كافية ونموذج يحتذى به.

 

كاظم الموسوي

 

 

محمد سعيد صمديالجذور التاريخية وسبل المواجهة

تأليف الدكتور عبد المنعم التمسماني

منذ نزول الوحي على سيدنا محمد (ص) وشبهات النيل من شخصه الكريم لم تتوقف، تحوَّلَ مدحُه ووَسْمُه بالأمين والصادق وذي النسب الكريم إلى ادعاءات زائفة وأوصاف مُنتقِصَة لا تستقيمُ مع جوهر شخصِهِ البشريِّ ومقامِه النبويِّ وما أثبتته وقائع التاريخ والسِّيَر...

إن رسول الإسلام بما جسده شخصُه الكريمُ من عقيدة توحيدية وقيم إنسانية كونية بالغة العمق والتسامح، سيجعلُ العداءَ له ينتقل من الفكر والنظر والشريعة إلى المس بشخصه الكريم حقيقة ورمزا. لكن القرآن الكريم قطعَ بِجَزْمِ حُسن العاقبة في هذا الشأن، وبأن المراهنةَ على الكيد والانتقاص والتشهير مآلُها ونهايتُها نهايةٌ للمشهِّرِ البائسِ والكائد الحقودِ، قال تعالى:" إنَّ شانئك هو الأبترُ"[1]؛ وقال أيضا: "ولقدِ استُهزئَ برُسُلٍ من قبلكَ فحاقَ بالذينَ سخِروا منهم ما كانوا به يستهزئون"[2].فما يكاد يعلو صوتٌ هنا أو هناك من ألسنةٍ حِدادٍ سخريةً وشتماً وتشكيكاً، وخاصة في زمن ادعاء حرية الفكر والتعبير وزيف الحداثة؛ ويستعِرُّ لظى ردودِ الأفعال غير المنضبطة والمفتوحة على كل احتمال، حتى يُنسى ويُطوى ذكرُ الساخر(ة) الشاتم(ة)، ويبقى اسمُه الشريُف ذائعا ساريا في الآفاق، لا تشوبه شائبة التشهير والافتراء. يقول صلى الله عليه وسلم:" ألا تعجبون كيف يصرفُ اللهُ عنّي شتمَ قريش ولعنَهم! يشتِمُون مُذَمَّماً، ويلعنون مُذَمَّماً، وأنا محمّدٌ"[3]

وقد ألهمَتْ أحداثُ الانفلات الأخلاقي والقيمي والإعلامي في السنوات الأخيرة الأستاذَ الباحثَ الدكتور عبد المنعم التمسماني المدرس بكلية آداب تطوان، للبحث والنظر في نازلةِ التشهير والإساءة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتقصِّي جذورِها ومقاربةِ التصدي والمواجهة، فألف كتابا وسَمَهُ بعنوان" حملات الإساءة إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم: الجذور التاريخية وسبل المواجهة" الطبعة الأولى صدرت بتطوان أواخر سنة 2020، في سِفرٍ يضم 126 صفحة.

ولا يُنكر عاقلٌ الصدى والتأثيرَ البليغ الذي تخلفه مثل هذه الإساءات والتشهيرات والتحرُّشات الصليبية ــ التي أصبح لها طابع الحملات المنظمة ــ على عقلية الشعوب والفئات المستهدفة خاصة من عموم الناس وبالأخص الغربيين الذين أصبح الإعلامُ مصدرَ تمثلاتِهم ومعتقداتهم، مما يصوِّغُ الاعتقادَ والقولَ بأنها حملات منظَّمة ومخططٌ لها وغيرُ بريئة.

ومعلوم من نصوص الكتاب الحكيم وآثار السنة النبوية أن السخرية والاستهزاءَ بل والافتراءَ على المرسلين دأبٌ أزلي ومكرٌ لم يخْلُ من بلائه نبي مرسلٌ ولا مصلحٌ رائدٌ.ولقد حاول الأستاذ عبد المنعم التمسماني في تأليفه الجديد أن يرصد مخططات الإساءة لنبي الإسلام في العصر الحديث؛ وعلى رأسها اعتماد الصورة / الكاريكاتير باعتبارها الوسيلة الرخيصة والدعامة الهجينة الأكثر استهلاكا واشتهاءً عند عموم القراء وصغار النفوس، والتي تجد لها صدى وتأثيرا في نفسية المشاهدين، والتي تساهم بدور كبير في صناعة التمثل والقناعة؛ لما تحتوي عليه ــ سلطة الصورة ــ من سرعةِ الوصول للجمهور وجرأةٍ على المواضيع وتلخيصها، وشجاعةٍ على الطابوهات بلغة الحداثيين...

ويريد الكاتب من خلال بحثه هذا أن ينحو بمنحى ردود الأفعال تُجاه الإيجابية واستثمار التردي الأخلاقي والتراجع القيمي وانزياح الحداثة الغربية لإبراز قيم التسامح الحقيقي في الفكر الإسلامي الأصيل، يقول المؤلف في مقدمة بحثه:" وقد آن الأوان لكي نغير تصوراتنا حول الإساءات المتكررة لمقدساتنا، وفي طليعتها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ونعيد النظر في تعاملنا معها، وذلك بأن نُحسن استثمارها بما يعود بالنفع والخير على رسالتنا وأمتنا؛ لأن من دلائل وأمارات وعي الأمة ونضجها ورُشدها: حسن استثمارها لمختلف الأحداث القاسية المريرة التي تمر بها، وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص للتحرك الإيجابي والعمل المؤثر، وإحالة المحن إلى منح...[4]

2420 كتاب

ويطمح الباحث أيضا إلى توجيه الأنظار إلى خطورة ردات الفعل التي اتسمت ب " الارتجالية، والظرفية، والانفعالية" مما يدفع أهل الاختصاص والفكر إلى الإسهامِ في إحياء ثقافة ضبط الانفعال المجاني الذي يستفيد منه أولا وأخيرا المخالِفُ المستفِزُّ، وترشيدِ منسوبِ المواجهة وحِدة المقاومة واستثمارِ الجهدِ بما يعود على القضية المستهدفة نفعا وريادة لا تأزيما وحِدَّة أكثر....

قسم الكاتب تأليفه إلى أربعة مباحث تلخص عناوينها مضمون هذا العمل:

1 ـــ حملات الإساءة إلى نبي الإسلام: تأريخها / ردود الأفعال عليها / ضرورة تجريمها.

2 ــ الجذور التاريخية لحملات العداء والإساءة إلى نبي الإسلام.

3 ــ كيف نواجه حملات الإساءة إلى نبي الإسلام.

4 ــ محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة.

وخُتم الكتابُ بملحق فريد استقصى فيه المؤلف جملةً من أقوال وشهادات المنصفين من الغربيين والأمريكيين (من سنة 1876 إلى 1932) في حق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وقد تولى كِبَرَ هذا الافتئات المجاني والتشهير المنحط جمهرةٌ من قساوسة الكنيسة الإنجيلية باستخدام وسائل الإعلام المتنوعة باسم الثقافة والفن والإبداع واستئجار الأقلام الخسيسة؛ تحت غطاء سياسي من مستوى عال. وقد فطِن هؤلاء الأفاكون إلى حساسية ومكانة وأهمية أدوات السمعي البصري، ونزوع الأكثرية إلى الانبطاح والاستسلام أمام الشاشة للتلقي السهل والتشبع بمعارف واهية وأخبار مُرجفة من أفواه مستأجَرَة. لذلك تجد أن أغلب ما قيل وما كُتِب وما رُسِم لا يعدو عن مفردات وجمل ورسومات مكثفة مشحونة بالحمولة العدائية والجرأة الخسيسة التي تستهدف الإثارة والاختزالية في الشهوات والشبهات والتشكيك العقدي والتعميم اللفظي الذي يَستشف منه القارئ الذكي سذاجةً وسطحيةً واهتزازاً فكرياً لا يصمد أمام الشخصية المستهدفة وما حُفِظ عنها في الذكر الحكيم وآثارٍ صحاحٍ. إن المرءَ السويَّ الذي لا يستطيع أن يقرأ ويتابع نصوصا إنجيلية عبثت بها أيادٍ مُحرِّفةٌ ، بسبب التركيب اللغوي والمعجمي الخسيس المنحط والذي لا ينتظمه ناظم ولا تربطُ سياقاته رابطةٌ، لا يستطيع أيضا أن يقرأ هذه الجمل المستهدِفة لنبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي ترد في سياقات نشازٍ تُشعِر القارئ أنها تُدَسُّ دساًّ وتُقصَد قصداً وتُحبَكُ حبكاً، ويكفي شاهدا على ذلك المثالُ الذي صدَّر به المؤلف عبد المنعم التمسماني كرونولوجيا التشهير والإساءة : الهندي سلمان رشدي في كتابه الذي نُسِبَ لجنس الرواية وهو يفتقر لأبسط مقومات بنية النص السردي الروائي المُحبك. يقول المؤلف:" في 26 سبتمبر 1988م، أصدرت دار النشر البريطانية اليهودية(فايكنج بنجوين) التي يوجد مقرها بلندن، رواية آيات شيطانية (The Satanic Verses) للروائي البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي, وهي رواية قصصية خيالية، ناضحة بأبشع ألوان القدح والتجريح والهزء بالإسلام وبنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وبزوجاته الطاهرات، وبمقدسات المسلمين عموما...وخاصة الفصلان الثاني والسادس منها، فقد انطويا على أكبر نسبة من الألفاظ والعبارات النابية الخسيسة والساخرة من ديننا ومن نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام"[5]. ولكي يفهم جيدا القارئ الكريم مدى السخافة التي تصلها مثل هذه المسودات المسماة كتابات وروايات ، يمكن أن نكتفي بهذه الجمل الدنيئة، معتذرين لنبينا صلى الله عليه وسلم رفع الله ذكره وصلى عليه عددَ خلقِه ورضى نفسه وَ زِنَةَ عرشه ومِدادَ كلماته، يقول عبد المنعم التمسماني:" ومن النعوت البذيئة التي نعت بها صاحب هذه الرواية الخبيثة السافلة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان ( رجلا طموحا يحلم بان يكون السيد الأول في مدينة الجاهلية)، و(أنه كان يخطط لذلك من خلال تلك الخلوات التي يهيئها لنفسه في ذلك الجبل والتي يدعي أنه يقابل الملاك فيها !!)، وأنه (أخبر أتباعه أن اللواط والوضعيات الخلفية من الأمور المقبولة عند الملائكة !!)، وأنه (غير سويٍّ في علاقاته مع النساء !!) إضافة إلى اتهامِه بالصرع والهلوسة !!، ونعْتِ نسائه الطاهرات ب(العاهرات) إلى غير ذلك من السخافات"[6]، إضافة إلى كونه أطلق اسم (ماهوند) على نبي الإسلام؛ وقد استقاها من معجم القرون الوسطى لدى المسيحيين المتطرفين.

وهذه وغيرها كلُّها عبارات تشي بالروح الحاقدة المتشبعة بالكراهية والتي تفتقد لأدنى معايير العلم وبعيدة كل البعد عن منهجية البحث العلمي النزيه وحقائق التاريخ.

وتلعبُ الإساءة الفرنسية في الآونة الأخيرة (شتنبر2020) دورا خسيسا في تعكير أجواء التسامح وقيم التعايش التي يجسدها الإسلام بشريعته السمحة وتعايشِ أبنائِه مع الآخر في ود ووِئام واحترام، لتأتي تلك الإساءاتُ المخطط لها؛ لتعكر الأجواء وتُسبب في إثارة المشاعر من جديد ودفعِ البعض للردودٍ الطائشة غير المشروعة.

ومن بين ردود أفعال الغربيين على احتجاجات الأمة المسلمة ، يُسجل المؤلفُ دعمَ وتأييدَ قادة الغرب لكل ادعاءٍ تحرري مؤذٍ وجارح ؛ يقول المؤلف:" وفي مقابل تلكم الموجة العارمة من الاحتجاجات والإدانات في مختلف الأمصار والأصقاع... فإننا نسجل ــ بامتعاض شديد، وأسى بالغ، وانزعاج كبير ــ المواقف السلبية المخزية للقادة الأوربيين والأمريكيين وغيرهم من الإساءات المذكورة إلى أقدس مقدسات المسلمين، والتي حاولوا عبثا تسويغها بمسوغات فارغة وغير منطقية، تمُجُّها الفِطَرُ السوية وترفضها العقول السليمة"[7] . وفي هذا الصدد وقف المؤلف على مدى التناقض الذي حصل للدولة البريطانية أمام إصدار كتابين، الكتاب الأول وضعه أحد العاملين بقصر (باكنغهام بلاص) قصر الملكة، الكاتبُ (مالكوم باركر) الذي كشف المستور من الغرائب والمنكرات داخل البلاط. والكتاب الثاني كتاب الهندي ذي الجنسية البريطانة(آيات شيطانية). فالكتاب الأول لقي مناهضة ورَدَّةَ فعلٍ جد سريعة من القصر الملكي قصد إقباره وعدم نشره، في حين احتفت بريطانيا بالكتاب الثاني ودعمته بل وصل الحد بالملكة أن منحته وساما من درجة فارس بمرتبة عندهم تُعرَف باسم (سير)، وقد قال وقتئذ هذا الكاتب الهندي:" إنني أشعر بالسعادة الشديدة والتواضع لأن أتلقى هذا الشرف العظيم كما أنني ممتن جدا لأن أعمالي لاقت هذه النظرة".[8]

ولم يغفل الأستاذ عبد المنعم التمسماني من باب الإنصاف في البحث العلمي أن ينوه بأحرار الفكر الغربي الذين آثروا الصدع بالحقيقة وعدم الانصياع للدكتاتورية الفكرية والأنا الغربية المتعالية؛ وعلى رأسهم عميد الأدباء الأمان (غونترغراس Gunter Grass) الذي " شن هجوما حادا على صحيفة بولاندس بوستن الدنماركية التي نشرت الرسوم....، ونعتها بالصحيفة اليمينية المتطرفة، معتبرا أن نشرها هذه الرسوم، التي وصفها بالمهينة والمؤذية لمشاعر المسلمين حول العالم، كان مخططا متعمدا منها لاستفزاز المسلمين...."[9]

ثم انتقل المؤلف لتوثيق صورة الإسلام في التراث الغربي؛ منذ العصور الوسطى إلى الآن، والذي اتسم ويتسم بالحقد والكراهية وغياب المصداقية العلمية والنزاهة الفكرية والتعبيرات السخيفة والدنيئة والتي لا تمت بصلة لمعجم القيم والعلم والتواصل البشري، ويظهر من سرد تلك النقولات التي أوردها المؤلف مدى الحنق والحقد؛ يقول:" وقد أسهمت تلكم المواقف العدائية المشحونة بروح صليبية في بلورة صورة نمطية سلبية تجاه الإسلام ونبي الإسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وترويجها وترسيخها في (الوعي الجمعي) لدى الشعوب الغربية والأمريكية، وفي تأسيس وتشكيل عقلية غربية معاصرة حاقدة ومعادية لنبينا ومقدساتنا..."[10]

لينتهي الباحث إلى أن تراكم الحقد وحِدَّة العداء لدى نخبة الغرب وساستها، قديمها وحديثها، يقتضي من الوعي المسلم المعاصر" تغيير النظر إلى ما يستجد من الإساءات، واعتبارها حلقة صغيرة من حلقات مسلسل العداء الممتد والمستمر، تلك سنة من سنن التدافع بين الحق والباطل الجارية إلى قيام الساعة"[11]. وفي هذا السياق يجب التنبيه ــــ حسب المؤلف ـــــ إلى أنهم " ليسوا سواءا" فلا يمكن التعميم على كل مكونات المجتمع الغربي الذي تتواجد فيه أصوات عاقلة لا تتحمل مسؤولية التهور والاستفزاز والإساءة البالغة من لدن السَّدَنَة المَكَرَة، يقول في هذا الصدد:" وعليه، فينبغي أن نميز ــــ في سياق حديثنا عن عداء الغرب للإسلام ومقدساته بين الحاقدين المجاهرين... وبين الإنسان الغربي عموما الذي لا يحمل أية خلفية حاقدة، ولا يُكِنُّ أي عداء مسبق لديننا ورسولنا وكل مقدساتنا، بل يقف منها موقف المتفهم والمحترم لها... فمن الجهل والغباء والحيف والجور أن ننظر إلى الغرب بكل فئاته وأطيافه وتياراته على أنه كتلة واحدة ومواقف موحدة إزاء ديننا ورسولنا وحضارتنا..."[12]

ويهدف الكاتب من خلال وضعه لهذا التأليف الجديد إلى ترشيد ردود الأفعال وانتهاج سبل راقية للتعامل مع هذه الإساءات، مع اعتبار أهمية استمرار الإدانة المشروعة التي تحيي في الأمة جذوة المحبة النبوية والإشراقة المحمدية. وخطابُ المؤلف يُستشفُّ منه توجيه الناشئة وعموم الأمة إلى التشبع بقيم الإسلام والعدل في الخصام والنزاع، والتفطن لعدم الانجرار لمخططات الإساءة وتوجيه بوصلة التغيير والتنمية والإصلاح المتعثر.

وضمَّن الكاتبُ مقاربتَه للموضوع تصورَ بعضِ الشروط التي يراها ضرورية لتحقيق التواصل الحضاري، وهي من وجهة نظرنا أصيلة ومقاصدية لكنها بعيدة التحقق والتنزيل، باعتبار بُعد الواقع الغربي أولا والعقلية الشعبية الإسلامية ثانيا عن فهم هذه القيم والشروط التي تحدث عنها المؤلف؛ بَلْهَ التشبع بها وتمثُّلها وتنزيلها، فكرونولوجيا الإساءة الغربية متواصلة بزخم، والعقلية التسطيحية عند عوام المسلمين سائدة بزخم؛ مما يدعو إلى بذل جهود مضاعفة لإيجاد بيئة تواصلية حضارية مؤهلة للتعايش والتفاهم مع ضرورة الاختلاف والتعددية المُغنية للحوار الحضاري لا المُفقِرة له.

 

الدكتور محمد سعيد صمدي

أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ طنجة

 ...........................

[1] ــ الكوثر: 3

[2] ــ الأنعام:11. والأنبياء:41

[3] ــ الحديث مشهور وقد أورده البخاري في جامعه الصحيح.

[4] ــ حملات الإساءة إلى نبي الإسلام: المقدمة ص 8.

 [5] ـ 6 ـ نفسه: 9. 

[7] ــ نفسه: 21

[8] ــ نقلا عن الموقع الرقمي: الملكة-إليزابيث-تمنح-المؤلف-المثير-لل/https://alghad.com/

[9]  ــ حملات الإساءة: 29.

[10] ــ نفسه: 45.

[11] ــ نفسه: 52.

[12] ــ نفسه: 55.

 

 

كاظم الموسويفي كتاب عنوانه (تاريخ العراق المعاصر 1914- 1968 دراسة في الجانب السياسي) منشور على الإنترنت، نسخة إلكترونية، من تأليف الدكتور محمد عصفور سلمان، بدون صورة غلاف ولا رقم طبعة ولا زمانها ولا دار نشر ولا مكانها، معدّ للتدريس وفق مقدمته، وتقسيمه المرحلي حسب مفردات المنهج التعليمي الرسمي، وهو من هذا الجانب يتابع التطورات السياسية بتقليدية مهنية، وطبيعة تدريسية أكاديمية. معتمدا على مصادر ومراجع عراقية غالبا، ومتابعا التطورات تاريخيا عبر مراحل الفترة المحددة في العنوان. وهي فترة غير قصيرة، ومهمة دراسيا وتاريخيا. وفيه جهد ملحوظ واستحقاق لمهمته.

قسم المؤلف الكتاب إلى ستة فصول وملحقين، الأول فهرس عن الوزارات العراقية في العهد الملكي، والثاني معلومات مختصرة جدا عن بعض شخصيات ذلك العهد. وتناول الفصل الأول (الاحتلال البريطاني للعراق 1914-1918)، والفصل الثاني: ثورة العراق التحررية عام1920 وقيام النظام الملكي في العراق، وتضمن الفصل الثالث العلاقات العراقية ـ البريطانية 1922-1932 وموقف القوى الوطنية، ودرس الفصل الرابع التطورات السياسية في العراق وقيام الحرب العالمية الثانية حتى عام 1948 وبحث الخامس الانتفاضات الوطنية وأثرها على الوضع السياسي في العراق 1948-1958 أما الفصل السادس فدرس العراق في العهد الجمهوري حتى عام 1968 .

ما لفتني في الكتاب مصادره ومراجعه، المعتمدة أساسا على دراسات ورسائل وأطاريح دارسين عراقيين، بما يعنيه من اهتمام وتوجُّهات معرفية، وقدرات بحثية وإمكانات متوافرة. وهو ما أدعو له، وأحث مع غيري طبعا، أن تولي المؤسسات التعليمية العليا، وزارة وجامعات وأقسام التاريخ والعلوم السياسية واللغات وكليات الآداب والاقتصاد والحقوق وما يشترك معها في الاختصاص والاهتمام، أن تولي هذه المواضيع أهمية أكبر في البحث والتوثيق والقراءة والتحليل، حفظا للأدوار والمكانة والقدرات التي عملت وقدمت ما تمكنت عليه في ظروفها وأزمانها ووعيها في بناء الدولة العراقية. وأغلب الشخصيات من صانعي التاريخ العراقي، ومراحله في تموجاتها وتطوراتها، والفاعلين في أحداثها ونتائجها.

وفي زمن التطورات التقنية، والإنترنت، وبرامج التحديث والأرشفة وغيرها، لا بُدَّ من الاستفادة منها وأرشفة كل تلك الجهود الأكاديمية في قاعدة بيانات وبحث إلكترونية وفتحها داخل المكتبات العامة والدارسين والمهتمين في التاريخ الوطني، وصانعيه، في مختلف مراحله والتطورات والتحولات التي شهدها وسجَّلها في صفحاته، بكل ألوانها ومواقفها والمواقف منها.

طبيعي يحسب للجامعات وأقسام العلوم الإنسانية، اهتمامها الأكاديمي في قراءة ودراسة المراحل التاريخية، والشخصيات العامة التي لعبت أدوارها في الدولة العراقية، ويبين مكان الجامعة وأهمية البحث والدراسة لبناء ثقافة أكاديمية جديرة بها من طرفيها، الجامعة وأقسامها وأهميتها ودور الأفراد في التاريخ الوطني. وهم أعداد كبيرة، وتسليط الأضواء عليهم، بحثا وقراءة، مهمة جليلة، وكذلك في تقديمهم أمثلة ونماذج في كل الجوانب التي أسهموا فيها، ورد اعتبار لأدوارهم ونشاطهم وتقديرهم بما لعبوه في حياتهم العملية والسياسية، والأهم في احترام شخصياتهم واعتبارهم التاريخي، بما لهم وما عليهم، ومهما كان الموقف السياسي منهم. ومعلوم لم يجر العمل على البحث فيهم وتقييم تجاربهم ومكانتهم التاريخية، بشكل كامل، إذ ما زالت أعداد منهم طي مخازن الأرشيفات أو النسيان، كأغلب قيادات وكوادر التيارات والأحزاب السياسية، والحكومات والقوات المسلحة، ورجال الصحافة والإعلام، والعلماء والكتاب والأدباء، والشخصيات المستقلة والفاعلة في الحياة الوطنية في العراق، على الأقل في التاريخ المعاصر. وما تم لحدِّ الآن يقدر ويثمن، ولكن ما زالت الحاجة مطلوبة للبحث في صفحات وسجلات التاريخ الوطني. وبلا شك أن مثل هذه الجهود الأكاديمية، خصوصا تعبر عن فعاليتها الأكاديمية من جهة وارتباطها بالدروس والعبر للأجيال الحاضرة والقادمة، ولما يخدم التاريخ والاعتبار منه، وما يوفر خلفيات ثقافية للباحث والدارس الأكاديمي والقارئ الاعتيادي والمواطن المهموم بالراهن وتجارب الماضي القريب واختياراته العملية.

من هنا مسؤولية المؤرخين الجادين والباحثين في التاريخ في البحث والدراسة والقراءة الموضوعية، واحترام التاريخ وصناعته، وتقدير صانعيه وتقييم أدوارهم، والتوقف عند محاولات التزييف والاصطناع والادعاء التي تنبت كالأعشاب الضارة في حقول التاريخ الوطني وبساتين الثقة والنزاهة والأمانة وعقبى الضمير.

القراءة في هذا الكتاب واختياره صدفة تسلط الضوء على نواقص البحث الأكاديمي وشروط النشر العلمي للمصادر والمراجع، ومحاكمة المعلومات والوثائق التي تشير لها أو تضمنتها أقسامه، مثالا ومؤشرا، كما تفتح أبواب الانتباه من مزاعم من يستثمر سهولة النشر والعلاقات العامة وشراء البطانات في الاستكتاب الصحفي والإعلان النرجسي، وخداع التاريخ القادم وغش الأجيال.

أمام ميزان التاريخ ومعاييره العلمية الدقيقة توضع الأدوار والطاقات والكفاءات، وتقدم الأبحاث والدراسات بشمول جدارتها وجهود معرفتها والانطلاق منها إلى الأهداف المرجوة في قيمة التاريخ وقِيَم صنَّاعه ومكانة الفرد في أحداثه، وتقدير كل مسعى شريف وعقل نظيف، يهمه فعلا قول الحق والحقيقة، والنظر إلى وقع الكتابة وتأثيرها على القارئ وصفحات التاريخ، ويكون إنسانا جديرا باسمه حتى لو يدفع أحيانا ثمنا له، كما قال الشاعر محمد مهدي الجواهري:

لثورة الفكر تاريخ يحدثنا….. بأن ألف مسيح دونها صلبا

أو كما اقترح عليه الدكتور طه حسين، وطالبه، أن يقوله:

لثورة الفكر تاريخ يحدثنا….. كم ألف ألف مسيح دونها صلبا

 

كاظم الموسوي

 

صدر عن دار غيدان في الأردان كتاب جديد للباحث الفلسفي الاستاذ علي محمد اليوسف كتاب جديد بعنوان: الفلسفة الغربية المعاصرة.. رؤية نقدية. فيما يلي محتوياته ومقدمته:

المحتويات

المقدمة

(1)

العقل الفلسفي وتجريد البيولوجيا

(2)

المعرفة القبلية و البعدية :العقل والادراك

(3)

اسبينوزا : الجوهر في وحدة الوجود

(4)

المعرفة والوعي في الفلسفة الامريكية المعاصرة

(5)

الوعي القصدي والمعنى اللغوي

(6)

اللغة في الوضعية المنطقية

(7)

متناقضات لغوية : سوسير ودريدا

(8)

ميتافيزيقا ديكارت

(9)

هيدجر والوجود

(10)

وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية

(11)

التاريخ صراع الفلسفة والايديولوجيا

(12)

ايدولوجيا الاسلام السياسي ومأزق العصر

 

(13)

وليم اوكام : النزعة العلمية والميتافيزيقا

(14)

تاريخانية الفلسفة البنيوية

(15)

زمن الحاضر الوهمي

(16)

سرمدية الزمان

(17)

ريتشارد رورتي وفلسفة العقل

(18)

المنهج الفلسفي وتفكير العقل

(19)

شذرات نقدية في الفلسفة

(20)

قراءة في منهج ديكارت

 

(21)

الوعي : سجالات فلسفية

(22)

كانط والزمن

(23)

المرأة والثروة

(24)

المادية التاريخية :سارتر والبنيوية

(25)

الفلسفة التحليلية الانجليزية

(26)

كلمات وشذرات فلسفية

2395 الفلسفة الغربية

المقدمة

دائما ما نصطدم حين قراءتنا بعض مباحث الفلسفة الغربية بمفترق طرق موزع بين مفوهمين، الاول لا يتعلق بالمبحث الفلسفي الاجنبي في عدم إمكانية تبيئته الظرفية الزمانية - المكانية السيسيولوجية عندنا، على أعتبار مفاهيم الفلسفة عالميا هي مفاهيم الشمولية الكليّة التي توّحد هموم الانسان أينما يكون ويوجد وما يشغل الانسان في قضية فلسفية أو فكرية في بلد ما نجدها هي نفسها واحدة فلسفيا تعني الانسان كوجود ارضي وقضاياه وهمومه وتطلعاته كلها واحدة. ويبقى الإختلاف بالمنهج وطرائق وأساليب التناول.

القلق الذي يتوزعنا في علاقتنا مع الفكر الفلسفي المعاصر:

1- إن مباحث الفلسفة الغربية عموما هي مباحث يكون تعبير اللغة عنها هو اشكالية المعنى الفلسفي عندنا قبلهم، وقبل ولوج اشكالية مضمون المبحث الفلسفي الذي يهمنا كما هو يهم غيرنا من منطلق انساني، هنا لا يذهب بنا الاعتداد بالنفس المكابر الى أننا لا نحتاج مثل هذه التعبيرات اللغوية الفلسفية المترجمة أو في لغتها الاجنبية الاصلية، التي نحاول فهمها وتفسيرها ومناقشتها من منطلق خصوصية لغوية عربية فلسفية عاجزة حسب تصنيف الغالبية في التعامل مع اللغات الاجنبية الاوربية كترجمة رصينة تعنى بتوصيل محتوى الفكر قبل شكل اللغة. عاجزة عربيا عن المجاراة الندّية التي تتطلبها لغة التفكير الفلسفي في النقد والمناقشة. وأننا بحسب هذه الغالبية من المفكرين بيننا وهم على حق لا نمتلك مجاراة الفلسفات الغربية التي تجذّرت لغتها الخاصة بها وقطعت مراحل فلسفية سبقتنا فيها قرونا طويلة بسبب تعطيل رغبة وأهمية الفلسفة في حياتنا المعدومة فيها أبسط مستلزمات العيش الذي يجعل من ميدان الفلسفة ترف فكري ليس له علاقة بواقع حال ثقافة مجتمعاتنا العربية المتخلفة ولا يعبّر عنها، وموعد حضوره قبل الحكم عليه أنه تعقيد لغوي نخبوي لا يفيدنا بشيء يغيّر تخلفنا الموروث الممنهج بأننا محكومون بما هو تحريم مشرعن مصدره نضح واقعنا المتردي في معظم مناحي الحياة قبل تدوين تخلفنا الفلسفي الذي يحكم تساؤلنا مباشرة بدلالة عميقة ماهي الفلسفة عندنا؟ وبماذا تعنينا؟ وما هو دورها في مجتمع يبحث الانسان فيه كيف يسد رمق جوع عائلته ويضمن لهم كرامة عيش يكفيهم مذلة السؤال؟. من الامور التي نحاول القفز من فوقها وتجاهلها أن الثقافة لا تزدهر مع الفقر والجهل والتخلف المجتمعي الذي يكون فيه البحث عن معنى الحياة والوجود بلا معنى. ظهور مبدع كبير من بيئة التخلف والفقر في مجال ثقافي أو أدبي معيّن لا يلغي حقيقة أن مئات العباقرة ماتوا ودفنتهم مآسي الحياة بتجهيلها وفقرها أن يأخذ اولئك العظام فرصة نبوغهم بالحياة عندما يعدم الفقر إمكانية تحقيقها أمامهم في تكملة تحصيلهم الدراسي والثقافي.

2- القلق الثاني لا نجده مجديا هنا بديل هذا التبرير الزائف في تعاليه، ولماذا لا يكون لنا لغة خاصة فكرية ثقافية بنا تفصلنا عن لغة غريبة في الاصل عنا قبل الترجمة وغريبة في الاصل عنا ايضا بعد الترجمة العربية الهزيلة فكريا لها؟ الجواب الذي يحمل مباشرة حقيقته تبدو فجّة يتمثل في التساؤل هو هل عندنا فلسفة خاصة بنا عربية ؟، وهل لدينا فلاسفة عربا غير منفصلين عن الاعتياش الفلسفي في كتابة هوامش وشروحات وعروض مقدسة في عبقريتها لآراء فلاسفة أجانب غيرنا ويطلق العديد عليهم القاب مفكرين وفلاسفة عربا؟.

الجواب ليس في عجز مطاوعة اللغة العربية التكافؤ الندّي مع غيرها من لغات أجنبية قبل مساءلة أنفسنا توفير أين هي الفلسفة العربية الخاصة بنا التي لا تمّثل لغة تعبير الافكار لها عدم مجانسة مضمونية وشكلية بينها وبين لغة التعبيرعنها.؟

خلاصة القول كتاب ومفكري الفلسفة العرب عندنا هم مستلبي الانتماء الحقيقي بين مفاهيم فلسفية متداولة عالميا لا تجد لها ارضا عربية بيئية عندنا من منطلق حداثة فكرية نبتعد عنها ومسبوقين بها ازمانا طويلة، والذي يزيد المشهد الفلسفي ارباكا هو أن مباحث الفلسفة المعاصرة بدأت تأخذ منحى مغاير عن تاريخ الفلسفة المعهود تداوليا الذي نفهمه وندرسه تاريخا مقدسا في تعالقه مع الموروث الفلسفي العربي الاسلامي الذي أنتهت صلاحيته بخروج اوربا من تخلف العصور الوسطى ودخول المنطقة العربية فيه بلا خلاص ولا رجعة. دخلت فلسفة اليوم الحداثة وما بعدها كما تردنا ترجمة في تداخل معرفي متشابك لم نعهده سابقا مثل محور اللغة وعلاقتها بكل من المعرفة بانواعها، علاقة اللغة مع علوم الطبيعة وعلم النفس والعقل، علاقة الفلسفة بتساؤلات الايمان الديني المعاصر، علاقة الفلسفة بالبيئة، علاقة الفلسفة بعلم التاريخ ولانثروبولوجيا وعلم الاساطير، علاقة الفلسفة بالحداثة، علاقة الفلسفة بالهوية، علاقة الفلسفة بالسياسة والاقتصاد الخ الخ. هذه المباحث غريبة عنا بين مزدوجتين ولا نجد لها حلا عربيا في ازدواجية غربتنا عن لغتها الاجنبية الخاصة بها في منهج تناولنا الفلسفي لتلك التداخلات الفلسفية، في منهج متقاطع معها سببه ازمة اشكالية الحداثة عندنا. وازدواجية قصورنا معالجة مضامينها الغريبة عنا بنوع من الاحساس المتراجع دوما الى الوراء في عجزنا ممارسة نقد فلسفي يكون لنا فيه بصمة عربية تكافيء المنقود الاجنبي بسبب رغبتنا شد وأرجاع كل معرفة تردنا بمقايستها المعيارية بماضينا التراثي الذي يدور في فلك مفهوم تضاد الدين مجتمعيا مع العلمانية ممثلة بافراد قلائل.. حتى الذين كتبوا بالفكر والفلسفة محسوبين على العرب المغتربين في المهجر لم يكونوا يطمحون تاسيس انفرادية فكرية خاصة بهوية عربية مميزة حيث كانوا يقرأون الفلسفة الغربية بعيون أجنبية وليس بعيون عربية وبافكار دوغمائية تعيش الماضي مستقبلا وليس بافكار علمية عصرية تعيش الحاضر مستقبلا، ولم يكن واردا امامهم هدف تحديث اوطانهم التي تغربوا عنها بمقدار أهتمامهم جذب انظار من يزاملوهم في الجامعة الاجنبية أو في بلد المهجر كمفكرين اندادا لهم يبتغون شهادة الاعتراف بهم كفلاسفة ومفكرين بعد نيلهم الشهادة الجامعية ولا ضرورة تسميتهم باسمائهم لانهم اساسا لم يكونوا معترفا بهم من قبل مفكرين وفلاسفة أجانب داخل الكلية الواحدة أو الجامعة الواحدة في بلاد المهجر. طبعا هذا التشخيص يستثني عديدين من فلاسفة مفكرين امثال محمد عابد الجابري وعشرات غيره من الذين استهدفتهم سهام القاطنين في باريس وعواصم عالمية أخرى بعدم انصافهم وهم لم يبرحوا مواطنهم وبلدانهم العربية من قبل أجانب فلاسفة أهملوا باحثين عربا ممن يشاطروهم البلد في العيش أو الجامعة الواحدة التي تجمعهم. وهذا لا يشمل الجابري وآخرين على صعيد الاقطار العربية مثل مفكري المغرب، تونس، الجزائر، الاردن، لبنان، ومصر. فقد مارسوا مفكري هذه الاقطار بعضهم وبخاصة في مصر البحث الفلسفي باصالة فكرية وبصمة عربية تحسب لهم. والمفتقد المطلوب هو توحيد هذه الجهود الكبيرة في تأسيس بداية نهضة فكرية ثقافية فلسفية جامعة لها وزنها بين ثقافات شعوب العالم.لا اعرض مقالات ودراسات الكتاب التي تقع في (26) مبحثا فلسفيا مختارا بعناية تناولتها من منطلق رؤية نقدية عربية خاصة استطيع القول مفقودة عندنا التي تكتفي في عروضات الفلسفة الغربية المعاصرة التي يغلب عليها الترجمات الاكاديمية التي من السهولة ملاحظتها أنها تتغافل كل حس نقدي ويكفي أن تكون مباحث هذا الكتاب واحدة من المجهودات العربية القليلة في ممارسة النقد الفلسفي العربي للفلسفة الغربية المعاصرة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان 2021

 

 

ميثم الجنابيصدر كتاب (بوابة التاريخ الأبدي) عن المركز الاكاديمي للابحاث. 2021. وعدد صفحاته 435

وغايته الاساسية هو النظر في فلسفة التاريخ وأثرها في تأسيس الفكرة السياسية. ومن ثم دورها بهذا الصدد في تاريخ الامم والحضارات. ويتكون الكتاب من مقدمة وخاتمة وسبعة اقسام هي على التوالي

المقدمة

فلسفة التاريخ اللاهوتي عند القديس اوغسطين

فلسفة التاريخ اللاهوتية

النقد اللاهوتي الفلسفي للوثنية

التاريخ والعناية الإلهية

البديل التاريخي النصراني

المضمون التاريخي لفلسفة التاريخ اللاهوتية

فلسفة التاريخ والحضارة عند ابن خلدون

فلسفة العبرة التاريخية

فكرة التاريخ وعلم التاريخ

علم التاريخ ونظرية التاريخ

التاريخ والعمران

العصبية ونشوء الدولة والسلطان

فلسفة الدولة والنظام السياسي (الملك)

طبيعة الملك والنظام السياسي

فلسفة الثقافة والحضارة

الانتقال من البداوة إلى الحضارة

ميكيافيلي- الترميم السياسي لعجلات الانقلاب التاريخي

الفكرة السياسية الجديدة

التجارب الشخصية والحصيلة  النظرية

فلسفة النصائح السياسية العملية

الفلسفة السياسية لعلاقة الغاية بالوسيلة

الاخلاق السياسية الجديدة

هيغل- فلسفة المسار التاريخي للروح المطلق

مناهج دراسة التاريخ

التاريخ الفلسفي للعالم ومجراه العام

مجرى التاريخ العام – مغامرة العقل والحرية!

العقل والتاريخ – الحكمة والحرية

الدولة: الكلّ الأخلاقي

حرية الروح وروح الحرية

ماركس- فلسفة التاريخ الحقيقي

الصيرورة الذاتية لماركس والماركسية

من منطق الروح الهيغلي إلى منطق التاريخ الفعلي

منطق الفكرة الماركسية عن التاريخ

بداية الوعي الفلسفي للتاريخ الفعلي

التاريخ وفكرة التاريخ الماركسية

التاريخ حامل البديل الثوري

القيمة النظرية والعملية لفلسفة التاريخ عند ماركس

دانيليفسكي – فلسفة الفكرة التاريخية الثقافية

المأثرة التاريخية لفكرة دانيليفسكي السلافية

فلسفة النمط التاريخي الثقافي

الأوهام الأيديولوجية واليقظة السياسية في وعي الذات الروسي

الفكرة السلافية السياسية الثقافية

العقيدة الثقافية السياسية للفكرة الروسية

روسيا واشكاليات "المسألة الشرقية"

فكرة الاتحاد السلافي والبديل الحضاري الذاتي

الجنابي - فلسفة البدائل المستقبلية

فلسفة المراحل التاريخية الثقافية

قانون التاريخ ومنطق الثقافة

ماهية التحول النوعي في المراحلة التاريخية الثقافية

الحضارة: وحدة المركزية الثقافية والمرجعيات المتسامية

التاريخ الفعلي وفلسفة الاحتمال العقلاني

فلسفة البدائل المستقبلية: فلسفة الاحتمال العقلاني

العالم الإسلامي ومرحلة الانتقال التاريخي المستقبلي

العالم العربي وآفاق مركزيته الثقافية والمستقبلية

الخاتمة

2398 ميثم الجنابي

من المقدمة

إذا كان إدراك حقيقة المطلق يحّصن الرؤية المستقبلية من التعثر أمام عقبات الزمن، فإن إدراك حقيقة التاريخ يحّصن الرؤية المستقبلية من البقاء في فلك الزمن الدائر. فالتاريخ هو مقدمة الوجود الفعلي والبدائل المستقبلية بمختلف مستوياتها ونماذجها. والقضية هنا ليست في أن عدم الأخذ بالعبرة من التاريخ سوف يجعل المرء والشعوب والأمم تكرر نفس هفواتها، ومن ثم البقاء في فلك الزمن الفارغ، بل ولأنها تقفل على العقل إمكانية الرؤية النقدية واستشراف المستقبل. ومن ثم البقاء في مراحل التاريخ المنصرمة.

فالرؤية التاريخية المستقبلية، أو ما ادعوه بتاريخ المستقبل هو ضمانة الانقاذ الدائم للرؤية المستقبلية نفسها من جهة، كما إنها تشحن الرؤية المستقبلية بقوة الإرادة، من جهة أخرى. بمعنى، إن هذا الموقف يهّذب الرؤية المستقبلية من التشاؤم وينفخ فيها روح التفاؤل المغري. ويستحيل بلوغ ذلك بدون فلسفة للتاريخ بشكل عام وفلسفة للتاريخ القومي بشكل خاص. وذلك لأن لكل قومية وأمة كبرى صيرورتها الخاصة في المسار التاريخي العام، وتجاربها الذاتية في مراحله الثقافية.

ففيما يخص المسار التاريخ العام، فإنه مشترك بالمعنى المجرد بالنسبة للوجود الإنساني. وبداية وعيه بالأسطورة واستمراره بالعقل المنطقي وتكامله بالعقل الفلسفي والعلمي. بينما تتحقق الفكرة التاريخية في مجرى تجارب الأمم بالشكل الذي يستجيب لمراحل التاريخ الثقافية.

من بدائية الرمز إلى بداية الرمز التاريخي

لقد كانت الأسطورة الحلم الأول للإنسان والبشرية على العموم. ومن ثم تعكس ملامح انفعالاتهما الأولية. لكنها تتمثل أيضا في اعماقها الهواجس العميقة لتأمل ما جرى ويجري. وبهذا تكون قد تضمنت في رمزيتها البدائية على ملامح الاكتشاف الأولي لمعنى وجودها وقيمة أفعالها في الزمن. فالأسطورة بهذا المعنى تعّبر عن المرحلة الأولية في تجريد الوعي. إنها تمثل مستواه الحسي الحدسي المباشر. الأمر الذي جعل من موضوعاتها التاريخية أجزاء متناثرة في ليل الماضي، شأن نجوم الكون اللامعة. ومن ثم الخلفية الجامعة والمبرّزة لها، بوصفها ظلمة المجهول التي تتحكم في كل ما كان ويكون على انه قدرا محتوما.

فالأسطورة ليست نظرية ولا منطقا. ومن ثم فهي تفتقد إلى صيغة التفكير المنَّظم، أو المنظومة العقلية، بوصفه النموذج الأعلى للتفكير المنطقي. إن الأسطورة تاريخ. بمعنى إن التاريخ يذوب فيها ويظهر بما في ذلك في خرافات الفكر والمواقف والتقييم، بحيث تجتمع فيها الحكمة العملية والرمز والإيحاء والقيم وكثير غيرها مما يشكل مضمون الحياة البشرية. وفي كل ذلك تبرز الملامح الأولية لوعي الذات الثقافي المتوّحد، وتجزئته الدائمة في عالم الثقافة المتغير.

وقبل أن تحصل فكرة التغير الدائم على محتواها الأعمق، باعتبارها أحد قوانين الوجود الكبرى، وقبل أن يبلغ الفكر العقلي تحرره من خرافات الأسطورة، كان لابد لها من المرور في كل دهاليز الوجود والوعي لكي تبلغ حريتها الجديدة. بمعنى تحرر العقل من السماع والانصياع الكامل له، شأن اندهاش وتلذذ الأطفال بحكايات الأمهات والجدات. حينذاك يتخذ التغير والتبدل في المواجهات والكفاح والخنوع والانتصار والهزيمة والأفراح والأحزان، باختصار في كل متناقضات الوجود الحي، هيئته المستقلة في الوعي المتأمل لما حدث ويحدث. عندها يظهر بالضرورة السؤال والفكرة المتعلقة بالقوة القائمة وراء كل ما يجري.

ومفارقة الأسطورة والفكرة الأسطورية تقوم في استبدالها للعقل والمنطق في الرؤية بأسلوب "التشويش" الخيالي، الذي تبتدع فيه ومن خلاله مختلف صيغ الاحتكاك بالواقع وتجاوزه إلى عوالم الوجود غير المرئية، أي كل ما يدغدغ الخيال التاريخي للأمم في مراحل تكونها المدني والثقافي. إذ ليس التكون الثقافي للأمم سوى الاستظهار الواقعي والرؤية الفاعلة للأنا الثقافية في وحدة مقوماتها المادية والروحية بوصفها كيانا تاريخيا متحققا في الدولة.

وإذا كان من الصعب الآن تحديد مكونات هذا الاستظهار كما جرى بالفعل في دهاليز وعي الذات الأسطوري للأنا الثقافية، فإن الأمر الذي لا شك فيه يقوم في تمثلها الحسي والحدسي لعلاقتها بنفسها وبالعالم المحيط. وفي هذه العلاقة المتبادلة مع العالم المحيط تبلورت عناصر الوعي التاريخي.

وبهذا تقترب الأسطورة من الشعر، أو أنها نفسها الصيغة الشعرية بفعل تداخل الاثنين في الأسلوب والغاية. فكلاهما ينحدر صوب الأعماق ويغوص فيها لكي يتسامى عليها. وكل منهما يدعي المطلق في احساسه وحدسه. ووراء هذه "المغالطة" المنطقية تكمن "سفسطة" التاريخ الطبيعية. فالوعي الأسطوري يبحث هو الآخر عن نقطة البداية (الأصل) والنهاية (التاريخ). ويكتشف في هذا البحث وحدة الفوضى والنظام، والظلم والعدالة، والحق والباطل، أي كل تناقضات الوجود في وحدتها، كما لو أنها تجل لحركة الطبيعة وتعاقب تجليتها الزمنية من ليل ونهار وحرارة وبرودة وصيف وشتاء وربيع وخريف، أي كل ما أعطى له واستثار فيه وحي الهرمية المبدعة في الكون. وسوف تدخل كل ذلك في الوعي الفلسفي الأولي.

إن اقتراب معضلات الأسطورة في صيغها الفكرية من حدود التفكير المنطقي، كانت تعني فيما تعنيه بالنسبة للرؤية الفلسفية عن التاريخ، اقترابها من أسلوب التفكير المنطقي في النظر إلى مختلف الحالات والظواهر والموقف منها، بمعنى إبراز هوية الذات الإنسانية واستقلالها تجاه تحديد الفعل ومضمونه وغاياته. وهو الشيء الجوهري بالنسبة للتاريخ.

لكن ما هو أكثر جوهريه يقوم في رؤية المسار الذي قطعه الفكر الإنساني في محاولاته تذليل الطابع الحسي والمضمون الحدسي للتفكير الأسطوري من خلال رفعه إلى مصاف المنطق والتعميم، باعتباره الأسلوب الضروري لبلورة المفاهيم الفلسفية، والرؤية الفلسفية عن التاريخ.

فلسفة التاريخ الثقافي

وهو ما اطلق عليه أيضا عبارة فلسفة تحقيق الفكرة التاريخية في مجرى تجارب الأمم وبما يستجيب لمراحل التاريخ الثقافية. فحالما ننظر، على سبيل المثال، إلى الشخصيات الكبرى التي اتناولها في هذا الكتاب، باعتبارها شخصيات جعلت من الفكرة السياسية قضية جوهرية في فلسفتها عن التاريخ مثل اوغسطين وابن خلدون ومكيافيلي وهيغل وماركس ودانيليفسكي، فإننا نلاحظ أن الاختلاف النوعي بينها مرتبط باختلاف المراحل التاريخية الثقافية. من هنا تباينها الظاهري في اللغة والتعبير والأسلوب واشتراكها في تأمل التاريخ الثقافي والبحث فيه عن مصير (اوغسطين) وعبرة (ابن خلدون)، ومصدر ومعين (مكيافيللي)، وميدان العقل والروح (هيغل)، واستشراف المستقبل (ماركس) ووعي الذات الثقافي القومي (دانيليفسكي)، وتوليفها النقدي وتذويبها في فلسفتي (فلسفة البدائل المستقبلية).

ففي شخصية وابداع اوغسطين وابن خلدون تنعكس بداية ونهاية المرحلة الدينية السياسية. فاذا اكن اوغسطين يمثل بداية المرحلة الدينية السياسية (النصرانية –الاوربية)، فان ابداع ابن خلدون يمثل نهاية المرحلة الدينية السياسية (العربية الاسلامية). من هنا اختلافهما ليس فقط في ما يتعلق ببداية ونهاية المرحلة التاريخية الثقافية (الدينية السياسية) بل وبفعل تباين التجارب الثقافية المختلفة.

بينما يمثل مكيافيللي بداية المرحلة السياسية الاقتصادية في التطور التاريخي الثقافي الاوربي. اما هيغل فوسطها، بينما يمثل دانيليفسكي وماركس بداية نضوجها واستكمالها الناضج على التوالي. وعند هذا الحد يقف الفكر الفلسفي عن التاريخ عند مشارف المسار المنعقد والافاق غير الجلية بالنسبة لآفاق التطور التاريخي اللاحق. من هنا تنوع المدارس التي لم تخرج في الاطار عما بلوره هيغل وماركس. أي أن أي منهم لن يتناول اشكاليات التاريخ المستقبلي. وهي القضية التي شكلت مضمون (فلسفة البدائل المستقبلية) التي اضع صيغتها الأولية المختصرة في هذا الكتاب. وهي فلسفة تسعى لتأسيس المستقبل بوصفه تاريخا مستقبليا يتأمل المسار التاريخي اللاحق ومراحله الثقافية الكبرى، ووعي المسار التاريخي الذاتي بوصفه مشروعا أو مشاريع محكومة بفكرة الاحتمال العقلاني القائم في صلب الإمكانيات الضرورية المستقبلية. وسوف أنشر صيغتها الكاملة قريبا.

لهذا لم اتناول مختلف المدارس الكبرى المهمة، التي جعلت من التاريخ، والتاريخ الثقافي، وتاريخ الحضارات موضوع اهتمامها الأساسي. وذلك لأنها جميعا كانت أقرب إلى الفلسفة المكتبية. وهذا لا يقلل من قيمتها الإبداعية الكبيرة والعظيمة أحيانا، لكن أهميتها تبقى محكومة ومقيدة بالتأثير الخفي والعميق لوعي الذات التاريخي والثقافي والحضاري، أي البقاء ضمن حدود العقل النظري التأملي. اضافة لذلك، إن ظهور الكثير من التيارات الفلسفية الكبرى عن التاريخ ليس إلا نماذج متنوعة من إعادة "قراءة" التاريخ.

لكننا نعثر في الوقت نفسه على تيارات مؤثرة من الناحية السياسية، رغم طابعها المكتبي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن الاثر المباشر وغير المباشر للماركسية. وبقدر ما ينطبق ذلك على ماكس فيبر، فإنه ينطبق أيضا على تراث التيار الفلسفي الداعي بالرجوع إلى كانط (الكانطية الجديدة) وبالأخص في مدرسة بادن واهتمامها النوعي بفكرة التاريخ وبالأخص عند كل من فيلهيلم فيندلباند وهنريخ ريكرت. والشيء نفسه يمكن قوله عن مختلف التيارات النقدية لليسار الجديد الذي اكتسح العالم على امتداد عقود، وبالأخص في ستينيات وسبعينات القرن العشرين، سواء في مدرسة فرانكفورت أو الوجودية (وبالأخص ياسبرس وتأملاته الفكرية عن التاريخ ومعنى التاريخ). وأخيرا كل نماذج وشخصيات "قراءة" التاريخ والنصوص من اجل إعادة بناء وتركيب الصورة التاريخية الفعلية للماضي والحاضر كما نراه عند غادامير وفوكو ودريدا وغيرهم. إضافة إلى مدارس التأويل الحديثة بل وحتى المناهضة للماركسية كما هو الحال على سبيل المثال عند والت وتمان روستاو في كتابه (مراحل النمو الاقتصادي: البيان غير الشيوعي")، أي ترديده لصدى الفكرة الماركسية عن مراحل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية.

التيارات والشخصيات الحديثة

اما التيارات الفلسفية الكبيرة ومدارسها التي لعبت دورا كبيرا في بلورة اسس الرؤية النقدية العقلانية للتاريخ والثقافة والحضارات، فيعود اغلبها الى المدرسة الالمانية والفرنسية والانجليزية. فمن الناحية التاريخية والنظرية العامة يمكن تحديد أهمية وثقل مدارس الفلسفة الألمانية عن التاريخ وتأسيسي الفكرة التاريخية. ومع ذلك تكن ألمانية بالمعنى الضيق للكلمة، وذلك لأنها كانت، من حيث المنهج والرؤية، في صراع متوازي وتتنافس مع تقاليد المدرسة (التنويرية) للفرنسيين والعملية للإنجليز.

وخصوصية الفلسفة الألمانية ومدارسها بهذا الصدد تقوم في أنها مثلت من الناحية النظرية في ميدان الرؤية الفلسفية للتاريخ ما مثلّته مدارس عصر النهضة في مجال التأسيس غير المباشر لتهديم أسس ومرجعيات المرحلة الدينية السياسية وهيمنة الدين والكنيسة، وما مثلّته مدارس عصر التنوير في إرساء أسس الرؤية العقلانية والحداثة. وليس مصادفة أن تصبح الثقافة الإغريقية مثالا ملهما للثقافة الألمانية، بحيث يندر العثور على فيلسوف ألماني لم يتطرق إليها أو أن تكون بداية مساره الفلسفي. ولعل ما قاله غوته من "إننا كلنا يونانيون. ولا يمكن للمرء أن يكون عارفا ومثقفا وعصريا ما لم يكن يونانيا" سوى إحدى الصيغ البلاغية والوجدانية الشعرية عن هذه الحالة. اضافة إلى البواعث العميقة لفكرة المركزية الثقافية. من هنا إبداعها الكبير في التأسيس لإشكاليات وعي الذات التاريخي والثقافي. إضافة إلى حدس وتأسيس فكرة تنوع الثقافات وعوالمها الخاصة والأصيلة. من هنا امتلاء التقاليد الألمانية بصدد التاريخ وإشكالاته بهيمنة النظرة الفلسفية لمساره المعقد في تجارب الأمم، على خلاف النظرة الفرنسية العقلانية عن النوع الإنساني الواحد.

فقد توصل كانط إلى الفكرة القائلة، بأن التاريخ هو ملكوت الحرية، وانه يختلف عن مسار الطبيعة. بينما نرى نيتشه مثلا نموذجيا للرؤية الفنية أو الجمالية عن التاريخ. إذ اعتبر تاريخ الروح هو التحقيق الفردي للحياة، وتجسيد الطاقة غير العقلانية في المسار العقلاني لبلوغ الغاية والأهداف. من هنا فكرة ونموذج السوبرمان، الذي وجد نماذجه الجميلة في اليونان وروما. بينما انكسر هذا الروح والشخصية خلال سيطرة النصرانية. اما المرحلة الجميلة الأخرى للتاريخ فنراها في عصر النهضة. فهو العصر الذهبي بغض النظر عما فيه من نواقص. من هنا قوله "إننا مدينون لها بكل ما هو متنور من حب المعرفة والعلوم واحتواءها". غير أن القوة المحنطة للارستقراطيات التقليدية استطاعت سد مسار هذا التيار العارم للحرية والتنوير. واستمرت هذه التقاليد قوتها الجديدة زمن الانحطاط والرجوع القهقري في القرن الثامن عشر الأوربي كما نراه في صعود الحركة النسوية والاشتراكية والديمقراطية. أما البقعة الوحيدة النيرة الباقية فهي شخصية غوته وعبقريته التي لم تحصل على أتباع وأنصار، كما يقول نيتشه.

إن التاريخ بالنسبة لنيتشه هو استمرار الانحطاط، وكل ما يجري رفعه من شعارات وقيم هي في جوهرها انحطاط. من هنا فكرته عن القيم البديلة، بما في ذلك تقويم الزمن بالرجوع إلى زمن زرادشت والانطلاق منه كما نعثر عليه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت). والشيئ نفسه نعثر عليه في الاستلهام العميق للتراث الهندي في فلسفة شوبنهاور. وحصلت هاتين المدرستين على تأويلها وتأسيسها المتميز في ابداع اوسفالد شبنغلر، والذي وضعها في منهجه المورفولوجي، بوصفه منهج التفسير الكبير للثقافات الكبرى وتأويلها الفني (ليس العلمي الدقيق).

لقد أنتجت المدرسة الألمانية إعداد كبيرة من جهابذة العلم التاريخي والفلسفي التاريخي، امثال غومبولدت، وريكرت، وديلتي، وفندلباند، وترويلج وغيرهم. ولا يغير من اهمية وحقيقة هذا الابداع الهائل، كون الهيغلية كانت تقبع في قاع أغلب إن لم يكن جميع المدارس الفلسفية الألمانية في مواقفها من التاريخ، وفكرة التاريخ العالمي، وفلسفة التاريخ.

فقد وضع ريكرت الصيغة العامة أو البرنامج العام للعلم التاريخي، ومن ثم فلسفة التاريخ. واستند في فلسفته هذه على أساس تعميم الحصيلة المعرفية للمسار التاريخي، ومن ثم جمع تواريخ الأمم في تاريخ واحد. إضافة إلى البحث عن معنى التاريخ، واخيرا وضع الأسس المنهجية للمعرفة التاريخية.

بينما اعتقد ارنست ترويلج كما نراها بشكل خاص في كتابه (النزعة التاريخية وقضاياها. القضية المنطقية لفلسفة التاريخ)، بان ما يميز الرؤية الألمانية هو طابعها الديني الصوفي، كما نراه في تمحورها حول خصوصية وفردانية الثقافة على عكس الفرنسيين والإنجليز الذين وجدوا مثالهم في حركة التنوير، أي في الطابع العقلاني والشامل المبني على أساس العلوم الطبيعية والمنطقية (الرياضية). بينما بدت هذه الفكرة المنهجية بالنسبة للفلاسفة الألمان مجرد صيغة مسطحة بالنسبة للوعي الفلسفي التاريخي. اما الصفة الاخرى فهي الدخول أو التغلغل إلى جوهر الأشياء كما يقول كارل بوبر في كتابه (بؤس النزعة التاريخية). وهي الفكرة التي أشار اليها ايضا ف. فينديلباند في كتابه (الروح والتاريخ) الذي نظر إلى الفلسفة الألمانية باعتبارها الوعي التام لما تناولته الفلسفة الإغريقية القديمة، وهي الفكرة التي شاطرها كارل بوبر ايضا.

اما فيلهلم ديلتي، الذي تاثر بفلسفة الحياة التي بلور معالمها نيتشه، ومن ثم اختلاطها بالنزوع اللاهوتي بحيث ادت الى بلورة موقف ومنهج خاص في نظرته إلى التاريخ. ووجد ذلك انعكاسه في الفكرة العامة القائلة، بان مهمة البحث الفلسفي في التاريخ تقوم في الكشف عن الطابع الشخصي الملموس والفردي والروحي المضمون في الدين والفقه والحقوق، والفلسفة والفن، اي كل ما يتحول إلى القوة الموجهة أو المحّركة للتاريخ. فالتطور، حسب ديلتي، يحتوي على معنى وقيمة وفكرة وبؤرة روحية موجهة. وبالتالي، فإن التاريخ هو تاريخ الروح وارتقاءها التاريخي الكوني. أما مضمون وغاية التاريخ عند ديلتي فيتطابقان مع منهج المعرفة والتعليم وتأثيرهما على الدولة والمجتمع. من هنا خلو فلسفته عن التاريخ من الفكرة النسبية والشكوك. ومن هنا أيضا فكرته عن أن القيم التاريخية هي التي تصبح بؤرة أو مركز الواقع الحي وتنوع ما فيه.

بينما سار اهتمام فيلهلم فيندلباند صوب خصوصية المقولات أو المفاهيم التاريخية، أي كل ما يساهم في بلورة الرؤية العلمية عن التاريخ أو ما يدعوه بملكوت الصور والأنماط. وانطلق في فلسفته عن التاريخ من أن هناك نمط تفكير صوري (من الصورة) عن التاريخ (التي سيحولها شبنغلر لاحقا الى مفهوم نمط الاشكال في تفسير التاريخ). وميّز العلم التاريخي وإشكالاته مقارنة بالعلم الطبيعي في كونه يهتم بملكوت الصور، على خلاف الطبيعي الذي تشكل القوانين ميدان اهتمامه وملكوته. ونظر إلى مفهوم التطور التاريخي، باعتباره منظومة أو مفاهيم المسار التاريخي أو العملية النفسية السببية. فالإنسانية تنتج نفسها من مختلف الشعوب والأقوام المتناثرة على سطح البسيطة بوصفها وحدة واعية لذاتها، وهو المقصود بتاريخها. ووضع هذه المقدمة النظرية العامة ومنهجها في موقفه من التاريخ الانساني وثقافاته. وحصرها في كل من أمريكا الوسطى، والآسيوية الشرقية، وحوض البحر المتوسط. وفِي هذه الأخيرة جرى بلورة أسس العلوم والفكرة العلمية (اليونان)، وفكرة الدولة والحقوق (روما)، وفكرة الإنسانية الجامعة (أوربا). فإذا كان افلاطون يمثل شباب الثقافة، فإن كانط يمثل نضوجها، بمعنى نضوج وتنوع الثقافة، وأولوية النقد على الإبداع.

في حين أنتج ماكس فيبر وأسس وبلور فلسفته عن التاريخ بمعايير منطق التاريخ. من هنا خلوها من الأحكام القيميية. أما فكرته عن الأنماط المثلى، فهي نتاج المقارنة المبنية على أساس وجود الصفات الجوهرية المتشابهة. وإن هذه الصفات مثالية، أي لا توجد في الواقع كما هو. انه حاول البحث عن الأنماط المثالية لكل مرحلة تاريخية. وإن النمط المثالي، بالنسبة لماكس فيبر هو البناء الذي ينتج تفكيرنا. وكذلك إمكانية قياس العلاقة أو الخاصية الفردانية، أي الصلات التي تكشف عن أهميتها في خصوصيتها مثلما هو الحال بالنسبة للرأسمالية، والنصرانية، وما شابه ذلك. وكانت غايته بهذا الصدد تقوم في تأسيس الفكرة القادرة على إزالة التصور السائد  والقائل بأن النمطية العادية المجردة تتطابق مع الأصل المجرد في الظواهر الثقافية. بينما لا وجود في الواقع لهذا التطابق.

إن هذا الاستعراض المكثف لبعض شخصيات ومدارس الفلسفة التاريخية الألمانية يكشف عن تغلغل الغائية والحتمية والعقلانية في مختلف مدارسها ومناهجها وشخصياتها الكبرى. إضافة إلى عمقها المعرفي ودقتها المنهجية وروحها العقلاني ونزوعها الإنساني أيضا.

فيما يخص المدرسة الفرنسية، فاكتفي بالإشارة إلى ثلاثة مدارس فكرية وشخصياتها الأساسية.

الاولى وتتجسد في شخصية جان أنطوان كوندرسيه، باعتباره الممثل النموذجي لفكرة التقدم الإنساني. ففي مواقفه ينعكس تراكم فكرة التطور والتقدم وآفاقها غير المتناهية بوصفها تمثلا لحقيقة العقل وتحقيقها غير متناه لما فيه. ووضع ذلك في كتابه عن (الصورة التخطيطية للوحة التاريخية لتقدم العقل الإنساني). وأسس لذلك في ما اسماه بالمراحل العشر التي يمر بها العقل الانساني وهي: مرحلة النظام القبلي ومزاولة الصيد والرعي، و المعارف الأولية البدائية، وكثرة الخرافات والأوهام، وبداية نشوء رجال الدين والعرافة والكهنة والسحرة؛ والثانية هي مرحلة الانتقال من الرعي إلى الزراعة. وهنا يتقدم العقل بمختلف الميادين؛ والثالثة هي مرحلة ظهور الخط والكتابة. حيث يظهر هنا التفاوت الطبقي والنظام السياسي، وكذلك ظهور المدن وطبقة الكهنة، وتحول الدين إلى أداة بيد الكهنة للسيطرة على عقول الناس عبر نشر وزرع الجهل والأمية بين العوام× والرابعة هي مرحلة العالم القديم (اليونان) حيث يأخذ العقل النظري بالتطور، اضافة إلى ظهور وتطور الملاحظة العلمية والعملية، وفي نفس الوقت تستمر الخرافات والأساطير؛ والخامسة هي مرحلة تطور وتنوع العلوم وتخصصها. وفيها خرجت مختلف العلوم من الفلسفة القديمة، لكنها تعرضت إلى السقوط بسبب سيطرة الدين النصراني؛ والسادسة هي مرحلة ما قبل الغزوات الصليبية، حيث اخذ الشرق بالانحطاط ولكن بصورة بطيئة، بينما سار الغرب بأثر الدور الذي قام به البرابرة في القضاء على روما وتحريرهم للعبيد. حينذاك بدأت مرحلة الإقطاعية الفلاحية؛ سابعا مرحلة النهضة حتى اختراع آلة الكتابة والطباعة. وهنا يبدأ التقدم. ومع اكتشاف البوصلة والبارود جرى التغير الهائل في التاريخ الإنساني. حيث يأخذ العقل بالانتشار في مختلف الأماكن، لكنه لم يتحرر كليا من القيود؛ الثامنة وهي مرحلة طباعة الكتب. إذ اصبحت كل الاكتشافات مسجلة ومنتشرة بين الجميع؛ تاسعا وهي المرحلة التي تبدأ من ديكارت حتى الجمهورية الفرنسية. فهنا يأخذ العقل بشق الطريق والثبات الدائم؛ واخيرا مرحلة العلم. إذ لا حدود مقيدة للعقل، وفيها تبدأ آفاق غير محدودة أمام العقل المتحرر.

بينما أرسى أوغست كونت رؤية للتاريخ على أساس تصنيف الذهنية العلمية. وإن مسار هذه الذهنية التاريخي وتطورها مرّ بثلاث مراحل هي على التوالي: المرحلة اللاهوتية، والمرحلة الميتافيزيقية، والمرحلة الإيجابية (العلمية) او الوضعية.

فالمرحلة اللاهوتية هي التي أخذ الانسان بإلباس ملامحه وصفاته على الطبيعة والحيوان والوجود ككل. وفيها جرى الانتقال من تعدد الآلهة إلى الوحدانية. أما المرحلة الميتافيزيقية فهي مرحلة انتقال الوعي والذهنية من الصيغة الطبيعية المباشرة (الحيوانية والنباتية) إلى الصيغة النظرية المجردة. وهنا تظهر المقولات الفكرية والفلسفية والعلمية عن الاسباب والنتائج، والجوهر والعرض، والوقع والمثال وما الى ذلك. بينما تشكل المرحلة الإيجابية قمة التطور. إنها مرحلة التنظيم العقلاني للمجتمع والوجود ككل. كما أنها مرحلة الدراسة العلمية الدقيقة للظواهر والكشف عن أسبابها الواقعية وارتباطها. وأخيرا، إنها مرحلة المهمات العلمية وكشف القوانين وإرساء أسس الرؤية العلمية للعمل والإنتاج.

ان خصوصية الفكر الفرنسية عن التاريخ تكمن في أن المدارس التي نشأت فيها في العصر الحديث ارتبطت بطبيعة وحجم وتكرار الأزمات السياسية الحادة. فالوعي الفرنسي بما في ذلك الفلسفي هو وعي سياسي اجتماعي ملموس ذو نزوع أدبي وفني. لهذا لم تتحرر الفكرة التاريخية منذ زمن غيزو وحتى فلسفة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، التي وضع أسسها كل من لوسين فيفر ومارك بلوك. فقد كان لهذه المدرسة تاريخها الخاص او وعيها النقدي الذي جرى التأسيس لها في (الحوليات الفرنسية) والتي لم تكن بدورها معزولة عن تأثير المدرسة السوسيولوجية لأميل دوركايم. كما يمكن العثور فيها، وبالأخص عند لوسين فيفر على أثر الفلسفة الماركسية التاريخية الاقتصادية. بمعنى تركيزها على العامل الاقتصادي في دراسة التاريخ الإنساني الملموس.

والشيئ نفسه يمكن قوله عن تيار "ما بعد الحداثة" الذي لعبت فيه الشخصيات والمدارس الفرنسية دورا محوريا. فقد كان نقدها لتاريخ التقدم والحداثة استمرارا له ولكن بطريقة مقلوبة. غير أن قيمتها الجوهرية بالنسبة للتقاليد الأوربية بشكل عام والفرنسية بشكل خاص، تقوم في محاولتها إعادة تأسيس الرؤية التاريخية بطريقة تحررها من "العقل" السابق! من هنا نقد جميع تقاليد العلم والعقل القديمة، ومحاولة تفتيت اليقين الصارم للعلم والصورة الكلية للرؤية العلمية. ومن ثم تأسيس فكرة التنوع والآفاق المتنوعة للمعرفة والحقائق. من هنا أولوية الاهتمام بالعوالم الصغرى، والاتجاهات والمجريات الجزئية، والتيارات الذرية، والحالات الخاصة، والفردية والفردانية. ووجد كل ذلك تعبيره في المنهج الذي وضعه فوكو الذي اعتبر توجه ما بعد الحداثة هو تأسيس حق الانتفاض والتمرد ضد العقل (القديم أو التقليدي أو السائد في التاريخ العقلي الأوربي).

لقد ساهمت كافة هذه المدارس وكثير غيرها ما لم يجر التطرق إليه هنا في تعميق وتدقيق الفكرة التاريخية ومناهجها الخاصة. ومن ثم إرساء وتأسيس وتعميق الرؤية العقلانية والنقدية في الموقف من الماضي والحاضر. ومن ثم كان بإمكانها التأثير بصورة غير مباشرة في الحياة السياسية، لكنها لم تنظر إلى هذه المهمة، كما لو أنها مهمتها العملية.

لهذا لم اتناول في هذا الكتاب سوى بعض الفلسفات التي لعبت دورا سياسيا كبيرا في تاريخ الأمم والتاريخ البشري ككل. وذلك لأنها كانت تضع في صلب تصوراتها وهمومها وغاياتها مهمة تنشيط الإرادة العملية للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، أي تلك التي ساهمت وتساهم في تأهيل المجتمعات والأمم للانتقال من مرحلة تاريخية ثقافية إلى أخرى أرفع. لكنها تختلف في تأسيسها لهذه المهمة التاريخية وغاياتها. ومع ذلك لم يستطع أي منها التحرر من ثقل الرؤية السياسية والأيديولوجية في الموقف من التاريخ.

أما ما اسعى إلى تأسيسه فهو فلسفة للتاريخ تقوم في استمداد الفكرة السياسية ومهماتها من التاريخ العام (قانون المسار التاريخي الثقافي) والتاريخ القومي (منطق العقل الثقافي) بوصفها تجربة ثقافية ضمن هذا المسار، وليس بالعكس.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)


لا شك أن أزمة العالم العربي والإسلامي المعاصرة أصبحت رهينة فك الالتباس حول الحقيقة الغائبة بين رسالة السماء الإلهية لإخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، وبين رسالة الدين الموازي الذي اخترعته أهواء البشر، ولكي ندرك تلك الحقيقة المغيَّبة بفعل تزييف الوعي الديني من خلال تسطيح العقل وإقصائه وحجبه وراء أستار التقليد والاتباع والسمع والطاعة للتعصب والعصبية، لابد من البيان والتبيين لأصول الخطاب الإسلامي وكذلك لمعالم طريق الخطاب الإرهابي.

من هذا المنطلق وجدنا ماجد الغرباوي ينطلق في كتابه "تحرير الوعي الديني" ليفصل لنا أحاديثه حول أهم قضايا أخرى مهمة تتعلق بتحرير الوعي الديني ونبذ الجمود والتقليد ؛ مثل: الخلق والحقيقة (من ص 111- 113)، ولغة الدين (من ص 114- ص 117 ثم من 120 – 123)، وفلسفة الخلق والتأويل (من ص 118- ص 119)، والتأويل الموضوعي (من ص 124- 126)، وقصص القرآن (من ص 127- 129)، والمنهج القرآني (من ص 130- 131)، ونموذج تأويلي (من ص 132- 135)، وسياقات التأويل (من ص 135-138)، وشروط المنهج (من ص 138-140)؛ وفي تلك القضايا السابقة توصل المؤلف إلى أن النص ليس منقطعا عن سياقاته التاريخية، ولا يتعإلى على تاريخيته، لكن ثمة نظرة خاطئة، واضحة في المنهج الفقهي حينما يتعامل مع النصوص منفصلة عن سياقها القرآني والتاريخي، فلا يخرج عن التقليد دون الاجتهاد، لأن الثاني لا يقف على حدود المعنى اللغوية الذي يعني بذل الجهد لفقه النص ضمن سياقه التاريخي وظروف نزوله. النص جاء ليقدم رؤيته عن الواقع الموضوعي، فهو استجابة لسؤال واقعي أو مقدر، ولذا لا يمكن فهم قصة الخلق وتحريرها من سجون اللفظ إلا بهدر الفهم التراثي والسلفي، وتوظيف المناهج الحديثة لفهمه (37).

كذلك يكشف لنا الغرباوي عن قضايا أخري مهمة لتحرير الوعي الديني مثل: محددات القراءة (من ص 145- 148)، والمدونة الأساسية للدين (من ص 148- 152)، ومنهج القراءة (من ص 153-155)، والوحي ثانياً (من 156- 158)، والبيئة الثقافية (من ص 159-160)، ومفهوم الحق (من ص 161- 163)، والقصص الحق (من ص 164-196)، واستفهامات الحقيقية (من ص 170-172)، ومشاهد الخلق (من ص 172 – 176)، وتأملات في فلسفة الخلق (من ص 176-177)، والتداخل بين الأسطوري والديني (من ص 178-179)، والعنصر المشترك الأول: أسئلة الوجود (من ص 180-186)، وتشابه السرد (ص 187)، والعنصر المشترك الثاني: أسئلة الوجود (من ص 188-193)، وهنا نجد المؤلف يؤكد لنا أن القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وقصة الخلق جزء من اسطورة الخلق التوراتية، حيث تخصص يوما لخلق آدم وحواء وإسكانهما الجنة، مجرد حدث تاريخي لا يشي بمعان رمزية أو قيم إنسانية وأخلاقية. والأسطورة تاريخيا سابقة عليها، تحكي سؤال الوجود الملازم لشغف الإنسان بالخلود، لمعرفة أصل وجوده ومصيره. يبحث دائما عن إجابات لظواهر الحياة والموت وما بعد الموت، وهي أسئلة وجودية، تعبر عن قلق عميق يستبد بالإنسان لا شعوريا. فقصة خلق آدم جزء من قصة الخلق، وهي قصة أسطورية في جذورها التاريخي، وردت في الألواح السومرية والبابلية. قصة خاوية، تؤرخ لبداية حياة الإنسان، وغاية وجوده خلاصتها أن الآلهة قد طلبت من كبيرها أن يخلق من يقوم مقامها في الأرض بعد ان تعبت، وأرهقها السعي وراء تحصيل أرزاقها، فخلق الإنسان من دمها وعلى شاكلتها، وهو أقصى ما بلغته المخيلة البشرية آنذاك. وفي التوراة حصلت قفزة نوعية في قصة خلق الإنسان، ابتداء من توحيد الآلهة، وانتهاء بدوره في الأرض، مروراً بالجنة وكيف أغرته الحية، فارتكب خطيئته، عندما أكل من الشجرة المحرمة. فثمة تشابه بين التوراة وأساطير الأولين (38).

ثم يؤكد الغرباوي بأن فلسفة خلق الإنسان في الأساطير القديمة تقوم على اختزال الإنسان، وتكريس عبوديته للآلهة، التي خلقته مطبوعا على الطاعة والانقياد، تستعين به لتأمين قوتها وغذائها، بعد متاعب الأرض التي أنهكتها، فتكون العبودية جوهره وحقيقته، وليست عارضة أو طارئة عليه، فهو كائن مستلب الإدارة والحرية، متقوم بغيره، وهو ذات المنطق العبودي الذي ينفي استقلالية الإنسان ويكرس تبعيته الوجودية، حدا يبيح هدر إنسانيته. والأمر لا يختلف مع الأسطورة التوراتية، فالإنسان سيكون حارسا على الأرض ومسيطرا على الأسماك والبحار، أو ليذهب وحشه الأرض كما في بعض نسخ التوراة، فلم يكن مخلوقا لذاته، مستقلاً بإرادته، بينما يعطي القرآن الإنسان قيمة مغايرة حينما جعله خليفة، على الأرض، ومنحه العقل والإرادة والحرية، ليتحمل مسؤولياته ويؤدي وظيفته الوجودية، وليس عبدا وخادما للآلهة، ولا متسلطاً على الأسماك والطيور. بهذا نفهم أن الله أراد أن يخلق إنسانا تتجلى إنسانيته من خلال مشاعره وأحاسيسه وسلوكه. فالقرآن صدق فكرة الخلق وأعاد تشكيلها وفقا لمفاهيم إنسانية، ليضع فاصلاً بين مرحلتي الأساطير والوحي الإلهي، في ضوء الإطار العام للكتاب القائم على وحدانية الخالق فيتفق مع التوراة في الوحدانية ويختلف معها حول هدف الإنسان في الحياة، كما استعاد إنسانية الناس، التي سلبتها أساطير الأولين، باعتبارها نتاج مجتمع، يكرس عبودية الفرد دينيا، ويسلب إرادته وحريته (39).

في الكتاب أيضاً يكشف لنا “الغرباوي” عن قضايا أخرى مهمة لتحرير الوعي الديني مثل: مداخل التأويل (من 194-195)، وآيات الخلق (من ص 196-197)، ورمزية قصة الخلق (من ص 198-205)، ورمزية الآيات (من ص 206-210)، وصدقية التناص (من ص 211- 213)، والعنصر المشترك الثالث: لحظة الخلق (من ص 214-216)، والعنصر المشترك الرابع: حوار الخلق (من ص 216-217)، والعنصر المشترك الخامس: موضوع الخلق (ص 218)، والعنصر المشترك السادس: استطلاع الملائكة (من ص 219-220)، والعنصر السابع السجود (من ص 221- 222)، والعنصر المشترك الثامن: خلق حواء (من ص 223-224)، ومفاهيم لغوية (من ص 225-227)، والمرأة ومشهد الخلق (من ص 228- 231)، والعنصر المشترك التاسع: وعلم آدم الأسماء (من ص 232-234)، والعنصر المشترك العاشر (من ص 235-237)، والعنصر المشترك الحادي عشر: الخطيئة (من ص 238-242)، وفوارق جوهرية (من ص 243-245)، والخطيئة العقيدة الدينية (من ص 246-247)، والعنصر المشترك الثاني عشر: قصدية الخلق (من ص 248-249)، والتشابة مرة أخرى (من ص 250-252). وهي مشتركات قام المؤلف بتقصيها من خلال مقارنة موضوعية بين أسطورة الخلق في أساطير حضارة ما بين النهرين، السومرية والبابلية، مقارنة بالتوارات من جهة، ومن ثم مقارنتهما مع قصة الخلق في القرآن، وقد كشف الغرباوي عن موارد التشابه والاختلاف، خاصة تشابه السرد، غير أنه كشف عن دلالات رمزية في قصة الخلق غير موجودة في أسطورة الخلق.

ومن خلال ما سبق عرضه من قضايا أكد المؤلف أنه لم يلجأ طوال البحث في فلسفة الخلق للتبرير والبحث عن أعذار للدفاع عن القرآن والوحي، وما قدم به من تقديم رؤية مغايرة لقصص الكتاب، وفق تقنيات اللغة والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية الحديثة. كل هذا كما يقول المؤلف في إطار الهدف العام للكتاب، باعتباره خطابا للإنسان، فيكون هو مجرد محوره وقصديته، ثم أن هدف القرآن ربط جميع الظواهر الكونية والحياتية بالعلة الأولى، مباشرة، أو ضمن سلسلة العلل، وهذا يؤثر في فهمه. وسلسلة العلل لا تنفي العقل ولا تسلب إرادة الإنسان، بل تضبط حركته ضمن القوانين الكونية والسنن التاريخية والاجتماعية. فالهدف النهائي من قصة الخلق ربط وجود الإنسان بخالقه، وبيان طرق الخلاص، وسبل النجاة وفق رؤيته الدينية. ولا علاقة لقصة الخلق بكيفية خلقه سوى التصديق الرمزي لما جاء في التوراة. وأما خلق الإنسان واقعاً فهو خاضع كغيره من الموجودة لأسباب خلقه وبالتالي لا تقاطع بين الدين والعلم حول ما يطرحه العلم، وتبقي النظريات العلمية مرتهنة لصدقيتها، وقدرتها على تقديم تفسيرات وأجوبة مقنعة لجميع الإشكالات وهو اختصاص علمي، لا يتداخل مع الديني (40).

كذلك يكشف لنا “الغرباوي” عن قضايا أخرى مهمة لتحرير الوعي الديني مثل: تقنية إدراك المعني (من 253-258)، والخلق بين الدين والعلم (من ص 259-262)، والإنسان الكامل (من ص 263-264)، ودلالات مضمرة (من ص 273-276)، الخلافة (من ص 277-280)، ودور الإمامة (من ص 281-282)، والشيعة والإمامة (من ص 283-286)، والمشرع السماوي (من ص 287-290)، والسياسة والتأويل (من 291-293)، والمعرفة الدينية (من ص 294-296)، وقيم الفضيلة (من ص 297-320)، ومن كل ما سبق يعلن المؤلف أن استمرارية الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة، ما دامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحد تؤثر من زاوية خاصة، وتارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، فيكون تأثيرها مشتركا، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا (41).

ومن القضايا الأخرى المهمة لتحرير الوعي الديني والتي يناقشها “الغرباوي” هنا في هذا الكتاب، مثل: مثالية المجتمع (من ص 321- 322)، ومفهوم الفضيلة (من ص 323- 326)، والمجتمع المدني (من ص 327- 332)، وفلسفة الخلق والتسامح (من ص 332- 333)، ومجتمع المدينة (من ص 334- 335)، وحقيقة الإقصاء الديني (من ص 336-342)، وفلسفة الخلق وتداعيات السلطة (من ص 343-344)، والسلطة والاستبداد (من ص 345-346)، والتجربة التاريخية (من ص 347-348)، والأخطاء التاريخية (من ص 349-351)، ومسؤولية الانحراف (من ص 352-354)، فلسفة الخلق ومعاجيز الأنبياء (من ص 355- 358)، منهج فهم القصص (من ص 359-362)، والطابع الغرائبي (من ص 363-364)، والفارق الحضاري (من ص 365- 366)، وندية الحضارة الغربية (ص 367)، والتحرر والتفاعل والنكوص الحضاري (ص 368-371)، حضارة المسلمين (من ص 372-373)، والتثاقف الحضاري (ص 374)، والعلاقة مع الغرب وكذلك الغرب والآخر (من ص 378-379)، والتطرف الديني (من ص 380-381)، والقرآن والتطور الحضاري (من ص 382-383)، والوحدة الإسلامية (من ص 384-385)، والتخلف الحضاري (من ص 386-390)، والنهوض الحضاري (من ص 391-394)، وإشكالية الفكر التكفيري (من ص 395-396)، واليقين السلبي (من ص 397-398)، والتجديد ضرورة حضارية (من ص 399-403)، وهنا نجد المؤلف يتوصل لحقيقة مهمة وهي أننا: ” بحاجة ماسة لمراجعة ثوابتنا ومقولاتنا وتراثنا وفكرنا وثقافتنا، بحثا عن مصادر قوتها وتشخيص نقاط ضعفها، ومطالبون بتجديد رؤيتنا للحياة والموت والآخرة، وعلاقة الإنسان بما حوله، والعودة إلى مصادر وعينا وتفكيرنا، في ضوء الواقع، وتحكيم العقل في قراءة التراث ومصادره (42).

ثم يؤكد “الغرباوي” فيقول بأن: ” صرامة الأجواء، وكثرة المحرمات والخطوط الحمراء، تفرض على المصلحين الحذر في مقاربة  ما يمت للعقيدة والطقوس بصلة، لذا تجد أكثر المقاربات سطحية تنأى عن الإشكاليات الأكثر عمقا. فمن يروم التجديد عليه أن يضع مصلحة الإسلام والأمة فوق كل شئ. ويتسلح بالعلم والمعرفة، ويقتحم كل ممنوع ومحرم، ويمارس النقد بأقصى مدياته، فلم يعد التمسك بالعادات والتقاليد، والتشبث بالماضي خيارا مقبولا، ونحن أمام مد حضاري هائل على جميع المستويات، وليس من المعقول أن نبقي متفرجين، لا نحرك ساكنا بدعوى القداسة واحترام التراث والسلف الصالح، وأبناؤنا يواجهون شتي الإشكالات، ويتعمق شكهم بدينهم وحضارتهم وتحاصرنا الشبهات والتهم (43).

لقد استطاع “الغرباوي” الوصول إلى نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلى درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولاً: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلى المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح لخلافة الإنسان على الأرض وحديث المؤلف عن الفهم هنا هو حديث عن المعرفة، وعن نظرية المعرفة؛ لأن المعرفة والبناء المعرفي لا يمكن أن يتحققا إلا بقاعدة ثابتة من الفهم، ومن الأمثلة على ذلك قول ماجد الغرباوي: ” كان سؤال الوجود وراء استعراض قصة الخلق في الكتب المقدسة، ذلك السؤال الذي لا زم الإنسان، يستفزه بدهشة، ويطرح عليه أسئلة مصيرية، تارة تكرس التشاؤم والعدمية واللاجدوي حد اليأس والانكفاء. وأخرى تدفع باتجاه التأمل والبحث والتنقيب، لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينبغي للخطاب الديني تقديم رؤية وافية تبدد شكوكه، وتجيب على أسئلته، حول حقيقة الوجود والإنسان والموت وحياة ما بعد الموت والخلود، مبدأ الخلق ونهايته وغايته، وغيرها، فهو قلق يعبر عن نفسه بأسئلة واستفسارات فلسفية (44).

ثانياً: التتبع الدقيق للحقائق التاريخية، ويتضح لنا ذلك من خلاله حديثه عن الجذر التاريخي لشعار الإسلام هو الحل؛ حيث يقول ماجد الغرباوي: “ليس الشعار غريبا على الوعي الديني، بل أن من صميم العقيدة تطبيق الشريعة، والكفاح من أجل اعتبارها مصدرا وحيدا للتشريع في دساتير الدول الإسلامية. وإذا كان تنظيم الإخوان المسلمين أول من طرحه بهذه الصيغة (الإسلام هو الحل)، فهذا لا ينفي جذره التاريخي، بل يؤكد ما تبناه الفقه الإسلامي، أن الإسلام دين شامل لكل الحياة، وما من واقعة إلا ولله فيه حكم. ومعناهما أن الإسلام حل لكل معضلة حياتية ودستورية، ومن هنا أفتوا بحرمة التشريعات الوضعية؛ وعندما رفعت الحركات الإسلامية هذا الشعار، فثمة ما يعزز ثقتهم بإمككانية تطبيقه تاريخيا إضافة لما حصل في إيران، كتجربة الخلفاء، التي تعتبر نموذجا للدولة العادلة التي أقامت شريعة السماء (45).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتى استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، ويتضح لنا ذلك من خلال مناقشة ماجد الغرباوي لفلسفة الخلق بين نظريتين حيث يقول الغرباوي: ” إن الفهم التراثي للقرآن، والجمود على ظواهر الآيات، بات عبئا على الوعي العقلاني، وتسبب في كوارث دموية نسبت للدين؛ مثاله تمسك الحركات الإسلامية المتطرفة بآيات القتال، رغم عدم فعلية موضوعاتها، وانصرافها لقضايا خارجية محددة، فاهلكوا الحرث والنسل (46).

ثم يستطرد “الغرباوي” فيقول: ” وقديما استغل مفهوم الجبر من قبل الحكومات الاستبدادية القديمة التي تري في الملوك آلهة أو ظلا لها أو خيارها. ثم استغل الحكم الأموي ومن جاء من بعده، الجبر لتبرير سلوك الخليفة، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، في الدنيا والآخرة، بعد أن أصل له المتكلمون، وغدا من مؤسسات العقل التراثي لطيف واسع من المسلمين، فالتراث المثقل بالتبعية والاستبداد ليس أقل خطرا حينما يعطل العقل، ويشل إرادة الفرد والمجتمع، ويكرس التخلف باسم الدين وآيات الكتاب (47).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال

37- ماجد الغرباوي: تحرير العقل الديني (متاهات الحقيقة 5)، دار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، ص 140

38- نفس المصدر، ص 170-171

39- نفس المصدر، ص 176

40- نفس المصدر، ص 251

41- نفس المصدر، ص 219

42- نفس المصدر، ص 402

43- نفس المصدر، ص 402

44- نفس المصدر، ص 81.

45- نفس المصدر، ص 42

46- نفس المصدر، ص 101

47- نفس المصدر، ص 101

 

 

محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)

نعود ونستأنف حديثنا عن قراءة كتاب الغرباوي "تحرير الوعي الديني" لأستاذنا الكبير "ماجد الغرباوي" وهنا في هذا المقال نقدم شهادة للتاريخ فنقول:" إن كتاب الغرباوي "تحرير الوعي الديني" ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرداً لأحداث تاريخية، وإنما حصيلة مراجعة لعدد كبير من المصادر والمراجع إضافة لخبرته في العمل الفكري، لذا نجح في تقديم تفسير رمزي لقصة الخلق تفادى فيه إشكالية وقائعية القصص القرآني، لرفع التعارض المعروف بين نظريتي الخلق والتطور. وقد توغل في استعراض مشاهدها وتفصيلاتها، فجاء استعراضها منسجما مع فلسفة الخلق والهدف الحقيقي من وجود الإنسان. ويأتي هذا ضمن مشروعه لتحرير الوعي الديني وتقديم فهم مغاير للدين يضع مصلحة الإنسان أولا".

وهنا الأستاذ ” ماجد الغرباوي” أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلى مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم على ضم الفروع والجزئيات بعضها إلى بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صيغة نظرية فلسفية، وهو ما لا يعلم ” ماجد الغرباوي” أن أحدا قام به من قبل، لا في شيء محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحداً حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضاً.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم على ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني على اساس النقد والمراجعة المستمرة من اجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري وعصري متقدم وجذري يساهم في تأصيل قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب؛ علاوة على أنه في هذا الكتاب كثيرا ما يدعو إلى ترسيخ حس ثقافي وفكري تقدمي وعقلاني يهدف الى توعية العقل العربي من خلال تقديم قراءة متأنية لأسس وأصول التسامح السائدة في واقعنا العربي المزري، قراءة واعية وحقيقية مبنية على قاعدة متينة تشكل قفزة نوعية في  إخراج المجتمع العربي المعاصر من محنه  وأزماته المتراكمة، وتقوده للخلاص من الجهل والتخلف والامية (8).

وننتقل إلى الكتاب مباشرة حيث يتصدى الغرباوي في مقدمته للإجابة على سؤال مفاده: هل يؤثر تفاقم العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ وهل هو تأثير سلبي أم إيجابي؟

فأجاب: (العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور، بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها، أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها) (9).. ومن هنا تصبح العقيدة إطارا نظريا للإيمان وضربا من الهيام الروحي بفعل خصوبة الخيال (10). هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تصبح العقيدة أيضا منظومة فكرية توجه وعي الفرد، إذ يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص لآخر، فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية، والعلمية، والثقافية، والتربوية (11).

إن ما يريد الغرباوي أن يقوله هنا هو أن: ”جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حد التشوه والانحراف أحياناً، لأنها شرط لقوام التجربة الدينية (12)، ومن ثم تشكل العقيدة في نظر المؤلف ”جوهر الإيمان، تتولي تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها (13).

ثم ينتقل الغرباوي للحديث عن انضباط العقيدة، حيث يرى أن العقيدة تشكل خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته وقاصده، كأن تبرر الشرك بدواع مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين (14).. على نحو جامع، يكرس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك، وعليه بما أن العقيدة الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابياتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبعده من جوهرها (15).

وهنا كما يقول الغرباوي سنكون أمام تنوع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه من خلال الدليل العقلي، والذي من خلاله يكون العقل دليلاً على صدقية العقيدة كما هو الحال بالنسبة لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلية والمعلول، وبطلان الدور (16)؛ وتارة يكون كما يرى المؤلف بالنقل الذي يمثل مصدر جميع تفصيلاتها؛ حيث هنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياساً لإيجابية وسلبية التأثير، فيقُتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير، وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها (17).

ثم يؤكد الغرباوي المؤلف بأنه من خلال الدليلين العقلي والنقلي تبني العقائد، حيث يقول: ”إن العقيدة جزء مقوم للدين، وتلعب دوراً أساساً في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساسي، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية؛ خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها انعكاسات على الفرد والمجتمع (18).

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة يتطرق الغرباوي لمناقشتها ضمن أجوبته على ما طُرح من أسئلة، ألا وهي شعار: هل الإسلام هو الحل؟

وهنا نجد الغرباوي يجيبنا فيقول بأن هذا الشعار قد رفعه جماعة الإخوان المسلمين خلال تحالفهم الانتخابي مع حزب العمل والأحرار في حقبة ثمانينات القرن المنصرم لاستقطاب الشارع المصري، وضمان صوته الانتخابي، على خلفية دلالاته التي تحيل على المقدس والدين في مقابل ما تطرحه المشاريع السياسية والوضعية (19). . وكان للثورة الإسلامية في إيران دور محفز، حيث أثار انتصارها دهشة الحركات الإسلامية، وكسر حاجز الخوف، وشجع على الثورة ضد حكوماتهم، ولهذا تبنت جميعها بشكل مباشر، شعار ” الإسلام هو الحل” (20).

ثم يؤكد الغرباوي بأن هذا الشعار كانت له دلالات منطقية، منها أنه يؤكد كمال الشريعة، وشمولها لجميع مناحي الحياة، علاوة على أنه يستبطن إدانة غير مباشرة لمناوئيه، لعدم تطبيقهم الشريعة (21). . بيد أن شعار ”الإسلام هو الحل” في نظر المؤلف كغيره من الشعارات، حيث يتمتع بزخم عاطفي، وقدرة على تعبئة الناس لكونه يستجير بالمقدس الديني، ويفرض الاعتراف بقدسيته مهما كانت بشريته (22). . عبر توظيف اللغة، وإيحاءات الخطاب، فلم يكن شعارا بريئا، يروم تطبيق الشريعة لأجل الدين، بل يكمن خلفه مشروع سياسي يطمح لإقامة دولة دينية.. تختزن بداخلها صورة مشرقة مبالغ فيه عن دولة الخلافة، وهي صورة كما يقول المؤلف: صورة ساذجة، كتب بأقلام السلطة، دون نقدها وفضح بشريتها وعدم مثاليتها، بل وعدم شرعية سلوكها، وتصرفات حكامها في أحيان كثيرة ” (23).

ثم ينتقل الغرباوي في هذا الكتاب إلى قضية أخرى تتعلق بالنهضة والوعي؛ حيث قال: كان لسؤال النهضة دور كبير في تحريض الوعي، والبحث عن إجابات تفسر ظاهرة التخلف الإسلامي في مقابل التطور الحضاري الغربي الذي فاجأهم في عقر دارهم، بعد وصول جملة نابليون إلى مصر (1798م) مجهزة بأحدث الأسلحة والمعدات. فتوزعت الأجوبة بين من أدان الدين واعتبره المسؤول الأول عن تخلف المسلمين، فدعا إلى قطيعة تامة مع التراث والدين واللحاق بالغرب وحضارته لانتشال واقعنا الحضاري المتخلف. وآخر ارتد سلفياً طالب بتكريس التراث والسيرة لتدارك الوضع متهما المسلمين بخطأ التطبيق. وثالث قاده رواد النهضة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرين، الذين عادوا للتراث بحثا عن مصادر قوته الملائمة للعصر، ثم جاء التيار الإسلامي المنظم (الإخوان المسلمين) امتدادا لخط الوعي الإسلامي الأول. وبالتالي فجميع التيارات الحديثة جاءت ردة فعل بعد الصدمة الحضارية الهائلة، وطبيعة ردود الفعل تكون متسرعة مرتبكة، تنقصها الدراسة والتخطيط وجهل بالواقع واشراطاته رغم أنها جزء منه (24).

ومن هذا المنطلق راحت جماعة الإخوان المسلمين كما يقول الغرباوي تتحرك سياسياً باتجاه السلطة باعتبارها شرطا لتطبيق النظام الإسلامي، الذي هو وجهات نظر اجتهادية، صاغتها عقول المفكرين الإسلاميين لسد النقص (25). . الأمر الذي جعلهم يدمون الوهم، ويدورون في حلقة مفرغة، تحكم تصوراتهم مغالطة مفادها: بما أن النظام الإسلامي نظام رباني فينبغي أن يكون الأفضل والأصح (26).

ثم انتقل الغرباوي بعد ذلك للحديث عن فلسفة الخلق وأصل الإنسان ومنشأه ووجوده وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائناً بشرياً تميز بعقله وقدرته على تطوير حياته، أو بامتياز بعقل خلاق مبدع فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوازم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه (27)؛ وهنا نجد المؤلف يعرض لنا تفسير ذلك من خلال النظريتين الدينية والنظرية الوضعية، فالنظرية الأولي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة) (28)، بينما الثانية تعول على ” نظرية التطور والتي تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون) وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة (29).

وعندما انتهي الغرباوي من مناقشة هذه المسألة انتقل بعد ذلك للحديث عن مفهوم الخلافة، حيث رأى أنه ليس في مفهوم الخلافة الربانية سلب لإرادة الإنسان، ولم يكن مجبرا، سوى ما تفرضه القوانين الكونية باعتباره بشرا محكوما بها، فيخضع للجبر التكويني بفعل قوانين الكون، وهذا خارج عن إرادته. ولا يصدق السلب على التفويض، حيث فوض الله للإنسان حريته وإرادته وجعلهما لوازم لوجوده من وحي عقله وقدرته على التحكم بسلوكه، فيكون مسؤولا أمام اختياراته، وعلى هذا الأساس يمارس الفرد حريته. وحينما يلتزم بشريعة السماء أو يتمرد عليها بفعل ذلك بكامل إرادته (30).

وحول سؤال الوجود والمتعلق بقصة الخلق في الكتب المقدسة؛ فنجد الغرباوي يناقش قضية الخطيئة ضمن دراسة مقارنة بين أساطير الأولين والكتب السماوية؛ حيث رأى أن التوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة الإنسان واستعداده لعمل الخير والشر (31)، وليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي، بما في ذلك الإيمان الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للأوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئاً عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرص بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى أن هناك حسن وقبح، خير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير (32).

ثمة بعد آخر تحدث عنه الغرباوي في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلق وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية، وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى، وهس عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وطيفية توظيفها، وهذه هي مرحلة وعي الذات كما يري المؤلف (33).

وعن علاقة الخطيئة بالفكر الديني، حيث أكد أن الديانتان اليهودية والمسيحية لا تختلف عن القرآن حول قضة الخلق، فآدم والخطيئة عناصر أساسية فيها، غير أن الخطاب الكنسي شيد قاعدة الاعتقاد المسيحي على مفهوم الخطيئة، وأن البشر قد توارثو خطيئة آدم، وارجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة (34).

وهنا يعلن الغرباوي قائلا: ” للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطا كبير في فهم الدين، بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكريس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا (35).

ويستطرد المؤلف فيقول “: لسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهما للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن، وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل، وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية (36)... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال.

8- ماجد الغرباوي: تحرير العقل الديني (متاهات الحقيقة 5)، إصدار مؤسسة  المثقف في سيدني – أستراليا ودار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، ص 6.

9- نفس المصدر، ص 9.

10- نفس المصدر، ص 9.

11- نفس المصدر، ص 9-10.

12- نفس المصدر، ص 10.

13- نفس المصدر، ص 11.

14- نفس المصدر، ص 15.

15- نفس المصدر، ص 17.

16- نفس المصدر، ص 17.

17- نفس المصدر، ص 18.

18- نفس المصدر، ص 20.

19- نفس المصدر، ص 22

20- نفس المصدر، ص 22.

21- نفس المصدر، ص 23

22- نفس المصدر، ص 23

23- نفس المصدر، ص 27

24- نفس المصدر، ص32

25- نفس المصدر، ص 33

26- نفس المصدر، ص 35

27- نفس المصدر، ص 63

28- نفس المصدر، ص66-72.

29- نفس المصدر، ص 64-65.

30- نفس المصدر، ص 80.

31- نفس المصدر، ص 86

32- نفس المصدر، ص84-85

33- نفس المصدر، ص 88.

34- نفس المصدر، ص 93

35- نفس المصدر، ص 106

36- نفس المصدر، ص 106

 

 

صدر عن دار غيداء بالاردن اذار 2021، كتاب جديد للباحث الفلسفي الأستاذ علي محمد اليوسف، بعنوان: الزمان الفلسفي وموضعة اللغة

وقد اشتمل الكتاب خمسة وعشرين مبحثا عالجت قضايا فلسفية معاصرة عصّية في مخرجاتها الفكرية الحاسمة التي تجعل من الموضوع مغلقا على نفسه مصادرا أفق المساجلة المفتوحة جدليا على التفكير بلا نهائيات والنظرة المنهجية النقدية التحليلية لمباحث فلسفية مثار حضور نقاشي تداولي في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة..

المحتويات

المقدمة

(1)

اشكالية الذاكرة والخيال

(2)

الذاكرة والخيال بين الفلسفة والعلم

(3)

اللغة: المادة والادراك

(4)

تداخلات فلسفية:التحليلية المنطقية الانكليزية انموذجا

(5)

افلاطون واسبقية المكان في تنظيمه عشوائية الزمان

(6)

تحقيب الزمان الارضي والمطلق الكوني

(7)

كيف يكون الزمان الحاضر وهما وحقيقة معا؟

(8)

الزمان المطلق وهم الاتصال والانفصال

(9)

الموضعة والتجريد في اللغة

(10)

تموضع الذات في تجريد اللغة

(11)

هل الوعي مادة؟

(12)

الوعي بالصفات لا بالماهية

(13)

الماهية والفلسفة

(14)

ديالكتيك الفلسفة الوجودية

(15)

جون لوك ومثالية المنهج المعرفي

(16)

بيركلي والادراك العقلي

(17)

الايمان الديني والعقل

(18)

شخصنة الايمان الديني

(19)

الذات والماهية في الفلسفة الوجودية

(20)

ديفيد هيوم الذاكرة والخيال

(21)

المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة

(22)

مادية هولباخ والمعجزة الدينية

(23)

ريتشارد رورتي وفلسفة العقل

(24)

حقيقة العود الفكري والفلسفي

(25)

الجوهر: سجالات فلسفية

2392 علي محمد اليوسف

المقدمة

محتويات هذا الكتاب المتنوع العناوين خمسة وعشرين مبحثا تعالج قضايا فلسفية معاصرة عصّية في مخرجاتها الفكرية الحاسمة التي تجعل من الموضوع مغلقا على نفسه مصادرا أفق المساجلة المفتوحة جدليا على التفكير بلا نهائيات والنظرة المنهجية النقدية التحليلية لمباحث فلسفية مثار حضور نقاشي تداولي في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة..

طرقت موضوعة الزمان الفلسفي في أربعة مباحث جديدة استكمالا لما كنت كتبته حول اشكالية الزمان الفلسفي التي تضمنتها مؤلفاتي السابقة في فصول ومقالات عديدة، ما تمتاز به هذه المباحث الجديدة التي تصدرت محتويات الكتاب أنها معالجة نقدية منهجية أعتدتها في مؤلفاتي السابقة، في أجتنابي العرض المخل الذي يكرر نفسه بما يفقده أية أضافة نوعية تستحق الوقوف عندها طويلا من غير المرور العابر عليها.

الفلسفة في أدق مهمة تقوم عليها أنها قراءة في تاريخها الفلسفي، التي لخصها فينجشتين قوله تاريخ الفلسفة هو نقد معنى دلالة اللغة في مباحثها والتزمت هذا المنهج ليس من واقع صحة مقولة فينجشتين بل من قناعتي بمنهج النقد الفلسفي لبعض طروحات الفلسفة الغربية.

ثم أنتقلت الى مواضيع فلسفية مختلفة متنوعة لها تعالق شديد متين بفلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى في فلسفة العقل، لعل أبرز تلك الموضوعات إثنتين هما الموضعة اللغوية في تعالقها التجريدي بعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة، وهو مبحث أستطيع القول أنه نادر في مباحث الفلسفة خاصة المعاصرة، لما يمتاز به من عمق فلسفي يجعل من الدخول في معتركه محفوفا بمخاطر عديدة ومجازفة تنسحب على الباحث غير المتمكن من توصيل قصدية مبحثه، قبل محاكمة قناعة المتلقي له.لكن يبقى جهدي محتفظا بميزة أني طرقت مبحثا تجديديا له مستقبل فلسفي مفتوح على الاهتمام به في موضعة اللغة.

الموضوع ألأثير عندي الوعي الفلسفي والذي لا يقل خطورة وحساسية عن مبحث موضعة اللغة ذلك هو مبحث يتحاشاه غالبية الفلاسفة لما يحتويه من مطبّات يتداخل بها الموضوع بإحساسات نفسية إدراكية وصولا الى الذهن والادراك العقلي. رغم عودة الانتباه لأهمية مبحث الوعي لما يحمله من تداخل ما يعتبر فلسفة القرن العشرين بلا منازع تلك هي فلسفة التحول اللغوي وتعالق الوعي وفلسفة العقل بها.

من المواضيع التي يحتويها الكتاب تناولي لفلاسفة الوضعية المنطقية المثالية عند بيركلي في تناوله المثالي للادراك العقلي، وجون لوك في مثالية منهجه التجريبي المعرفي. كما تناولت مفهوم الذات في الوجودية من وجهة نظر المفكر عبد الرحمن بدوي، ومفهوم ديفيد هيوم حول اشكالية الذاكرة والخيال، لأختم الكتاب بمواضيع فلسفية عن الايمان الديني بالمعجزات هي شخصنة الايمان الديني، والايمان الديني والعقل. والمعجزات الدينية وقوانين الطبيعة، وهولباخ والمعجزات الدينية، وموضوع مهم عن رؤية ريتشارد رورتي فلسفة اللغة من منظار فلسفة العقل التي يعتبر رورتي رائد فلسفة العقل بعد رائدها الاول الفيلسوف الانجليزي جلبرت رايل. من المواضيع المهمة الاخرى هو ديالكتيك الفلسفة الوجودية، وعلاقة اللغة بالمادة والادراك، وتطرقت الى الفلسفة التحليلية الانجليزية بمقالتين نقديتين، ثم انتقلت الى نقد مصطلح المنهج الفلسفي لدى ديكارت في ثلاث مقالات، وفي مقال فلسفي عميق وشائق عرضت منهج اسبينوزا حول الجوهر الالهي من منطلق مذهب وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة.. تشكيلة مواضيع الكتاب الفلسفية هي تنويعة جديدة أعرضها برؤية نقدية إعتدت عليها في مؤلفاتي الفلسفية السابقة. ولا يمكن للمقدمة هذه المرور عليها بعرض توضيحي أجد من مهام القاريء الوقوف عليها ومعاملتها بتلق نقدي وليس بتسليم يقيني يصادر تفكير العقل المعرفي . فالفلسفة متراكم من إثارة أسئلة تتوالد عنها إجابات تبقى قاصرة فالقراءة النقدية الفاحصة عند المتلقي تجعله يخرج بمحصلة تساؤلات إثارتها مواضيع الكتاب ولن يجد في أي كتاب فلسفي جاد لا يطرح أسئلة إشكالية يقوم عليها جوهر الفلسفة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان 2021

 

 

محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)


 

مقدمة: ما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإشكاليات المعرفية التي يعاني منها الوعي الديني تنعكس مباشرة على الوسط الذي يعيش فيه الفرد، وعلى كيفية رؤيته له تفاعلاً وانفعالاً معه، فلما كان هذا الوعي منقسما ومتشتتا ومتأزما أثر هذا في الفكر الإجرائي، أي في أسلوب العيش في جماعة، أي في النظام الاجتماعي وفي مستوياته المختلفة؛ ففشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد الإسلامية، هو كما يري البعض من الباحثين، هو نتيجة عدم انشغال الفرد بمثل هذه السياسات من جهة، لأنها مفروضة من فوق، ومن جهة أخرى لأن الفرد نفسه لا يدرك أهمية التحدي الاقتصادي والاجتماعي الذي يواجهه، لأن زمنه الفكري زمن مضى أولاً، ولأن حضور الوعي والتميز في العمل، والفاعلية في الإدارة، يربطهم الفرد بمعاني فكرية فوقية لا بنتائج واقعية محسوسة ثانياً، وهذا ما أدي إلى كل المظاهر السلبية في الحياة العامة، والتفكك الاجتماعي، والتسيب الإداري، والاستقالة المحسوسة في كل الميادين. انفصام الوعي وانقسامه جعل الحياة الاجتماعية للأفراد تفقد معناها، فلم يعد هناك ذلك التلاحم بين أجزاء المجتمع، ولم يعد المخيال الاجتماعي يغذي تطلعات الأفراد إلى جدوي تحسين واقعهم، فالآفات التي طرأت على الواقع، كالانتحار، والهروب عبر الحدود، وعدم وجود رابط بين عدي رابط القهر، والعنف، والتشدد، ثم التبرم من كل وضع قائم، وانسداد الآفاق، واللجوء إلى الحلول الانتحارية، كل هذا يدل على أزمة في الوعي رداها خطورة هذا الخطاب الديني السياسي الذي يستغل كل الأزمات ليؤجج بذور الصراع والاختلاف بطرحه  الإيديولوجي البعيد عن كل أسلوب حواري متسامح (1).

وعندما ننظر لديننا الحنيف، نجد أنه كان أهم معاني خاتمية الرسالة الإسلامية وخلودها، هو الإيمان ببلوغ العقل الإنساني درجة من النضج تسمح له بالاستقلال باستنباط الأحكام استقلالاً تاماً، أو تأسيساً على ما ورد في التشريع الإسلامي من أصول وقواعد وأحكام (2)

ومن ثم ظل سؤال “تحرير الوعي الديني ” هو أهم الأسئلة المحورية لنهضة الأمة من وهدتها، وبعثها من سباتها العميق على مدى  عصورها المتطاولة.

وموضوع الوعي والتوعية الدينية من الموضوعات القديمة الجديدة، والتي تتجدد الحاجة إليه في كل عصر منذ عصر النبي صلي الله عليه وسلم، إلى عصرنا الحاضر. وتزداد الحاجة إليه في هذا العصر لما تشهده الساحة العربية من غزو إرهابي وتفش للجهل، وحين تعيش الأمة على هامش الأحداث وتتخلي عن دورها الريادي، وحين تفقد مصداقيتها فلا يحسب لها حساب، وحين تُضيع مبادئ دينها السمحة وقيمه العليا، فإن ذلك مؤذن بوجود خلل ما يتمثل في جملة منها: موجات الإرهاب الدامي التي تُفرض علينا، وحفلات القتل الجماعي باسم الدين، وضرورة استعادة الإسلام العظيم من قبضة التطرف اللعين. إنها مهمة الأمس التي تأخرت إلى اليوم، ولا يجب أن ننتظر للغد.

وأكثر هذه الإشكاليات أهمية فيما يخص تحرير العقل الديني تتمثل في المفاهيم، وتتعلق بقضية الخطاب نفسه، عموماً، يعني استراتيجية ما في القول عن الشيء، أي نمطاً للإفصاح الشامل عن واقع بعينه، ومن ثم فهو نتيجة مترتبة على واقع سائد بالفعل، لا يمكن تقديم صورة عنه ولا تؤيدها معطيات الواقعية وإلا افتقد الخطاب منطقه وتحول إلى محض صياغات بلاغية ومزايدات كلامية لا تقنع أحداً (3).

ويعني الخطاب الديني، خصوصاً، بكيفية عرض الدين، أو الدعوة إليه، أو الدفاع عنه ضد منتقديه، حيث يهيمن الطابع السجالي، على الأقل، إن لم يكن الطابع التبشيري. وهكذا يبقي مفهوم الخطاب الديني مهجوساً بالآخر، خصوصاً الغربي، وبتلك الرغبة الدفينة في الدفاع عن أنفسنا في مواجهاته، وتزويق صورة التدين الإسلامي القائم فعلياً لدينا، بينما المطلوب الآن لا يقل عن تجديد الفكر الإسلامي، في مكونه القيمي والإنساني، بإلهام المكون الاعتقادي المتسامي على التاريخ؛ أي تجديد (تديننا) وأفكارنا عن (إسلامنا)، وذلك عن طريق إعادة تعريف ماهية النص نفسه، قبل الولوج إلى مساءلته على مستويات مختلفة من العمق الجذرية تتوافق على مستويات إحكامه وتساميه، تطويراً لواقعنا نحو الأفضل (4).

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن الوعي الديني، لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان ” تحرير الوعي الديني ” للأستاذ ماجد الغرباوي، وقد صدر الكتاب في سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا، ضمن سلسلة متاهات الحقيقة التي يشتغل عليها المؤلف (5).

أما المؤلف فهو الأستاذ ماجد الغرباوي باحث في الفكر الديني، ومتخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية، وهو عراقي مقيم في أستراليا.. مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي في سيدني.. كان رئيساً لتحرير مجلة التوحيد (الأعداد: 85- 106)، وكان عضو الهيئة العلمية لكتاب التوحيد، وقد مارس التدريس ضمن اختصاصه في المعاهد العلمية لسنوات عدّة، والحائز على عدد من الجوائز النقدية والتقديرية عن أعماله العلمية، وقد كتب عن منجزه الفكري والثقافي والأدبي عدد من النقّاد والباحثين، عرب وأجانب، وله أكثر من ثلاثين عملاً مطبوعاً: تأليفاً، وتحقيقاً، وحواراً، وترجمة، إضافة الى عدد كبير من الحوارات والدراسات والبحوث والمقالات في مجلات وصحف ومواقع الكترونية مختلفة. اشتغل على موضوعات نقد الفكر الديني، التسامح، العنف،  الإصلاح والتجديد، فكر النهضة.

96 majedalgharbawi600

وقبل أن أتحول لقراءة هذا الكتاب دائماً ما أقول: لقد علمتني التجارب البحثية أن هناك أكثر من طريق لقراءة الأعمال الفلسفية قراءة نقدية، وأكثرها عفوية وسذاجة أن نلخص العمل الفلسفي أبواباً وفصولاً ثم لا شيء، وأعمقها أن نحاول تحديد مقولات العمل أولاً حتى نضع المتلقي معنا على أرضية واحدة مشتركة، ثم نخلص من ذلك إلى تجسيد رؤيتنا النقدية لهذه المقولات وإحالة هذه الرؤية النقدية في النهاية إلى قضايا وظاهرات.

وقد اخترت في قراءتي النقدية لكتاب الأستاذ ماجد الغرباوي (تحرير الوعي الديني)، تلك الطريقة الأخيرة التي ترفض الهشاشة وتكابد في طريقها إلى محاولة التنظير والتأصيل. . أولاً: لأن هذا الكتاب عمل علمي جاد يستحق بالفعل أن يعاني الناقد في قراءته وتقويمه، وأزعم أن هذا الكتاب سوف يضيفه التاريخ إلى أمهات الكتب الخوالد، لأن هذا المضاف يفتح السبُل أمام النظر، وإعمال العقل، وأمام البحث ومناهج العلم. . وثانياً الميزة التي يتميز بها الكاتب ” ماجد الغرباوي ” في هذا الكتاب، وهي هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف في العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً هو ما في نظري ما تعودت عليه أنا شخصياً مع ماجد الغرباوي (في هذا الكتاب)، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارئ لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق، ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.

والسؤال الذي أود أن أسأله للأستاذ” لماجد الغرباوي: لماذا اختار لكتابه عنوان تحرير العقل الديني، ولم يختار له اسم “تجليات الوعي الديني”، أو “تنوير العقل الديني”، أو ” بؤس الوعي الديني في دارنا العربية كما ذهب د. برهان زريق، أو أزمة الوعي الديني كما ذهب فهمي هويدي. . الخ؟

وهنا يجيبنا ماجد الغرباوي ضمن ملاحظة سجلها في الصفحة الرابعة في جميع كتب متاهات الحقيقة: (قد لا ينطبق عنوان الكتاب مع تمام موضوعاته، لكنها تنتظم جميعاً ضمن حوارات متاهات الحقيقة). فيكون الوعي الديني جوهر موضوعاته، وهو ما يسعى له ضمن مشروعه الفكري والتنويري. والكتاب كما جاء في الإعلان عنه عند أول صدوره: (يقع في” 418″ صفحة من الحجم الكبير، وقد زينت لوحة الفنان التشكيلي الكبير أ. د. مصدق الحبيب غلاف الكتاب الجميل. وهو الكتاب الخامس ضمن سلسلة متاهات الحقيقة. حيث حمل الكتاب الأول عنوان: الهوية والفعل الحضاري. والثاني: مواربات النص. والثالث: الفقيه والعقل التراثي. والرابع: مضمرات العقل الفقهي).

تناول الكتاب مجموعة قضايا قاربها الكاتب ضمن الحوار المفتوح، منها: تطور العقائد، القلق المصيري، فلسفة الخلق، سؤال الوجود، المعرفة البشرية، منطق الخطيئة، فلسفة الخلق بين نظريتين، التأويل الموضوعي، سياقات التأويل، محددات القراءة، التداخل بين الأسطوري والديني، تشابه السرد، العناصر المشتركة، المعرفة الدينية، النهوض الحضاري، مواضيع غيرها متعددة.

من هنا جاءت الأجوبة في هذه الموسوعة الحوارية (متاهات الحقيقة)، تقارع حصون الكهنوت وتحطّم أسيجة تراثية تستغرق الذاكرة، وتطرح أسئلة واستفهامات استفزازية جريئة.. بحثا عن أسباب التخلف، وشروط النهوض، ودور الدين والإنسان في الحياة. فتوغّلت عميقا في بنية الوعي ومقولات العقل الجمعي، واستدعت المهمّش والمستبعد من النصوص والروايات، وكثّفت النقد والمساءلة، وتفكيك المألوف، ورصد المتداول، واستنطقت دلالات الخطاب الديني، بعد تجاوز مسَلَّماته ويقينياته، وسعت إلى تقديم رؤية مغايرة لدور الإنسان في الحياة، في ضوء فهم مختلف للدين، وهدف الخلق. فهناك تواطؤ على هدر الحقيقة لصالح أهداف أيديولوجيات – طائفية. ومذهبية – سياسية.

في هذا الكتاب اعتمد المؤلف على منهج نقدي – تحليلي – تاريخي قائم على استقدام مشاهد حية من الماضي في تاريخيتها وشخوصها، لتخليص الحقيقة الدينية كما يقول أستاذنا الدكتور “علي محمد اليوسف ” في النص القدسي من براثن مجاهيل التضليل والتشويه والانحرافات والأكاذيب على التاريخ في جنبة التنظير التوعوي، وفي تعرية النفاق الديني الذي اخذ بحكم تداوليته المجتمعية صفة البديل القار الثابت في اكتسابه الحقيقة الدينية الزائفة التي يعتقدها ويمارسها المجموع، وفي  إعلان هذا التزييف نفسه فكراً مضللاً، وممارسة منافقة وحيدة في امتلاكها الحقيقة لوحدها لا من اجل تصحيح علاقة العبد بالخالق ولكن بعلاقة تقديم الطاعة والمبايعة العمياء لمن يدعي ان حكمه مستمد من روح وجوهر دولة الخلافة الإسلامية في عهد النبوة (6).

لقد أراد المؤلف لمشروعه أن يكون مشروعاً نقدياً مضمونياً، أشبه ما يكون بمحاكمة فكرية لتطور العقائد، التي جنحت عن الاجتهاد والفهم الصحيح، ففي نظر المؤلف أنه في كل الديانات القديمة، وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتحتم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات. . وقد تكون هذه الأفكار والعقائد كما يري المؤلف باعثاً على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت (7).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال.

1- سعدي الهادي: الفكر الديني بين إشكالياته المعرفية ومشكلاته الواقعية، مجلة التربية والابستيمولوجيا، المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة – مخبر التربية والابستيمولوجي، العدد الثالث، 2012، ص 80.

2- عمرو عبد الكريم: معركة الوعي: سؤال التجديد، الوعي الإسلامي، وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، س52 ,ع600، 2015، ص 84.

3- صلاح سالم: الوعي العربي بين الإصلاح الديني والتنوير العقلي، شؤون عربية، جامعة الدول العربية، العدد 164، 2015، ص 170.

4- نفس المرجع، ص 171.

5-أنظر ماجد الغرباوي: تحرير العقل الديني (متاهات الحقيقة 5)، دار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، 2012.

6- أنظر على محمد اليوسف: منهج النص في سؤال الحقيقة.. قراءة في فكر ماجد الغرباوي، صحيفة المثقف العدد: 4466 المصادف: 2018-11-16.

7- شاكر فريد حسن: ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء، العدد: 5652 – 2017 / 9 / 27 – 11:54.

 

 

 

محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)

ذكرنا في المقالات السابقة بأن كتاب "تحرير الوعي الديني" لكاتبنا المبدع ماجد الغرباوي يهدف إلي تصحيح الوعي العربي - المسلم بعد أن بلغ تزييف الإسلام مداه بفكر مغلوط عن دين جاء رحمة للعالمين، عاون عليه طلاب الحكم من جماعات التطرّف والعنف، الذين اختطفوه وحرفوه بممارسات خاطئة، وبخطط خارجية من قوى غربية تبغي تركيع المسلمين، ووظفوا الإخوة الأعداء لبلوغ مآربهم الخبيثة؛ فروجوا فكر التكفير بأباطيل وأوهام ليس لها سند صحيح.

والسؤال الآن هو: هل نجح المؤلف ” ماجد الغرباوي” في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في اعتقادي أن المؤلف تمكن – إلى حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ على أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتى يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد على الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، وخير مثال أنه حين سئُل الغرباوي: هل تعد الحضارة الإسلامية الآن نداً للحضارة الغربية، ولو في بعض جوانبها ولماذا، فأجاب الغرباوي قائلاً: ” الندية تحتاج إلى تكافؤ بين الطرفين، أو يكون الفارق الحضاري من الضآلة ما يسمح بالتناد بينهما فهل تعتقد أن واقع المسلمين الآن يصلح أن يكون ندا للحضارة الغربية؟ .. لا أحد يرى ذلك حتى المسلمين أنفسهم فمنذ الصدمة الحضارية وما زلنا عيالا على الحضارة الغربية في كل شيء، ونحن بدون الغرب كما يقول أدونيس صحراء وجمل. وعندما أقول لا ندية بينهما أعي جيدا ما أقول. نحن نحتاجهم في كل شيء ونفتقر لمنجزاتهم حتى النظريات في مجال العلوم الإنسانية، بل وحياتنا الآن تتوقف على تلك المنجزات خاصة العلمية منها، والغرب راهنا يستعمر الدول الإسلامية إلا القليل من خلال حاجتها وافتقارها له. ولو قطع الغرب إمداداته العلمية لتوقفت الحياة في كثير من الدول الإسلامية. الغرب هو المركز ونحن الهامش والأطراف ندور من حوله، وهذا ليس انسحاقا أو شعورا بالدونية. إنما هو واقع نعيشه كل يوم، فنحن لم نحقق نهضتنا ولم نتقدم ما فيه الكفاية بحيث نتخلص من تبعيتنا للحضارة الغربية، ونكون ندا لها. تصور حتى في المجال الأدبي نحن نقلدهم في تطورهم على مستوي الأداء والنظريات النقدية. غاية الأمر أن بعضا يحاول أن يجد جذورا إسلامية لها، كما بالنسبة لقصيدة النثر، وهي احدى عُقدنا لا نعترف بالخطأ ونجيد التبرير والبكاء على الأطلال. إذن نحن مدعوون لاستكمال نهضتنا وتقديم نموذجنا أولا ثم نطرح أنفسنا للتناد مع الحضارات الأخرى (48).

كذلك يحسب للمؤلف قوله: “.. وما لم تختف مظاهر التخلف، بمعالجات جذرية حقيقية، لا يكتب النجاح لنهضتنا المرتقبة، ويعني أننا وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح وكلما اختفت ظاهرة كلما سجل المجتمع تطوراً ملحوظاً. وهذا يتطلب تحولا ثقافياً ومعرفياً، وعليه يجب البدء من الثقافة من أجل وعي جديد للحياة، وعلاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل. ويجب التحرر من كل السلطات التي تعيق حركة الفرد والمجتمع.. الفرد عندنا مشدود للوراء، يلتفت إلى الخلف حتى وهو يمشي إلى الأمام، بينما شروط الحياة تغيرت، ولكل عصر حاجاته ومتطلباته (49).

كما نجد ” الغرباوي” يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلى ضرورة أن علماءنا المعاصرين عن بنية معرفية تبني ولا تهدم، ومن ذلك قوله: ” نحن بحاجة ماسة لمراجعة ثوابتنا ومقولاتنا وتراثنا وفكرنا وثقافتنا، بحثاً عن مصادر قوتها وتشخيص نقاط ضعفها، ومطالبون بتجديد رؤيتنا للحياة والآخرة، وعلاقة الإنسان بما حوله، والعودة إلى مصادر وعينا وتفكيرنا، في ضوء الواقع، وتحكيم العقل في قراءة التراث ومصادره (50).

96 majedalgharbawi600

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ “ماجد الغرباوي” صدور هذا الكتاب الرائع عن “تحرير العقل الديني”، وهذا يدل على أنه مثقف تنويري، ومفكر مضيء، ونجم فكري، وثقافي نقدي لامع، يتجدد كل يوم في فضاءات العلم، والثقافة، والسياسة، والمعرفة، ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين، والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، ومسائل النهضة، والإصلاح، والتجديد، والمعاصرة، والتنوير، والعنف، والتسامح بين الأديان والعقائد والمذاهب.

كما كشف لنا هذا الكتاب كيف أعاد “ماجد الغرباوي” كتابة العلوم الدينية في صيغة عصرية، وكيف أعاد أيضا تأويل موقف الشريعة من قضايا تطور العقائد، القلق المصيري، فلسفة الخلق، سؤال الوجود، المعرفة البشرية، منطق الخطيئة، فلسفة الخلق بين نظريتين، التأويل الموضوعي، سياقات التأويل، محددات القراءة، التداخل بين الأسطوري والديني، تشابه السرد، العناصر المشتركة، المعرفة الدينية، النهوض الحضاري، مواضيع غيرها متعددة؛ علاوة على أنه صاحب رأي معلن بجرأة ووضوح في قضايا الدولة والمجتمع المدني وحرية الرأي والديمقراطية ومواجهة الفساد والتطرف، خاصة في كتابيه الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، وجدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق. ويؤسس فلسفيا للتعايش بين الأديان والثقافات.

علاوة على أن كتاب “تحرير العقل الديني” يمثل مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني مرتكزًا فيه المؤلف على العقلانية النقدية – البوبرية، حيث يري ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، نظرًا لتجمدها الذي يحوِّل القرآن من نص ديناميكي يواكب الحياة المتجددة إلى نص إستاتيكي يواكب زمنًا مضي وانتهى، ويُؤسس الغرباوي لتفسير جديد ينتقل من الوعظ والإدهاش والتخويف إلى تفسير من أجل التعقل والتفكير؛ حيث وجدناه يدعو إلى تكوين خطاب ديني جديد في كتابه ” إشكاليات التجديد “، وافتتح مشروعه بالتأكيد على أن الإسلام الذي نعيشه اليوم خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلى “الإسلام المنسي”، ولذلك رأى الغرباوي تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني القديم، بإقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر ممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب ” تحرير العقل الديني”، كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة، وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية في أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت عنه في أحد مقالاتي بأن ماجد الغرباوي نموذج كبير لـ “مجدد العقل الديني ” (51)

فتحية خالصة لماجد الغرباوي لابن أرض الرافدين، وحفيد هارون الرشيد، الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى ماجد الغرباوي، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

...............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال.

48- ماجد الغرباوي: تحرير الوعي الديني (متاهات الحقيقة 5)، مؤسة اللمثف في سيدني، استراليا ودار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، 2021، ص 367

49- نفس المصدر، ص 403

50- نفس المصدر، ص 402

51- محمود محمد علي: تجديد العقل الديني في مشروع ماجد الغرباوي، صحيفة المثقف، العدد: 4608، المصادف 18-04-2019.

https://www.almothaqaf.com/a/tanweer/936248

 

 

ميثم الجنابيانطلق دانيليفسكي من فكرة تقول، بأنَّ روسيا والعالم السلافي ككل قد ساروا طريق آخر لا يشبه في شيئ مسار التجربة الأوربية ومن ثم نمطها الثقافي. لقد كان المسار التاريخي للدولة الروسية معقدا وخاصا. وتحولت الدولة إلى قوة من طراز خاص جعل من النفسية الروسية تقبل بكل ما من شأنه مركزة الدولة وقوتها. ومن ثم بلور نمط خاص من التربية أو التهذيب الذاتي في ما يتعلق بموقف الشعب من الدولة والنظام السياسي والمصالح والقيم. واستفاض دانيليفسكي في استعراض وتحليل هذا الخاصية والمسار العام للتاريخ الروسي المتعلق بنشوء وتطور الدولة وانعطافاتها، والدين الارثوذوكسي ومشكلة الأرض (القنانة والمشاعية الفلاحية)، ومن ثم كيفية إرساء أسس وقيم النمط الثقافي السلافي الروسي. واختصر كل هذا المسار المعقد في صيغة شكلية دقيقة تستجيب لموقفه العام والخاص بهذا الصدد، قائلا، بأنَّ القنانة هي أيضًا الشكل الروسي من الإقطاعية، كما كانت مهمة الفارياغ هي الشكل الروسي للاحتلال1، وحكم التتر هو الشكل الروسي للجزية. وقد استخدمها ملوك موسكو من أجل المركزية السياسية في روسيا. الأمر الذي جعلها نظاما هينا نسبيا. لقد اراد دانيليفسكي القول، بأن الشعب الروسي قد مر بأشكال مختلفة من الخضوع، التي لعبت أدوارها وأدت إلى تجمّعه في جسد واحد ومن ثم تذليل الأنانية الضيقة. وبالتالي عوّدته على إخضاع إرادته للأهداف المشتركة. وتحققت هذه الأهداف في بناء الدولة المستندة على أساس وطني راسخ. وفي مجرى تاريخها الألفي (ألف عام) لم يجر استبدال الأنانية الفئوية بالطبقية الاجتماعية. ولم يفقد الشعب الروسي فضائله الأخلاقية، كما انه لم يخسر الأساس المادي لمواصلة تطوره، وذلك لأنه ظل يحتفظ بملكية الأرض بدرجة لا يمكن مقارنتها بأي شعب آخر من الشعوب الأوربية. وبالتالي، فهو قادر على تحمل جرعة كبيرة من الحرية أكثر مما في أية دولة أخرى، وذلك لأنه كان يملك الأرض، على عكس ما تروج له الفئات المتأثرة بالغرب الأوربي وأوربا نفسها. وقد حدد ذلك، كما يقول دانيليفسكي، تشبث الروس بغريزة محافظة لا تحب التغيير العنيف. من هنا كانت مطالبه السياسية وآماله تتسم بالاعتدال. والسبب يقوم في أن تاريخ الشعب الروسي لم يعرف الصراعات الداخلية البينية بين فئاته وطبقاته الاجتماعية. من هنا فهو لا يرى في السلطة عدوا، بل على العكس من ذلك انه يثق بها ثقة تامة.

وحدد ذلك ما اسميته بنقل التبشيرية الدينية الكاثوليكية البيزنطية وشعارها "موسكو روما الثالثة" إلى تبشيرية سياسية إثنية ثقافية تسعى لجعل موسكو "مركز الاتحاد السلافي وليس العالمي". وتناول هذه المهمة من خلال تحليله للإشكاليات المتعلقة بطبيعة ونوعية الصراع التاريخي بين روسيا وأوربا، ومن ثم خصوصية هذا الصراع، أو ما اطلق عليه دانيليفسكي اسم المعركة التاريخية الكبرى بين روسيا وأوربا، بوصفها صراعا بين نمطين ثقافيين مختلفين تماما. ووجد في نهاية المطاف في "الاتحاد السلافي" الحل النهائي لهذا النزاع الكبير والمتعدد الأوجه والمستويات.

انطلق دانيليفسكي هنا من ظاهره هذا الخلاف والاختلاف بين روسيا وأوربا، ومن ثم الإجابة على السؤال المتعلق بالسبب أو الأسباب القائمة وراء العداء الأوربي لروسيا. بعبارة اخرى، ان مقدمة هذا الصراع بالنسبة له تكمن في العداء الأوربي تجاه روسيا وليس بالعكس. وهي ظاهرة فعلية وليست مفتعلة. وكما كانت في الماضي نراها اليوم أيضا. من هنا اهتمامه بإشكاليات العداء التاريخي المتأصل تجاه روسيا من جانب القارة الأوربية، بمعنى لماذا تظهر هذه القضية، وما هي خصوصية ظاهرة العداء التاريخي بين الأمم، وعما إذا كان لها بعدا ثقافيا أيضا.

فقد كانت فكرته وما توصل إليه في تحليله لمفهوم النمط التاريخي الثقافي أو الحضارة إلى أن لكل أنواع وأصناف العداء جذورها في الواقع والثقافة. ففي المجال الواقعي عادة ما يرتبط الصراع بالأرض والثروة. وهي حالة واضحة في طبيعة الصراع الروسي الأوربي. غير انه له بعدا جوهريا أعمق يقوم في طبيعة الثقافة وكيفية فعلها عندهما. وهذا بدوره وثيق الارتباط بالتاريخ السياسي. فالسياسة، كما يقول دانيليفسكي، هي صانعة الحكمة ومعارضتها. وفيها من خلالها تظهر كل الإمكانات المتناقضة في الوجود التاريخي للأمم. وقد اورد في تقديمه لطبيعة الصراع والعداء بين روسيا وأوربا العبارة التالية: قال لي أحد الأجانب:"انظر إلى الخارطة! هل يمكننا يا ترى أن نشعر بالأمان والاطمئنان مما تشكله روسيا من قوة ضاغطة علينا بحجمها كما لو أنها سحابة فوق رؤوسنا أو كابوس رهيب يجثم علينا؟". ومع ان دانيليفسكي لم ينكر ما للأرض وحجمها من قوة ضغط فعلية، لكن الشيء الجوهري هنا هو أين وماذا ومتى وكيف يجري التعبير عنه؟ فقد واجهت أوربا وهددتها كل من فرنسا تحت حكم لويس الرابع عشر ونابليون، وإسبانيا في عهد تشارلز الخامس وفيليب الثاني، والنمسا في عهد فرديناند الثاني. بمعنى هدد كل منهم بتدمير التنمية الحرة المستقلة لقومياتها المختلفة. وبالمقابل سعى كل منهم من اجل تحرير النفس. وهنا يبرز السؤال التالي: هل قامت روسيا بشيء ما يشبه ما قامت به الدول الأوربية الكبرى في مسارها التاريخي؟ وللإجابة عليه انطلق من التاريخ الفعلي لروسيا نفسها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا حالما ننظر إلى التاريخ الروسي ضمن سياق هذه الإشكالية، فإننا نلاحظ وجود وحالة التدخل الروسي مراراً وتكراراً في مصير أوروبا. لكن السؤال الأعمق هنا يقوم بماهية الأسباب القائمة وراء هذا التدخل. إذ تدخلت روسيا عام 1799 وعام 1805 وعام 1807. حيث خاض الجيش الروسي حروبا نجح في أغلبها. غير أن نجاحه كان من حيث الواقع لصالح الدول الأوربية أكثر مما هو لمصالح روسيا نفسها. بمعنى انه تدخل من اجل مصالح غريبة بالنسبة لروسيا ولا مصلحة لها فيها. وبالتالي، فإن التدخل الروسي كان على الدوام من اجل الحرية الأوربية والعدالة وليس بالعكس، كما هو الحال في تدخل الدول الأوربية في حياة الآخرين.

فقد حاربت روسيا عام 1813 من أجل ألمانيا وأوربا لمدة عامين. وبعد أن أنتهى الصراع بإطاحة نابليون، فإنها أنقذت فرنسا من الانتقام الأوربي بنفس الطريقة التي أنقذت فيها أوروبا من الاضطهاد الفرنسي. وبعد خمس وثلاثين سنة نجحت روسيا مرة أخرى ولكن أيضا خلافاً لمصالحها، في إنقاذ النمسا من التفكك النهائي. والسؤال الذي يبرز هنا هو ما الذي حصلت عليه روسيا واستفادت مما قامت به من جانب الشعوب الأوربية؟

ان النتيجة واضحة وجلية، ألا وهي بقاء نفس المواقف السيئة تجاه الروس والدولة الروسية. كل ذلك يكشف عن أن دروس التاريخ هذه لا تعلمّ أحدا، وإنها لم تتحول إلى عبرة يمكن الاستفادة منها. فالأوربيون يعتبرون روسيا دولة غازية وتوسعية. وبالتالي فهي تهدد سلامة واستقلال أوروبا2. هذا هو الاتهام الأول. أما الاتهام الثاني فيقوم في أن روسيا عتمة سوداء وقوة مناهضة للحرية والتقدم.

وقد اجاب دانيليفسكي على ذلك قائلا، بأن روسيا بالفعل ليست صغيرة. غير أن كل ما يملكه الروس من الأراضي لم يجر عبر الغزو والاحتلال، بل عن طريق التوطين الحر. وقد كان هذا هو تطورها وتوسعها الطبيعي على مدار قرون. فكل المناطق التي جرى توطين الروس فيها لم تكن تحتوي على "هيئات سياسية" أي دول. وما قبل صيرورة واستتباب الدولة الروسية كانت كل المناطق الكبيرة لروسيا وشعوبها في حالة بدائية. كما أن روسيا لم تنتهك حرمة دولة ما أو تهدمها. فقد عاني الروس أنفسهم وقدموا تضحيات هائلة في مجرى تاريخهم في مواجهة الدول والقوى الغازية من تتر وبولنديين وسويديين وغيرهم. بينما لم يقمع الروس أي كيان كان. باختصار، إن بناء الدولة الروسية لم يجر تشييده على عظام الشعوب. على العكس. لقد توسعت الدولة الروسية أما في أراض بور أو جرى توحيد الأقوام في صيرورتها التاريخية والدولتية. غير انه لم يجر على الاطلاق ولا في أية مرحلة من مراحل تطورها تذويب الاقوام أو قهر الشعوب على القبول بالروسية بالقوة والعنف.

وهو استنتاج له، على الأقل، منطقه ومضمونه الخاص عند دانيليفسكي المؤيد للفكرة القائلة، بأن لكل دولة الحق في الوجود المستقل إلى المدى الذي تكون فيه هي نفسها واعية ومطالبة بها. لاسيما وإنها ذات قيمة ومعنى وجدوى. وكل ما يقف بالضد منها أو ينتهكها فإن نتيجة أفعاله تبقى في نهاية المطاف بلا قيمة وأثر. فلو احتلت بروسيا على سبيل المثال، الدنمارك أو احتلت فرنسا هولندا، فإن كل منهما سيسبب معاناة حقيقية للدانمارك وهولندا. وذلك لأنه يؤدي إلى انتهاك حقوقهم، والذي لا يمكن مكافئته بأية حقوق أو امتيازات مدنية أو سياسية أخرى. وذلك لأن الشعوب التي تعيش ضمن دولها الخاصة وحياتها السياسية، بحاجة إلى أن تكون جميع نتائج أنشطتها الصناعية والعقلية والاجتماعية من ممتلكاتها الخاصة. ومن ثم لا ترغب بأن تكون قربانا لأية قوة سياسية غريبة. إذ لكل قومية تاريخية مهمات خاصة بها. كما أن لها فكرتها الخاصة. وكل ذلك يجعلها متميزة عن الآخرين بالمعنى الإثني والاجتماعي والديني والتاريخي. وبما أن الشرط الضروري لتحقيق كل ذلك هو  شكل الاستقلال السياسي الوطني، من هنا، فإن تدمير استقلال هذه القومية يعادل معنى القتل الوطني. مع ما يترتب عليه من استثارة ردود الفعل ضد مرتكب الجريمة (الغازي أو المعتدي). وصوّر دانيليفسكي هذه الحالة على مثال من جرى قطع يده أو رجله. فقطع اليد أو الساق لا يوقف حياة الفرد لكنه يحرمها من الامتلاء وتعدد مظاهره الممكنة مقارنة بحال خلوه من الإصابة. وبالتالي، فإن الشعب أو القومية التي لا تجمع كل أجزائها وأعضائها بهيئة واحدة تبقى مجرد شبح سياسي.

ووضع هذه المقدمة في اساس تفسيره لما اسماه بمصدر الخلاف بين روسيا وأوربا. ووجد هذا المصدر في عدم اعتراف أوروبا بالروس كشخصية خاصة ومستقلة. إنها ترى في روسيا والسلاف شيئا غريبا عنها. فقد كان الغرب بشكل عام والألمان بشكل خاص يعتقدون ويأملون، بأنه لا ينقذ العالم سوى الحضارة الألمانية. لذلك ترى أوروبا في روسيا والسلافية ليس فقط شيئا غريبا ولكن أيضا مبدأ عدائيا.

ووجد دانيليفسكي في الموقف الأوربي من روسيا سلوكا يتميز بالازدواجية. وهو امر جلى حالما يجري النظر إلى ما اسماه بالمقاييس والأوزان التي تقيس بها أوروبا وتزن حالما يتعلق الأمر بروسيا والسلاف بشكل عام. كل ذلك أوصله الى استنتاج يقول، بأن الألمان والسلاف في صراع تاريخي، لأن كل منهما لا يحب الآخر. إذ يختزن الألمان شعورا عدائيا في اللاوعي تجاه الروس والسلاف. وهي غريزة تاريخية تجعل أوروبا لا تحب روسيا. من هنا مواقفهم من ن كل ما هو روسي وسلافي متميز وخاص يستحق الاحتقار. ومن ثم يصبح القضاء عليه واجبًا مقدسًا ومهمة حقيقية للحضارة. بل إننا نرى تعاطفا وتقديرا لمختلف الشعوب داخل روسيا باستثناء الروس. وهناك العشرات من الأمثلة الحية والواقعية التي تكشف عن طبيعة ونوعية هذه العلاقة على مستوى المواقف الفردية والاجتماعية والحكومية. كما نعثر عليها في ما يكتبونه عن الروس في الصحف والمجلات وما شابه ذلك، أي كل ما يعّبر عن آراء ومشاعر الجزء المستنير من الجمهور. والشيئ نفسه يمكن قوله عن مواقف الدول، إذ نرى في جميع المجالات تسود نفس روح العداء والشك والشماتة والكراهية والازدراء. وهذه المواقف تتعلق بكافة مجالات الحياة من العلاقات السياسية إلى العلاقات اليومية العادية وتجاه جميع طبقات المجتمع. وقد جعل ذلك دانيليفسكي يتوصل في نهاية المطاف إلى القول، بأن الروسي الوحيد الذي يستحق احترامهم وتكريمهم هو الذي يفقد هويته الوطنية. تماما كما كان يقول الأمريكيون، بأن الهندي (الأحمر) الجيد هو الهندي الميت!

وبأثر ذلك توصل إلى استنتاج عام يقول، بأنه لا يمكن العثور على تفسير مقنع لكل هذا التعسف السياسي وهذا العداء الاجتماعي إلا في حقيقة أن أوروبا تعترف بروسيا والسلاف كشيء غريب عليهم ومعاديا لهم. وهي حالة يصعب نفيها بالنسبة لكل مراقب محايد. لكن السؤال المهم هنا يتعلق في ما إذا كان هذا العداء جزء من رؤية واعية لنفسها أو انه جزئي أو عابر أو مؤقت أو نتاج سوء فهم؟ أما الاجابة على هذا السؤال فتكمن في الاجابة على ما إذا كانت روسيا أوربية أم لا. وهي الإجابة التي قدمها دانيليفسكي في الفصل الذي يحمل نفس العنوان (هل أن روسيا أوربية أم لا؟). وأجاب عليه بالنفي القاطع، مستندا بذلك الى فلسفته عن "النمط التاريخي الثقافي". بمعنى إن النمط الأوربي لا علاقة له بالنمط الروسي (السلافي). وهما مختلفان في كل المكونات الجوهرية للنمط التاريخي الثقافي، أي للثقافة والحضارة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

1- الفارياغ هي تسمية عامة عن القبائل الإسكندنافية، التي تقول بعض مصادر التاريخ المتعلقة بروسيا، بأنهم أول من ساهم في ارساء أسس الدولة وقيادتها، بعد أن تحولوا إلى روس أو اندمجوا فيهم اندماجا كليا، ومن ثم ذابوا في بوتقة السلافية الروسية.

2- إننا نقف هنا أيضا أمام مفارقة غريبة تنتظم فيها السفاهة والرذيلة بقدر واحد. فقد كانت أوربا في تلك المرحلة هي القوة الغازية والمحتلة الكبرى على النطاق العالمي. إنها مرحلة الصعود "الاستعماري" أو بصورة أدق التخريبي والتدميري لمختلف شعوب القارات. وبالتالي، فإن تخوفها من "الغزو" الروسي يعادل معنى تخوفها من سقوط قوتها الكولونيالية آنذاك.

 

 

رحيم الساعديقراءة بكتاب جيوفانا ليلي1

ترجمة د. رحيم الساعدي

 جيوفانا ليلي أستاذة زائرة للدراسات العربية والإسلامية في جامعتي جنت ولوفين واهتماماتها متعددة التخصصات ، ولا سيما الدراسات المقارنة للحضارات التي ازدهرت في البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى سيما الجذور الهلنستية المشتركة. كما تسعى إلى التفكير في العلاقة الإشكالية بين التراث الكلاسيكي والحداثة في العالم العربي الإسلامي والعالم الغربي من منظور تاريخي عالمي.

يقدم هذا الكتاب قراءة جمالية لمقدمة ابن خلدون (ت 1406) ، وهو نص تمت دراسته حتى الوقت الحاضر كعمل في التأريخ. والمقدمة هي أيضًا أطروحة شاملة عن الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية وتقدم صورة للجماليات العربية الإسلامية الكلاسيكية في مجملها.

وموضوع الكتاب هو حول العلاقة الجوهرية بين الجمال والمعرفة في كتاب المقدمة ، ذلك عندما يتعامل ابن خلدون مع مشكلة العلم والمعرفة ، فإنه يتعامل أيضًا مع مشكلة الجمال الحسي كأداة أو عقبة للوصول إليه.

و فلسفة ابن خلدون في التاريخ هي بالضرورة أيضًا من جماليات التاريخ. ومفهومه الأساسي عن "الشعور الجماعي" والفضيلة الجسدية والأخلاقية والجمالية للمجتمعات البدوية ، انما هو في ذات الوقت حديث عن صعود الدول المركزية واسباب خرابها وهو ما  يمثل تناقضًا مأساويًا ينطبق على تاريخ المغرب الكبير ولكنه يأخذ بعد ذلك قيمة عالمية.

و يعكس الكتاب مجموعة من التناقضات الأخرى المتأصلة في "نظام" الجماليات العربية الإسلامية الكلاسيكية. هذه التناقضات تقوض النظام الجمالي لـلمقدمة من الداخل وتوفر العناصر الحاسمة لظهور الجماليات الحديثة.

من خلال تقديم منهج مقارن، وتعد المقدمة مصدرًا رئيسيًا للباحثين والطلاب المهتمين بالدراسات العربية والإسلامية والفلسفة وعلم الجمال والتاريخ العالمي.

ومن محتويات الكتاب برزت مفردات

1- الجمال والمعرفة

2- المعرفة والجمال في التاريخ

3- الجغرافيا البشرية والعالم غير المرئي

4- المجتمع البدوي

5- فجر الإسلام

6- الحضارة المستقرة: الدولة الجمالية

7- المقدمة كمأساة

***

............................

منشورات  2021 - روتليدج

 

 

تأليف: محمد عبدالله دراز

هذه قراءة مختصرة لكتاب النبأ العظيم، وقد اشتملت على مقدمة قصيرة تضمنت عنوان الكتاب ومؤلفه، وقصة الكتاب والهدف منه، والمنهج الذي سلكه المصنف. بالإضافة إلى عرض محتويات الكتاب وموضوعاته، وأهم أفكاره، مختومة برأيي المتواضع كقارئ لهذا السفر، وقد حرصت في هذا الملخص استخدام عبارات المؤلف قدر المستطاع. أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما.

المقدمة:

يعتبر كتاب النبأ العظيم لمؤلفه الدكتور محمد عبدالله دراز(1312-1376ه) -رحمه الله- من أجل الكتب في باب علوم القرآن، أثبت فيه أن مصدر القرآن هو الله-جل في علاه- وليس محمدا رسول الله، دحضا لادعاءات المستشرقين والمشككين وتفنيدا لأباطيلهم، ونصرة لهذا الدين العظيم. وبسبب قوة وفصاحة الكتاب وسلاسة أسلوبه، يقول دراز واصفا قارئه:(فلا يتطلب من قارئه انضواء تحت راية معينة؛ ولا اعتناقا لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصصا في ثقافة، بل يناشده أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء، ورغبة صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن).

قصة الكتاب والهدف منه:

يقول المصنف في الغاية من تأليف هذا السفر:( فهذه بحوث في القرآن الكريم، قدمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمور، أردت بها أنعت كتاب الله بحليته وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة به، وأن أرسم الخطة التي ينبغي سلوكها في دراسته).

منهج الكتاب:

يقول المؤلف:( وقد راعيت في أكثر هذه البحوث شيئا من التفصيل والتحليل، وشيئا من التطبيق والتمثيل، فلم أكتف بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا البرهان إذا أمكن العيان). مستخدما المنهج العلمي في عرض الأقاويل ونقضها واحدة بعد الأخرى، بأسلوب بياني جميل، وعرضا لأمثلة قياسية مادية محسوسة تارة ومعنوية تارة أخرى، وصولا لما يسمى بالمنهج المقارن.

موضوعات الكتاب ومحتوياته:

اشتمل الكتاب على بحثين أساسيين هما:

1- في تحديد معنى القرآن: تضمن هذا البحث على:

أ- المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظي: (القرآن) و(الكتاب)، وسر التسمية بهما جميعا.

ب- سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف.

ج- هل يمكن تحديد القرآن تحديدا منطقيا؟

د- التفرقة بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي.

2- في بيان مصدر القرآن:

هذا البحث غطى معظم الكتاب واشتمل على تمهيد وأربعة فصول أطلق الكاتب على كل فصل (مرحلة):

التمهيد

يجيب دراز على تساؤلات طرحها في بداية البحث وهي من أين جاء محمد بالقرآن؟ أمن عند نفسه ووحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟، ويخلص الكاتب: (أن القرآن إذاً صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمد، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه)، كما يقرر أن:

أ- تبرؤ محمد من نسبة القرآن إليه ليس إدعاء يحتاج إلى بينة، بل هو قرار يؤخذ به صاحبه

ب- نسبة محمد القرآن إلى الله لا تكون احتيالا منه لبسط نفوذه، والا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله.

ويدلل دراز على صدق محمد وأمانته في دعوى الوحي بنماذج من سيرته إزاء القرآن مثل حادثة الأفك وتأخره في جلاء الحقيقة، فلو كان القرآن من عنده لما تأخر في قوله ليحمي عرضه ويذب عنه.

ج- استدلال من علم النفس على انفصال شخصية الوحي عن شخصية الرسول.

د- موقف الرسول من القرآن موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات ويأخذ بأرفقها.

هـ- توقف الرسول أحيانا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان، كما حدث في صلح الحديبية.

المرحلة الأولى

في هذه المرحلة يناقش الباحث ويؤكد عددا من الحقائق التي لا تقبل الشك منها:

1- بيان أن القرآن لا يمكن أن يكون إيحاءا ذاتيا من نفس محمد.

2- طبيعة المعاني القرآنية ليست مما يدرك بالذكاء وصدق الفراسة:

أ‌- فأنباء الماضي لا سبيل إليها إلا بالتلقي والدراسة

ب‌- والحقائق الدينية الغيبية لا سبيل للعقل إليها

ج-أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية ولكنها لا سبيل فيها لليقين الأ بالوحي الصادق

د-النبي بدون الوحي قد يخطئ ظنه أحيانا رغم ذكائه وفطنته.

المرحلة الثانية

ناقش دراز في هذه المرحلة من البحث: بيان أن محمدا لا بد أن يكون أخذ القرآن عن معلم والبحث في الأوساط البشرية عن ذلك المعلم:

أ‌- البحث عنه بين الأميين: يقول دراز أن محمدا لم يكن له معلم بين الأميين من قومه، فإذا عرفوا بالأمية، كيف يحملون وسام التعليم لغيرهم.

ب‌- البحث عنه بين أهل العلم: ويقرر أنه عليه السلام لم يلق ولم ير أحدا بعينه من العلماء لا قبل دعوى النبوة ولا بعدها.

ج- أن موقف محمد من العلماء هو موقف المصحح لما حرفوا الكاشف لما كتموا. وقد أورد الكاتب نموذجا من وصفه وتفنيده لأغلاطهم من الآي الكريم.

د- تحدى الكاتب القائلين بأن لمحمد معلما من البشر، بتسميته، وما الذي رآه وسمعه، ومتى وأين كان ذلك.

ويعقب قائلا: إن من ضاقت به دائرة الجد، لم يسعه إلا فضاء الهزل. وأن حيرة المعاندين وجدلهم ليست قضية حديثة

ه-كما أشار الكاتب إلى نظرية الوحي النفسي وأنها ليست جديدة حيث حكاها القرآن عن الطاعنين فيه، وأنه لا يوجد للقرآن مصدر إنساني لا في نفس صاحبه، ولا عند أحد من البشر.

المرحلة الثالثة:

في المرحلة الثالثة يبحث المؤلف في ظروف الوحي وملابساته الخاصة عن مصدر القرآن بعد أن دحض فكرة أن القرآن عمل إنساني، فيحلل ظاهرة الوحي وعوارضها على وجه النبي حين ينزل القرآن عليه، وأنها ظاهرة غير متكلفة وتقع بدون اختياره.

المرحلة الرابعة:

يتناول الكاتب في هذه المرحلة البحث في جوهر القرآن نفسه، وأن هذا الكتاب الكريم يأبى بطبيعته أن يكون صناعة بشرية، ذلك أن قدرة الناس إن تفاوتت فهي محدودة. وأن طالب الحق بإنصاف عليه أن ينظر إلى القرآن من نواحي عدة: ناحية أسلوبه، أو علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالَم وغير به وجه التأريخ. كما قام الكاتب بدراسة النواحي الثلاث لأعجاز القرآن بشيء من التفصيل.

أ- المعجزة اللغوية للقرآن:

استقصى الكاتب تحت هذا العنوان الشبه الممكنة ورد عليها:

1- توهم القدرة على محاكاة القرآن.

2- القول بالصرفة.

3- الظن بأن إعجاز القرآن ليس من الناحية اللغوية لأنه لم يخرج عن لغة العرب.

4- الزعم أن عجز الناس عن مجاراة أسلوب القرآن ليس خصوصي له، لأن أسلوب كل قائل صورة نفسه ومزاجه

5- التسليم بإعجاز القرآن دون الدراية بتفسير وتعليله

خصائص القرآن البيانية:

1- القرآن في قطعة قطعة منه: ووجه إعجازه

* القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى

* خطاب العامة وخطاب الخاصة

* إقناع العقل وإمتاع العاطفة

* البيان والإجمال

* الإيجاز سواء في مواضع الأجمال أو التفصيل

* خلوه من الكلمات المقحمة والحروف الزائدة

* الإيجاز بالحذف مع الوضوح والطلاوة

2- القرآن في سورة سورة منه:

* الكثرة والوحدة

* صنعة البيان في الانتقال من معنى إلى معنى أشق منها في التنقل بين أجزاء المعنى الواحد

* نزول القرآن مفرقا بحسب الدواعي

* عجز البشر عن الاهتداء إلى تحديد وضع كل جزء من أجزاء المركّب قبل تمام أجزائه

رأيي في الكتاب:

الكتاب ممتع في بابه وثري بالمادة اللغوية العلمية الرصينة، حيث قام المؤلف فيه بالرد على الشبهات المثارة حول القرآن: مصدرا، أسلوبا، وإعجازا، وأثبت-بما لا يدع مجالا للشك- أن مصدر القرآن هو من عند االله، وأن الأساليب البيانية الواردة يستحيل أن يأتي بها بشر.

 

اعداد/ بدر ثاني

 

محمود محمد علييعد كتاب التحليلات مختلف تماماً عن كل ما سبقه من تراث منطقي عند الفلاسفة اليونان، فهو يمثل قطيعة معرفية مع هذا التراث – أي بدون أن يلغيه أو ينفيه ؛ بل يتعداه ويتجاوزه. ولذلك يمكن أن ندرس معالم الجدة المطلقة التي تميز بها هذا الكتاب فيما يلي:

1- لغة التحليلات الأولى:

إذا كانت الوسائل التكنيكية المفيدة لدراسة المنطق كالمتغيرات وما يرتبط بها من المصطلحات لم تظهر في كتابات “أرسطو” في مرحلة ما قبل التحليلات، فإنها سرعان ما بدأت تظهر بوضوح في كتاب “التحليلات الأولى ” ؛ حيث يستخدم أرسطو في هذ الكتاب الحروف الأبجدية، كالمتغيرات، مما يعد وسيلة جديدة ومطلع عهد جديد في التكنيك المنطقي علي حد قول المؤرخ المنطقي “وليم نيل” (22).

ففي التحليلات الأولى كان “أرسطو” يصوغ جميع الأقيسة الصحيحة من خلال الرموز، وكان لا يأتي بأمثلة لغوية إلا في حالات نادرة، وخاصة عندما يريد أن يبين أن بعض الأقيسة فاسدة. وقد كانت أصغر الوحدات تتألف منها نظرية أرسطو هي الحدود، ويرمز لها أرسطو بحروف معينة. والحد يمكن أن يكون موضوعاً أو محمولاً في قضية أو مقدمة قياس. وبدل أن يستعمل أرسطو الألفاظ حدود منطقية، نجده يتخلى عن هذا العمل ويستعمل الرموز، وتتميز هذه الرموز بأنها تشير فقط إلى موضع الحد، ويمكننا أن نضع محل هذه الرموز ألفاظاً لغوية معينة لنحصل أخيراً علي عبارات لغوية، وأهم ما تتميز به هذه الرموز أنها لا تدل علي معني ثابت ؛ بل إنها مجردة من كل معني، وهذه الرموز هي متغيرات، وهذه المتغيرات علي نوعين: إحداهما – متغيرات تشير إلى الموضوع في القضية، وثانيهما – متغيرات تشير إلى المحمول في القضية (23).

وقد كان “أرسطو” حريصاً علي كتابة القضايا في صورة رمزية، إذ كان يضع حروف الهجاء كرموز للمتغيرات، وهذه المتغيرات ترمز إلى الحدود في القضية، ومن المألوف أن تعبر كتب المنطق التقليدي عن القضية الكلية الموجبة مثلاً بالصيغة كل أ يكون ب، (All A is B)، لكن لم تكن هذه طريقة أرسطو في صياغتها، فقد كان أرسطو يقدم المحمول علي الموضوع من خلال صيغة معينة هي: ب محمول علي كل أ (B is Predicated of All A) أو ب تنتمي إلى كل أ B is Belongs to All A)). وكان أرسطو يصوغ القياس في صورة رمزية أيضاً، لكنه لم يضعه في صورة استدلال، بحيث يوضع القياس ي ثلاثة أسطر متتابعة، وأمام النتيجة علامة إذن، كما نألف في كتب المنطق التقليدي، (أن أول من استخدم هذ الرسم للقياس هو الإسكندر الأفروديسي Alexander of Aphrodisas في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الميلادي) (24).

كان “أرسطو” يصوغ القياس في صورة قضية شرطية متصلة تعبر المقدمتان مرتبطتين بواو العطف عن المقدم، وتعبر النتيجة عن التالي: (إذا كان أ محمولاً علي ب، ب محمولاً علي كل ج، فإن أ محمولاً علي كل ج) يزداد استخدام أرسطو لمتغيرات الحدود، حين يتحدث عن قوانين الفكر ونقض المحمول وعكس النقيض: (إذا كان أ محمولاً علي كل ب، ب محمولاً علي بعض أ) وهكذا (25).

ومن جهة أخري فقد استخدم “أرسطو” في سياق واحد حروف الهجاء، رموزاً للقضايا لا للحدود، حين أثبت أن ما هو ضروري ينتج عما هو ضروري، وأن الممكن ينتج عنه الممكن، وأن القضية الضرورية والممكنة لا يلزم عنها قضية مستحيلة وقال: “… إذا كان أ محمولاً علي، ب محمولاً علي ج، فإن أ محمولاً علي ج، وإذا كانت كل منها ممكنة، فالنتيجة ممكنة، وإذا وجب علينا أن نعتبر مثلاً “أ “ضرورياً يكون “ب ” ضرورياً. بل وينتج أيضاً أنه إذا كان أ ممكناً يكون ب ممكناً، وما دمنا قد برهنا علي، فمن الواضح أنه إذا قمنا بفرض خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً، فإن نتيجة الفرض سوف تكون خاطئة، لكنها ليست مستحيلة. إذا كان “أ” خاطئاً، لكنه غير مستحيل، وإذا كاب نتيجة “أ”، فإن “ب” خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً (26).

ولذلك فقد تمكن “أرسطو” بفضل استخدام المتغيرات من التعبير مباشرة عن العديد من المبادئ المنطقية، وذلك بالإشارة إلى ما يمثلها بلغة المخطط الاستدلالي بدلاً من وضعها بشكل يتجاوز المنطق أو تفسيرها بأمثلة قياسية علي نحو ما يفعل في مرحلة ما قبل التحليلات، بما فيها كتاب العبارة. ولهذا يقال أن إدخال المتغيرات في المنطق اختراع أرسطي لم يسبقه إليه أحد (27).

وها هو ذا العالم المنطقي البولندي ” يان عالم المنطق البولندي “يان لوكاشيفتش” يقول: ” وقد كان إدخال المتغيرات في المنطق من أعظم مبتكرات أرسطو، ويكاد المرء لا يصدق أن أحداً من الفلاسفة أو اللغويين لم ينبه للآن إلى هذه الحقيقة الفائقة الأهمية. ولهذا أجازف بالقول إنهم لا بد كانوا جميعاً معرفة الرياضيات، إذ يعلم كل رياضي أن إدخال المتغيرات في علم الحساب كان فتح عهد جديد في ذلك العلم. ويبدو أن أرسطو قد أعتبر ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج غلي بيان، وذلك لأنه لا يتكلم عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته المنطقية، وكان الاسكندر (الأفروديسي) أول من قال صراحة إن أرسطو صاغ أقيسته من حروف Stoicheia، حتي يبين أن النتيجة لا تلزم عن مادة المقدمتين، بل تلزم عن صورتيهما واجتماعهما، فالحروف علامات الشمول و وهي تدل علي لزوم النتيجة دائماً آياً كانت الحدود التي نختارها. وثم شارح آخر هو “يوحنا فيلوبونوس”، كان يدرك تمام الإدراك أهمية المتغيرات ومغزاها، فهو يقول إن “أرسطو” بين بالأمثلة كيف يمكن عكس المقدمات جميعاً، ثم وضع بعض القواعد الكلية الخاصة بالعكس مستخدما في ذلك الحروف بدلاً من المتغيرات، وذلك لأن القضية الكلية يدحضها مثال واحد تكذب فيه، ولكن البرهنة علي صدقها لا تكون إلا بالنظر في كل أحوالها الجزئية ( وهو أمر لا نهاية له، وهو من ثم ممتنع) أو بالرجوع إلى قاعدة كلية بينة. ويصوغ أرسطو هذه القاعدة من حروف وللقارئ أن يعوض عن الحروف بما يشاء من الحدود المتعينة (28).

وقد برر بعض مؤرخي المنطق عدم قيام “أرسطو” بأية محاولة لشرح استخدامه، بأنه ربما كان معتاداً علي استخدامها في محاضراته في “اللقيون”، أو ربما أيضاُ لأن “أرسطو” اعتبر ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج إلى بيان، ولهذا السبب لم يتحدث عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته. إلا أن ” بوشنسكي ” لا يوافقهم علي هذا خاصة، وأن أرسطو نفسه نص أن الانتقال إلى المتغيرات كان يتم بصورة بطيئة. كما لو أن الأمر يبدو أن أرسطو نفسه لم يدرك تماماً أنه يتعامل مع متغيرات. وإن كان ” بوشنسكي ” يري في الوقت نفسه أنه مع أن أرسطو أستخدم نوعا واحداً من المتغيرات للفئات وللأفراد، الأمر الذي تسبب في وجود خلط نظرا لأنه يميز بوضوح شديد بين القوانين المتعلقة بالأفراد والقوانين الخاصة بالفئات (29).

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان “أرسطو” في أعماله المبكرة، قد حاول إبراز العمومية عن طريق استخدام الضمائر والأمثلة، إلا أنه في التحليلات الأولى قد تخلص من ذلك تماماً، وذلك من خلال استخدامه للمتغيرات التي أعطت لتعبيراته قدراً كبيراً من الوضوح والإيجاز ؛ وخاصة في إطار القواعد المنطقية المعقدة، كالقواعد الخاصة بالقياس، والتي يكون استخدام المتغيرات فيها أمراً لا مفر منه تقريباً.

2- منهج التحليلات الأولى:

عندما اكتشف “أرسطو” مبدأ القياس (مقالة الكل ولا واحد Dictum de omni et nullo) (30) – وهو صلب المنطق الأرسطي وضحت له صياغة نظريته في التحليلات الأولى، وترسخت عنده هذه الفكرة، وهو أنه المنهج الوحيد الذي يستطيع بواسطته أن يشيد العلم آياً كان، وبما أن اكتشاف مبدأ القياس، قد ارتبط تاريخياً عند “أفلاطون”، و”أرسطو” نفسه بنظرية التعريفات، قد اعتقد “أرسطو ” أنه لاكتشافه هذا، إنما اكتشف في الوقت نفسه المنهج الذي يستطيع بواسطته تشييد النظرية العامة في التعريفات، التي تستند إليها أي نظرية عامة في العلم (31).

وهكذا أصبح القياس بأشكاله وقواعده الثابتة بالنسبة لأرسطو هو المنهج الذي يستطيع بواسطته الانتقال من تشييد نظرية العلم إلى تشييد العلم نفسه. ومعني هذا أن كتاب “التحليلات الأولى “، قدم لأول مرة منهج جديد في تاريخ علم المنطق، وهو المنهج الاستنباطي، وذلك في بناء نظرية القياس، وهذا المنهج يمثل قطيعة معرفية مع منهج القسمة الثنائية الذي استخدمه أفلاطون في محاورة “السوفسطائي”، بدليل أن أرسطو بعد أن عرف القياس وحلله، شرع يقارن بين منهج القياس ومنهج القسمة الثنائية، فيقول: ” إن هذه القسمة قياس ضعيف أو عاجز، لأنها خلو من حد أوسط، فهي تقول مثلاً: الكائنات إما حية وإما غير حية، فلنضع الإنسان في الحية، والحيوانات إما أرضية وإما مائية. فلنضع الإنسان في الأرضية، وهكذا حتي تمضي جميع خصائص الإنسان، ولكنها لا تبين علة إضافية خاصة دون الخاصة المقابلة، وإنما نضعها وضعاً. فما لا نجده عند أفلاطون هي فكرة أن الاستدلال إقامة البرهان علي أن المحمول يوافق الموضوع، وهذا لا يتحقق في القسمة، إن القسمة مصادرة علي المطلوب الأول في جميع مراحلها، فإن صح أن القسمة الأفلاطونية، هي التي أدت إلى القياس، فإن الفرق بعيد بين الطريقتين (32).

3– شكل نظرية العلم في التحليلات الأولى:

قدم “أرسطو” في التحليلات الأولى نظرية مكتملة في الاستدلال المنطقي التحليلي وهدفها العلم الاستنباطي، إلا أنه لم يخطر ببال “أرسطو” مطلقاً أن يكون منطقاً صورياً علي النحو الذي أراده – مثلاً – عالم المنطق الإنجليزي “هاملتون” – فيما بعد لتحليلاته الجديدة. صحيح أن نظرية القياس تبدو في التحليلات الأولى، وكأنها مقطوعة الصلة بمضمون الفكر، إلا أن هذه الفكرة باطلة رغم شيوعها، حتي بين المتخصصين في المنطق، وسرعان ما تتداعي حين نعلم أن ” نظرية القياس ” ما هي تمهيد أو إعداد لنظرية البرهان، موضوع التحليلات الثانية، والتي كانت الهدف النهائي من المنطق الأرسطي (33).

ومن هنا جاء كتاب ” التحليلات الثانية ” بعد ذلك ليحكي لنا بشكل عام، مدي النجاح الذي حققه “أرسطو” في تشييد المعرفة الضرورية البرهانية، فلا غرابة بعد هذا أن يكون القياس عند “أرسطو” – علي ما فيه من عيوب ومآخذ – هو وسيلتنا أو أداتنا الوحيدة في تشييد العلم، أو أن يكون ذهب إلى ذلك بعض تلاميذه من بعده ليمثل المدخل الضروري لكل علم (34).

وبذلك تصبح النظرية المنطقية المتمثلة في القياس برمتها عند أرسطو – هي في خدمة العلم، ومعني هذا بعبارة أخري أن المنطق ظل علي علاقة وثيقة بالواقع، ولهذا فد اكتسب إلى حد بعيد الطابع التجريبي، كما أنه ظل مرتبطاً بالميتافيزيقيا، إذ أنه يعد وسيلتها المنهجية في التعبير عن نفسها. وباختصار فإن النظرية الاستدلالية المنطقية التي تضمنها كتاب “التحليلات الأولى ” تستند إلى نزعتين فلسفيتين متكاملتين عند أرسطو هما: النزعة الواقعية من جانب، والنزعة العقلانية من جانب آخر (35).

بعد هذه الجولة السريعة من الحديث عن ” كتاب التحليلات الأولى الأرسطية.. قراءة إبستمولوجية “، يمكن أن نلخص أهم النقاط التي توصلنا إليها، وذلك علي النحو التالي:

1- إذا كان المنطق يهتم أساساً، بدراسة الفكر الذي نعبر عنه في صورة عبارات وقضايا، لكي يستخلص منها المبادئ المنطقية للفكر آياً كان. فإن الناس لم ينتظروا أرسطو، حتي يأذن لهم أن يفكروا، بل فكر الإنسان وقاس واستنبط الأمور من بعضها البعض منذ أن وجد علي ظهر الأرض، وتعريف أرسطو للإنسان بأنه ” حيوان مفكر ” أو ” عاقل ” ما كانا ليكون كذلك لولا أن الإنسان هو بطبعه مفكر.

2- إذا كان العرف قد جري علي أن الأورغانون الأرسطي، يبدأ بكتاب المقولات، يليه العبارة، ثم التحليلات الأولى، ثم التحليلات الثانية، ثم الطوبيقا، وأخيراً كتاب السوفسطيقا. إلا أن أرسطو لم يتبع هذا الترتيب في مؤلفاته ولا يوجد أي دليل يؤيد التصنيف الذي وضعه ” أندرنيقوس الرودسي “، لكتابات أرسطو المنطقية، خاصة بعد أن تبين أنه لا يوجد كتاب من تلك الكتابات ظل بدون تغيير، فضلاً عن أن معظم تلك الكتب قد وضعها أرسطو في زمن متأخر داخل إطار عام يتطابق مع تعاليمه الأخرى.

3- ليس صحيحاً أن أرسطو اخترع علم المنطق بدون مرشد ؛ فقد ثبت في ثنايا هذا البحث أن أرسطو قد استفاد في صياغته لموضوعات المنطق المختلفة من أبحاث المفكرين السابقين عليه في الرياضيات واللغة والجدل الفلسفي الذي بدأته المدرسة الأيلية وأكمله من بعدهم كبار أعلام السوفسطائيين. فمن صلب الجدل الأيلي خرج المنطق وتطورت الرياضيات، ولم تكن حجج زينون الخاصة بنفي الكثرة والحركة – مثلاً- والتي تعتمد علي فكرة القسمة الثنائية وفكرة اللانهاية بجدل عابث لا طائل من ورائه، بل كانت الأساس الأول الذي بني عليه فيما بعد حساب التفاضل والتكامل في الرياضيات. كما أن فكرة اللانهاية التي يقوم عليها جدل الأيليين وخوفهم من وقوع العقل الإنساني في الخطأ عبر القسمة الثنائية التي لا تنتهي هي التي عملت علي اكتشاف مبدأ عدم التناقض ومبدأ قياس الخلف، الأساس الذي بني عليه التفكير النقدي – فيما بعد – في المنطق والرياضيات علي السواء.

4- إذا نظرنا إلى جوهر المنطق الأرسطي، والمتمثل في نظرية القياس القائم علي القضية الحملية، فإننا نجد أن أرسطو قد أخذ الفكرتين معاً من أستاذه، حينما كان بصدد قراءة نقدية في التعريفات قراءة نقدية.

5- إن كتاب التحليلات الأولى يعد ثورة بالفعل داخل ميدان المنطق، وهذه الثورة قد أنجزها أرسطو بمفرده، ونقل بها هذا الفرع من فروع المعرفة، من مرحلة الممارسة العفوية عند ” زينون ” و” السوفسطائيين ” و“أفلاطون “، إلى مرحلة الصياغة النظرية، ولذلك فإن كتاب التحليلات الأولى يمثل قطيعة معرفية، وقد تمثلت أبعاد تلك القطيعة في لغة المتغيرات، ومنهج الاستنباط ونظرية البرهان.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

22-W. Kneale، M. Kneale: op.cit , p.61.

23- د. ياسـين خــليل: نـظرية أرسطو المنطقية، مطبعة أسعد، بغداد، 1964، ص 47-48.

24- د. محمود فهمي زيدان: المنطق الرمزي ” نشأته وتطوره “، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2002، ص 28.

25- نفس المرجع، ص 28-29.

26-Aristotle: Prior Analytic , Translated by A. J. Jenkinson, 1.15,34a.20-28.

27- د. محمود فهمي زيدان: المرجع السابق، 29.

28- يان لوكاشيفتش: نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1961، ص 20-21.

29- أنظر مقدمة د. إسماعيل عبد العزيز لترجمته لكتاب أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، ص 27-28.

30- وهذا المبدأ ينص علي أن: ” كل ما يكون محمولاً بشكل مستغرق – إيجاباً أو سلباً علي أي فئة، يمكن أن يحمل بنفس الطريقة علي أي شيء يتقرر انتماؤه إلى تلك الفئة. “

أنظر: د. محمد مهران: مدخل إلى المنطق الصوري، دار الثقافة، القاهرة، 1991، ص 227.

31- د. حسن عبد الحميد: التفسير الابستمولوجي.. ..، ص 228-229.

32-Aristotle: Prior Analytic ,24b.18-.

33- د. حسن عبد الحميد: نفس المرجع، ص 228-229.

34- نفس المرجع، ص 229.

35- نفس المرجع، ص 230.