محمود محمد عليالديمقراطية تفتح طريق الحكام، والدكتاتورية تعمي هذه العيون. وعندما ينطفئ الحاكم الفرد مصابيح الحرية يشتد الظلام في طريق الحكم، ويقود سيارة سلطان الحكم، في ليل حالك السواد، فلا يستطيع أن يتبين معالم الطريق. يسير علي غير هدي. يفقد الرؤية. الشبح يراه رجلاً. والرجل يحسبه ألف رجل. والزهرة يظنها قنبلة. يصدم السيارة التي أمامه. يدهس المارة. يصعد فوق الرصيف. يدوس علي البنزين متوهماً أنه الفرملة. ويدوس علي الفرامل متخيلاً إنها البنزين.. ولهذا تنقلب السيارة وينتهي حكم الدكتاتور!

قصدت أن أفتتح مقالي بتلك الكلمات من أستاذنا الكاتب مصطفي أمين لأتحدث عن فرنسيس فوكاياما، والذي يعد أحد أشهر المفكرين الأمريكيين خارج الولايات المتحدة، لا سيما بعد صدور كتابه " نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وما زالت أفكاره وكتاباته تثير نقاشاً وجدلاً حتي الوقت الحالي، خاصة بعد حرب العراق التي أيدها في البداية، ثم عاد لينتقد طريقة أداء الإدارة الأمريكية لمرحلة ما بعد الحرب.

وقد اختارت مجلة " فورين بولسي" فرنسيس فوكاياما أحد المفكرين المائة في العالم الذين أثروا بأفكارهم ومقولاتهم في عام 2009م، وعللت ذلك بأنه ومنذ صدور كتابه الشهير " نهاية التاريخ والإنسان الأخير "، فإن أفكاره وكتاباته ما زالت تثير نقاشاً وجدلاً حتي الوقت الحالي.

أنهي فرنسيس فوكاياما كتابه الأخير عن التنمية السياسية ودور القانون والذي يتألف من ثلاثة أجزاء يبدأ من تاريخ اكتشاف الإنسان للسياسة، وحتي الوقت الحالي، مروراً بالحضارات التي مرت علي التاريخ الإنساني، وكيف تطور مفهوم القانون لديها بما فيها الحضارة الإسلامية، وقد ألقي عدة محاضرات في جامعة جونز هوبكنز عن كتابه هذا.

وفي هذا الكتاب تحدث فرنسيس فوكاياما عن الربط التاريخي بين كتابه " نهاية التاريخ" الذي ظهر في العام نفسه مع كتاب صموئيل هنتجتون " صراع الحضارات"، ولماذا تلقي معظم الباحثين في منطقة الشرق الأوسط النظريتين – صراع الحضارات ونهاية التاريخ – كنظرية واحدة، وكأنها بمثابة إعلان لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟

ونظرية نهاية التاريخ صاحبها فرانسيس فوكوياما في مقاله الشهير "نهاية التاريخ" شارحا نظريته بالقول إن ما نشهده الآن ليس نهاية للحرب الباردة أو مرور فترة معينة لمرحلة ما بعد الحرب، وإنما نهاية للتاريخ، بوضع حد للأفكار الايدلوجية في التاريخ الإنساني وانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية الغربية. تقوم نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما والتي اختلفت الآراء حولها بين مؤيد ومعارض، على ثلاثة عناصر أساسية. العنصر الأول، هو أن الديمقراطية المعاصرة قد بدأت في النمو منذ بداية القرن التاسع عشر، وانتشرت بالتدرج كبديل حضاري في مختلف أنحاء العالم للأنظمة الديكتاتورية. العنصر الثاني في نظرية نهاية التاريخ، هو أن فكرة الصراع التاريخي المتكرر بين " السادة" و"العبيد" لا يمكن أن يجد له نهاية واقعية سوى في الديمقراطيات الغربية واقتصاد السوق الحر. العنصر الثالث في نظرية فوكوياما، هو أن الاشتراكية الراديكالية أو الشيوعية لا يمكنها لأسباب عدة أن تتنافس مع الديمقراطية الحديثة، وبالتالي فإن المستقبل سيكون للرأسمالية أو الاشتراكية الديمقراطية.

وطبقا لنظرية فوكوياما، فإن الديمقراطية قد أثبتت في تجارب متكررة منذ الثورة الفرنسية وحتى وقتنا هذا أنها أفضل النظم التي عرفها الإنسان أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا. ولا يعني فوكوياما أن نهاية أحداث الظلم والاضطهاد في التاريخ قد انتهت، وإنما التاريخ هو الذي انتهى، حتى وإن عادت نظم استبدادية للحكم في مكان ما، فإن الديمقراطية كنظام وفلسفة ستقوى أكثر مما قبل.

وقد انتقد فوكوياما لبناء نظريته عل النموذج الأمريكي للديمقراطية الغربية، لكن مؤيدوه يدافعون عن نظرية نهاية التاريخ بالقول إن المنتقدين قد أساؤوا قراءة النظرية، حبت يرى فوكوياما أن العالم سيشهد المزيد والمزيد من الحكومات الديمقراطية بمختلف أشكالها في السويد وتركيا والهند وغانا وفنزويلا. كما يتم التدليل على فشل نظرية فوكوياما من خلال تصاعد حركات وأفكار إسلامية في الشرق الأوسط أو نجاح الحركات اليسارية في [أمريكا الجنوبية] والثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق.

وكم كان فوكوياما مُخطئاً عندما تصوَّر في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) في بداية تسعينيات القرن المنصرم، أن التاريخ قد توقّف عند النموذج الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي الأميركي على وجه الخصوص، وأن العقل البشري وصل إلى أقصى تطوّره مع ذلك النظام، وأن الإنسان الأخير هو الكاوبوي الأميركي الذي سوف يسيطر على العالم ويفرض قِيَمه عليه. ولم يكن فوكوياما يتوقّع أن فيروساً لا يُرى، ربما يكون قد أنهى تاريخ النظام الرأسمالي المتوحّش وجعل الكابوي الأميركي هو الأخير فعلاً في حَلَبَة السباق التي تصدّرها الصيني والروسي والإيراني.

لقد كشف فيروس كورونا عورة الحضارة الغربية المادية برمّتها وفضح هشاشة نظامها الصحي والاجتماعي الذي يعتمد على عولمة الاقتصاد وخصخصته وعرّى اقتصادات دول كبرى تتّكئ على الخدمات أكثر من اتكائها على الإنتاج، وهي الدول التي قوّت الشركات وأضعفت الدول نفسها فجعلت من الدولة شركة صغيرة في مهامها ومن الشركات دولاً كبيرة تقوم بكل أدوار الدولة. كما أثبت الفيروس أن دولاً بحجم الصين وروسيا وإيران وكوبا لديها أنظمة صحية مُتفوّقة على أنظمة دول تُصنَّف على أنها عُظمى بمراحل، وكشف أقنعة عن دول صنع الإعلام حولها هالة أثبت الواقع أنها مُزيّفة. وعلى سبيل المثال تؤكِّد المعلومات، أن الولايات المتحدة تستورد "80 إلى 90%" من لقاحات المُضادّات الحيوية المختلفة من الصين و"70% من الأدوية المُسكّنة للآلام"، كما نقلت شبكة "فوكس نيوز" في 19 آذار/مارس الماضي، نقلاً عن مجلس العلاقات الخارجية. ولا ننسى كذلك أجهزة التنفّس الاصطناعي والكمّامات التي تنتج منها الصين 100 مليون يومياً وتصدّرها إلى أميركا وكل دول أوروبا وأشعلت حرباً غير مُعلنة عنها.

إنّ الجائحة الصحية في الدول المتقدّمة تكنولوجياً وضعت الديمقراطية الليبرالية في مواجهة مع النفس لترُاجع بنيتها السياسية بناء على العديد من المعطياتٍ المستجدّة والمؤثرة إلى حدّ الانقلاب على الذات، حيث إنّ تفشّي فيروس كورونا “كشف عن عمق الأزمة الكامنة داخل الفكر الديمقراطي الليبرالي، من حيث الدولة في النموذج الغربي التي انتقلت من الدولة الحارسة كما أنتجها القرن الثامن عشر والتاسع عشر إلى دولة الرعاية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكن ضرورات التصدّي لانتشار الفيروس اليوم أدت إلى عودة المفهوم التقليدي للدول، التي تحتكر قوة القهر والإجبار، وهو الأمر الذي لا شكّ ستكون له تداعيات أساسية في المستقبل كجزء أساسي من الأسئلة الكبرى التي بدأت منذ مطلع هذه الألفية، وتتمحور حول إعادة تعريف دور الدولة وآليات تدخُّلها في المجتمع”

في حين باتت الولايات المتحدة تكافح الفيروس على أرضها، يقول محللون إن الصين تحاول الإسراع في إعادة تموضعها كزعيم عالمي بديل.

الآن بعد جائحة كورونا وآثارها، التي لا تزال قائمة، الأمر اللافت أن النظم الصحية في الدول الرأسمالية، ومنها الولايات المتحدة أظهرت عدم الكفاءة في الأزمة الحالية، بعكس الصين التي تعاملت بكفاءة عالية لمواجهة كورونا، كما أن فاعلية التأمين الصحي كان أضعف مما كان متوقعاً، وهذا لا يبرز خللا كبيراً في النظام الليبرالي الذي يعتمد على المنافسة والربحية، وإجراءات المناقصات، في غياب مسؤولية الدولة السريعة في الأزمات والتغيرات….

بعد هذه الجانحة فإن الكثير من المحللين والاستراتيجيين في الغرب ـ ومنهم السياسي الأمريكي، وأحد المقربين من المحافظين الجدد، د. هنري كيسنجر ـ يرون: أن الأوضاع بعد كورونا في العالم كله، لن تبقى كما كانت.. وهذا يعني، أن مقولة نهاية التاريخ عند فلسفة بعينها، كما قال فوكوياما، ستبقى مجرد أحلام لواقع وظروف آنية غير منطقية أو علمية، ومن هذه المنطلقات فالتوقعات أن التاريخ سيستأنف مرة أخرى ولن يتوقف، بعد جائحة كورونا برؤية أخرى جديدة ومغايرة، ربما تخفف من غلواء وسلبيات حركة السوق المطلقة دون تقييد..

يبدو الخروج بحكم بات، ورؤية قاطعة، بشأن أي النظم السياسية أصلح للتعامل مع الأزمة مسألة صعبة بسبب غموض الفايروس واختلاف درجة شراسته من مكان لآخر، فضلا عن سرعة تحوره وانتشاره وتنوع تأثيراته، وإذا كان من الصحيح القول إن النظم المعبرة عن الليبرالية الجديدة فشلت تماما في مواجهة الوباء، فإن هناك نظما شمولية عاتية فشلت أيضا في المواجهة، مثل النظام الإيراني الذي لم ينجح رغم السلطات الواسعة الممنوحة له في وقف تفشي المرض.

ويؤكد هذا الاستنتاج أن كورونا لا يُعيد التبشير بالنظم الشمولية على نطاق واسع بحكم أنها قادرة على اتخاذ إجراءات صارمة لحماية الشعوب، لكنه يكشف مكونات الترهل الذي ظهرت معالمه على القيم الليبرالية، بما يفرض إعادة النظر في بعض قواعدها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........

1- يوسف الكلاخي: التاريخ الذي لم ينته بعد.. الحوار المتمدن-العدد: 3600 - 2012 / 1 / 7 - 02:02.

2- يحيى عبد المبدي: فوكوياما: بداية التاريخ ونهايته.. إيلاف...مقال..

3- د. أخمد بوخريص : هل تطيح “كورونا” بأطروحة فوكوياما : نهاية التاريخ ….؟.. المركز الديمقراطي العربي..

4- عرفات رميمة: فوكوياما لم ينتظر كورونا …الحضارة الغربية ونهاية التاريخ..مقال..

5- صابر النفزاوي: كورونا يدق إسفينا جديدا في نظرية :نهاية التاريخ…!..مقال..

6-شوقي بن حسن :”كورونا التي حققت ” نبوءة” كارل شميث...مقال..

 

 

بليغ حمدي اسماعيليكاشفنا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه "من بعيد" بحقيقة فاجعة عن حالة العلم في عصره، والتي امتدت لوقتنا الراهن، حينما ذكر أنه ليس بمصر علم، وإنما هي في علمها عالة على أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تستعير منها كل شئ، ويضيف أننا لم نحسن حتى استعارة العلم من هناك، بل ولا نستطيع أن نستعير من الغرب الأوروبي وأمريكا ما هي في حاجة إليه أو جزءا موفورا مما هي في حاجة إليه .

وهذه الصرخة العميقة التي أطلقها العميد طه حسين هي بمثابة استشراف لمستقبل آت، أي أيامنا العلمية الراهنة التي نحياها ونحن بصدد مواجهة الجائحة الكونية كورونا والتي كشفت عورات البحث العلمي العربي وأودت به إلى الجولة الأخيرة في حلبة الملاكمة العلمية التي ستنتهي بالخسارة العلمية العربية بالضرورة لأسباب تطرقنا إليها سالفا وأوردنا الكثير والكثير من شواهد الفشل العلمي في بلادنا العربية .

وفكرة أن تكتشف معدنا أو تجري بحثا كيميائيا أو تجربة معملية لإدراك مسافة الزمن وحجم النواة وغير ذلك من موضوعات العلم المستهلكة، فما أنت سوى عجلة تدار لإعادة إنتاج الماضي العلمي في الغرب الأوروبي، وفكرة وهم الاستشهادات العلمية بأبحاث عربية هي فكرة تم تصديرها إلينا من أجل أن نستغرق في صناعة دراسات قد تفيد الغرب من ناحية، وأن نظل بمنأى عن واقعنا العربي وبيئاتنا المحلية التي هي بحاجة حقيقية لجهود العلماء.

وكان على علماء العرب أن يفقهوا مقولة الدكتور طه حسين وهو يشير إلى ضرورة استقراء التاريخ وهو الأمر الذي غفل عنه علماء بلاد العرب، فقديما كان علماء العرب الأوائل يتخذون الماضي وسيلة إلى فهم المستقبل، أو كما يذكر أوضح وسيلة إلى الاستعداد للمستقبل. وربما أصبح علماء العرب المعاصرون استمرأوا فكرة عدم الاكتراث بالتاريخ واستنباط ما به من شواهد ورساميل أساسية يمكنها توصيف الواقع، ومشكلة المشاكل في منظومة تدريس العلوم بالكليات العلمية واسعة الانتشار قليلة النفع في بلادنا العربية أنها لا تتخذ من فلسفة العلوم ركيزة رئيسة ومنطلقا حيويا لاستشراف أكوان العلوم المعاصرة التي بالطبيعي نحن بمنأى عن رصدها واستعارتها.

ولازلت عند رأيي مثل كثيرين أن معظم البلدان العربية تتكبد ملايين الدولارات إنفاقا على حفنة من المبتعثين إلى الخارج من أجل الحصول على درجة الدكتوراه في أحد التخصصات العلمية كالكيمياء والفيزياء والحيوان والنبات والرياضيات والبيولوجيا، وأن قياس العائد بعد عودتهم عادة ما يكون معدما أو بغير قيمة يمكن رصدها اقتصاديا. فتحن نقر ونجزم اعترافا بأن أولئك المبتعثين للخارج في مجالات وفروع العلوم الأساسية ذهبوا وجاءوا إلى بلادنا العربية بشهادة الدكتوراه في العلوم فقط دون أن يأتوا بعلوم الغرب بدليل عدمية التطبيق، وما ذكره فضيلة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف في مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي، بعد حديثه عن تجديد الخطاب الديني موجها كلامه لرئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة وهو يجدد أحزاننا بشأن المشهد العلمي الخاص بكليات العلوم والصيدلة ليس ببعيد عن الذاكرة بأننا لم نفلح في إنتاج ما هو نافع ووظيفي لبيئاتنا العربية الخالصة .

مفاد القول إذن ونحن نتابع في خوف وقلق ورهبة مشاهد الموجة الثانية لجائحة كورونا وربما نترقب نزوح ثالث للجائحة في تحور مفاجئ للفيروس قد يصيب الخلايا العصبية ويباغتنا بالسكتة الدماغية، أن علماء الداخل ـ إن صح الوصف والتوصيف لكلمة علماء ـ لم يتفرغوا بجدية لمواجهة الفيروس الشرس، وأن الأبحاث المشار إليها بالمواقع الإلكترونية العربية هي ثمة بحوث وصفية لا أكثر عن الفيروس وتحوره وتاريخ وجوده وطريقة انتشاره، وهو الأمر الذي يسهم في إسراع عجلة الذعر لسببين ؛ الأول أن كوفيد19 لا يزال أكثر غموضا عن الاقتناص، الثاني أن البحث العلمي رغم مؤتمراته وأساتذته ومعامله ومختبراته تشكل وهما بالذاكرة العربية .

ومن أجل ألا نسير في فلك المحبطين ومروجي الاكتئاب، ودونما رجعة لنقد العقل العربي الذي بات منذ عقود، بل قرون بحاجة ضرورية إلى تثويره وتجديده وتنويره بطاقة إلهية وليست بشرية، فإن أشعة الأمل الضعيفة لابد وأن تتجاوز حدود وتخوم الأوهام العربية من نسب الاستشهادات العلمية لأبحاثنا، ومنصات التتويج في أعياد العلم لحفنة من أساتذة الجامعات الذي كتبوا ودخلوا معاملهم وخرجوا بنتائجهم الذاتية لكن قياس عائد نفعهم الحقيقي هو طلابهم الذين لم ينفكوا عن قلق الاختبار وصعوبة الأسئلة وترقب نتيجة الامتحان فقط، وكذلك هروبا من المسابقات الوهمية الكاذبة مثل المكتشف الصغير والمخترع الصغير ومسلسلات الموهوبين في الأرض محاكاة لرائعة العبقري طه حسين " المعذبون في الأرض "، هذا التجديد البشري الضيق الذي قد ننشده لن يتحقق إلا من خلال خطة حقيقية لاستشراف المستقبل بكل تحدياته وطموحاته لأن جائحة كورونا التي فرضت نفسها وسط تخمينات كاريكاتورية بانقضائها على المشهد العلمي أكثر من الحياة المجتمعية، وبات من الكذب تصديق هؤلاء الأكاديميين أنهم ليل نهار يذهبون إلى معاملهم .

لأنه باختصار إذا كان فيروس كوفيد 19 يمثل كابوسا لا يمكن ملاحقته أو تتبعه في عُرف البسطاء والعامة من أمثالي غير المتخصصين في مجالات العلوم الأساسية، فإن خبراء العلوم والبيولوجيا والحيوان وأساتذة الميكروبات والفيروسات هم الأكثر قدرة في الانقضاض على شراسة الفيروس، لكن مشهدنا العلمي الراهن الأشد بؤسا وحزنا وقهرا في بلادنا العربية أننا مجرد موظفين نقوم بثمة أبحاث ودراسات تأريخية عن الفيروس وهذا يمكنني أنا وغيري القيام به، ويقومون وفي ظنهم المريض أنهم جادين في القصد والمقصد والهدف بتتبع دورة حياة الفيروس وبطرائق تحوره وتمايزه المرحلي، دون أي ضوء يحمل الأمل للفتك بالفيروس سوى أنهم ينصحوننا بارتداء الكمامات ويشيدون باستعمالها.

ومن ضائقة النفس والوقت أيضا، أن نجد أساتذة العلوم والصيدلة يتفرغون عبر الفضائيات الفارغة من المضمون والجدوى ليتقمصوا أدوار ابن خلدون وابن بطوطة والجبرتي والرافعي وأخيرا محمد حسنين هيكل ليحدثوننا عن تاريخ الفيروسات على سطح الكرة الأرضية وأشهر الأوبئة وكيفية انتشارها وكيف قضت الأنفلونزا على الملايين في إسبانيا عام 1918 وكل هذه المعلومات تم سردها عن طريق المئات غير المتخصصين، لكن هذا يكشف مأساة غير مختبئة أو سرية ؛ أن مثل هذه المعلومات هي التي تقدم لطلابنا بمعاهدنا العلمية العربية لا أكثر، وأن هؤلاء العلماء بخبراتهم وبابتعاثهم الخارجي غير المفيد وببحوثهم المتواترة على الأرفف بغير فائدة بحجة نقص الإمكانات والعوامل المادية انكشفت حقيقتهم بصورة جلية لا تحتاج إلى ثمة دفاع أو تبرير .

وكل ما يطمح إليه العقل العربي العام هو وجود كيانات علمية حقيقية، وأقصد بكلمة حقيقية أنها أكثر صدقا أكثر نفعا أكثر واقعية، وما أجمل أن تتحول هذه البحوث العلمية إلى يقين معاش من خلال ربطها ببيئة حقيقية أو عبر افتراض ملامح استشرافية للمستقبل، لأنه بات من العبث بل من مرارة حياة راهنة أننا نبحث عن كل جديد في العلوم من مصادر غربية أجنبية وأن محركات البحث الإلكترونية تتجه دوما ناحية الشمال والغرب دون أدنى إشارة إلى بوصلة الوطن العربي الكبير .

ولأن علماءنا البعيدين عن السباق العلمي العالمي مولعون بالتاريخ من حيث تتبع قصة حياة فيروس كورونا وكتابة تراجم سيرية عن مراحله، فمن الأولى أن يدركوا ثمة حقائق مهمة عن التاريخ لا من أجل الثقافة العامة بل رغبة صادقة في استشراف المستقبل حتى يأتي يوم تستحيل فيه البلدان العربية مهبط البعثات الأجنبية، منها أن التاريخ يوم أساسا على فكرة الزمان، والزمان في كنهه لا يقبل الإعادة، وعلماء الفيزياء في الغرب يؤكدون أن الصفة الأساسية للزمان هي الاتجاه، والاتجاه في عرُف وفلسفة الغرب المتقدم يقتضي ضرورةً أن يسير قدما للأمام لا للخلف بغير تكرار أو تشابه، وبدلا من أن يقضي علماؤنا في مهمة تسجيل تاريخ الفيروس عليهم بالحتمية أن يتفرغوا لإجراء هجمة مضادة مستقبلية للمواجهة ولاستشراف احتمال وجود فيروسات قادمة من أجل كيفية مواجهتها هذا هو هدف العلم .

ولربما أكون أكثر قسوة في مواجهة العلوم العربية حينما أقول بأن العلوم الأساسية في وطننا العربي لا تكاد تختلف عن علوم مثل الوثائق والمكتبات والتاريخ والآثار، وتختلف عن اللغة بوصف الأخيرة في استشراف وديمومة مستمرة وحراك يفرض عليها مصطلحات ومفاهيم جديدة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

الهُوية الاجتماعية لَيست تعبيرًا عن الولاء والانتماء فَحَسْب، بَل هي أيضًا تعبير عن السلوك الحياتي اليَومي، ودَوره المركزي في تثبيت شرعية وُجود الإنسان، وتحقيق الجوهر التاريخي عن طريق توليد أنساق اجتماعية إبداعية، وتكوين مناهج فكرية تحليلية، وعدم الاكتفاء بالتلفيق بين الأضداد والعناصر المتعارضة، ودفن النار تحت الرماد، فالإنسانُ لن يستعيد جوهرَه الوجودي في بناء التاريخ إلا بالمشاركة في صناعة الأحداث، وعدم التفرُّج عليها، ولن يحصل المجتمعُ على شرعيته المركزية في مشروع النهضة الحضارية إلا بتشكيل سُلطة اعتبارية قائمة على قوة المنطق لا منطق القوة، تجمع كُلَّ الأطياف والتيارات، وتعتمد مبدأ التَّوفيق لا التَّلفيق .

2

الفرق بين التَّوفيق والتَّلفيق في مفهوم الهُوية الاجتماعية يتَّضح في طبيعة وظيفة كُل مِنهما على أرض الواقع، فالتَّوفيق هو الجمع بين العناصر الاجتماعية المُتَّفقة في الأُصول، والمختلفة في الفُروع، لأسباب تاريخية وضُغوطات نَفْسية وأهداف مَصلحية، وإمكانيةُ التَّوفيق في هذه الحالة واردة بقُوَّة بسبب الجُذور المشتركة، والأُسس المُتقاربة، وإمكانية إزالة الموانع العَرَضِيَّة، لأنَّ الجوهر واحد ومُتَّفق عليه . أمَّا التَّلفيق فهو مُحاولة الجمع بين عناصر اجتماعية مُتناقضة، ومُختلفة في الأُصول والفُروع، ومُتضادة بشكل جَذري عميق، وهذا يجعل إمكانية الجَمْع مُستحيلة بسبب اختلاف المبدأ والظروف .

3

الإشكاليةُ في السياق الاجتماعي لا تَكمن في الجهل بتعريف التَّوفيق والتَّلفيق، وإنما تَكمن في العِلْم بهما، وتوظيف هذا العِلْم لأغراض غَير عِلمية، من أجل تحقيق مصالح شخصية، والحصول على مكاسب نفعية، تمامًا كالذي يَعرف الحَقَّ من أجل توظيفه لخدمة الباطل . وهذا الأمر في غاية الخطورة، لأنه يُشكِّل تهديدًا وجوديًّا على الهُوية الاجتماعية، فهو يعني تجميع عناصر الضعف، وتشتيت عناصر القوة، وهذا يُمزِّق النسيجَ الاجتماعي، ويَمنع التنميةَ بكل إفرازاتها وتراكيبها، ويُلغي إمكانية النهوض بالفرد والجماعة . وهذا الانهيارُ الشامل مُرتبط بشكل وثيق مع سياسة وضع المسؤول في المكان غير المناسب، خُضوعًا لاعتبارات الولاء، وليس الكفاءة . وهذا الأمرُ هو أساس البناء السياسي للأنظمة الاستبدادية في كُل زمان ومكان، فهي تَسعى إلى تثبيت وجودها لأطول وقت مُمكن، دون أيِّ اعتبار لحل مشكلات الشعوب أو بناء الأوطان، وهذا يَجعل الولاءَ الأعمى والتصفيق الدائم هُما المِعيارَيْن الوحيدَيْن لاختيار المسؤول . ومِن أجل تبرير هذه العملية، وإلباسها ثَوبًا شرعيًّا، يتم التلاعب بالمصطلحات السياسية، وتَنميق الشعارات الرَّنانة، وتَغيير طريقة تفكير العَقْل الجَمْعي عن طريق بعض وسائل الإعلام التي ارتضت لنَفْسها أن تكون مأجورةً ومُضلِّلة، حيث تبثُّ الأكاذيب على مَدار الساعة، كَي تُصبح حقائق واقعية، ومِن ثَمَّ يتم تَصديقها، وتقديمها كمُسلَّمات لا تَقبل النِّقاش. وكُل صاحب صَوت مُعارض لهذه الأوهام يتم تقديمه كخائن ومُنشق ومَدعوم من جهات خارجية لتنفيذ أجندة هَدَّامة . وهذه الحَلْقةُ المُفرغة لا تكتمل إلا عبر التلاعب بثنائية (التَّوفيق / التَّلفيق)، وتوظيفها كسياسة اجتماعية تُحدِّد مسارَ الوجود الإنساني ومصيرَه . ومعَ مُرور الوقت، وبفِعل الضَّخ الإعلامي والضغط السُّلطوي، تتحوَّل هذه الثنائية إلى لعب بالبَيضة والحَجَر، لتجذير الشعارات كمنهج سياسي ونظام اجتماعي دُون فِعل على الأرض، ثُمَّ تتحوَّل ثنائية (البَيضة / الحَجَر) إلى ثنائية (العصا/ الجَزَرة) للتحكُّم بالمجتمع جُملةً وتفصيلًا، وبسط السَّيطرة الكاملة عليه بالترغيب والترهيب، وهكذا يصير المجتمعُ كائنًا مَسْخًا بلا وُجود حقيقي، ويتراجع على كافة المستويات، لأنَّه فقد البوصلةَ، ولم يعد يُفرِّق بين الهُوية والهاوية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عبد الخالق الفلاحإن اتجاه التفكير السائد اليوم، في موضوع "التنمية" وقضاياها، يميل بوضوح إلى إعطاء نوع من الأولوية في الكثير من الامور وهي  اصبحت من المفاهيم السائدة الدارجة في عصرنا، خصوصا منذ أن برزت مجموعة البلدان المستقلة حديثا التي وصفت بأنها بلدان "متخلفة" سابقاً، وتوصف الآن - بالبلدان "النامية" وهي تطلق على مجموعة الدول التي  لم تحسن استغلال الثروة البشرية والطبيعية الموجودة فيها إلى أعلى حد ممكن في زمن ما، كما وتعاني البعض منها لحد الان من نقص في خدماتها الأساسية، كالتعليم والصحة، وعددها 130 دولة، ويطلق في بعض الأحيان على هذه الدول مصطلح دول العالم الثالث وهذه البلدان قادرة على الابتكار بصورة أكثر فاعلية من الدول المتقدمة في العديد من المجالات الصحية لو زادة من تعميق ثقافتها في الشّق المعنوي من حصيلة النّتاج الذّهني والرّوحي والفكري والأدبي والقيمي، ويتجسد في الرموز والأفكار والمفاهيم والنّظم وسلم القيم والحس الجمالي. أمّا الشّق الثّاني فيكَوِّن مجمل النّتاج الاقتصادي والتقني والبيوت وأماكن العمل والسّلاح، وتطبيقها مع الثقافات المختلفة، ومن الضروري تحديث التصنيفات التي علقت في الأذهان لفترة طويلة، والتي تضع الدول النامية عادةً في مواقع الدول المتلقية للمساعدات الخارجية ويعيش فيها من السكان ما تقارب نسبته السبعين بالمئة من إجمالي سكان العالم، ويبلغ إنتاجها الزراعي نسبة خمس وثلاثين بالمئة من مجمل إنتاج العالم، في حين أنّ الإنتاج الصناعي يعادل سبعة بالمئة من إنتاج العالم للصناعة.. ولكن الذي نود الحديث عنه ليس هذا انما نود ان نبين جانب يجب ان يكون الركيزة الاساسية والمهمة والشرط الاول من انواع التنمية وهي  التنمية الثقافية، باعتبار أن الاقتصاد نفسه أصبح الآن يعتمد أكثر فأكثر على الفكر والعمل الفكري، ويستغني أكثر فأكثر عن العمل اليدوي، مما يجعل من حصول الشخص على مستوى معين من "النمو الثقافي" شرطا ضروريا ولا يزال السجال دائراً حول مدى ارتباط التنمية الشاملة بالثقافة ولا ليمكن أن تحقق المجتمعات البشرية النمو وتطوير هويتها وثقافتها ورفد حضارتها إلاّ بالتنوع والتعدد، وإدارة هذا التنوع والتعدد بقيم ضرورية وليست اختيارية هي قيم التسامح والتعايش. فالمجتمعات المتنوعة ثقافيا أكثر حيوية ونضوجا وغالبا أقل عرضه للفتنة والفوضى عكس المجتمعات الأحادية الثّقافة والنمطية تكون هشةً وأكثرَ عرضة للتّفتيت والتّشرذم.والثّقافة هي “كل ما مِنْ شأنه أنْ يسهم في كل مجال مِنْ مجالات النّشاط الإنساني في نشر قيم مجتمع المعرفة، وتحديد النظم والوسائل والأدوات الكفيلة باستنفار العقل العربي وتوظيف قواه الحية، والارتقاء بالوجدان المحلي من ناحية أخرى ودور إيجابي في التّبادل المعرفي والتّنمية البشريّة بين الانساني جميعاً ،

لاشك من ان الانعكاس الثقافي في الاساس يحتاج الى تقدم وتنمية المجتمع اولاً ، في عمومه لا في نخبويته ومجموعاته فقط ليسخر كل ظرف من اجل المصالح الخاصة المحدودة او غيرها، الحرية التي تشهدها البعض من الدول هي ضرورية لكل انطلاق، وهي منارة يهتدى به، وتمثل خطوات جادة لتطوير أي عمل سياسي واقتصادي واجتماعي او تنموي، فبدون الحرية الفردية والجمعية على كافة المستويات، لا يمكن حصول قطاف لثمار ابتكارية في اي ميدان من الميادين الا بتوافر الجهود الرامية لايجاد حوار حقيقي من منظور ثقافي لاستشراف الحاضر والمستقبل للوقوف على معيقات العمل موضوعياً، والسعي لازالة هذه الفجوات التي تحول دون انطلاقة هذه الثقافة، في عصر العولمة لما يتمتع به من انفتاح على كل بوابات الحدود المحلية للاشخاص والبضائع بل وسيولة المعرفة عبر وسائط الاتصال والتي يمكن ان تسهم في تفعيل وتطوير الثقافات المختلفة مع الثقافة العالمية الاخرى بشتى الوجود والابعاد.

ان الثقافة عندما ترتبط بالتنمية تصبح لها شجونها الدولية وربّما يصبح من السهل الإساءة إليها من خلال تداخل مصالح الأمم والشعوب. غير التفائل حول مستقبل الثقافة ينبع من كون مواردها في أكثريتها وطنية المصدر. لذلك, فمن خلال تعزيز دور الثقافة الأساسي في التنمية الشاملة تضفي نوعاً من الاستقلالية التي تطمح إليها كلّ الشعوب. أن الثقافة وحدها هي التي تميّز الشعوب بعضها عن بعض في زمن الاعتماد الاقتصادي المتبادل وفي عصر التدخلات ،وهذا بالطبع دليل عافية لأنّ الثقافة بقيت لزمن طويل في الدائرة الأكثر غموضاً في تعريفها وتحديد دورها في كل نواحي الحياة ومجالاتها، كون الثقافة المصدر لكلّ تقدّم والينبوع لكل ازدهار، وليست بالتالي نتاج أو إفرازات هامشيّة للتنمية. ولابد من الاشارة  إلى أنّ الإحاطة بكل جوانب التنمية له امر معقّد بحيث ان مفهومها قد تطوّر عبر الزمن ليخدم سياسات استثمارية عميقة ، يُضاف إلى ذلك ان الحديث عن الثقافة يرتبط سريعاً بالتراث والماضي وما يخلف ذلك من صعوبة في تحديد الزمن التاريخي.

 أصبحت الثقافة عنصراً أصيلاً في تعزيز التنمية بأبعادها المختلفة، 

ولتحقيق هذه الأهداف تبنت العديد من الدول السياسات والتّوجهات التي من شأنها أنْ ترسخ الحراك الثّقافي والفكري في المجتمع من خلال منظومة ترتكز على قواعد واضحة ومحددة، وتنشيط الحياة الثّقافيّة والفكرية والفنية عبر تنظيم جملة مِن الفعاليات المختلفة بما فيها معارض الكتاب من الامور المهمة والناهضة ، واطلقت جوائز ثّقافيّة وفكرية

 يُراعى في منحها للمرشح من جهودٍ فكريّةٍ أو عمليّةٍ تخدم المجتمع مما يُعدُّ مؤهلاً لنيلها وذلك لتنشيط حراكها  الثقافي مدفوعا بزخم التحولات العصرية والانفتاح والتفاعل مع مختلف ثقافات العالم، ليتمكن بعد عملية تراكمية إلى المزيد من الوقت لتنضج-من ترسيخ التّنمية الثّقافيّة في اي مجتمع ليصبح أكثر وعيا وتفهما إلى حد ما لقيم المعرفة والثقافة والفكر والفن لتتماشى مع التّوجهات الرّسمية والمجتمعية الرامية إلى إعلاء شأن الثّقافة والفنون والإبداع والابتكار بما يتوفر لها من مقومات ثقافية وتاريخية وموروث تراثي،وبالفعل فقد  ارتبطت الثقافة بالوجود الانساني ارتباطا متلازما مع تطور الحياة وما قدمه الانسان منذ تواجده عبر التاريخ من إنتاج مادي، وثقافي، وإبداع فكري في شتى المجالات، في المنظومة التي تتضمن اللغات، والمعتقدات، والمعارف والفنون والتعليمات، والقوانين والدساتير،والمعايير الخلقية، والقيم، والاعراف، والعادات والتقاليد الاجتماعية والمهارات المختلفة التي يمتلكها أفراد المجتمع.

 

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

 

لا حاجة للحديث عن التعايش والتسامح إلا في ظل الصراع والعنف والحرب واشتداد الأزمات، وفي ظل هذه الحالات العصيبة فقط تظهر هذه القيمة كحتمية لرأب الصدع وتأطير الاختلاف، أو لتحقيق غائية الإنسان في مسيرته نحو الكمال والسعادة. ولإضاءة عتمات مفهوم التعايش لابد من استحضار سياقاته المختلفة، سواء تعلق الأمر بالوضع السوسيو-سياسي أم السوسيو-اقتصادي، وهو مدخل لفهم هذه القيمة التي ستظل الهدف الأسمى للإنسان، لأنه مفهوم يبقى ناقصا ما لم تتوافر شروطه المبدئية، وما لم تكن هنالك بيئة سليمة لينمو ويترعرع، ومن بين الركائز التي تجاهلتها فلسفة التعايش لدى جون لوك وفولتير المصالحة والعدالة والاعتراف، وهي، في نظرنا، مفاهيم تشكل البيئة السليمة لانبثاق قيم التسامح.

وستأخذنا هذه الإشكالات للحديث عن التعايش والتسامح في السينما، لاسيما في فيلم "أغورا" و"بلات فورم" وغيرهما من الأفلام الأخرى، قيم إنسانية لا يمكن استجلاء مظاهرها في الخطاب الفرجوي السينمائي إلا  بأضدادها، أي اللاتسامح واللاتعايش. والفيلم الأول يعكس مظاهر الصراع الديني بين اليهودية والمسيحية والوثنية الرومانية، إذ كانت القيم الأخلاقية الدينية هي أساس كل الأعمال الإنسانية (التعايش الديني) مقابل العنف القائم أيضا على المرجعية الدينية (الصراع الديني)، والذي كرس بدوره تعايشا مبنيا على القوة والإقصاء والعنف والإيمان، وهو ما سنتحدث عنه في الجزء الثاني من هذه الورقة.

فهل نحن –حقا- في حاجة إلى التسامح؟ ولماذا؟

وهل يمكن للسينما تكريس قيم التعايش في مجتمعاتنا؟

لقد عرفت أوربا في العصور الوسطى تطاحنات دينية مميتة، أودت بحياة آلاف الأبرياء، لذلك انتبه جون لوك إلى هذا الوضع المتأزم، وكتب "رسالة في التسامح"، وهو تسامح لا يمكن أن يقوم إلا في كنف دولة مدنية/علمانية، فرجال الدين يجب أن يكونوا بمنء عن دواليب الحكم حقنا للعنف الديني بين الطوائف المسيحية وغير المسيحية، لذلك يرى أن "كل إنسان مكلف بأن ينبه وينصح ويقنع الاخرين بخطئهم وأن يقودهم إلى الحقيقة بالعقل. ولكن سن القوانين والطاعة والإرغام بالسيف كل هذا من سلطة الحاكم وحده ولا أحد غيره" 1. إن الشاهد يعكس التوجهات الأولى لفصل الدين عن الدولة تفاديا للعنف وسفك الدماء، وهذا إقرار ضمني بأن الكنيسة تكرس قيم اللاتسامح والعنف، والتاريخ الأوربي شاهد على ذلك.

وهكذا يعتقد جون لوك أن تغيير آراء البشر لا يتم إلا من خلال نور الأدلة والبراهين، وأنه ليس من سلطان الحاكم أن يفرض طقوسا معينة لعبادة الله بقوة القانون سواء في كنيسة بروتستانتية أو في أي كنيسة أخرى، بل "إن خلاص النفوس هي المهمة الوحيدة للكنيسة، وهي ليست مهمة الدولة على الإطلاق أو مهمة أي عضو من أعضائها"2 ، وبهذا يكون جون لوك قد انتبه لهذا الأمر، خطر التعصب الديني على الإنسان والدولة، وهو ما أكده فولتير على لسان الإمبراطور الصيني يونغ تشينغ (1722-1735) في رسالة للمسيحيين الذين حاولوا الهيمنة على بلاده: "أنا أعرف تماما أن دينكم لا يعرف التسامح، كما أني أعرف تماما ما فعلتموه في مانيلا وفي اليابان، لقد تمكنتم من والدي، لكن لا تحلموا  بخداعي أنا"3 ، كما استعرض فولتير الجرائم الإنسانية التي ارتكبت باسم الدين المسيحي في أنحاء متفرقة من أوربا وآسيا، وكل هذا إبرازا لخطورة الدين على الدولة المدنية، وتذكيرا بمآسي التعصب الديني.

لقد ظهر التعصب الديني في القرون الوسطى ليكرس العنف والكراهية، فالهوية الدينية أو العرقية للإنسان، غالبا ما تجعله في أسر التعصب، لذلك يقول فولتير منتقدا هذه الهويات المزيفة: "إن الحق في التعصب حق عبثي وهمجي إذا، إنه حق النمور وإن فاقه بشاعة: فالنمور لا تمزق بأنيابها إلا لتأكل، أما نحن فقد أفنينا بعضنا بعضا من أجل مقاطع وردت في هذا النص أو ذاك"4 ، لذلك يبرز من التاريخ الغربي ما يؤكد طرحه الداعي إلى فصل الدين عن الدولة، فها هو يتحدث عن الأخويات قائلا: "فهي مؤسسة في الأصل على ما يبدو على العداء الذي يكنه كاثوليكيو اللانغدوك لمن يسمون بالهوغونوتيين"5 .

لقد كان لابد من الحديث عن التعايش في سياقه التاريخي حتي تتكشف معانيه ودواعيه، غير أن التسامح عند جون لوك وفولتير لا يمكن استيعابه إلا من خلال استحضار التنظير للدولة المدنية التي استغنت عن الدين المسيحي في تسيير شؤونها، لكن المؤاخذات على طروحاتهما كثيرة، إذ اهتما بالتعايش بين الطوائف الدينية المسيحية بعيدا عن التسامح بين الطبقات الاجتماعية، حيث لم ترد أي إشارة على انتقادهما للدولة ونظام الحكم، أو الدعوة إلى القصاص للضحايا الذين سفكت دماؤهم ظلما في محاكم الدولة.

وبهذا لم يسلم هذا التسامح من انتقادات كثيرة، فهو تسامح ليبرالي، له سياقه التاريخي العام كما يقول محمد بن أحمد مفتي، إذ يؤكد أن "التسامح اللبرالي يقوم على قواعد أساسية تشكل منظومة فكرية متكاملة  يحتاج قيامها إلى توافر شروط أساسية ينتفي التسامح بغيابها أو فقد أحدها، حيث لا يعود التسامح تسامحا معبرا عن قيمة لبرالية. وتتمثل هذه الشروط في: أولا: العلمانية (اللادينية) ثانيا النسبة، ثالثا التعددية والديموقراطية"6 . إنه تسامح لبرالي إذن، لا يمكن أن يتأسس إلا في دولة مدنية، لذلك، هل يحق لنا أن ندعو إلى هذا النوع من التسامح في الدول الناطقة بالعربية ذات المرجعية الإسلامية؟

ومهم أن نشير إلى أن هذا التسامح كان يبدو لوقت قصير قيمة لا تحققها إلا المجتمعات اللبرالية، لكن هذه المجتمعات التي اعتبرها فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" اخر المجتمعات التي تحقق للإنسان العيش الكريم، وتضمن حقوقه، وبالتالي نهاية التاريخ بنهاية الإيديولوجيات المتصارعة، بيد أنه تراجع عن أفكاره التي طرحها في الكتاب السالف الذكر، وهذا يعني أن الصراع سيبقى مستمرا ودائما، وبالتالي فإننا في حاجة دائمة للتسامح مهما تغيرت أنظمة الحكم واختلفت.

غير أني أعتقد أن هذا التسامح، سيظل ناقصا ما لم تتحقق شروطه الموضوعة، سواء في سياقه اللبرالي أو الديني، وهذه الشروط تتمثل في:

- المصالحة: إن مأسسة مفهوم المصالحة يقتضي ممارسة نوع من النقد الذاتي أولا، نقد مقرون بالجرأة للنظر إلى الماضي مهما كانت بشاعته، وأن نعترف كبشر بكل المجازر التي ارتكبت باسم الدين (اليهودية، المسيحية، البوذية...) والعرق (الهيتو والتودس في أوغندا، والبوسنة والهرسك في الصرب) والهوية المنغلقة (كوريا الشمالية)... إن هذا النوع من الكشف عن الحقيقة، ومواجة التاريخ بتمحيص أحداثة وإعادة كتابته بناء على حقائق موضوعية لقادر على تحقيق نوع من المصالحة يمكن أن تؤسس للتعايش والتسامح.

- العدالة: لا يمكن للعدالة أن تتحقق إلا في إطار القانون، لذلك لا حاجة للحديث عن الانتهاكات دون استحضار مفهوم العدالة المبنية على رد الاعتبار ومحاسبة المذنبين... والعدالة هنا بمعناها الشمولي، التي تستوجب على الحاكم أن يطبق القانون على المذنب، وأن لا تكون عدالة عرجاء مثل تجارب بعض الدول المغاربية.

- الاعتراف: إن التعايش والتسامح يقتضي الاعتراف أولا، الاعتراف بالآخر باعتباره مختلفا، لأن أي تدمير للآخر كما يقول إكسيل هونيت هو تدمير للأنا بمعنى من المعاني، فهو يرى أن النماذج المعيارية التي تميز الاعتراف هي الحب والحق والتضامن، وكل هذا يحقق تجربة ذواتية تحقق ما يسمى بالأمن العاطفي للإنسان.

نخلص إلى أن التعايش والتسامح عرف طفرات نوعية عبر التاريخ، فقد غُلّف بما هو ديني في القرون الوسطي، قبل تبلوره ليكون مفهوما محوريا في بناء الدولة المدنية مع جان لوك وفولتير في سياق تاريخي هيمنت عليه البرجوازية، غير أنه يبقى، في نظرنا، تعايشا ناقصا ما لم يرتبط بمفاهيم المصالحة والعدالة والاعتراف.

ولأن موضوع مقالنا لا يهدف إلى التوغل في المفهوم، أو تناوله في مجالات مختلفة لاستكشاف مغالقه، فقد تحدثنا عنه باقتضاب شديد، اقتضاب يسمح برصد التسامح في بعض الأفلام السينمائية، ورصده من منطلقات ابستيمولوجية متعددة، بل وإشكالية إلى حد ما.

وعليه يمكن أن نتساءل:

- كيف يمكن للتسامح أن يتجسد في الفعل السينمائي؟

- هل يمكن لفيلمي "أغورا" و"بلات فورم" إظهار قيم التسامح رغم العنف فيهما؟

إن العالم يسير بسرعة كبيرة نحو اللاتسامح، ولعل ذلك راجع إلى التحولات الجذرية التي شهدها العالم منذ ظهور الصور بداية القرن التاسع عشر، هذا العصر الذي سماه رولان بارت عصر الصورة، إنها سلطة شكلت قيما جديدة ومغايرة، وأدت إلى تغيير إدراك الإنسان للعالم والطبيعة، وكانت النهاية بإعلان ألان توريه "نهاية المجتمعات".

أغورا Agora

أغورا فيلم يتحدث عن مكتبة الإسكندرية الشهيرة في القرن الرابع الميلادي، المكتبة التي أحرقت من طرف أنصار المسيحية للتخلص من رموز الوثنية، وفي خضم هذا الصراع بين الأديان، ستظهر قيمة التسامح كصوت غير مسموع، عندما علا صوت التعصب والكراهية، التسامح الذي جسدته شخصية هيباتيا الإسكندرية التي تقمصتها رايتشل وايز في أداء ملحمي.

غير أن على النقيض نجد دافوس، العبد الذي أعتقته هيباتيا، مجسدا للعنف رغم حيرته وتأرجحه بين الوجه المرعب للمسيحية والعلم، وبعد انضمامه إلى جماعة مسيحية متطرفة أصبح جزءا من العنف، لاسيما في العنف الذي استشرى بينهم وبين اليهود، وبعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الرابع الميلادي، تتداعى أركان التسامح الذي دعت إليه هيباتيا لتقع في يد الكراهية واللاتسامح، تجردها جماعة دينية متطرفة من ثيابها لرجمها بالحجارة في المكتبة الشهيرة، لكن دافوس يخنقها حتى لا تتعذب من طريقتهم التي اعتزموها في قتلها.

هكذا يسعي مخرج الفيلم إلى إظهار حجم العنف والكراهية للتذكير بالعنصر الغائب وهو التسامح، التسامح الغائب الذي حول حياة الناس إلى معاناة يومية، وجحيم لا يطاق، كما أن الفيلسوفة هيباتيا كانت نقطة الضوء في العتمة، عتمة المتلقي الذي يقف مشدوها مما يراه، فقد كان لها مواقف تجسد قيم التسامح والتعايش، سواء الديني أو الطبقي (السيد/العبد) وذلك كمداواة جراح دافوس عندما تعرض للضرب من طرف والدها عندما اكتشف مسيحيته، أو اقتحامها لمجلس الحاكم القائم بأمور الإمبراطورية الرومانية في الأسكندرية لتذكير المسيحيين واليهود بأهمية التعايش كمنطلق لبناء دولة عادلة تقوم على قيم التسامح والتعايش.

مافتئ هذا الفيلم يذكرنا بنتائج صراع المسيحية والوثنية، الصراع الذي تحول لاحقا إلي الطوائف المسيحية، وهو التاريخ البربري الذي اعتمده كل من جون لوك وفولتير للدعوة إلى دولة مدنية، وكل هدا العنف يشكل نوعا من المصالحة مع الماضي/التاريخ لألا تتكرر المجازر مرة أخرى.

هكذا يذكرنا الفيلم بقيمة التسامح لإرساء أسس العيش المشترك بين الناس مهما اختلفت دياناتهم وأعراقهم، عيش ينبني على احترام القانون المدني المتوافق عليه، والذي يضمن حقوق الأقلية كما الأكثرية.

وعموما يبقي هذا الفيلم ملحمة حقيقية تسلط الضوء على تاريخ مخجل من حياة البشرية، بأسلوب مثير ووممتع، سواء على مستوي الموضوع أم المعالجة الفنية، المزج بين اللقطات الطويلة والقصيرة، والإكثار من اللقطات العامة لإظهار الخراب والدمار الذي لحق بالإسكندرية. إنه فيلم يشكل صرخة في وجه العنف والتعصب الديني، مذكرا في الان نفسه بقيمة التسامح والتعايش.

فيلم بلات فورم La Plateforme

فيلم بلات فورم ملحمة إنسانية بكل المقاييس، وهو على النقيض من فيلم أغورا، إذ يرصد الكراهية والعنف بين الطبقات الاجتماعية في قالب سينمائي مثير، جاء في بداية الفيلم "هناك ثلاثة أناوع من الناس، من هم بالأعلي ومن هم  بالأسفل ومن يسقطون"، وهذه الجملة لوحدها كفيلة بنقلنا إلى عوالم الفيلم السينمائي الذي يعالج الصراع الطبقي، وإعلان الحرب على الاخر من أجل البقاء، كيفما كان هذا الاخر.

صراع يقوم على الكراهية والاستغلال ليجعل المتلقي في حيرة من أمره، أو ربما يجعله ليتوقف ويطرح الأسئلة، أسئلة عميقة عن جوهر وجوده وكينونته، بل ويمنحه أملا على الانتصار على كل أشكال الاستغلال والعنف.

نسجت أحداث الفيلم في قالب تراجيدي للتعبير عن معاناة الإنسان الحديث في عصر النيولبرالية، حيث اختفت كل القيم الإنسانية النبيلة التي سقطت أمام سلطة رأس المال، إنه فيلم بأبعاد فلسفية عميقة، يطرح من خلاله فريق العمل مالات الإنسان/الشيء الذي أصبح مجرد الة تبحث عما تلتهمه.

لقد استطاع المخرج بحنكة عالية تقديم عالم من المتناقضات التي تسائل الإنسان في جوهره وقيمه وأخلاقه، هل يمكن لإنسان أكل اخر من أجل البقاء على قيد الحياة؟ وهل يستطيع كل منشد للتغيير التأثير في الهرم الاجتماعي؟

إن الخلاص من كل مظاهر الكراهية والعداء للاخر هو التسامح والتعايش وقبول الاخر باعتباره اخر مختلفا في كل شيء، ومن كل هذا الركام من الصور المتتالية التي برع المخرج في تقديمها سردا ضوئيا لتصل إلى شهادة على التاريخ، هكذا كان التسامح هو القيمة المفقودة التي ينشدها البطل وبعض شخصيات الفيلم، التسامح الذي يجب أن يفدى بالنفس من أجل مستقبل البشرية جمعاء.

 

عبيد لبروزيين

 ...................

1  - جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة مني أبو سنة، المجلس الأعلي للثقافة، ط 1، 1971، ص: 26.

2  - نفسه: ص 44

3  - فولتير، رسالة في التسامح، ترهنرييت عبودي، دار بتر رابطة العقلانيين العرب، ط2009 ص: 36

4  - نفسه 48

5  - نفسه: ص 21

6  - محمد بن أحمد مفتي، التسامح اللبرالي، مجلة البيان.. ص 8

 

 

نبيل ياسينتأخذ الدولة من المجتمع مرجعياته للذوق، وبذلك تكون الدولة مرجعية للذوق العام. حسنا دعونا نحاول تبني مبدأ كيفما تكونوا يولى عليكم، بمعنى ان الثقافة التي يعيش بموجبها الناس تنتج الحاكم المناسب لهذه الثقافة، الثقافة الشعبية التي تؤمن اننا بحاجة الى ديكتاتور تؤمن الطريق لصعود ديكتاتور بطلب منا، اي ان شرعية الديكتاتور هي شرعية شعبية جماهيرية. يقول الفيلسوف الفرنسي منظر الديمقراطية الحديثة ونشكلها، ألين تورين، ان الثقافة الديمقراطية هي الايمان الراسخ بعدم امكانية عودة الديكتاتورية. فلماذا لا تعود الديكتاتورية في حالة ايماننا باننا بحاجة الى ديكتاتور؟ ان ذوق المجتمعات التي عاشت تحت حكم الديكتاتوريات يفسح المجال امام عودة الديكتاتوريات لانها تمنحها الذوق الدكتاتوري ويتجلى ذلك في الفخامة في المباني بغض النظر عن الجماليات المعمارية وفي التماثيل العملاقة والمنصات العالية والنصب العسكرية بحيث تغيب التفاصيل الجمالية والفنية لصالح الكتلة الكبيرة، التي تجسد الشمولية بجبروتها. وتمنح الشمولية للفن والادب وظيفة التمجيد على حساب المجد الحقيقي بحيث يتحول الذوق العام الى وظيفة استعمالية تخلو من الوظيفة الجمالية الذوق العام يمنح الدولة شرعية لان تكون ديكتاتورية. وتقوم باختصار زمن العمل الفني والثقافي استجابة لحاجة الشمولية الى الهيمنة Hegemony لقيادة الصراع بين الطبقات من خلال الأيديولوجيا حيث يضع (ألتوسير) جهاز الدولة الايديولوجي الثقافي وجهاز الدولة الايديولوجي الاعلامي ضمن الاجهزة الايديولوجية التي تشيع الأيديولوجيا بين افراد المجتمع، والتوسير هنا ينتقد مفهوم الهيمنة الثقافية الشائع لغرامشي لكنه لايتخلى عنه.. ان الهيمنة الثقافية الى جانب الهيمنة الايديولوجية، من خلال نشاطيهما عبر اجهزة الدولة تقومان بصنع الرأي العام وضمن هذه المهمة تصنع الذوق العام في كتابها (اسس التوتاليتارية) تتابع حنا ارندت نظامين شموليين هما الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين والمانيا في العهد النازي، وتشير الى (النبوءة) والى (العصمة) باعتبارهما سلاحا ايديولوجيا ينسب الى المؤول قوى رائية مما يشجع الدكتاتوريين على اعلان مراميهم بشكل نبوي. وتأتي بمثلين، الاول حين (تنبأ) هتلر في تصريحه امام المجلس الامبراطوري في شباط ١٩٣٩ عن الحرب وابادة اليهود بادئا كلامه بـ(اليوم ايضا اذكر لكم نبوءة) والثاني خطاب ستالين امام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عام ١٩٣٠ الذي (تنبأ) فيه بالتصفية الجسدية لخصومه الذين سماهم (الطبقات المحتضرة). تقوم صناعة الذوق العام لتهيئة المجتمع لقبول هذه النبؤات وتمجيدها. ويلعب الذوق الثقافي للمجتمع دورا في تقبل الجرائم وتمجيدها عن طريق تمجيد الذوق العنيف، ليصبح (نمطا ثقافيا). وتتحول الثقافة الى ثقافة عنف يساهم التراكم التاريخي (الزمني) في تحويلها الى (هوية متلازمة) اي هوية مزيفة تسحق بعنفها الهويات الفرعية والثانوية وتطمس الهويات الاصلية لنسأل الآن ماهي ثقافة الذوق الاجتماعي. وكيف يمكن لهذا الذوق ان يكون الذوق العام للمجتمع؟ ان الثقافة الشمولية ثقافة ديكتاتورية. وهي نمط التفكير والقبول والرفض. نمط تقبل الفكرة الزائفة على انها تنسجم مع الحقيقة، لان الثقافة الشمولية، وعن طريق الهيمنة، تقوم بصناعة الرأي العام المزيف. حيث ينتج التزييف عن طريق التبني العاطفي للفكرة لصنع ذوقا مزيفا يعتبره المتبني له خصوصية وطنية او قومية او دينية.. هل هذا التحليل انصاف ام تعسف؟ سنرى ان الذوق العام في ظل الاعتقاد الايديولوجي النمطي سيعتبره تعسفا على الارجح لان الشمولية الايديولوجية تحل محل الثقافة لاشاعة الاعتقاد بان لها الحق بان تعتقد وتتصرف على انها المالك الوحيد للحقيقة. لكن في الجوهر لم تكن هناك حقيقة وانما صناعة للوهم وتقديمه كحقيقة بدل الحقيقة في النظام الديكتاتوري يتشكل الذوق العام وفق منظورها للفن والثقافة. ففي الدولة الديكتاتورية مثلا تكون هناك لجنة لفحص النصوص الغنائية لتكوين الذوق السياسي فاغاني الحرب التمجيدية الصاخبة كانت تشكل الذوق العام العنصري، الذي ما زال سائدا في مجتمعاتنا التي تمجد الديكتاتور لانه قوي عسكريا كما ان الصحف والاذاعة والتلفزيون تشكل هذا الذوق عن طريق التكرار والضوضاء المصاحبة لعملها. وحين تنتهي الحرب يكون الفراغ قد سمح للاغاني الهابطة واغاني الغجر وايقاعاتها ان تكون البديل فقد كان الغجر في العراق مثلا هم سلوة قادة الدولة المسلوبة الذين اسسوا (ثقافة) كانت خارج المجتمع لتصبح في قلب هذا المجتمع وحين تتوقف الحرب وتستمر مأساة نتائجها فان المحتوى الجديد لمحرري الصحافة يكون هو المتن الفارغ من كل تأثير لانه فقد مهمة (التعبئة) وتحول الى ملء الفراغ حيث يسقط الذوق العام في ورطة لا يخرج منها الا اذا مدت دولة شرعية وحديثة ومؤسساتية ايديها لتأسيس ذوق عام جديد.

 

نبيل ياسين

 

عادل بن خليفة بالكحلةالحديث الأول: على ضفاف النبوة:

كلنا نعزف الموسيقى، عندما نتكلم ونصمت، وعندما نقوم ونقعد... لكل واحد منّا موسيقاه؛ ولكل لهجة موسيقاها، ولكل لغة موسيقاها... للبرق موسيقاه، وللريح موسيقاه، ولحفيف الأشجار موسيقاه، ولأصوات الحيوان موسيقاها المختلفة...المؤذن الوهّابي له موسيقى تدميرية لأنّ إلَهَهُ غير رحيم، غير جميل، متحالف مع الملوك، غشوم، كموسيقى السعودي السديس... أما المؤذن المتصوف بمدينة طوبى السّنغالية أو مدينة عين ماضي الجزائرية، أو المؤذن بطهْطا أو أسيوط، فلهم موسيقاهم الرقيقة، الحنون، لأن إلههم هو الرحمان الرحيم إله الرحمة لكل العالمين. فهو كما قال محيي الدين بن عربي: «إن الله تعالى ما أوجد العالم إلا عن حب»... من سوء الحظ لم يقرأ لي أحد كتابي: الفن والاجتماع في عالم الاسلام، الذي أدعي أنني جددت فيه جذريا في أنثروبولوجيا الموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح والسينما في الإسلام... كأنما حرثت في البحر!

لا يقوم التّأسيس العرفاني لإبِسْتِمية الموسيقى في الإسلام على مقولتيْ «الحلال» و«الحرام»، فهما تابعتان لهذا التأسيس لا مستقلتان، ولا يقوم كذلك على مقولة «المُباح».

فمحيي الدين بن عربي يجعل المخيال الفني قائما بين مقولتي «الحب» و«الجمال»: «مَنْ أحبَّ العالم لجماله، فإنما أحب الله»[1]. وما دام الإحساس بالجمال متفاوتًا بين الإحساس بالجمال «المقيّد» والجمال «المطلق» يكون العمل الفني متفاوتا بين هاتيْن الدّرجتين.

لقد كُنّا في نَظر ابن عربي «في جوهر العَمَاءِ»[2]، ولم يكنْ شيء، إلاّ لما قال الحق كلمة: ﴿كُنْ﴾ (سورة يس، 82)، هُنالك كان الشيء: «سَمِعَ، فالتدَّ بسماعه. فلم يتمكن له إلا أن يكون»[3]. ولهذا كانت الموسيقى، عنده، اسمها «سماع»، فأساسها الأنطولوجي سماع كلمة ﴿كُنْ﴾ بكُلِّ موسيقاها الإيجادية. فكان الخالق، زَابِرُ موسيقىً في الآن نفسه، في حركة الأفلاك، وخفيف الأوراق، وخرير المياه، وفي أصوات آلات الموسيقى...

ويتفاوت «السماع» بين «سماع طبيعي» بسيط، القريب من الحالة الأولى للإنسان، فإذا ارتقى الإنسان، ارتقى سماعه لموسيقى الكون، فسمِع «السماع الروحاني»، وهو «صَرْف الأقلام الإلهية بلوْح الوجد المحفوظ مِن التعبير والتبديل»3.

فإذا اكْتَنَهَت النفسُ العاقلةُ السماعَ الروحاني، كانت مُبدعًا موسيقيًّا أرقى من الموسيقيّ الطبيعي، فيكون أكثر التزامًا بالمصير الفردي والمصير الجماعي والمصير الكوني.

فإذا ارتقى الإنسان أكثر، عرفانيا، سمع «السماع الإلهي» فيتجاوز «النغمات المعهودة في العُرْف»[4]، حيث يكون «الكون كله سماع»[5]، فيكون التحقق بالحق، ويكون كل العالم مُؤَوِّبًا لموسيقى العَارِفِ: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (سورة سبأ، 10)، والتأويبُ في معناه الأوّلي هو: الترداد، وفي معناه العرفاني: التَّماهي بنور العُرَفاء.

إنه لمن الصعب أن نجد تأسيسًا للموسيقى، كتأسيسها التطوّري إِبِسْتِميًّا، في السياق الإسلامي[6].

الحديث الثاني: حين احتفت نهاد حدّاد بالنبيّ محمد:

مَنْ مِنا لا يعرف صدق «فيروز» في تمثّلها الموسيقيّ للنبيّ محمد (ص) الذي سرت معه إلى مدينة القدس و إلى فلسطين:

يا ليلـــــــة الإســـــــــــراء           يا دَرب مَنْ مرّوا إلى السماء

عيوننا إليك ترحل كل يوم             وإنــــــني أصــــــــــلّي

مَنْ مِنّا، لا يعرف صدق فيروز حين تحملنا إلى مكة الأصليّة الجميلة، (لا مكة التي دمَّرتْها جرَّافات العمارة السعودية المتغرّبة):

غنيت مكة أهلها ا الصّيدا

و العيد يملؤ أضلعي عيدا

فرحوا فلألأ تحت كل سما

بيت على بيت الهدى زيدا

مَنْ هُم أهل مكة الصّيدُ عند الشاعر العظيم سعيد عقل، والرحبانيّين؟ هل هم أبو جهل وأبو سفيان وأخته حمّالة الحطب؟! لا... هؤلاء غزاة لمكة.. إنما كان قصد الشاعر والرحبانيين: محمدًا، وخديجة، وياسر، وعمّار بن ياسر، وأبا ذرّ، والحدّاد: خبّاب بن الأرت، والتاجر الصغير بعد تحرّره مِن العبودية: بلال بن رباح، وسُميّة... هؤلاء هُمْ أهل مكة، و«صِيدها».

كانت ذروة بَوح «الفيروزج» عن عشقها للنبي محمد (ص) هو قصيدة الرحالة المتصوّف العظيم: ابن جبير  الأندلسي:

أقول واّنست بالليل نارا لعلً سراج الهدى قد أنارا

وإلا فما بالُ اُفق الدُجى كأنً سنا البرق فيه استطارا

وهذا نسيمُ شذا المسك قد أًعير أَم المسكُ منه استعارا

بشائر صبح السًرى اّذنت بأنً الحبيب تدانا مزارا

جرى ذكرُ طيبه ما بيننا فلا قَلبُ في الًركب إلا وطارا

حنينا إلى أحمدَ المُصطفى وشَوقا يهيجُ الضُلوع استعارا

ولما حللنا فناءَ الرسول نزلنا بأكرم خلق جوارا

وقفنا بروضة دار السلام نُعيد السلام عليها مرارا

إليك إليك نبيً الهُدى ركبنا البحار وجبنا القفار

دعانا إليك هوى كامنٌ أثار من الشوق ما قد أثار

عسى لحظةٌ منكَ لي في غد تمهد لي في الجنان القرارا

فما ضل من بسُراك اهتدى ولا ذُلً من بذراك استجارا

يا الله !! كم أحبّكم أيها الرحابنة العظماء، لأنكم عَمَّقتم فهمي للرحمة لكل العالمين، وربطتموني بها رَبْطا أنطولوجيّا سَعَاديًّا يمنح الحياة، ويعيد ولادة الحياة...

الحديث الثالث: حين أنشد وديع الصافي للتدين الإسلامي:

وديع الصافي، المسيحي، لم يقُمْ بـ«بِدْعة» حين أنْشد للإسلام، لأن المسيح عربي- سوري ومحمد عربي- حجازي، ولأن المسيح إبراهيمي ومحمدا إبراهيمي، لأن الإسلام المحمّديّ لا يكتمل إلا بإيمانه بحضور المسيح في قيامة العَالَم، أي في تغيره جذريا :«كيف أنتم [هل ستكونون في المستوى المطلوب] إذا نزل ابن مريم فيكم؟!» (البخاري).

لحّن الوديع الصافي للشاعر المسلم سعد الله آغا القلعة:

شهرنا السمحُ قد بدا .. خيّراً يغدقُ الندى

يمنحُ الطيبَ والسنا .. يرسلُ النورَ والهدى

يسعدُ المؤمنَ الذي .. نالَ بالصومِ مقصدا

قال يا رب نجّني .. واستمع دعوة النِدا

إنني جئتُ أرتجي .. من تجلى وأرشدَ

إقبل التوبة استجِب .. للذي جاءَ قاصدَ

بابكُ اليوم غايتي .. فاهدني انتَ من هدا

انتَ ذخري وموئلي .. من اذا شاءَ أنجدَ

ولحّن للشاعر المسلم موفّق شيخ الأرض: «صائمون».

وهاهو يغني أيضا: «قصيدة مكة»…

الحديث الرابع: يا نسيم الروح مُحَمَّدٍ، هل تَذْكر رَشا مكّة و عطف النبي عليه؟! (مرسال خليفة والرحمة للعالمين):

يُنْشِدُ مرسال خليفة سمو التدين. ولكنه يتأسف لأن أهل التدين الحق قليلون في زمن الأنانيات:

في فوق سجادة الصلاة  وِلِّي عَمْ بِيصَلّو قْلاَلْ

[الصلاة سجادة عالية]  [ومَنْ يُصلّون قليلون جدًّا]

ورغم غياب هذا المتدين، فهو حاضر في كل إيجابيات الحاضر:

بغيبتك نزل الشتي    قومي أطلعي عالبال

في فوق سجادة صلاة  و اللي عم بيصلوا قلال

صوتهم مثل مصر المرا    و بعلبك الرجاااال

ع كثر ما طلع العشب بيناتنا   بـــــيرعى الغزال

كان عظيمًا جدّا، وغير متوقّع، أنْ يكتشف العظيم مرسال خليفة محمدًا (ص) بواسطة عشق الحَلاج له، لأنّ الحلاج مدينة صعبٌ دخولها، فدونها جواز سفر خاص.

جاء الحلاج بعد سفر طويل إلى مكة... هناك في بيدائها، رأى الرشا... تذكّر أن مُتْرفي مكة هدَّدوه بعبثهم بالانقراض الناجز، ولكن محمدا(ص) الرحمة لكل العالمين، حرم صيده، لما دخل موطنه مكة دخول العَبْد (لا دخول الفاتحين المدمّرين) دون قتالٍ (وتلك في حد ذاتها عظمة الفتح المبين، الفتح الحقيقي). التفتَ بعد تثبيته الأمن التام في مكة التي كانت عدوانية، تآمرية، إلى رشا مكة، فحنَّ له بقلبه السماوي، إذ حرَّم صَيْدَه حتى يُصبح غير مُهَدَّد فعلا بالانقراض ... فلم يُسمح بصيده إلا بَعْد حواليْ 40 سنة من وفاة الرحمة للعالمين، بعد أن زال تهديده بالانقراض...

فعندما يرى عاشق محمد غزال مكة، ولا يتذكر سبب بقائه، لن يكون حلاَّجا، أي صَانعًا لقُطن القلوب السالكة. فالحلاج يريد من النبي أن ينقذه مثلما أنقذ الرشا:

يا نسيم الريح قولي للرشا      لم يزدني الورْدُ إلا عَطَشا

[لم تزدني أوْرَاد الصلاة على النبي إلا عطشًا لحبه]

لي حبيبٌ [هو الذي عطف علي وجودك، فحَرَّم صَيْدك وقتْلك!]

حُبّه وسط الحشا     إن يشأ يمْشي على خدّي مَشَى

[والخدّ عند السالك هو الاجتهاد في عبادة المحبوب: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود﴾.

الحديث الخامس: رِبْعيّة الحقل الموسيقي في إيران:

يقول الفيلسوف علي عزت بيكوفيتس: « الدين والفن والأخلاق فروع سلالة واحدة».

من حُسن الحظ أن الموسيقى في إيران ثورية ذات رِبْعة(استقلال ذاتي)، لأنها لا تنفك عن الدين، أي عن الحياة الأنطولوجية دون تجزئة ولا انفصام..

يقول مُربّي السلوك بَانَاهْيَان:

«قال لي أحد الأساتذة في الموسيقى: (شيخنا، لا تتصعّبوا كثيرًا في الموسيقى). فقلت له: (ولكننا لا نتدخل الآن بشأنكم!). قال: (صحيح، ولكن الموسيقى مهمّة جدّا، وأنا أتوقع أن في المستقبل سيستخدمون الأرْعن في المساجد ويعزفون الموسيقى، كما يستخدمونها في الكنائس). فقلت: (ولماذا يستخدمونها في المساجد؟) قال: (لأن بعض أنواع الموسيقى تستهوي القلوب وتجذلها، بل إنها معنوية وعرفانية، وتجذب القلوب صوب الله). فقلت: (المشكلة هي أنك لم تلتفت إلى نقطة). قال: (وماهي؟). قُلت: (هي أن الله يريد أن نتوجه إليه بلا استعانة). قال: (وما الإشكال في ذلك؟). قلت (هو أنه قد أعدّ صلاة الليل، وقال لا يُفترض أن يأتيك مدّاح أو خطيب أو ناعٍ في ذلك الوقت. ينبغي في ذلك الوقت أن تكون على حقيقتك. فلا تشغّل شريطا، ولا تبث شريط مناجاة، بل كُن على حقيقتك. ولا داعي لأدائها جماعة، بل ائتني وحدك. إنْ لم يتجه قلب: امرء إلى الله إلا بالمحاضرة، فهذا غلط، وإذ كان المرء لا يتجه قلبه إلى الله إلا في جلسة المناجاة العامة فهذا غلط. جلسات المناجاة العامة في محلها، ولكن فليحافظ على المناجاة بشكل خاص أيضا، وليكن له واعظ من نفسه. فعظ نفسك بنفسك!)».

حياة الحقل الموسيقي باستقلاله الذاتي إذ يحتوي الكينونة الإنسانية، على حقيقتها، كما خلقها الله تعالى. هنالك يلامس شواطئ النبوة ذلك ما تكتشفه مع محمد اصفهاني في: «امشب در سر».

الحديث السادس: مسيحي أرْمَني من إيران يكتشف قَلب النبي محمد، ومجيد انتظامي موسيقيّ يَنْظُمُ وِفق رُسُوم بَهزاد:

الموسيقيّ الإيراني، الأرْمني العظيم لُورِك تْجِكْ نَافُورْيَانْ (مولود عام 1937) يؤلف سنفونية: «رسول الحب والأمل» عن النبيّ محمد، عام 2015. كم سمعناها من مرة في مهرجاناتنا العربية؟! كم سمعناها من مرة في قنواتنا التلفزيونية العربية؟! هل هي موجودة في إنترنتنا «العربيّ»؟ لم نسمعها مرة واحدة!!!

لماذا يحب الأرمني المسيحي-الإيراني محمّدًا مُعبّرًا عنه موسيقيًّا؟؟ هل هذا موجودٌ لدى اليهودي التونسي والمسيحي المصري أو الأردني؟؟ لماذا؟

أمَّا مجيد انتظاميّ، فهو غارقٌ بتمَاهِيه الإنساني في الأنطولوجيا الإسلامية. فيكتب: قميص يوسف، رثاء قائد، رسالة إلى كوثر، سفينة النجاة، ملحمة خُرَّمْشَهْر، مِعْراج، أيلول الشهداء... واضح جدّا أنه مستغرق في أسطورة شعبه ونماذجه الدينية، وفي الأحداث المفصلية للتاريخ الراهن إذ يعيد صياغة ملاحم أمته ومآسيها... وهل كان بِتْهُوفْن وسيباستيان وأنطونيو فِيفَالْدي إلا معيدين لإنتاج الكتاب المقدَّس ومتعمقين فيه لفهم الأحداث العظيمة بعصرهم؟!

الحديث السابع: حسين علي الحسيني: عالِم دين يخطو خطوة نحو الموسيقى... ولكنها ليست بحجم خطوة جلال الدين الرومي:

في السياق التشيعي اللبناني، نلاحظ أن عبّاس الموسوي، كوَّن الفرقة الموسيقية للمقاومة، ضِمْن مؤسّساتها الأُولى زمنا، وكان شراء آلاتها الموسيقيّة من ماله الخاص. وكان محمد حسين فضل الله، مُدَافعًا عن حق مرسال خليفة في تلحين آية من سورة يوسف، عكس علماء دين سنيين أدانوه.

فالموقف الفقهي الشيعي من الموسيقى (والممارسة الفنية عمومًا) إمّا محلّل، أو راجئ للأمر إلى تقدير المكلّف، أو صامِت، على عكس الموقف السني الغالب الذي هو التحريم والشيطنة[7].

يقول المجتهد سيد علي الحسيني: «إن جميع الحناجر الإنشادية تُخرج أنغاما تنطبق على هذه الأجهزة (الإيقاعات) الإثنتي عشر. فهذه ليست محرمة، إذ أن الموسيقى ليست سوى هذه الأنغام والإيقاعات والأدوار. وعليه ليست محرّمة إلا إذا داخلها شيء محرَّم»[8]. والعمل الفني لديه مرتبط بالاستقلال الذاتي لمبدعه، إذ «الفنان لوَحْدِهِ عالَمٌ»[9]. ولذلك ينبغي أن لا تكون الرسالة الفنية –في نظره- نَمطيّة، فَجَّة الوعظ، بل يجب أن تَتَحمل الفرادة المنفتحة على الناس والحياة و«هموم الناس البسطاء»[10].

كان عالِم الدين، السيد محمد علي الحسيني، قد شغل كثيرًا من الناس، بعزفه على آلات موسيقيّة، بالأنترنت، فأيده ناسٌ واحتجَّ عليه الشق الإخباري مِن علماء الدين الشيعة. لقد التزم هذا الشق الصمت على السيد محمد علي الحسيني عندما كان يمارس الموسيقى في صمت دون إعلان للعموم(ويشاركه في ذلك عالما دين شيعيان لبنانيان إثنان بالأقل).

إنها لحظة  تاريخية أن يكون عالم الدين الشيعي فارابيا وسينويا معترفا بالموسيقى ممارسة مثلما اعترف بها نظريا. ومن العيب أن لا يكون عالم الدين داوديا تؤوب معه الجبال والطير. بل من العيب أن ينفصل الحقل الديني عن الحقل الفني وقد كانا حقلا واحدا منذ بداية الإنسان، قبل أن  بنفصلا في الغرب الحديث. فمن هذه الناحية تعتبر لحظة السيد محمد علي الحسيني انخراطا في التاريخانية الابستيمية الشيعية_السينوية.

ولكن رغم ذلك كان السيد محمد علي الحسيني، خارج السياق العرفاني-التشيعي التاريخي.

فنحن نلاحظ أن الحضور الموسيقي للسيد محمد علي الحسيني لا يتجاوز المرحلة الموسيقيّة الأولى في تنظير محيي الدين بن عربي لتطور الممارسة الموسيقيّة. فهو ضمن مرحلة «الموسيقى الطبيعية»، مُسْتجيبًا للحالة السّماعية الأولى.

ولم نجد لدى السيد محمد علي الحسيني هفوًّا للمرحلة الموسيقيّة الثانية في تنظير ابن عربي: مرحلة «السماع الروحاني»، حيث الإصرار الإبداعي بالالتزام الأنطولوجي الكادح. فلم نجده إلاّ مصرّا على المَشهديّة، أي «إلقاء الضوء على عالم الدين باعتباره إنسانًا عاديًّا»، وعلى الحقوق الأنَوِيَّة، إذ أن عالم الدين «يحق له ممارسة هواياته»، فلا يعنيه تراث «الضيعة» ولا أوضاع «الناس البسطاء»، فلا علاقة له بأنطولوجيا الفن عند ابن عربي وسيّد علي الحسيني.

فهو عادة ما يكرّر إبداع الآخرين، مع ألحان ذاتية قليلة لا تحمل بحثا معمّقا في الموسيقى، ولا يحمل تموقعا ضمن أنطولوجيا الموسيقى الداودية وأنطولوجيا الفن لدى جلال الدين الرومي.

لقد صَمت جل النسيج الحوزوي على ممارسة عالِم الدين فضل مْخدَّر التشكيليّة (وإن لم يتجاوز مرحلة الفن «الطبيعي» كثيرًا)، فلم يحْتَفِ به ذلك النسيج، إمّا لإخباريّةٍ متماهية بالموقف السّلفي-السني المرتاب من الفن، أو لتقيَّة مِن النسيج العُلَمَائي السني الذي قد يَصِمُ الحوزةَ بالبدعة الفنية (موسيقى، سينما، مسرح، رسم، نحت...)، فمحمد قُطب في منهج الفن الإسلامي يُقْصي الفنون من الحِلّية.

وإجمالاً مازالت الثقافة الحوزوية ثقافة غير خلاّقة، غير متفهمة للممارسة الفنية، نظرا للأغلال غير الواعية للمدرسة الإخبارية المسيطرة عليها لاشعوريًّا. وقد كان صوت الموسيقىَ أعلى من صوت اللوحة، ولذلك كان الغضب(بل افتعال الغضب) على السيد علي الحسيني عاليا، وكان الموقف الحوزوي من الممارسة التشكيلية للشيخ فضل مخدّر هو الصمت.

إنّ المدرسة التّشَيعية – التي انتمى إليها ابن سينا والفارابي، فأنتجَتْ لدَيْهما فلسفة موسيقى وفلسفة فن، ضروريّان لمدينتهما،- مازالت دون تلك الفلسفة اليوم، تنظيرًا حديثًا وممارَسَةً، رغم الإمكانيات الثورية الضخمة فيها.

الحديث الثامن: إلياس الزحلاوي رجل دين مسيحي يضيء المودة لمحمد والإسلام والوطن!

إلياس الزحلاوي عالم دين مسيحي سوري، مولود عام 1932. درس اللاهوت والفلسفة في القدس. شارك في كتب سسيولوجية («الهوية والعنف»...). كان صديقا لرجل الدين المقاوم: المطران هيلاريون كبوجي، وكان مثله مقاوما فكان عضوا في «اللجنة الشعبية لدعم المقاومة». اهتم بالطفولة والشبيبة. درس اللغة اللاتينية وتاريخ المسرح.

أسس«فرقة هواة المسرح العشرون»، وأسس «جوقة الفرح». أشهر مسرحياته: «المدينة المصلوبة» (عن مقاومة مدينة القدس للصهيونية)، و«وجبة الاباطرة». وترجم «فكر هيغل السياسي» وغيره ...

اِنْتَقَد مجلس الكنائس العالمي لصمته عن الحرب العالمية على سوريا منذ عام 2011، مستعيدا كلام المسيح: « دَيْنُونَةً وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَ أَعْظَمَ».

وكان صوته هدارا ضد الإساءة للنبي محمد (ص) . كان مع أبنائه في «جوقة الفرح» في كنائس فرنسا و الولايات المتحدة، وهو يلهج معهم:

طَلَعَ البَدْرُ عَلَينَا مِنْ ثَنيَّات الوَدَاعْ

وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لله دَاعْ

كم لدينا من عالم دين مسلم له ثقافة إلياس الزحلاوي المتنوعة من العلوم الدينية إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والمسرح والموسيقى وجوقات الفرح؟

كم من موسيقي مسلم لحن أشعار المسيحيين: إلياس قنصل وجورج جرداق وإلياس فرحات وجاك شماس ومكرم المنياوي وريمون قسيس وجورج صيدح وبولس سلامة وخليل مطران وغيرهم؟؟!

يا للقلوب الموصدة عن الحب!!

الحديث التاسع: الرحابنة وفيروز الذين يُحبون تونس:

لم يغنّ الرحابنة وفيروز لأي حاكم عربي، ولم يتملقوا أي ملك. غنوا للدول العربية وللوطن العربي ولفلسطين فحسب. على خلاف محمد عبد الوهاب ومرسال خليفة.

لقد زاروا تونس عام 1968 وأنشدوا: إليك من لبنان:

إليك من لبنان اغنية صديقة

يا تونس الشقيقة يا وردة البلدان

إليك يا سليلة الملاحم

يا نجمة القصائد القديمة

إليك يا قرطاجة العظيمة

حبي وما يحمل من مياسم

لشعبك الأبي من شعبي الأبي

وان مجدا كان ما بين شاطئينا

يبقى على الزمان

إليك من لبنان

 

حين أضعف، فلا أرى من وطني إلا التدهور البيئي و الفساد وضياع «ثورة» الشباب، أتذكر حب الرحابنة له فأخجل من نفسي، وأعود للمقاومة من جديد...

الحديث العاشر: بتهوفن : محمد والكعبة!

في المقطع الرابع من سنفونية أطلال أثينا، تعلو أصوات المنشدين عدة مرات: «الكَعْبة! الكَعْبة!...محمدا محمدا..».. ثم يكون اندماجنا في معراج النبيّ محمد:

في ثنايا أكمامك       حَمِلتَ القمرَ.

الكعبة!  الكعبة!  محمد! محمد!

ولقد امتطيت البُراقَ المنيرَ        لتعرج به إلى السماء السابعة

أيها النبي العظيم!

الكعبة! الكعبة!

بحق محمد، الرحمة لكل العالمين، أصْدقوني القول: كَمْ مِن سنفونية أخرجها المسلمون يعيدون بها صياغة سيرة النبي محمد!

يا لَلْعار! أين حبهم للنبيّ؟ أين إحساسهم بجمال النبيّ ورحيميته؟ أليس تقاعس الموسيقيين المسلمين من أسباب انتشار تصلب القلب المتدين لدى الشبان المسلمين؟!

 

د.عادل بن خليفة بالكَحْلة

(باحث إناسي، الجامعة التونسية)

يوليو2020_ يناير2021

..........................

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2003، جزء3، ص450.

[2] م. س، ج3، ص428.

[3] م. س، ج3، ص367.

[4] ابن عربي، م. س، ج4، ص368.

[5] ابن عربي، م. س، ج4، ص368 أيضا.

[6] راجع: بالكحلة (عادل)، الفن والاجتماع في عالَم الإسلام، معهد المعارف الحِكمية، بيروت، 2016، من ص100 إلى ص110.

[7] راجع: بالكحلة (عادل)، م. س، من ص203 إلى ص213..

[8] بالكحلة (عادل)، م. س، ص213.

[9] م. س.

[10] م. س، ص214.

 

احمد عزت سليمأظهرت دراسات الحب الرومانسية والثقافية والجنسانية الشعبية الأوربية وكما أكدت الأكاديمية فرجينيا بلوم فى دراساتها: في حين أن الجنس قد "يبيع" بالفعل، فإن الحب يبدو أنه يتفوق على الجنس في كل مرة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن طبيعة الاستقلال الفردي والسعادة، ومع التطورات التكنولوجية وانتشار السيطرة الرقمية عبر الإنترنت أصبح الحب ساحة معركة كما شملت الرومانسية فقد شملت الانتقام والاباحية وعنف الشريك الحميم وتاريخ الاغتصاب والتحرش الجنسي والعلاقات المسيئة والبلطجة عبر الإنترنت، وأصبح هناك الكثير من الضرر الذي يحدث عندما نقترب عن كثب مع الشخصيات المتنوعة، ويكاد يحاصر ويتقلص وينتهى دور الحب كعملية إبداعية لا نهاية لها فى الفكر والخيال والجمال  .

وقدم العديد من العلماء حقائق متعددة عن الحب تتمثل فى 10 حقائق تستند إلى العلم وعلى النحو التالى:

1- الحب مختلف عن العاطفة أو الشهوة:  فإذا كان الجذب البدني جزء مهم من الحب لمعظمنا، ولكن الحب العاطفي يختلف عن الشهوة حيث أننا نبدي شهوة في مجالات التحفيز / المكافأة في الأدمغة، بينما نحب الحب المناطق المرتبطة بالرعاية والتعاطف .

2-  الحب هو شعور لحظة وحالة طويلة الأجل للعقل: حـيث يتم إختبار الحب في الوقت الراهن كحالة من الشراكة ومن خلال الارتباط العميق، يعكس الأشخاص في الحب تعابير وجه بعضهم البعض وإيماءاتهم وحتى إيقاعاتهم الفسيولوجية حيث يكون الحب أيضًا حالة ذهنية وعاطفية دائمة نعتني بها بشدة وبرفاهية بعضنا البعض، ونشعر بأننا نتحرك من ألم بعضنا البعض، ولدينا الدافع للمساعدة في تخفيف معاناة بعضنا البعض بذهنية عقلية قائمة .

3- بناء علاقات دائمة فى العمل: حيث يفكر الشركاء في بعضهم البعض بشكل إيجابي عندما لا يكونون معًا؛ ويدعمون النمو والتطور الشخصي لبعضهم البعض ؛ ويقومون بتجارب مشتركة يمكنهم من خلالها تعلم وتوسيع أنفسهم ومما قد يقود الحب الدائم .

4- يمكننا زيادة قدرتنا على الحب: تُظهر الأبحاث حول اليقظة والرحمة الذاتية أن ممارسة هذه الاستراتيجيات بانتظام يمكن أن تطور أدمغتنا لتكون أكثر إيجابية وتعاطفا في غضون أشهر تعمل تأملات الذهن والرحمة على زيادة النشاط في مراكز المخ المرتبطة بالتعاطف والعواطف الإيجابية، وتقليل تنشيط مراكز الخوف لدينا، وجعل أدمغتنا أكثر ترابطًا - وهي سمة مرتبطة بنمط الارتباط الآمن .

5- ليس فقط في رأسك: تُظهر مجموعة كبيرة من الأبحاث أن الارتباط المحب مفيد للصحة البدنية على المدى الطويل - وقد ثبت أن الشعور بالوحدة والافتقار إلى التواصل الاجتماعي يقصران من عمرنا بقدر التدخين .

6- إذا ركزنا على الحب، يمكننا تعزيزه: حيث عندما نركز اهتمامنا عمداً على مشاعرنا وأفعالنا تجاه الأخرين، فإننا نبدأ دوامة متبادلة إيجابية من التقدير والسعادة المتبادلين وحيث تُظهر الأبحاث أيضًا أن التعبير عن الامتنان للكلمات أو الأفعال يؤدي في الواقع إلى خلق مشاعر إيجابية في المانح وكذلك المتلقي .

7- انها ليست كمية ثابتة: فحب شخص واحد، حتى الكثير، لا يعني أن لديك أقل لتقدمه للآخرين، وفي الواقع، فإن العكس هو الصحيح: ـــ الحب هو القدرة التي يمكنك بناء داخل النفس من خلال التركيز العقلي، والمشاركة العاطفية، وأعمال الرعاية، عندما نركز على مشاعرنا المحبة ونستمتع بها لشخص واحد، يمكن أن تحفزنا المشاعر الداخلية للرضا والاتصال التي نواجهها على أن نكون أكثر حبًا بشكل عام.

8- انها ليست غير مشروطة: أحد الشروط المسبقة لمشاعر المحبة هو الشعور بالأمان والثقة ومن أجل الاتصال بمحبة وتعاطف، ولا يتوقف الأمر على ذلك فحسب بطريقة محددة تماما فالذين عانوا في مرحلة الطفولة الصدمة والإهمال وسوء المعاملة، أو التجارب الأخرى التي تهدد مرفق آمن قد يجدون صعوبة في إطفاء "معركة تجمد" النظام أو الشعور بما فيه الكفاية آمنة للحب حيث يمكن التغلب على ذلك في بعض الأحيان عن طريق شريك يظهر مرارًا وتكرارًا الجدارة بالثقة والرعاية.

9- إنه معدي ومتجاوز: يمكن أن تؤدي عبارات العناية والرحمة والتعاطف إلى إلهام هذه المشاعر في الآخرين، قد يكون هذا هو السبب وراء إلهام قادة مثل الدالاي لاما أو نيلسون مانديلا لأتباعه ليكونوا أفضل ما لديهم - ومساعدتهم على تهدئة "القتال أو الهروب".

10- الحب ليس بالضرورة إلى الأبد، ولكن يمكن أن يكون: ففي Sonnet 116، كتب شكسبير أن "الحب ليس الحب الذي يغير عندما يجد التغيير"، فإن الحب الثابت الثابت لا يمكن تغييره، ولكن ليس القاعدة ففي الواقع يمكن أن تغير التجربة الحياتية أنماط حياتنا وأنماط فكرنا وسلوكنا، وقد يتم تحدي العلاقات القائمة الممتدة عندما تتغير إحتياجات شخص واحد أو ينمو كلا الشريكين في إتجاهات مختلفة.

وترى الباحثة لورا روزنفيلد أننا ارتبطنا منذ فترة طويلة بالحب والعاطفة والعاطفة لعدة قرون، ساعدت أمثال الفن والشعر والموسيقى في إبراز عاطفة الحب، ومع ذلك فإن الحب ليس فقط عن القلب فإن عقلك وأجزاء أخرى من جسمك لها نفس القدر من الأهمية فيما يتعلق بكيفية الوقوع في الحب وتجربته، فإن الفرق بين الشهوة والحب يمكن أن يكون في عيون فقد لا يحدد قلبك ما إذا كان العاشق لديك هو الحق أو سيد الحق فقد تكون الإجابة في الواقع هي المكان الذي تنظر إليه فإنه إذا نظرت إلى وجه تاريخك، فأنت ترى له / لها شريكًا رومانسيًا محتملاً وإذا كنت تنظر في الغالب إلى جسده، فمن المحتمل أن تكون مشاعرك جنسية، وقد يكون السبب فى الحب والإرتباط الطويل الأوكسيتوسينو هو هرمون يصدر عن الغدة النخامية التي تسهل الارتباط مع الآخرين وطول العلاقة أزواجا أو غير ذلك، وأن الحب من النظرة الأولى قد يكون شيئًا حقيقيًا فعليا، ووجدت دراسة نشرت عام 2012 في مجلة العلوم العصبية الأمريكية أن الناس يمكنهم اكتشاف الانجذاب الرومانسي لشخص ما بمجرد النظر إليهم، كما أن أكد أن تقرير حديث عن سيكلوجية الموسيقى Psychology of Music أن الجاذبية بين الرجال والنساء غير المتزوجين زادت عندما كانت الموسيقى تعزف في الخلفية خلال إجتماعهم الأول مقارنة بوقت عدم تشغيل الموسيقى، ومما قد يؤدى إلى الحب والإرتباط، وكما أكد فإن التقبيل من منظور رومانسي، يمكن أن يساعد الأفراد في الواقع على اختيار شريك محتمل ووجدت دراسة أجريت عام 2013 في مجلة Archives of Sexual Behaviour أن التقبيل ساعد الناس على تحديد مدى توافقهم مع الشريك وقد وربط الباحثون أيضا تواتره مع طول العمر والرضا في العلاقة وقوتها .

ووجد الباحثون الغربيون أن القبلة الأولى ساحرية للحب حيث أن التقبيل يمكّن المرأة من فحص الشريك من أجل التوافق، وكما يرى الباحث الدكتور ناصر الزاوية ان الفيرومونات (وهي مركب التوافق النسيجي الرئيسي (MHC) سواء كنت قد تنجذب أو تنفر من الرائحة) ويلعب دورًا مهمًا في الوقوع في الحب حيث أن رائحة الشخص مهمة للغاية في جذب الآخر . ويرى الفيلسوف الأكثر حداثة  مايكل بويلان أن الحب هو عمل وأنه هو الدافع القوي لكونك جيدًا وأن العاطفية جزءا من حسن النية فللعقلاني ليس ضعفا فكريا بل يمكن أن يكون دليلاً فعالاً للعمل الجيد، وأن جوهر الحب ليس فقط في العثور على رفيقة روحك، ولكن أيضًا كما يسمح لأحد أن يكون "جيد"، وبرؤية أخرى يرى هارلان إليسون أن "الحب ليس شيئًا سوى الجنس الذي تم إملائه .." ويرى روبرت رولاند سميث أن الحب والجنس متشابكان تماما ومن خلال معنى جديد لممارسة الجنس، وتحويله من الدافع البيولوجي إلى شيء جميل يشاركه البشر، من أجل الشعور أقرب إلى بعضنا البعض "، ورأى العلماء النفسيين ان الحب ليس مجرد مفهوم عشوائي، بل هو ضروري للصحة العقلية الجيدة.

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

حمزة بلحاج صالحأتكلم عن هواة من المشتغلين بكتابة التاريخ من دكاترة وأساتذة وأصحاب مؤلفات وكتب وباحثين وطلابا بالتبعية.. لم تظهر في القديم بوادر كتابة ممنهجة إلا عند ابن خلدون في مقدمته لم يلتزم بها عند كتابته تاريخه وديوان عبره...

في كل الاحوال عندما يخضع التاريخ لفحص دقيق عند الغربيين وتظهر مثلا مدرسة مثل مدرسة التاريخ الجديدة.... ecole de la nouvelle histoire وأيضا يتم الإشتغال بموضوع فلسفة التاريخ وبمناهج كتابة التاريخ وفق ما يسمى بالمنزع التأريخي historiographie أو الاعتبار السوسيو تإريخي socio historique ومدرسة القيم القديمة والتاريخ الوقائعي واللحظي او الحادثي.... l'événementiel

وتتخلص مدرسة التاريخ الغربية من هيمنة الأسطرة خارج التاريخ والتقديس وإضفاء القداسة على حركة الإنسان والمجتمعات في التاريخ وهيمنة التفسير الديني والتقديسي لفعل الإنسان في التاريخ ويكتبون عن العقل في التاريخ ويتناولون السيرورات التاريخية...

نعجز نحن عن إقامة حصائل تقييم عميقة للمنجز التاريخي الغربي وأدواته ونعجز عن استيعابة وعن فهمه وعن توظيفه وتجاوزه وعن تأسيس مدرسة تاريخية عربية إسلامية بأبعاد كونية...

نحن مشغولون للأسف بجمع الوقائع وتدوينها وتبويبها وسردها كما سردها علينا الرواة ولازال فحصنا للوثيقة التاريخية باهتا أركائكيا باليا تجاوزه الزمن...

التاريخ يحتاج إلى أدوات وعلوم أخرى ربما للأنثربولوجيا والإثنولوجيا والإثنوميتودولوجيا والأركيولوجيا وأركيولوجيا المعرفة وحتى إلى الجغرافيا والجغرافيا البشرية والجغرافيا السياسية أحيانا والفللولوجيا وكل الأدوات النقدية التحليلية وأدوات الفحص الأمبيريقية والتجريبية...

لقد حاول الماركسيون العرب ان يستخدموا أدوات الماركسية والجدلية المادية والتاريخية وقدموا منجزات لا تخلو من فائدة غزيرة لكن عجزهم عن استيعاب أدواتهم داخل التراث وفرط أدلجتهم جعلهم يعزلون ولا يكتب لمقارباتهم الديمومة والنجاح الباهر...

فليست منجزات مثلا حسين مروة وابراهيم بيضون والطيب تيزيني وجواد علي..الخ بالهينة والتافهة كلا.. وليس عمل جواد علي ايضا من جهة اخرى بالهين والهامشي والتافه.. قد يطول القول في هذا الموضوع ولعلني نقلت لوحة عامة توجد فيها بعض الأجوبة لبعض الأسئلة...

التاريخ ليس سردا ولا انتصار للأشخاص ولا تأريخا للبطولة ولا مسحة قدسية تضفى على فعل الانسان في التاريخ وسيرورة حراك الأمم في التاريخ....

ولا يخضع للادلجة واضفاء منزع القيم عليه واخفاء سقطاته وكبواته لانه فعل البشر لا يسيس ولا يدين بدين ولا له لون...

بل يخضع للقراءة النقدية التي تفضح اسراره وكبواته وقوماته وفضائحه بلا تحيز ايديولوجي او ديني او سياسوي...

ولا يؤسس مدرسة للتاريخ فرد او دكتور او كاتب انه عمل شاق بعيد عن الشعارات والتحيزات يتطلب بناء المفاهيم والنظريات والأفكار  والأسس والمرتكزات والنواظم المنهجية ..الخ...

التاريخ ليس طائفية تمتد فينا تفتت وحدتنا وتقسمنا الى امم ونزعات تكفير وتفسيق واخراج من الملة ...

ولا هي بالمذهب وتعصب له ولا بالخصوصية والاستعلاء بها...

دار الإنسانية قبل دار الإسلام والإيمان لكي تتحقق الثانية يجب ان نعلم ان للاولى توجه خطاب القران الكريم....

دار السلم أولى من دار الحرب...

لا إكراه في الدين رأس عقيدتنا...

 

حمزة  بلحاج صالح

 

عبد الحسين شعبانحين يرتقي التسامح ليصبح فريضة من الفرائض فهذا يعني أنّه راهني وحاجة ماسّة ولا غنى عنها، بل ضرورة ملحّة بقدر ما هو خيار لتيسير حياة الفرد والمجتمع والدولة، وعكسه سيكون اللّاتسامح بمعنى التعصّب ووليده التطرّف والعنف والإرهاب، ناهيك عن العنصريّة والشوفينيّة والاستعلاء والهيمنة وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، والزّعم بالحق في احتكارها.

وإذا كان البشر خطّائين على حدِّ تعبير فولتير، فعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح، فلا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وليس هناك أفضليّة لبشر على آخر بسبب صفاته البيولوجيّة أو عرقه أو دينه أو جنسه أو لغته أو لونه أو أصله الاجتماعي، والبشر مختلفون باختلاف أشكالهم وصفاتهم وقوميّاتهم وأديانهم ولغاتهم وأجناسهم وانتماءاتهم وأصولهم الاجتماعية وأهوائهم وأمزجتهم وأذواقهم، لذلك يقتضي أن ينظر كلّ منهم إلى الآخر بالاحترام والقبول والتقدير والانفتاح والتواصل وحرّية الفكر والضمير والمعتقد، وهو ما جاء في الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن منظّمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في العام 1995 والذي تقرّر فيه اعتبار يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام يوماً عالميًّا للتسامح.

ولأنّ مجتمعاتنا تعاني نزعات الإقصاء والإلغاء والتهميش، فنحن أشدّ ما نكون إلى التسامح كخيار استراتيجي لقطع الطريق على القوى المتعصّبة والمتطرّفة والعنفيّة والإرهابية التي لا تؤمن بالحوار والتواصل بين الثقافات وأتباع الأديان والمذاهب وصولاً إلى المشترك الإنساني، ليس هذا فحسب، بل إنّ ما نشهده من إساءات لديننا الحنيف ومجتمعاتنا العربية الإسلاميّة، يدفعنا للبحث عن السبل الكفيلة لنشر ثقافة التسامح وتعميمها، والأمر لا يتعلّق بمجتمعاتنا فحسب، بل بامتداداتها للجاليات العربيّة والمسلمة في أوروبا والغرب، ولعلّ ما حصل من عمليات إجراميّة مؤخّراً في باريس ونيس وفيينا خير دليل على ذلك، بما فيها ردود الفعل السلبيّة التي تتّهم العرب والمسلمين بالجملة بالإرهاب، لأنّ دينهم يحضّ على ذلك كما ذهبت إلى ذلك الموجة الشعبويّة العنصريّة الجديدة، التي عبّر عنها خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون إثر مقتل المدرّس الفرنسي بالطريقة الفجائعيّة المعروفة.

المقصود من اعتبار التسامح فريضة، لأنّه يعني الوئام في سياق الاختلاف واتّخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحقّ الآخرين من التمتّع بحقوق الإنسان وحرّياته الأساسية المعترف فيها عالميًّا، ولذلك لا ينبغي التذرّع والاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان، كما لا ينبغي بحجّة مواجهة اللّاتسامح تقليص الحقوق المدنيّة والسياسيّة أو التجاوز على عقائد الآخرين أو دمغ مجموعات ثقافيّة بالإرهاب أو تقييد الحقوق والحرّيات بما فيها الإعلامية.

اعتقادان خاطئان سادا ضدّ فريضة التسامح، الأوّل - الذي يقوم على الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) باعتبار تعاليمه تحمل فيروسات العنف والإرهاب، وقد صار مثل هذا الاعتقاد جزء من المتخيّل الجمعي في الغرب، والثاني - الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) باعتباره شراً مطلقاً ويتم ازدراؤه من جانب الإسلامويين والمتعصبّين لدينا، ومثل هذين الرأيين يقومان على أيديولوجيا مسبقة تلك التي تشيطن الآخر بنظرة إسقاطيّة أساسها الكراهية والاستعلاء.

وإذا كان عالم التسامح مرتبطاً أيضاً بالحداثة والمدنيّة والعقلانية فكيف السبيل للولوج إليه؟، وفي هذا الصدد نقول هناك 10 فرضيّات أساسية إذا ما أخذت بها المجتمعات والبلدان واعتمدت كقواعد قانونيّة يمكن تهيئة بيئة صالحة لبذر التسامح وإروائه ليصبح شجرة باسقة وهي الإقرار بـ: أولاً - نسبيّة المعرفة، وبالتالي تجربة الخطأ والصواب، وكان أوّل من دعا إلى ذلك سقراط وطوّر الفكرة بعده فولتير؛ وثانياً - لا عصمة من الخطأ، فحتّى العلماء يخطأون، وليس لبشر عصمة طالما هو يعمل فهُ يخطىْ؛ وثالثاً -عدم امتلاك الحقيقة، والكل يحاول مقاربتها من خلال النقاش والجدل، ورابعاً - التعدّدية والتنوّع للأديان والقوميّات والبلدان والمجتمعات والأفراد؛ وخامساً حق الاختلاف باعتباره حقيقة فائقة وسيكون البحث عن التطابق مجرّد وهْم مثلما سيكون كل إجماع مصطنعاً بإلغاء الفروق. وسادساً، الموقف الإيجابي من الآخر، وهو دليل حضاري لقبول فكرة التسامح؛ وسابعاً عدم التمييز الذي ينبغي أن يكون على قاعدة المساواة والعدل في التشريع والقضاء والإدارة أي "حكم القانون" الذي عبّر عنه مونتسكيو بقوله: (القانون مثل الموت لا يستثني أحداً)، أي يسري على الجميع حكّاماً ومحكومين؛ وثامناً -  المساواة صعيد الفرد والأسرة والمجتمع، وقد جاء في القرآن الكريم أن البشر متساوون في الكرامة الإنسانيّة وورد في سورة الإسراء "تكريم بني آدم"؛ وتاسعاً نشر التسامح من خلال التربية والتعليم للمراحل المختلفة كفلسفة وثقافة، إضافة إلى دور الإعلام والمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.

وأخيراً، وعاشراً - ضرورة إصلاح المجال الديني، ومن خلال إصلاح الفكر الديني يمكن إصلاح الخطاب الديني، وعلى غرار هوبز: كلُّ إصلاح مفتاحه الفكر الديني، وإذا ما سادت هذه الفرضيّات وأصبحت واقعاً يمكن الحديث عن فريضة التسامح من خلال فلسفته وثقافته ووجوده في الحياة اليومية والاجتماعية على صعيد كل من المجتمع والفرد وعلى الصعيد الدولي أيضاً، كقيمة أخلاقيّة مثلما هو قيمة اجتماعيّة وقانونيّة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمد بنيعيشلكل مجهود ثمرة ولكل مسار نهاية ولكل نهاية بداية، هذه هي الحياة ودورتها الطبيعية السليمة، بل اللائقة بأن يستمتع بها ويجتنى محصولها ويستمرأ مرقها ويستنشق عبيرها.

وأعظم وأجمل المسارات في هذه الكرة الأرضية والكوكب الأزرق يوجد مسار العلم بلا منازع !. والعلم علوم، والعلوم عوامل وعوالم، وهكذا لو أردنا أن نمطط وننطط ونتفلسف ونسفسط .

فطالب العلم لا حدود لطلبه ولا ثمن لتعبه، ولا تعويض يمكن أن ينوب عن سهره وقلقه وتوتر أعصابه وتقلبه في الدارسين، وتخبطه مع المشاكل والمعادلات والحلول والحذف والشطب، وربما قضم وتقليم الأظافر بالسن وخدش أو لطم الجبين، والتصبب عرقا عند استعصاء الدرس وغموض المعنى وانفلات القياس، وقس على هذا.

ومن هنا فقد كان من المفروض مكافأته من جنس كفاءته، ومجازاته في مقابل منجزاته، سواء أكانت مادية أم معنوية .وحتى إن لم تكن مادية فيكفيه فخرا وشرفا أنه حامل للعلم ومتفرغ لساحة الوغى ضد الجهل، ومدرب على القلم والتزام السطر :" ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ".

وحتى لا نسبح في المحيط ونترك الشطوط، فقد رأيت من المفيد أن أثير مسألة من ضمن آلاف المسائل والمشاكل التي تعترض طالب العلم في عصرنا، وخاصة في بلداننا وديارنا العربية أو لنقل دولنا النامية وفي طريق النمو، ألا وهي مطلب التدّرب (الستاجstage) عند نهاية الدراسة بالمعاهد والمؤسسات، وخاصة التقنية والهندسية منها والاقتصادية وما شابهها .

وهذا المطلب الإلزامي ربما قد يعتبر في بعض المعاهد، سواء أكانت عمومية أم خصوصية، من المواد الموجبة للرسوب، أو بالأحرى المؤثرة على ميزة الطالب والمنعكسة على تحصيله وطموحه فيما بعد التخرج من هذه المؤسسة أو تلك.

وهذا الهم الخاص بالتدرب، نظرا لثقله وهاجسه، قد يؤثر في بعض الأحيان بالسلب على تحصيل الطالب النجيب في دراسته الموازية لهذه المرحلة . فيترك مواده وحرصه على المتابعة بالانشغال بمسألة التدرّب من أين سيحصل عليه وفي أي مؤسسة سيقبل، بل في أي مدينة وإقليم سيكون حصوله عليه، وهكذا .

والمؤسف المكلف والمحرج في هذا من جهات متعددة، نذكر من بينها :

أ‌- في غالب المؤسسات قد يبقى الحبل على الغارب في تعيين محطات الاستقبال للطالب حتى يجري تدريبه ويقبل فيه، أي أن المؤسسات المؤطرة له لا تكلف نفسها العناء لمساعدته على اختيار مقر تدربه، ولو برسالة رسمية تشعر مدراء المؤسسات المستقبلة، كعمومية أو شركات، بأن هذا البرنامج ملزم ومكمل لتكوين الطالب، وأنه يدخل في ضمن حقوقه العلمية والقانونية كنهاية لتحصيله العلمي الذي به تقيم الكفاءات والاستحقاقات.

ب‌- في الغالب قد لا توجد اتفاقية شراكة بين المؤسسات، وخاصة الجامعية، مع المؤسسات المستقبلة، سواء على مستوى الوزارات المركزية أو الجهوية وأيضا المحلية . وبهذا فيبقى الطالب منتظرا ضربة حظ أو وساطة قريبة إن وجدت، وإلا فتدربه قد يكون في مهب الريح أو المريخ.

ت‌- في كثير من الأحيان، حتى إن وجد من يقبل هذا المتدرب، فقد لا يكون الميدان والمؤسسة المستقبلة له من نفس تخصص الطالب، لا من قريب أو بعيد.وبهذا فيكون تدربه عبارة عن روتين وتضييع للوقت، مع إحداث انقطاع غير مبرر في تحصيل الطالب والزيادة من تعمقه ودراسته.

ث‌- وأيضا، وهذا في حالة قبول بعض الطلبة لدى بعض المؤسسات، فقد تكون مقراتها خارج المدينة التي درس فيها الطالب، وربما تكون بعيدة عنها بمئات الكيلومترات، وهذا يتطلب مصاريف مرهقة ومكلفة ومجحفة، من بحْث عن سكن ومواصلات وغير ذلك .وهذا قد يأتي بمثابة الضربة القاضية في آخر دورة من دورات الملاكمة، حيث يكون المتباري منْهكا فتنزل عليه اللكمة من خصمه كالصاعقة التي لا يستطيع بعدها حراكا.وفي هذه الحالة فقد يتفاوت الطلبة بين الموسرين والمعسرين، لكن المعسرين قد يزداد عسرهم درجات فوق درجات رِشْتر.هذا إذا علمنا بأن الغالبية لا منحة لهم ولا مساعدة اجتماعية أو وقفية وغيرها.وعند هذه الحرج ربما قد تتغير نفسية الطالب وتتذمر وينزلق سلوكه، ويضيع تحصيله وتكوينه، وقس على هذا.

وحيث إن الوضع بهذا التصور أو أسوأ فقد يكون من اللازم على المسؤولين في قطاعات التعليم والتكوين والشغل، ولم لا الداخلية، أن يبادروا إلى حل هذا المشكل الذي يتخبط فيه كثير من الطلبة، و يمثل بالنسبة إليهم هاجسا أكثر قتامة من هاجس التحصيل والسهر والصبر على القليل وهم معتصمون في الحرم الجامعي، أو قريبون من مؤسساتهم التي كانوا يتلقون فيها تكوينهم ودراستهم لبناء مستقبلهم ولخدمة وطنهم بالعلم والمثابرة.

وأرى كاقتراح متواضع، أن الحل لهذه المشكلة في كل المؤسسات ذات الطابع التقني والهندسي والطاقي وما والاه قد يتمثل مبدئيا في إصدار قوانين ملزمة للمؤسسات المستقبلة للمتدربين بحسب طاقتها وتخصصها، مع إضفاء طابع الشراكة وإمكانية التوظيف من خلال هذا التدرب إن تبينت الكفاءات، هذا مع إحصاء جدي لعدد المتخرجين وتوزيعهم بالتساوي عليها، سواء في المؤسسات العمومية أو الخصوصية على حد سواء.

كما تنبغي مراعاة القرب والبعد من الجامعة، أو المدرسة العليا التي تخرج منها الطالب، وبالموازاة مع ذلك يكون من الضروري رصد مساعدات للطلبة الذين سيكونون ملزمين بالسفر والإقامة خارج مدينتهم . وهذه المساعدات إما أن تكون على حساب المؤسسة المرسلة أو المستقبلة أو هما معا، باعتبار أن هذا الأمر قد يدخل في إطار الواجب الوطني الذي يقتضي تكوين الطالب الصالح من أجل خدمة الوطن والمواطن الصالح "وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

"ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة"

 تعرف الاسرة بانها المنظومة البيولوجية الانسانية التي تبنى على فردين (رجل وامراة) يرتبطان معا برابطة الزوجية، والمفروض ان يكونا متكافئين بكل شئ وان يحققا الحد المعقول من الحياة.

وقبل كل شئ ان الاساس السليم يبنى عليه بناء سليم والاساس الهش مايلبث ان يقع في اول منعطف ويهدم معه كل شئ.

ان اللبنة الاولى في بناء الاسرة هي المودة والرحمة بين الزوجين وعليها تعتمد الامور الاخرى التي تكون نتيجة طبيعية و منطقية،

ولتحقيق مبدا الشراكة في الحياة الاسرية الناجحة التي تقوم على اسس قويمة تثمر حياة سليمة فيها الحد المعقول من مقومات السعادة علينا الاخذ بالاتي:

- الاختيار وعليه يعتمد نجاح الاسرة وفشلها ،بل ان اهم مقومات الحياة السعيدة لبناء اسرة ناجحة يعتمد على الاختيار الصحيح والقبول الذي يعتبر معيارا مهما لاقامة الاسرة.

- التكافؤ اجتماعيا وثقافيا واقتصادياويعتبر حجر الاساس لعلاقة صحية مثمرة تثمر اطفال متزنين ومستقرين، هو تساوٍمن حيث القيم بحيث يكون كلاهما في مستوى متقارب علميا واجتماعيا هذا التقارب يؤدي الى نشوء علاقة صحية لايشعر فيها الزوجين بعقدة النقص اوالانتقاص من الاخر!

فمثلا لابد من مسكن لائق يشعر فيه افراد الاسرة بالامان تتحقق فيه شروط الحياة الاعتيادية،وهذا يتطلب معيل يعيل الاسرة اقتصاديا لديه عمل يعتمد عليه وقد يكون المعيل الاب او الاب والام كلاهما ،كما ان التقارب العلمي بين الزوجين يجعل التقارب الفكري والنفسي بميزان واحد يجعل الحياة ايسر.

- القدرة على التكيف وهذا شرط مهم لاقامة الاسرة التي يظطر فيهاالزوجان احيانا كثيرة الى التخلي عن بعض الامور في سبيل ديمومتها كاختلاف العادات والتقاليد او السكن في بيت الاهل او اوتغيير مكان السكن اواي امر يدعو الى التكيف.

- الوازع الديني الذي يقود ديناميكا الى ترعرع الوازع الاخلاقي تلك البذرة التي ترتوي بخلق وهدي الدين الذي جعله الله شرعة ومنهاجا ووصى في كتابه العزيز باقامة وشائج المحبة بين الزوجين "ياايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة".

- الاحترام المتبادل بين الزوجين يتمخض عنه اسس قويمة تثمر الحب وتقوي صلة التراحم بين افراد الاسرة و يؤدي الى اقامة علاقة سليمة تثمر ابناءا صالحين حاملين لكم الصفات الفاضلة التي ترعرعوا في كنفها.

- اداء الواجبات وتقديم الحقوق بكل رقي وعدم انكارها اواحتكارها لان ذلك يؤدي الى فوضى عاطفية يكون مردودها سلبا على الاسرة ككل.

-استخدام عبارات الود بين افراد الاسرة والتحايا بكل انواعها يخلق جوا من الحميمية والدفئ ويعزز روابط المحبة والانسجام.

- زرع بذور التراحم بين افراد الاسرة الواحدة يجعل الحياة لها قيمة في عيونهم لما للتراحم من عاطفة جياشة ترفع القيمة المعنوية والنفسية للفرد والابتعاد عن البغضاء والكراهية يخلق جوا حميميا له كبير الاثر في نفوس افراد الاسرة الواحدة ثم المجتمع.

ان كل شراكة في الحياة تحافظ على ديمومتها من خلال كمٍ من الشروط الواجب توفرها لانجاحها فما بالك ان كانت هذه الشراكة بين زوجين مسؤولين عن رفد المجتمع بابناء صالحين يعول عليهم مستقبل الحياة،لذا فالركون الى الهدوء والسكينة باظهار الجانب العاطفي والانساني بامكانه ان يجعل ينسى الانسان كل الهموم ومصاعب الحياة اذا استطاع ان يحيا في بيت دافئ قوامه الحب والامان،لنحب بعضنا بعضا ونحترم بعضنا بعضا ونتبادل كلمات الود فالبيوت الامنة هي البيوت التي انتشر فيها الحب والدفئ والامان وتبلورت خيرا بجيلٍ واعد تشرق له الحياة.

 

مريم لطفي

 

 

هَلْ هناكَ قيمٌ مُشتَرَكةٌ عابرةٌ للثقافات والخصوصيات يتفقُ عليها جميعُ البَشَر، أَمْ أَنَّ القِيَمَ مَحَلِيَّةٌ ترتبطُ بالبيئةِ والجغرافيا والثقافة؟ واذا كانت هناك قيمٌ مشتركةٌ بين جميعِ البَشَرِ، فهل هناكَ تعارُضٌ بينَ هذهِ القيمِ المشتركةِ العابرة للحدودِ والخصوصياتِ والثقافاتِ وَبَيْنَ الثقافاتِ والخصوصيات لكل أُمّةِ ؟

 انَّنا نرى بالوجدانِ والفطرةِ وجودَ قيمٍ عابرةٍ للحدودِ والثقافاتِ، يتَطَلَعُ اليها كلُّ البَشَرِ على اختلافِ الوانهم ودياناتهم وثقافاتهم، كالتطلعِ نحو العدالةِ والحريّةِ والمساواةِ ؛ لانها قيمٌ مرتبطةٌ بالانسانِ كانسان بغض النظر عن لونهِ وعرقهِ ودينهِ .

 وهذه القيمُ ساهمت كلُّ الحضارات وكلُّ أُممِ الارض في ابرازها، فالحضارة عمليّةٌ تراكميّةٌ، فالحضارةُ الاغريقية تأثرت بحضارة وادي الرافدين وحضارة مصر واضافت اليهما، والحضارة الاسلاميّة، لم تكن مجرد حضارة ناقلة لماعند الاغريق، بل اضافت وطورت وأَبدعت، وكذلك الحضارة الاوربية، فهذا العطاء الحضاري المتواصل والمتراكم هو جهد انساني مشترك .

 هذهِ القيم الكونيّةُ قيمٌ انسانيّةٌ مشتركةٌ ساهمت فيها الانسانيّةُ عن طريق الحوار واللقاء والتواصُل الانسانيّ . وهذه القيم لايمكن أَنْ تُفرَضَ بالقوة . الاستعمارُ الذي فرضَ ثقافتهُ بقوةِ الجُيُوشِ، لايمكن أنْ نسميَّ هذهِ القيمَ المفروضةَ بقوةِ السلاحِ قيماً كونيّةً، ولايمكن ان نُسّمِيَ العولمةَ المتوحشةَ التي فرضتْ انماطَها الاستهلاكيّةَ على شعوبِ الارض، وفرضت رؤية واحدة على شعوبِ العالَم، لايمكن ان نُسّمِي ذلك قِيَماً كونِيَّةً . القيَمُ الكونيّةُ لاتتعارض مع ثقافاتِ الشعوب المحليّةِ . الحضاراتُ المختلفةُ تتعايش وتتحاور وتتبادلُ الثقافات والمعارف والخبرات، وحسب التعبير القرانيّ، الحضارت تتعارف ولاتتصادم، يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). الحجرات: الاية: (13).

 الاختلافاتُ بين اممِ الارضِ ليس على كونيّةِ هذه القيم المُشتركة، وانما على تصورات هذه القيم . الاختلافاتُ منشؤُها الثقافات التي هي خصوصيات لكل أُمَّةٍ  أَو شَعبٍ، وهذه الخصوصياتُ لاتسحقها وتلغيها القيمُ الكونيّة ؛ لانها تتعايشُ مع الخصوصيات، وتحترمُ التعددياتِ، وتعتبرها نقاط قوةٍ وثراء . نعم، العولمةُ تسحقُ هذه الخصوصياتِ وتقهرها، وتفرضُ عليها نمطاً احادياً من التفكير، ورؤيةً واحدةً، وثقافةً واحدةً .

 البشريةُ بحاجةٍ الى قيمٍ كونيّةٍ عابرةٍ للحدود والخصوصيات والثقافات، تشكّلُ معاييرَ تحتكمُ اليها، مع احتفاظها بخصوصياتها وتنوعاتها الثقافيّة .

 

زعيم الخيرالله

 

قاسم حسين صالحتعدّ (الدوغماتية) احد أهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق والعالم العربي.ومع ذلك فان السياسيين والاعلاميين يتعاملون معها كتعامل من ينشغل بوصف اعراض المرض ولا يلتفت الى تشخيص سبب العلّة..التي نكشفها لكم الآن.

تعني (الدوغماتيةDogmatism): الجمود العقائدي، الجزمية الفكرية، القطعية، العقيدية..غير ان اكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري.ولقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمونها، فمنهم من وصفها بانها طريقة منغلقة للتفكير، يمكن ان تصاحب اية ايديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما اذا كانت دينية او علمانية.ومنهم من وصفها بانها تنظيم معرفي مغلق نسبيا خاص بمعتقدات ولامعتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة، فيما حددها آخرون بعدم قدرة الفرد على تغيير افعاله او اتجاهاته حتى لو تطلّب الموقف ذلك، وحددها آخرون بأقوال مطلقة من غير سند او برهان، وصنفها آخرون بانها صفة الأفراد الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة، او بالنفوذ، وانتهى آخرون الى انها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

ولأن الجمود الفكري (الدوغماتية) يعدّ من وجهة نظر علماء النفس والاجتماع السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنه (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين، فقد ظهرت حوله نظريات اشهرها نظرية روكيتش التي تناولها في كتابه (العقل المنفتح والعقل المنغلق).وعلى وفق هذه النظرية فأن الافراد منفتحي العقول (غير الدوغماتيين، غير االمتطرفين)، هم الذين يقبلون التخلّي عن بعض معتقداتهم اذا ما اقتنعوا بخطئها، ويقبلون الافكار الجديدة اذا ساندتها ادلة قوية. اما الافراد منغلقي العقول (الدوغماتيون، المتطرفون) فهم الذين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تساندها، ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.

وعلى وفق نظرية التصنيف الاجتماعي فان الناس ينزعون الى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين " نحن " (أو الجماعة الخاصة بالفرد) و"هم" (أو الجماعة الاخرى). وانهم يتحيزون لجماعتهم ويبالغون ويعظّمون ايجابياتها ويغمضون اعينهم عن سلبياتها، فيما يعمدون الى تضخيم سلبيات الجماعة الاخرى وغضّ الطرف عن ايجابياتها، وهذا ما كنّا نحتنا له مصطلحا جديدا بعلم النفس بأسم (الحول العقلي)، واثبتنا ان حكّام العراق..حولان في السياسة.

لقد توصلت الدراسات السيكولوجية الى ان الدوغماتي( الجامد فكريا) لا يسمع الا نفسه ولا يرى غيره ولا يتقبل الرأي الاخر، وليس هذا بسبب عدم كفايته الشخصية وانما بسبب شعوره بأنه منبوذ من قبل الآخرين، وهذا ما حدث لقادة احزاب الأسلام السياسي في العراق في انتخابات 2018 التي عزف عن المشاركة فيها اكثر من 80% من الناخبين العراقيين.

ولك ان تراقب حكّام العراق تجد أن اغلبهم يسارع الى رفض أي دليل او مناقشة تتعارض مع معتقداتهم، وينظرون الى الامور الجدلية على انها ابيض واسود فقط، وغير قادرين على التخلي عن ارائهم حتى لو بدا لهم خطؤها، بعكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى ام مخالفا له.

والمفارقة ان صاحب الفكر المنغلق لا يشعرك بأنه شخص عقلاني منطقي، كقول من كانت امور العراقيين بيده بأن العلمانية كفر وزندقة، لأنه متخندق مع نفسه ومتبرمج على معتقدات ومفاهيم جاهزة وقطعية..يحفظها عن ظهر قلب، دون ادنى اعتبار لمشاعر الآخرين، سيما اذا كان الشعب متنوع المكونات والمعتقدات كالشعب العراقي الذي يحتاج الى حاكم منفتح عقليا.

والدوغماتية تفضي الى التعصّب وتعمل على تشكيل شخصية بمواصفات معينة، اوضحها..صلابة الرأي التي لا تسمح له بأن يتزحزح عنه، والميل الى التسلط والعدوان الذي يسقطه على الجماعات او الاشياء التي يتعصب ضدها.وسيكولوجيا، يجد المتعصبون في احقادهم على الاخرين تفسيرا مبررا عن دوافعهم ورغباتهم المكبوته بما فيها الانتقام، ويعدون التسامح مع الخصوم ضعفا او جبنا، ولك ان تتذكر ما حدث بين عامي (2006 و2008) التي راح ضحيتها الآف الأبرياء من العراقيين بسبب دوغمايتهم.

وللتاريخ، كانت الدوغماتية هي التي اسقطت (الأخوان) في مصر، وهي التي ادخلت في نفق مظلم فريقي الصراع في اليمن (الحكومة والحوثيون) اللذين تفاوضا في الكويت (نيسان-ايار 2016) والى الآن(2021) ما تفقا!. والمفارقة ان الدوغماتية كانت هي السبب في بقاء سياسيين عراقيين في السلطة سبعة عشر عاما برغم انهم افشل وافسد من حكم العراق في تاريخه السياسي، بأن نجحوا في ايصال معظم العراقيين من ذوي الاصابع البنفسجية الى ان يكونوا في دوجماتيتهم مثل حصان العربة..لا يرون الا الذي امامهم، حتى اذا كان في حساباتهم احتمال ان يكون طريقهم الى..المقبرة!.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

محمد الورداشيلم يعد أحدٌ منَ الباحثين والمهتمين ب/في الشأنِ التربوي يماري في كونِ صرحِ الحضاراتِ الإنسانيةِ التي أرادتْ لنفسها التقدمَ والرقيَّ، والتربعَ على عرشِ قيادةِ العالمِ، يُشيَّدُ على التعليمِ والبحثِ العلميِّ. فهذا الأخيرُ يُعَدُّ اللبنةَ الأساسَ والترسانةَ الصلبةَ اللتينِ تقومُ عليهما المجتمعاتُ المتقدمةُ، والتي بوساطتها يمتدُّ التقدمُ ليشملَ الحياةَ الاقتصاديةَ والسياسيةَ والاجتماعيةَ والثقافيةَ لتلك المجتمعاتِ. ومن ثم، فلا غرابةَ في كونِ الدولِ المتقدمةِ، في مختلِفِ الجوانبِ والمجالاتِ، تتنافسُ في تخصيصِ مبالغَ ماليةٍ مرتفعةٍ للبحثِ العلميِّ، وإنشاءِ المؤسساتِ ومراكزِ الأبحاثِ لخدمةِ هذا المجالِ الذي لا مهربَ من عبورهِ بحُسْبانِهِ جِسرا للتقدم. وهكذا، نقولُ إن العهدَ الراهنَ ليس عهدَ الخرافةِ والتقليدِ والاجترارِ والتكرارِ في المعارفِ والقيمِ، وإنما هو عهدُ العلمِ والعقلانيةِ والإبداعِ والاختراعِ والتجديدِ في العقلياتِ وأنماطِ التفكيرِ، والمعارفِ والقيمِ. كما أنَّ انكبابَ وانهمامَ الدولِ المتقدمةِ بالتعليمِ والبحثِ العلميِّ، فضلا عنِ الميزانياتِ المخصصةِ إليه، تَدفعُ بالباحثِ العربيِّ إلى زاويةِ المقارنةِ، حتى وإنْ تأبَّى ذلكَ في قرارةِ نفسه، بينَ وضعِ تلكمُ الدولِ ووضعِ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في وطنِه. ومنْ هذا السياق، نتساءلُ: لمَ تتدهورُ مكانةُ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في الدولِ المتخلفة؟ وما نظرةُ هذهِ الدولِ إلى المعلمِ والأستاذِ، والباحثِ في مجالاتِ المعرفة؟ هل مَرَدُّ الأمرِ إلى غيابِ الإرادةِ السياسيةِ التي تَتعمدُ تغييبَ البحثِ العلميِّ، أم أنَّ المعلمَ والباحثَ كليهِمَا يُسْهِمانِ في هذا الركودِ والتخلفِ؟

لا نتغيا، في مقالتنا هذه، تشخيصَ وضعيةِ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في الدولِ العربيةِ؛ لأنَّ هذا واقعٌ يَكشفُ عنْ وجهِهِ دونما صعوبةٍ تُذكرُ، ولكننا نسعى إلى الوقوفِ عندَ وضعيةِ الأستاذِ، في المغرب، الذي يُنتظر منهُ التغييرُ والتنويرُ، وزرْعُ بذرةِ الإبداعِ والابتكارِ في تربةٍ (تلاميذ) معينة. هذه الوضعيةُ التي باتَ يَعرفها القريبُ والبعيدُ، والعاميُّ والمثقفُ والمتخصصُ، تَدفعنا، مجددا، إلى التساؤلِ عنْ كيفَ تُفَرَّغُ الأستاذيةُ منْ محتواها، وتُعدمُ منْ أدوارها ووظائفها المنوطةِ بها؟. ف"المدرس رقمٌ مُتوَّج له أثر على أجيال متلاحقة من المتعلمين دون أن يكون له شكل أو معنى"(1)، ويُعزى ذلك إلى كونه قطبَ الرحى في العمليةِ التعليميةِ التعلميةِ، وبدونه لا يمكنُ أن نتحدثَ عن أيِّ إصلاحٍ جذريٍّ حقيقيٍّ لمنظومتنا التربوية. وبهذا، نرى أنَّ المدرسَ يعاني إهانةً مزدوجةً بحيثُ لها طرفانِ ينفذانِها مع اختلافٍ في الوعي بها؛ فمن جهة، يُهانُ منْ قِبَلِ الدولةِ التي يُنتظر منها أن ترفعَ من مكانته؛ إذ أضحتْ تَختزلُ "أدواره ووظائفه في سطور مبتورة بين وثائق الإصلاح"(2)، إنْ لمْ نقلْ إنها مُغيبةٌ بشكلٍ تامٍّ ومُلفتٍ للنظر، ويجعلنا مشدوهينَ من هذا التقزيمِ والتصغيرِ المُمنهجيْن، واللذينِ يحددان تناقضَ المسؤولين والقائمين على الشأن التربوي؛ لأنهم يُشكلون مفارقةً غريبةً، وصورةً متناقضةً للمدرس، ومن ثمَّ، "نصفه بالمربي وندوس كرامته، وبالقائد ونسلبه سلطته، وبالأب أو الأم ونحرض على عقوقه أو عقوقها، ونصفه بالمصلح ونسخر من كفاءته، وبالحكيم ونشكو خفة عقله"(3)، هكذا وضعَ الأستاذُ الدكتور، أحمد نظيف، إصبعَهُ على مَكمَنِ المفارقةِ، ووصَفها وصفا كافيا شافيا، وكيف لا؟ وهو الذي مارسَ مهنةَ التدريسِ، ولا يزال، واحْتكَّ بالميدان من خلال تكوينِ الأساتذة، لذلك نُحسُّ، في كلامهِ المُقتبسِ أعلاه، حُرقةً وحسرةً شديدتين على هذه الوضعية التي لا يُحسد عليها ممارسو التعليم في المغرب. كما أن الأستاذ والدكتور، قدم مجموعةً من الأدوار المستقبلية للمدرس التي من خلالها يمكننا أن ننتشله من هذا الوضع الجامد إلى وضع حيوي يجعل منه مبدعا وموجها ومرشدا، ومبتكرا ومجددا في مجال اشتغاله. ولكننا، ونحن نتحدثُ عن أدوار مستقبلية، لا بد منَ الإقرار أن تنزيلَها يحتاج إلى حرية، وما دام الأستاذُ مسيرا فيما يقوم به فإنَّ التغييرَ يغدو ضربا من التقليد. نحن نريد منه أن يكون مبدعا، بيد أننا نُحدد له نقطةَ الاجتهادِ ونُسَيِّجُهُ داخلها؛ إذ نريده أن يجتهد في ابتكارِ طرق جديدة لنقلِ معرفةٍ جامدة إلى المتعلم، بمعنى أن حدودَ اجتهادِه وابتكارِهِ لا ينبغي أن تتجاوزَ ما سطره القائمون على الشأنِ السياسيِّ والتربويِّ، وذلك دونما اعتبارٍ لمنْ سيتلقّى هذه المعرفةَ؟ ووظيفتها؟ ومنْ يستفيد منها: المتعلمُ أم ذوو الأدلوجةِ السائدة؟.

على أن تحريرَ وظيفةِ المدرسِ منَ التسييسِ والتأدلج، ومن ثمَّ، فتح المجال واسعا للإبداع والابتكار الشخصيين، وكذا الانفتاح على المجالات المعرفية والثقافية الأخرى، وإعطاؤه متسعا منَ الحرية، وتوفير الأدوات الضرورية له، والاعتراف بمكانته في المجتمع، لهوَ السبيلُ إلى الرقي بالمنظومة التربوية في المغرب، بعيدا عنِ التنظير في الهواءِ، واستيرادِ تجاربِ دولٍ أخرى واعتبارها وصفةً سحريةً للقفز من وضعية إلى أخرى.

ومن جهةٍ ثانيةٍ، وتوضيحا لدورِ الطرفِ الثاني في ممارسةِ فعلِ الإهانةِ، فإننا نتساءلُ عن مكانة المدرسِ لدى المتعلم؟ فالمكانةُ المهيبةُ التي كانت في السنوات الماضية لم تعدْ موجودةً في عهدنا الراهن، وبكلّ أسف، نرى أنه منذ أن بدأ المتعلمُ يجرؤُ على أنْ يطلبَ منَ المدرسِ النقطَ/معدلاتٍ دونَ مجهود، أي يغدو مُتعلما وُصُوليا بحيث يسعى إلى تملّكِ النقطِ بتوسُّل الإلحاف، والوشاية بين الأساتذة، والتزلف، والتملق، والغش...إلخ، منذ أنْ أصبح المتعلم على هذه الصورة قوّض الجدارَ المَتينَ الذي كان يَفصله عنِ الأستاذ، ويجعلُ كُلاَّ منهما في مكانته، بمعنى الاحترام والهيبة، هذان الأخيران اللذان كان يجعلانِنَا نتأهبُ الأستاذَ، ونتغيّا تقليدَ شخصيتِه ومهابتِه، ومن ثمّ، نأتي مُتعطشين لمعرفتِه من جهة، ولاقتفاءِ سيرته في الحياةِ الشخصيةِ والمهنيةِ من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك، أنَّ تَنازُلَ الأستاذِ عن جملةٍ من حقوقه التي ما فتئتِ الدولةُ تُجهزُ عليها بين الفينة والأخرى، وتخلّيه عنِ القراءةِ والبحثِ والإبداعِ والابتكارِ، ومواكبةِ المعارفِ المتطورةِ والمتجددةِ، وتقوقُعَهُ داخل المقرراتِ المدرسيةِ يُكررُ ثقافتَها ويجترُّها عبرَ السنين، كلّ هذه النقاطِ التي أسلفنا ذكرَها، جعلتْ منَ الأستاذِ تلميذا كبيرا: يشتركُ هو والتلميذُ في تلويكِ المعلوماتِ نفسِها، ويتناقشانِ في الدائرة الضيقة المُسَيَّجَةِ نفسِها، ومن ثمّ، يتساويانِ في مرتبةٍ واحدة مع اختلافٍ يَتمظهرُ في كون أحدهما يَجلسُ في مكتب، والثاني في طاولة، وقد يحدثُ أن يتبادلا المواقعَ إنْ لمْ ينهضِ المدرسُ بتحرير نفسه من سِيرة الاجترارِ والتكرارِ والتقليد، وتلويكِ معارفَ لا تتجدد ولا تتغير، ومفارِقةٍ للواقعِ الاجتماعيّ لكليهما (الأستاذ والتلميذ) متعاليةٍ عما يزخرُ به منْ تموجات وتطوراتٍ على أصعدةٍ مختلِفةٍ، وفي ميادينَ مُتعدّدةٍ.

ونافلُ القولِ إنّ لا سلاحَ للأستاذِ سوى العودةِ إلى مكانته التي تبددتْ، والقائمةِ على القراءةِ والبحثِ والإبداعِ من جهةٍ، وعلى التفكيرِ والتنويرِ والتحريرِ من جهةٍ ثانية.

 

محمد الورداشي

........................

- الإحالات والهوامشُ:

1- أحمد نظيف: "الأدوار المستقبلية للمدرس، بين الثبات والتغير"، مجلة فكر العربية، العدد الثالث- السنة الأولى- دجنبر 2016، ص173.

2- المصدرُ والصفحة نفساهُما.

3- المصدر و...

 

 

صلاح حزاميتردد الحديث في اكثر من دولة وفي اكثر من مناسبة عن الاصلاح الاقتصادي وضرورة القيام به لتحسين أداء الاقتصاد الوطني.

وقد تكون التصورات مختلفة في اذهان من ينادون بذلك الاصلاح ويتمنون مجموعة من الاجراءات التي تقدم عليها الحكومة لانجاز ذلك الاصلاح.

ولغرض القاء الضوء على المقصود "اصطلاحاً" بالاصلاح الاقتصادي سوف أورد في ادناه عدد من النقاط التي تشكّل مفهوم الاصلاح الاقتصادي:

- هنالك اتفاق على ان اصطلاح "الاصلاح الاقتصادي" يعني الاستعداد لقبول دور متزايد لقوى السوق والقوانين الاقتصادية في ادارة الحياة الاقتصادية.

- انه يعني تراجع الدور المسيطر المباشر للحكومة على الانتاج والتجارة.

- تزايد استقلالية الافراد عن الدولة.

- نمو مؤسسات المجتمع المدني.

- تزايد لامركزية الادارة العامة.

- إصلاح الاسعار والاجور باتجاه ازالة التشوهات التي تسببها سياسات التدخل الحكومية.

- مراجعة اوضاع منشآت القطاع العام والاستعداد لبيع او تصفية او اعادة هيكلة هذه المنشآت وبما يضمن عملها بكفاءة.

- اتاحة المجال امام القطاع الخاص للمبادرة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني والغاء السياسات التقييدية على حرية المبادرة الاقتصادية.

- الانفتاح على العالم بما في ذلك قبول المشاركات الاقتصادية بشكل استثمارات اجنبية بصيغ مختلفة وبدرجات مختلفة.

- تعتبر الليبرالية جوهر عملية الاصلاح الاقتصادي (ويمكن تعريف الليبرالية بانها : الاعتقاد بأن القوة المحركة للحياة الاقتصادية هي دافع المصلحة الشخصية والمنافسة وآلية الاسعار في ظل سوق حرة. وان هذه الادوات هي افضل مايمكن للوصول الى النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وان الدولة عليها المساعدة في هذا المجال. وقد طوّرت ليبرالية القرن العشرين الجديدة neoliberalism دور الدولة بحيث وصل الى امتلاك قطاع عام وتدخلها في منع الاحتكار ومنع تدمير البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية ومعالجة الازمات الاقتصادية ومراقبة التوزيع العادل للدخل. وتدعو الليبرالية الجديدة الى مراقبة عمل السوق فاذا ادى الى افضل النتائج المرجوّة فذلك مقبول اما اذا ادى عمل السوق الى مصاعب فأن الدولة تتدخل . كذلك الاهتمام بالوضع الانساني الناجم عن البطالة).

- يقضي الاتجاه نحو الليبرالية إعادة الهيكلة لاسيما مراجعة السياسة المالية والنقدية وآثارها على القطاعات الاقتصادية المختلفة.

- مراعاة العلاقة بين التوازن الداخلي (توازن الميزانية الحكومية) والتوازن الخارجي (ميزانة المدفوعات) والآثار المتبادلة بينهما.

- ان ذلك يعني وضع قيود على الانفاق الحكومي واحترام القواعد المالية والنقدية واتباع حزمة سياسات للاقتصاد الكلي تفضي، مجتمعةً ،الى تحقيق أهداف النمو الاقتصادي المطلوبة.

 

د. صلاح حزام

 

 

محمد بنيعيشكل فرد منا نحن بني آدم، مهما كان مستواه أو شكله أو عرقه أو لغته أو لونه أو صوته أو أو أو.. قد يسعى لإثبات وجوده أو لنقل حضوره ضدا على مغيبه، وهذا تأكيد على أن الإنسان حضاري بطبعه . ولا يسعى بعضنا لتغييب هذا الحضور بالتستر والتواري عن الأنظار إلا إذا كان يعاني من شبهة أو نقص قد يطال كماله فينزل منزلته نحو الأسفل .وعلى العكس من ذلك فقد يكون هناك نقص معين فيه قد سبب له تهميشا وتغييبا، ولم لا إغراقا في جب النسيان واللامبالاة، فيحتاج حينئذ إلى من يمد له يد المساعدة للخروج من غياهبه إلى أن يطفو على السطح فيشار إليه بالبنان والتفاح النفّاح، ثم يصبح مسجلا في لائحة الحضور .

وعند هذا التداخل بين بواعث ومعادلة الحضور والغياب يتداخل موضوع المدح مع الذم على نفس الطاولة ويتبادلان الأدوار في الإقصاء والاستقطاب .

أولا: المدح بين الثقة بالنفس واستدراك الكمال

فالمدح لغة" هو إحسان الثناء على المرء بما له من الصفات الحسنة. مَدَحَه كَمَنَعَه مَدحا ًومِدحَةً: أحسَنَ الثَّناءَ عليه.. والمَديحُ والأُمدُوحَةُ ما يُمدَحُ به، جمعُه: مَدائِح، وأَماديح" و"المدح هو ذكر المحاسن، وهو الثناء بذكر الجميل، والمدح لا يستلزم المحبة"و"فالمدح هو إخبار مجرد، وقيل المدح هو ذكر المحاسن بمقابل وبدون مقابل، والمدح يكون بذكر الجميل الاختياري وغير الاختياري". هذا باختصار. وأما الذم فهو"بالفتح مصدر ذم، جمع ذموم، الانتقاد واللوم = ضد المدح."

ومن هذا التناقض الأخلاقي والتعبيري نتساءل: كيف يمكن للمدح أن يصير ذما وللذم أن يصير مدحا، مع أن القصد قد يكون إما إيجابا أو سلبا؟، وهنا تتدخل الكيمياء الأخلاقية لتحليل العناصر المتركبة منها المادتين.

وكمنطق علمي فلابد من البحث في أسباب المبادرة وبواعثها النفسية، قبل الاعتبارات المادية والظواهر الاجتماعية، وهذه الأسباب سيلخصها أحد فحول الفكر الأخلاقي الكبار، وهو أبو حامد الغزالي من كتاب الإحياء الثالث في أربعة أسباب:

السبب الأول هو شعور النفس بالكمال: وهذا ما يمكن وصفه بـ "الأنا" حسب المصطلح الحديث، والهوية والشخصية وما إلى ذلك، وهذه "الأنا" تطلب دائما أن تكون هي الأعلى. أعلى على المستوى الفردي، وأعلى على المستوى الجماعي، وهذا ما يمثله الطموح السياسي الذي يسعى للحكم والتحكم وإصدار الأوامر والنواهي، وفيه منتهى التطلعات على المستوى الظاهري.

والكمال هنا قد يتفاوت بحسب القيمة التي تعطى للأشياء في المجتمع. فقد يكون الأمر متعلقا بالظواهر الجسدية الجلية، كطول القامة واستقامتها أو قصرها وانكسارها، وصفاء اللون وعذوبته أو بحته وخشونته...والمدح في مثل هذه الحالات لا يورث لذة أو متعة تذكر، لأن لها منافسات عدة كما أنها مرحلية ومتغيرة، بل ما يعتبر ممدوحا في مجتمع قد يكون مذموما في مجتمع آخر .وهذا الأمر ربما سيجرنا إلى جدلية "القبح والحسن العقليين" عند الفلاسفة والمتكلمين.

لكن الكمال الذي يورث لذة لدى الممدوح حين مدحه هو حينما يتعلق الأمر بمسألة غير محصورة ويدخلها الشك في النفس من طرف الممدوح، كفي مستواه العلمي مثلا أو ورعه ونزاهته ودقة صنعته وخبرته، " فإن الإنسان ربما يكون شاكا في كمال حسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشك بأن يصير مستيقنا لكونه عديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئن نفسه إليه فإذا ذكره غيره أورث ذلك طمأنينه وثقة باستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته".

وعند هذه النقطة سيتداخل موضوع المدح مع الذم بحسب طبيعة المادح، بحيث إذا كان المادح من المستوى الرفيع ومن علية القوم علما وشرفا ومكانة فإن هذا المدح سيكون كمالا للممدوح، لكن إذا كان المدح من سفلة القوم وأراذلهم، أو بالأحرى ممن ليس لهم إلمام بالمستوى أو التخصص الذي يكون عليه الممدوح فذلك سيصبح مؤلما للممدوح إن كان فعلا هو على مستوى رفيع. أما إن كان متقمصا لشخصية عالم أو مفكر، أو رجل دولة، أو ولي صالح، أو طبيب مختص، وهو ليس له من ذلك سوى الادعاء والتطفل فإن المدح حينئذ قد يزيده غرورا وبطرا وتكبرا ونقصا ووهما كماليا .

لكن المدح المفيد للكمال والجمال الأكيد فيكون مثلا" كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة والذكاء وغزارة الفضل فإنه في غاية اللذة وإن صدر ممن يجازف في الكلام أو لا يكون بصيرا بذلك الوصف ضعفت اللذة وبهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه لأنه يشعره بنقصان نفسه"حسب تعبير الغزالي.

أما السبب الثاني والثالث في المدح فهذا مربط الفرس لدينا في هذا المقال المختصر، وهما عبارة عن غريزة الامتلاك والسيطرة عند الإنسان من خلال صيد المدح والترويج له. وهما يسيران على نحو متناقض تماما كما هو عليه الحال بين المدح والذم حينما يوضعان في غير محلهما .

فالسبب الثاني قد يكون من باب سيطرة الممدوح على قلب المادح، ولكن ليس كل مادح بل ينبغي أن يكون صادرا من شخصية مرموقة وذات أهمية اجتماعية ومالية وحتى سياسية، كما يحصل من مدح بعض الرعايا ووجهاء القوم في حضرة حاكمهم، أو من بعض المريدين لشيخهم وأستاذهم أو إمامهم.فبقدر ما كان المادح له قيمة بقدر ما ازداد الممدوح فرحا واغتباطا بهذا المكسب، الذي قد تكون له انعكاسات مادية أو معنوية على المستوى الفردي أو السياسي العام.لكن حينما يكون المدح من رعاع الناس وعامتهم فذاك ليس إلا...

ومن نفس خلفية الامتلاك هذه نقول أيضا بأن هناك مدح ممن هو أدنى لمن هو أعلى مقاما لغاية جعله مِلكا له في مقام المادح الصغير وليس كممدوح كبير.وهذا قد يقع بين بعض أفراد الرعية والخدام والمتزلفين نحو المناصب بالتقرب إلى السلطان. فتجد المادح يستعمل أساليبه الفنية والنثرية والشعرية والمتمسكنة حتى يحصل له التمكن من قلب الحاكم، الذي قد ينقلب في لحظة وعند الغفلة من حاكم إلى محكوم وآمر على مأمور، ويصبح الحاكم نفسه حينئذ لعبة في يد حاشيته وندمائه لهذا السبب.

ثانيا: الوسائط في الثناء والاستقطاب غير المباشر

أما السبب الثالث فهو مرتبط بهذا المعنى ولكن بالقنص عبر الوسائط، وهنا يمكن إدراج الوسائل الإعلامية في الإشهار والتشهير والاستطلاع والتزمير، تماما كما كان يفعل الشعراء مع الخلفاء قديما، بحيث كانوا يضربون عصفورين بحجر واحد. الأول كسب قلب الحاكم حيث العطايا والهدايا والحظوة. والثاني الترويج لحكم الحاكم وملك قلوب العامة بتحريك العواطف وذكر المناقب والمنجزات التي قد تكون صحيحة أو وهمية، المهم هو أن الخطاب يكون قد وصل إلى القلوب والمشاعر .

فكما يرى الغزالي: "أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لاسيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بثنائه وهذا مختص بثناء يقع على الملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذ والذم أشد على النفس".

وهذا المعنى يكاد يشبه ما يصطلح عليه في عصرنا ب"البروباغاندا" السياسية والإعلامية.والتي تمارس على أعلى مستوى، وفي مختلف المجالات، وخاصة السياسية والدعوية والطائفية. فيأتي الشخص من ذوي المكانة العالية علميا وإداريا وسياسيا مشحونا بحزمة من المدائح عند التجمعات، وإن كان هو بدوره غير مقتنع علميا أو سلوكيا بممدوحه، فيستَغل أو يوظَّف في مثل هذه التجمعات تحت شعار "إياك أعني واسمعي يا جارة". وما أكثر ما تصيدت به الجماهير من هذا الباب وغلب عليها العقل الجماعي وسيقت سوق البعير وهي لا تدري ! فتجدها تتمسح وتتمدح وتصيح وتذرف الدموع تفاعلا من خلال هذه المدائح، فتكون في النهاية المصيدة الصائدة.

وهذا الأمر والتفاعل بالمدح قد يحتمل نتيجتين متناقضتين أيضا. فإما أن يكون المادح و الممدوح من الصادقين والصالحين فعلا فيكسب المستمع وده وفضله وينتفع به، وإما أن يكون الممدوح ذئبا عاويا يفتك بالقطيع فيرديها الموارد، فيكون المادح من حيث لا يريد أو يدري مساهما في هذا المطب الصائد.

وعند السبب الرابع قد يلعب الوسيط نفس الدور ولكن مع وجود مانع أخلاقي لدى الممدوح ألا وهو الحياء والحشمة، وعدم الجرأة على إبراز مواهبه أمام الجمهور .فيكون المادح حينئذ ممن يبرز هذه الخلال نيابة عنه، ولكن بشرط أن يكون المادح ممن تعتبر مكانته في المجتمع وإلا انقلب المدح ذما والرفعة سفلا.

وخلاصة القول فإن الشريعة الإسلامية قد وردت فيها إشارة إلى هذه المعاني والمخرجات النفسية والاجتماعية لما يمكن للدعاية والثناء أو الذم أن تفعله في نفس المستمع والمادح والممدوح معا .فكان النهي من جهة وكان التوظيف من جهة أخرى وكان التخصيص بالكمال حيث المدح المطلق .

يقول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ".

وفي نفس الوقت كان يستبشر ويجيز لحسان بن ثابت أن يمدحه:

وَأحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني       وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ           كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

وفي باب الكمال ومدح الذات والصفات والأفعال الإلهية يقول النبي صلى الله عليه وسلم:". ما مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذلكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ، وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ".

فعلى الفاهم والحاذق أن يفهم متى يمدح ومتى يذم . ولا نحصي ثناء عليك يا الله فأنت كما أثنيت على نفسه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

تحليل عناصر التفاعل الاجتماعي لا يعني تمزيق الروابط الإنسانية بين المُكوِّنات الاجتماعية، وإنَّما يعني وضع الطبيعة الرمزية للفرد والمجتمع تحت مجهر الشعور الإنساني، لأن الفرد يتحرَّك في المجتمع انطلاقًا مِن شُعوره الداخلي الذي يُحتِّم عليه الانخراط في حركة التاريخ الجماعي، وأن يكون جُزءًا مِن الكُل، ولَبِنَةً في صَرْح المجتمع الحَي، الذي يُدرِك أبعادَ ذاته، ويُدرِك حُدودَ مجاله الحيوي . وحياةُ المجتمع لا تتكرَّس كواقع محسوس وحقيقة شرعية إلا إذا أدركَ المجتمعُ كِيانَه والكِيانات المُحيطة به . وهذه الإدراك يُمثِّل الخُطوة الأُولَى لتفسير مُكوِّنات الذات، وعلاقتها بالآخَر، سواءٌ كان الآخَر داخليًّا أَم خارجيًّا. والعاجزُ عن إدراك ذاته، لن يستطيع تفسيرها، ومَن لَم يَمتلك الوعي بالذات والآخَر، لن يستطيع تكوين روابط بينهما قائمة على الاحترام المتبادل، وهذا يعني وُجود احتمالية كبيرة للصِّدام بينهما .

2

شرعيةُ التفاعل الاجتماعي مُستمدة مِن مبدأ التجانس في العلاقة المصيرية بين معرفة الطبيعة الرمزية وفلسفة السُّلطة الاجتماعية . والتجانسُ يعني وضع الخصائص الرمزية فرديًّا وجماعيًّا في القوالب الاجتماعية المُناسبة، وهذه القوالب بمثابة الحدود بين الدُّوَل . وكما أن الحدود السياسية تُوضِّح الأراضي الجُغرافية التي تُمارس فيها الدَّولة سِيادتها، كذلك القوالب الاجتماعية تُوضِّح المساحات الإنسانية التي يُمارس فيها المجتمعُ سِيادته. وينبغي التفريق في الفكر الاجتماعي بين السُّلطة والسِّيادة، فالسُّلطةُ وسيلة عملية تختص بتنفيذ الأفكار على أرض الواقع، وليس لها علاقة بالأفكار الذهنية والإرادة الداخلية، أمَّا السِّيادة فهي منظومة وجودية شاملة للإرادة والتنفيذ معًا . أي إنَّ السِّيادة هي العَقْل، والسُّلطة هي العَضَلات .

3

لا يُمكن فهم السُّلطة الاجتماعية إلا بفهم ذراعها التنفيذي، التي تتغلغل في تفاصيل المجتمع الإنساني، لأنَّ السُّلطة فكرة ذهنية مُجرَّدة، لكن التطبيقات العملية المحسوسة هي التي تَكشف هوية السُّلطة وماهيتها . والعلاقة بين السُّلطة وتطبيقاتها تُشبه العلاقةَ بين الغاية وآلياتها، فالغايةُ لا تَكشف طبيعة الآليات، لكن الآليات تَكشف طبيعة الغاية، وذلك لأنَّ الغاية خيال حالم، أمَّا الآليات فهي الوسائل العملية لتحويل الخيال إلى حقيقة، والحُلم إلى واقع .

4

عِندما يَغرق المجتمعُ الإنساني في ضجيج الشعارات، يُصبح عاريًا مِن المعنى المعرفي، ومُفتقِرًا إلى الخيال الاجتماعي، الذي يقوم على نقدِ الأحداث السياسية، ومُساءلةِ النظريات الفكرية التي تتحكَّم بالسلوك الفردي والجماعي، وطرحِ تصوُّرات جديدة وبدائل إبداعية . وغيابُ الخيال يعني بالضرورة غياب الحُلم، وإذا خَسِرَ الفردُ حُلْمَه، خَسِرَ إنسانيته وشرعية وجوده ومشروعية حياته، وفَقَدَ القُدرةَ على تغيير مُجتمعه نحو الأفضل، مِمَّا يَجعل الفرد والمجتمع يَصِلان إلى طريق مسدود بلا حُلم ولا واقع، وينشأ النزاع بينهما، ويتعمَّق الصراع على الوهم . لذلك، ينبغي إرشاد الفرد إلى أهمية الخيال، واختراع الأحلام، وضرورة تطبيقها عمليًّا وتنفيذها واقعيًّا . وهذه هي الضمانة الأكيدة لفتح آفاق المستقبل أمام الفرد، وتعزيز ثقته بنَفْسه ومُجتمعه، وحمايته مِن اليأس والفشل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عزالدين عنايةتُشكّلُ الترجمة في السياق العربي الراهن دعامة نهضوية لا غنى عنها. يتوسّل الفكر من خلالها رفد النشاط الثقافي بخطاب حافز للذات وشاحذ للعقل. ومن هذا المنظور يقتضي المقام أن تكون الترجمة فعلا ثقافيا واعيا وهادفا. فليس ثمة ترجمة لغرض الترجمة، خالية من دواعيها ومقاصدها، إذ لكلّ واقع ثقافي استراتيجية خاصة به في الترجمة، واستراتيجية الترجمة المرابِطة في الواقع العربي تتلخّص في نشدان التواصل مع الفكر العالمي بُغية تكثيف سُبُل إثراء الذات وربطها بحراك الفكر العالمي، من هنا كان المقصد التنويري مضمَرا ومعلَنا في مشروع الترجمة. ولعلّ بحث الثقافة العربية عن الانعتاق من قيد التقليد، والتطلع لتخطي الانحصار الذي أُسِر فيه العقل، يملي عليها بناء تواصل رصين مع الفكر العالمي، العقلاني والتحرري، حتى يكون فعل الترجمة فعلا إضافيا.

صحيح أن ثمة مجالات في الثقافة العالمية يجد فيها المثقف العربي نفسه مدعوا للتواصل معها عبر لغة ثانية، أو عبر الترجمة. وعلى سبيل المثال يبدو ما يتوفر من أدوات معرفية للإحاطة بالواقع السوسيو-ديني العربي المتفجر وفهمه لا يفي بالحاجة، في ظل ندرة كتب علم الاجتماع الديني وسوسيولوجيا الأديان والأنثروبولوجيا الدينية وعلم النفس الديني وفلسفة الدين. لذلك يكثر التخبط في معالجة الظواهر التي يعيشها العرب اليوم، ولا يسعف المرء في ذلك سوى خطاب متشنّج في واقع مستنفر. لكن هذه الحاجة الماسة ينبغي أن تكون حافزا لما نطلق عليه توطين الترجمة، إذ يصعب إن لم نقل يتعذّر أن تَبْني ثقافة ما تواصلا مع الفكر العالمي من خارج لغتها، ولذلك يبقى توطين إبداعات الفكر العالمي عبر الترجمة عاملا حاسما في التواصل مع ذلك الفكر. ففي بلاد المغرب الكبير ملايين يتكلمون الفرنسية، لكن المفكر محمد أركون العائد عبر لغة الغنيمة، كما سماها كاتب ياسين، لم يقع انتقاده واحتضانه، أو لنقل مناقشته، سوى بعد ترجمته من الفرنسية إلى العربية. وبوجه عام ثمة كتب قيّمة تمور بها الساحة الثقافية العالمية، لن نكتسبها ما لم نعرّبها، ولا يكفي أن نقرأها في لغتها الأصلية إن كنا نروم صناعة تواصل حقيقي مع الإبداعات العالمية.

في خضم هذا المسعى، لا ينبغي الرهان في الترجمة على النص الإيديولوجي، بل التركيز على النص الرصين والمتين والأصيل، لأن النص الإيديولوجي مضلّل وخادع، ومحكوم استهلاكه بظرفية عابرة، وبقدْر ما يغوي الذات يضلّها. وعلى سبيل المثال، من مفارقات القراءة العربية الحديثة لنصّ التلمود أن كان اعتمادها على مؤلَّف لكاتب جرماني المسمى روهلنج، تعود أولى طبعاته إلى العام 1899، وقد عرّب الكتاب يوسف نصر الله، أحد النصارى الشوام، في منتصف القرن الماضي، وجاء بعنوان: "الكنز المرصود في قواعد التلمود". أتى تأليف الكتاب في حّمى موجة اللاّسامية في أوروبا، التي كان انعكاسها واضحا على بنية المؤلَّف ومضامينه. وشيوع هذا الكتاب في الأوساط العربية، جاء بموجب تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي، ما جعل جلّ الكتابات العربية المتحدثّة عن التلمود تعتمد عليه اعتمادا رئيسا. كان الكتاب المذكور مدعاة للضرر بالاستهواد العربي، أي بالدراسة العلمية لليهودية، وقلّة من الدارسين العرب من تفطّنوا إلى أن التلمود هو أرحب مما اختزله فيه صاحب الكنز المرصود. انتظرنا طويلا حتى جاءت ترجمة التلمود من أصوله الآرامية وبأسفاره العشرين (2012)، وذلك بالتعاون بين كوكبة من المترجمين أشرف عليهم الدكتور عامر الحافي، وتولى مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان نشره.

ولكن فعلَ الترجمة يغدو بحقّ تنويريا مرابِطا حين يعضد ذلك المسعى "نقد الترجمة". ليس النقد المكتفي بمراجعة لغة الترجمات وأساليبها ومناهجها، بل النقد الذي يتوجه إلى مضامين تلك النصوص، وما يمكن أن تسهم به من ترشيد وتنوير وتطوير للذات. صحيح أن الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة قد بدأت تشهد بعض التطور والنضج، منذ إنشاء جملة من المؤسسات المتخصصة في الشأن في مصر ولبنان والإمارات العربية، ولكن هذا التحول الواعد ما زالت تعوزه حركة نقد للترجمة، تتابع تلك الإنجازات القيمة، ليس في حدود عرض تلك الأعمال والتعريف بها، بل في إعادة قراءتها وتبين إلى أي حدّ تشكّل تلك الإنجازات مادة إضافية تنويرية في الثقافة العربية، لعل تلك النقطة الجوهرية هي مرحلة متطورة على درب التوطين المنشود للترجمة.

 

عزالدين عناية

ستاذ تونسي بجامعة روما

 

حاتم حميد محسنفي 19 ديسمبر 2020 جرى تخفيض قيمة الدينار العراقي بنسبة 23%، نزولا من سعره الرسمي السابق 1182 دينار الى 1450 دينار لكل دولار امريكي. وزير المالية العراقي ذكر ان التخفيض جرى الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي وهو يخدم التنويع في الاقتصاد العراقي(1).

ماهي الأهداف من تخفيض العملة؟

ان التخفيض يجعل الصادرات ذات سعر تنافسي ومن ثم يقود الى بيع المزيد من الصادرات، رغم ان هذا قد لا يؤدي بالضرورة الى هبوط مماثل في قيمة السلع والخدمات المستوردة. صناع السياسة ايضا يأملون ان تخفيض العملة يقود الى "تحوّل في الانفاق"، بمعنى ان المستهلكين ينفقون نقودهم على منتجات الشركات المحلية بدلا من إنفاقها على المستوردات.

التحول في الإنفاق يمكن ان يُدعم بفرض ضرائب اضافية او جديدة على المستوردات او عبر إدخال حصص (كوتا) سوف تقلل مباشرة من الإنفاق على الاستيراد. هذه الاجراءات كان القصد منها ايضا تحسين كل من ميزان التجارة و(بشكل غير مباشر) ميزان المدفوعات.

اخيرا، اعتمادا على مرونة عرض السلع، فان الضغوط التضخمية قد تبرز في الأجل القصير الى المتوسط.

في العراق، اوضح صنّاع السياسة في وزارة المالية والبنك المركزي العراقي وبشكل صريح اسباب تخفيض الدينار العراقي كالتالي:

1- هناك شعور بان الدينار العراقي عالي السعر مقارنة بالدولار الامريكي(2)، بما يشجع الاستيرادات ويدفع رأس المال للرحيل ويثبط الاستثمار الاجنبي والسياحة، مع وجود اقتصاد يميل نحو التجارة وتجارة التجزئة بدلا من القطاعات المنتجة.

2- في ضوء السعر المرتفع للدينار العراقي، يصبح الاقتصاد العراقي أقل تنافسية، والاسواق العراقية تصبح تحت سيطرة الاستيراد.

3- الدينار العراقي العالي القيمة، عموما، لا يشجع الاستثمار في القطاعات التي يرغب العراق تطويرها مثل الزراعة والسياحة والصناعة والخدمات.

4- ان تعديل قيمة الدينار العراقي سوف يزيد العائدات من البترول بالدينار العراقي وسوف يقلل عجز الموازنة، لكن توقيت تخفيض العملة الآن هو مرتبط عضويا بهبوط حاد في عائدات الدولة من البترول وان سعر الدينار العراقي يجب ان يعكس هذه الحقيقة(3).

يمكن القول، ان خفض الدينار العراقي يمثل اختبارا هاما لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير ماليته علي علاوي. بهذه العملية هما يكسبان وقتا ثمينا – انها لحظة الحقيقة، حيث ان عملا سياسيا واقتصاديا حاسما مطلوب الآن لحماية الدينار والاقتصاد العراقي من الانزلاق نحو الهاوية. الكاظمي يجب ان يمنع الدخلاء من التخريب المتعمد والمنظم جيدا والمستمر منذ عام 2003 في مفاقمة دورة تفتيت الاقتصاد والمجتمع في العراق. انها مسؤولية عليا للكاظمي للعمل ضد الدخلاء الذين يسعون الى تعميق الشرخ والعمل ضد الصالح العام.

لكي يحميان الاقتصاد العراقي من الانهيار، فان امام رئيس الوزراء ووزير المالية فترة قصيرة من جنوري الى جون 2021. هما يجب ان يركزا على ثلاث قضايا حساسة وهي السياسة والاقتصاد والتنويع الموجّه نحو التصدير.

السياسة

يلخص معتز كمونه، الصناعي العراقي السياسة بدقة :معلقا على تخفيض الدينار العراقي، هو يخشى ان "سيطرة الميلشيات والجماعات المسلحة على السياسة، والاقتصاد والجيش يعطيهم فرصة هامة جدا للمنافسة وإفشال اي مزايا للصناعيين في العراق(4). ونفس الرؤية لدى محمد المعموري، وهو مستثمر في الزراعة، يلاحظ ان "الحكومة دعمت الاستيراد من السلع الزراعية وتجاهلت دعم الانتاج المحلي"

لكي يحقق خفض العملة اي فرصة للنجاح يجب على الكاظمي ان يتحدى، ويواجه بشكل رئيسي الميلشيات المسلحة ويمنعهم من اضعاف سلطة الدولة والاقتصاد لمصلحة الطبقة السياسية الدينية والبلوتوكرات المنتفعين ذاتيا. الميلشيات الاسلامية والجماعات المسلحة بما فيها الحشد، يُزعم انها تُموّل جزئيا من اموال البترودولار العراقية التي يتم تداولها عبر غسيل الاموال وشبكات التجارة والسيطرة على المنافذ الحدودية والفساد الصريح والتام. لم يكن ابدا من مصلحة تلك الجماعات والميليشيات تشجيع الانتاج المحلي لأن مثل هذه الاستراتيجية سوف لن تخدم حماتهم الاجانب.

هذا التحدي لا يمكن معالجته كليا في الستة اشهر. لكن هذه الفترة ستكون حاسمة في اتخاذ خطوات مصيرية لإحتواء النشاطات الضارة للدخلاء، عبر تحقيق اصلاحات اقتصادية في العراق، وان كانت غير تامة كما تبين "الورقة البيضاء". لكي نؤسس توازن مالي فوري، يجب ان تكون الاولوية للفساد واسترداد الاموال المنهوبة (والتي قدرت بحوالي 200 بليون دولار) (5) . الدخلاء يمثلون "الدولة العميقة"، وهو التحدي الامني اليومي الذي يجب ان يواجهه الكاظمي. انهم قوة سياسية واقتصادية مدمرة.

اذا لم يتخذ الكاظمي إجراءات سريعة وحاسمة للقضاء على نشاطات الدخلاء وتلبية مطالب المنتفضين من الشباب المتحمسين العراقيين الذين يسعون لسيادة وطن، عندئذ فان تأثيرات خفض الدينار العراقي، وتنفيذ الاجراءات في "الورقة البيضاء" ومحاولات ادارة المال العام كلها ستتلاشى. ان جموع الناس العاطلين عن العمل، وجماعات اخرى، سوف يفقدون الثقة في قدرة الحكومة على إحداث التغيير الذي يخدم القطاعات الأفقر في المجتمع.

الاقتصاد

في مقابلة مع محطة TRT في اغسطس 18، 2020، يبين السيد علاوي، وكما متوقع فهما عميقا للتحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي(6). ورقته البيضاء في اكتوبر 2020 تحتوي على اثنين من التحديات الكبيرة:

1- ترشيد الانفاق التشغيلي بنسبة 13% من الناتج المحلي الاجمالي نزولا من النسبة الحالية 25%، من خلال تقليل حجم ومقدار الاجور والمنافع التي يمنحها الموظفون العموميون لأنفسهم.

2- تنويع الاقتصاد عبر استخدام القطاع الخاص لكي يمتص نسبة البطالة العالية.

هذه تُعتبر مهمة صعبة. لكن، كما في السياسة، كذلك في الاقتصاد، السيد علاوي يمكنه ان يضع الاساس للتغيير في الستة اشهر القادمة (وربما بعدها).

لم يكن هناك جديدا في أي من المهمات التالية. ما هو جديد هو الفورية في اتخاذ الاجراء والفعل المطلوب، والحسم الذي يجب ان ينفذ به علاوي هذه المهمات والتي تتمثل بـ :

1- مزاوجة المشاريع المملوكة للدولة مع الشركات الدولية، لكي يتم خفض تدريجي للاعانات الثقيلة، خلق مهارات جديدة وزيادة الانتاجية . شركة سكود للسيارات هي مثال جيد لملائمتها للظروف العراقية.

2- توسيع وتنفيذ استثمارات هائلة في البنية التحتية. عندما تقترض الحكومة للاستثمار (وليس للاستهلاك) فهي قاعدة ذهبية مقبولة، في بناء الموانئ البحرية ومحطات الطاقة والطرق وسكك الحديد والمدارس والإسكان، هذه الاستثمارات سوف تمتص عدد كبير من العاطلين والداخلين الجدد لسوق العمل.

3- تغيير القوانين الحالية وإدخال قوانين جديدة لخلق بيئة ملائمة للقطاع الخاص للاستثمار ومباشرة الاعمال، كل ذلك يجعلها عامل جذب للاستثمار.

4- إنعاش وتوسيع التصنيع (بما فيه البتروكيمياويات) والقطاع الزراعي.هذه ستراتيجية مجربة وناجحة لتحويل العراق الى اقتصاد قائم على التصدير. جنوب كوريا هي مثال جيد للاختبار.

5- إعادة بناء القطاع المصرفي، وهذا يتطلب تحركا جريئا وسريعا لوقف غسيل الاموال عبر مزاد العملة وشبكة التجارة. يجب بناء الشفافية في المصارف لإزالة الفساد.

6- فرض نظام ضريبي فعال وتصاعدي، النظام الحالي فيه الكثير من الثغرات ويمكّن من ممارسة الفساد من جانب جباة الضرائب. كذلك ضريبة الشركات يجب ان تحفز الاستثمار من جانب القطاع الخاص.

7- الحكومة يجب ان تقوم بترشيد انفاق الموازنة والتخصيصات، والتركيز على الاستثمار والبنية التحتية لمدينة الموصل. الحكومة يجب ان لا تتراخى عن هكذا ترشيد عندما ترتفع اسعار البترول مرة اخرى.

8- يجب على الحكومة ان تبدأ فورا بعملية استرداد الاموال المنهوبة من جراء الفساد والتي تشير التقديرات وبتحفظ على انها بحدود 200 بليون دولار امريكي. يجب على الحكومة ترسيخ الولاء لبناء الوطن، وليس للاحزاب الدينية والطوائف او الاقليات الاخرى، وبهذا تستعيد المبادئ الصحيحة وقيم السلوك. المخالفون يجب ان يواجهوا نظام قانوني عادل.

وفي ضوء أعلاه، من المدهش ملاحظة ان مسودة ميزانية 2021 تخصص اكثر من 83 بليون دولار "للانفاق التشغيلي" اي أقل فقط بمقدار 10 بليون دولار من الايرادات المتوقعة لعام 2021؟ هذا يضع خطة علاوي في سعيه لإنجاز توازن مالي امام التساؤل. والشيء المدهش الآخر هو تخصيص 2.5 بليون دولار للحشد، بما يساوي 40% من الاموال المخصصة للدفاع، واكثر مما هو مخصص لوزارتي التعليم العالي والصحة في زمن جائحة كورونا. ايضا هناك 450 مليون دولار ستذهب الى الوقف الشيعي وما يقارب 200 مليون دولار للوقف السني. ولو جمعنا هذه الاموال المخصصة للاوقاف الدينية نجدها تشكّل ما يقارب ثمان مرات اكثر مما خصص لمدينة الموصل التي دمرها داعش والتي خُصص لها فقط 86 مليون دولار(7).

يمكن القول ان هذه التخصيصات هي انعكاس لقوة تأثير الاحزاب الدينية (وميليشياتها) على الحكومة. في الوقت الذي يكون فيها الاقتصاد في حالة يرثى لها، فان مثل هذه التخصيصات تلقي ظلالا من الشك على خطاب الحكومة بحماية الاقتصاد.

تنويع الاقتصاد Diversification of the economy

ان تغييرات حاسمة وعاجلة في السياسة الاقتصادية مطلوبة فورا في الأشهر الستة القادمة. لم يحصل ابدا شعور قوي في العراق بأهمية المبادرات المتعددة الجوانب لتنويع الاقتصاد. وبينما تعمل الحكومة العراقية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فان مقترحات الأخير في تنويع الاقتصاد العراقي من خلال المنتجات الزراعية تحتاج الى فحص دقيق (انظر البنك الدولي 2020، فصل 4). ومع ان السياق مختلف، وان تحولات واسعة حدثت منذ ذلك الوقت، لكن مقترحات البنك الدولي تذكّر بمقترحاته للحكومة العراقية في عام 1952 (انظر البنك الدولي، RID، 1952، ص40-97)(8). وبينما هو يعتبر الزراعة ذات اهمية حيوية في سياق العراق، لكن الزراعة وحدها سوف لن تستوعب الـمتوقع من الـ 4.5 الى 5 مليون من الداخلين الجدد الى سوق العمل بحلول عام 2030، دعك من البطالة العالية وحدها. ايضا، لأجل زيادة خزائن الحكومة، يحتاج العمال العودة من القطاع الكبير اللارسمي ودفع ضرائب من خلال عمالة ذات مردود. في العصر الرقمي، لا يمكن للعراق عمل نفس الاخطاء التي ارتكبتها حكومته في الاربعينات من القرن الماضي وحتى 2020. الأدب الاقتصادي الواسع يشير الى مزايا التنويع عبر التصنيع الموجّه للتصدير(9) عندما يدعمه اطار قانوني، وبنية اجتماعية ومادية، وقطاعات ذات تعليم قوي وصحة من الدرجة العالية .

ان الأمن وبيئة الأعمال كلاهما ضروريان للاستثمار الاجنبي المباشر ليشارك مع الحكومة والقطاع الخاص في البدء بالتنمية الاقتصادية، والتي تعني ايضا زيادة مشاركة النساء في سوق العمل.

وفي خلاف ذلك، كما يرى المتشائمون، فان الاهداف البعيدة المدى "للورقة البيضاء" سوف تذهب هباءً، كما حصل للعديد من خطط التنمية القومية السابقة في العراق.

استنتاج

حكومة مصطفى الكاظمي يجب ان تتخذ اجراءً حاسما في الستة اشهر القادمة لحماية الدينار العراقي والاقتصاد من الانزلاق نحو الهاوية. عبر تخفيض قيمة العملة، كسب رئيس الوزراء ووزير المالية وقتا ثمينا، الدينار العراقي يجب ان تدعمه افعال تحمي التغيير (الايجابي) الحقيقي في الاقتصاد وفي تمويل البلاد. وبالنهاية، فان قيمة العملة تعكس مدى صحة الاقتصاد. التنويع في الاقتصاد يجب ان يقوده الاستثمار في التصنيع الموجّه نحو التصدير، مع ارتباطات امامية وخلفية تتغلغل في كل جوانب الاقتصاد.

السؤال هو هل سيحوّل رئيس الوزراء ووزير المالية الصورة القاتمة "Bleak house" (10) الى "توقعات واقعية"؟ هذه هي لحظة الحقيقة.

 

حاتم حميد محسن

.........................

المصدر:

 Iraq-businessnews-com/wp-content/2021/01/IQD-needs-political-support

للباحث والخبير Dr Amer K.Hirmis مسؤول في شركة CBS (Capital Business Strategies Ltd) المحدودة للاستشارات في المملكة المتحدة. في 2009 عمل الكاتب كخبير في التخطيط التنموي في وزارة التخطيط العراقية، وصدر له كتاب (اقتصاد العراق- من الماضي القديم الى المستقبل البعيد) عن دار Grosvenor House publishing، المملكة المتحدة.

الهوامش

(1) انظر

http//www.mof.gov.iq/pages/mofBannerHeadlineDetail.aspx?BannerNewsID=886,and https://cbi/news/view/6224,websites accessed on Dec 20,2020.

(2) هذا الادّعاء مخالف لأخر استنتاج لتقرير من الباحثين في البنك المركزي العراقي، الذي يقترح انه على اساس مبدأ القوة الشرائية (ppp) فان الدينار العراقي هو منخفض القيمة في اي مقدار بين 4 الى 14% عند 1182 دينار عراقي لكل دولار. انظر mahwoos,A.Hussain and Muhammad,B-Qasim(2020)، الدينار العراقي 1200 دينار لكل دولار امريكي؟ (متوفر في

 http//iraqieconomists.net/accessed

 on November23,2020.

(3) انظر الجواب على السؤال الخامس:"اسباب تغيير سعر الصرف؟" المنشور في موقع وزارة المالية المشار اليه اعلاه في (1).

(4) انظر الحرة، في 20 ديسمبر 2020 "تخفيض قيمة العملة العراقية.. قرار صحيح في وقت خطير"

 https//www.alhurra.com/Iraq/2020/12/20

(5) علاّوي، (2020)، الاقتصاد السياسي للتآكل المؤسسي والفساد الرسمي – حالة العراق (متوفر في

 :http//iraqieconomists.net/en/2020/05/19/accessed of June 20,2020

(6) انظر محطة الاذاعة التركية

 TAT(https://www.youtube.com/watch,accessed on Dec14,2020). في هذه المقابلة يبيّن علي علاوي فهما عميقا لمختلف التحديات الحالية التي تواجه العراق – الأمن، البطالة العالية، مشاكل المنافذ الحدودية، الفساد الواسع الانتشار، تضخم الخدمة العامة، ضعف الانتاجية، نقص البيئة الملائمة للأعمال وغيرها. هو قال ان العراق في مفترق طرق. وذكر ان صندوق النقد الدولي يوفر تمويلا من خلال حقوق السحب الخاصة و بعض برامج التسوية الهيكلية عند الحاجة، اما البنك الدولي يساعد في مشاريع التنمية والتمويل ومشاريع دعم الجماعات الاجتماعية.

(7) انظر الجدول B في مسودة الميزانية الاتحادية لعام 2021 متوفرة في http//iraqieconomists.net/ar/wp-content,Dec30,2020

(8) لاحقا، في تقرير البنك الدولي للتنمية والبناء(IBRD) يعترف بانه قبل عام 1958"جرى تجاهل التصنيع في البلاد .. حيث ان الانفاق الكلي على التنمية خلال السنوات المالية 1951/52 – 1958/59 لـ "الصناعة والطاقة كان 13% مقارنة بـ 32% للزراعة، و 24% للنقل والاتصالات، و 28% للاسكان والبناء"(1963:18IBRD,).

(9) صادرات العراق غير النفطية تشكل نسبة ضيلة من الصادرات الكلية في عام 2019، انها شكلت 3.9% من الصادرات الكلية (www.cosit.gov.iq). العراق يعاني من عقود من العجز المزمن في الميزان التجاري. هذا جزئيا انعكاس لحقيقة ان : قطاع التصنيع يشكل فقط 0.86% من الناتج المحلي الاجمالي(النصف الاول من عام 2020 بالاسعار الثابتة لعام 2007)، الزراعة فقط 4.29%، البناء والبنية التحتية 1.93%، وبالمقابل، "الحكومة العامة"7.24% أي اكثر بثمان مرات من مساهمات التصنيع (انظر

 http://cosit.gov.iq/docements/national accounts, table 5,accessed on Dec23,2020). وهكذا، فان استبعاد التصنيع من ستراتيجية التنويع الاقتصادي بالطريقة التي يريدها البنك الدولي، لاتبدو خيارا جيدا.

(10) هي رواية كتبها شارلس دكنز(1852-53)، تتحدث عن قصة عائلة كان افرادها يكافحون ضد بعضهم البعض في المحكمة حول النقود والأملاك التي تعود لهم. النظام القانوني كان معقدا جدا لدرجة ان القضية استمرت لوقت طويل، كان على افراد العائلة دفع مبالغ كبيرة للمحامين، الامر الذي جعلهم في النهاية لن يحصلوا على أي شيء .