طارق الحلفي"لمساءات السنين قناديلها تحت سماوات التاريخ.. فلا غطاء للذاكرة"


انشدونا المُنشدونْ

كل ما يعني النشيدْ

من كلامٍ ومقامٍ

وتقاويم انفصامٍ

وقواريرَ جنونٍ

وسراديبَ انينْ.

فمسحنا كفنا الملآن

نارًا وحديدًا

باختبارات الضرورهْ

وخسارات تواريخ من الطيب منيرهْ.

كلنا كان وحيدًا وجديدًا

قبل ان ينتابَنا عصف الشعورْ

البداياتُ نهاياتُ..

اختلاطٌ بجفافِ العَرَقِ اليابسِ

في وجهِ شقوقِ الأبديّة

بين شهدِ المنتهى المملوء طلًا

وذُبالاتِ الرصاصْ.

مربكًا كان العبورْ

مربكًا كانَ..

انفرطنا ببراعاتِ خيال الميتينْ

جُلّها الاحشاء والاطلال

والموت السريريّ

واصفاد القبورْ.

لعبة كنّا

ونَرْدُ الخالق المدعوّ حَيْرَهْ

قلّبتنا

كعَجاجٍ من طوابير سبايا

وذهولٍ وخمولٍ

وفضاءات ضَياعٍ

وينابيعَ حِدادٍ..

قد توضأناه جيلًا بعد جيلا.

كالمشاريع تساقطنا

بلا مهلٍ..

ومِنّا..

كخفيرٍ قُطِعَت عُروَةَ غدّارَتهِ

غِبَّ شتاءٍ خافت النبضِ

ومن دونَ اصطبارٍ

اغبَشَت عَيناهُ فصطادَ الظِلالا

قبل ان تعبر من بين يديهِ

قهقهاتُ الطلقة المنكسرهْ.

قبل ان تنشَلَّ مِنّا شهقة الجرحِ

تناثرنا رذاذًا

كي نوازي خطوةَ الأفقِ

بمذراةِ اندحارٍ.

كعُواءٍ الجهلِ يدنو

زنِخًا نوءُ السفاههْ..

يفتح الصوت ليُملي

أمرَهُ الفاجرَ

قد آن الرحيلْ.

مرّت اللحظةُ اوهامًا

ومِنا..

زادَهُ الخذلُ اختزالًا

فتراخى حُلمهُ نحو الافولْ

وهشيمًا صار من ضيق الهواءْ.

نَزِقًا كان البقاءُ

كفراغِ الروحِ

او زُغْبِ الرمال.

كشموسٍ اطفأَتها الآلههْ

هَلعًا تهوى النجومٌ

بين شباكي وبابي

قبل ان يرتدَ طرفي

من بساتين الغيابِ

فرحلنا

نحمل الوِزرَ ونرفو

خيبةَ الماءِ المريرهْ

قبل ان نكمل ذياك الذي..

كنا بدأناه الذي..

ظلَّ مهيبًا وعقيقًا

ذائبَ العزم ِ

فُتاتًا ونقيرًا.

...

...

أيها الكائنُ ما يَملي يديك

يأسكَ الحاضر.. رُبَّ

أمْ مراثي الراحلين؟!

فليكن ختمُ الحروبِ

حفنةً أخرى من الطّلعِ العفيف.

***

طارق الحلفي

................

* نَرْد: لعبة الطاولة (الطاولي) حسب المتداول في اللهجة العراقي.

* يُملي من أملى.. أَملى الدرسَ عليهِم: أَي ينطقُ بِالكلماتِ والجُملِ والآخرونَ يكتبونَ ما يسمعونه. وأَملى عليه شُروطهُ قبل توقيع الاِتفاق: أي وضعها أَمامه او فرضها عليه.

* يَملي من مَلَأَ يَملأ.. مَلَأَ الكأس وغيره: وضع فيه قدرَ ما يسَع... من الماء وغيره.

 

 

عدنان الظاهرلا أنفي عنّي ما في الشوقِ وصبِّ الزيتِ على نارِ التوقِ

إنْ غَضِبتْ أفراسُ العمرِ سألتُ الصفحَ الطافحَ أنْ يعفوَ عنّي

ورجمتُ النجمَ الساقطَ فوقَ الأطباقِ

كي أنجو وأمارسَ حاجاتِ السابحِ في نهرٍ جارِ

لا أنفي لا أتجافى لا أرفعُ صوتاً مُنحازا

صوتي في الدورِ الثاني مسجونُ

ينتظرُ الإسعافاتِ الأولى فالدربُ مجامرُ ميدانِ

رأسُكَ مفصولٌ والمدُّ العالي يدنو

إذهبْ زُرْهمْ ....

كانوا أحياءً زُرْهمْ أمواتا

قَرِّبْ كي تسمعَ أصواتا

وترى عيناً جفّتْ حُزنا

سلْها أنْ لا تبكي

أنْ لا تضعَ اللونَ الأسودَ مِطرقةً في بابِ السردابِ

ذلَّ الزوّارُ وصاروا أحطابا

لا أتوجعُ لا أضرعُ لا أسعى

الصدرُ الجمُّ نفيسٌ

السرعةُ قصوى

أقصى مّما يتوقعُ قدّيسُ

خاطبْ صوتا

لا يقوى أنْ يبقى مهموسا

إقلعْ هذا الهمَّ الشاخصَ إبليسا

ماذا ؟ ما سيقولُ الباكي مثلي للمسقي سُمّا

هل أمضي أو أغمضُ عينا

أصعدُ مِعراجَ الخطِّ المكسورِ الظهرِ

لا أرفعُ ساريّةً بيضاءَ

عينوني يا أهلَ قرونِ الكهفِّ

هل طِبتمْ نوماً أم ضِقتمْ ذرْعاً بنباحِ الكلبِ ؟

الآنَ تصبُّ مجاري أنهاري

في النجمِ الساقطِ من عالي إخفاقي

لا ينجو أحدٌ من قرعِ الطبلِ ونفخِ الصُورِ

لا الوطنُ المخروقُ ولا مُستَودَعُ أسراري.

***

دكتور عدنان الظاهر

مايس 2021

 

 

 

الحسين بوخرطةفي مساء يوم مشمس ربيعي اشتد احمرار أفقه، تكدرت أجواء حاكم شاب اسمه جبران. كان يحكم إمارة من بلاد العرب القديمة. حاصرته الحيرة في التفكير والضنى والأوق في مساعيه وانشغالاته لتحديد أولويات السياسة التنموية في بلاده. تجاوز طوال سنوات حكمه محطات حرجة. حول الجفاف أرض إمارته إلى مجال كالح أنهكته براثن الحرارة العالية، التي آضت بفعل رطوبة ظرفية إلى رصاص منصهر. أصابه شجن عميق، ولم يدر في خلده يوما أن الحر والقحط سيفلوا الصغار عن ثدي أمهاتهم، والكبار عن اخضرار الطبيعة وسواقيها وثمارها. غاص في ذكريات مقاومته للطوارئ وإخراج السهول والقمم الجبلية والوهاد والتلال والوديان السحيقة من العتمة والقنوط.

مدعوما بحضور وحنكة مستشاريه وأتباعهم الترابيين المنتقين بعناية خاصة، غاب في نوبة سهاد لدقائق معدودات منغمسا في تفكير عميق، زم خلالها شفتيه مفردا يديه مستلق على كرسي عرشه المغطى بشراشف من حرير أصيل وناعم، فتحت المشاورات وتوالت التدخلات، ونجح في إستدلاق أحزانه، وجلا من نفسه ما نفذ إليها من كرب وتذمر. توجت الجلسة بأفكار دهاقنة السياسة، ليهتدي إلى خطة سماها "خطة التمويه الإيجابي". فعلا، نباهة منطق تفكيره النفعي والناجع لا تغيب عن أحد، ولم يخطر يوما ببال أحد الاستهانة بها. لقد عرفه الرجال والنساء بفطنته ويقظته وحكمته الحادة. كانت عيناه تشعان ذكاء ودهاء، ومحياه يلمع بريقا ونبلا، وحبه للناس تجاوز المعتاد، ومكانته لدى الخليفة لا تزعزعها الدسائس والمكائد.

النفوذ الترابي لإمارته ينقسم إلى ثلاث عشائر، تتضمن الأولى اثنا عشر قبيلة مجمعة في إقليم واحد، والثانية على عشرين قبيلة مقسمة إلى إقليمين، والثالثة على خمسة وثلاثين قبيلة مقسمة على ثلاث أقاليم. لكل عشيرة عاصمة حضرية كبيرة الحجم يحكمها وال من العيار الثقيل خبرة وتجربة. مقر قيادة كل إقليم، بموارده البشرية وبناياته، شيد على تراب مدينة متوسطة الحجم. جهود إمارته التنموية المتتالية حققت تراكما في شرعية نظامه ورسخت استمراريته ملتحما بقوة مع الروح الجماعية لشعبه.

بعد خروج البلاد من ثلاث سنوات عجاف، وتحملها قساوة الجفاف وانتشار وباء خطير لا يستثني لا الصغير ولا الكبير، طلب من مستشاره الأول وحافظ سره السيد عبد العاطي أن يقدم أمام حضرته عرضا موضوعيا في شأن واقع البلاد، مطعما خاتمته باقتراح خيارات أساسية مدروسة وقابلة للتفعيل، تيسر اعتمادها في بلورة سياسات السنوات الخمس المقبلة.

تم الاجتماع بحضور نوابغ حاشيته. حددت المحاور والخطط التنفيذية بالتفاصيل المملة وسيناريوهاتها البديلة. تم إقرار ارتباط مردودية تراب الإمارة بالقدرة التأطيرية لعواصم العشائر كأولوية ثم عواصم الأقاليم في المرتبة الثانية. توزيع اعتمادات الميزانيات على المجالات القبلية هو بمثابة صب الماء على الرمل. مردودية الموارد المالية المتوفرة هي مرتبطة بهذا القرار الحيوي. حبكت الخطط التفعيلية بذهاء لضمان دعم، أو على الأقل، حياد شعب الإمارة، والحيلولة دون نشوب احتجاجات القبائل ومطالبتها بنصيبها.

تم تخصيص لكل قبيلة رصيدا ماليا لتنميتها. أعطيت التعليمات لعقد اجتماعات تقريرية في تاريخ محدد في بيت رئيسها بحضور أعيانها لصياغة المشاريع التنموية المناسبة. اشتدت داخل الجموع الصراعات والعنف اللفظي، بل والجسدي أحيانا. رفعت التقارير إلى الأمير. نفس الوضعية النزاعية تكررت بحدة أعنف في جموع ممثلي الأقاليم. ألغي الخياران القبلي والإقليمي، وتم التركيز على عواصم العشائر.

مرت ثلاث سنوات بسرعة، لتنعم الإمارة بعواصم عشائرية جذابة بقدرة تنموية عالية لمحيطاتها الترابية. تحولت إلى وجهة مستقطبة لرؤوس الأموال والزوار، وفضاءات اقتصادية وإدارية ذات مردودية قصوى. جهزت بالطرق السريعة، والفنادق المصنفة، وببنية تحتية أنجزت بمعرفة وتقنية عاليتين، وشيدت العديد من بنايات المؤسسات الإدارية والقضائية والاجتماعية والإعلامية والرياضية والثقافية والترفيهية في الأماكن المناسبة. ازدهر الإعمار بشوارعه الواسعة ومواقف السيارات تحت-أرضية، ومساحاته الخضراء الزاهية.

تحولت هاته المدن في ظرف قياسي إلى أقطاب جذابة اقتصاديا وترفيهيا. أصبحت منفذا لرؤساء القبائل وأتباعهم ولذوي النفوذ السياسي والاقتصادي. يحج إليها الملايين في نهاية كل أسبوع، وكذا لقضاء العطل الدورية السنوية. مستوى جلب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية ارتفع إلى أعلى مستوياته القياسية. لقد ارتفعت نسبة النمو وحقق تراب الإمارة معدلات مبهرة في إنتاج القيمة المضافة.

 

الحسين بوخرطة

 

 

حيدر عاشورطوالَ الليل لم يتركوني أنام. هو يفرغ فيّ كل تعب النهار، والأطفال من حولي نصف يقظين أو يدعون النوم.. أرفع رأسي خِفيةً، أحدق بعينين حذرتين، وقلبي متألم غير دارٍ لتعاسته، منتظرة ساعة انتهاء نشوته المثابرة غير -الشبعية-.. متلهفة، مستلبة الإرادة. أصغي إلى لهاثهِ، لكل قلقه، أشمّ رائحة الخمر.. أعرف أية متعة له، وأنا لا حاجة بي إليها ولكنني لا أرفض طلباً له.

كانت ليلة طويلة، والغرفة ضيقة والجو صقيع، شعر بي لأول مرة.. نظر في وجهي مقطباً غاضباً. وأنا أقول له: سأعلي من شأنك في الحياة، سأخرجك من هذه الغرفة النتنة ، سألبسك وألبس أطفالنا من الماركات ما يحلم بها كبار السياسيين وقادة البلاد. سأحقّق لك ما لم تستطع تحقيقه، سأجلب لك السمك واللحم والمشروب بدل -فلافلك- اليومية. فقط لا تخرج من البيت..!؟، ولا تسألني في أي سوق أتاجر..؟ أو تسألني ماذا صنعت لك..؟. كان باستطاعتي أن أفعل هذا الأمر أو ذاك دون علمك، لكن أنا حبيبتك، أنا لك.. دعني أتاجر بالخبرة بدلا من حكمة الفقر.

كان يسمعني دون أن تتحرك عضلة واحدة في وجهه، وهدوؤه يُرعب روحي، انتظرت عاصفة رجولته طويلاً لكنه غرد: كيف يمكنني التنفس هنا، فالغرفة أشبه بقبر...؟.

هذه الكلمات كانت طير السعد لي، فطرت مع الفجر إلى سماءٍ حمراء أغني بلا أرادة مني، أتوارى في النهار تارة، وفي الظلام تارة أخرى فخبرت علاماته الخفية، منطوية على سرّي كدم الأضاحي حين لا يستطيع ارتفاعاً يظلُ مطروحا عند الأرجل.. اشتهرتُ بفعلي عند ناس، واشتهرت بحزني عند آخرين وانتقلت من حالٍ إلى حال.. ولم ينته طريقي البطولي ولا شيء يوقفني عن جني ثروة تنغنغ بها زوجي وأنا أشعل كل يوم مصابيح العار في بيت هو سيدته وأنا مُسترجلته، يأتي اليّ حالما أناديه. هذا القوي المتين الذي يحمل على ظهره أطنانا من المواد كالحمار ويرجع إلى البيت يأخذ حقه الشرعي مني أكثر من مرة، وأنا جثة جامدة. اليوم أنا سيده، أنهره واشتمه وهو يقول لي: أنا حبيبك الوفي.. ويقبّل تنورتي قبل شفتي. ويهمس لي: زوجتي أنت فنانة عظيمة، لا تطرديني من جسدك.

 ورفع يده التي تحمل تعيينه اليومي من مشروبه الروحي، ومسًّ رأسي مسّاً خفيفاً وهو يحدق بي بعينين ذابلتين على طول جسمي: لا أعبأ بعملك، لا أعبأ بأسرارك. عملي هو تربية الأطفال ومتابعة تنظيف ملابسك وترتيبها وتجهيزها لمشروعك التعبوي من أجل بيتك.. أنك تجهُدين أجهزتك من أجلنا فمن غرفة بائسة إلى شقة فارهة وسط شقق كبار المسؤولين والميسورين، وسمعتنا يحلف بها القاصي وداني..

راقني جداً حديثه، وفرحت وشعرت بسعادة الانتصار؛ فما دام قانعا بأنوثته بهذا المقدار فليبقَ منحنياً على قدمي بهذا الشكل الحلو.. وأنا في كل يوم يمرّ ازداد ثراء، ولكثرة ما جمعت لم أعد أخشى أيا كان.. أصبحت حكومة منفردة في ثراء نفسها، أسكن الأبراج العالية ومنها أرى الفجر الذي طرد منه ولم أعد إليه كما كنت، ولم يندم قلبي لشيء، فقد زرعت لا غير، وزوجي حصد راحته بفقدان ذكورته وسلطانه على جسمي. وبين نفسي أشكره على شجاعته وملازمته لي.. كم من طرقٍ ملتوية عبّر معي، والسنين تمرُّ في هدوء. والريح الهائجة تلفح قلبي فأقع فأصبحت شخصاً آخر يتألم، أطفئ عطشي الجديد بلذة الحب لا بلذة الجسد.. فأنا جسد بلا لذة، أرض تعطي بلا أحساس.. لكن الآن قد مسّ اللهب السماوي قلبي النائم، بعد أن كنت سريراً مشاعاً لكل من يدفع لي. فالصائد مدّ شبكته فصاد طيرة الفجر.

كان لقاؤنا الأولى مخيفاً لي، فهو ضخم وجميل، وما كنت أصدّق إن قلبي سيُفتن بشخص ما، يظل عالقاً بروحي كظلي، يفقدني راحة البال. كل دقيقة كانت معه تنقلني إلى عواصف غبراء تعمي بصري.. سريعاً ما انسى أمسي فقررت الهروب إلى مجهول معه. فقد صاغ الحياة لي بالكلام، وحرث بي متعة ما شعرت بها وأنا انتقل مثل الريشة في غابة الليل. لم أعد أرى شيئاً سوى أن أتخلّص من حياتي الماضية، قلبي بالرغم مني يحثني على  أن أحرق الماضي، أن أقتل المخنّث حين يتلفّظ بالقرب مني.. يطيب لي بعد طيران طويل ومال وفير أن أتنفس الحب، أصغي لقسوة أعنف لجسدي.

وعلى سرير الحب أقترح حبي خطة التخلّص من الماضي بأثر رجعي، أن أعيد زوجي إلى ماضيه، أن أحرمه من جميع اللذات، أعيده إلى أكل – الفلافل-. حتى خرج صوتي وصوته عالياً من نوافذ وأبواب الشقة.. كصرير حفارة العمارات العالية، كالانفجارات المجانية، تهب وتقتل وتهدئ.. ونساء ورجال البيوت المجاورة هبّوا كالريح من الجهات الأربع دخلوا بيننا ليخفّفوا المعارك اليومية، ملّوحين وملّوحات وينقلن عليّ نظرات الاستعطاف وعليه نظرات الاستنكار..

وبهذا الجو المشحون بالجيران، وقف زوجي ليعلن محكمة قاضيها سكان العمارة وهو بقضائهم راضٍ قانع سينفّذ كل ما يطلبونه.. سألوا ماذا مشكلتك مع زوجتك..؟

قال وبكل صراحة وبصوت عالٍ ولم يرفع عينيه وهو يشير بيده إلى مائدة الطعام : هل هذا عشاء من تكون زوجته مومساً من الدرجة الأولى..؟!.

  صحوت على صوت الممرضة وهي تقول أيتها المسترجلة: عشاؤك هذا المساء في المصّحة -فلافل- لم يزركِ هذا الأسبوع أحد...

***

قصة قصيرة

حيدر عاشور

 

عبد الستار نورعليالناسُ كلُّهمو وَقْفٌ على قـــدمِ

امامَ نوركَ سطّاعاً على الأممِ

 

مدينةُ العِلــمِ أنتَ البابُ تُشرعُها

بالنـور تغمرُها فيضـاً مِنَ النِعَـمِ

 **

هذا عليٌّ وما في الكـونِ مِنْ عالي

إلّا الإلـهُ، رسـولُ اللّـهِ، والـعـالي

 

الحقُّ في إثرِهِ يجري، ومِنْ فمِهِ

فنُّ البلاغـةِ مِنْ عالٍ إلى عالــي

**

هذا عليٌّ، رسولُ اللهِ ولّاهُ

مَنْ مثلُهُ واحدٌ دنياهُ أُخراهُ

 

تزيَّنَتْ ببهـاءِ النورِ طلعتُـهُ

فيهِ العدالةُ يُمناهُ ويُســــراهُ

**

هذا عليٌّ وطُهرُ البيتِ مصباحُ

الرِجسُ مُنتَبَذٌ والحُسنُ وضّاحُ

 

"البيتُ لا يُبتَنى منْ غيرِ أعمدةٍ"*

وذا عمـادٌ ، وصـدرُ البيـتِ بـرّاحُ

**

هذا عليٌّ، ونهجُ الحقِّ ديدنُــهُ

قد كانَ كلُّ خليِّ الحقِّ يُحزنُهُ

 

يبـيتُ فــــــي ليلهِ غرثـانَ مُتّـكِـئاً

 على الرِضا ورضاءُ اللهِ يحرسُهُ

**

هذا عليٌّ، علــــــيُّ القولِ والفعـلِ

ذا خيبرٌ وارتوى منْ فعلهِ الفَصْلِ

 

الدربُ في دربـهِ ينبوعُ صافيةٍ

كلُّ الخليقةِ ظمآنٌ إلــــى النَهْلِ

**

هذا عليٌّ وإنْ قلْنا فما كفَّتْ

أقوالُنا فيهِ تعداداً وما وفَّـتْ

 

فيهِ الخصـالُ محيـطٌ لا قـرارَ له

ما منْ سطورٍ توافيها وإنْ شدَّتْ 

***

شعر: عبد الستار نورعلي

السويد الخميس 2021

............................

* تضمين من قول الأفوهِ الأوديّ:

والبيتُ لا يُبتَنى إلّا لهُ عمدٌ

ولا عِمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ

* منْ نِعَمِ اللهِ سبحانهُ وتعالى أنّي وُلدْتُ يومَ عيدِ الغديرِ الأغرّ.

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيَّة ..


سأرحلُ في الوجـــــدِ حتى حدودِ الندمْ

لأني تشبثتُ يوماً بما كانَ محضَ عدمْ

**

جلوساً على أغصنِ الأنجمِ

وكبرُ الحديقةِ كونُ السماءْ

 

سأمـــــلأُ بالدرِّ هـــــذا الاِناءْ

دواءً لكلِّ فؤادٍ، طعاماً لكلِّ فمِ

**

سأكتبُ اسمي بأبهى اللغاتِ أنا العربيْ

ففي لغتي ومضُ بَرقٍ وزخاتُ غيثٍ وصوتُ نبيْ

**

سأنظرُ نظرةَ وجدٍ لكونِ النجومْ

وأقولُ بأني كريمْ

وبيْ مِن عطايا الحبيبِ العظيمْ:

عظامي ولحمي وقلبي وروحي وناري وماءُ دميْ

**

سأرحـــــلُ مبتهجَ القلبِ حتى وراءِ حدودِ المدى

ويكتبُني النجمُ في ذمةِ اللهِ حيَّاً، وصوتي الصدى

**

سأقولُ لِمَنْ سجَّلَ الاِسمَ في دفترِ الشعراءْ:

بربِّكَ اِقرأْ ، ترنَمْ ، ولا تخشَ مِن عسسِ الليلِ والخفراءْ

**

سأقولُ بأنَّ البلادَ التي أنجبتْني بلادُ البلادْ

وأنَّ البياضَ الذي يغمرُ الكونَ نوراً ستهديهِ أرضُ السوادْ

***

كريم الأسدي - برلين    

..............

ملاحظتان:

1ـ زمان ومكان كتابة هذه المقاطع: في اليوم الواحد والثلاثين من تموّز 2021 ، في برلين .

2 ـ هذه المقاطع جزء من مشروع شعري طويل بعنوان (مثنويّات ورباعيّات عربيَّة) يشتغل عليه الشاعر كاتب هذه السطور منذ أعوام، ونشر العديد من أجزائه، وينوي من خلاله محاورة التراث الشعري والأدبي العربي والشرقي والعالمي، وسبق للشاعر ان قدَّم للقرّاء نبذة عن حيثيات المشروع وأهدافه ومواضيعه وأساليبه.

 

 

 

مصطفى معروفييغريـــه تبر الأماســــي حيــن تنبــثقُ

في جحفل من  شجــــون ليس يتــسق

 

ما كـــان ينـــكــــره ما عاد ينـــكره

البحر  ينداح في عينــــــــيه والأفُقُ

 

سحائب الألم المـــجـــنـون وانفتحـتْ

حتى انبرى يرتدي طين المدى الشفقُ

 

أقعى عــلى قلـــق فــــــي رهْوِه نُذُرٌ

ينمــو فجـــــاجا على سيقانها الأرقُ

 

يضج للمـــشـــتـهى مسفــوح وشوشة

يسقي امتزاجَاتها بالــــــدهشة الفــلـقُ

 

أعيا منــــاحيه طـــــــرّاً أنــه غبش

وأنه بابُ ليـــل خانـــه الغســــــــقُ

 

رأيت للدجْـــنةِ الخـــــنـــثى منــاكفةً

يندُّ عن وجْهِ مـــا في كفـــــها اليَقــقُ

 

و الماء فـــي فمِ نهرٍ من ســــــذاجته

لغـضّ أشـــلائه الأنواءُ تــــخــتــرقُ

 

يا حسرة القمـر الصاحي على رهَـجٍ

متى تمــــرَّدَ  في أنفـــــــاسه الرمقُ

 

يمشي بطـــــيئا نحيلا مثل ذي ورعٍ

أهاج في جفــنــه رُمْــحَ القذى رهقُ

 

يهفو المحاق إلـــيه لا اصطـبــارَ له

نارا غـــــزاها لأكل الشمعة الشبَـقُ

 

ما كان أمري مريــرا هكــذا، سئمـتْ

منه الدياجير والأطـــيـــاف تنسحقُ

 

لهفي عليه يــداري محْضَ  عوسجة

كان اسمَها  في سجلّ الغيمة النـزقُ

 

الوقـــت أرمــــلة والنــاي أنمــــلة

و البحر أرجــــوحة أمــواجها مهَقُ

 

أرى البروق بصـــدر البيد وامضة

وإن خبتْ نفضتْ أسمــالَها الطرقُ

 

قوافــــل البيدِ لــــم يطــفحْ لها لغَبٌ

كأنما أنْ يطيــــــــشَ الهدْب مختلقُ

 

سلوا الغراب إذا ناست رؤاه، أهلْ

عليه حرَّضَ غُولَ الظلـمة الألــقُ؟

 

أرى الجــداولَ لا تجري كعـادتـها

إنْ من مزاعمـــــها لم يسْلَمِ الحبـقُ

 

أمشي وكلي وضـــوحٌ إنني رجلٌ

بالمشي في جــوفه لم يغْرِني نفـقُ

 

مزادتي ليس تأوي غـــــير ذاكرةٍ

 /يقتات من رحلتي نحو الغد القلقُ

***

شعر:مصطفى معروفي

 

 

عناد جابرعبَقٌ يُشاكِسُ غَفوَةَ اللهفةْ

يُسرِجُ خيلَ الشّوقِ

في غَمرةِ الهُجوعْ

يُغازِلُ بَواباتِ غيمٍ مؤجلْ

فوقَ أرضٍ عطشُها في إجازةْ

يدقُّ طبولَ الأسحارِ

لصائمٍ أصمّ ...

عَبَقٌ يطرقُ بابَ سُباتٍ

ضاعت ْمفاتيحُهُ

يعزِفُ على وترِ العبَثِ

لحنًا مخمورَ الإيقاعْ

تذروهُ الرّيحُ لكلّ اتّجاه

ويظلّ صَداه

يطرُقُ أبوابَ الأسماعْ

***

د. عناد جابر

 

علي القاسميكنّا ـ نحن الأطفال ـ نسمّيها "جزيرة الرشاقة". وكان بعضنا يتقعَّر في كلامه فينعتها بـ "جزيرة الرشاقة والأناقة". أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث.

كنا نسمّيها "جزيرة الرشاقة" لأنّ بناتها وأبناءها الذين راحوا يأُمّون بلدتنا الصغيرة، كانوا على قدرٍ مدهشٍ من رشاقة القوام، وأناقة الهندام، والنشاط، وخفّة الحركة. قاماتهم طويلة، ولمعظمهم شَعرٌ أشقر، وعيونٌ زرق أو خضر، وملامحُ وسيمة، ووجوهٌ مشرقة، وابتساماتهم أخّاذة.

كانوا يفدون إلى بلدتنا سُيّاحًا من نوعٍ خاصّ، فلم يكُن فيها ما يسلّيهم. فليس ثمّة دور للهو، ولا مسارح، ولا قاعات للسينما، ولا دور للقمار، ولا منتجعات سياحيّة مزوَّدة بملاعب رياضيّة أو مسابح أولمبيّة، ولا أسواق عامرة بأصناف البضائع اليسيرة الأثمان. لم يكن في بلدتنا ما يغريهم بالقدوم إليها. فهي مجرَّد مجموعة من الدور البائسة ذات الطابق الواحد، المبنيَّة من الطين أو الآجر، المُسقَّفة بالجَرِيّد (سعف النخيل)، يتوسّطها مسجدٌ صغيرٌ، وبنايتان متواضعتان لرجال السلطة. ومع ذلك كانوا يأتون إلينا باستمرار جماعاتٍ ووحدانًا.

كان مركز الجذب الوحيد لهم تلالٌ تقع بالقرب من بلدتنا، وتضمُّ مدينةً بابليّةً قديمة يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف سنة، لم يبقَ منها إلا أطلالٌ وخرائب. إنّها بالأحرى آثار مدينة مندثرة. مجرَّد شوارعٍ مهجورة، وقاعاتٍ بلا سقوف، وأعمدةٍ رخاميّةٍ متصدِّعة، وجدرانٍ متهدِّمةٍ نُحتت عليها كائناتٌ غريبةُ الأشكال، بعضها برؤوسٍ حيوانيّةٍ وأجسامٍ آدميّة، وبعضها الآخر برؤوسٍ بشريّةٍ وأجسادٍ حيوانيّةٍ مُجنَّحة. وكانت ترتفع في أحد ميادين المدينة المُكفَّنة بالترابِ، مَسلَّةٌ حجريّةٌ، عليها كتاباتٌ مسماريّةٌ ونقوشٌ وزخارف. وكان في مدخل المدينة، تمثالٌ ضخمٌ من حجرٍ صلدٍ لأسدٍ مرعبِ المنظر، يربض على صدرِ امرأةٍ جميلةٍ مستلقيةٍ على ظهرها.

كان أولئك السيّاح الشقر يطوفون في أرجاء تلك الأطلال، يتملّون جنباتها، وهم يسترقون النظر إلى كُتب يحملونها بأيديهم، أو يستمعون إلى دليلٍ يرافقهم ويزوِّدهم بالشروح. وكنّا نحن الأطفال نعجب لهذا الاهتمام الذي يبديه أولئك السيّاح بخرائبَ لا تنفع ولا تضرّ، وهي تقبع في مكانها على مرمى حجرٍ مِنّا منذ آلاف السنين ولا نعيرها بالاً، أَو بالأحرى نحن الذين نسكن بالقرب منها وهي لا تعيرنا اهتمامًا. كلُّ ما تعلّمناه عنها في المدرسة الأوليّة الوحيدة في البلدة، أنّها بقايا حضارةٍ قديمةٍ عظيمةٍ، قامت وسادت، ثمَّ انهارت واندثرت، ولم يبقَ منها إلا تلك الخرائب.

كان بعض أولئك السيّاح ذوي الأجسام الرشيقة والوجوه المشرقة، يبتسمون لنا نحن الأطفال عندما نتجمّع حولهم ونحملق فيهم، ويقولون لنا كلامًا بِلغتهم لا نفهمه، فنحسبه تحيَّة مودَّة، لا سيَّما أن بعضهم كان يشفع ما يقول، بقطعة حلوى يعطينا إياها. وكان عددٌ من شباب البلدة الذين يجيدون لغة السياح، يقتربون منهم ويتبادلون الحديث معهم ويرافقونهم أحياناً إلى الفندق الذي ينزلون فيه لليلة أو ليلتين على الأكثر، وهو بناية من طابقين تطل على الخرائب.

وتسرَّبتْ إلينا، عن طريق أولئك الشبان، أخبارٌ استقوها من محادثاتهم مع السيّاح ومن الصحف والمجلات التي يرمون بها بعد الانتهاء من مطالعتها، فيتلقّفها الشبان. أخذنا نسمع قصصًا ورواياتٍ أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الذي نعرفه، قصصًا مضخَّمةً فيها كثير من المبالغة والتهويل عن حياة أولئك السيّاح، ورفاهية بلادهم، فتأسر أسماعنا وتبهر عيوننا، ونبني منها قصورًا في مخيلتنا، تخلو منها بلدتنا ذات البيوت المتراصة المتواضعة.

سمعنا أنّ بلادهم غنيّة عامرة بالمصانع المُنتِجة والمزارع المُثمِرة، وأنّ الناس هناك يمتلكون الدور الجميلة والسيّارات الفارهة التي تفتح بوابات المرائب بأضوائها، وأنّهم يأتون إلى بلادنا بالطائرات التي لم نرَها نحن إلا مُحلِّقة في السماء، أو بالبواخر الفخمة. وكلّ باخرةٍ تضمُّ مطاعمَ راقية، وملاعب، ومسابح، ومراقص ليليّة يُمضي فيها الركاب سهراتهم، راقصين على أنغام الموسيقى التي تعزفها فرق موسيقيّة، حتّى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، ثمَّ يأوون إلى مقصوراتهم المجهَّزة بأَسِرّةٍ مريحةٍ، وفرشٍ وثيرةٍ، وحماماتٍ نظيفة.

وعلمنا ذات يوم أنّ أحد أبناء البلدة سافر إلى جزيرة الرشاقة للدراسة في إحدى جامعاتها الراقية. وتهامس بعضنا باستنكار:" إنّه قرر الإقامة هناك ولن يعود!" وتساءل بعضنا الآخر: " وكيف يرضى أهله بذلك ؟!" وجاء الجواب: " إنّه يبعث إليهم بالمال والهدايا، وقد ظهرت عليهم أمارات الثراء." وقيل لنا إنّه ليس الوحيد الذي يهاجر إلى جزيرة الرشاقة، فهناك مثله الآلاف من جميع أنحاء العالم، ومنهم مَن يواتيه الحظّ، فيصبح من أصحاب الملايين.

وأغرقت القصص، التي كنّا نسمعها عن جزيرة الرشاقة، في الخيال عندما أخذت تتناول أخبار المخترعات والمكتشفات المذهلة، مخترعات لم نسمع بها من قبل: تلفزيون يأتيك بصور الناس وأخبارهم من أماكنَ نائيةٍ، كما كان يفعل جنُّ سليمان، وإنسانٌ آليٌّ يحلُّ محلَ العمّال في المهمّات الشاقَّة، ومركباتٌ فضائيّةٌ تسبح في الكون كالكواكب قاصدة القمر والمريخ، وعقولٌ إلكترونيَّةٌ تأتي بالعَجب العُجاب.

ولكنّ الحكايات التي كان يسيل لها لعابنا، وتأخذ أفواهنا بالتلمُّظ عند سماعها، كما يفعل الهرّ وهو يترصّد فأرًا صغيرًا من بعيد، هي حكايات الطعام والمطاعم في جزيرة الرشاقة. فقد بلغَنا أنّ أسواقهم زاخرةٌ بأصنافِ اللحوم والأسماك والطيور والحبوب والفواكه والخضار. وكلُّها تباع بأزهد الأثمان.

وأعجب ما في جزيرة الرشاقة مطاعمها الفاخرة الكثيرة، المنتشرة انتشار الفُطْر في البادية أيام الربيع. فبينَ كلّ مطعمٍ ومطعمٍ مطعمٌ. وتفنَّنت المطاعم في إرضاء زبائنها وتلبية رغباتهم بأسرع ما يمكن دون طويل انتظار. فعندما تلج بعضها وتجلس إلى الطاولة التي تختارها، تجد عليها قائمة الأطباق وأمام اسم كلّ طبق زِرٌ، فتضغط على أزرارِ الأطباق التي ترغب فيها، فتُضاءُ إشارةٌ في المطبخ تحمل رقم طاولتكَ وأرقام الأطباق المطلوبة، فيجلبها النادل إليكَ فورًا.

واتّبعت مطاعمٌ أُخرى طريقةً مختلفةً؛ فعندما تلجها، تجد مائدةً عامرةً بأصناف الطعام وألوان المآكل، فتختار منها ما تشاء وتملأ صحنك بنفسك، ثمَّ تعود وتملأه ثانية وثالثة، وتأكل كلَّ ما تشتهي نفسك حتّى تشبع، دون أن يزيد ثمن الوجبة المحدَّد سلفًا. وعندما تجلس إلى إحدى الطاولات، وتضع صحنك العامر بالطعام أمامك، يسرع إليك النادل بكأسٍ من الشراب الذي تفضّله، وقبل أن تشربه كلَّه يملأُه النادل مرّة ثانية وثالثة ورابعة، دون أن تدفع ثمنًا إضافيًّا لما تشرب. وتختم وجبتكَ بأصناف المثلَّجات اللذيذة وأنواع الحلويات الشهيّة التي تنتقيها بنفسك من عربةٍ متحرِّكة يجلبها النادل إلى طاولتك.

وضحكنا كثيرًا عندما قال أحدنا:

ـ " والطهاة والندل والسقاة هناك يتخرَّجون في الجامعات."

وسأل أحدنا ساخرًا:

ـ " أتصدّق أن الطهي يحتاج إلى دراسات جامعية؟! دكتوراه في الثريد مثلاً!"

وأيّده ثالث قائلاً:

ـ " أمهاتنا يطبخن ولم يتعلَّمن حتّى في مدرسة ابتدائية."

واعترض آخر قائلاً:

ـ" ولكن أخبرَني أخي الكبير بوجود كُتُب متخصِّصة بإعداد الأطباق المختلفة."

وحتّى ذلك الحين لم نكُن رأينا في بلدتنا من الكُتُب إلا كُتُب القراءة والحساب المدرسيّة.

ويبدو أن أهالي جزيرة الرشاقة اكتسبوا ولعًا خاصًّا بالأكل، لوفرته وجودته ومذاقه اللذيذ؛ فكثر الإقبال على المطاعم، حتّى صارت تفتح أبوابها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، وهي تقدِّم لك ما تشتهي نفسك من وجبات دون التقيّد بأوقاتٍ معيَّنة. فتستطيع أن تطلب من النادل أن يأتيك بوجبة عشاءٍ غنيّة باللحم في أوّل الصباح، وتطلب وجبة الفطور في المساء، وتجمع بين وجبتين وقت الغداء، فأنتَ حرٌّ في اختياراتك. وجزيرة الرشاقة هي جزيرة الحرِّيَّة كذلك. وكلُّ واحدٍ حرٌّ في أن يأكل ما يشاء، ومتى ما يشاء، وحيثما يشاء، وكيفما يشاء. يتناول طعامه واقفًا، أو جالسًا، أو ماشيًا؛ في المطعم، أو المنزل، أو المدرسة أو المعمل، أو في السيّارة.

والمطاعم في جزيرة الرشاقة مجهَّزة بما يلزم لتلبية رغباتك. فقد ابتكروا صينيّات من الورق المقوّى يُحمَل فيها الطعام، وأواني وملاعق وشوكات بلاستيكيّة تُرمى بعد استعمالها مَرَّةً واحدةً، وأكوابًا مُغلقةً تخترق أغطيتها أنابيب ورقية تمتص بها دون أن يندلق السائل منها وأنت تشرب وتسوق سيّارتكَ في الوقت نفسه. وكان يصعب علينا تصوُّر جميع تلك الأدوات لأنّنا كنّا نأكل بأيدينا.

وأخذت مصانع السيّارات تستجيب لاحتياجات أهل الجزيرة الغذائيّة، فرُكِّبتْ أدواتٌ إضافيّةٌ في السيّارة أمام السائق، حواملُ معدنيّةٌ تُثبَّتْ فيها أكواب الشراب وصحون الطعام، وهكذا لا ينقطع صاحب السيّارة عن الأكل والشراب وهو يقود سيّارته. وتنافست شركات السيّارات في إرضاء أذواق الآكلين، فوضع بعضها ملعقةً آليَّةً أمام السائق تحمل الطعام له من الإناء إلى فمه دون أن يلوي عنقه أو يستعمل يده.

أمّا الذين يفضّلون البقاء في منازلهم لمشاهدة برامج التلفزيون أو مزاولة ألعاب الحاسوب، ولا يرغبون في تكليف أنفسهم مشقَّة الذهاب إلى المطعم، فما عليهم إلا مهاتفة مطعمهم المفضَّل، فتصلهم أكلاتُهم إلى منازلهم خلال دقائق معدودات. فالأطباقُ مُعدَّة سلفًا في مطبخ المطعم، وتسخينها بالمايكرويف لا يتطلَّب إلا بضع ثوان، ونقلُها من فرع المطبخ الأقرب إلى دارِكَ على دراجةٍ بخاريّةٍ فائقةِ السرعة، والطَّعام مُدثَّر بلحافٍ خاصٍّ يحفظ حرارته، لا يستغرق أكثر من دقائق. وسيوضع الطعام إلى جانبك لتتناوله، وأنت تستمتع بمشاهدة برنامجك التلفزيونيّ المفضَّل، ممدّدًا على كرسيّك الطويل المريح.

كنا نكبر بمرور السنوات، وتكبر معنا مداركنا. فصرنا نستوعب ما نسمع بصورة أفضل، ونحلِّل ما نرى من مظاهر وأحداث بصورةٍ أعمق، ونفهم. واستمرت الأخبار تصلنا عن وفرة الإنتاج وكثرة الطعام في جزيرة الرشاقة. سمعنا أنّ حكومتها تلقي سنويًّا بآلاف الأطنان من القمح والرز في البحر، وترمي آلاف القناطير من الزبدة والحليب في البحيرات، لتحافظ على ارتفاع الأسعار وأرباح المزارعين. وكان التصحُّر آنذاك يحاصر قريتنا، والجفاف يمتصّ النسغ من جذور نباتاتنا وأغصانها، فيحيلها هشيمًا تذروه الرياح. ويجوع الفقراء.

وأخذنا نشاهد أثر الرفاهيّة والترف على أهالي جزيرة الرشاقة الذين يفدون إلى بلدتنا. فقد أخذت أجسامهم تزداد طولاً وعرضًا وضخامةً وقوة. لا بُدَّ أنّهم يأكلون اللحم بكمياتٍ هائلةٍ، فتنمو عضلاتهم، وتمتلئ كروشهم، وتتضخّم أردافهم. وراحت حافلاتهم التي تقلّهم إلى بلدتنا توسِّع من مقاسات مقاعدها لتتَّسع لهم. وصرنا نراهم وقد أمسوا أقرب إلى الجاموس منهم إلى الأشخاص الطبيعيِّين، بسبب انتفاخ وجوههم وبطونهم، وترهُّل صدورهم، وتضخُّم أطرافهم. ولم نعد نسمّي جزيرتهم "جزيرة الرشاقة".

وبتضخّم أحجام الناس طولاً وعرضًا وثخنًا، تغيَّرتْ مقاسات الأشياء في الجزيرة. فأصبحت شركات الأثاث تصنع أسِرّةً أكبر حجمًا وأصلب عودًا، ومقاعدَ أوسع وأقدر على الاحتمال. وبعد أن كانت في الجزيرة بضعة محلات متخصِّصة بالملابس الكبيرة الأحجام، أصبحت هذه المحلات هي المعتادة. وأخذ البناؤون يوسِّعون الأبواب ومساحات الغرف والممرّات والأدراج في العمارات.

وتضاءل وصول السيّاح من الجزيرة إلى بلدتنا. وسمعنا أنهم صاروا أبطأ حركة، وأعسر تنقلاً، بسبب ثقل أجسامهم، وأنهم صاروا يفضِّلون البقاء في منازلهم وتناول أكلاتهم الشهيّة. ولعلّهم لا يجدون ما يكفيهم من الطعام إذا خرجوا من جزيرتهم. بل أكثر من ذلك، تناهى إلى أسماعنا أنّ كثيرًا من أبناء الجزيرة يفضِّلون عدم الذهاب إلى العمل من أجل البقاء في بيوتهم ومواصلة التهام الطعام، قانعين بما يحصلون عليه من راتب الضمان الاجتماعيّ الجيِّد المخصَّص للعاطلين عن العمل. لقد أدمنوا على تناول الطعام حتّى صارت عادة الأكل جزءًا من طبيعتهم.

وأخذنا نسمع أخبارًا يصعب تصديقها. سمعنا، مثلاً، أنّ الشرطة في الجزيرة تضطر بين آونة وأخرى إلى خلع باب إحدى الغرف وتوسيعه أو إزالة السقف، لمساعدة رجل تعذّر عليه الخروج من الباب بعد أن أمضى شهورًا في مسكنه وهو يأكل ويأكل. وتواترت الأخبار عن مثل هذه الحالات حتّى أصبح الأمر لا يثير أيّة غرابة في الجزيرة. ولم تتوقّف نجدة المحاصرين (وهو المصطلح الذي أُطلق على الذين لا يستطيعون الخروج من مساكنهم من فرط السمنة) إلا بعد أن تضاءل عدد أفراد الشرطة الذين يمكنهم الدخول من الأبواب.

وتكاثر غياب العمّال عن مصانعهم، وازداد تغيُّب الموظفين عن مكاتبهم، ولجأت الإدارات إلى تمديد فترة تناول وجبة الغداء إلى ساعتيْن وثلاث ساعات بدلاً من الساعة الوحيدة المقرَّرة سابقًا، ترغيبًا للناس في العمل. واتّخذت معظم الشركات إجراءات تشجيعيّة متنوِّعة مثل زيادة فترات تناول القهوة أثناء العمل، فكلّ ساعة عمل تعقبها ساعة استراحة لتناول القهوة. ولم تعُد كلمة القهوة في الجزيرة تعني ذلك السائل المعروف، وإنّما جميع ما يرافقه من حلويات ومعجَّنات ومكسّرات ومقليّات ومشويّات، إلخ. وأصبح العمّال يأكلون ويأكلون ولا يعملون.

وبالرغم من جميع تلك المُغريات انخفض الإقبال على العمل، واضطر كثير من المؤسَّسات والمصانع إلى تقليل الإنتاج، وبعضها أغلق عددًا من الأقسام أو أوقف طائفةً من الخدمات، وبعضها الآخر أوصد أبوابه. ولم تجِد المنازل، التي هي في حاجة إلى ترميم، مَن يرمَّمها، ولا الآلاتُ المعطوبة مَن يُصلِحها. وتوقَّفتْ آلاف السيّارات عن السير في الشوارع، لأنّ أبوابها الضيقة لا تسمح بدخول أبناء الجزيرة فيها. وسرى الخراب في جميع أنحاء الجزيرة كما يسري

الجرب في البدن، حتّى تصوّرنا أنها ستمسي بمرور الزمن شبيهة بأطلال تلك المدينة البابليّة القابعة بالقرب من بلدتنا.*

***

قصة قصيرة

علي القاسمي

..........................

* من المجموعة القصصية:

علي القاسمي. أوان الرحيل ، ط 5(الدار البيضاء: دار الثقافة ، 2019).

وكان الأديب العراقي الشاعر الناقد الروائي الدكتور محمد صابر عبيد قد خصَّ هذه المجموعة بكتاب نقدي كامل:

ـ محمد صابر عبيد. حركية العلامة القصصية، جماليات السرد والتشكيل، ط2 ( بيروت: المؤسسة الحديثة للكتاب ، 2014).

والكتابان متوافران في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.

* للاطلاع على دراسة الأستاذ الناقد حسين بوخرطة على قصة د. علي القاسمي:

الحسين بوخرطة: تخمة شمالية ومصير عربي

 

هشام بن الشاويإلى: صديقي إبراهيم..

هناك في الأعالي!

قضيت عطلة العيد في بادية داهمتها المدينة، كنت على أهبة البكاء لسماع دقيقة واحدة، بل نصف دقيقة من هذا التغريد، مع أنني لم أكن أعبأ به من قبل!

https://www.youtube.com/watch?v=J8VHkusdNJQ&t=19s

في ربيع العام الماضي، الذي تزامن مع تجربة حجر صحي بكر، لم تندمل جراحه بعد.. كنت أطارد البلبل والشحرور، حتى يكفا عن سرقة ثمار شجرة توت يتيمة، بإيعاز من أبي، وكانت أمي تستهجن هذا الشر الصغير، الكامن في القلب، وهي ترمق بريبة تلك الــ"مقاليع" الممعنة في بدائيتها.. ومع ذلك لا يبخلان على الوجود بتسبيحهما للخالق عز وجل بتغريدهما الآسر، الذي يخدش سكينة الفجر، وأنت لا تعرف من أين يستمدان كل هذه الغطرسة الروحانية، بينما تغرق نهارا في سمفونية خلابة من تغاريد طيور التفاحي، الخضري، النعار الأوربي.. سمفونية بهيجة، ينقصها ملك الشرشوريات.. اللامع بغيابه، الذي يستطيع أن يحسن أصوات الطيور.

ولأنك قضيت عاما كاملا، منغمسا في عالم طيور الزينة.. هائما على وجهك في فيسبوك، يوتيوب وأحد المنتديات الخاصة، فأنت تدرك جيدا، أن العصافير تشدو في فصل الربيع مبتهجة بالحياة، بتعبيرها عن رغبتها في التكاثر، ولا تنكر أن ثمة أغذية - طبيعية وكيماوية- غنية بالفيتامين E والسيلينيوم، تحفز تلك الرغبة/ الشهوة، لهذا سألت ذلك المربي الجديد عن سبب بحثه عن تلك المحفزات، وحين أجابك بأن طائر الكناري قد توقف عن التغريد فجأة، اقترحت عليه إبعاد/إخفاء العصفورة عنه، لأن أغلب الذكور تلوذ بالصمت في حضور الأنثى.. كأنما تتعطل لغة "الكلام".

لكن هذا العيد تزامن مع مرحلة غيار ريش الطيور، حيث تجدد العصافير حلتها استعدادا للشتاء القادم، كما أن أغلبها حزمت حقائبها، ورحلت إلى وجهة مجهولة، باستثناء عصافير الدوري، قبيحة الصوت والصورة، المستوطنة هناك، والتي تشن غاراتها على الأشجار المثمرة، صيفا وشتاء..

كان عيدا بلا طعم..

بلا تين، بلا رمان..

أحسست أن بداوتي الموؤودة كانت تئن - بشكل فاضح - تحت أنقاض تمدن، استفحل قبحه... وقيحه.

ترمق الشجيرات بحقد دفين، كما لو كانت أشجارا عقيمة، تكتفي بتلك النظرة الحزينة، دون أن تهجو العيد لأنه جاء قبل الأوان، ولا تستطيع أن تلوم شهورا قمرية تخلف مواعيدها دوما، مثل امرأة لعوب..

في ذلك المساء، خذلك هاتفك الحسير، هاتف "نوكيا" بائس تزهد فيه حتى المكالمات العادية، فتهمله مع سبق الإصرار والترصد، لأنه لا يوجد من تستحق أن تهاتفه.

صديقك الوحيد، اختار أن يرحل في صمت..

دون أن يعاتب أحدا.

في ذلك المساء، لم تشأ أن تطلب من أي أحد من إخوتك أن يشغل مقطع تغريد بلبل، عندما سمعت تلك النوتة المبتورة.. أحسست أن شيئا ما في داخلك يتداعى. إحساس لن يعرفه شخص لا يعرف ما هو الزؤان، ولا يشكرك لأنك وضعت له صورة "البراقة"، بعد أن نصحته بألا يعتمد على خليط البذور، كغذاء يومي لعصفور الكناري، الذي اعتاد على الأسر منذ سبعة قرون، ولا يستطيع التحليق لمسافة طويلة.

هطل نحيب مبهم في قلبك، الممعن في يتمه وطفولته..

نهرت الصغيرين الجالسين بقربك في حدة غير معهودة، حتى يكفا عن الحديث، وأنت تسترق السمع إلى نوتة مبتورة لبلبل في الجوار. تمعن في تطرفك.. كلما تعلق الأمر بما هو جميل ونبيل.. تطرف لن يستسيغه شخص قد لا يفرق بين الغراب والعندليب، ويعتقد أنك لا تتذوق جمال الأفعى، وبهاء العقرب، وهو يتحدث عن جمال المخلوقات في عين الخالق، لأنك وصفت الدوري ساخرا بأنه قبيح الصوت والصورة، تحت تغريدة لا تخصه!

وطبعا، لن يحس بلسعة ذلك السوط الخفي، الذي لهب قلبك، قبل العيد، وأنت في السوق، لأن هذه الهواية لا تهمه، لأنه لم يجرب استبداد غريزة حب تملك طيور مغردة.. ولن يتضايق عند سماع نوتة "نهيق" طائر الدرسة المنزلية "بيبيط"، التي تفسد تغاريد طيور التلقين... لهذا، لن ترتعش روحه وتنتفض عند سماع أغرودة "باجباطي" الويدانية. لن تزلزل قلبه جلجلة أغرودة إسبانية لطائر هجين/بندوق غير عابئ بصوم بقية الطيور عن "الكلام"!

ولأنك شفيف مثل دمع العيد، كنت تسمع ذلك النغل ولا تراه، ويجرف أعماقك شلال بكاء باطني، على شفير عيد قادم!

 

هشام بن الشاوي

 

سامي العامريأستلُّ معزفَ سيرتي

وبعزفِه الحاني أُهيبْ

وأصيح بالأمطار

والعطرِ المرفرفِ

والمرايا العاكسات ندى المغيبْ

يمتدُّ جرحي فوق صدري زورقاً

والدمعُ ممتدُّ على الخدين مثلَ أصابعٍ

وإذا السؤال عن الهلالِ،

زرعتُ فيه النخلَ والنارنجَ والرمانَ،

يجري مثقلاً

هل علَّموه حفظَ أسرار الوداد لكي يشيبْ ؟

يا ليلةً سمراءَ فاح ضياؤها

شوقاً عصيبْ

يا رعدُ يا برقَ القرى

مُتقادِحاً من وردةٍ

لمّا انحنتْ فوق السواقي

في حنوٍّ كالصليبْ

عند المجانينِ الجوابُ

عن الهوى

وجوابهم بَعد الترافعِ قد يصيب ولا يصيبْ

أمَّا أنا

فحملْتُها كتميمةٍ :

حزني كما الريش الرطيبْ

حزنٌ كما مَرعىً يغذّي العمرَ، والكلأُ الوجيبْ

حزنٌ كمنزلِ حاتم الطائيِّ دوماً يستظلُّ به الغريبْ

ودموع عيني قد شكرتُ مسيلَها

ما همّني من أين جاءت كلَّها

من ظالمٍ أو من حبيبْ !

***

سامي العامري - برلين

تموز ـ 2021

 

 

جميل حسين الساعديماذا تقولُ لحسنك ِ الأبيات ُ

            أُ ُعطيت ِ ما لمْ تُعطهُ الملكات ُ

من أين َ أبدأ ُ بالحديث ِ وأنتهي

         قد أ ُحْرِجت في وصْفكِ الكلمات ُ

أصبحت ِ أجْمَل َ أ ُغنياتي كلّها

               تُوحي بها عيناك ِ والبسماتُ

غنّيتها فتردّدتْ مُلْءَ الفضا

           وإلى المجرة ِ طارت ِ النغمات ُ

لا تسأليني كمْ أ ُحبّك ِ ليسَ لي

                  كيْلٌ أكيل ُ به ِ ولا أدوات ُ

ولْتعذري لغتي إذا هي قصّرتْ

          هلْ تحْصر ُ الحبَّ الكبيرَ لغات ُ

إنّي أ ُحبُّك ِ فوق َ كلِّ معدّلٍ

                 حُبّا ً به ِ تتحدث ُ النجمات ُ

تشدو به ِ الأطيار ُفوق َ غصونِها

               وتحدّث ُ الركبان ُ والفلوات ُ

وتذيعُه ُ النسمات ُ في سَرَيانها

          وتضمه ُ الأزهار ُ والروضات ُ

نُشِرَت ْ على الدنيا حكاية ُ حبّنا

                فلها جميع ُ الكائنات ِ رواة ُ

الليل ُ كم ْ أصغى لهمْس ِ حديثنا

          وتنفّست ْ في صمته ِ الخطرات ُ

والبحر ُ كم ْ ضحكتْ شواطئه ُلنا

              وتراقصت ْ لغنائنا الموجات ُ

           ***

اليوم ُ أ ُولد ُ يا فتاتي عاشقا ً

            تصحو على اشواقِه ِالطرقات ُ

فلقدْ رَميت ُ كتاب َ أمسي جانبا ً

            ونسيْتُ ما تتضمّنُ الصفحات ُ

فالعمر ُ يبْدأ ُ من بداية ِ حبّنا

             لم ْ تعْن ِ شيئا ً قبله ُ السنوات ُ

والعيش ُ لا يحلو بدونك ِ لحظةً

             وبدون ِ أن ْ ألقاك ِ فهْو َ سُباتُ

أهفو إلى لُقياك ِ كُل ً دقيقة ٍ

               وأود ُّ لو ْ تتعانق ُ الخطواتُ

بلقائنا تغدو الأماكن ُ جنّة ً

             من بهجة ٍ وتزغرد ُ الأوقات ُ

تمضي بنا الساعات ُ جارية ً كما

                  لو أنّها في جريها لحظاتُ

وأراك ِ في زخْم ِ المفاتن ِ لوحة ً

              خلاّبة ً سَكرَتْ بها النظرات ُ

حان َ الرحيل ُ حبيبتي لا تقلقي

               الحب ُّ ما أُ ُسقى وما أقتات ُ

مهما أسافر لن ْ تضل َّ مراكبي

             فإليك ِ دوما ً تنتهي الرحلات ُ

وبدون ِ حبّك ِ سوف َ أ ُطرد ُ مرغما ً

               من جنّتي وتحل ُّبي اللعنات ُ  

سأكون ُ في دُنياي َ أشقى خاطئ ٍ

               لا الدمعُ يُنجيهِ ولا الصلواتُ

              ***

جميل حسين الساعدي

 

 

 

العامرية سعداللهأيتها الأقمار  تجوّلي

في  أوردة قلبي

كما يحلو لك،

مُري بزواياه القصية،

فتشي عن  طيف.. سكن هناك

عن بقايا قصص تناثرت هنا وهناك،

عن رغبة لاكتها العتمةُ

قبل أن تقضم  تفاحةَ النسيان

وقبل أن تُراكم حكايانا  اللزجة

في سجلات منسية

و على عتبات الأعياد

منتهية الصلاحية،

قبل أن ينهمر الصوت المنادي شلالات

على ذاكرة تئن

ما زلتُ واقفة هنا،

ووجهك البحر،

البحرُ الذي جف حلقه

إثر نوبة احتقان جراء ارتشاف جثث الحارقين

ما زلت واقفة أداري قبلة

سقطت من شفاه الغروب

وأرتق قمصان الفجر منبثقة من راحتيك

فتعال

نستعد، بعد ليلة طويلة

لجولة جديدة

في سباق الخيل.

**

يا ربة الشعر، دعي نبوءتك

تضئُ  شُهبًا في صندوق هذا عدم

و تنفخ  في موائد عزلتي،

فينفتح باب العرش.

تعالي.. أيتها الملائكة

نرتب أنفاسنا

ونوتات الرياحِ

على وقع الهدير

ونرسم على جدران القلب

تفاصيل التهجد

و نصلي معا صلاة القيام

على هذا الفراغ الجاثم.. فينا.

***

شعر: العامرية سعدالله/ تونس

 

عقيل العبودأصلي اليكِ، تحط عند مرافئ عينيكِ سفينتي المحطمة، أنظر الى البحر، أطوف بعيدا، اتطلع نحو السماء، أزرع العشق، وأرسم للورد آنية.

انقش قبلتي فوق جدران معبدك القديم، أختصر المسافات، أنثر الورد، وأصوغ لأرضك قلادة حبي.

هنالك مثل نبي الله نوح، يتبعني النداء، أمسك بقاربي، أبصر نحوي، لا أحد بجانبي الا امرأة طاعنة في السن تطوقني بالقبلات.

أخذنا معنا قمحًا، وزرعا وطيورا وحيوانات برية، وكذلك لسهرتنا أحضرنا شباك صيد، وخيمة، ومعدات، صرنا نحكي، أصواتنا ارتفعت مثل استغاثات يتبعها خوف، واستيقظت الآلهة من نومتها، أفاق أصحاب الكهف.

وتغيرت جميع مشاهد الحياة، تبدلت الألوان، والزغردات كما أرصفة العاشقين، اتخذت تلك الاجواء مثل العواصف أشكالًا اخرى؛ راحت التوصيفات، والمسميات، وجميع المشاهد تحتفي بألقابها الجديدة-صار الفقير غنيا، وغدا الضعيف قويا، وامسى الحاكم محكومًا، وهكذا.

تحول الانسان الى كائن آخر. تغيرت اصناف الناس جميعها، تحول المقتول الى شاهد دون حاجة منه الى شهود.

قررت انانا ان تعود بعرش محدث، عاد جميع الموتى الى الحياة، تنفست النباتات، والأوراق، والازهار، والشجيرات البرية، والطيور. 

أخاط القمر بدلة له مرصعة بالنجوم، اتخذ الفضاء من قصص الواقفين لغة للتشريع، تحولت الشكاوى الى هشيم تذروه الريح، لتذهب بعيدا صوب العاصفة.

لاحت النجوم علينا، بات الغروب يبعث في النفس بهجة لا حدود لها من الغبطة والانشراح.

اصطفت قافلة الأموات تباعا، بينما في ذات الوقت تهيأت صغار الآلهة لتدوين جميع الإفادات.

استعاد العراق بنخيله، وبنهربه، وبحيراته منصته القديمة، وراح يسطر الشعر على شاكلة أبيات، فيها من الرثاء ما يشد على البكاء.

استفاقت أنانا يوم صار للعراق مملكة جديدة، وتغيرت خارطة الاشياء.

***

عقيل العبود

ساندييغو/ كاليفورنيا

...............................

* إنانا: هي إلهة بلاد الرافدين القديمة المرتبطة بالحب والجمال والجنس والرغبة والخصوبة.

https://ar.m.wikipedia.org/wiki

 

 

محسن الاكرمينمن ترويع الإحساس بالغربة والضياع، حين أدرك مناد العز أنه أتلف روابط ذكرياته بين حوافر خيول قبيلة آيت أوسمان البرق. لم ينتبه لتسربها في الأرض السفلية بالتدفق العشوائي. من بقايا نقط الحذف المتقطعة، أنها أيقظ فيه دموع القهر في ضياع جل ذكرياته. اليوم استيقظ من فراش نومه فزعا، وحيدا بلا ماضي يستند إليه إلى الأمام. لم يقدر تذكر أي حدث باستثناء اسمه. تسمر مناد العز على يمين السرير المائل قعودا بلا حركة ولا مورد حياة. كانت عدة تساؤلات تستفز مخيلته الجاري فيها المحو المستمر، حتى أصبح لا يعلم: من أين أتى؟ ولما يعيش اليوم في زمن الضياع؟ أحس بدوخة مريرة تصيبه بالتزايد، تصبب العرق الناشف من جبينه بلا منشف ورقي، رأى نفسه وكأنه حديث الولادة يريد الصراخ المفزع وهو في وضعية الانتكاسة المؤلمة.

لم يفطن لتفاقم وضعته المقلقة إلا بدمعة وحيدة لاصقة تنزل. وجد نفسه في حالة هستيريا بكاء ونشوة الحمق، ثم بسمة صامتة لا تفاق مكانها. إنه اليوم ضيع مدونات سجل حياته، وبات كمن يبحث عن تاريخ ميلاده فقط بنقطة نهاية، والرجوع إلى سطر البداية. في منتهى التيه تحسس مناد العز جسمه بالتمام والترتيب لعله يجد فيه شللا أصابه. بعدها توقف تمهلا عند رؤية تلك المرآة التي تعكس صورته المتكاملة، توقف عندها حين وجد صورته تسائله، من أنت؟ وماذا تريد؟

من أسوأ الوقفات المميتة حين وجد مناد العز نفسه عاجزا عن توليد أية أسئلة، حين وضع أفكارك داخل خلاط كهربائي للحلحلة، ثم ارتج رجا من الصدمة بلا رحمة ولا عطف على ما علق من ذكرياته بهوامش التاريخ المنسي والعقل المتحجر والأحداث المتشائمة. نهض وقوفا وكأنه يريد الترافع عن ذاكرته في محاكم التفتيش وإثبات أحقية الذات. خطا بضع خطوات بلا موجه، ومن سوء المسار أنها كانت منغلقة في دوائر محدودة وقصيرة. لحظتها قرر الرجوع إلى تصفح صور صفحات من ذاكرته المتبقية حتى ولو باللونين الأبيض والأسود. قرر ركوب التحدي قدما بلا شراع عاصفة، ولما حتى معاكسة رياح السفن، فهو لا يريد التحرك من حافة السرير إلا من خلال ذاكرته الحاضرة.

كانت كل صفحة تحمل صورا مفخخة، فكل ما حصل عليه أنه من جيل ليس بالذهبي ولا بالفضي ولا الحديدي. كانت كل الصور مثل الحلم الذي لا يتلون بتاتا. حينذاك، لم تنتعش ذاكرته بالعودة إلى سلاسة الترتيب المنطقي، لكنه حتما لم يستسلم، بل عاود الجلوس ولم يبرح الغرفة خوفا من يصبح شبحا دائما، ومتصالحا مع شياطين الأرض العلوية.

علامات تعجب تركبه، فما أسوأ أن يصبح المرء بلا عنوان ! لم يعاود مناد العز النبش بالمرة فيما تبقى من رفات ذكرياته حتى ولو بالتدوير الممل، لم يعاود ممارسة إرهاق عقله الضيق وتحميله بأسماء من شجرة الأنساب، والوقوف بها عند عتبة نهاية النسب الشريف.  لحظتها وبالوعي الشقي، رأى مناد العز أن صدمات الحياة المميتة قد تعيد له ذاكرة التوازن.  توقف عن الحركة الكلية للحياة، وبات يفتش عن صدمة مدوية طوحت حياته تشتتا لعله يعود واقفا. من سوء عمل ذاكرة مناد العز أنها انتقلت سيرا إلى سرعة الطريق السيار، رغبة منها في مناولته الصدمة القاهرة. إنها الذاكرة الذكية التي باتت تحفز الخلايا الميتة بالتوليد، وترتب ملفات الصدمات القاتلة بحثا عن الأشد درجة، كانت تريد تفعيل الوخز المؤلم، والعودة بمناد العز إلى سجل حياة التذكر.

كنست ممحاة الذاكرة تلك العوالق الثانوية العالقة بجروح  مناد العز الهامشية، وأبقت على كل الأحداث التي خلفت جرحا غائرا. حينها علم أن ذاكرته كانت توضب زمن الأحداث بحذف الملفات المعيقة، وأنه قد أفزعها باستيقاظه المبكر بلا منبه في عودته إلى قبيلة آيت أمياس الفهد. من لطف ذاكرته أنها لم ترهقه بسرد كل الملفات الكبيرة حجما، من وفائها أنها جمعت بين الأثر المفرح والألم المحزن.

حين نطق اسمه بحروفه التامة مناد العز، لعن الشيطان يسارا ورماه ببعض من الريق الجاف العالق بحلق الحياة الحانق. حين نظر إلى شيطان الصبح تبسم مناد العز طويلا وأراد مصالحته بعقد الصلح المستديم بلا غالب ولا مغلوب، لكنه أخيرا قرر تركه بالإبتعاد، وتعود منه ثلاثا، وانصرفت نحو إتمام الكشف عن الحقيقة الضائعة في مقتل أبيه.

***

محسن الأكرمين

.....................

 (فصل من رواية : عندما يعود الرجال).

 

 

سعد جاسمالله

كلّما أراكَ في قلبي

أشعرُ بفرحٍ خفيٍّ

وأُغمضُ عينيَّ

على صورٍ

وأصواتٍ

وحورياتٍ

 وملائكةٍ

ونوارسَ

 ناصعة القلوبِ

والأَرواحِ

 والأَجنحة

تطيرُ بي الى الأَعالي

وأَعني :

 الى فراديسِكَ الأَبدية

***

 أَسرار الله

 

كُلَّما يسطعُ الضوءُ من أصابعي

أُطلقُهُ طائراً نورانياً

يخطفُ الأبصارَ

ويجعلُ الأرواحَ تترنمُ:

سبحانَ الذي أودعَ سرَّهُ

في ريشةٍ بيضاءْ

يَكْمنُ فيها :

سرُّ الماءْ

وسرُّ الطين

وسرُّ الهواء

وسرُّ الخلق

وسرُّ الضوء

وسرُّ الشِعْر

وكذلكَ تَكمنُ فيها :

أَسرارُ الله

***

 الله صديقي

أَنا الوحيدُ

الذي رُبَّما لايموت

هكذا أَتوهَّمُ

أَو أُوهِمُ

 لأَنَّ اللهَ صديقي

**

يا أيُّها المُطلقْ

 افتحْ ليَ المُغْلَقْ

لأَعرفَ المجهولْ

 والقاتلَ - المقتولْ

في زمني الأحمقْ

**

يا المُطلقْ

لاتخْذلني

لاتخذلْ طفلَكَ الأرضيَّ

" جلجامشُ أَوهمَ نفسَهُ

أَوهمَنا

وضاعَ الجوهرُ

في قلب ِ الأَفعى "

**

يا المُطلقْ

 هَلْ فكَّرتَ بشعبي وطريقي

حتى تبقى صديقي؟

***

سعد جاسم

 

 

لا شيء

سوى سيجارة

يرصدها فلكي كأنها كوكب على فمكِ

لا شيءَ

سوى التماعةٍ

يهزُّها مهدُ السماء

كأنها مجرةٌ تمورُ على حدقتِكِ

لا شيءَ

سوى ارتباك على اللحظين يشنّان حرباً على الأعزلِ

لا شيء

سوى هطولِ الغروبِ

لتكن شمساً بثغر باسمٍ تُحيكُ الضياء

لا شيء

سوى زفةِ قدميّن

يتركان أثراً على الحجرِ

لينفرَ الماءُ خجلاً.....

على يديك إسواران من دهشةٍ وكفانِ من عطشٍ

يرتوي بهما النهرُ حين يفيضُ

ما زالَ هناك متسعاً

أنْ تهبطَ نجمةٌ لتتوسلَ رضاكِ

وما زال هناك قلباً نابضاً تركتيه يئنُ

والقيود صوت قضبان

وأنت تتبضعي قصائدكِ المقفاةِ

من دكانِ الغواية...

كيف رأيتِ قصيدتي اليتيمة منك ؟

نسيتُ أنْ أُوضح لك...

أنَّ كلَّ القصيدةِ كانتْ بداية وخاتمة

لا جسدَ لها أفرغتُه على الطرقاتِ ووزعتُه على الزهورِ

والنحلِ والأنهرِ

ألا تشمي عطرها ؟

يبدو إنكِ أغلقتِ حواسَك الخمس

كان التنبأ إكسيراً من الأخطاء

***

فاضل ضامد - العراق

 

سالم الياس مدالوللشجرة روحها عقلها مناخاتها واضطراباتها

بهجة اغصانها تمنح للنهر نقاء مويجاته

لليد التي قطعتها لون اسود

ونقاط مبهمة على قفاها

للشجرة عصافيرها

عشاقها

بكت القبرات ضيقاتها

واحزانها

وباتت ليلة حزينة

قرب جذعها المتهالك

وللشجرة ناياتها

تعزف العصافير عليها احلى الحانها

وقرب جذعها بت ليلة بقضها وقضيضها

كان القمرحزينا يغازل جذعها

والرياح تقاسمه بهجة الافق

مع النسيم

***

سالم الياس مدالو

 

 

حيدر الهاشميالكثير من حولي ماتوا، تركوا أحلامهم على ضفاف البؤس وفوهات البنادق، لكنهم عادوا إلى ذويهم واستمتعوا بوداع الأمهات.

عندما كنا صغارا في المدرسة، كان المدير يجمعنا كل يوم خميس، وبعد رفعة العلم، يحدثنا عن الوطن ومن كثرة ما قال عنه، ظننته أبي.

نحن في قرية منسية لم يسمع بها أحد، كانت غرف نومنا الضيقة، تنعم بالدفء والحنان. أتذكر عندما عدت من المدرسة، شاهدت جدتي تضع فوق عينيها خرقة سوداء، وتنعى أبي بصوت حزين يكسر صمت الماء وبيوت الطين، في اليوم التالي ايقظتني أمي مبكرا، البستني حزام أبي وقالت : استعد لمواجهة الحياة، حينها عرفت ان السعادة غادرتنا إلى الأبد، وان أبي مات في أرض المعركة.

اكثر ما يؤرقني في هذه الليلة، هو عيد الحب، كتب صديقي سامر إلى حبيبته وقال لي: أخشى من الموت، اذا خرجت من الحرب سالما، ارجو منك إيصال رسالتي إليها، أخبرها أن مذاق القلبة في تلك الليلة مازال لذيذا في فمي، عندما شاهدته يتلوى من البرد، أعطيته قمصلتي وفي داخلها كل أوراقي الثبوتية، لا أعرف كيف سارت الأمور في تلك الليلة، وأي حبكة كتبها لنا القدر ، كلما أتذكره هو القصف الكثيف وطائرات الاباتشي، تحوم فوقنا.

زارني سامر قبل ليلة أو ليلتين، لا أتذكر الوقت بالضبط، على الأرجح بعد منتصف الليل، شكرني كثيرا وقال: امك عظيمة، تزورني باستمرار، تجلب معها الشاي والبسكويت، البخور والشموع، ثم تعطر قبري بماء الورد وتتحدث معي عن طفولتك وفي داخلها حزن عميق، كل ظنها هو انت.

الآن وقد مضى وقت طويل على نهاية الحرب، مازلت ارقد هنا في ارض المعركة، دون أن يلتفت لصراخي أحد، تسافر روحي مع الغيم، أشتاق إلى قريتي، وإلى سنابل القمح وحديث العصافير، ثم أعود وحيدا هنا، مثل لغم أرضي، كلما سحقني أحد، انفجر بالدموع.

 

حيدر الهاشمي

 

عبد الستار نورعليفي قصيدتهِ "في وداع أم نجاح" يرثي شاعرُ العربِ الأكبرُ (الجواهريُّ) زوجتَه آمنة (أمونة) جعفر الجواهريّ (أم نجاح)، وقد كتبْتُ حينَها بضعةَ أبياتٍ، أخاطبُه فيها، إذ قلْتُ*:


يا ابنَ الفراتينِ ، لنْ تنأى بكَ القـــدَمُ

لا الليلُ يمكثُ، لا التسهيدُ لا الحُرَقُ

 

يا ابنَ الفراتينِ، فالدنيا إلى صِغَرٍ

حربُ المسافاتِ في أيامِنا رَشَقُ

 

الجمعُ يمضي، ويأتي الغيرُ يوصلُهُ

عِرقـاً فعِرقـاً ، و نارُ الحرفِ تأتلِـقُ

 

والصـابرون على البلوى شِـتاتُهمو

جمعٌ، وإنْ حُشِّدَتْ في حربِهمْ فِرَقُ

 

يا ابنَ الفراتينِ ، ما زادَتْ و لا نقصَتْ

تلكَ الأمانيْ، لها فــــــي القلبِ مُحتَرَقُ

 

قد حمَّلتْنا صـواريهـــا مُنـازلـةً

ما بينَ أمواجها طوْقٌ ومُخْترَقُ

 

أنْ نستفيقَ وهُوجُ الريحِ راحلةٌ

وأنْ نُصبِّحَ في الآفاقِ ننطلـقُ

 

وأنْ نُمسّيَ ، والأقمارُ فــي كَبِـدٍ،

وفي الكؤوسِ خمورُ الحبِّ تندلِقُ

***

عبد الستار نورعلي

......................

* في قصيدتهِ "في وداع أم نجاح" يرثي شاعرُ العربِ الأكبرُ (الجواهريُّ) زوجتَه آمنة (أمونة) جعفر الجواهريّ (أم نجاح)، التي انتقلت الى رحمة الله عام 1992، والتي ترقد بجانبه في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب في سوريا. القصيدة مكتوبة على شاهد قبرها. يقول في مطلعها:

ها نحنُ ، أمونةً ، ننأى ونفترقُ

والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحُرَقُ

......................

إيضاح حول قصيدتي (يا أمَّ خيرِ السجايا)

عبد الستار نورعلي

لقد سبق لي أنْ كتبْتُ قصيدةً في مايس عام 2017 أرثي بها الابنةَ البكر لشاعر العرب الأكبر (محمد مهدي الجواهريّ)، أم رائد (أميرة)، التي انتقلتْ الى رحمةِ اللهِ حينها، وذلك لاعتزازي واحترامي ومحبتي العميقة لها ولعائلتها الكريمة التي ربطتني بها علاقة عائلية حميمة، فعرفتها عن قُربٍ. رحمها الله برحمته الواسعة، وأغدقَ عليها نعمة الجنة.

لكن مع الأسف الشديد نسبَ البعضُ هذه الأبيات للجواهريّ سهواً وبسوء فهم. وعليه وجدتُ نفسي مضطراً لنشر هذا الإيضاح درءً للبس والخلط، وكشفاً للحقيقة.

علماً بأنَّ القصيدةَ نُشرَتْ في مواقع ألكترونية وصحفٍ عديدة وعلى موقعي الشخصيّ في الفيسبوك، معنونةً ومُذيّلةً باسمي. وأعيدُ اليوم نشرها ثانيةً.

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 28 تموز 2021

(يا أمَّ خيرِ السجايا)

شعر: عبد الستار نورعلي

الى روح المرحومة (أميرة محمد مهدي الجواهري):

"لا الليلُ يمكثُ لا التسهيدُ لا الحُرَقُ"

وأنتِ في القلبِ تاريخٌ  بـهِ عبـَقُ

 

إنْ جنَّ ليلٌ سطعْتِ النورَ يغمرُهُ

وهلَّ صبحٌ فأنتِ السَبْقُ والألَقُ

 

وإنْ تسهَّدَ عينٌ كنْتِ بارئَـها

واشتدَّ حرٌّ فعينُ الطِيْبِ يندفقُ

 

يا أمَّ خيرِ السجايا فيكِ قد خُلِقَتْ

وأمَّ خيـرِ بنينٍ منـكِ مـا رُزِقـوا

 

رَحابةَ الخَلقِ والأخلاقُ رائدُهمْ

ورافدٌ، عائدٌ ، والأيسرُ الشَرَقُ *

 

يا بنتَ مَنْ شغلَ الدنيا بقامتِهِ

وبنتَ دارِ إمـامٍ  بابَـهُ طرقُـوا

 

مِنْ كلِّ فـجٍّ عميقِ الهَدْيِ سائقُهُمْ

القلبُ والروحُ والأشـواقُ والحَـدَقُ

 

طوبى لمَنْ وُلِدوا في حضنِ خيمتِـهِ

فكانَ عطرُ شذاهُ  ضـوعَ ما نطقُوا

 

فيكِ الذي فيهمُ مِنْ كلِّ ما حملُوا،

الطيـبُ والدفءُ والإكرامُ والخُلُـقُ

***

عبد الستار نورعلي

 مايس 2017

..................

* "لا الليلُ يمكثُ لا التسهيدُ لا الحُرَقُ" تضمين من قصيدة الجواهري في رثاء زوجته (أمونة/آمنة) التي توفيتْ عام 1992 في دمشق، حيث يقول في مطلعها:

"ها نحنُ أمونةً ننأى ونفترقُ

والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحُرَقُ"

* أميرة أم رائد: هي الابنةُ البِكرُ لشاعر العرب الأكبر (الجواهري) والتي توفيت في هذا العام 2017

* رائد ورافد وعائد وأيسر: هم أبناء المرحومة وزوجها المرحوم عيسى رؤوف عباس الجواهري

* الشَرَق: الشمس