صلاح الغريبياقتحم الإعصار شاهين سكون مدن سلطنة عمان وهدوئها ومنها: (السويق، والخابورة، وصحم).. وقد قلت:


 قالوا أُصِبْنا بشاْهيْنَ الذي ســـارا

إعصارُ بحرٍ أحال الدارَ أحجارا

 

كانت (سويقٌ) كثغر الحسنِ مبتسما

واليوم حلّ أذىً من قبل مـــا صارَا

 

يا (للسّويق) ومن شطآنِها زأرت

عواصفٌ؛ وجنونُ البحر قد ثارَا

 

ويا (لخابورةٍ) دمعُ السماء بهــا

أمَالَ في الرملِ أبراجا وأسوارا

 

تبكي النّخيل وتدوي الريح في (صحمٍ)

حتّى تظنّ بهـــــــــــــا كلّ الأسى دارا

 

فالشيخ ما أسعفت رجلاه في هربٍ

والرمل بان بفعل المدّ مــــــا وارى

 

قد كان طفلٌ وحزن اليوم يُنشِدهُ

يبكي قريبا عليه اليمُّ قد جـــارَا!

 

لم يبقِ في ساحل الأفراح مـــن فرَحٍ

وخرّب الأرض حتى لا ترى دارَا؟!

 

أمٌّ تلوذُ بربّ الكون من فزعٍ

على بنيها، وعقلٌ مبتلىً حارَا

 

عمّ الظلام بأرض الخيرِ قاطبةً

حتّى أضاءت جباهُ العزّ أنوارا

 

مضت عمان لثغر الحسنِ في هِمم

من الرّجال تخطّ الدربَ أنهـــــارا

 

قالوا نجودُ ولا يشقى هنا أحدٌ

حاشا لحرٍّ ينام بعدما صارَا !

 

نجود بالروح أو بالمــــال نبذله

نخفّفُ الحزن نبني كلّ ما انهارَا

 

إن كان كسرٌ فِعال الــودّ تجبُرُهُ

غدا سينْبتُ وجهُ الأرضِ نوّارا

 

رأيتُ أرضي جنود الله تعمُرُها

والشّعب فيها بفضلٍ منه ما خارَا

***

صلاح بن راشد الغريبي

 

محمد حمدقلبي الواقف على الضفة اليسرى

من الفرات

ما زال نقيّ الخصال حسن السلوك

"العاطفي"

هكذا وصفوه لي مؤخرا !

يحترق ببطء

وعلى مراحل عمرية

مختلفة

ليضيء ثلاثة أرباع هذه المدينة

المعتمة نهارا

ونصف قرية مجاورة لمقهى ذكرياتي

لا يشملها قانون حظر التسكّع

في شارع ابي نؤاس

ولا تكترث لهجرة النجوم الجماعية

على زوارق صفراء

من زهور ذبلت كمدا في انتظار

ربيع مُضاد للتصحّر

خلّفها عشاق جهلة في فنون الغزل المعاصر

لم يتشبثوا بما فيه الكفاية باول نظرة حُب

طائشة

انطلقت فجأءة من عين حوراء...

***

محمد حمد

 

يحيى السماوي"توطئة لابدّ منها: كنت قد اعتزمت التوقف عن النشر في المثقف رغم عظيم اعتزازي بها، وذلك لسببٍ شخصي ـ غير أنَّ أحبة أعزة مثل الأدباء والشعراء ماجد الغرباوي ود. قصي عسكر ود . ماجد البهادلي ود . عادل الحنظل ومصطقى علي، وآخرين تواصلوا معي: لا لي إلآ أن أقول لهم: سمعا وطاعة .. وها أنا عدت وسيكون نشري بين وقت وآخر إذا كان لي من الآغاد نصيب بإذن الله .. "


 

يُـنـقَـلُ عـن صـاحـبـةِ الـحـانـةِ " ســيـدوري" (1)

وعـن كـاهـنـةِ الـمـعـبـدِ

أنَّ اثْـنَـيـنْ

*

مـن آلِ " أوروكَ ":

فـتـىً فـي عـامِـهِ الألـفِ مـن الـرُّعـبِ

ثـلـوجُ الـزمَـنِ الـوحـشـيِّ فـي فَـودَيْـهِ (2)

والأعـشـابُ فـي الـعـيـنـيـنْ

*

يُـتـقِـنُ فـنَّ الـعـزفِ بـالـنـبـضِ عـلـى قـيـثـارةِ الـشِـعـرِ

ولـكـنْ

بـاْسـمِ " إنـلـيـلَ " بـلا حـنـجـرةٍ كـانَ (3)

ولا يَـدَيـنْ

*

رأى بِـحُـلـمٍ ذات يـقـظـةٍ إلـهَ الـعـشـقِ والأمـطـارِ والـقـمـحِ

وكـانَ مُـصْـحِـراً

فَــشّــدَّ نـبـضـاً نـحـو عـرشِ قـلـبِـهـا

لـعـلَّـهـا تُـحـيـي صـحـاراهُ ولـو بِـبُـرعُـمٍ يُـنـبـئُ

عـن غُـصَـيـنْ

*

وغـادةٌ ضـاحـكـةُ الـعـيـنـيـنِ

فـي مُـقـتَـبَـلِ الـعـشـقِ

رشـيـقـةٌ كـمـا الـمـشـحـوفُ (4)

غَـضَّـةٌ

لـهـا رائـحـةُ الـخُـبـزِ الـجـنـوبـيِّ بـكـفَّـيـهـا

وعـطـرُ الـفُـلِّ والـرَّيـحـانِ فـي الـجـيـدِ

وضَـوعُ الآسِ فـي الـنـهـديـنْ

*

ومِـبـسـمـاهـا ـ عـنـدمـا تـضـحـكُ ـ يُـشـمِـسـانِ لـيـلَ الـحـزنِ ..

يـكـشِـفـانِ عـن وردِ قـرنـفـلٍ ورُمّـانٍ

وعـن فَـوحِ حـديـقـتـيـنْ

*

تـخــطَّـيـا حـدودَ " أوروكَ "

وحـيـن الـتَـقَـيـا فـي غـفـلـةٍ مـن عَـسَـسِ الـلـيـلِ

أقـامـا جَـنَّـةً أرضـيـةً

حـدودُهـا تـمـتـدُّ مـن نـخـلِ الـفـراتـيـنِ

الـى الـشـمـسَـيـنْ

*

فـيـهـا مـن الأنـهـارِ ســـبـعـةٌ

وكـوخٌ واحـدٌ مـن الـيـواقـيـتِ

ومـنْ لُـجَـيـنْ

*

تَـوحَّـدا قـلـبـاً

وكـانـا قـبـلَ أنْ يـلـتـقـيـا

قـلـبَـيـنْ

*

جـابـا مـن الـطِّـبـاقِ ســبـعـاً ـ دون أنْ يُـغـادرا كـوخَـهُـمـا ـ

عـلـى ســريـرٍ مـن هـديـلٍ وصـهـيـلٍ

يـمـضـيـانِ الـلـيـلَ سـاهِــرَيـنْ

*

تـشـدو ..

إذا غَـنَّـتْ تُـصَـلّـي غَــيـمَـةٌ

ويـخـشـعُ الــسُّــنـبـلُ

والـبـيـدرُ يـغـدو قـبـلَ أنْ يـغـزوهـمـا الـنـعـاسُ

بَـيـدَرَيـنْ

*

وفـي الـصـبـاحِ يــســتـحـيـلانِ

حـمـامـتـيـنْ

*

يُـحَـلِّـقـانِ

وهُـمـا عـلـى بـسـاطٍ مـن حـريـرِ الـلـثـمِ

يـشـربـانِ مـن كـأسٍ

مِـزاجُـهـا تـسـابـيـحُ مُـصَـلِّـيَـيْـنْ

 

*

كـان الـهـوى

مـن قـبـلِ أنْ يـلـتـقـيـا فـي خـيـمـةِ الـعـنـاقِ:

فـرضاً مُـسْـتَـحَـبَّـاً

ثـمَّ لـمّـا عَــشِـقــا

أصـبَـحَ فـرضَ عَـيـنْ (5)

*

سَــبـعٌ سِــمـانٌ فـي الـهـوى (6)

فـقـائـلٌ:

إنـهـمـا جـانٌ

ولـكـنْ

أصـبـحـا فـي الـعـشـقِ إنـسِــيَّـيْـنْ

*

وقـائـلٌ:

خُـرافـةٌ لا تـقـبـلُ الـصِّـدقَ

ولـكـنْ:

شُـــبِّـهَــتْ لـلـعَـيـنْ (7)

*

وقـائـلٌ:

جـاءا بِـدِيـنٍ غـيـرِ ديـنِـنـا

مُــبَـشِّــرَيـنْ

*

وبـعـضُ مـا قِـيـلَ:

هُـمـا نـصـفُ إلـهـيـنِ

وكـانـا نِـصـفَ شــيـطـانَـيـنْ

*

مـا تـركـا للأُمـنـيـاتِ فُـسـحَـةً

فـكـلُّ مـا تَـمَــنَّــيــاهُ صـارَ فـي أيـديـهِـمـا

وأنـجـبـا سـبـعـةَ أقـمـارٍ مـن الـشِّـعـرِ

ونـجـمَـتـيـنْ (8)

*

فـكـيـفَ يـغـدوانِ بَـيْـنَ بَـيْـنْ ؟

*

هـلْ يـسـتـحـيـلُ الـمـاءُ والـهـواءُ

جُـثَّـتَـيـنْ ؟

*

يُـنـقَـلُ عـن صـاحـبـة الـحـانـة " ســيـدوري "

وعـن راهـبـةِ الـمـعـبـدِ

أنَّ الـعـاشِــقَــيـنِ الـسـومـريـيـنِ هـمـا

نـجـلانِ مـن أنـجـالِ أنـكـيـدو وإيـنـانـا

لِـذا

لـنْ يُـولَـدا فـي الـعـشـقِ مـرَّتَـيـنْ

***

يحيى السماوي

14/10/2021

............................

(1) سيدوري: صاحبة الحانة وكانت تتمتع بحكمة ألوهية ومهارة في صنع النبيذ .

(2) الفَوْد: جانب الرأس مما يلي الأذن .

(3) إنليل: إله الرياح والهواء والأرض والعواصف، رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش ( والمراد به هنا " صدام حسين " وفي المقطع إشارة الى الفصل السياسي الذي تعرضت له .

(4 المشحوف: زورق صغير يُصنع من قصب البردي يوصف بالرشاقة، سومريّ الأصل . و" غادة " معطوفة على فتىً ..

(5) فرض عين: ما اقتضى الشرع فعله اقتضاءً جازما على سبيل الإلزام كالصلاة والصيام مثلا .. أما الفرض المستحب فهو الفرض غير المُلزم كالحجاب مثلا ..

(6) تناصّ غير مباشر مع قوله تعالى بلسان النبي يوسف " ع " (إني رأيت في منامي سبع بقراتٍ سمانٍ .. )

(7) إشارة الى قول الله تعالى: ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم )

(8) إشارة الى آخر سبع مجموعات شعرية منشورة وكتابين قيد الإعداد للنشر أحدهما رباعيات والآخر نصوص نثرية .

 

  

مصطفى عليعَنْ سِرَّهِمْ قلبي يُسائلُني

مُتَقلِّباً

مابينَ شَكٍّ وإعْتِلاجٍ وإرْتِجافْ

**

هُمْ ثُلّةٌ كانَ إصْطَفاها بعدَما

قدْ جَرّبَ الفقدانَ نيراناً على

حَطَبِ الشِغافْ

**

ظنَّ القصائدَ كالْمَرايا

أو ثُريّاتٍ بِدَمْعِ اللهِ قد صُقِلَتْ فلا

غَبَشٌ هنالِكَ

لا نشازَ ولا زحافْ

**

إذ راحَ يتلو

سورةً جذلى

يُرَتّلُها لَهُ

مَطَرُ القرائِحِ كعبةً

قد تُبْرِئُ المكلومَ لو عَزِمَ الطَوافْ

**

فَلَكمْ تَمَرْأى سادِراً

وَرَمى قَوارِبَهُ على أمواجِها

فجراً ومأخوذاً

بزورقِهِ كما المجذوبِ

حَدَّ الإنْخِطافْ

**

أن يبلُغَ النهرينِ

مابعدَ النَوى

وَيُخضّبَ القدمينِ في

دمعِ المودّةِ ثُمّ في

طينِ الضِفافْ

**

وَلَطالما رَقَصتْ جوارحُهُ

على أنغامها

حتى

بزوغ الوعي بَعْدَ الإنْكِسافْ

**

هل صدّقَ الدرويشُ ما شَطَحَتْ

به أرواحُهمْ

في الليلِ لَمّا أن سَجى

وإصطفّتِ الأحلامُ خيطاً من

قناديلِ الرؤى

تزهو

كما الأقمارُ إبّانَ الزَفافْ ؟

**.

فَتَصوّرَتْها بُرْهةً أوْهامُهُ

كالْشاشَةِ البيضاء في مُدُنِ الخيالِ

مضيئةً

إِذْ ترتقي الأرواحُ طهراً

في دموعِ الإعْترافْ

**

فَتَلأْلأتْ حَدَقاتُهُ

إِذْ لاحَ

بُسْتانٌ بِلا سْورٍ

ولا ناطورُه السكرانُ قد

مَنَعَ القِطافْ

**

سَرَعانَ ما

فَزَّ الفتى هَلَعاً وَقَدْ

نَفَدَتْ ضُحىً بِفُؤادِهِ كَلِماتُهم

وَدُموعُهُ أمستْ بكاساتِ الهوى

ذكرى سُلافْ

**

ياأيّها الشعراءُ لَسْتُ بِناصِحٍ

يومًا ولا

مُفْتي الديارِ يسومُكم

بضراوةِ الأحكامِ إن شَهِدَ

التباغضَ والخلافْ

**

عُذْراً إذا صارَحْتُكُم مُتَهجِّياً

لُبَّ المُتونِ وتاركًا دَغَلَ الحواشي

والهَوامِشِ

خلفَ زخرفةِ الغِلافْ

**

لَسْنا ملائكةً ،رِفاقي، مثْلَما

قدْ نَدّعي

كلاّ وما كُنّا شياطيناً بعالَمِنا

وحاشا لم نَكنْ طيشًا شَرَعْنا ننفُثُ الأوهامَ في

جوْفِ الورى سُمّاً زُعافْ

**

بَلْ نحنُ ياأصحابُ مَنْزِلَةٌ

إذَنْ مابينَ بَيْنْ

نادى بِها ( الغزّالُ) شيخُ الإعْتِزالْ

هَتَفتْ بها يوْماً قريحتُهُ شذىً

فإهتزَّ قلبُ البصرةِ الفيحاءِ

توقاً للتسامُحِ في هُتافْ

**

يامعشرَ الشعراءِ لسْتُ غريمكم

فَلَكَمْ تقاسمْنا معاً ما قد سَجرْنا

في تنانيرِ الخيالِ قصائداً حَرّى

كأرْغِفةٍ وكم

كُنّا إغْتَرَفْنا من بحارِ الوجْدِ أنْبِذَةً

مُعَتّقةً بِها النُدَماءُ بَعْدَ الغَرْفَةِ

الأولى أباحوا الإغْتِرافْ

**

ماكُنتُ إلّا هاويًا

حتى أتاني ذاتَ رَوْضٍ هُدْهُدٌ

في تاجِهِ الميمونِ بُشرى من سَبَأ

مُستنطِقاً في خافقي قارورةَ الأسرارِ في قلبِ النَبَأ

صلّى أمامي ركعتينِ وقالَ لي:

رِفْقاً بأطفالِ الحياةِ إذا هَفَوْا

فَذُنوبُهم مرهونةٌ بِتَصدّعِ

الوجدانِ في مَوَرانِهِ

أمّا خَطاياهم فَقُلْ مغفورةً

وَنفوسُهم رغم الدُخانِ بَريئةٌ

تُمْحى الخطايا والذُنوبُ إذا كشفنا

عن دواعي الإقْتِرافْ

**

للسادةِ الشعراءِ كالأطفالِ

أذواقٌ وأمزجةٌ عسيرٌ طبعُها

حيناً وأحيانًا طبائعها لِطافْ

**

هَبْها مُكاشَفةً إذنْ

ياشاعراً خَبِرَ الحياةً تجارِباً قُصوى

عُبوراً أو رَحيلاً للمجاهيلِ البعيدةِ

في ثنايا النفسِ والآفاقِ

حُبّاً في كنوزِ الإكْتشافْ

**

هَبْها مكاشفةً وذَرْني

أحْصدِ الآلاءَ نورٌاً

في محاريبِ التجلّي

أو فيوضِ الإنكِشافْ

**

لا تلعنوا الأقمارَ إن طالَ الدُّجَى

فَلَرُبَّ بدرٍ جادَ نوراً للورى

من بعدِ حَجْبِ بصيرةٍ

ثمّ إنطفاءِ سريرةٍ لِهُنيْهَةٍ

فيما وراءِ الإنْخسافْ.

***

مصطفى علي

 

 

ادم عربيحينَ أشرقَ  وجهكِ

تفتحَ  الزهرُ

وإنطلقَ الشراعٌ في اعالي البحارْ

سقطَ القرطُ وبعده السوارْ

ولما غابْ

غادرتُ مع فمِ  الوردةِ

منْ  زمنِ الحصارِ الى زمنِ الغبارْ

 

كتبتُ بدمِ الياسمينِ سفرَ الخروجِِ

وأدرتُ ظهري لمدينةٍ خرجتْ لاستقبالِ التتارْ

توضأتُ في  منبعِ النهرِ القديمِ

وصليتُ في خليجِ المحارْ

 

كتبتُ على كتفِ غيمةٍ

حتى تكسرتْ الحروفْ

وماتتْ جميعُ  اللغاتِ

 

سأشربُ الكأسَ تلوَ الكأسْ

وأُبحرُ فيكِ سكرانْ

ما حاجتي للكأسِ

ما دمنا معا سيانْ

 

سأركبُ الموجَ فيكِ

ولنْ أَرسو

سأَنامُ دهراً فيكِ

ولنْ أغفو

 

سأرتَشِفُ منْ شفتاكِ

طعمَ الياسمينْ

وأصنعُ منْ عيناكِ

مرفأ للحالمين ْ

 

جميلٌ عتابكِ

حينَ يجرحني الحنينْ

جميلٌ صوتكِ

حينََ يُناديني  العليلْ

 

اسمعُ صوتكِ قادماً من الكرومْ

وأحياناً قادماً منَ الغاباتْ

يتمددُ شاهقاً كالبناياتْ

يبحثُ في شوارعِ المدنِ العتيقةْ

عن لغزِ البدايات وسر النهاياتْ

 

جميلةٌ أنتِ جمالَ الأزهارْ

بقدرِ ما يُظهرُ الخلخال والسوارْ

والشعرُ سنابلُ قمحٍ

أمواجاَ أمواجاً كالبحارْ

 

لماذا تهربين الان وممَ تهربينْ؟

مما يجعلُ البركان َ

وجهاً اخر للياسمينْ!

مما يجعلُ الرعد

وجهاً آخر للموسيقا

ممما يجعل الخيال

وجهاً آخر للحقيقةْ

وهل يجبُ عليَ

أنْ أرتشفُ قبلتي

كالدواءِ

قبل موعد النوم بدقيقةْ؟

***

د. ادم عربي

 

صادق السامرائيتَدورُ بِنا وما زالتْ تَدورُ

وأجْيالٌ إذا دارَتْ تَثورُ

 

عَقاربُ ساعَـةٍ ضُدَّ التِواءٍ

وما تَعِبَتْ ولا يوماً تَخورُ

 

تَواصَلَ سَعْيُها ولنا أرادَتْ

لأزْمانٍ مُخلّـــــــــدَةٍ نَزورُ

 

كأنَّ شُموخَها صوْتُ ابْتِداءٍ

وإقـــــــدامٌ وإصْرارٌ ونورُ

 

تُقارعُ صَوْلةً رامَتْ ذُراها

وتَبْقى رُغْمَ أهْوالٍ تَجُورُ

 

هِيَ الْمَلويَّةُ الشَماءُ فينا

تُخاطِبُنا فيَغْمُرُنا السُرورُ

 

أعاجيْبٌ مِنَ العُمْرانِ دامَتْ

مَفاتِنها مَحاسِنُ لا تَبورُ

 

ترَعْرَعْنا بأرْوقَةٍ تِلادٍ

تُعتِّقها المَلاحِمُ والدُهورُ

 

رَشفْنا من تَشامُخِها رَحيْقاً

وسُلاّفا تُقطّرُهُ العُصورُ

 

تُرافِقُنا إذا بَعُدَتْ خُطانا

وتذكرُنا فيمْلؤنا الحُبُورُ

 

أعانِقُها ونبْضُ الروحِ يَشْقى

بحِرْمانٍ وأشْواقٍ تَمورُ

 

رفيقةُ ذاتِنا ومَدى رُؤانا

ونِبْراسٌ يُعلّمُنا وسُورُ

 

على أكْتافِها يَرْقى صِبانا

فترْفِدُنا بفيْضِ لا يَغورُ

 

ومِنْها كلُّ مُنْطلقٍ رَحيْبٍ

يُزوِّدُنا بطاقاتٍ تَفورُ

 

لنا المَلويةُ الشمخاءُ رَمْزٌ

ومَنْهلُ فِكْرَةٍ فيها بُدورُ

 

أعودُ إلى مَواطِنِها بلَهْفٍ

وأصْعَدُها وأيّامي نُذورُ

 

كأنَّ قوافِلاً جاءَتْ بذِكْرى

تُحاورُني وقد سادَ الحُضورُ

 

تلوَّتْ في مَواكِبِها ورامَتْ

لعاليةٍ تواصِلُها الجُسورُ

 

تطوَّفَتِ البَرايا مِثلُ مَوْجٍ

على أدْراجها فمَضى العُبورُ

 

فكمْ غابوا وما ذهَبَتْ وشاخَتْ

تُواكِبُ عَصْرَها ولها جُذورُ

 

أناجيها كطِفْلٍ فوقَ سَطحٍ

فتلْهيني إذا وثبَ الضَجورُ

 

ألا كانتْ لأجيالٍ دَليلاً

ومُنْتجعاً وسوحاً لا تبورُ

 

على قِمَمٍ من الأحْلام كنّا

نُخاطبُ مُطلقاً فسَمى الشُعورُ

 

بأعْوامٍ إذا قَدِمَتْ علينا

تُباغِتُنا فيُبْهِجُنا المُرورُ

 

مُنى أمَلٍ على سُفُحٍ تَعالتْ

يُعزِّزُها تفاؤلنا الصَبورُ

 

أرى الدُنيا صُعوداً نَحْوَ فَجْرٍ

يُواعِدُنا فيَبهُرُنا الظهُورُ

 

وإنَّ الأرْضَ تأخُذنا لغَيْبٍ

وتَنْحَرُنا فيرْحَمُنا الغَفورُ

 

وفَوقَ عُلومِنا عِلمٌ بَعيدٌ

سَتبْلِغُهُ الأواخرُ والشَكورُ

 

أ مِنْها قد أتينا ثمَّ عُدْنا

إلى وَهَدٍ ترقّدُنا الصُخورُ

 

خُلاصَةُ رِحْلةٍ في كُنهِ عُمْرٍ

تُلخِّصُها بما رَمَزَتْ قُصورُ!!

 

فكُنْ فيها كما رَسَمتْ خُطاها

فما فازَ المُغامِرُ والجَسورُ!!

 

توَهَّمَ ساذِجٌ برؤى هَواها

فخيَّبَهُ التَنرْجِسُ والغُرورُ!!

***

د. صادق السامرائي

3\9\2021

 

 

احمد الحلييجِدُ كلُّ كائنٍ عرشَهُ

ويستدِلُّ على العلامة

العاشقُ في لقاءٍ

الفراشةُ في زهرةٍ

وآخرون في قُمامة

 

ليس لديكَ ريشةٌ ملونةٌ

حتى تُغرّدَ

أو بيضاءُ حتى تستوطنَ الماءَ

كلُّ ما لديكَ : ريشةٌ سوداءُ

تؤهّلكَ لكي تنعبَ في المآتم

 

أستشعرُ احتفاءَ الورودِ بي

كلما مررتُ بحديقةٍ

سألتُ وردةً عن السرّ

قالت : نشمُّ فيكَ أريجَها

 

أرأيتم تلك المواخيرَ التي

هي محلاتُ بِقالةٍ تبيعُ

فاكهةَ الجسد

فهي أكثرُ شرفاً

من سياسيٍّ عندَنا

يتلفّعُ بعباءةِ الدينِ

لكنه لا يتورّعُ

أن يضعَ في جيبِهِ

ثرواتِ البلد

 

على مقربةٍ منكِ

وفي متناولِ يدِكِ

نجمتانِ

كيف سأصلُ إليكِ ؟

سمعتُ هاتفاً يقولُ ;

استعن بالسُلّم الموسيقي

 

وقفت حمامةٌ على فوّهةِ مدفعٍ قديمٍ

تم اتخاذُهُ كشاهدةٍ لتزيينِ إحدى الساحاتِ،

ثم شرعت بجمعِ بعضِ الأعوادِ والقشّ  لبناءِ عُشّ لها،

تململَ المدفعُ قليلاً ثم قال بصوتٍ خفيض:

– لا بأسَ بذلك

على الأقلّ أكفّرُ بعضاً من

***

 احمد الحلي 

.................

حصان المدرسة

في المدرسة الثانوية التي عملت فيها كان هناك فرّاش بائس بكل معنى الكلمة. فالفاقة والعوز يظهران على سيمائه بوضوح تام، إعتاد المدرسون أن ينفحوه ببعض النقود بعد إستلامهم لرواتبهم الشهرية، ونظراً لسوء حالته المعيشية وكونه لا يستطيع مواصلة دفع إيجار المنزل الذي استأجره ويلتهم نصف راتبه خصص مدير المدرسة أحد أركان المدرسة مكاناً ليسكن فيه هو وأسرته الصغيرة وساعده الجميع بمن فيهم الطلاب في تشييد كوخ مناسب .

مر وقت آخر طفح الكيل بفراش المدرسة وقرر أن يموت، وهكذا توفي سامي تاركاً زوجته وطفلين صغيرين في مهب الريح .

 بعد مدة يسيرة من الزمن تم تعيين فرّاش جديد لم يتسنَّ له أن يكون فرّاشاً من قبل،  كان مهندماً  يلبس العقال واليشماغ وملابسه نظيفة دوماً، إعتاد بعد أن يؤدي ما عليه من واجبات أن يجلس على كرسي خاص به يدخن نرجيلته بخيلاء، وعلمنا منه بعد ذلك أنه قادمٌ من الريف وأنه شيخ فخذ في عشيرته .

في أحد الأيام استدعى المدير على عجل أبا حسن وهو إسمه، فلما مثل بين يديه سلّمه مظروفاً يتضمن كتاباً رسمياً، قائلاً له؛ إذهب إلى مديرية التربية  واجلب لنا الحصان!

اختلط الأمر عليه.  ترى ما الذي يفعلونه بالحصان أو بالأحرى ما الذي يفعله حصانٌ في مدرسة، وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، لم يشأ هو أن يسأل المدير كيف يتسنى له جلب الحصان وبأية وسيلة، هل سيأتي به وهو راكب عليه وهو بارع حقا في ذلك منذ زمن طويل، وله خبرة لا بأس بها  في ترويض الخيول الجامحة .

فكر مع نفسه ثم اتخذ قراره بالذهاب قبل ذلك إلى سوق الخضار واشترى باقة (جت) كمفتاح صداقة بينه وبين الحصان، ثم ذهب إلى مديرية التربية وكانت عيناه تتنقلان في حديقتها الكبيرة لعل عينيه تقعان على الحصان المنشود، ولكنه لم يجده، ذهب مباشرة إلى الغرفة التي يستلم فيها موظفوها البريد الوارد إليهم من المدارس وكان يعرفها جيدا فقد سبق له وأن قام بمهام من هذا القبيل، سلم المظروف إلى موظفة وبقي ينتظر ردها مرتبكا، نظرت إليه وإلى الباقة في يده وفهمت الأمر، ثم تبادلت النظرات مع ثلاثة موظفين في الغرفة وانفجروا في نوبة ضحك هستيرية جعلت أبا حسن يلعن الساعة التي تم تعيينه فيها فراشا في هذه المدرسة .

 

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا.


 حقد طبقي

القرية غارقة في الظّلام، إلّا القصر فهو مضيء... لا بُدّ أنّ ربّة البيت ستقيم حفلة ما كالعادة...

وها هو ذا يمشي إلى جوار سور الحديقة: "لنا النّوى، ولهم التّمر. اللّعنة!"

ورآهم يتوافدون على القصر بوجوه نضرة نيّرة، فشعر بلهيب يخترق فؤاده... ولم يمض كثير وقت حتّى حمل إليه اللّيل روائح عطورهم وطعامهم وصوت ضحكاتهم المشوبة بالنّفاق، فتميّز غيظا وشعر بأنّ الحقول الهادئة من حوله ستنتفض مثلما ينتفض هو الآن...

**

الخطّ الثّاني

تطلّع إلى الشّمس الغاربة في مرارة، ثمّ ولّاها ظهره وانطلق يشقّ الشّهباء بقوى فاترة. "ثمّة في هذه الأنحاء بئر قديمة، فأين هي؟"

على ضوء النّجوم ونور القمر الوليد رأى بريقا أخّاذا. "ماء. لا بد إنّه ماء." وزحف إليه...

وجده جدولا هرهارا يشقّ واحة سوداء. كرع منه كما يكرع البعير، بيد أنّ شفتيه ظلّتا متيبّستين... تساءل: أين أنا؟

 

**

ذهبت حسرات

أطلق بصره عبر النّافذة فألفى نخلات شاحبات وقد هجم عليها الإسمنت. "أينها الآن من نضارتها القديمة وعطائها الوفير؟" ورآه طفلا لاهيا تحت ظلالها، يقفز من هذه السّاقية إلى تلك... تحسّس مكان ساقيه المبتورتين وتنهّد طويلا...

"تهيّأ للصّلاة يا أبي."

لا يجيب ويظلّ جامدا على كرسيّه ممدود البصر إلى الغيب...

**

لا تطفئوا الشّموع

"دفع قاربه إلى الأعماق مخلّفا وراءه جمهرة من الصيّادين. تقدّم والشّمس تلعب على الماء وقد حمل إليه البحر رائحته المميزّة مخلوطة بروائح الأعشاب والشّباك... بلغ بقعة شديدة الصّفاء والهدوء، خالية من الموج تماما بخلاف ما حولها..."

يسمع وقع أحذية ثقيلة على السّطح ثمّ أصوات مكتومة كما لو أنّ أشياء ثقيلة تسقط من السّماء، وفجأة يُخلع عليه الباب ويعلو نباح كلاب يملأ وسط الدّار...

"اقبضوا عليه."

"لا تنسوا أوراقه هذه."

***

بقلم: حسن سالمي

 

 

باسم الحسناويتلتقي القارتانِ لكنْ خيـــــالاً

كم جميلٌ لقاؤُنا في الخيالِ

يا عناقَ الحبيبِ فــي كلِّ حينٍ

أنتَ وهمٌ فكن رحيبَ المجالِ

وتوغَّلْ بنا بعيـــــداً بعيـــــــــــداً

فوق معنى العناقِ، فوقَ الوصالِ

2-

سماؤُكَ في ذاتِ الفؤادِ فإن نأت

سماؤُكَ عن ذاتِ الفؤادِ.. فربَّما

إذا ما نأت عنكَ السماءُ فلا تقل

سمائي ولكن شئتَ أن تتوهَّما

مسافةُ مــــــا بينَ الفتى وسمائِهِ

مسافةُ ما بينَ البصيرةِ والعَمى

3-

نظرتْ إلى وجهي فقالت إنَّهُ

وجهٌ كما لو أنَّهُ القرآنُ

إيقاعُ أحرفِهِ الجميلةِ غامضٌ

فإذا استمعتَ تفتَّقَ الإيمانُ

فيهِ تجلّى اللهُ فهوَ اللهُ لو

شئتَ السُّجودَ وإنَّهُ الإنسانُ

4-

أموتُ ولكن لا أموتُ مفارقاً

حياتي، كذاكَ الموتُ إن كانَ خارقا

أموتُ وأحيا في الحياةِ مجدَّداً

لتبصرَني رغمَ الخساراتِ عاشقا

بدوتُ أنا المخلوق في نظرِ السِّوى

وفي نظري أبدو لنفسِيَ خالقا

5-

كفُّ هيَ الشَّمْسُ، أخرى ذلكَ القَمَرُ

أمّا ملامحُ وجْهِ العالَمِ البَصَرُ

وليسَ مُسْتَغْرَباً أنْ لا أرى أحَداً

إلاكَ أنْتَ فأنْتَ النّورُ والأثَرُ

وأنْتَ أنْتَ جمالٌ ليسَ ممتزجاً

بعُنْصُرِ الموتِ إنَّ الموتَ مُندَحِرُ

6-

المَجْدُ للمَوْتِ الذي هوَ قامةٌ

شمّاءُ، عاشَ المَوْتُ والعَبَراتُ

المَوْتُ مولانا الجليلُ لوحْدِهِ

أمّا الجميعُ فإنَّهم لَحَظاتُ

المَوْتُ باطنُنا العميقُ وإنَّهُ

تأويلُنا وحياتُنا الحَسَراتُ

7-

يختالُ شِعْري وقد أنشدْتُهُ فيها

وأنَّهُ كانَ حقّاً من أمانيها

قالت أحبُّكَ جدّاً وهيَ هائمةٌ

يكادُ يقطرُ شهْدُ العشْقِ من فيها

إنّا غرقْنا، غرقْنا في متاهتِنا

فلستُ أنجو وإنِّي لستُ أنجيها

8-

وطني غباءٌ كلُّهُ من رأسِهِ

للأَخمصَينِ فبئسَ عيشُ الأَلمعي

أمّا أنا فأنا غبيٌّ مثلُهُ

إذْ لم أهاجِرْ نحو أرْضٍ بلْقَعِ

فالعيشُ ما بينَ الأفاعي فرصةٌ

كبرى قياساً بالألى عاشوا معي

9-

ما قيمةُ الشِّعرِ، شِعْري حينَ أكتبُهُ

يكونُ في نَظَري كلْباً وينبحُني

قد كنْتُ أرْضى بهِ لو أنَّ أحْرُفَهُ

تلكَ السّيوفُ التي في الوهْمِ تذبحُني

بئسَ الحياةُ حياةٌ رحْتُ أخْسَرُها

وغايةُ الفخْرِ أنَّ القبْرَ يربحُني

10-

ماتت عواطفُ قلبي، كنتُ أسْقيها

ماءَ العيونِ لهذا رحْتُ أبْكيها

الآنَ أطلبُ سجْناً كي أقيمَ بهِ

بقيَّةَ العُمْرِ، في سجني سأُطْريها

تبخَّرَتْ هيَ من قَلْبي وأحْسَبُني

من بابِ أنِّي وفيٌّ هائماً فيها

11-

نجمَتي واثقةٌ من أنَّني

ذاتَ يَوْمٍ نحوَها أرتَحِلُ

كلُّ ما فيَّ من النَّقْصِ الذي

أرْهَقَ الرّوحَ بها يكتملُ

نَجْمَتي قَطْعاً جوابٌ حاسمٌ

لا مراءٌ عنْدَها أوْ جَدَلُ

12-

أرى الموتَ يأتيني فيشربُ من دمي

ولستُ أحسُّ الموتَ في شربِهِ الدَّما

ويفصدُ لي من جسمِهِ ودمائِهِ

فأشربُ منها هائماً ومتيَّما

دمي ودماءُ الموتِ خمرةُ عاشقٍ

متى ما شربناها انطلقنا إلى السَّما

13-

لم يخلقِ اللهُ في أكوانِهِ فَلَكاً

إلا لكي تَعْشَقَ الأنْثى بهِ الرَّجلا

وكي نعانقَ حتى لا نَرى أحَداً

في الكَوْنِ إلا هَوانا فارساً بَطَلا

وكي نعدَّ تصاميماً لعالمِنا

من الشِّفاهِ التي ذابت بهِ قُبَلا

14-

وَطَني عَيْناكِ لا غيرَ وذا

وَطَنُ النّاسِ أباطيلُ وزورُ

وطني أنْتِ ومن عاطفتي

نحوَهُ ضدَّ خيالاتي أثورُ

أنا في الحُلْمِ طيورٌ حلَّقت

ثمَّ عادت لم تكُنْ ثَمَّ وكورُ

15-

دَعْني منَ الذِّكرى، أشاؤُكَ حاضراً

في كلِّ آنٍ والحضورُ غيابُ

دَعْني متى قبَّلتُ وجهَكَ خاشعاً

أنْ أشْرَبَ الشَّفتَينِ حينَ أُثابُ

أنا مؤمنٌ حينَ العناقِ وإنَّما

أنا حينَ تنأى كافرٌ مرتابُ

16-

أنا ملكُ الليلِ الذي هوَ ماردٌ

وأحْتاجُ في ليلِ المشاعرِ ماردَهْ

وأحْتاجُ تقبيلَ الشِّفاهِ بنَشْوَةٍ

فلا يكْتَفي التَّقْبيلُ مِنْها بواحدَهْ

أكلتُ من الخدَّينِ كسرةَ قبلةٍ

فصرتُ نبيّاً، كيفَ لو هيَ مائدَهْ

17-

علينا أنْ نحبَّ ولا نحبّا

لأنّا قد شربْنا الحُبَّ عبّا

وأمطرْنا الهوى مطراً غزيراً

غرقْنا فيهِ لمّا صبَّ صبّا

فما عدنا سوى الأشْواقِ فينا

فذي أشواقُنا التمييزَ تأبى

18-

لؤلؤُ البَحْرِ قلبُها فيكونُ

الجسَدُ الباقي بالقياسِ بحارا

يغرقُ العالمُ المتيَّمُ فيها

ثمَّ ينهارُ دهشةً وانبهارا

سرْ إليها مقطَّعاً دونَ رأسٍ

ثمَّ قبِّلْ كيانَها الموّارا

19-

النّاسُ في وطني هباءٌ ناطقٌ

شرُّ الهَباءِ هوَ الهَباءُ النّاطقُ

إصمتْ رجاءً يا هَباءُ فربَّما

في الصَّمْتِ خيرٌ فالكلامُ منافقُ

أنا لم أجدْ شَخْصاً حقيقيَّ الهَوى

إلا وفي جنبَيْهِ حزْنٌ صادقُ

20-

أنا لستُ أدْري، ربَّما كنتُ دارياً

بأنَّكِ أقْصى ما أعاني من الخَطَرْ

لعلَّكِ مثل الكَهْرباءِ مضيئةٌ

ويدنو إليها الرّاغبونَ معَ الحذَرْ

فباللهِ كوني كالهَواءِ رقيقةً

وباللهِ كوني ضفَّةً تَحْضنُ النَّهَرْ

21-

إيّاكَ أنْ تَنْسى بأنَّكَ عاشقٌ

وبأنَّ قبلتكَ الرقيقةَ نارُ

إيّاكَ أنْ تَنْسى بأنَّكَ يا أخي

رجلٌ نبيٌّ مقلتاهُ شَرارُ

إيّاكَ أنْ تَنْسى بأنَّكَ عالمٌ

فذٌّ رحيبٌ والوجودُ حصارُ

22-

مضحكٌ أن تعيشَ فالعيشُ لهوٌ

يعشقُ اللهوَ صبيةٌ أطفالُ

مضحكٌ أن تموتَ فالموتُ مهرٌ

عينُ إدبارِهِ هوَ الإقبالُ

مضحكٌ أن تكونَ لا شيءَ أيضاً

فالمصيرُ الوحيدُ هذا الهزالُ

23-

أريدُ أن أنزوي عن كلِّ عاطفةٍ

عن كلِّ فلسفةٍ، عن كلِّ معتَقَدِ

أريدُ أن أحتفي بالروحِ خاليةً

من أيِّ شيءٍ غريبٍ عن بياضِ يَدي

أريدُ أن أكتبَ الأشعارَ فارعةً

كقامةِ النخلِ، عاشَ النخلُ في بلدي

24-

حتى وإن كنتِ أشلاءً سأجمعُها

لكي أقبِّلَ حتى الموتِ أشلائي

كذلكَ الضوءُ لم يجمع أشعَّتَهُ

إلا وبعثرَها تيّارُ أضواءِ

خذي إليكِ من الأسماءِ أكثرَها

تكسُّراً فهوَ ممهورٌ بأسمائي

***

باسم الحسناوي

 

 

 

عدنان الظاهرمدينة كاردف البريطانية

أشجارُ الأحزانِ تُضاعِفُ مرّاتٍ أشجاني

ايام خريفِ الغُربةِ قبلَ مجيءِ البردِ الشتويِّ القاسي

تبكي دمعاً لونَ العنبرِ في غاباتِ الكحلِ

تبكي دمعاً أغلظَ من أمصالِ عسولِ النحلِ

تبكي الغابةُ والأشجارُ غريباتُ اللونِ على خلفيةِ أثوابِ العُرسِ

لا تعرفُ أصلي أو فصلي لكنْ

يجمعنا هذا الموسمُ إذ يتساقطُ من كلٍّ منا شيءٌ ما :

تتساقطُ

فوقي

أوراقٌ

صُفْرٌ

شاحبةُ اللونِ

فتغطيني من قِمّةِ رأسي حتى أخمصَ أقدامي

كترابٍ في كفِّ مودِّعةٍ زارت قبري يومَ الدفنِ

جاءت بثيابِ حِدادِ اللونِ الليلي

جاءتْ والعَبرةُ تخنقني في صدري:

أأقومُ كما قامت موتى أعرفها من قبلي

لأودّعَ هذا المخلوقَ فما زالت فيهِ بقيا من أهلي

أم أمكثُ تحتَ أديمِ الأرضِ كحبّةِ قمحِ الهرمِ المصري

مُنتَظِراً أيامَ حلولِ الدفء الشمسي ؟

***

دكتور عدنان الظاهر

مدينة ميونيخ / ألمانيا

 

 

فتحي مهذبThanks, sun.

مع ترجمة للدكتور يوسف حنا. فلسطين.


 شكرا أيتها الشمس

لأنك حزنت معي هذا اليوم.

لأنك تنامين أحيانا في بيتي

مثل صديقة من الهنود الحمر.

تأكلين كما هائلا من ظلال الغائبين.

تدخلين وتخرجين على أطراف أصابعك.

ولا تنادين أحدا غيري.

لأنك حزنت معي هذا اليوم الأشيب.

أخفيت وجهك في شال من الغيوم الداكنة.

ودعوت الليل لينام على سرير العالم مثل مقاتل شركسي.

والمطر ليفرغ دورق الدموع

أمام بيوت الجيران.

بينما الأرملة تلعب بالتابوت.

والمعزون يطلقون الحمام من قفص الكلمات.

وفي الحقول المجاورة

ناس يسحبون كيسا ثقيلا من الحظ العاثر.

شكرا أيها الثور المجنح .

الذي يهشم عمودي الفقري بقرنيه المعقوفين.

لأني خذلت فراشة تلاحقها أشباح

داخل غابة نص كثيف.

لأني ربيت نسيانا أشقر في حديقة رأسي.

أطعمته نوارس ذكرياتي الهشة.

وكسوته بجناحين من الفضة.

ليطارد ما خلفه الجواسيس من سعال في مفاصل البيبان.

لأني أطفأت فهدا وخطفت جنازة.

لأني نكلت بنثر الرعاة.

طاردت قطاة بؤسي اليومي.

شكرا يا إلاهي

لقد صرنا صديقين أثيرين

تعبت حد الجنون

لأصل إلى قلعتك البعيدة

قطعت براري آهلة بالوحوش

مدنا تسكنها تماثيل مسلحة ببنادق صيد.

تعبت كثيرا يا رب

لأصل إلى بيتك المطوق بالينابيع

هبني قليلا من الأبدية

لأرتكب مزيدا من الحماقات الجميلة.

أنا أكره الموت في الشتاء.

أكره نظرة القبار المتداعية إلى جثتي.

أكره النوم الطويل في قبر مهجور.

أنا أحب الحانات وجر النساء من مؤخرتهن.

أحب اغتيال القلق المعرفي

في حفل موسيقي باهر

واعتقال عصابة أحزاني

فوق سرير المومس.

أحب صداقة النور النابع من نهديها.

أحب فصاحة أصابعها آناء السكر.

زعيقها المكرور في ذروات الشهوة.

شكرا أيتها الطريق

ثرثارة أنت وقلقة طوال النهار

يعبرك روائي نائم

ماسكا حبلا طويلا

لشنق شخوص روايته العدمية.

يعبرك حصان العائلة

يجر قطيعا من المتناقضات.

يعبرك نهر من الأقدام المتدفقة.

ومع ذلك لا تشتمين أحدا.

وفي العتمة تعيدين قراءة أسرار المارة.

رغم شقوقك العميقة.

لا تبكين أبدا.

لا تنتظرين منظرين لمقاربة جرحك اليومي.

***

بقلم فتحي مهذب تونس

.............................

Thanks, sunيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Thanks, sun

Because you shared my sadness this day.

Because you sleep in my house sometimes

Like an Amerindian girlfriend.

You eat an awful lot of shadows of the absentees

You come in and out at your fingertips

You call me but anyone else.

Since you shared my sadness this gray day,

You concealed your face in a shawl of dark clouds,

Invited the night to sleep on the bed of the world like a Circassian fighter,

And the rain to empty flask of tears

In front of the neighbors' homes,

Mourners release pigeons from the cage of words,

And in the adjacent fields,

People pull a heavy bag of bad luck.

Thanks, winged bull

Who breaks my spine with his hooked horns.

Because I let down a butterfly chased by ghosts

Inside a thick text forest.

Because I raised a blond forget in my head garden.

I fed him gulls of my fragile memories

And clothed him with two silver wings

To chase the cough left by spies in the joints of spouts.

Because I extinguished a leopard and hijacked a funeral,

Because I tortured the shepherds’ prose,

And chased the sand grouse of my daily misery.

Thanks, my God

We have become eternal friends

I got crazy tired

To reach your distant castle

I crossed all wilds inhabited by monsters

And cities inhabited by statues armed with hunting rifles.

I am so tired, Lord

To reach your house surrounded by springs.

Grant me a little bit of eternity

To commit more beautiful follies.

I hate dying in the winter.

I hate the look of the crumbling grave at my dead body.

I hate sleeping long in an abandoned grave.

I like bars and pulling women off their rears.

I love assassinating cognitive anxiety

In a brilliant concert

And arresting gang of my grief

Over the courtesan’s bed.

I love ties of friendship with the light emanating from her breasts.

I love the eloquence of her fingers - edges of sugar.

Her creeping squawk at the height of lust.

Thanks, way

You are talkative and anxious all day long

A sleeping novelist crosses you

Holding a long strand

To hang the characters of his nihilistic story.

The family horse crosses you

Dragging a flock of contradictions.

A river of flowing feet crosses you.

Nevertheless, do not insult anyone

In the dark, you re-read the secrets of passers-by

Despite your deep cracks.

Never cry

Do not wait for pundits to approach your daily wound.A

 

عقيل العبودتنبضُ أنفاسُ اللحنِ ما برحت

وتلكَ المقاماتُ التي أنشدوها، نرددها؛

في أرواحنا

تتدفقُ مثل شلالٍ يُندِرُ ماؤهُ صيفَ الفرات

*

حدائق ما زالت مشرعةً بيوتنا

نستنشقُ من أثوابِ عطرها الزاكيات

تأخذنا لغة الصبر بعيدا،

نتأمل لغةَ العاشقين فيها،

نستحضر الماضي؛

نتعلم فن الإنصات

*

إرث الحضارات ما برحت،

نتنفس الصبر منها

ونعزف لحناً لأجلها،

فتبتسم الحياة

*

معلمنا

على أوتار العود أمست أنفاسه فينا تغني،

يا شادي الألحان ترنيمة*

أبت المشاعر أن تفارقها

محطاتٌ للزمن العابر،

ترسمها،

أحلام عاشقة تزورنا، تعيش بيننا،

في أذهاننا تزهو، تكبر الأمنيات

*

تلك المشاهد،

أطياف تتوزع في القلب، تعود بها الأيام إلى الماضي،

تبحث عن مفردة اللون

وتلك الأمسيات؛

*

منارة بصماتها

بالطيب معطرة، والخبز المحلى

والبركات

(حضيري، وداخل حسن)، ودواوين الشعر فيها، نكهة بقيت مع الطيبين،

مع أنس المضافات*

*

أسباب اجتمعت مفرداتها،

لتصنع وردًا، وصباحات

وتلك حكاية، يتبعها حضور مدينة ما انفك طيب أبنائها بأمجاد المواقف يفخر، والبطولات

*

(يا نجمة، وغريبة الروح، ونخل السماوة)

معلقات للشعر تطربنا،

تمضي بنا صوب أشرعة بها ننحني،

لِمُعَلِّمٍ منه تعلمنا نشيد الحروف، والكلمات.

***

عقيل العبود/ كاليفورنيا

.......................

* مذكرات عن أيام زمان، ومعلم النشيد المطرب الفنان حسين نعمة، والمدرسة المركزية النموذجية المختلطة في ستينيات القرن المنصرم.

* أغنية يا شادي الألحان أول أغنية كان يعزفها قبل أن يصبح مطربا في الإذاعة.

* المضافات: منها مضايف، وهي مجالس للقاءات الأحبة، والأهل تصاحبها أغاني حضيري، وداخل بنكهة الدارمي والشعر العراقي.

 

 

زهراء لطيفيأخمدت السّيول وغمرت الفيضانات شوارع المدينة. أغلقت جميع المكاتب والمدارس والجامعات. فوجئ الجميع بحجم الفيضانات الّتي أدت إلى خسائر كبيرة في قسم المحاصيل والطّرق و...

اشتكى المزارعون واحتجوا أمام مندوب الحكومة الّذي جاء إلى القرية.

يقول أحدهم:

- نحن لسنا فقراء.

يصرخ الآخر بعصبية:

- نحن نطالب بحقوقنا فقط.

شقّ رجل طویل القامة، سمين وذو بشرة

داكنة صفوف النّاس وتقدّم وقال بصوت مبحوح:

"اسمعوني جيّداً، السّيّد عدنان لا يفهمكم الأفضل أن تتحدّثوا إليه باللغة الفارسيّة.

تعالى الضّجيج وارتفعت الهمهمة وتعالت الأصوات:

- كيف لا يفهمنا؟!

- إنه أحد أبنائنا.

بعد التّحيّة والسّلام بدأ السّيّد عدنان يخاطب النّاس:

- عزيزان توجه داشته باشيد، دولت در جريان تمام مشكلات شما قرار دارد و به زودى تمام آنها رفع خواهند شد.

كان هناك من يضحك، ومن يسخر ومن يبكي على حظه:

- أتى ليحل مشاكلنا ويقول لا يفهمنا!

انتهى لقاء المندوب عدنان بأهالي قرية رمضان وعاد إلى البیت خالي الوفاض. كان يوم مرهقا بالنسبة له لأنه لم يستطع التّواصل مع النّاس، وإن معظمهم لم يفهموا لغته.

 

في مساء نفس اليوم خرجت زوجة عدنان مع أطفالها الصّغار إلى ساحة البيت وهي تغني معهم:

"الواحد هو ربي

 اثنان ماما وبابا

 ثلاثة هما إخواني

 أربعة هما أصحابي

خمسة أصابع يدي

 ستة أقوم من نومي

 سبعة أروح إلى مدرستي.."

منذ أن تزوجت زینب من عدنان، لم تكن  تتحدّث باللغة العربيّة كثيرًا، ومنعت من التّحدّث إلى أطفالها حيث يطقطقون في أذنيها أنّ اللغة العربيّة ليست مفيدة لهؤلاء الأطفال، وأن الجميع سوف يسخر منهم عند دخولهم المدرسة.

ولكن الورشات الأخيرة الّتي كانت تشارك فيها برفقة إحدى صديقاتها جعلتها تفكر وتسعى أن تدّرس اللغة بشكل جيّد وتمارسها مع صغارها.

بدأت السّاعة تقترب من الخامسة وبدأت الأمطار تهطل وتهب الرّياح الباردة

ولكن زينب تابعت الغناء تحت المطر وكأن نورا قد نزل في قلبها.

كانت أصوات الأطفال لا تزال تجول في ساحة البيت عندما فتح السّيّد عدنان مصاريع النّوافذ باشمئزاز وهو يصرخ:

- لغتي هويتي، هع هع...

***

زهراء لطيفي

أهواز/ ربيع الأوّل/ ١٤٤٣

 

 

ناجي ظاهرعندما تقدّم سليم لخطبة سليمة وافق اهلُها مبتسمين وانزوى والدها بوالدتها وهو يكاد يلتصق بها، "سليم وسليمة. طنجرة ولاقت غطاها"، ابتسمت الوالدة ولم تفه بأية كلمة، مما أوغر صدر الوالد عليها إلا أنه فضل الصمت حرصًا على جمالية اللحظة. مرّت فترة الخطبة بسرعة البرق، وتعرّف كلٌّ منهما- هما سليم وسليمة- على الآخر، مقررًا أنه لا مفرّ، هو أراد سليمة وفي ذهنه ساقاها الجميلتان، وهي أرادته لأنها أرادت مُغادرة بيتها وما حفل به من صراخ على الطالع والنازل بين أبيها وأمها. تزوّج الاثنان، وبعد انتظار طويل وجد العريسان نفسيهما في غرفة واحدة. جلس سليم على حافة السرير إلى جانب سليمة، حارصًا على أن يحتك جسمه بجسمها، ومدّ يده برقة عصفور ورفع طرف الطرح عن وجهها. تمعّن في وجهها، فرآه أجمل مما كان عليه خلال الزفاف، ابتسم وهو يتمتم:" قمر". وكان أن ردّت عليه سليمة بقول مفاجئ:" شكلك مش مصدّق إني صرت زوجتك". ابتلع سليم ما اعتبره مسًا بكرامته. وحاول في سريرته مسامحتها عازيًا إياه إلى أنها غير متعلمة وبالكاد تفك الحرف، على الخلاف منه هو الاستاذ المحترم في مدرسة البلدة. كانت هذه المفاجأة الاولى في ليلة الدخلة، أما المفاجأة الثانية فقد وقعت بعد هذه بقليل، وتمّت بعد أن حاول سليم ملامسة جسد سليمة، واقترب منها حد الالتصاق، فابتعدت سليمة وهي تطلب منه أن يسمعها جيدًا، وأخبرته أنها حلمت طوال عمرها الماضي أن يكون زوجُها عصفورًا، لا يقترب منها إلا بعد أن يطلق زقزقته كأنما هو يستقبل أول نهاره الباكر. بما أن العريس كان مشتاقًا لعروسه أخذ يرسل زقزقته متقافزًا مثل عصفور عربي أصيل، وفوجئ بعروسه تُطلق في المقابل زقزقة مماثلة. بهذه الزقزقة تتوّجت ليلة الدخلة بالنجاح، وقضى سليم ليلته ملتصقًا بالساقين اللذين أتيا به إلى غرفة الزوجية الميمونة.

انتهت تلك الليلة بسلام نسبي، ونتيجة غير مُرضية لسليم على الاقل، فهو لم يكن مرتاحًا لما فاضت به قريحة زوجته الجديدة، وشعر بنوع من الاجهاد لم يخرج منه إلا عندما تمكّن من عزو ما حصل ليلة الدخلة إلى جهل زوجته، وعدم معرفتها بالاتيكا الاجتماعية. زاد في ترييحه نفسه.. ثقته بنفسه، وخاطب الرجل في داخله قائلًا: بإمكانك أن تُصلح كل شيء. أنت مَن علمت آلاف الطلاب لن تعجز عن تعليمها. انفرجت أساريره وافتر ثغره عن ابتسامة عميقة. عبّر فيها عن ثقته الفائضة.

بعد ارتياحة النسبي هذا، أغمض سليم عينيه ليرى ملك الكرى قادمًا من بين زقزقات العصافير على الاشجار المتشابكة، ربّت الملك على كتف سليم فاستسلم هذا لنوم عميق، ممنّيًا نفسه بليلة أفضل من سابقتها، غير أن ما حدث كان خلافًا لكل توقعاته، فقد نام يومًا وليلة، ولم توقظه يد زوجته الشابة.. كما توقع.

استيقظ سليم بعد نومةٍ كهفيةٍ على واقع جديد، غير ذلك الذي توقعه ورسمه في خياله، ومنّى نفسه بأن ينعم به وبخيراته. فقد كشفت له الليلة الاولى عن الكثير من المخبأ له والمستور عن رؤيته ورأيه ايضًا. بيد أنه شدّ على ساقه وهو يؤكد لنفسه أنه هو مَن علّم أجيالًا وأجيالًا من طلاب بلدته لن يعجز عن تعليم زوجته..

لم تشهد الفترة التالية على هذه الاولى ما يذكر في الحياة الزوجية لكل من سليم وسليمة، وحفلت بمحاولات متعدّدة ومتكررة من سليم لتعليم زوجته سليمة. بعد فترة ليست قصيرة اكتشف سليم أن زوجته تأخذ مما يعلّمها اياه ما يروق لها وتنبذ ما لا يروق.. فأخذ يفكّر حتى توصّل إلى نتيجة.. ما لبث أن بادر إلى تنفيذها.

ما حصل بعدها، أن سليمة حملت على مضض منها، وانجبت في السنة الأولى ابنتها البكر سلمى، في العام التالي انجبت ابنها سلامة، وعندما حملت بابنها الثالث سلام، كان صبرها قد نفذ، فتخنصرت بيديها الاثنتين وهي تتوجه إلى زوجها صارخة به: اسمع تقلك.. أنا لست ماكنة تفريخ. كل سنة أضع لك صوصًا جديدًا!!، هنا لجأ الزوج المنهك إلى الحيلة فأدنى وجهه من وجهها، وقال وهو يلمس ابتعادها عنه: طوّلي روحك.. بكرة بكبروا كلهن مرة واحدة وبمتلي بيتنا صبايا وشباب. ما أن سمعت الزوجة الغاضبة هذه الكلمات حتى صرخت بوجه زوجها قائلة: بكفي ثلاث اولاد. انا مش ماكنة تفريخ. ابتلع الزوج لسانه، وهو يمنّي نفسه بأنه قادر على تجاوز كل ما يواجهه أو قد يواجهه من ازمات مع زوجته العصيّة. كما ابتلع وعده لنفسه أن يجعلها تنجب أربعة ابناء.. آخرهم سُليم.. وهو ما لم يتوفق فيه.. وخلف في نفسه احساسًا رهيبًا بالفشل!!

مضت السنوات وكبر الصغار يومًا اثر يوم وعامًا تلو عام، ولاحظ الزوج أن زوجته على خلاف ما رسمه وتوقعه تبتعد عنه ليلة اثر ليلة وولدًا بعد ولد، فما كان منه إلا أن شرع في فترة أخرى جديدة، فقد جاء على نفسه، واقنعها بأنه يجب أن يُفسّح زوجته وأن يصطحبها في رحلات عائلية. وهكذا كان.. ابتدأ ابناء العائلة برحلاتهم العائلية.. سوى أن الغريب هو أن الزوجة كانت تبتعد مع كل نزهة جديدة عن زوجها. ابتعاد الزوجة هذا عن زوجها جعله يتساءل عن السبب، فقد علّمها كيف تُحصّل حقها، وأطلعها على القوانين ما لها وما عليها، وعندما أخبرها أنه بإمكان الزوجة أي زوجة، إبعاد زوجها عن البيت في حال مضايقته لها، لمعت عيناها، واضمرت أمرًا.

قلق سليم جرّاء بُعد زوجته المتزايد عنه، دفعه لمراقبتها من بعيد، فهي إما تعاني من عقدة نفسية، وإما هناك.. ورفض سليم الموافقة على أنه يُحتمل أن تكون لها علاقة برجل سواه.. إلا أنه فوجئ، ذات ليلة بأمر جلل. كان ذلك عندما عادت زوجته من زيارة لأهلها، وجلست في غرفة الاستقبال، وراحت تتحدّث مع غريب ماخذة راحتها، اعتقادًا منها أنه لا أحد سواها في البيت. فيما كان زوجها يستلقي في غرفة نومهما. سمع سليم كلمات غامضة. دبّت شكوك العالم كلها في قلبه، إلا أنه لم يفه بأية كلمة تشي بأنه يشك بزوجته. فعل هذا لسببين، أحدهما أن شكه سيدل فيما يدل عليه أن غريمه أفضل منه وهو ما لا يرضاه مُعلّم الأجيال، سليم أبو سلمى، والآخر أنه أراد تحين الفرصة ليلقي القبض عليها متلبّسة بالجرم الاكبر، وهو ما عزّ عليه، لأنها كانت اكثر حذرًا مما خطر في باله، أضف إلى هذا أنها كانت تلميذته التي تلقّنت منه الدروس العلمية.. واحدًا تلو الآخر، وكان من المفترض أن تنجح في أصعب امتحاناتها، وهذا ما كان. الأمر الذي دفع بالزوج العصفور مهيض الجناح إلى المزيد من التضييق على عصفورته السيدة سليمة. ودفع الزوجة بالتالي لتهديد زوجها بالإبعاد عن البيت، كما يخوّلها القانون في حال مضايقته لها. تقبّل الزوج تهديد زوجته بابتسامة آسف، عمرها يساوي عمر زواجه وعمر ابتنه الكبرى سليمى.. وغادر بيته.. وهو ينظر إليه بحسرة.

***

قصة

ناجي ظاهر

 

قدور رحمانيالإهــداء: هذه قصيدة ٌعن العراق العظيم.. أرفعها إليه بعينين خاشعتيـن.. ومن خلاله أرفعها إلى إخوتي المكلومين في كل أقطار الوطن العربي وفي ديــارالغربة والمنفــى ..


 عيناكَ

عراجيـنُ قناديـلَ مُـبلـّـلةٍ

وتفاصيلُ غروب مذبوح تمـلأ حَـنجـرتي

وعساليـجُ جــراح

تتـلعثــمُ .. تشهَــقُ في مُـنكـسَـرالدمــع

وتنزفُ مثـلَ كمنجات البرق على شفـتـي ..

عيناكَ

روائـحُ نحــل وتراب

تـنـْسُــلُ من كل جهات الريح

سياطا

تجلدني بالمُــرّ.. وتجلدني  بالحُـلو..

وتجلدنــي .....

تتعــرّى كسواقــي الصمت

على منحدرات مغـيـبـي

ثــم  تصب مواويـلَ  حرائقـها

فــوق سواحـل أوردتــي ..

عيناكَ

براعـمُ  جمـرتـتـفــتـّـقُ في صدري

وضباب دمـي

كأحاسيس الأدمع في ثــُـقــَـبِ الشريانْ ..

وزخــارفُ من بـرق

تـتـزاحــم  فوق شجيرات الوشــم

وفي كــتب الغيـم المطويّـة في الخـفـقـانْ ..

تـنفـُـخ في سُــدُم القـلب

بذورَ حنينـي  وجـذورَ أنينـي

لتشكل غاباتٍ من شفــق في مملكة الهـِـجْرانْ ..

عيناكَ

مصابيـحُ رنيــن وصــدًى

تــَـعْـشـَـوْشِـبُ في أدغال الأزل المفتــوح

على الأبــد ..

قمران من الفردوس وَشـَـمْـتـُهُـمَا

بجُـفـُـون الحُــور

وكـُحْــل الجَـوهــر في كبــدي

وإذا قـبّـلتهمــا اشتعلتْ

كتبُ الحب جميعا

كعناقيــد الكـرَزالبـرّيّ على جسدي ..

منــذ تشابكنا

في عُـلـّـيق ملامحنا

وتشكلنا تحت ضُــروع المطـرالشمســيّ

غِــلالا وظـلالا

وهــوادجَ من بَــوْح ودم

لم يَـقــدرْ أحــدٌ مِـنّا أن ينجُــوَ مـن أحــد ..

عيناكَ

هُمَا زادي وجوادي

وهُمَا أقــدَمُ  ســورة حب

في ميناء النبض أرتـلها

مـع وحــدي

بأناملَ دامعــةٍ ..

وتـرتلها  - من تحت أصابع أمـي -

هُـدُبُ المصباح معـي

بمقامات الســرّ وأخـْـفــَى

كهديل نـُجَـيْــم أسْــوَدَ

يَـغـْـرَوْرقُ فـوق ذوائب عَــوْسَجَــةٍ  حَــرّى

تحـضُــنُ جرحــا مفتوحا

كشـراع ٍ مـن سِــدْر ٍ

يَـنـْسُــلُ في صمتٍ من أرَقِ الغربة والمنفــى ..

عيناكَ

إذا انكســر السيفُ علـى ظمَــإ

سَـرّبـَـتـَا  لــي

من أهـدابهـما سيــفــَا

وينابيــعَ

أ َخِـيـط ُ بأنغـام تـنهّــدها

أوردتــي المثـقــوبــة َ والـنـّـزْ فـَـا ..

عيناكَ

هُمَا فاتحة ُ الشهد وفاتـنـة ُ العِـقــد

ومئذنــة ُ المعنــى ..

وهُمَا زُغــرُودة ُ كانونَ ومحبـرة ُ التكوين هُـمَا ..

وهُـمَا المبتدأ اللـؤلـؤ ُوالخبــرُ الأقســى

وهُمَا المجدافُ إذا أبْـحَـرْتَ معي

والزورقُ والمرسَى ..

عيناكَ

إذا انطفــأ الأفـْـقُ تحـَـوّلتـا

في عينــيّ هُمَا أفـُـقــي المقمــرَ والشمسَا ..

**

في رَونــق عينيك َوكفيكَ تصُـبّ إنـَانـَا

بـُحّاتِ مفاتـنها ..

تترقـرقُ من كل مناطـق سُـكـّرها ..

كجلال الصبح

تـُـسَـرّحُ أجنحــة ً من فردوس خمائلها

تتخطفـنــي  بين كهــوف دمي

وشعــاب يــديّــا ..

وأنـا لمّـا قــرّبتُ قـليلا - من شهد يديكَ وعينيكَ -

فمـي

لم أقــدرْ أن أ ُرْجـِـعَ شيئا من شفـتـيّــا ..

وطني

إن جهاتِ البحرجميعا مالحة  ٌ..

ونصيبي منك كحظ السهم

إذا قـرّبــه صاحبُـه

من منحدر الصدر كثيرا وكثيرا

طــارالسهم بعيدا وبعيدا ..

وطني

إن عِشـَـارَ حنيني أكوام من فحــم

وعلى مرمَى حجرأو مرمَى سفــر

تتناثــر ليلى

مثـلَ فصوص القمرالمكسـور

على شطآن مدامعها ..

تـَـغـْـرَورقُ في ألوان الطيف

وترعُـف فوق رماد عروبتها

كالياقوت الأحمــر

من كل ملامحها

وتـُطـرّز ريحـًـا مظلمـة ً وخياما تتشظى

في تـَحنان ضفائرها

وصحارَى

من خلف روائحها مـُـدن ٌ وقـُــرًى

كجـروح بجـروح تــتــوَارَى ..

يَا كـَـمْ تـزداد رُضَابــًا عــذراءُ الحنظــل في فمها ..!

ولـَـكـَـمْ تـزداد سرابــًا

أنثــى المــاء على شـفـتيـها

وهْـيَ تــُـقـبـّـل في عطش قيسَـا .. !

وطني

إن  سماواتِ العيـن زَرَابــيِّ ُ غـُـبَـار ودم ٍ

فمتى نستوعب ياوطني الدرسَـا .. ؟

***

قــدور  رحمانــي / الجزائر

 

 

علي نويربامتدادِ ظِلالٍ وأوديةٍ،

حيث ُشانديزُ* تعلو،

وتهبط ُ

تعلو

وتهبط ُ

تعلو كما موجةٌ،

وأنا مُنتشٍ،

.. أسوايَ الغريق ْ؟

 

شجرٌ يتطاول ُ

عبر انحناءةِ هذي الطريق ْ.

 

ليس في المنحدَرْ

غير هذا الظلامِ هنالكَ يزدان باللافتات ْ

ونافورةٍ من ضياء ْ.

غير هذي المفارشِ :

مُتّكآت ٌ هنا،

مُتّكآت ٌ هناك ْ،

غير هذي المقاعدِ مأهولة ٌ،

وأخرى بدت ْ خاليه

أتُراها خلت ْ؟

أهيَ مأهولة ٌ بالأماني الخَبيئةِ؟

لا شيءَ

لا شيءَ

لا شيءَ أجمل ُ

من مقعدٍ فارغٍ،

مُنزوٍ،

بعد ليلٍ طويلٍ،

على سَفْحِ أيّامك الآتيه.

***

علي نوير

شانديز / إيران

...................

* بلدة ومُنتجع يقعان شمال شرقيّ إيران، على مسافة أربعين كيلومتراً من مدينة مشهد.

 

 

 

عبد الامير العباديحينما تزفُ الالهةُ فرحها

تجلسُ الاميراتُ مخدراتٍ

اعياهن وجومُ حراسِ المعبدِ

ونظراتُ حاشيةِ الملكِ

وانتظارُ مديحِ رجالِ الدجلِ

 

تلكَ الجاريةُ

اما كل جسدها من الرقصِ

او تيبسَ جسدها المنذورُ

هذا الجسدُ الذي تلامسهُ

الايدي الملوثةُ بدمِ التعساءِ

 

في آيوانِ الاكاسرةِ

تنتهي الاسئلةُ

وتبقى ريشةُ الطاووسِ محلقةً

لن تسقطها الا نظراتُ المتعبينَ تشفياً

او يقظةُ سيفٍ بيدِ ثائراً

 

مَن يجمعُ اشلاءَ الحماماتِ

لقد قطعتْ وتناثرتْ  فوقَ

البوادي،مَن يعيدُ لها اجنحةَ الحريةِ

مَن يعيدُ هذا الزهوَ

انه يحتضرُ في اروقةِ الخلاصِ

 

في البلادِ العتيقةِ

تأتي الطيورُ تحطُ بين زوايا

المزاراتِ،تتعلمُ الترويضَ

تهبطُ وتطيرُ بخرسٍ وتعويذةٍ

انْ مسها حسدٌ طارتْ

تبحثُ عن حريتها

ليتنا نتحررُ من عقلٍ حجريٍ

 

يالهُ من وجومٍ اطبقَ دهراً

انهُ يحفرُ حجرَ الجبالِ

يأتي بزيفٍ يشوهُ تقاسيمَ الشجرِ

حتى ينفضَ عنها الشجنُ

تستغيثُ بالريحِ

ما عدتُ اقوى نشازَ هذا الوجودِ

 

مخلوقٌ هذا التيه

يلازمنا في رحلةِ الشتاءِ والصيفِ

يتمشى يحزُ روؤساً تلوَ الرؤسِ

تتساقطُ في طرقاتهِ حوافرُ الخيلِ

المثبطةِ حيث ازيحتْ بكارةَ صحوها

 

لكم سولتْ لنا الاقدامُ

نمضي الى طرقاتٍ تأبى الوصالَ

انَّ هوسَ ذاكرتنا

آهاتُ الحديثِ لم يصدقها

ملاكٌ قد ينزلهُ الربُ

ينكفىء فوقَ اجنحةِ التوسلِ

وخطابٌ لا يقبلُ الاعتذارَ

 

ساجمعُ كلَّ كنوزي

أأخذُ كلَّ عطورِ اشجارِ الحدائقِ

انفضُ غبارَ نرجسيتي

احيك، اليك من روائحِ الدنيا

صليباً يطردُ عنك عيونَ الحسدِ

 

لأن اللهَ خلقني من نطفةٍ

سوفَ اتناسلُ ،بين المدنِ الفسيحةِ

ربما أعيدُ مجدي التليدَ

طفلاً في حضنِ امي

اني اشتقتُ هزها للمهدِ

لصريرهِ الآسر

***

عبدالامير العبادي

 

 

فرات المحسنللمرة الخامسة يأتون به إلى هنا، مشدوهًا متوترًا تدور عيناه برعب وقلق بين الوجوه وجدران البناية. خطواته كانت ثقيلة مرتبكة، وثوبه كالح مغبر. إبراهيم خضير عبد النبي جندي مطوع، قبل الحادث بثلاثة أشهر لا غير، هكذا ورد أسمه ووقائع خدمته العسكرية، في سجلات وزارة الدفاع، ومثلها عند مختار مدينته. اسم أمه نجية فزع هذال، وهو أبنها الوحيد على رأس ثلاث فتيات، وهي من ترافقه كل مرة حين يطلبونه للتحقيق.

في الغرفة ذات الجدران الكالحة الألوان، جلس مضطرب الفكر، يجول بنظراته الفزعة فضاء الغرفة. أمامه لوحة كبيرة خط عليها بلون ذهبي وعلى خلفية سوداء آية قرآنية. كل شيء سواها وكرسيين متقابلين ومنضدة عريضة، كان محتوى الغرفة الواسعة، التي تردد جدرانها صدى أصوات تهذر في الخارج.

 جلس العقيد عند الكرسي المقابل، ببذلة جديدة مكوية ومنشاة،خلع غطاء الرأس ورماه إلى المنضدة، وراح يفرك راحتي يديه ويزفر متبرما.البارحة لم تكن ليلة ذات طعم، فقد أضطر لترك مجموعة الأصدقاء قبل الساعة العاشرة ليلا، دون أن ينال منهم ما يشفي غليله، مثلما كان يأمل حدوثه كما الليالي السابقة، وأضطر لتناول عشائه في مطعم رديء الخدمة عند نهاية شارعهم، بعد أن أخبرته زوجته هاتفيا بطلب والدتها وأخواتها المبيت عندهن فوافقتهن، وتذكرت مع كلمات خجولة ومتسرعة، بأنها نست أن تعد له الطعام. 

ـ هيا أخبرني، ما الذي حدث يا إبراهيم، أين كنت حين حدثت المجزرة؟ لا تخف حدثني بالتفصيل. لن يؤذيك أحد.

هكذا بادر العقيد بطرح أسئلته. كان يرغب بالحصول من إبراهيم خضير على معلومة تفيد التحقيق، حول ما حدث هناك، ليعد تقريره، الذي وعد به مرؤوسيه عن طبيعة الحادث الجلل.

ـ لقد سحبونا جميعا، هرولنا، أوقفونا بالطابور، كان ذلك يوم الخميس في مدرسة طارق بن زياد الابتدائية، كنت أقف نهاية الطابور من الصف السادس، وكانت ساعة رفع العلم. وقفنا صفا واحدا ننشد للعلم، فجأة زمجر الرصاص، فار الدم وغطى كل شيء، كان جسده ثقيلا حين هوى فوقي، غطاني بالكامل وسال دمه فوق وجهي، وما لبث أن صمت كل شيء، ولم أعد أسمع نشيد رفعة العلم. 

ـ حسنا أبني ..هل شاهدت وجوه من أطلق عليكم النار، ألم تتعرف على أحد منهم؟

ـ كنا لاهين ننشد نشيد رفعة العلم.

 ـ يا ابني أي رفعة علم تتحدث عنها. حدثني عن المجزرة التي حدثت لك وللآخرين في معسكركم خارج المدينة، انتبه لي جيدا، حاول أن تتذكر.

قالها وهو يبتلع ريقه الجاف، وينظر نحو زجاج الباب، حيث عيون الجنود تتلصص بين فينة وأخرى. 

ـ كنت عند نهاية الطابور الذي رصفونا فيه، انطلقنا ننشد نشيد رفعة العلم، ثم لم نسمع غير صوت الرصاص.

ـ ولكن هذا لا ينفع في شيء، انتبه لي جيداً وحدثني عن واقعة المعسكر، ما الذي تتذكره منها.

قال العقيد جملته متبرما، وبجزع ظاهر أشعل سيجارة أخرى، وراح ينفث دخانها بعجالة وغضب.

ـ كنت أقف نهاية الطابور في الصف السادس في مدرستنا مدرسة طارق بن زياد يوم الخميس، رفعنا العلم وأنشدنا، ثم أمطرت السماء رصاصا، بعدها غطانا جميعا دم أحمر قان، فلم أستطع إكمال الإنشاد مع أصحابي.

مثل المرات السابقة دعك العقيد سيجارته بكعب حذائه وصاح مناديا الحرس.

ـ تعالوا خذوه إلى عائلته، لا نفع يرجى منه.

 

فرات المحسن 

 

 

 

الحسين بوخرطةفي يوم صيف من شهر غشت من سنة 2021، تسجى عبد القادر، رئيس مركز هام في هرم مؤسسات وطنه المغرب، على سرير نومه المغطى بشراشف بيضاء. أبحر في تفكير عميق في قضايا مصيرية مرتبطة بمسؤولياته. تعسف على نفسه لتعميق تأملاته عازما دوام احتكامه للعدالة والشفافية والنجاعة في مهامه. انتابه سهاد عميق سيطر على وجدانه بفعل مآل قراراته المفترضة وارتباطها بسمو قيم وجوده. أخذه بغتة نوم عميق، واستلبه كابوس مخيف.

رأى في المنام أنه تحول إلى مسؤول أسطوري له اثني وعشرين أذن وظيفية. فإضافة إلى أذنيه العاريتين الملتصقتين برأسه، نبتت أربعة آذان تحت إبطيه، واثني عشرة أذن أخرى ملتصقات بعظام رجليه مشدودات بوتري العرقوب: في كل رجل، انتصب اثنان بعظام الرسغ، وتثبت اثنان بعظام المشط، واثنان بعظام السلاميات.

عاش يوما مكهربا للغاية، تعاطى من خلاله مع قضايا أعوانه وطلبات المرتفقين المشروعة، واتخذ قرارات أغلبها مؤلمة ومضرة بحقوق المعنيين بها. لقد تأكد له أن قراراته كانت في أعلى مستويات العدل والإنصاف عندما اعتمد على أخبار أذني رأسه، وكانت أشد ظلما عندما اعتمد مسامع إبطيه، واعتباطيا عندما استسلم لأخبار مسامع رجليه.

استيقظ مرعوبا، حملق يمينا ويسارا، همس لنفسه مقنعا إياها بأهمية الهدوء والتروي في هذه اللحظة الربانية، وألزم نفسه بمعالجة كل قضايا الناس المصيرية من خلال اجتماعات رسمية لا يستخدم خلالها إلا أذني رأسه العادلة.

***

الحسين بوخرطة

محمد حمدسئمتُ الانتظار على ارصفة النسيان المتربة

برفقة مراهقين من كبار السن فقط !

أكلوا اعمارهم على ثلاث موائد شحيحة:

الطفولة والصبا والشباب...

صرتُ استجدي الابتسامات على علاتها

من متسولي الحب واشباه العشاق

وانصار "عش انت...انّي متُ بعدك"

اختلطت في مقلتيّ لواعجُ مشتاق لمشتاق

بصراخُ الابكم

وصمتُ الجندي المجهول

وأشياء أخرى لا تفسّر الا بالصوت والصورة !

 

بمناديل مرصّعة بلآليء  الكلمات

وأريج الذكرى

جففتُ دموع أكثر من مجنون

كان يبكي على ليلى سواه !

وودّعتُ تباعا

قوافل هند وخولة وام الحويرث

الى صحارى الذئاب

ومدن الضباب

دون أن ابتعد قيد أنملة

عن حدود ذاكرتي !

 

بدأتُ رحلة الانتظار مشيا على أسنّة القوافي

حافي القدمين

خطوة إلى الأمام

وخمس خطوات في نفس المكان

(المجهول)

حتى اكتشفت أن الأرض فعلا كرويّة !

وكانت تحصي خطواتي

باثر رجعي

نيابة عن اشباح مزوّدين

بعيون

حلزونية الشكل

ونظرات كاتمة للصوت...

***

محمد حمد