جاسم الصفارفي حوار بث على الهواء مباشرة، ذكر السياسي الروسي المخضرم فلاديمير جيرينوفسكي أن الحضارات التي سادت في التاريخ، أفلت لأسباب عديدة دون أن يتسنى لها النهوض مرة أخرى، وأضاف مازحا ان ما تركته الحضارة الرومانية للعصور المتقدمة ليس أكثر من "معكرونة" أما ما بقى من الحضارة ألألمانية فهو " سيارة المرسيدس" وهكذا استرسل في ضرب أمثلة عن هزالة ما تبقى من حضارات أوربية أفلت بعد أن كان اشعاعها يملأ الدنيا. وبغض النظر عن أهمية ما صرح به جيرينوفسكي في القناة الروسية الاولى، الا أن دراسة عناصر ديمومة الحضارات وقدرتها على الصمود بوجه عوامل انهيارها وتبدد آثارها، لن تفقد أهميتها بالتأكيد على مر العصور.

لا ريب في أن الانسان، منذ بزوغ فجر الحضارات، كان العنصر ألأبرز في نظام ديمومة الحضارات ونهوضها وكبوتها ثم انبعاثها. والحديث هنا عن الحضارات العالمية الاصيلة التي تركت أثرها في التركيبة النفسية للإنسان وقيمه الأخلاقية. فالحضارات الاصيلة هي وحدها القادرة على صياغة ورصف نوتات الموسيقى الداخلية للإنسان والارتفاع به فوق الحيوان على مر العصور (على هذا النحو كتب بوريس باسترناك في الدكتور زيفاكو).

في الإتحاد السوفيتي السابق، رغم المناخ الأيديولوجي والحزبي السائد آنذاك، كانت هنالك قيم أخلاقية سامية تجلت في الاعمال ألأدبية والسينما والمسرح. من تلك الاعمال فلما سينمائيا تم عرضه في سبعينات القرن الماضي في صالات العرض في موسكو ومسرح أحداثه روسيا السوفيتية فترة الحرب الاهلية بعد استيلاء البلاشفة على السلطة، والتي كان محوراها الرئيسيان هما الجيش الاحمر البلشفي المدافع عن ثورة اكتوبر والجيش الابيض المدافع عن النظام القيصري. وتجدر الإشارة الى أن ضباط الجيش الأبيض، في جلهم، تميزوا بتقاليدهم العسكرية القيصرية الارستقراطية مع مستوى لا بأس به من الثقافة.

يروي الفلم احداث معركة بين كتيبتين من الجيشين في منطقة ريفية نائية، يقع فيها أحد ضباط الجيش الابيض اسيرا بيد الكتيبة الحمراء. بعدها تنتقل احداث الفلم الى الخطوط الخلفية للجبهة حيث يبدأ التحقيق مع الضابط الاسير. والذي تنشأ اثنائه علاقة ود وثقة متبادلة بين الضابط المحقق والاسير الذي كان يرد بهدوء وادب على اسئلته. والتحقيق في الجبهة، حينها، كان اجراء روتيني يدون فيه المحقق افادة الأسير قبل ارساله الى أقرب مدينة يسيطر عليها البلاشفة ليعاد التحقيق معه والحكم عليه، وهو غالبا حكما قاسيا.

بعد انتهاء التحقيق الاولي وتنظيم اوراق الارسال، قرر الضابط البلشفي، وهو من اسرة تحسب على الانتليجينسيا الروسية، التريث في قرار ارسال الضابط الابيض الى المحكمة. فيستدعيه مجددا للإجابة على سؤال واحد، هذه المرة، وهو ان لو أطلق سراحه، هل سيعود لقتال البلاشفة من جديد. تأمل الاسير في وجه المحقق، غير مصدق إمكانية حصول ذلك، واجابه بعد تردد لم يطل كثيرا، انه مستعد للقسم بعدم عودته لقتال البلاشفة من جديد وانه سيعتزل العمل في الجيش القيصري ليعود الى اسرته التي تحتاج اليه في تلك الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. وإثر سماعه لإجابة الضابط الابيض، امر المحقق بإطلاق سراح الاسير على مسؤوليته الخاصة وبضمانة شخصية منه اقنعت زملائه في الكتيبة، على مضض.

تمر بعد هذه الحادثة اسابيع اخرى من القتال الضاري بين الطرفين، تنتصر في نهايتها الكتيبة الحمراء على الكتيبة البيضاء ويفر قائدها مع بعض من ضباطه من ارض المعركة الى نهر الفولغا القريب من الجبهة، ليقلون زورقا صغيرا كان متروكا على الشاطئ منحدرين به مع المجرى. ولكن المطاردين لهم من الكتيبة الحمراء استبقوهم الى موقع ضيق من مجرى النهر يوصل بين ضفتيه جسر. فكمنوا للضباط الفارين فوق سطح الجسر. وعند اقتراب الزورق من الجسر، رفع أحد الضباط البيض ناظوره لمراقبة الموقف على الجسر، فشاهد وجه الضابط الاحمر الذي حقق معه في الاسر والذي وعده بعدم العودة للقتال ضد البلاشفة.

تنحى الضابط الابيض نحو طرف الزورق، والقى بناظوره الى الماء دون ان يخبر زملائه بالموقف، واخرج مسدسه ليطلق النار على رأسه منتحرا وعيونه شاخصة نحو نفس المكان الذي شاهد فيه ضابط التحقيق، ليسقط أثرها في النهر جثة هامدة.

هذه كانت حكاية ضابط روسي اعطى كلمة شرف لعدوه ولم يلتزم بها فانتحر لكيلا يعذبه شعوره بالدونية إذا ما وقعت عليه عينا المحقق، وربما ايضا لكيلا يتعرض الضابط البلشفي، الذي أطلق سراحه، للمساءلة بسببه. بهذه الصورة وفي أعمال أدبية عديدة كان ألكَتاب السوفييت يعبرون عن التركيبة النفسية والقيم ألأخلاقية لإنسان ساهمت النخبة العلمية والثقافية في زرعها داخله على مدى قرون منذ الإمبراطورية الروسية.

هناك حقيقة تاريخية معبرة، جرى الكتابة عنها مؤخرا في روسيا، وهي أن المقاومة الروسية لجيش الاحتلال الألماني لم تأخذ مسارا جديا الا في عام 1942، قبلها كانت الدولة السوفيتية منكسرة تماما، فمنذ بداية الحرب خسر الاتحاد السوفيتي مساحات واسعة من أراضيه وهرب من الخدمة العسكرية، خلال تلك الفترة، الاف المجندين واستسلم للجيش الألماني حوالي نصف مليون محارب سوفيتي. فبسبب التجربة القاسية لنظام حكم ستالين والبيروقراطية الحزبية المفرطة في الجيش السوفيتي، لم يظهر الروس (كانوا يشكلون 75% من الجيش السوفيتي) أي تفاني في مواجهتهم للغزاة الالمان في بداية الحرب. أما حين وصلت الحرب، بعد سلسلة من الهزائم الكبيرة، الى مرحلة تتقرر فيها مكانة شعب روسيا ومستقبل قيمه الحضارية، تغير مسار الحرب وتنوعت سبلها.

وبالمناسبة، فان ستالين كان قد أدرك أهمية ودور التراث الحضاري العلمي والثقافي لدى الشعب الروسي في بعث قيم الكبرياء والاباء الوطني، لذا خاطب الشعب الروسي، تحديدا، من على منصة الساحة الحمراء في موسكو نهاية عام 1941 مذكرا إياه بعظمة تراثه الحضاري فقال: "دع السيرة الشجاعة لأسلافنا العظماء - ألكسندر نيفسكي، وديمتري دونسكوي، وكوزما مينين، وديمتري بوزارسكي، وألكسندر سوفوروف، وميخائيل كوتوزوف - تلهمك في هذه الحرب!"

بعد تعثر الهجوم النازي على الاتحاد السوفيتي نتيجة للمقاومة الباسلة التي ابداها الجيش السوفيتي وانخرط فيها فدائيون شعبيون تمترسوا في الغابات حول القرى التي دخلها الالمان. قررت القيادة الالمانية انشاء جيش من المعارضين للنظام السوفيتي من بين المتعاونين مع المحتل الالماني في الاراضي السوفيتية اضافة للمهاجرين الذين غادروا الاتحاد السوفيتي بعد انتصار ثورة اكتوبر البلشفية في روسيا، ووقع اختيارهم على نائب القائد العام للجيش القيصري وقائد قوات الجنوب لما كان يعرف بالجيش الابيض انتون دينيكن.

كان دينيكين فترة الحرب العالمية الثانية مهاجرا الى فرنسا وعند احتلال المانيا النازية لفرنسا تم اعتقاله مع اسرته ثم أطلق سراحه ليكون تحت الاقامة الجبرية في ظل الاحتلال النازي. وقد استدعي الى قيادة الجيش الالماني والغستابو في فرنسا عارضين عليه قيادة قوات روسية معادية للنظام البلشفي في روسيا ولكن انتون دينيكين الذي قاتل البلاشفة في الحرب الاهلية دفاعا عن روسيا القيصرية اجاب دون تردد "أن الوطن ليس مجال للمقايضة وانا لن اتاجر بوطني". وهذا مثال اخر من أمثلة كثيرة تشير الى أن الانتماء للوطن وللشعب يعززه الشعور الداخلي بالانتماء الى حضارة عظيمة وقيم إنسانية عميقة الجذور

وأخيرا أعود الى جيرينوفسكي مستعيرا منه أسلوبه الساخر في تأبين الحضارات، وأفترض أنه تطرق لحضارة وادي الرافدين لينبهنا الى أن مصدر اعتزازنا وكبريائنا لم يبقى منها سوى "ألمشحوف" و"المسكوف"، أما ما خلا ذلك فلم يجد له مكانا حتى على رفوف محلات البيع والشراء التي يديرها قادة العراق من تجار السياسة والدين في اسواقهم الممتدة بين الأرض والسماء.

 

د. جاسم الصفار

 

عبد الجبار العبيدينحن نكتب اليوم كما كتب من قبلنا الفيلسوف الفرنسي جارودي في تاريخ الفكر السياسي الاسلامي الذي يكمن في جعل الدين أداة للسياسة بأضفاء القداسة عن طريق قراءة حرفية وانتقائية للنص المقدس، وهنا تكمن نكبة المسلمين في حكم الدولة .

مؤسس الدعوة الاسلامية بغض النظر عن كونه رسولاً، لكنه كان يدرك بثاقب بصرة حالة ونفسية العرب في الصراع على السلطة لذ ما كان يريد ان يكون الصراع بأسم الدين أزلياً.. وهو يعلم كيف قتل هابيل اخاه قابيل من اجلها.. واستمرت الحالة عبر الزمن كما روته لنا القصص القرآنية.. لذا قاتل في جبهتين: هما الدعوة الآلهية والتضحية في نجاحها من جهة، وكيفية حمايتها وحماية وحدة المسلمين المستقبلية من جهة اخرى. فكان جهاده (ص) منصباً بالوعظ والارشاد، وبالتكافل بين مؤيدها.. وبتحقيق العدل و المساواة ومسئولية الامن بين معتقديها في الحقوق والواجبات والحفاظ عليها . لذا جاءت الوثيقة المكتوبة تمثل القانون الحقيقي في التطبيق.. ومع الاسف فقد أخفيت الوثيقة من بعده والى اليوم.. من هنا كانت بداية النكبة في حكم المسلمين .

لكن واقع التطبيق للسلطة من بعده، كانوا من المؤمنين بالدعوة قدر ايمانهم بمكاسبها المستقبلية فالطبيعة العربية سلطوية.. كما هم اليوم من كانوا يدعون بالعدل والوطن وحقوق الأنسان قبل 2003 فصدقهم الناس أملا بالتغيير.. لكن الثابت ان غالبيتهم لا يؤمنون بما كانوا به يدعون.. وحين تمكنوا منها تمردوا على الدعوة والحقوق والأنسان فالعِرق دساس.. ولو كان اصحاب الدعوة المحمدية يؤمنون به وبدعوته حقاً لما تنصلوا عنه وعن مبادئه وعقيدته.. بمجرد وفاته فقلبوا له ظهر المَجن وتركوه مسجى وهم يتخاصمون على السلطة قبل ان يجف دمه.. فنادوا "منا امير ومنكم أمير" حتى تم نقل الخلافة من قضية فروع الى قضية عقيدة.. بمؤامرة لادينية بين المهاجرين والأنصار " فبات نظام الحكم عند المسلمين منذ ذلك الوقت يعالج كعقيدة لاكمنهج سياسي خلافا لمبادىء محمد(ص) وأمته التي اراد لها العدل اولا.. .

وكما هم اليوم ما ان استولوا على السلطة قلبوا ظهر المَجن للشعب وأنفردوا في مكاسبها دون الناس فنسوا الله والقسم وحقوق الوطن والناس فسرقوا اموالها وقتلوا علمائها ومفكريها وباعوها للأخرين بأسم المذهبية والطائفية التي حاربها الأسلام.. وأستمر هذا النهج الخاطىء حتى سقوط دولة الخلافة عام 656 للهجرة على يد المغول وبتأمر منهم (أبن العلقمي وزير المستعصم العباسي مثالاً) والى اليوم.. ولا أعتقد سيتغير الأمر في ظل قيادات الدين الساكتة عن الحق التي ترى نفسها فوق الناس حين خانوا الوطن مع المحتل الاجنبي بغض النظر عن دكتاتورية السلطة لحكم المتعنتين.. هذه هي طبيعة القيادات التي اتخذت من الدين وسيلة للوصول الى السلطة.

من هنا بدأت أشكالية الحكم في الاسلام فتوقف التقدم الحضاري عند العرب، لا بل زادت الخلافات حتى مزقت جسد الوحدة بينهم.. وانا اعتقد لو بقي العرب على حالهم قبل الاسلام يحكمهم مجلس الملأ القبلي بقوانينه الصارمة والمخلص لوحدتهم القبلية والفكرية لتقدموا عبر الزمن مثل الامم الاخرى. ولبقي معالم المشروع الاسلامي الذي جاءهم فيما بعد قابل للفعل في ظروف العصر.. لان مفهوم الدعوة الآلهية لا يعتبر مفهوما في النظر او العمل فحسب.. بل فيهما معاً لتحديد المسار للدعوة في المنطلقات والتوجات والتطبيق، وهي مكونات التشريع ... ولأصبح الوعي والايمان بها وبمفرداتها وعياً تاريخيا مستوعبا لها وبشموليتها أملاً في التحقيق.. وهذا لم يتحقق منذ البداية.

لكن حين تغلبت المصلحة الشخصية والقبلية على المصلحة العامة عاد التأسيس القرآني لنفس مواصفات ما قبل الاسلام ولم يعد للمتغير الاجتماعي من اهمية وفق جدلية التاريخ الجديدة، ووفقا لقوانينها المحددة الملتزمة بالنص الديني المقدس، فعادوا يحكمون بنظرية عقيدة السلطة لا كمنهج سياسي رباني جديد.. وانما منهج سلطة ورياسة ولا غير.. وما دروا ان العودة عبر الزمن مستحيلة.. خاصة في متطلبات دعوة ربانية جاءت لتحقيق المساواة والحقوق بين البشر في مجتمع لا يعرفها من قبل ابدا في التطبيق.

من هنا كانت أهمية التجديد.. على مستوى الرؤية التاريخية ومن هنا أيضاً ان يكون مشروع الدولة الجديدة قابلاً للفعل في ظروف العصر.. وأوضاع العصرالجديد المستمر باعتبارها دعوة دينية سماوية دائمة الحضور مقبولة التنفيذ.. . لا تُخرق.

 في ظل السلطة والفقهاء الجدد وتفسير النص المقدس حسب أراءهم وأجتهاداتهم القديمة والمختلفة والمتخالفة التي تتحكم فيها طبيعة السلطة البدوية.. واللغة عندهم لم تستكمل تجريداتها اللغوية بعد وفق معايير الاسلام.. أخترع التفسير للنص الذي ليس له من أصل في القرآن بل كان التاويل "وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، آل عمران آية 7 ".. مما أفرز ظهور الخلاف في الرأي والمعنى الذي استغلهما العهد الاموي لينقل السلطةالى مُلك عضوض.. ومن بعدهم العباسيون ليحولوه الى نظرية حكم الهي يمثلون الله في التطبيق يقول المنصور العباسي :" انما اناسلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقة.. أطيعوني ما أطعت الله". حتى جاءت القرون التالية ليؤسس الفرس والاتراك في عهد الدولتين البويهية "334-447 للهجرة". السلجوقية "447-547 للهجرة" وفقهائهما حكم الكائفة والمذهب خلافاً لمبادىء الدعوة.. .وانعكست تلك الأراء فيما بعدعلى أسس التدريس، الذي غذى عقول الطلبة بالطائفية والخطأ المقصود الذي شق المعتقدين بالدعوة من امة واحدة " ان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الانبياء 92"الى أمم متخاصمة فيما بينها.. فلم يعد بالأمكان نزع الفكر الخاطىء من معتقدية.. نظرية صعبة لا يمكن مقاومتها في ظل الفكرالسياسي والديني المتقاطع اليوم..

أما كان الأصلح لهم ان يكونوا على دين واحد بدلاً من ان يكونوا متخاصمين على مذاهب دينية مخترعة ليس لها في الدين من أصل.. أم انهم أستغلوا الدين لأثبات العنصرية..؟ أم استغلوه لصالح أنفسهم في حكم السلطة ؟ كما في نظريات الفقهاء من امثال الكليني (ت447 للهجرة) والماوردي (ت364 للهجرة) كما في قول قول المعمم الصافي ممثل السستاني في كربلاء حين يقول:" ليس المهم ان تكون متمكنا في الدنيا، المهم ان تكون عابداً لتكون غنيا في الأخرة.. فكر متخلف ومتحجر قتلوا به التقدم والتحضر والحقوق.. أما هم فلهم حق سرقة اموال المواطنين والرفاه الاجتماعي.. والأديان؟

فكراسلامي جديد مخترع من الفقهاء البارحة و اليوم يقاوم التقدم ويلغى نظريات الحرية في الاختيار، والصدق وصفاء النية والبعد عن الخداع وقتل النفس الأنسانية بلا ضمير كما هو سائد في قوانين منظماتهم اللانسانية، ومذاهبهم الباطلة، التي بها قتلوا كل العلماء والمفكرين ومن له رأي صحيح، وكل من يُشم منه رائحة الاخلاص لوطنه ودينه وأنسانية الأنسان، دون تحديد كما في فكر حزب الله ومليشيات الغدر والتنفيذ.. عوضاً عن فكرٍ أنساني موحد يحمي الحدود من الغاصبين المخربين للوطن والانسان بلا حدود كما في فكر المصلحين.. بعد ان جسد الفكر الديني المذهبي المتزمت المعتمد على النص الثابت دون الأصول.. فهل لنا من محاولة جادة في العصر الحديث لتحويل عصر النصوص الى الأصول لأرتباطه بتطور الفكر الفقهي ونمو الاستنباط، نظرية قالها.. محمد باقر الصدر في كتابه"المعالم الجديدة ص54" حين رأى فيها، انها حاجة تاريخية للأبتعاد عن عصر النصوص التي جعلت السلطة او الخلافة عقيدة مذهبية تجنبهم معارضة الأخرين، التي استمسك بها الحاكمون الى اليوم.. ويقف قادة حزب الدعوة الجدد.. والحزب الاسلامي.. والاخوان المسلمين.. في المقدمة.. ؟

هكذا كان الاحساس عند اهل الشورى الحقيقية منذ البداية خوفا من ان يتحول المرض الى نظرية جبرية حتمية لاشفاء منها ابداً، وهذا ما حدث، وهكذا قالها الصحابي سعد بن عبادة وأنسحب من الخلافة فقُتل فقالوا عنه "قتلهُ الجن" "عمر والتشيع، ص169"، كما قتلوا المفكر هشام الهاشمي فقلوا قتله مجهول.. منذ ذلك الوقت هي نفس التبريرات لمن يريدون قتله سياسياً..، وهذا ما نواجهه اليوم دون أمل في الاصلاح ممن أمسكوا بسلطة الدولة والدين النصي المغاير للصيرورة الزمنية معاً.ورغم ان الفقه أوسع نطاقاً من القانون في التشريعات المعاصرة، لكن هذا الفقه الأصولي قد تمت أزاحته من التعامل.. حين حل محله فقه السلطة في التطبيق حتى استطاعوا ابعاد نظريات التطور لتحل محلها نظرية الخليفة القيصرأو ولي الفقيه ليحولوه الى نصوص دينية يصعب التعامل معها في ظل التطور الفكري والتكنولوجي اليوم.. فادخلوا في الدساتير نصا يطالب بتطبيق الشريعة في حكم الناس كما في الدستور العراقي الهجيني بعد التغيير في 2003 الذي ولد الفرقة بين المواطنين.. "المادة الثانية منه".. فكان لهم ما أرادوا.. لكنهم ما دروا انهم قتلوا العقيدة والوطن وأنفسهم.. والدين.. معاً.

ان نقل الرئاسة من قضية فروع الى قضية عقيدة كانت الضربة القاضية التي حلت بالاسلام السياسي فمات من زمن.. من هنا فقدت الأمة بوصلة التقدم. وخاصة بعد الغاء الشورى كنظرية استقامة وحقوق ما جعل النظام الاستبدادي بؤرة الازمة السياسية عند المسلمين والى اليوم.. فحل السيف محل العقل في التطبيق.. لدرجة ان حتى اعلامهم الرسمية اليوم رُسمَ عليها السيف أشارة للعنف والظلم.... وهذا ما ورثوه من الفتوحات الأسلامية الخائبة الظالمة للشعوب الاخرى التي نهى عنها الدين الاسلامي وعن اسلمتها بالقوة "لكم دينكم ولي دين".. .رغم ان النص لم يطبق منذ البداية حين حلت الغزوات والقتل والتهجيرلمن خالفهم في الرأي والحواروهو خير شاهد على ما اقول.... فخلقوا لنا القاعدة وداعش والاخوان المسلمين .

ان تحول هذا الخطأ الذي يكمن في الرئاسة الفردية الى نظرية مطبقة في حكم المسلمين، انهى حكم القيادة الجماعية في ظل الشورى (الديمقراطية) الملزمة فتحول الامر الى الملك العضوض الذي بقيت السلطة فيه مقدسة لا يجرؤ احد ان يمسها بسوء فظلت الدولة تسبح في بحور الظلم والظلام وتخلف الامة طيلة كل هذه القرون الطويلة رغم ظهور بوادر للأصلاح كما في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (99-101 للهجرة) والخليفة المآمون العباسي (ت198 للهجرة) الذي أحتضن فكر المعتزلة الراقي في التطور والتغيير.. لكن الفقهاء الذين وقفوا ضده استطاعوا من افشاله.. والابتعاد عن عصر التطور والحضارة معتقدين انها هي عقيدة الدين فحسب، بينما هي في ذاتها قواعد سياسية، فالدين معناه منهج الحياة المتكامل عقيدة وشريعة وأسلوب حياة. وليس أحتكارا فكريا وتمايزا بين الناس محتجين بأهل البيت والصحابة البعيدين عن مغانم السلطة.. فأضافوا اليها العصمة والشورى والمهدي المنتظر وولي الفقيه في التفضيل.. وكلها ليس لها من أصل في نظرية الدين الجديد "ان أكرمكم عند الله أتقاكم، الحجرات 13".. فجرت محاولات أخرى جادة لانهاء هذا التيار الخاطىء في حكم الدولة تزعم التيار مجددون منهم رشيد رضا وجمال الدين الأفغاني وغيرهم كثير.. .الذين نادوا بالقيادة الجماعية والغاء فلسفة القيادة الفردية فذهبت جهودهم هباءً.

بعد هذا الزمن الطويل على ممارسة نظريات الخطأ في قدسية الخلافة وولاية الفقيه وما افرزته الحركة الفقهية وخاصة فقهاء الفارسية ابتداءً بالكليني (ت329 للهجرة) وكتابه الكافي مرورا بالشيخ المفيد (ـ431 للهجرة ) وكتابه الأرشاد، واستمراراً بالطوسي (ت460 للهجرة) وكتابيه الاستبصار وتهذيب الأحكام ومن جاء من بعدهم، الذين دمروا نظام الامة بالكامل حتى اقنعوا الناس بالاحاديث النبوية الوهمية كما جاء في بحار الانوار للمجلسي واحاديث مسلم والبخاري المخترعة منهم.. وتفسير الايات القرانية تفسيرا ترادفيا اقنعوا البعض بانهم ظل الله في الارض مقدسين لا يجوز انتقادهم كما في نظرية (قدس الله سره الشريف) حين بلشفوا حتى اعدائهم الذين اصبحوا هم ضحاياهم.

وحين دخلوا مرحلة التحدي علميا وفكريا للمذهب والمقالة والمدرسة في ظل البويهيين المناصرين للمذهب الوهمي على حساب الفكر الاسلامي الموحد الرصين.. حتى اصبح الحكم الفردي دينا يمارس، وطقوسا تؤدى، "البكاء واللطم والزنجيل" ولا ندري على من يلطمون.. ؟ على فقيه مات قبل 1400 سنه وهم اول من ابتعدوا عن مبادئه واهدافه الانسانية.. وكأنه هو الدين.,فأقنعوا المجتمع المغفل بصدق اقوالهم ولا زالوا الى اليوم يستغله المترفون.. هذا التوجه الذي حاولوا به ان ينتقلون من مؤسسة فكرية لقيادة جماعية تحكم بديمقراطية الشورى الى مؤسسة معادية تماما للشورى لضمان مصالحهم دون مصالح المسلمين الأخرين.. فضربوا بحد السيف كل من خالفهم ولا يزالون لاحلال فكرة المذهبية الاحادية كما في مطاردة الزيدية والحركات الباطنية والاسماعلية سابقاً.. وموقف المرجع كاظم االيزدي في النجف حين وقف مع الانكليز ضد ما يطلبه الشعب العراقي في التحريروكل من له فكرمستقل رصين.. تتزعمه اليوم قيادة ولي الفقيه..

مما حدى بصاحب حزب الدعوة السيد محمد باقر الصدر (أعدم سنة 1980) ان يعلن بأرائه الجريئة في قول الحقيقة.. الى مهاجمة فكرة عصر النصوص والعودة لعصر الاصول.. ان استشهاده حال دون اصلاح الخطأ الكبيرفأنتقل حزب الدعوة الى عدو للفكر الاسلامي الأصيل كما مثلته اليوم القيادات الدينية الباطلة المرافقة للأحتلال الامريكي الباطل الجديد من وجهة نظر عقيدة الدين.. و حين ورث الوارثون من حزب الدعوة قيادته في غفلة الزمن اليوم حولوا كل ما جاء به وفي كتابيه فلسفتنا وأقتصادنا.. الى فكر ديني بحت مخالف لما طرحه من فكر جدلي صحيح.. وهكذا استبدوا في المال والانسان والحقوق والسلطة معاً.. . ولم يعودوا الا ناكري دين.. وقادة حزب الدعوة اليوم مثالاً..

فكيف نفهم طبيعة العلاقة بين النهضة الفكرية الحقيقية وبين من يدعون بها اليوم.. ؟نفهما ان همهم الوحيد هو أهتمامهم الفقهي المنغلق المباشر بمسألة شرعية السلطة دون الشورى او ديمقراطية الاسلام الصحيح.

وحين جاء دور فقهاءالسلاجقة من امثال الماوردي (ت450 للهجرة) والغزالي (ت505 للهجرة) وأبن تيميه (ـ 728 للهجرة) نظريته في فصل لدين عن الدولة يعني الفوضى والوهابية المنغلقة على افكار المجددين . على مجاراة الحال بغية استخدام الرصيد المعنوي والذي ملكته مؤسسة الخلافة في الوعي الجماعي لما سمي بأهل السُنة.. فالماوردي مثلا (ت 450 للهجرة) حاول التوفيق بين الرأي المذهبي ومؤسسة الخلافة. والطرح الذي قدمه الغزالي لتكوين علاقة قوية بين الفقيه والسلطان وهو صاحب النظرية الميكافيلية "الضرورات تبيح المحظورات.. لذا بقيت العلاقة بينهما قوية لكنها معقدة افرزت بمرور الزمن بما لايتفق ونظرية الاسلام السياسي في وحدة المسلمين.. ومثلت التجربة الصفوية والتجربة العثمانية في القرن الثاني عشر الميلادي وما بعده مثالاً سيئاً لما حدث حين لم تمنعهم تطبيقاتهم الفكرية من الانحراف والظلم بحق انفسهم والأخرين.. واليوم يحاولون التكرار في مجتمعات مزقتها المذهبية والولائية الباطلة .

ان المشكلة الاساس بين علم الكلام واراء الفقهاء.. أصبحت مشكلة مستعصية.. هذا العلم الذي ظل حبيسا في رأي الفقهاء لذا لم يتمكن من ان يرى النور ليكون تيارا قويا لمنهج مدرسي تتداوله الامة مما افقده افكاره الرائعة التي كان من الممكن ان يفرز نظاما سياسيا مقبولا مثل الديانات الاخرى.. فظلت الشورى لفظا لا تطبيق، وبقيت الفردية هي السائدة اليوم تغذيها الجماعات المناوئه للاسلام والعرب مذهبيا معاً..

يقول باحث اخر في التاريخ الاسلامي: "ان ما يحيرني هو ان الاسلام جاء لتغيير حال العرب بعد ان تدخل في كل التفاصيل، فكيف اهمل المؤرخون الآوَل دراسة هذه الفجوة وتشخيصها التي تتعلق بمصير الاسلام وتركته طعمة للعواصف بعد ان تفرقوا الى 73 فرقة متناحرة كل منها تدعي انها صاحبة الراي والحق الصحيح.. حتى استهلكت اجيال ولازالت المشكلة شاخصة بينهم دون حل.. والى متى؟ واليوم ترفع ايران راية المقاومة الاسلامية التي زادت من شرذمة المسلمين حتى حولت المستقبل الى أظلم بعد ان ساهمت في الفرقة وافتقار الشعوب وتوظيف الاقتصاد لصالح الحرب والتدمير بمقاومة كل فكر نير جديد.. فكيف الخروج من النفق المظلم.. الجديد؟

يقول المرجع الحيدري في النجف الاشرف اليوم: لا يوجد عالم او مرجع جعفري أثنا عشري الا وقال: دون استثناء بتكفير.. المسلم الأخر ودون دليل سوى خزعبلات فقهاؤهم من المتعصبين. "أنظرالشيخ البحراني صاحب كتاب الحدائق الناظرة " فكيف تتفق هذه الاراء ووحدة المسلمين.

بينما نلاحظ ان نهضة الفكر العلمي هي القوة التي حركة المجتمعات غير الاسلامية الى حركة التاريخ والحضارة ودفعتها الى السير في طريق مستقيم يتجه الى الامام بدلا من الدوران في الدائرة المفرغة العقيمة. بعد ان نبهتهم الحركات الفكرية التي وضعت الدساتير والقوانين الى حفظ حقوق الناس والوطن فأحترموها طواعية حتى ساد الامن على النفس والمال، فتحقق لشعوبها ما أرادت.. فأصبحت النظريات العقلية الواعية للتطور الزمني المبتكرة من علماء الفكر هي الاساس في سعادة البشر وتقدم الشعوب.. فمتى نلحق بهم..؟ هذا مستحيل في ظل فلسفة مؤسسة.. الدين الحالية التي لا تؤمن بتطور الفكر الجديد..

أما يستحق التاريخ منا اليوم اعادة نظر فيما كتب فيه.. لتفحص الثوابت في مواجهة ما كتب.. حين خالط تدوينها ما لم تفطن اليه.. حتى طمست حقائق.. واخترعت حقائق.. ومشى الناس تحت سيف السلطة على أخذ ما وجدوا، فأذا بالحقائق تدفن وبالآكاذيب تدون ويضاف اليها ما ليس لها.. كفاية ضحكاً علينا يا مرجعيات الدين..

لن تقوم للامة من قائمة الا بفصل الدين عن السياسة وتشريع القوانين التي تضمن استقلال القوانين عن التشريع .ومنهج دراسي جديد قائم على علمية التدريس..

ولنا لقاء أخر..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

جواد العطارلا شك ان المتابع للعملية السياسية في العراق منذ انطلاقها عام ٢٠٠٣ والى يومنا هذا، يجدها لم تشهد استقرارا طيلة الفترة الماضية بل كان ديدنها توالد الأزمات والعبور عليها دون ايجاد الحلول المناسبة لها حتى كادت في تشرين من عام ٢٠١٩ ان تؤدي الى انفجار شعبي يطيح بالأخضر واليابس.. لكن لماذا هذه الأزمات المتلاحقة؟ وما هي اسبابها؟ وكيف نتجنبها؟ او نجد الحلول المناسبة لها؟ وكيف لم ينتبه الساسة او صناع القرار ان العبور فوق الأزمات دون حلها هو خطأ ستراتيجي يضر بالجميع!!!.

لا اختلاف ان الأزمات المتوالية التي عصفت بالبلاد كانت مضرة بشكل كبير، ومنها:

- الازمات السياسية: وطابعها الصراع والخلاف داخل البرلمان واروقة الحكومة وبين قادة الاحزاب على المصالح والمكاسب واقتسام النفوذ، وكان هذا النوع باكورة انطلاق الأزمات واخطرها لان لاعبيه كانوا وما زالوا يشكلون قمة الهرم السياسي الحاكم في العراق.

- الازمة الاجتماعية: وهذه الازمة دخيلة على المجتمع المتعايش والمتنوع في العراق منذ الاف السنين، لكنها دخلت مع المحتل الامريكي الذي طبقها على قاعدة "فرق تسد" حتى يتمكن من السيطرة على البلاد واستعباد سكانها بزرع الفتنة بين صفوفهم، وللأسف استمرت هذه الازمة الطائفية والمذهبية طيلة فترة وجود المحتل ولم تنتهي بخروجه بل تجذرت بعده دون علاج الى خلافات مناطقية ونزاعات عشائرية اغمضت الدولة عينها عنها ولا يستبعد تدخل ايادي خارجية معادية للعراق في تأجيجها.

- ازمة الهوية: وهذه الازمة هي الأخطر على مر تأريخ العراق المعاصر، حينما حاول المتربصون به مسخ الهوية الوطنية بإدخال تنظيم القاعدة ومن ثم داعش فكرا مشوها وتنظيما ارهابيا تكفيريا ووجودا على الارض، ورغم تجاوز هذه الازمة - المحنة بتضحيات الأبطال ودماء الشهداء، الا اننا لم نستطع ان نرمم الهوية الوطنية للفرد والولاء والانتماء للعراق لحد الان بما الحقه النظام البائد والارهاب من أضرار جسيمة لحقت بها.

- ازمة القيم: وهي الازمة التي يتنازل الفرد فيها عن قيمه الأخلاقية والدينية او يكيفها دون ضوابط وفق مصالحه واهواءه، وهذه الازمة نخرت جسد الدولة الوليدة بتحليل نهب المال العام واستشراء الفساد والسرقات في السر والعلن.

- ازمة الوعي: وهذه الازمة تجمع كل الأزمات في بوتقة واحدة فلو كان هناك وعي سياسي لما اختلف الساسة على المصالح وفضلوا مصالهم الخاصة على مصلحة المجموع، ولو كان هناك وعي اجتماعي لعرف الجميع بان هذا البلد بعمقه الحضاري الممتد الى الاف السنين لن تهزه رياح التطرف والعنف بل يجب ان تسوده اجواء الوئام الاجتماعي والتعايش ولو بعد حين، ولو كان هناك وعي قيمي لحكم الفرد في تصرفاته ضوابط الدين ولاستقاها من مصادرها الصحيحة ولأبعد هوى النفس عن المال الحرام ولصان الدولة ومؤسساتها مثلما يصون الاب بيته لأنها الإطار المعنوي الذي نعيش داخله ويجمعنا تحت ظلاله.

ان ازمات العراق بعد ٢٠٠٣ ليست تركة النظام السابق الثقيلة ولا الاحتلال البغيض والارهاب اللعين ولا الفساد والخلافات السياسية والاجتماعية فحسب ولا الازمة الاقتصادية والصحية وغيرها وتنازل المثقفين عن دورهم في كل المجالات، بل ان ازمته الحقيقية والاساسية تتمثل في ازمة الوعي وغيابه عند الضرورة ووقت الحل على كل المستويات اعلاه ... لذلك فان قمة ما نحتاجه اليوم هو الوعي بكل شيء وتحصين الفرد من الوقوع في حبائل الفساد او الارهاب او هوى النفس او مجاميع المخربين، وهذه مسؤولية يتحملها الجميع بدءا من المدرسة والمنبر والجامعة ونحتاج الى سنوات طويلة قادمة لإصلاح ما خلفته الأزمات المتراكمة على العراق من أضرار في كافة المجالات.

 

جواد العطار

 

 

ابراهيم أبراشبعد جهد ومعاناة تمكن من الحصول على فيزا وتوفير نفقات رحلة سفر كانت ضرورية حتى يتواصل مع أسرته المشتتة في أكثر من بلد، حاله كحال غالبية الفلسطينيين ثم لاحقاً العرب الذين ضربهم زلزال ما يسمى الربيع العربي فتشتت عائلاتهم وأصبح مفهوم الوطن عندهم ملتبساً ما بين مسقط الرأس المثَبَت في جواز السفر الذي يحمله  ومكان الإقامة ومصدر الرزق في أرض الغربة؟.

صعد درجات سلم الطائرة متثاقلاً بعمر يُقارب السبعين، ومثقلاً بحقائب يدوية وأكياس بلاستيك تحوي ما يزيد عن الوزن المسموح به، وأثناء مروره من مقدمة الطائرة حيث يجلس ركاب الدرجة الأولى التقت نظراته للحظات بنظرات أحد ركاب هذه الدرجة وهو يحدق به وكانه يريد أن يتأكد مما يرى، وارتجفت أهداب كلا الطرفين للحظات من لقاء غير متوقع، عرف أنه  معين زميل الدراسة في الجامعة قبل نصف قرن تقريباً. واصل سيره إلى المقعد المخصص له في وسط الطائرة حيث ساعدته المُضيفة على وضع أغراضه في المكان المخصص للحقائب، جلس وربط حزام الأمان، وأقلعت الطائرة، حاول أن يغفو إلا أن رؤيته لزميل الدراسة معين جفا النوم من عينيه ورجع بذاكرته إلى زمان لم يَعُد متأكداً الآن إن كان زمناً جميلاً .

في ذاك الزمان كان العالم العربي وغالبية دول العالم منقسمين إلى معسكر اشتراكي ومعسكر رأسمالي امبريالي، وفي حَرَم الجامعة كان طارق معروفاً كيساري تقدمي اشتراكي يشارك في كل المظاهرات الطلابية والأنشطة السياسية، وكان مؤمناً ومنبهراً بالشعارات الكبرى المعادية للاستعمار والصهيونية والأنظمة الرجعية العميلة ورفض التبعية للغربـ، ...، كيف لا يكون ذلك والقوى اليسارية والتقدمية والشيوعية كانت شديدة التفاؤل بقرب انهيار المعسكر الإمبريالي بسبب التناقضات في داخله ولأنه نمر من ورق كما تقول النظرية الشيوعية ومع انهياره ستنهار الأنظمة الرجعية العميلة التابعة له وستنتهي دولة الكيان الصهيوني.

كان الخطاب الثوري اليساري التقدمي آنذاك  لا يتوقف عند المطالبة بتحرير فلسطين بل يتجاوز ذلك مطالباً بتحرير لواء الاسكندرونه السوري من الاحتلال التركي وتحرير مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين من الاحتلال الإسباني وتحرير الجزر الإماراتية الثلاثة طُمب الكبرى وطُمب الصغرى وأبو موسى من الاحتلال الإيراني. بالإضافة إلى اسقاط الأنظمة الرجعية العميلة حيث حملت جماعات ثورية السلاح لإسقاط هذه الأنظمة، من عُمان في الخليج العربي إلى المملكة المغربية على شواطئ الاطلسي مرورا بالعراق والسودان ، وآنذاك كان كل مواطن له صلة بنظام الحكم أو يشتغل في الأجهزة الأمنية يُعتَبر عميلاً ومشبوهاً.  

واصل شريط الذكريات يحُّول بينه وبين أخذ غفوة ولو قصيرة، فاستعادت ذاكرته كيف كان الاعتراف بإسرائيل أو التواصل مع الإسرائيليين، حتى وإن لم يكونوا صهاينة، من المحرمات وخيانة كبرى، وقد قُتِل مثقفون ومناضلون وسياسيون على يد (ثوريين) و(مجاهدين) لأنهم تواصلوا مع إسرائيليين، وتَذَكر طارق الفرحة التي غمرته عندما تم اغتيال الدكتور الفلسطيني المتميز عصام السرطاوي وبعده سعيد حمامي وغيرهم بتهمة الجلوس مع إسرائيليين غير صهاينة، كما تذكر فرحة التقدميين واليساريين العرب عندما تم اغتيال الرئيس المصري محمد أنور  السادات لاحقاً لأنه وقع اتفاقية صلح مع إسرائيل، مع أن القاتل كان من الجماعات الدينية المتطرفةّ المناهضة لليسار والشيوعية وكان السادات قائد حرب اكتوبر المجيدة .

فيما هو يستعرض شريط الذكريات  قفزت صورة زميله راكب الدرجة الأولى لتملأ مشهد الذاكرة، هذا الزميل كان في نظره يمثل الرجعية واليمين والبرجوازية المتعفنة كما كان يُطلق على كل من يخالف الثوريين والتقدميين الرأي.  لم يكن بينهما توافق أو وفاق وكثيراً ما كان يحدث تصادم بينهما يصل لدرجة تبادل الشتائم والاتهامات. كان معين طالباً مجتهداً في الدراسة ومتأنقاً في ملبسه ومتميزاً في صداقاته ومتحفظاً في أفكاره، صحيح أنه لم يكن متعمقاً في الثقافة والسياسة خارج حدود متطلبات الجامعة، لكنه كان يكره كل ما له صلة باليسار والثورية والشيوعية وحتى الإسلام السياسي، ربما بسبب أصوله الاجتماعية والطبقية أو بسبب خوفه من المغامرات، والفكر الثوري والتقدمي والجهادي فكر مغامر بلا حدود، كما كان معين مُعجباً بالثقافة الغربية وما أنجزه الغرب من تقدم، ومعجباً بالأنظمة العربية المحافظة لواقعيتها كما كان يقول .

 فيما هو غارق في أفكاره وقبل أن يواصل شريط أفكاره الدوران والنحت في ذاكرة تعود لنصف قرن طلب الربان من الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط في محطة ترانزيت قبل مواصلة السفر للمحطة النهائية.

 

في محطة الترانزيت تجول لبعض الوقت في الأسواق الحرة والمعارض وفَكَر في شراء بعض الهدايا لأفراد أسرته، مع أنه سأل أبناءه  قبل السفر إن كانوا يريدون شيئاً وردوا جميعاً نريد سلامتك ولا تتعب حالك لأنهم يعرفون وضعه المالي، ومع ذلك قال في نفسه لا بأس أن أعود لهم بالسلامة مشفوعة ببعض الهدايا، وهذا ما كان حيث اشترى بعض الهدايا زهيدة الثمن. 

وإذ هو جالس في قاعة الترانزيت يتأمل الطائرات الرابضة في المطار في انتظار استكمال الرحلة وقف أمامه مباشرة رجل حال بينه وبين استمتاعه بالمنظر الخارجي، فرفع عينيه وإذا به معين زميل الدراسة. وقف مرتبكاً ومد يده بالسلام معرفاً بنفسه، إلا أن معين جذبه محتضناً إياه ومُقبِلاً وجنتيه ومرحبا بكلمات لا تخلو من صدق المشاعر. سحب طارق كرسياً وطلب من معين الجلوس، وبسرعة استحضرا بعض الطرائف الخفيفة من أيام الدراسة مع سؤال عن فلان وفلان من الزملاء، متذكرين بعضهم ومتابعين أماكن عملهم ووضعهم العائلي، وناسين آخرين أو لا يعرفون مصيرهم، ومترحمين على من وصلهم (وصلتهم) أخبار وفاتهم.

لأن أخبار وأحوال معين كانت تصل لطارق عبر الأصدقاء ومما تتناقله وسائط التواصل الاجتماعي أحياناً لأن معين أصبح رجل سياسة وتبوأ مركزاً مرموقاً في السلطة الفلسطينية فليس من المنطقي أن يسأله عن حاله لأن ذلك سيعتبر إما جهلاً من طارق بأحداث الوطن، أو تجهيلاً لمعين واعتباره وكأنه نكرة لا يعرفه أحد، ولذا بادر معين بسؤال طارق عن أحواله وعمله ومحل إقامته، فعامة الشعب لا يعرفهم إلا أقرب المقربين منهم على عكس الطبقة السياسية حيث تصبح معرفتهم مفروضة على الجميع، سواء كانت معرفة حب أو كراهية.

بسرعة لخص طارق مسيرته الحياتية، فبعد أن أنهى التعليم الجامعي سافر لدولة عربية للعمل في التدريس وتزوج هناك وأصبح له أبناء وأحفاد، وحمد الله على كل حال، وكأن بقايا أو جذوة الثورية ما زالت متقدة داخله استطرد قائلاً: المهم حافظت على مبادئي ونقائي ورفضت كل المغريات حتى العمل في السلطة الفلسطينية التي جلبت العار والهوان وفرطت بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مُلمحاً إلى فساد أبو فلان وأبو علان من المسؤولين في السلطة وإلى ما وصل إليه حال القضية بعد توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة، واخذته الحماسة ليتحدث عن الفساد في السلطة وفي منظمة التحرير وعن التنسيق الأمني وعجز السلطة عن وقف الاستيطان والتهويد وكيف حوَّلت المواطنين إلى أسرى لها من خلال الرواتب والتهديد بقطعها عن كل مَن يخالفها وتحدث عما سماها المجزرة التي قامت بها السلطة ضد كل جيل الثورة والنضال بإحالتهم إلى التقاعد المبكر، وكيف تتحمل السلطة ورئيسها المسؤولية عن الانقسام وحصار غزة وقطع رواتب أبناء القطاع أو تخفيضها...، ولم يتوقف إلا لأخذ النفس ورشفة قهوة وجرعة ماء ليبلل ريقه الذي جف من كثرة الكلام وحدة نبرة الصوت .

استمع معين لطارق مبتسماً دون أن يقاطعه بالرغم من أن في كلام طارق غمزا ولمزا من معين ذاته، وكيف لا ومعين ابن السلطة وأحد رجالاتها ومن المدافعين عنها حتى وإن لم يكن في الصف الأول. بعد أن توقف طارق وارتشف من فنجانه رشفة أخرى هدأت من توتره منتظراً رداً غاضباُ من معين كما كانت عادته أيام الدراسة، قال معين بهدوء: أتفهمك جيداً وأتفهم غيرتك على الوطن وتمسكك بمبادئك حتى وإن كنت أشك بثباتك على مواقفك الأولى بعد كل الانهيارات التي حدثت في المعسكر الاشتراكي وفي منظومة اليسار والتقدمية عبر العالم بما في ذلك عالمنا العربي وفلسطين في قلبه، ولا أريد أن أدافع عن اتفاقية أوسلو والسلطة ولكن أقول لك إنهما كانا ممراً إجبارياً ،وعليك أن تفكر ما سيكون عليه حال الثورة والمقاتلين الموزعين في الدول العربية التي ضربتها فوضى الربيع العربي لو لم يدخل المقاتلون والسياسيون إلى فلسطين، وما هو مستقبل الثورة ومنظمة التحرير لو لم تشارك المنظمة في مؤتمر مدريد 1991 الذي حضرته كل الدول العربية باستثناء من لم يتم دعوتهم – ليبيا والعراق- وهو مؤتمر كان هدفه تسوية الصراع سلمياً وتجاوز منظمة التحرير، وانظر  يا صديقي إلى حال اليسار الفلسطيني والعربي ولا تقل لي إن معسكر اليمين العربي والفلسطيني المتواطئ مع الغرب الاستعماري كما تقولون هُم المسؤولون عن تراجع اليسار والفكر الثوري والتقدمي والقومي، وحتى إن كان لهم مسؤولية فهي محدودة.

الكل يا صديقي أخطأ بل وأجرم في حق الوطن، ولتَقُل لي بصراحة، إذا كنا رجعيين ومستسلمين ،كما تسمينا، فرطنا في الوطن فماذا فعل الثوريون والتقدميون ومعهم الجهاديون؟ ولا تقل لي إننا السبب في الحيلولة بينهم وبين تحرير فلسطين أو توحيد الأمة العربية، أيضا لماذا تتجاهل أخطاءكم وفشل تجاربكم اليسارية والشيوعية والثورية، هذا لا يعني أن الحركات والأنظمة الرجعية واليمينية العربية كانت على صواب أو أن الوضع ما بعد انهيار الفكر والمشروع القومي والتحرري والتقدمي أصبح أفضل حالاً، أو أن حالنا بعد أوسلو واعد بنصر قريب.

يا صديقي، العالم يتغير والأيديولوجيات التي كنا أسرى لها تراجعت والشعارات الكبيرة لم تعد اليوم تحرك ساكناً ليس لأنها كانت خاطئة، بل لأنها كانت رومانسية وسابقة لعصرها ولا تتوفر على أدوات تنفيذية لتحويلها لواقع، كما أن معسكر اليسار والتقدمية والقومية نفسه كان متصارعاً مع بعضه البعض وأنت يا صديقي تتذكر الخلافات والصراعات بين القوميين والشيوعيين وبين تيارات اليسار والشيوعية نفسها، وحتى داخل الحزب الواحد كما هو الحال في الصراع بين جناحي حزب البعث العربي في  سوريا والعراق، وتفكُك حركة القوميين العرب وتفكك من انفكك عنها، هزيمة عبد الناصر والناصرية في حرب حزيران 1967 الخ .

يا صديقي يجب أن نعترف إن لم يكن بأخطائنا جميعاً فعلى الأقل نعترف بأن الأمور والناس لم يعودوا ملك يميننا وخاضعين لرغباتنا وخصوصا بالنسبة لنا كفلسطينيين، قل لي بربك يا صديقي من هو اليميني الرجعي والعميل ومن هو اليساري والتقدمي والثوري في المشهد السياسي العربي والفلسطيني الراهن؟ هل يمكن إصدار أحكام مطلقة بأن من يحملون السلاح ويحاربون النظام ويثيرون الفوضى في سوريا وليبيا واليمن وقبلها في الجزائر وتونس الخ ثوار وتقدميون، والأنظمة المستَهدَفة رجعية ويمينية؟ ولماذا نذهب بعيداً ولنتحدث عن فلسطين ولتقل لي بصراحة أين موقع قوى اليسار والقوى التقدمية في المشهد السياسي الفلسطيني وما هو دورهم النضالي؟ ولا تحاججني بأنهم ما زالوا متمسكين بالمبادئ والثوابت الوطنية، فالجميع يقول بذلك والمسألة ليس التمسك بالثوابت والمبادئ لأن هذه شعارات بل المطلوب تحويلها إلى واقع وممارسة تؤدي إلى إنهاء الاحتلال، وإن حاججتني بما تسمى قوى المقاومة في فلسطين فهذه أنجزت هدنة مع العدو وأصبحت تتحدث عن مقاومة شعبية سلمية وحتى على هذا المستوى لا تتوفر ولم تتوافق على استراتيجية وطنية لهذه المقاومة السلمية، وأصبحت السلطة والوصول لها هدفاً بحد ذاته.

 لم يقطع حديثهم أو جدلهم الذي ينكأ الجراح إلا صوت الإعلان عن موعد الإقلاع والاستعداد لركوب الطائرة.

عاد طارق إلى مقعده في الطائرة وكان المقعد المجاور له خالياً، جلس ورأسه كاد ينفجر لأنه منذ فترة طويلة لم يدخل في مثل هكذا جدال مع شخص من المعسكر الآخر المخالف لرأيه ومعتقداته، كما استفزه حديث سمير الواثق من نفسه والذي تحدث وكأن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير حررتا فلسطين أو أوشكتا على ذلك ،أو أن رجالات السلطة ومنظمة التحرير عقلاء وملائكة وغيرهم جهلة وشياطين، وما آلمه أكثر أن كثيراً مما ذكره صديقه القديم كان منطقياً إذا حاكمناه أو وضعناه في سياق ما آلت إليه الأمور أو بمنطق السياسة الواقعية.

وفيما هو يحاول استجماع شتات أفكاره واستعادة هدوئه دهمه معين بالجلوس بجانبه تاركاً مقعدة في الدرجة الأولى بعد أن استأذن من المضيفة التي أكدت له أن المقعد شاغر. ابتسم طارق وكأن مجيء معين أسعده وربما فسره بأنه محاولة من معين لإزالة الحواجز النفسية والطبقية بينهما أو للاعتذار  له وتبديد ما قد يكون نقاشهم  تركه من غضب عنده.

واصل معين ما انقطع من حديث قبل ركوب الطائرة قائلاً يا صديقي لا تظن أنني سعيد نفسياً في موقعي في السلطة بل أقول لك بصراحة أنه وبالرغم من وجود كثير من الفاسدين والانتهازيين وغير الوطنيين في مراكز متقدمة في السلطة إلا أنه في المقابل يوجد آخرون ممن أعرفهم غير راضين عما آلت إليه أمور السلطة وحال الشعب ويناضلون من أجل الوطن ومن أجل تغيير وظيفة ودور السلطة، يا صديقي كلنا كفلسطينيين حالنا كحال ركاب هذه الطائرة، فبالرغم من المخاطر التي تهدد حياة الركاب بسبب الظروف الجوية واحتمالات وجود خلل في الطائرة وبالرغم مما بين الركاب من تباين في الجنسيات والأديان إلا أن عليهم التعايش سوياً خلال الرحلة والالتزام بتعاليم الربان وإجراءات السلامة حتى تصل الطائرة إلى بر الأمان، ونحن كفلسطينيين علينا أن نقوم بما هو مطلوب منا ونتعايش سوياً ونثَّبِت وجودنا في أرضنا ونستمر بالحفاظ على هويتنا الوطنية حتى نتمكن من مواجهة المخاطر الخارجية التي تهدد وجودنا جميعا ولا تميز بين يساري ويمني أو بين وطني وإسلامي أو مَن يؤيد السلطة أو يعارضها، وعلينا الاعتراف أن القوى الخارجية إسرائيل وواشنطن والجهات المانحة والدول العربية والإسلامية ذات الأجندة الخاصة بها سيستمر تأثيرها أكبر وأقوى من تأثير القوى والأحزاب الفلسطينية وطنية كانت أو إسلامية ما دمنا في حالة انقسام وتشتت.

قطع طارق استرسال معين بلهجة هادئة هذه المرة وسأله، إن كنا كثوريين وتقدميين ومعارضين لنهج السلطة حالمين ونتقمص زماناً غير زماننا، وإن كنا غير واقعيين وغير عقلانيين فماذا أنجزتم أنتم العقلانيون والواقعيون؟ وإن كنا ...    وتوقف أحمد عن الاستطراد عندما طلب الربان من الركاب ربط الأحزمة استعداداً للهبوط ، فاتفقا على لقاء قريب ولو عبر الهاتف لمواصلة الحديث في سياق حوار وليس جدالا ومجادلة عسى ولعل أن نُقرِب من وجهات نظرنا ......

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تأسيس الدولة العراقية (6)

أطلق العراقيون على المستشارة البريطانية في الإدارة المدنية وعالمة الآثار "غيرترود بيل" (Gertrude Bell)، لقب "الخاتون"، بمعنى السيدة عالية المقام. تخرجت من اوكسفورد، كانت معربة اللسان، لها معرفة وإطلاع بالواقع العراقي. عملت مع المندوب السامي البريطاني "بيرسي كوكس" في عشرينيات القرن الماضي. امرأة استثنائية بنفوذها وتأثيرها وبما تميزت به من عقلية متفتحة مقرونة بمواهب ومهارات متعددة. يكمن سر نجاحها في قدرتها على تحمل المشاق ومواجهة الصعاب وتفهمها لظروف الناس.

تجلى نشاطها في العراق منذُ 1909، حينما باشرت بعملية مسح وتنقيب للآثار في مناطق العراق الشمالية والجنوبية. اطلعت على الأماكن الأثرية في كل المناطق التي جالت بها. جالست الأهالي ودونت المعلومات. تجولت ببعض دول الشرق الأوسط، وعادت إلى العراق في 1914. عُينت في إدارة المخابرات السرية في القاهرة خريف 1915، بصفة مترجمة وخبيرة. أرسلها المكتب العربي في القاهرة إلى العراق في سنة 1916. بعد إحتلال بغداد عام 1917، اشتهرت بلقب الخاتون.

عندما قررت بريطانيا، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تغيير سياستها في العراق، وتأسيس حكومة ذات واجهة عربية، تدار حسب قول المس بيل، بأيادي عراقية وأدمغة بريطانية. إعتمدت عليها المخابرات البريطانية، فأجادت مهمتها السياسية بإمتياز في هندسة خارطة العراق الحديث الذي تأسس من "ثلاث ولايات بغداد البصرة الموصل". صاغت مستقبله السياسي في إطار الخارطة الكبرى للشرق الأوسط. رسمت خريطته على الورق في ربيع 1918، لكنها لم تستقر في الواقع إلا عقب نجاحها في تنصيب فيصل ملكاً على العراق عام 1921، حسب ما جاء في مذكراتها بتاريخ 4/12/1921.

لجأ البريطانيون إلى سياسة إرضاء الثوار من خلال التشاور معهم وتنفيذ بعض مطاليبهم بعد أحداث ثورة العشرين، منها إلغاء الإدارة المدنية وإنشاء وزارة مؤقتة تشرف على إنشاء مجلس تاسيسي مهمته انتخاب ملك للعراق وصياغة الدستور والشروع بإنشاء بعض المؤسسات الهامة. أعدت الخاتون تقريرها "استعراض الإدارة الملكية في ما بين النهرين"، الذي اقرته الإدارة البريطانية وطبعته في كانون الاول 1920، عُرف حسب مذكراتها، بـالكتاب الأبيض. 

الخاتون من الشخصيات المهمة التي  حضرت مؤتمر القاهرة عام 1921، بحضور وزير المستعمرات البريطاني "وينستون تشرتشل" للتشاور حول مخطط تقسيم الشرق الأوسط ورسم حدود الدول القومية في المنطقة بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية.  كانت الخاتون من المندفعين بقوة بتأييد فكرة إعطاء الاستقلال للعراق، بعدما تداولت مع زميلها "لورنس العرب"، وتوصلت إلى قناعة بضرورة قيام مجلس تأسيسي للدولة العراقية، بعدما كانت تؤيد الإنتداب البريطاني، ولا تقيم أي حساب لأي كيان وطني يصبوا إليه العراق. 

مارست نفوذاً واسعاً في تأسيس الإدارة الجديدة، شاركت في نشاطات الحياة السياسية، دخلت رحاب المجتمع الرجالي وخالطت الشخصيات السياسية البارزة من العراقيين والبريطانيين. إهتمت بسلالات القبائل وزعاماتها، زارت بعض شيوخ العشائر من العرب والأكراد، وتعرفت على رجال الدين السنة والشيعة، والوجوه البارزة في المجتمع من الموالين والمعارضين لسلطة الإحتلال. فتمكنت من تجاوز الكثير من التحديات التي وقفت بالضد من تنصيب الملك فيصل ملكاً على عرش العراق.

ظهرت قوتها وبرزت شخصيتها وتمكنت من إسقاط المرشحين المنافسين للملك فيصل. لجأت إلى شيوخ العشائر، ورجال الدين، واستعانت بزعماء المدن والأحياء من أجل توسيع حملتها الداعية لتنصيب فيصل ملكاً. لجأت إلى أساليب متعددة في إقناع الخصوم بالإنسحاب، أمثال: عبد الرحمن النقيب نقيب أشراف بغداد الذي كان له نصيباً وافراً لإعتلاء العرش. ولجأت إلى اسلوب القوة والمراوغة في إبعاد طالب النقيب، أبرز زعماء البصرة، لأنه شكل خطورة كبيرة على ترشيح فيصل. وبعد تجاوزها للإشكاليات المتعلقة بعدم  إمتلاك فيصل الأول جذور قبلية تعطيه بعضاً من الشرعية، قالت كلمتها: "لقد قمنا بتنصيب ملكنا". ورتبت إجراءات حفل التتويج في 23/08/1921.

درست الواقع الإجتماعي وتعرفت على طباع الناس، تجولت في أسواق بغداد وشوارعها وأزقتها، فحظيت باهتمامهم وإعجابهم. كان لها حضوراً متميزاً بمناسبات الأفراح والأحزان. أقامت الولائم وحفلات الشاي، فتعرفت على الكثير من الشخصيات العراقية، تبادلت معهم الزيارات. كانت تتباهى بعلاقاتها الإجتماعية مع أفراد العشائر والبيوتات البغدادية، وتعتبر تلك العلاقات دليلاً على حصولها لقب "خاتون".

اعتقدت بأنها على صواب فيما تكتب وترسم وتخطط، وهي في ذروة تألقها السياسي، مارست عملها المهني الأكاديمي الآثاري وأبدعت فيه. تتوج عملها بإنشاء نواة لمتحف عراقي ظل حافظاً لأهم الآثار التي وجدتها والآثار العراقية البابلية القديمة والمخطوطات والتحف التي حفظت الذاكرة العراقية المتخمة برموز الحضارات القديمة. سمي المتحف لاحقاً بالمتحف الوطني العراقي بعدما كان يعرف بــمتحف بغداد للآثار، تولت الرئاسة الفخرية لدائرة الآثار. وكانت على رأس لجنة مكتبة السلام التي تحولت فيما بعد إلى المكتبة الوطنية.  

حياتها مليئة بالأحداث المثيرة على الصعيدين السياسي والإجتماعي، شاءت أن تسجلها على شكل مذكرات للفترة 1917-1926، إلى أبيها السير "هيو بيل"، وزوجة أبيها "فلونس". ورغم إحتواء بعض رسائلها على آراء ونظرات غير سديدة، إلا أن الدكتورعلى الوردي اعتمدها وفضلها على الوثائق البريطانية، لأنها نادرة ومليئة بالحيوية عكست الصورة النفسية والإجتماعية بمصداقية عالية. تعتبر في مضامينها أحد المصادر الأساسية لتاريخ العراق السياسي الحديث، لتفردها بتسجيل ما لم يسجله مصدر آخر، كانت شاهد عيان في مواجهة الواقع السياسي الذي ساد العراق قبل ثورة العشرين وخلالها وبعدها.

الملاحظ في رسائلها إنها لم تستقر على رأي، فهي تمدح في وقت معين، وتشتم في وقت آخر. لم يسلم من شتمها الكثير من السياسين وشيوخ العشائر الموالين وغير الموالين لسلطة الإحتلال، ورؤساء تحرير الصحف الوطنية. فمن المثالب الواضحة في رسائلها التشكيك بقدرة العراقيين على حكم أنفسهم تبريراً للوجود البريطاني. أكدت في موضع آخر بانه "لابد من اسكات القوى الوطنية من قوى سياسية وعسكرية وعشائرية التي تقود الرأي العام العراقي التواق للتحرر والمناهض للهيمنة البريطانية". اتبعت أساليب عديدة في زرع الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة ضماناً للمصالح البريطانية. ولكنها في 1920، نقضت رأيها بالقول: ليست لنا مصلحة في أن نحول دون رغبة العراقيين في إختيار أميرهم.

مجمل ما كتبته "الخاتون" عن العراق، يُعد من المرتكزات الأساسية للسياسة البريطانية، فهي كانت تشير في جميع ممارساتها ووثائقها على وجود إختلاف بارز بين السنة والشيعة في العراق. وظل هذا الخطاب قيد الاهتمام لدى السلطات البريطانية حتى بعد إحتلال العراق 2003.

المهتمون بشأنها قسموا مراحل حياتها في العراق إلى ثلاث مراحل، الأولى 1917-1918، مرحلة جمع المعلومات التي اعتمدت عليها سلطة الإحتلال. والفترة الثانية 1918-1923، إمتازت بفعالياتها السياسية وتأسيس الحكم الوطني. والفترة الثالثة 1924-1926، حالة التدهور الصحي وإنعزالها عن الناس.

شخصية الخاتون ومآثرها الكثيرة، مثيرة للجدل، أثارت الروائي عبد الرحمن منيف، فاستلهمها في صورة بطلة من أبطال ثلاثيته "أرض السواد".

أحبت "الخاتون" بغداد وأهلها وأعلنت في مذكراتها بأن جذورها تأصلت في بغداد وأصبح العراق موطنها الثاني. امتدت حياتها في العراق حتى يوم وفاتها بتاريخ 12/7/1926، في بيتها البغدادي عن (58) سنة، ودفنت في المقبرة القريبة من ساحة الطيران ببغداد بناء على وصيتها.

 

د. عبدالحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

..................

المراجع:

- العراق في رسائل المس بيل 1917-1926، ترجمة جعفر الخياط، تقديم المؤرخ عبدالحميد العلوجي، الدار العربية للموسوعات، ط1، بيروت 2003.

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج5، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- سيف صلاح الهيتي، مس بيل صانعة الملوك ومهندسة خارطة العراق الحديث، موقع الجزيرة.

- صحيفة القدس العربي، الخاتون: مس بيل في العراق، بتاريخ 19/01/2006.

- د. نعيم جاسم محمد: الاحتلال البريطاني للعراق وطبيعة الادارة البريطانية 1914-1920.

رابط المقالة الأولى:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

رابط المقالة الثانية:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

 رابط المقالة الثالثة:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953761

- رابط المقالة الرابعة:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953922

- المقالة الخامسة:

- https://www.almothaqaf.com/a/opinions/954251

 

 

عدنان ابوزيدأصبح من الضروري، الاشتغال على البحث الأكاديمي المتعلّق بحركات الاحتجاج في العراق، وفهم بواعث اندلاعها، ونكوصها، واحتمالات اشتعال جذوتها من جديد، أو ربما تكتسب اشكالا أخرى جديدة في المستقبل او تؤول الى تظاهرات نمطية كتلك التي تحدث في دول العالم المختلفة، وفيما اذا هي ثورة اجتماعية أم حركة سياسية.

تخمّن تحليلات بان الانسجام الاحتجاجي الذي ظهر في ساحات التظاهر وانسحب على الشارع، سوف لن يتطور الى حراك قابل للحياة، لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي في العراق، وهو ما حدث في النهاية، اذ تلاشى الزخم مقارنة بالعام 2019، وربما يتبعثر بشكل نهائي.

لكن من نتائج الحراك الاحتجاجي، رغم الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات العامة، انه رسم خارطة جديدة لديناميكيات العلاقات لنظام أقل سلطوية، منفتح على المعارضة، ويمكنه استيعاب الصوت الآخر، بعدما أدرك الجميع ان الصِدام لن يثمر عن مفاعيل، وان الجزافية والعفوية والعواطف الثورية الانقلابية التي تتبنى الأنماط الطوباوية للتغيير، سوف تقود الى الهاوية، مثلما حصل في بعض دول الربيع العربي بسبب تعقيدات الصراع الداخلي والخارجي على ارض العراق.

ومثلما تعاني القوى السياسية التقليدية المؤسِّسة للنظام في العراق من الانقسام، فان الاحتجاجات العراقية منشطرة على نفسها، وتتحكّم فيها تيارات واتجاهات متضادة، وقد أدى ذلك الى عدم الاستطاعة على توضيح مراماتها.

لكن الذي يُحسب لها انها اجتازت الكثير من ثوابت المجتمع التقليدي، وأثمرت عن رسم شخصية شبابية تسعى الى إدارة الصراع مع النظام السياسي، مستندة الى قيم انفتاح سياسي وثقافي لا يعترف بالنظام الأبوي السياسي والاجتماعي. 

جرّت بعض جيوب الاحتجاج العراقي نفسها الى فخ العنف السياسي، بقوالبه النمطية الدموية، فيما رُصِدت مبررات لذلك تحت ذريعة معاقبة النظام السياسي على الفشل في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، او تحت ذريعة انّ لا حلّ سوى البطش المسلح، لكن ذلك لم يتجاوز حدود حرق وتخريب ممتلكات عامة ومقرات حزبية وحكومية، لكن وبعد اشهر من مخاض التجربة، يلمس المراقب ان الاختيار العقلاني هو الذي فرض نفسه في النهاية.

وفي حين لا يمكن فصل ما حدث في العراق عمّا حدث من انتفاضات مماثلة بدأت في تونس في ديسمبر 2010 

والتظاهرات في مصر التي تناهت الى نظام عسكري، والحراك الاحتجاجي في اليمن وليبيا الذي حوّل البلدان الى دول فاشلة وساحة حروب إقليمية، والمعارضات في سوريا التي أقحمت البلاد في حرب مروعة، فان الحالة العراقية تبدو أقل ضررا على النظام السياسي والدولة بشكل عام، وهو امر يدفع الى التأسيس لحوار ايجابي.  

  يبقى تحدي اشتعال فتيل الاحتجاجات مستمرا، مهما كان الحكم على الحركات الشعبية بانها ناجحة او فاشلة، لان هذه الآلية لا تفيد في فهم جدليات الصراع المستمرة، وليكن المطلوب اليوم هو التركيز على الحوار، و "الانفتاح"، ودمقرطة الحياة السياسية، واستيعاب الجميع تحت مظلة نظام ديمقراطي حقيقي، يستطيع كبح جماح الفساد، ولا يتكأ على حالات الإخفاق في الحقب السابقة، لان هناك نجاحات، يمكن البناء عليها وتطويرها. 

 

عدنان أبوزيد

 

صلاح حزاملقد كان الادخار من وجهة نظر مؤسس علم الاقتصاد آدم سمث، فضيلة من الفضائل، وكان يحثُّ عليه لانه كلما زاد الادخار، زاد الاستثمار. فالادخار يعني مزيد من الاموال في البنوك جاهزة للإقراض للراغبين بالاستثمار .

وهكذا يتوسع الاقتصاد وتقام مشاريع جديدة وتتوفر فرص عمل جديدة الخ..

ففي الفصل الثالث من الكتاب الثاني في كتاب سمث المشهور ثروة الأمم، يقول سمث: "الادخار والتوفير هما مفاتيح النمو الاقتصادي".

كذلك فأن الاقتصادي الفرنسي الكبير

جون باتيست ساي، صاحب القانون المشهور ب: قانون ساي للأسواق، يتفق تماماً مع آدم سمث بالتأكيد على دور الادخار وبالتالي الاستثمار في النمو الاقتصادي. وهو يقول ان الادخار مفيد للنمو الاقتصادي ورَفضَ الكلام القائل ان الادخار والتوفير قد يقودان الى انخفاض الانفاق والناتج .

فهو يرى ان الادخار هو شكل من اشكال الانفاق، بل ربما كان افضل من الانفاق الاستهلاكي لانه سوف يستخدم في انتاج السلع الرأسمالية ( عندما يتم استثماره).

وساي كما يبدو تأثر بآراء بنجامين فرانكلين احد الآباء المؤسسين في الولايات المتحدة الامريكية التي دافع فيها عن الأدخار باعتباره فضيلة ودأبه على ترداد الامثال التي تقول ان قرشاً ادخرته هو قرش كسبته..

لكن الأمور انقلبت فيما يخص الموقف من الادخار عندما ظهرت النظرية الكينزية على يد كينز في الثلاثينيات على أثر ازمة الكساد العظيم.

لقد دعى كينز الى زيادة الانفاق الشخصي والحكومي واعتبر الادخار عملاً ضاراً تَجبُ محاربته لانه يخفض من الطلب الكلّي الفعّال وبالتالي يلحق الضرر بالنمو الاقتصادي والتشغيل.

ودعى الحكومة الى زيادة الانفاق العام عن طريق العجز المتعمّد لزيادة الطلب الكلي.

والغاية من إحداث عجز مُتعمَّد هي ان يكون التوسع في انفاق الحكومة ليس على حساب انفاق الافراد (القطاع العائلي)، بل عن طريق الاصدار النقدي..

لذلك تلجأ الحكومات (من خلال السلطات النقدية) الى خفض اسعار الفائدة واحياناً جعلها سالبة لعدم تشجيع الأفراد على الادخار ..

الدول الرأسمالية كلها لازالت تتبع المنهج الكينزي في أطاره العام للخروج

من ازماتها، وحُزَم الإنقاذ التي تعلنها والتي هي بالترليونات من الدولارات، كلها تأتي عن طريق الاصدار النقدي وليست عن طريق المصادر الحقيقية المعروفة والتي من ابرزها الضرائب.

فلو فرضت ضرائب ثقيلة لتمويل هذا الانفاق الجديد، لكانت النتائج كارثية على قطاع الاعمال والقطاع العائلي حيث الجميع يعانون من تأثير الأزمة .

فالحكومات التي تعاني من عجز مُزمن في ميزانياتها ودَين عام هائل، لايمكن ان تُعلن عن برنامج انقاذ ضخم وبشكل فوري وتبدأ بارسال الشيكات الى العوائل، الّا أن يكون ذلك ممولاً عن طريق الاصدار النقدي . والاصدار النقدي لدى تلك الدول ليس فوضوياً كما حصل في العراق اثناء الحصار في تسعينيات القرن الماضي، حينما اصبحت طباعة العملة عملية لامركزية وتقوم بها اكثر من جهة وبشكل مأساوي وفاضح، بل هي عملية اقتراض من البنوك المركزية تكون دَيناً للبنك المركزي في ذمة الحكومة.

الاصدار النقدي يشبه عملية طباعة العملة في بعض البلدان النامية ولكنهم لايحتاجون مثل البلدان النامية،الى طباعة اوراق وانما الى مَنِح حقوق مالية وهي نفس فكرة وفلسفة الطبع كما حصل في العراق أثناء الحصار . حيث ان العادات النقدية لدى الأفراد في الدول المتقدمة تعتمد على البطاقات الأئتمانية وعدم التعامل بالدفع النقدي المباشر . ذلك يجعل حصة العملة في التداول من مجموع عرض النقد تقل عن ٣٪؜ او ٢٪؜ في بعض الدول. لذلك يكفي ان يصل الفرد اشعار بان لديه رصيد في حسابه مقداره كذا من الأموال لكي يبدأ بالانفاق من خلال بطاقته دون حاجة لسحب الاموال، حيث ان حيازة الاموال تعتبر عملية خطيرة ناهيك عن عدم الحاجة اليها..

كما ان الدفع النقدي يكون تسهيلاً للتهرب الضريبي لذلك فالسلطات تشجع استخدام البطاقات لضمان السيطرة على عمليات المكلفين بالضريبة. ومن لايمتلك مكائن الدفع بالبطاقة لايستطيع العمل لانه لايستطيع ارغام الناس على التعامل بالنقد.

يقول كينز: "كلما كنا اكثر اخلاقية كنا اكثر ميلاً للادخار، كلما كنا اكثر ارثوذكسية في ماليتنا الشخصية والوطنية، انخفض دخلنا ."

انه هجوم ساخر على ارثوذكسية آدم سمث الذي اعتبر الادخار فضيلة .. في حين يقول كينز انه يخفض الدخل .

بول سامويلسون أحد اكبر الكينزيين كان سعيداً بهجوم كينز هذا على ارثوذكسية سمث وقبله فرانكلين.

وقال سامويلسون: "ان ماهو جيد لكل شخص على حدة ليس من الضروري ان يكون جيداً للمجموع، كما ان فضائل فرانكلين القديمة الخاصة بالادخار قد تكون رذائل اليوم".

 

د. صلاح حزام

 

 

قاسم حسين صالحفي توثيق للتاريخ والأجيال

كانت الفواجع والأحزان قد دخلت حياة العراقيين بعد التاسع من نيسان من باب آخر هو ثقافة المظلومية وسيكولوجيا الضحية والجّلاد. فبعد سقوط خيمة الدولة التي كانوا يشعرون فيها بالأمان مدفوعين بــ " سيكولوجية الاحتماء " من خطر يتصاعد في حاضرهم، أو تهديد بخطر مستقبلي يتوقعونه بيقين، فأن تأسيس "مجلس الحكم" كرّس رسميا حالة تعدد الولاءات الى طوائف واديان واعراق وأحزاب وتكتلات على حساب الانتماء الى العراق. ومن هنا، نشأ تحول سيكولوجي جديد آخر لدى الناس. فبعد إن أطيح بالدولة (وليس النظام فقط) وافتقدوا الأمان، ودفعهم الخوف الى قوة تحميهم " العشيرة بشكل خاص، اكثر الولاءات تخلفا "، بدأ مجلس الحكم يأخذ في وعيهم أنه الوسيلة الى السلطة، ثم الدولة، فتقدمت لديهم سيكولوجيا " الحاجة الى السيطرة " التي تؤمن لهم بالتبعية " الحاجة الى البقاء " .

وكان الغالب في تشكيلة مجلس الحكم أنه قام على ثنائيتين سيكولوجيتين، هما:

1- المظلومون مقابل الظالمين.

2- عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل.

ولقد نجم عن الثنائية الأولى: (ثقافة المظلومية) التي شاعت بين الشيعة و الكورد مقابل: (ثقافة الاجتثاث) التي استهدفت من كان محسوبا على النظام السابق لا سيما في أجهزته العسكرية والأمنية والحزبية والمسؤولين الكبار في الدولة، وغالبيتهم من السّنة. وفي هذه الثنائية، كانت المعادلة النفسية تقوم على سيكولوجيا "الضحية" و"الجلاّد". وقد تجسّدت إرادة انتقام الضحية من الجلاد باستخدام مفردة "الاجثتات" التي تعني القلع من الجذور. وكان الاجتثاث هذا أقرب الى الثأر الجاهلي منه الى التعامل الحضاري أو الشرعي أو المساءلة القانونية.

وعلى وفق المنطق السيكولوجي فأن انتصار "الضحية" على من تعدّه "جلادّها" يدفعها الى التعبير بانفعالية في تضخيم ما أصابها من ظلم، وشرعنة الاقتصاص حتى ممن كان محسوبا بصفة أو عنوان على الجلاّد. والممارسة المضخّمة لأنماط سلوكية أو طقوسية كان "الجلاّد" قد منعهم منها. فالشيعة ملئوا شوارع المدن والأحياء الشيعية بالمواكب الحسينية وزادوا في اللطم والضرب بالزنجيل، وبالغوا في وسائل التعبير عن أنهم كانوا ضحية. والكورد ايضا ركزوا في تجسيد ما أصابهم من ظلم، حتى صار الأمر بين الشيعة والكورد في حينه أشبه بالمباراة في تصوير ما أصابهما من ظلم، نجم عنها ان شاعت " ثقافة الضحية " عبر صحف ومجلات صدرت بالمئات في 2003. وتولى هذه المهمة مثقفون أو من أخذ دورهم ممن لم تكن لهم علاقة بالثقافة، نجم عنها تهميش الولاء للعراق، وتكريس الولاءات الكبرى: الطائفية والاثنية والدينية.. والولاءات الصغرى: حزب أو تكتل أو عضو نافذ في مجلس الحكم، أو شخصية اجتماعية مستقلة ومتمكنة ماديا، أو مسنودة خارجيا. وكان اكثر تلك الولاءات تخلفا ظهور ما يمكن أن نصطلح على تسميته بــ (شيوخ التحرير) الذي يذكرّنا بــ (شيوخ أم المعارك) .

وفيما يخص الثنائية الثانية (عراقيو الخارج مقابل عراقيّ الداخل)، فقد نشأت فجوة نفسية بينهما. فمع أن عراقيّ الخارج لم يقوموا هم بإسقاط نظام الحكم بل جيء بهم الى السلطة، مع الاعتراف بدور من ناضل بصدق وضحّى من اجل الوطن، إلا انهم أوحوا لعراقيّ الداخل بأنهم أصحاب فضل عليهم بتخليصهم من الدكتاتورية، وانهم يستحقون التمييز عليهم، وانهم ألأحق بتولي المراكز القيادية في السلطة. وكان أن نجم عن ذلك شعور عراقيّ الداخل بالتهميش. فقد كان المعيار الذي استخدم في إسناد المسؤوليات المهمة في السلطة على أساس "الخارج مقابل الداخل" لا على أساس الكفاءة والنزاهة، فتبوأ مراكز القرار في السلطات العليا والوسطى أشخاص بينهم كثيرون لا يحملون تحصيلا علميا ولا خبرة تخصصية، فضلا عن انهم كانوا مشحونين نفسيا بدافع الانتقام من الآخر. وكان أن نجم عن واقع أواخر عام 2003 ثقافات متعددة الأسماء والعناوين مثل (ثقافة التحرير، ثقافة الغزو، ثقافة العمالة، ثقافة المقاومة..) لتشكّل واحدا من أهم أسباب الكارثة التي عاشها العراقيون لثمانية عشر عاما.. وقد تستمر لمثلها ان لم يغلق فيها باب الفواجع والاحزان!.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

 

 

كريم المظفرأختار الكريملين لغة التحذير لأوكرانيا وحثها على تجنب التصعيد في منطقة الجنوب الشرقي في اوكرانيا، وبالتحديد في جبهة الدونباس، والعمل على التزامها الصارم بالاتفاقات المبرمة سابقا بهذا الخصوص، ودعا الى ضبط النفس وإطلاق حوار مباشر مع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك لتحديد الوضع الخاص لمنطقة دونباس ضمن الدولة الأوكرانية، في وقت تلقت كييف اول صفعة "مدوية " من الغرب، الذي رفض حتى مناقشة إمكانية قبول أوكرانيا في الناتو.

رسائل عديدة وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أولها في اتصاله الهاتفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (التي طالبت موسكو بوقف تحشيداتها العسكرية على حدودها مع أوكرانيا) حذر من أن أوكرانيا تصعد الوضع في إقليم دونباس، لافتا اهتمام المستشارة الألمانية إلى "التصرفات الاستفزازية " من قبل كييف التي تزيد في الآونة الأخيرة بشكل منهجي من حدة التوتر عند خط التماس في جنوب شرقي أوكراني.

وأخرى في مكالمة هاتفية ثانية اجراها فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي يستعد للقاء الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، شرح فيها الرئيس الروسي رؤية بلاده لتسوية النزاع الأوكراني والتشديد خلالها على أهمية اتفاقات مينسك المبرمة عام 2015 أساسا لا بديل عنه لحل الأزمة في أوكرانيا، والاعراب عن قلق الجانب الروسي إزاء تهرب الحكومة الأوكرانية عن تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقات مينسك واستئناف كييف "الممارسات الاستفزازية الخطرة التي تهدف إلى تصعيد الوضع على خط التماس".

أختيار الرئيس بوتين للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيصال تحذيراته من " الاستفزازات " الأوكرانية، والنتائج الكارثية التي ستصاب بها أوكرانيا إذا ما تطورت الاحداث  الى الحد الذي "ستفقد " كييف بحسب الشخصيات الأوكرانية العديد من المناطق الأخرى في البلاد، فألمانيا هي عضو بارز في مجموعة " رباعية نورماندي " حول القضية الأوكرانية، في حين اختيار الرئيس التركي، هو لأن الأخير يستعد للقاء الرئيس الاوكراني هذا الأسبوع.

والتحذير الروسي على لسان نائب رئيس الإدارة الرئاسية لروسيا ديمتري كوزاك، كان بمثابة " ضربة " على رأس الرئيس الاوكراني " لإيقاظه " من نوم " العسل" الذي يغط به منذ المكالمة الهاتفية التي جرت بينه وبين الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أطلق لنفسه كعادة الرؤساء الأمريكيين " العنان " بالاغداق على نظيره زيلينسكي " بالوعود الفارغة " بشأن دعم واشنطن لكييف في " نزاعها " مع روسيا، فقد أيد المسئول الروسي التقييمات الموجودة داخل أوكرانيا، بأن بداية الأعمال العدائية هي بداية نهاية أوكرانيا، معتبرا ان مثل هذه الاعمال " كالقوس والنشاب، او كالطلقة التي لا تصيب، ولكن في" الهواء "، والتحذير في الوقت نفسه من أن روسيا ستضطر للدفاع عن مواطنيها الذين يعيشون في دونباس إذا كان حجم الصراع مناسبًا، لأن موسكو لن تسمح بوقوع " سربرنيتسا " أخرى هناك .

موسكو التي عبرت عن تأييدها للانفتاح الكامل لمحادثات مينسك حول دونباس ونشر الوثائق ذات الصلة، فإن أوكرانيا تخشى الكشف عن مضمونها، وهو ذات النهج الذي تتبعه ألمانيا وفرنسا، حيث يخشى الجميع "التحدث عنها علنا"، ووفقا للمسئول الروسي فان موسكو عرضت الشفافية والانفتاح والبث (من المفاوضات) حتى يفهم الجميع ما كان يحدث، وعندها "ستكون المستندات المكتوبة مفتوحة ومتاحة للجميع "، وتشير موسكو الى ان هذه السرية خيالية ومشروطة، وانها حاولت الامتثال لها أيضًا، لكنها من وجهة نظرها أحادية الجانب، فهي ضرورية فقط لأوكرانيا لتهيمن على فضاء المعلومات وتتبع خطها الخاص، وهذا "هو الشيء الوحيد الذي يفعلونه - إنهم يضللون مواطنيهم " بحسب كوزاك، وتعرب روسيا عن قناعتها من أن جميع الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها كييف مرتبطة بانخفاض كارثي في تصنيف الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي .

وعلى ما يبدو ان التحذيرات الروسية نجحت في احداث شرخ في الموقف الاوكراني وتشدده قبل أيام، بإعلان سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، أليكسي دانيلوف، أن كييف لن تحاول استعادة منطقة دونباس شرق أوكرانيا بالقوة، معتبرا أن مسألة الحرب "بيد" رئيس روسيا فلاديمير بوتين، لكنها مستعدة للدفاع عن نفسها ضد أي عدوان آخر، وان أوكرانيا تعتقد أن حكومة بوتين تحشد قوات ومعدات عسكرية على الحدود معها في مسعى لاستنفار المواطنين الروس ضد عدو أجنبي وصرف الانتباه عن مشكلات داخلية.

كما يأتي التراجع الاوكراني بعد ان أعلنت برلين ان الوقت الحالي لا ترى فيه أي احتمالات لتقارب أوثق بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، رغم المحاولات التي تبذلها لاتفيا وليتوانيا مؤخرًا في مطالبة قيادة الناتو بشكل مقنع بمنح أوكرانيا خطة عمل لعضوية الناتو (MAP )، وتصريح السكرتير الصحفي للبيت الأبيض جين بساكي، بإن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تناقش هذه القضية مع كييف، وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أن القرار بشأن عضوية الناتو يتخذ من قبل جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي، وليس واشنطن فقط، وبالتالي فان دعم المملكة المتحدة والولايات المتحدة أوكرانيا هو "شفهيًا "، وان المساعدة العسكرية لحلف الناتو لأوكرانيا في لندن وواشنطن لا تزال في مرحلة المحادثات ووراء الكواليس، وتأمل كييف بشدة أن تثير لندن وواشنطن قضية مساعدة الناتو لأوكرانيا في صد "المعتدي الروسي" في بروكسل.

سببا آخر اعتبره المختصون مهما، هو ان الناتو قد يفشل في تقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا في دونباس لسبب لوجستي، وهذا ما أكده أندريه شاراسكين، رئيس اللجنة الفرعية التابعة لمجلس النواب المعني بالسياسة البحرية والأمن،والقائد السابق لـ "سايبورغ" دونيتسك من "القطاع الصحيح" المحظور في روسيا، وقال إن عدم معرفة اللغة الإنجليزية يمثل مشكلة كبيرة لأفراد الجيش الأوكراني، بدءًا من القادة، في إطار التفاعل العسكري مع الناتو، حيث يتم إعطاء جميع الأوامر باللغة الإنجليزية" حصريًا "، وبالتالي فإن التنسيق العسكري للجيش الأوكراني وحلف شمال الأطلسي في هذه الحالة قد ينهار بسبب الجهل العام باللغة الإنجليزية في الجيش الأوكراني.

ومن أجل أن تفهم القوات المسلحة وتنفذ أوامر زملائها في الناتو بوضوح، تدرس كييف عدة خيارات، إحداها عودة الأقسام العسكرية إلى الجامعات الأوكرانية التي تدرب مدرسي اللغة الإنجليزية، وتأمل كييف في أن يساعد المتطوعون الحديثون للجيش على تعلم اللغة الإنجليزية، ومع ذلك، من الضروري تطوير برامج تعليمية لغوية فعالة للقوات المسلحة الأوكرانية، على غرار الدورات التدريبية السريعة للمترجمين العسكريين، ومثل هذه الخطة تحتاج لوقت طويل لتنفيذها.

تحذيرات الرئيس السابق لقسم التحقيق في جهاز الأمن الأوكراني (SBU) ) فاسيل فوفك، وانتقاده فكرة تدخل قوات الناتو في الصراع في دونباس، تنذر بأن تكون نتيجة مشاركة الحلف في الحرب، خسارة أوكرانيا للعديد من المناطق الجنوبية الشرقية في وقت واحد، والتشديد على ان الجميع يدرك أنه بدون الناتو لن تربح أوكرانيا أي حرب في أي مكان، ووفقا له، لن يتم قبول أوكرانيا في الناتو ولن يدافع الأعضاء الآخرون في الحلف عنها - خاصة في ظل غياب وحدة الأراضي وأزمة الدولة، وأن يترك الناتو القوات الأوكرانية لمصيرها، فان روسيا لن تحصل على منطقة دونيتسك بأكملها فحسب، بل ستحصل أيضًا على مناطق خاركوف وخيرسون ونيكولاييف.

كما ان التصعيد الغربي ودعمه لأوكرانيا في حالة تفاقم الصراع في دونباس، والتفاعل الأوكراني بشكل متزايد مع " الشركاء الغربيين "، بما في ذلك الترويج للرسائل حول "تعزيز القوات الروسية" بالقرب من حدودها، والوعود الامريكية بمساعدة كييف في حال ما يسمى بالعدوان الروسي، اعادت ذاكرة المهتمين الى تلك الأجواء التي شكلتها الدول الغربية وامريكا عام 2008 مع جورجيا ومعركتها مع روسيا، وفي نهاية المطاف خسرت جورجيا المعركة واراضي لها في (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، دون ان يحرك الغرب او أمريكا ساكنا لاسترجاعها، والاكتفاء بفرض عقوبات على روسيا، فقدت فحواها مع مرور الزمن .

لذلك يرى الخبراء في هذا الدعم الذي تتلقاه كييف من الدول الغربية، وقيام الولايات المتحدة بتزويدها بنوع من الأسلحة، ربما، وإجراء تدريب للأفراد والضباط، وكذلك قيادة موجة العلاقات العامة ودعم الجانب الأوكراني في جميع وسائل الإعلام المتاحة، ومع ذلك، فإنها لن تصل الى الموافقة على دخول أوكرانيا إلى الناتو، على الرغم من طلبات كييف، ولن يطرحوا الأمر أو يحموها، لان هذه الدول تتبع هدفًا مختلفًا، وهو فقط استمرار سياسة "احتواء موسكو"، لكن هذا لا يضمن أمن أوكرانيا.

ويجمع المحللون على ان أوكرانيا ليست سوى مادة قابلة للاستهلاك بالنسبة لهم وستستمر على هذا النحو حتى يتغير الوضع، كما يؤكد خبير المعهد الدولي للأبحاث الإنسانية والسياسية فلاديمير بروتر، يعتمد ما إذا كان الصراع في دونباس سيدخل مرحلة مفتوحة على موقف الدول الغربية، فإن التفاقم بحد ذاته هو مجرد استفزاز، وهو بحد ذاته لا يحمل أي أهداف عالمية ومن غير المرجح أن يقود إلى "الحرب مع روسيا"، وبدوره، يوافق ديمتري سوسلوف، نائب مدير كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية في المدرسة العليا للاقتصاد، على أن أحد الأهداف الرئيسية لدعم الغرب لأوكرانيا هو احتواء روسيا.

وفي الواقع، لا تحتاج الدول الغربية إلى أوكرانيا لحل نزاعها الداخلي على أساس اللامركزية والإصلاح الدستوري ومنح الحكم الذاتي لدونباس - أي على أساس تغيير دولتها، فالغرب مهتم بأن يظل الجانب الأوكراني في توجهه المؤيد للغرب والمناهض لروسيا والعمل كأداة رئيسية لاحتواء روسيا في أوروبا، وإن الغرب، في الواقع، يخوض صراعًا من أجل التدمير مع روسيا بالمعنى الجيوسياسي، أي من أجل تدمير موسكو كمركز مستقل للقوة ذات الأهمية العالمية، وإن هذا الدعم مفيد بالطبع للنخبة السياسية الحالية في أوكرانيا، لكن الغرب لن يقدم أي ضمانات أمنية إلى كييف، خاصة أنه لن يقاتل من أجل أوكرانيا، لذلك تعمل أوكرانيا كواحدة من بيادق في هذا النضال، ولهذا السبب تتلقى مثل هذا الدعم السياسي والدبلوماسي، ووفقا لسوسلوف .

ان ما يقلق روسيا اليوم هو ذلك الانقسام في المجتمع الأوكراني العميق للغاية في مناطق الجنوب الشرقي، التي لا تريد حتى أن تسمع عن العودة إلى أوكرانيا الموحدة، والتي قد تتبعها مناطق أوديسا وخيرسون ونيكولاييف وزابوروجي، ويشدد الكريملين على انه إذا قررت كييف الانضمام إلى حلف الناتو، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تفاقم علاقاتها مع جمهوريات دونباس المزعومة وتفاقم الأزمة الأوكرانية الداخلية، ويؤكد أن هذا سيزيد من تفاقم الوضع، لأنه عند الحديث عن الانضمام إلى حلف الناتو، لا ينبغي للمرء بأي حال من الأحوال الابتعاد عن رأي الشعب، وان من نجح بأمتياز في دور "المهرج" (حيث كان الرئيس الاوكراني مقدما لبرنامج نقدي فكاهي) وكسب شعبيته منها، ليس بالضرورة ان يكون سياسيا ناجحا !!!.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر – موسكو

 

قاسم حسين صالحكنّا، نحن العلماء والأكاديميين والمثقفين المحبين للوطن والناس، قد ابرأنا ذمتنا بأن نصحنا المحتل بعد شهرين ونصف من دخوله المنطقة الخضراء. ففي 24/6/2003 كتبنا خطابا موجها الى السيد بريمر بوصفه حاكم العراق موثق في صحف عراقية، نلتقط منه نص عبارة واحدة:

(.. وصحيح انكم غمرتم معظم العراقيين بالفرح لتخليصهم من نظام رهيب وكابوس مرعب لكنكم بدأتم تصادرون هذا الفرح منهم، وأن ما فعلتموه هو انكم اخرجتم حاكما من قصره لتدخلوا انتم فيه، وبضريبة باهضة.. فكان ان حصل لديهم انكسار نفسي من خيبة أمل نخشى عليكم ان تتحول الى قطيعة نفسية ، ويغير حتى المتفائلون بكم ما طبعوه عنكم في مخيلتهم: "ما اجمل الجديد" الى "ما اقبحه").. وهذ ما حصل!.. ذلك ان امريكا التي جاءت لتسقط نظاما.. قامت باسقاط دولة بكل مؤسساتها لاسيما الجيش والشرطة.

وما حصل في 9 / 4 / 2003 بقيام قوات التحالف بغزو العراق، وما نجم عن هذه الحرب التي اكملت سنتها الثامنة عشرة قدم لنا دروسا في مجالات العلوم والمعرفة المختلفة: السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والدينية والثقافية والاخلاقية، على صعيد الفرد والجماعات والمجتمع والسلطة.. والعلاقات التي تحكم هذه الأطراف، وكيف تنشأ الصراعات والى ماذا تفضي، والعنف والضغوط النفسية وقوة تحمّل الشخصية.. وما نحو ذلك من امور من قبيل ما يحصل للقيم والنسيج الاجتماعي من تخلخل او انهيار كالذي حصل لقيمة الحياة المقدسة للأنسان في المجتمع العراقي.

اننا، نحن السيكولوجيين، نعمد الى اجراء التجارب على الفئران في المختبر لمعرفة كيف تتصرف حين نعرضّها الى موقف معين لنستفيد من نتيجة التجربة فيما لو تعرض الانسان الى موقف مماثل. وقد نجري احيانا تجربة على انسان او مجموعة من افراد (ضمن حدود الاخلاق) لنعرف مدى قدرتهم على تحمل ضغط معين.

وما حصل في 9 نيسان 2003 أن العراق صار بكامل ارضه مختبرا لاجراء تجارب ميدانية فريدة من نوعها على ثلاثين مليون من البشر (من الأطفال الى الشيوخ ومن كلا الجنسين) لا يمكن اجراؤها في المختبر حتى على الفئران.وكان على علماء النفس والاجتماع – لاسيما المتخصصين منهم في علم النفس والاجتماع السياسي – دراسة ما يحصل للطبيعة البشرية والمجتمع، ليس فقط في ظروف حرب شاملة باسلحة تدميرية هائلة ليس في مفردات قاموسها "احترام قيمة الحياة"، انما ايضا ما ينجم عنها من ضحايا وهجرة وتهجير وفقر وبطالة وتفكك اسري وتعصب بانواعه وصراعات على المصالح والهويات، وعنف وقتل في مشاهد لا يستوعبها عقل ولا يهضمها منطق.

ما حصل يقدم دروسا تشكل وثيقة تؤرخ لواحدة من أصعب المراحل التي يمر بها العراق في تاريخه الذي ينفرد به ليس فقط بمنجزاته الحضارية انما في حروبه وفواجعه ايضا، وفي ذلك عبرة للقيادات السياسية وللعراقيين واميركا ايضا، وللباحثين في علم النفس والاجتماع على الصعيدين العربي والعالمي.

كان اول درس سيكولوجي-اجتماعي قدمه العراق للبشرية ميدانيا (مختبريا) نصوغه بما يشبه النظرية:

"اذا انهارت الدولة وتعطّل القانون وصارت الحياة فوضى.. شاع الخوف

بين الناس وتفرقوا الى مجاميع أو أفراد تتحكم بسلوكهم الحاجة الى

البقاء.. فيلجئون الى مصدر قوة أو جماعة تحميهم ، ويحصل بينهما ما

يشبه العقد ، يقوم على مبدأ الحماية المتبادلة ".

وكان هذا هو التحوّل السيكولوجي الأول الذي حصل للعراقيين بعيد مزاج الفرح الذي شاع

بين معظم العراقيين بالخلاص من الدكتاتورية. فلقد كان شيئا أشبه بالخيال ان يستيقظ العراقيون صباح التاسع من نيسان وقد وجدوا انفسهم انهم تخلصوا من كابوس رهيب جثم على صدورهم اكثر من ربع قرن وادخلهم في حروب كارثية وحصار اكلوا فيه خبز النخالة فيما كان يأكل هو لحم الغزلان . والكل يتذكر ذلك الرجل الذي مسك صورة صدام صباح ذلك اليوم وهو يضربها بالنعال ويخاطب العالم بانفعال :

ياناس ياعالم هذا مجرم دمّر العراق وقتل العراقيين ، وأوصل رسالة عفوية – للعرب بشكل خاص – أنهم لم يفهموا بشاعة ما جرى للعراقيين على يديه .

*

كان فرح العراقيين معجونا بدهشة أن ما حصل يصعب تصديقه .فللمرة الأولى في تاريخهم يفرح العراقيون بالقضاء على حاكم دمّر وطنهم وأذلّهم وقتل أبناءهم في حروب حمقاء وفي سجون مظلمة وفي الشوارع بوضح النهار. وكان هو الحاكم العراقي الوحيد في تاريخ العراق الذي سجل أعلى الأرقام في ترمّيل النساء وتيتيم ألأطفال وفي جعل المهندسين خريجي الجامعات يبيعون (اللبلبي) في الشتاء و(الموطه) في الصيف في صنعاء وعمان وهم أبناء أغنى بلد في العالم!.

غير أن مزاج الفرح هذا لم يدم سوى أيام .لم يعلم العراقيون حينها ان الذي سقط ليس نظام صدام حسين فقط انما الهوس الامريكي اسقط الدولة بكاملها.. والمفارقة أننا ما زلنا بحمايتها

ويعلمنا الدرس أن خيمة الدولة اذا سقطت (حتى اذا كان نظام الحكم فيها دكتاتوريا) ولا توجد خيمة اخرى تجمع أهل الوطن فان الناس يصابون بالذعر مدفوعين بـ " الحاجة الى البقاء " فيتفرّقون بين من يلجأ الى عشيرة أو مرجعية دينية، أو تجمع مديني أو سكني او مناطقي، أو تشكيلات سياسية أو كتل بأية صفة كانت.. تحميه.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

انها معاناة مضافة الى معاناة اكثر من ثلاثة عقود من القهر والظلم والاضطهاد والحروب العبثية والحصار الجائر ولاينبغي لاحد ان ينسى "انسانية" الامريكان التي انعكست في تصريح مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في حينها بان موت اكثر من نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار هو ثمن يستحق ان ندفعه ، لتضاف لذلك في مرحلة لاحقة بعد غزو 2003 الجرائم البشعة على يد القوات الامريكية في سجن ابو غريب وهي جرائم لا ينبغي ان تغيب عن بالنا مهما تقادم الزمان وتكاثرت مآسينا .

ان ذكرى احتلال العراق في عام 2003 ذكرى اليمة ومحزنة حيث نشبت الحرب بحجج وذرائع كاذبة عن امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل تلك الاسلحة التي دمرتها لجان تفتيش الامم المتحدة بداية التسعينات ، الا انها كانت حربا من اجل الهيمنة على منابع النفط وتدمير اية قدرة قتالية للجيش العراقي خدمة لاسرائيل كما ان الحرب ارتبطت بتدمير العراق كدولة وتحطيم مؤسساته ليصبح لقمة سائغة للصوص ومرتعا خصبا للنهب والسلب من قبل الجماعات التي دخلت مع الغزاة من الاسلاموين وغيرهم مدعين وواعدين يشتى الوعود الوهمية الكاذبة حول عهد "ديمقراطي جديد"

لقد تدهور حال العراق طيلة هذه السنوات من سيء الى اسوأ وبالرغم من تدخل دول الجوار ومرتزقتها والحكومات المتعاقبة وهم جميعا يقدمون مصلحة تلك الدول على مصلحة العراق الا ان المسئولية الاساساسية هي مسئولية الغزو الامريكي وها نحن نتابع الجولة الثالثة مما يسمى "الحوارالستراتجي الامريكي العراقي" والتصريحات الاعلامية الفارغة بشانها والتي لا تتضمن اي تعهد ملموس من الجانب الامريكي بالقيام باية مشاريع في اي قطاع من الصناعة او التعليم او الصحة او البنى التحتية لان الجانب العراقي الحكومي المفاوض عاجز وخنوع وبعيد عن تمثيل مصلحة العراق والعراقيين .

كان العام الماضي عاما صعبا ليس فقط بسبب جائحة الكورونا بل ايضا لتدهور الوضع الاقتصادي للبد بسبب انخفاض اسعار النفط والنهب والرواتب الخيالية التي تمنحها الطغمة الحاكمة لنفسها اضافة الى تخفيض سعرالدينار مقابل الدولار مما ادى الى غلاء فاحش خاضة بغياب اية رقابة على الاسعار مما اثقل كاهل الطبقات الفيرة واصبح عاجزة عن توفير قوت عوائلها اليومي اضافة لعجزهم عن توفير تكاليف العلاج الباهضة بغياب الخدمات الصحية الحكومية او ردائتها اضافة الى العجز عن توفير تكاليف تعليم اولادهم .

ان الحكومة الحالية هي وليد نفس نظام المحاصصة والطائفية البغيض مهما جرت من محاولات تسويقها كحكومة مختلفة اذ بعد المعاناة المريرة من الحكومات الاسلاموية الفاشلة السابقة وبسيب انتفاضة شباب اكتوبر 2019 الباسلة لجأت عصابات المافيا الحاكمة الى المجيء بشخص مختلف ظاهريا ويحاول خداع الناس بالاكاذيب والوعود دون ان يحيد عن نهج تنفيذ اوامر نفس الزمر المتنفذة التي تسيطر على البرلمان المزيف البعيد عن تمثيل ارادة الشعب العراقي وهناك عشرات الامثلة على الوعود الكاذبة    المعسولة للحكومة الحالية حيث لم تقدم مجرما واحدا من القتلة المسئولين عن اغتيال اكثر من سبعمائة شهيد في الانتفاضة وجرح وتعويق اكثر من ثلاثين الف من الشباب اضافة الى العشرات من المختطفين المغيبين بدأ من جلال الشحماني قبل سنين ومازن عبد اللطيف وتوفيق التميمي وسجاد العراقي الذي اغيل والده مؤخرا كما انها حومة ضعيفة وهزيلة وفشلت على كافة الاصعدة وزادت من خيبة واحباط العراقيين ، ويبدو ان من اولويات الكاظمي تسويق نفسه للمشاركة في الانتخابات القادمة عبر حزب شكله عكس الوعود التي اطلقها عند تكليفه بتشكيل الحكومة الموقتة كونه ليس لديه طموح سياسي ؟!

تحاول الحكومة الحالية بشتى الوسائل اضعاف زخم الانتفاضة والتي تتصاعد في فترات متفاوتة وخاضة علي ايدي شباب البنصرية البواسل وكذلك فب العديد من المحافظات الاخرى كالبصرة وبابل والديوانية والنجف ، ومن اساليب السلطة شراء بعض العناصر النشيطة بالامتيازات والمناصب ولكن هذه العناصر انكشفت وانعدم تاثيرها ، الا أن المهمة الانية لشباب الانتفاضة الذين قدموا التضحيات ان تقوم بتنظيم صفوفها في حركة او جبهة او تيار سياسيي بعبر عن مطالبهم التي هي مطالب الشعب العراقي وصياغتها ببرنامج واضح سواء قرروا المشاركة بالانتخابات او مقاطعتها خاصة لاتبدو لحد اية بوادر حقيقية لحصر السلاح بيد الدولولة او الحد من نفوذ المليشيات المنفلتة او توفير شروط ومستلزمات انتخابات حرة نزيهة ،  كما لا ينبغي تصديق الوعود الكاذبة للاحزاب المتنفذة الحاكمة التي تمتلك المال والسلطة والسلاح .

نشرت الصحف الفرنسية مؤخرا خبر تقّديم عائلات خمسة عراقيين بشكوى قضائية في باريس ضد رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي تتّهمه فيها بـ"جرائم ضد الإنسانية وتعذيب وإخفاء قسري" خلال قمع تظاهرات "ثورة أكتوبر"، وفق ما أعلنته محامية تمثلهم أن عائلات هؤلاء العراقيين الخمسة (أحدهم تعرّض لإصابة حرجة والثاني مخفي قسرا والثلاثة الباقون قضوا) "تعوّل على المحاكم الفرنسية، بدءا بالاعتراف بصفتهم ضحايا.

وأوضحت المحامية أنه "على الرغم من أن الدستور العراقي يكفل حرية التعبير والتجمّع، قمعت هذه التظاهرات منذ البداية بوحشية هائلة، ثم أصبح الأمر مكررا وممنهجا: إطلاق الرصاص الحي، انتشار القناصة، استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع و+تحطيم الجماجم+ من مسافة قريبة كما ان لائحة الاتهام المقدمة بلغت ثمانين صفحة توثق وتكشف تورط رئيس الوزراء السابق واجهزته الامنية ومسئوليتهم عن تلك الجرائم .

ان من المؤمل ان تبدأ المحاكمة في شهر سبتمبر القادم كما يحتمل ان يتم منع عادل عبد المهدي من مغادرة فرنسا ان كان يتواجد حاليا فيها ومن المؤمل ان تكون المحاكمة مناسبة لفضح جرائم النظام وانتهاكاته لحقوق الانسان ولغرض استفادة اوسع من هذه المحاكمة فان نقابة المحامين العراقيين ومنظمات المجتمع المدني المخلصة للعراق مطالبة بتبني قضايا المئات من عوائل الشهداء وتقديمها للقضاء الفرنسي .

يمر العراق بمرحلة عصيبة حيث تعاني الاصوات الحرة داخل الوطن من الاغتيال والاختطاف والتهديد والملاحقة لاسكاتها عن قول كلمة الحق مما يضع مسئولية كبيرة على الاصوات الحرة العراقية الوطنية خارج العراق في ان توحد صفوفها وتيذل جهودا اضافية في شرح معاناة ابناء الوطن للرأي العام العالمي والمطالبة بتحقيق ضمانات حقيقية لاجراء انتخابات نزيهة شفافة باشراف دولي من قبل المنظمات العالمية المستقلة. 

 

د. محمد الموسوي

8-4-2021

 

قاسم حسين صالح- بوصفي شاهد عيان، فأن مؤسسات الدولة تعرضت للنهب في 8/ نيسان / 2003 وليس التاسع منه. ففي صباح ذلك اليوم كنت أرى ، من شباك شقتي بشارع حيفا، أربع دبابات أمريكية تربض في الصالحية بجوار تمثال الملك فيصل الأول، وجرى نهب ممتلكات وزارة العدل التي لا يفصلها عن هذه الدبابات سوى رصيف الشارع.. على مرأى و" تشجيع" من الجنود الأمريكان. فيما بدأت الحرائق في بغداد في 12 نيسان 2003، إذ شهدت اشتعال النار في الطابق العلوي من بناية البنك المركزي العراقي، وفي الركن الأيسر الأرضي من مبنى وزارة العدل، وفي مبنى الإذاعة والتلفزيون ومبنى وزارة الإعلام. وكنت أرى من على سطح العمارة التي اسكنها في شارع حيفا، الحرائق حيثما أدرت وجهي في سماء بغداد.

- كان الفرح قد غمر وجوه معظم العراقيين بنهاية جمهورية الخوف في (9 نيسان /ابريل 2003) مستبشرين بجمهورية الديمقراطية والسلم الاجتماعي. ما كانوا يتوقعون انهم سيقتل بعضهم بعضا ويخسرون عشرات الآلاف في سنتين(2006-2008). وما جري كان حرب اقتتال طائفي سببه الرئيس هو السلطة عليها اللعنة..وكان عليهم ان يحتاطوا.فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية الى وراثية عام 61 هجرية. فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع. وكانت (السلطة العربية والإسلامية) على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم. ولهذا فأن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لاشعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية. ولك أن تستشهد بما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام. وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين. وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991. فضلا عن الابادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة حلبجة وإبادة الآلاف من الكورد .. الى المشهد اليومي الحاضر الذي لا تستوعب مفردات اللغة وصف بشاعته ولا عقلانيته..وذلك الموروث اللعين الذي يمتد الى داحس والغبراء، مرورا بواقعة دهاء أبن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير..الى نبش الأحداث المخجلة في تاريخنا المتخم بالعنف، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا.

والمسألة السيكولوجية الثانية، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة (من عام 1921 الى عام 2003) كانت بيد السّنة العرب، وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة، حدث تبادل انقلابي للأدوار.فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة، والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين، والذين رفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا (بعد 9/4/2003 ) في السلطة، واعتبروا قوات الغزو، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية، اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها، فيما السّنة أزيحوا الى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة او ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس، لاسيما في سيكولوجية العراقي تحديدا؟!. وعلّة نفسية ثالثة، هي أن الشيعة في العراق (جماهيرها الشعبية تحديدا اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل واذلال الآخرين بمن فيهم شخصيات وطنية سنيّة حاولوا الأطاحة بالطاغية. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف.ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في الانتخابات (حوالي نصف العراقيين) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف، أكثر منه موقف من برامج سياسية..دفع معظمهم ثمنه بؤسا وعظوا اصابعهم البنفسجية ندما، بل ان كثيرا منهم خرجوا في الشوارع وساحات التحرير يهتفون (باسم الدين باكونه الحراميه)، و(الخير العدنه مكوم والأحزاب تفرهد بيه). 

بالمقابل، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق. فضلا عن أن السّنة شعروا بالغبن السياسي والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي الى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف، وانها ظلت شغالة لعامها الرابع عشر لوجود من يغذيها على صعيد الحكومة وقيادات سياسية عملت على رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى كانت مشتعلة أصلا ليمتد لهبها الى مناطق أخرى من العراق، فكان ما كان مما حصل من خراب للوطن وفواجع للناس، اوجعها جريمة سبايكر ومآسي اهلنا في حرب تحرير نينوى.

- اننا اذ نوثق لهذه الأحداث ونحللها من منظور علم النفس والاجتماع السياسي، فان الهدف منها هو التقاط العبرة من قبل الحكّام تحديدا، ليأخذوا برأي من يقدم لهم النصيحة خالصة من علماء العراق ومفكريه.لكن المشكلة ان سيكولوجيا السلطة في العراق علّمت الحاكم ان يحيط نفسه بأشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه!

*

أ.د. قاسم حسين صالح

9 نيسان 2003

 

جاسم الصفارما الذي تغير في العلاقة بين الولايات المتحدة ألأمريكية من جهة وروسيا والصين من الجهة الأخرى؟ وهل أن ما يحصل هو تجليات سياسة خارجية جديدة تتميز بها إدارة بايدن عمن سبقها؟ وهل من الممكن أن يكون هنالك تغير جذري في هذه السياسة الخارجية، لها انعكاساتها على النظام العالمي، في دولة تتحكم في سياستها مؤسسات راسخة تشكل منظومة الدولة العميقة؟ هذا ما سأحاول أن ألقي عليه الضوء في مقالي المتواضع.

تم الإعلان عن الاجتماع الذي استمر يومين بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الصيني وانغ يي في نفس اليوم الذي بدأت فيه المحادثات بين الصين والولايات المتحدة في ألاسكا. وعلى الرغم من التكهنات بشأن التوقيت، تنفي بكين أن زيارة لافروف موجهة ضد أطراف ثالثة أو أن لها أي علاقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة في ألاسكا. هذا مع أن لافروف ووانغ في لقائهما آخر مرة في سبتمبر الماضي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في موسكو كانا قد أكدا حينها أن روسيا والصين تقدمان ردا فعالا على هجمات "القوى المتطرفة" في الولايات المتحدة.

وبالتوافق مع تعهدات الرئيس الأمريكي جو بايدن بتوحيد الحلفاء القريبين في توجهاتهم المناهضة لروسيا والصين، اجتمع الناتو الشهر الماضي لمناقشة أمن دول حلف شمال الأطلسي للفترة حتى عام 2030. وفي إطار هذا الاجتماع، جرى توصيف بكين وموسكو على أنهما يتصدران " أكبر تهديد للنظام العالمي القائم على سيادة القانون". وسبق أن وصفت الولايات المتحدة الصين، في شهر ديسمبر\كانون الأول الماضي، بأنها "أكبر تهديد للديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم".

وتجدر الإشارة الى أن إدارة بايدن كانت قد شنت هجوما عنيفا على روسيا والصين بنشرها في مارس\اذار الماضي وثيقة منهجية تعرف، بالدليل الاستراتيجي للأمن القومي، الذي يعطي الأولوية لـ "مواجهة الصين وروسيا والدول الاستبدادية الأخرى". وقد صدرت هذه الوثيقة بعد يوم من فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا بسبب اتهامها للأخيرة بتسميم وسجن المعارض الروسي أليكسي نافالني. وفي 17 مارس\اذار، وسعت واشنطن العقوبات على روسيا، وشددت الضوابط على الصادرات. وفي نفس اليوم، وصف بايدن، في لقاء متلفز، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أنه "قاتل".

كانت الصين أيضًا هدفًا لزيادة العقوبات الأمريكية عليها في شهر مارس\اذار الماضي، حيث وسعت الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها على المسؤولين الصينيين العام الماضي بشأن قانون الحكم الذاتي في هونغ كونغ وأضافت 24 شخصية رسمية صينية إلى القائمة. حدث هذا قبل يوم من المحادثات الامريكية الصينية في ألاسكا، التي جرت في 18-19 مارس\اذار، كأول اجتماع مباشر بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين خلال رئاسة بايدن وكما تبين فيما بعد، كان للعقوبات أثر كبير في إضفاء أجواء متوترة على المحادثات.

كل هذا يشير الى أن المحاولات الأخيرة من قبل الصين وروسيا لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بعد انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية، قد ذهبت سدى. فبدلا عن التعامل الإيجابي مع تلك المحاولات، أرسل بايدن مسئولين أمريكيين كبار في رحلات دبلوماسية لإقناع اليابان وكوريا الجنوبية والهند بالانضمام إلى التحالف الأمريكي ضد "السياسة العدوانية" التي تمارسها الصين. وجرى توقيت تلك الزيارات لتأتي في أعقاب القمة الرسمية الأولى للحوار الأمني الرباعي، حيث ناقش قادة اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة "السياسة العدوانية" للصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتعهدوا بالتعاون في دبلوماسية اللقاحات وتطوير شبكات 5G وغيرها من تقنيات لمقاومة تأثير الصين.

في المقابل، كانت زيارة لافروف للصين بعد انتهاء رحلته إلى الشرق الأوسط أكثر من مجرد حدث دبلوماسي عادي. فمنذ سبتمبر\ايلول من العام الماضي، كان الدبلوماسيون الروس والصينيون على تواصل شهري منتظم، أجروا خلاله خمس مكالمات هاتفية على الأقل، مما يشير إلى مستوى التنسيق في العلاقة بين الطرفين.

خلال المحادثات التي عقدت يومي 22 و23 مارس\اذار، شدد لافروف ووانغ على أن التعاون بين روسيا والصين لا يزال قويًا ونشطًا. وأن كلا البلدين "يعارضان الألعاب الجيوسياسية والعقوبات غير القانونية أحادية الجانب". ورفض وانغ خلال محادثاته مع لافروف "الأكاذيب" التي تروجها "حفنة من القوى الأوروبية" ضد روسيا والصين، وأدان أي محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدين. بالإضافة إلى ذلك، حذر لافروف الدول الغربية، بأجنداتها الأيديولوجية، من أنهم "يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ".

كما أكد لافروف ووانغ أن بلديهما يحافظان على نظام دولي قائم على القيم الإنسانية العالمية والديمقراطية والمساواة والحرية، وأبرزا أهمية دور الأمم المتحدة في النظام الدولي القائم. علاوة على ذلك، ناقش وانغ ولافروف، بناء على مستجدات الوضع الدولي، ضرورة الإعداد لمفاوضات على أعلى مستوى، ووافقوا أيضًا على تمديد معاهدة الصداقة الروسية الصينية الموقعة في عام 2001. بالإضافة إلى ذلك، قال لافروف، ردا على دعوة بايدن التي أشرت اليها أعلاه، إن على موسكو وبكين "حشد الدول ذات التفكير المماثل" لدعم مبادئ الأمم المتحدة.

خلال المحادثات في ألاسكا، كشفت الصين عن تهافت القيم الديمقراطية ألأمريكية في قضايا كالعنصرية وحق التعبير والاقتراع العام. فرداً على وصف واشنطن لكلا البلدين، روسيا والصين، بالسلطوية واتهامها بكين بارتكاب إبادة جماعية في شينجيانغ، وضعت موسكو وبكين الولايات المتحدة في دائرة الضوء في ملف حقوق الإنسان بسبب التاريخ العنصري للدولة ألأمريكية، الذي كان من تبعاته انطلاق حركة " حياة السود لها أهمية".

يتفق الخبراء الروس والصينيون على أن زيارة لافروف عملت على تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين إضافة الى أهميتها الدولية. فعلى سبيل المثال، أكد إيغور دينيسوف، كبير الباحثين في معهد الدراسات الدولية في MGIMO، أن الاجتماع "بشرى سارة للعلاقات الروسية الصينية والعالم بأسره، ويعكس محاولات لبعث الاستقرار في عالم غير مستقر".

وتجدر الإشارة الى أن نطاق التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا شمل مشروع محطة الأبحاث القمرية، والتجارب السريرية للقاحات المضادة لفيروس الكورونا، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهة أخطار اندلاع "الثورات الملونة" بتحريض وتنظيم غربيين، فضلاً عن التوسع في التجارة والسياحة الصينية في شبه جزيرة القرم. وكما قال وانغ يي، "بغض النظر عن طبيعة التغيرات العالمية، ستتوسع علاقتنا وتقوي في جميع الاتجاهات."

وليس من شك في أن لزيارة لافروف للصين أثرها الواضح في التخفيف من حدة التشنج الدبلوماسي الأمريكي بعد زوبعة التصريحات العدوانية التي أدلى بها مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة البيت ألأبيض. وخاصة، ما صرح به الرئيس بايدن نفسه في أول لقاء صحيفي له بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية، محذرا فيه من أنه سيتعين على الرئيس الروسي فلاديمير بوتن دفع ثمن سياساته "العدوانية". وفي أول لقاء مع نظرائه الصينيين، قدم وزير الخارجية أنطوني بلينكين لهم مجموعة كاملة من الاتهامات العلنية، تركز على انتهاك حقوق الإنسان. وفي نفس السياق يأتي تحذير رئيس البنتاغون، لويد أوستن، أثناء زيارته للهند، دلهي من الحصول على صواريخ إس -400 الروسية، ملوحا بالعقوبات الامريكية. ومع أن هذه التصريحات أطلقت في ظروف مختلفة (بايدن - في محادثة مستفيضة، بلينكين - في مفاوضات رسمية، أوستن - ردًا على سؤال أحد الصحفيين)، الا أنها تكشف عن الاتجاه العام للسياسة ألأمريكية في زمن بايدن.

ومع أن بايدن وأقطاب ادارته يعرضون أنفسهم على أنهم مختلفون عن ترامب تماما، ومن هنا تكرر شعار أن أمريكا عادت. أي أنها غادرت لمدة أربع سنوات في اتجاه غير معلوم، ثم ها هي تعود كما كانت. على أن هذا العرض ليس دقيقا تماما. فليس هنالك ارتداد كلي عن سياسة ترامب كما يدعون، كما أن سياسة ترامب، بكل استعراضاته الشخصية وفوضاه، كانت امتداد، ولو بخط متعرج، للسياسة ألأمريكية التي سبقته. فمنذ نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ألأمريكية والاتحاد السوفيتي اتجهت السياسة ألأمريكية نحو انشاء نظام عالمي تقود فيه أمريكا العالم بأسره بأقل خسائر ممكنة.

في الواقع، طوال القرن الحادي والعشرين، في ظل ثلاثة رؤساء، كانت الولايات المتحدة تبحث عن مجموعة من الأدوات لتحقيق تلك السياسة، من التدخل العسكري على نطاق واسع تحت شعارات أيديولوجية في عهد بوش الى سياسة التهديد دون الاحتكاك على الأرض بقوات دول عظمى غريمه، كما كان الأمر في عهد أوباما وصولا الى سياسة الضغط السياسي والايديولوجي التي اعتمدها ترامب. واليوم لدى بايدن وفريقه الفرصة للبناء على التجربة الغنية لأسلافهم من أجل اختيار اليات مناسبة لتحقيق نفس الأغراض السياسية.

حتى الآن، بناءً على أحداث شهر مارس\اذار الماضي، يبدو لي أن إدارة بايدن اختارت أن تضيف الى اليات تحقيقها للتوجهات الأساسية للسياسة الامريكية عنصرا أيديولوجيا وسياسيا جديدا قلما استخدمه رؤساء الولايات المتحدة الامريكية السابقين وهو خلق تحالف دولي قائم على تبني مبادئ "الديمقراطية"، أو تحالف الدول "الديمقراطية" في مواجهة الدول "الاستبدادية".

بعبارة أخرى، تعتزم إدارة بايدن تنفيذ توليفة من أكثر الأساليب فاعلية من سابقاتها، من وجهة نظرها، متخلية بذلك عن المظاهر الأكثر دراماتيكية، كالعمليات العسكرية الضخمة أو الافراط بالضغط على الشركاء والحلفاء باعتبارها وسائل غير عقلانية. ولكن ما مدى فعالية هذا الاختيار؟

الافتراض الرئيسي الذي ينطلق منه مهندسو السياسة الأمريكية هو أن الولايات المتحدة تظل دولة "لا يمكن الاستغناء عنها" للعالم بأسره. أي أن جميع الدول دون استثناء، بغض النظر عن علاقتها بالمسار الأمريكي، مجبرة على التعامل مع واشنطن. ومن هنا جاءت فكرة "المشاركة الانتقائية" التي بموجبها، كما يوضح مهندسو سياسة البيت ألأبيض "سنناقش ما نحتاجه مع الدول غير الصديقة، ونكبح جماحها ونمارس الضغط أينما يتطلب ذلك".

تجدر الإشارة هنا الى أنه بالرغم من المكانة الفريدة للولايات المتحدة في النظام العالمي، والتي تمنحها مجال واسع في ترتيب خياراتها لتصنيف علاقاتها بالدول الأخرى وأسلوب التعامل معها، الا ان إدارة الرئيس بايدن بأسلوبها الذي اتبعته أخيرا في تعاملها مع روسيا والصين تخطئ، حسب العديد من المحللين السياسيين، في تقديرها لحجم التغيرات التي حدثت وتحدث في النظام العالمي. وهي غير محقة باستخفافها بقدرة الدول الأخرى، خاصة روسيا والصين، على الرد إن فرضت عليها الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة ألأمريكية وحلفائها. ولنناقش هذا الموضوع بتأني.

أولا، بالنسبة لمسألة وضع روسيا والصين في خانة واحدة كجبهة معادية، يضعف من قدرة الولايات المتحدة ألأمريكية على المناورة في اختيار أساليب المواجهة. فالصين قوة اقتصادية عالمية عظمى لا يستهان بها، كما أن روسيا تملك قدرات عسكرية هائلة، تتجاوز في بعض المجالات المؤثرة قدرات الولايات المتحدة ألأمريكية. وقد أدرك الرئيس السابق دونالد ترامب هذا الأمر بصورة واضحة، وان لم يضعه قيد التنفيذ بسبب المعارضة الديمقراطية الشرسة له.

ثانيا، بالنسبة لجبهة حلفاء الولايات المتحدة ألأمريكية، فإنها تبقى قلقة وغير متماسكة بسبب الخبرة المتراكمة على مدى أكثر من ثلاثين عامًا بعد الحرب الباردة، تبددت فيها ثقة أصدقاء الولايات المتحدة، من خارج حلف الناتو، بالتعويل على مساعدتها في حالة حدوث أزمة خطيرة. علاوة على ذلك فان مصالح الدول الحليفة للولايات المتحدة الامريكية قد تشعبت كثيرا بعد نهاية الحرب الباردة مما دفعها لأن تتخلى عن فكرة الانسجام مع المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة حتى عند التلويح بالعقوبات.

ثالثا، كان العامل الأيديولوجي خلال الحرب الباردة أساسا في تمييز العدو عن الصديق أو غير العدو. أما بعد الحرب الباردة، فلم تعد للعامل الأيديولوجي أية أهمية في تمييز الأعداء عن الأصدقاء، وحتى "القيم" الليبرالية الغربية التي تعكزت عليها أمريكا فقدت بريقها تماما في الفترة الأخيرة، على خلفية ما جرى في الولايات المتحدة ألأمريكية في الانتخابات الرئاسية، يضاف اليها مشاريع الثورات الملونة وموضوع التطعيم ضد فيروس الكورونا وما الى ذلك من احداث كشفت عن وجود معايير مختلفة لتلك "القيم".

على أي حال، فان نتائج تنفيذ الاليات الجديدة للسياسة الامريكية التي اختارها الرئيس بايدن وادارته لا توحي بأنها ستكون ثابتة، بصيغتها التي استعرضتها أعلاه، طيلة الفترة التي سيقضيها بايدن في البيت الأبيض، ما دامت روسيا تتجاهل والصين ترفض بشدة وألمانيا تناور والهند غاضبة من الضغط.

 

د. جاسم الصفار

 

محمود محمد علييخطئ من يظن أن الحلول التفاوضية هي السبيل الأسرع لإيجاد تسوية سياسية تنهي أزمة "سد النهضة" الاثيوبي، فالخيار التفاوضي هو الخيار الأكثر تحضراً وتحقيقاً للأمن والسلم الدوليين، باعتباره أحد أفضل مخرجات العلاقات الدولية، ولكنه ليس الأسهل ولا الأسرع في كل الأحوال.

ومنذ إعلان إثيوبيا بدء عمليات تشييد سد النهضة، دخلت القاهرة والخرطوم من جهة، وأديس أبابا من جهة أخري في مفاوضات مارثونية علي أمل الوصول لإتفاق يساعد إثيوبيا علي إتمام مشروعه، ويجنب مصر والسودان أضرارا متوقعة .. لكن هذه المفاوضات وعلي مدار عقد كامل من الزمن لم تشهد سوي الخلافات والمماطلات من الجانب الإثيوبي .

سد النهضة يقع علي مجري النيل الأزرق علي مساحة تبلغ 1800 كم مربع ويبعد بـ 20 كيلو متر عن الحدود السودانية، ويعد سد النهضة السد الأضخم في إفريقيا، إذ يبلغ ارتفاعه 170 مترا، وتقدر تكلفته بنحو 4.7 مليار دولار .

أما السعة التخزينية للسد فتصل إلي 74 مليار م3، وهي كمية مياه تعادل حصة مصر والسودان معا من مياه النيل السنوية .

إثيوبيا أكدت أكثر من مرة أن هدفها من بناء السد هو توليد الطاقة الكهربائية، وهو ما لم تعترض عليه أبدا مصر، وفي مارس 2015 توقع الجميع انفراج الأزمة، والوصول إلي اتفاق ثلاثي بعدما وقعت كل من مصر والسودان مع إثيوبيا علي وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في الخرطوم، وهي الوثيقة التي تضمنت تعهدا إثيوبيا واضحا بعدم الإضرار بدولتي المصب .

إن البلدين مصر والسودان عندما وقعتا على اتفاق المبادئ مع إثيوبيا كان المقصود أن هناك نية مشتركة لاستفادة إثيوبيا من السد في توليد الكهرباء، شرط أن يكون هناك اتفاق قانوني ملزم بعمليات الملء والتشغيل لكن إثيوبيا واصلت تعنتها، وقامت بالملء الأول، ثم تخطط للملء الثاني، بعيدا عن موافقة البلدين أو التنسيق معهما، وما حدث العام الماضي في الملء الأول، لا يمكن مقارنته بما يمكن أن يحدث في الملء الثاني

لكن الخلافات عادت من جديد بعدما أعلنت أديس أبابا إكمال 70% من أعمال السد في مايو 2016م رغم استمرار أعمال المكاتب الاستشارية المكلفة بالدراسات الفنية والأضرار المحتملة من بناء وتشغيل السد .

وبعد عام وتحديدا مايو 2017م انتهت هذه المكاتب الاستشارية من تقريرها المبدئي حول السد، وهو التقرير الذي وافقت عليه مصر حينها، بينما رفضته إثيوبيا، ليستمر الخلاف وتتوالي جولات التفاوض برعاية أمريكية تارة، ورعاية إفريقية تارة أخري حتي وصلنا اليوم إلي الكونغو في أمل الوصول إلي حل لا يضر بدولتي المصب، فهل تتم مباحثات كينشاسا الحالية لكونها تمثل مباحثات الفرصة الأخيرة ؟

للأسف لقد فشلت مفاوضات كينشاسا وذلك لأن المطلب الإثيوبي هدفه النهائي تسعير المياه، وهي محاولة حاولتها إثيوبيا في عام 2007م، وأحبطتها مصر في إطار الأمم المتحدة .. ببساطة الإثيوبيين يرون أن المياه يجب أن تعامل معاملة النفط طالما العرب يملكون النفط ويبيعونه، فنحن نملك المياه ولا بد أن نبيعها، هذا هو الهدف الاستراتيجي الإثيوبي، فقد حاولوا عبر اتفاقية عانتيبي فلم توافق دولتي المصب والآن يحاولوا عبر الضغط بسد النهضة، وهذا توجه استراتيجي مضر للعالم كله .. في إطار الأمم المتحدة وقعت منذ الشهور الماضية 115 دولة علي أهمية الحياة للحياة البشرية .

إن التعامل مع المياه علي أنه سلعة مسألة في منتهي الخطورة علي الأمن الإنساني، وهو أداء غير مطروق عالميا، ويجب أن يواجه عالميا، ,أيضا في إطار العشر سنوات في العقد الماضي الذي تم فيه هذه المماطلة والمراوغة وشراء الوقت واللغب بالأهداف، لا يجعل هناك أي مصداقية للطرح الإثيوبي الان .

ما الذي أدرانا إذا واقفت إثيوبيا علي وضع إطار ملزم أن تلتزم إثيوبيا بتعهداتها، وهذا مستحيل، وبالتالي إثيوبيا لن تلتزم، وهذه واحدة، والأمر الثاني أن مسألة تقسيم مياه الأنهار الدولية يرتبط بمبدأ هو أن مجمل الموارد المائية في دولة ما، فإثيوبيا لديها 900 مليار متر مكعب من المياه، والضلالات الإثيوبية التي تقول أن دولتي المصب وراء الظلام الإثيوبي، فهذا غير صحيح .. إن ما وراء الظلام الإثيوبي هي الحروب المتوالية بين القوميات الإثيوبية، فنحن أمام دولة قومياتها لا تستطيع أن تتعايش علي مدي القرن الماضي، فالحرب الأخيرة في تيجراي تم ضرب محطة كهرباء من قبل أديس أبابا .

وهنا قد يتساءل البعض : إذا كان هذا الطرح من قبل إثيوبيا قد يقلل من مصداقيتها، فكيف يؤثر ذلك علي عدم تعاطف المجتمع الدولي الذي كان ينظر إلي إثيوبيا علي أنها تطالب بحقها في التنمية وتستغل مواردها من سد النهضة؟ .. الآن نحن نتحدث عن مبدأ آخر وهو تقاسم مياه نهر النيل؟

الحقيقة إن التعنت يضرب إثيوبيا في مقتل، فإثيوبيا قد ضربت هذه المصداقية مع السوادان، حيث نجد أن السودان قد تحول موقفه منذ فبراير 2020م حينما تخلت إثيوبيا عن التوقيع علي اتفاقية واشنطن، وأصبحت السودان تشعر أن الإثيوبيين يتلاعبون بها، فيضرب مصداقية إثيوبيا كدولة ويجعلها في تقديري دولة مارقة، غير خاضعة لا للقانون الدولي ولا تأخذ بعين الاعتبار اعتبارات الأمن الإنساني لملايين من البشر يمكن أن يعطشوا، وتتعامل بالمخالفة مع القانون الدولي في نهر مشترك .. كل هذه الأمور تجعل مصداقية إثيوبيا، ومن يقفون وراء إثيوبيا في هذا الموقف، محل تساءل وعلامة استفهام كبيرة فيما يتعلق بمدي قدرة الأطراف علي أن تحافظ علي المصالح المصرية – السودانية.

ولذلك أنصح أنه مطلوب الآن تحرك عربي في إطار الجامعة العربية، وأن يخاطب هذا التحرك مجلس الأمن، ويخاطب عواصم العالم، وخصوصا الإدارة الأمريكية والإدارات الأوربية، لأن عدم الاستقرار في منطقة حوض النيل، والبحر الأحمر، هو يضر بمصالح جمة، فكل طرف له مصلحة في الإقليم عليه ان يتحرك، فالمسألة ليست مسألة مياه .

إن الملء الثاني بلا معلومات للسودان علي وجه الدقة يوقف كل محطات المياه، يوقف كل محطات توليد الكهرباء .. لماذا يقبل الشعب السوداني وحكومته مثل هذا التحدي الكبير الذي تفرضه إثيوبيا ؟ .. هذا سؤال، وهذا سؤال أيضا للمجتمع الدولي الذي يمارس ضغوطا من أجل حقوق الإنسان  .. في هذه المرحلة الأمن المائي من أهم حقوق الإنسان في هذه المرحلة، وذلك ما قالت السيدة مريم الصداق وزيرة خارجية السودان لربع مليار من البشر .

وقناعتي أن الدبلوماسية المصرية- السودانية تحتاج خلال الفترة القصيرة المقبلة إلى تكثيف وجودها في الاعلام الدولي، لأن هناك شق مؤثر يتعلق بكسب معركة الرأي العام العالمي في هذه القضية الوجودية، فالإعلام المصري في معظمه يتحدث إلى الداخل المصري، وهو أمر حيوي وضروري لضمان بناء رأي عام داخلي واع يساند قيادته، ولكن من الضروري كذلك نقل أبعاد هذه القضية إلى العالم وشعوبه. كما اعيب أيضاً على الاعلام العربي في معظمه عدم وضع هذه القضية التي تخص نحو 150 مليون عربي في مصر والسودان على قائمة أولوياته، بل يتابعها كما يتابعها العالم الخارجي وكأنها لا تخص هذه الملايين المعرضة للهلاك والجوع في حال جفاف مياه النيل لا قدر الله وذلك حسب قول سالم الكتبي في مقاله بعنوان الحلول الدبلوماسية وأزمة سد النهضة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

2362 فريدون خاوندترجمة: عادل حبه

لقد طغى الشبح الصيني على السياسات الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية أكثر من أي وقت مضى. وتم سماع الهمسات الأولى حول ظهور تغيير نوعي غير مسبوق في العلاقات بين طهران وبكين في شباط عام 2015 عند زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية إلى إيران. وفي آذار عام 2021، وقّع وزيري خارجية البلدين على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين"، وإنتقل الأمر من الهمسات إلى كون البلاد تتعرض إلى اجتياح من قبل دولة كبرى ناشئة تحت مسمى "الإمبراطورية المعتدلة".

فهل بدأ فصل جديد في العلاقات بين البلدين بالتوقيع على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين"؟ وهل قررت الصين بتوقيعها على هذه الوثيقة وكما يشاع في الأوساط السياسية الإيرانية داخل وخارج البلاد، أن تجعل جمهورية إيران الإسلامية أهم قاعدة لها في الشرق الأوسط؟

أياً كانت هذه الوثيقة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أولاً هو لماذا تنخرط الصين وإيران، على الرغم من الاختلافات المهمة للغاية فيما يتعلق بالنظام السياسي والمكانة الدولية، في مثل هذه العلاقات الوثيقة والمعقدة.

الاختلافات والتشابه

للوهلة الأولى، ينتمي نظامي الحكم في إيران والصين إلى عالمين مختلفين تماماً:

1-الفلسفات التي تحكم الطبيعة والهياكل الحاكمة للبلدين، أو بعبارة أخرى، الأسس العقائدية حول مصدر السلطة، ومسار تطور المجتمع البشري، وكيفية إدارته. فالطرفان يقفان على  مواقف متناقضة ومتعاكسة.

إن المادة الثانية من دستور الجمهورية الإسلامية تنص على أن هذا النظام يقوم على "الإيمان بالله الواحد (لا إله إلا الله) وترجع إليه السيادة والتشريع وضرورة الانصياع لأمره". وعلى النقيض من ذلك، يعتبر الدستور الصيني في مقدمته أن الماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ مصدر الانتصارات الثورية والتي حولت الصين إلى دولة "اشتراكية غنية وقوية وديمقراطية ومتحضرة". في حيت تعتبر ثيوقراطية طهران أن الإرادة الإلهية هي المصدر الوحيد لسلطة الدولة،  في حين أن فلسفة النظام السياسي الصيني تقوم على عدم الإيمان بالله.

2- لقد أدرك النظام السياسي الصيني أهمية الاقتصاد باعتباره الدعامة الأساسية للسلطة في العالم المعاصر، وأصبح الرابح الرئيسي في عملية العولمة على مدار نصف القرن الماضي. فمن بين جميع الأنظمة الشيوعية التي استلمت السلطة في العالم بعد أكتوبر عام 1917، كانت جمهورية الصين الشعبية أول من وجد حلاً مستوحى من هزيمة نظرائها في "المعسكر الاشتراكي"، والحفاظ على الهيمنة بلا منازع للحزب الواحد. فقد انفتح الحزب أكثر على الإصلاحات الاقتصادية في العالم المعاصر وحقق أسرع نمو اقتصادي في تاريخ الحضارة الإنسانية.

ويرجع جزء كبير من هذه القفزة المذهلة إلى المشاركة الهائلة للشركات متعددة الجنسيات الأمريكية والأوروبية واليابانية في عملية التنمية في أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. وانضم قادة بكين أيضاً بذكاء إلى هياكل الحوكمة الدولية، وخاصة المنظمات الاقتصادية الدولية، وأزالوا العقبات الواحدة تلو الأخرى من خلال تواجدهم الشامل في الأسواق العالمية.

ولكن سبح قادة الجمهورية الإسلامية، على عكس الإصلاحيين الصينيين، في الاتجاه المعاكس للتيار، وعلى قدر إستطاعتهم، وحرموا بلادهم من الروافع المادية التي ولدت القوة والثروة في عالم القرن الحادي والعشرين. وأدى العداء اللامتناهي للجمهورية الإسلامية لمظاهر الحداثة إلى تهميش جزء كبير من القوى الحية في البلاد، وإن حقدها اللامتناهي على الغرب، حرم الإيرانيين من رأس المال والتكنولوجيا والأسواق والسياح الأمريكيين والأوروبيين. إن الجمهورية الإسلامية متعطشة للقوة الإقليمية دون أن توفر الوسائل المادية والمستلزمات لتمويل قوة دبلوماسية وعسكرية مستقرة لإشباع هذا التعطش.

لكن إيران، شأنها شأن سائر بلدان العالم، لا يمكن أن تبقى على الهامش، فهي تبحث عن حلفاء أقوياء لها بسبب ضعفها الشديد في مختلف المجالات، وخاصة الاقتصادية.كن إيران، مثلها مثل سائر دول العالم، لا يمكن تبقى على ا

ومن بين جميع القوى القديمة والناشئة في العالم، يميل النظام الإسلامي في طهران إلى جمهورية الصين الشعبية (إلى جانب روسيا)، بسبب أوجه التشابه بين الأنظمة السياسية في البلدين:

ألف – إن النظام العقائدي للجمهورية الإسلامية والنظام الأيديولوجي لجمهورية الصين الشعبية، على الرغم من تناقضاتهما الأساسية، يشتركان في العداء المشترك للحريات العامة، وإن أولوياتهما الأهم هي الحفاظ على السلطة واحتكارها من خلال تهميش المطالبين الآخرين في المشاركة بإدارة دفة البلاد. فكلا النظامين لا يرون بديلاً لأنفسهم، وسيعارضان بشدة أي اتجاه أو شخصية تسعى لكسر هذا الاحتكار.

ومع ذلك، فإن النظام الشمولي في الصين أكثر استقراراً من نظام ولاية الفقيه بسبب إنجازاته الاقتصادية الكبرى. وفي الواقع، تجري الاحتجاجات على الاستبداد الديني الحاكم في إيران، والأهم من ذلك، وتعرضه للتحقير من قبل الشعب بسبب الكارثة الاقتصادية التي سببها. لهذا السبب، يأمل جزء من الهيئة الحاكمة الإيرانية إلى "صيننة" اقتصاد البلاد، ويعتبر ذلك ضرورة حتمية لبقاء النظام. كما بُذلت جهود في هذا الصدد لم تتحقق لعدم توافقها مع طبيعة نظام ولاية الفقيه.

ب) إن التشابه الآخر بين النظامين الإيراني والصيني هو الموقف السلبي تجاه الغرب. فكلا النظامين، وبسبب الإنحطاط الذي حل بالبدين في القرن التاسع عشر وفي العقود الأولى من القرن العشرين ودور الدول الغربية في هذا الإنحطاط، مما أدى إلى ظهور خطابات سداها ولحمتها الانتقام. ولكن على عكس الجمهورية الإسلامية، فإن الصينيين لا يسجنون أنفسهم في حصن ضيق من التشاؤم والانتقام، ولا يقفون عند الماضي، بل يسعون إلى تعاون اقتصادي مكثف مع القوى الغربية لمصالحهم الخاصة.

ج) النظام الشيوعي في بكين فاسد، مثله في ذلك مثل النظام الإسلامي في طهران، وإن كان على نطاق أضيق. ويستغل "الأمراء الحمر" الصينيون مثل "الأمراء الإسلاميين" موقع أسرهم في قمة هرم السلطة والثروة في ظل انعدام الحريات. لكن في الصين، لم تصبح المافيا التي نشأت من حضن السلطة، على عكس الجمهورية الإسلامية، إلى "دلالي محرمات"، بل ربطت مصالحها بصفقات وبالتعاون الوثيق مع الشركات الغربية.

"خارطة طريق"

خلال اثنين وأربعين عاماً بعد الثورة الإسلامية عام 1979، كان هناك عاملان رئيسيان جعلا جمهورية الصين الشعبية الشريك التجاري الأكثر أهمية بالنسبة لإيران. كان العامل الأول هو الصعود الذي لا يقاوم لاقتصاد الصين، مما حولها إلى "مصنع العالم" وإلى أول قوة تصدير على المستوى الدولي. العامل الثاني هو انهيار عدد كبير من الجسور الاقتصادية بين إيران والعالم الغربي، ولا سيما مع الولايات المتحدة، والتي وفرت بطبيعة الحال بيئة مواتية لـ "آسيوية" التجارة الخارجية الإيرانية.

في ظل هذه الظروف، بلغ حجم التبادل التجاري بين طهران وبكين ذروته منذ التسعينيات فصاعداً. وفي نهاية العقد الأول من القرن الحالي، لعبت الصين دوراً رائداً في التجارة الخارجية الإيرانية، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، على الرغم من تراجع حجم هذه التبادلات خلال السنوات القليلة الماضية تحت ضغط العقوبات الاقتصادية ضد الجمهورية الإسلامية ووباء كورونا.

أثارت هيمنة الصين على جزء كبير من سوق السلع المستوردة الإيرانية احتجاجات من حين لآخر عند جزء من الرأي العام الإيراني (على سبيل المثال، لماذا يُجبر الإيرانيون على استهلاك سلع صينية "غير مرغوب فيها")، ولكن لم يتحول هذا الإحتجاج كثيراً لدرجة أنه أصبح مصدر استياء واسع.

وبدلاً من ذلك، تسبب توقيع وزيري خارجية البلدين على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين" في 27 نيسان من هذا العام، في موجة واسعة من الانتقادات والاحتجاجات ليس فقط في الأوساط السياسية والمهنية، ولكن أيضاً بين الناس العاديين في البلاد وفي الشوارع والأسواق.

إن ما تم نشره من قبل وزارة الخارجية للجمهورية الإسلامية تحت عنوان "Leaf Statement" في هذا البرنامج لا يبدو مثيراً للغاية أوغير عادي بشكل عام، فهو إلى حد ما على غرار نفس الوثائق التي تم توقيعها بحسن نية في العلاقات بين الدول.

وجاء في بيان وزارة الخارجية المؤلف من خمس صفحات أن: "الوثيقة الحالية تحدد خطة شاملة على المدى البعيد (25 عاماً) لنهج قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة في العلاقات الثنائية والإقليمية والدولية".

إن الوثيقة، التي تنطوي على مجاملات وكليشيهات دبلوماسية، هي "برنامج سياسي واستراتيجي واقتصادي وثقافي يعالج مختلف مجالات التعاون بين إيران والصين".

يؤكد نفس "البيان المنشور" على أن هذه الوثيقة هي مجرد خارطة طريق، ولا تحتوي على أية اتفاقية، ولا تتضمن أية أرقام محددة، بما في ذلك في مجال الاستثمار أو الموارد المالية والنقدية، أو نقل أي منطقة أو أي احتكار متبادل أو أحادي الجانب.

غموض وأسئلة

يرفض عدد من معارضي ومنتقدي الجمهورية الإسلامية التقرير الرسمي لوزارة الخارجية حول "برنامج التعاون الإيراني الصيني الشامل"، ويعتقدون أن الجمهورية الإسلامية أخفت طبيعة هذه الوثيقة ومحتواها الحقيقي عن الإيرانيين. ويعلنون إن الوثيقة المعنية ليست مجرد مذكرة تفاهم على "خريطة الطريق"، بل أنها معاهدة دولية حقيقية.

ومن الملاحظ أن مذكرة التفاهم ليس لها أية آثار قانونية ملزمة، وتشير فقط إلى أن الموقعين قد اتفقوا على عدد من القضايا والأهداف العامة وأعدوا الأرضية لإبرام المعاهدات بما يتماشى مع المبادئ التي تم التوصل إليها. بدلاً من ذلك، فإن المعاهدة، أو بأي اسم يطلق عليها (معاهدة، ميثاق، اتفاقية، إعلان)، تعقد بين أطراف خاضعين للقانون الدولي (الدول والمنظمات الدولية)،وتؤدي إلى آثار ملزمة حقوقياً.

وبعيداً عن الجدل حول عنوان الوثيقة، التي تم التوقيع عليها في طهران في 27 آذار، يقيّم المعارضون والمنتقدون للجمهورية الإسلامية محتواها الحقيقي على أنها أكثر أهمية وحساسية وأكثر إثارة للجدل مما أشارت إليه المصادر الرسمية للجمهورية الإسلامية.

وحسب  رؤيتهم، فإن العقد مدته 25 عاماً مع توقع توظيف 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية المحتملة في المنشآت والبنية التحتية الإيرانية. وستدفع الجمهورية الإسلامية تكلفة هذا الاستثمار خلال فترة العقد عن طريق بيع النفط والغاز إلى الصين بسعر تفضيلي (بخصم مرتفع للغاية). ومن أجل تجنب العوائق التي تحول دون سيطرة الدولار، سيتم دفع كمية النفط والغاز المشتراة من إيران باليوان (العملة الوطنية الصينية). ومن أجل حماية الاستثمارات الصينية في إيران، سيتمركز 5000 جندي صيني في قواعد لها في إيران. وهناك مهمة أخرى للجيش الصيني هي توفير الأمن اللازم لنقل النفط من إيران إلى الصين.

هذا ملخص لما ورد في الملاحق السرية للاتفاقية الإيرانية الصينية، حسب ما أورده عدد من المعارضين والمنتقدين للجمهورية الإسلامية، وليس حسب ما ورد في المذكرة. ومن المناسب أن نتعرف على جزء مما يطرحه معارضو ومنتقدو الجمهورية الإسلامية حول المحتوى السري لـ "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين" الذي أثير في النصف الثاني من العام الماضي من قبل مختلف المسؤولين الحكوميين أو شبه الرسميين في النشرات التابعة لمختلف أجهزة الجمهورية الإسلامية. حيث نرى أن وثيقة 27 من آذار واجهت مصيراً غامضاً وأثرت بشدة على الرأي العام الإيراني.

وأخيراً، وبالنظر إلى ما قيل، سنتعامل مع بعض الغموض والأسئلة التي أثيرت حول هذه الوثيقة وهوامشها.

1- تجتاج إيران الأزمة التي تمزقها، وتعاني من القطيعة عن العالم الغربي ومحرومة من دعم المنظمات الدولية. وبطبيعة الحال تتجه إلى الصين، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم. وبالنسبة للصين أيضاً، تعتبر موارد السوق والطاقة الإيرانية مهمة بالطبع، لكنها ليست على نفس القدر من الاستعداد لتعريض علاقاتها مع الغرب والدول المؤثرة في الشرق الأوسط للخطر.

2-تعتبر الصين الشريك التجاري الأكثر أهمية لإيران، ولكن حجم التجارة بين البلدين في أحسن الأحوال لم يتجاوز في عام 2014 نسبة 1.2٪ من إجمالي التجارة الخارجية للصين. فكيف يمكن للصينيين المخاطرة بعلاقاتهم التجارية مع الولايات المتحدة التي تتراوح حجمها بين 500 مليار دولار و 600 مليار دولار، والتي تمثل حوالي 13 في المائة من تجارة الصين الخارجية، مقابل هذه الحصة الصغيرة من تجارتها الخارجية مع إيران؟

في الشرق الأوسط، تعتبر إيران ثالث أكبر شريك تجاري للصين بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فلماذا ينبغي على الصينيين إقامة علاقات متميزة واستثنائية مع الجمهورية الإسلامية وتعريض علاقاتها مع السعودية والإمارات للخطر، ناهيك عن العلاقة مع إسرائيل؟

3- ولماذا يجب أن يلتزم الصينيون للجمهورية الإسلامية بشراء النفط والغاز الإيراني على مدى 25 عاماً في الوقت الذي يتغير وضع الوقود الأحفوري في سلة الطاقة بسرعة ولا أحد يعرف ما إذا كانت الصين ستكون محتاجة في 25 عاماً القادمة إلى النفط والغاز الايراني ام لا؟

4- إذا كانت الصين مهتمة جداً بإقامة علاقات مميزة استثنائية مع الجمهورية الإسلامية، فلماذا لا تعيد أصول إيران في البنوك الصينية، والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار، إلى الجمهورية الإسلامية؟ ولماذا تمتثل بكين للعقوبات الأمريكية العديدة ضد إيران عبر السنوات القليلة الماضية؟ ولماذا غادرت الشركات الصينية إيران بعد وقت قصير من رحيل واشنطن عن الإتفاق النووي؟ ولماذا أغلقت البنوك الصينية الحسابات الإيرانية؟

5- وهل ستقوم بكين ببناء قاعدة في إيران للحفاظ على أمن استثماراتها ونشر 5000 جندي في دولة ساحلية في الخليج العربي؟ ألن تشكل حملة عسكرية في مناطق خارج نفوذ بكين في المحيط الهادئ، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ "الإمبراطورية الوسطى"، أعباء على الصين؟. لماذا تدخل الصين في مواجهة مع القوى الغربية ودول الخليج العربي وإسرائيل؟ ولماذا تتورط الصين في هذه المغامرة وفي واحدة من أكثر المناطق الإستراتيجية حساسية في العالم؟ هل سيكون نشر القوات الصينية إلى جانب أهم مصادر النفط والغاز ذات الاهتمام في العالم أمراً مقبولاً بالنسبة لعمالقة آسيويين آخرين، بما في ذلك الهند واليابان؟

 

..........................

* فريدون خافند اقتصادي إيراني ومحلل اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة باريس بفرنسا. وقد حظيت تحليلاته، خاصةً اقتصاد إيران والشرق الأوسط، بتقدير كبير من قبل وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية والإنجليزية. كما شارك في التحليل الاقتصادي والبرمجة في راديو فرنسا الدولي. وشارك خافاند كخبير في العديد من وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية، بما في ذلك بي بي سي الفارسية  راديو زمانه  راديو فاردا وإيران الدولية.

 

 

عامر صالحلعله من نافلة القول أن دول العالم تولي اهتماما ورعاية بالتعليم من منطلق أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع. وأن اتساع القاعدة الشعبية لقطاع التربية والتعليم وتحوله إلى اكبر القطاعات الاجتماعية تجمعا للعنصر البشري دفع العديد من الحكومات المتقدمة والنامية إلى تبني استراتيجيات شاملة تزيل الطلاق التقليدي بين المدرسة والعمل والحياة وإحكام ربط هذا القطاع بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد عززت هذا التوجه الدراسات الكثيرة التي بينت أن التربية ليست " خدمة استهلاكية " تقدم للناس بل هي توظيف مثمر للموارد يؤتي ثماره مضاعفة ويؤدي إن أحسن استخدامه إلى عائدات اقتصادية تفوق العائدات الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية وسواها، وهي ذات اثر طويل الأمد. وقد أكدت دراسات دنيون الأمريكي وريداوي البريطاني وستروملين الروسي، أن الزيادة في الإنتاج لا تعود فقط لزيادة رأس المال واليد العاملة، بل يرجع إلى عوامل التقدم التقني وما وراءه من إعداد وتدريب وتعليم للموارد البشرية.

ولعل من المسلم به القول ايضا إن عملية التربية والتعليم تعد ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتقدم والنهضة الحضارية ومجاراة للعصر،حيث أن المواطن المتعلم والمؤهل والمتربي هو ثروة حقيقية لأي مجتمع من المجتمعات،ومن هنا تعكف دول العالم على الاستثمار في العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب والرعاية المختلفة، وذلك لقناعات مفادها إن الإنفاق المالي الكبير على قطاعي التربية والتعليم هو ليست من باب الاستهلاك بل هو من باب الاستثمار ذو العوائد طويلة الأمد،والذي تأتي فوائده أضعاف ما ينفق على هذه القطاعات ولسنين طوال ولأجيال متعاقبة.

فالتربية والتعليم تلعب دورا كبيرا في بناء الشخصية الوطنية وتكريس الهوية الحضارية من خلال دورهما في عملية التنشئة الاجتماعية والثقافية وتكريس قيم التسامح والمصالحة الوطنية،وهما يمثلان الركيزة الأساسية في خلق القوى العاملة المدربة في مختلف الاختصاصات لتلبية احتياجات التنمية الشاملة وسوق العمالة، ومن خلالهما أيضا يتم خلق أجيال قادرة على التواصل مع العالم والتعامل مع مستجدياته في ميادين التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتقني لمواكبة ظروف العصر،حيث نحتاج فيه إلى إنسان يمتلك الخبرات والأفكار والأساليب والآليات الجديدة والمستجدة، أي نحتاج إلى إنسان يتصف بالقدرة على الإبداع والابتكار والبصيرة النافذة، ومن هنا تأتي أهمية دور نظام التربية والتعليم في تأهيل هذا الإنسان في ظل تأثر هذا النظام بالعديد من التحديات مثل ثورة المعلومات والاتصالات،وثورة العلم والتكنولوجيا،والتنمية الشاملة والمستديمة، والشركات المتعددة الجنسيات والعولمة، وهذه التحديات تؤثر في أساليب عمل المؤسسات التعليمية كما تؤثر في أهدافها ومناهجها وكادرها التدريسي وطبيعة إعداده وفي تحديد طرائق التدريس وطرائق عمل هذه المؤسسات وأدارتها بصورة عامة.

أن إصلاح حقيقي في مجال التربية والتعليم لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة منه إلا إذا جاء كجزء من عملية إصلاح شاملة تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية،وخاصة في ظل التداخل والتأثير المتبادل بين هذه المجالات، وحيث أنجز العراق الخطوة الأولى المتمثلة في التغير السياسي صوب "الديمقراطية السياسية" اللازمة لانتعاش الديمقراطية في قطاع التربية والتعليم " كما يفترض في سياقات صحية"، إلا أنه اخل في ترك أي اثر ايجابي في هذا القطاع في الحقبة ما بعد 2003 والى اليوم، حيث ترك هذا القطاع فريسة للمحاصصات السياسية والطائفية وفتح باب الاجتهاد السيئ على مصراعيه في هذا المجال مما حوله إلى ميدان مصدر للتخلف الفكري والتربوي ومكان امن للفساد والتزوير والاستحواذ، وهو استمرار لما حصل من تدهور في العملية التربوية والتعليمية في زمن النظام السابق،بل وفي بعض من وجهوها أشرس مما وقع آنذاك.

في الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال، فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي،وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي،وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم،وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية، وخاصة في ميدان محو الأمية،ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح الإضرار بقطاع التربية والتعليم، ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%، الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

أن مصير العملية التربوية كما هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية، ومنها قطاع التربية والتعليم،فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة، والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية، من خلال المناهج والأنشطة المدرسية، وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي، ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية، إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة، فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة، وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة الدارسين،لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة، بل إلى طرده من المدرسة، ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي، فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه.

بعد مرور 18 عاما على سقوط النظام السابق ولا زال النظام التربوي والتعليمي في العراق يتعرض الى هزات بنيوية تهدد بأنهيار ما تبقى للقطاع من سمعة وطنية ودولية، وتلك الانهيارات تشمل عناصر العملية التربوية بأبعادها المختلفة: من كادر تربوي، ومناهج، مكان الدراسسة، الأدارة والطلاب وفي سياقتها الكمية والكيفية. وفي سياق حديثنا عن الكادر التدريسي والتربوي بصورة عامة حيث يتعرض الى المساوامات اللاانسانية من قبل السلطات التربوية المحصصاتية التي لا تفقه قيمة العيش الكريم للكادر التربوي وآثار ذلك على أدائه اليومي في سياق العملية التربوية، وتلك السلطات تمارس نفس حالات الاستلاب والأكراه التي مارسها النظام السابق لأذلال الناس من خلال سياسة التبعيث والشوفينية وفرض سياسة الرضوخ لشروط الحاكم الجائر لتجويع الكادر التربوي.

هناك عشرات الألوف بل تجاوز العدد 140 ألف كادر تدريسي يعمل في السخرة او على شكل مكافئات مقطوعة او مكرمة مالية كما تعطى للفقراء في الشوارع او المعوزين وذوي الأعانات الاجتماعية، ولا يمكن لعاقل ان يصدق ان هذا الأمر يحصل في العراق، في بلد نفطي بلغت عائداته منذ 2003 اكثر من 1400 مليار دولار ذهبت جميعها في جيوب الفاسدين والسراق من سياسي الصدفة مختلسي المال العام ورافعي شعارات المليشيات المسلحة اولا ولا لدولة المواطنةا، وما انفق على قطاع التربية والتعليم الى اليوم تجاوز 30 مليار دولار بحسب التقديرات، وهذه الاموال لا تستطيع تأمين فرص تعين بشروط انسانية للكادر التربوي، بل تلجأ الى حلول عرجاء وغير محسومة الى ما يسمى بالعقود، في ظل افتراضات اكيدة في توسع التعليم الهائل في العراق استنادا الى البنية السكانية الفتية او في اعمار الدراسة، وبالتالي فالحاجة قائمة الى الكادر التربوي في العراق الى يوم يبعثون، فلماذا هذا التحايل عليهم ومساومتهم بأبخس الشروط.

احتجاجات الكادر التربوي اليوم في مختلف المحافظات العراقية هي جزء لا يتجزأ من الحركة الأحتجاجية في عموم العراق ولمختلف الشرائح الاجتماعية لتحسين ظروف العيش ومحاربة الفساد وسرقة المال العام وتوفير الخدمات الانسانية الضرورية من صحة وتعليم وكهرباء وماء وضمانات للفئات المجتمعية المحرومة، مقرونا بمطالب مشروعة لأعادة بناء العملية السياسية من جديد عبر الأقصاء الديمقراطي للطبقة السياسية الفاسدة كمقدمات لأعادة بناء العراق على اسس دولة المواطنة، وبالتالي نرى ان الحلول الترقيعية والوعود للكادر التربوي عبر تحويلهم الى "مكرمة العقود" هي ذات الوعود التي تحدثت عنها السلطات المتعاقبة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لعموم شعبنا ولم تحل، وقد بلغت ضحايا مطالبات شعبنات منذ انتفاضة اكتوبر اكثر من 700 شهيد و30 ألف جريح ومئات الأعاقات المنتهية غير القابلة للعلاج، ولا زال المجرم القاتل حرا طليقا، والوعود بألقاء القبض عليهم وتقديهم للعدالة كما هي الوعود في الاستجابة لمطالب الشعب.

 

د. عامر صالح

 

 

لطفي شفيق سعيدخلاصة هذه المداخلة التي تمحورت كتابتها حول (لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي السلطة بعد أن توفرت له الفرصة بعد محاولة اغتيال الشهيد عبد الكريم قاسم وعندما كان الحزب في ذلك الوقت في أوج عظمته؟) وبما أن تلك الفرصة وفرص أخرى مشابهة قد مر عليها زمن طويل تعدى نصف قرن فإن من الضروري أن نبحث عن أمر آخر ونطرح السؤال التالي: بدلا من أن يقتصر على سبب عدم استلام السلطة وهو (لماذا لم يحافظ على السلطة وحماية التجربة الكبرى المتمثلة بإقامة الجمهورية العراقية ومن هو المؤول عن ضياعها بعد أن مضى على عمرها أقل امن أربعة سنوات؟)

وفي رأيي ومن خلال اطلاعي على سير الاحداث في تلك الفترة أن صراعا معلنا وخفيا كان يدور في تلك المرحلة بين الحزب الشيوعي العراقي الذي رفع شعار (تضامن كفاح تضامن) والمتمثل بمساندة النظام بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم والكفاح ضد مخططات الاستعمار التي تهدف إلى اسقاط السلطة واعادة العراق إلى حضيرته وبين الأحزاب المناوئة التي تهدف إلى اسقاط السلطة واستلام الحكم بعد القضاء على الزعيم عبد الكريم قاسم وأعوانه وقد مثل تلك الأحزاب والفئات المناوئة كل من حزب البعث والاحزاب القومية العربية والكردية والتركمانية إضافة لرجال دين شيعة ومنها الفتوة التي أصدرها المرجع الديني الشيعي المرحوم السيد محسن الحكيم على اعتبار أن الشيوعية كفر والحاد التي اذكت الصراع ضد الحكم وبالذات ضد الزعيم عبد الكريم قاسم باعتباره منحاز ومساند للشيوعيين حتى ان البعض بث دعاية بأنه شيوعي وله انتماء سابق للحزب الشيوعي العراقي واضافة لهذه القوى المناوئة فقد انظم اليها من تضررت مصالحهم من قرارات حكومة عبد الكريم قاسم كالإقطاعيين وكبار الملاك ، لقد قاد الصراع الخفي والمساند للقوى المناوئة كل من بريطانية واميركا وبعض دور الجوار متمثلة بالأردن وايران وتركيا والسعودية والكويت أضافة إلى موقف عبد الناصر الذي اعلن العداء السافر وحرض ومهد وسخر اعلامه من اجل إزاحة الزعيم عبد الكريم قاسم.

إن جميع تلك المجاميع تكاتفت وتآزرت لإسقاط النظام والقضاء عليه حتى لو تطلب الأمر وبقوة السلاح وبانقلاب عسكري يقوم به بعض الضباط والقادة الذين انظموا لصفوف الأحزاب المناوئة، وبالفعل فقد جرت عدة محاولات لإسقاط السلطة وفشل البعض منها مثل المحاولة الانقلابية التي قادها العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل بتحريض واسناد وتجهيز أسلحة ومحطة إذاعة لإذاعة بيانات الانقلابيين من قبل جمهورية مصر وبأشراف مباشر من رئيسها المرحوم جمال عبد الناصر.

إن محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم كان الهدف منها هو التحضير لاستلام السلطة من قبل البعثيين والتي جرت في منطقة رأس القرية عام 1959 ولكنها فشلت كغيرها من المحاولات ، وبعد ذلك اخذت المحاولات تأخذ مسارا علنيا واصبح امر الإطاحة بالنظام والقضاء على عبد الكريم قاسم علنيا وواضحا عند قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعند عبد الكريم بالذات وقد تأكد للحزب الشيوعي ذلك الأمر وبشكل لا يدعو للشك وذلك من خلال المعلومات التي كانت تصله من اطراف عديدة ومنها ما جاء بجريدة الاشتراكي السرية التي يصدرها حزب البعث وفي افتتاحيتها ليوم الجمعة الذي سبق جمعة الانقلاب في 8 شباط 63 حيث ورد فيها ان حزب البعث سيسقط السلطة عن قريب وأنهم سيعلقون أجساد الشيوعيين على أعمدة الكهرباء كما أن قسما كبيرا من أعضائه كانوا يتدربون على استعمال السلاح والرمي في منطقة جرف الصخر وتحت علم عبد الكريم ومن اعتراف أحد المتدربين والذي القي القبض عليه في تلك المنطقة واحيلت أوراق التحقيق الذي جرى في الفوج الثالث من اللواء الأول الى القائد العام للقوات المسلحة ولم يتخذ أي أجراء بحق المتهم ولم يرسل عليه للتعرف على ما كان يدور من مخططات تهدف لإسقاطه ,لقد كان الفرق كبيرا بين من كان يروم استلام السلطة بالقوة وبين المدافعين عنها والمتمثل بالحزب الشيوعي العراقي والذي كان يحرص على بقائها بالرغم من المخاطر والتسريبات التي تشير إلى انفضاح أمر الجهة التي تنوي القيام بالانقلاب فقد كان حزب البعث والقوميين ومن معهم قد اناطوا أمر تلك المهمة لقادة عسكريين معروفين ومشخصين من قبل السلطة إضافة إلى عدد آخر من الضباط بمختلف الرتب وإن جميع هؤلاء الضباط كانوا يشغلون مناصب مهمة في وزارة الدفاع واصبح مقر وحداتهم في بغداد بل أن البعض منهم كان مقره في وزارة الدفاع وبالقرب من عبد الكريم قاسم وكانت مهمتهم وضع الخطط العسكرية المطلوبة بحدود ما لديهم من خبرة وتدريب وكيفية استخدام السلاح المتوفر أصلا تحت امرتهم في جميع الوحدات العسكرية بعكس السياسة التي اتبعتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي فقد كانت ضد فكرة اناطة المسؤولية للعسكريين وعملت على ابعاد من كان يطالب باستلام السلطة أو التغيير في وقت كان يظم ألعديد من الضباط وضباط الصف والجنود الاكفاء ذوي قدرة وكفاءة عالية وكذلك لم يهتم أو يبادر لوضع خطط مسبقة للتصدي لأي محاولة انقلابية والتي اصبح أمرها معروفا لديهم وكذلك لا يمتلك اعضاءه المدنيين أية قطعة سلاح ولم يتدربوا على استخدامها كما تبين ذلك خلال الانقلاب وعند تجمهر عدد كبير من أبناء الشعب يطالبون عبد الكريم بالسلاح من أجل الدفاع عن الجمهورية ولكن دون خطة مسبقة وبما تعرف بخطة أمن بغداد والدفاع عن الجمهورية ، وللتاريخ فقد سألت أحد مسؤولي الحزب الشيوعي وممن كان يشرف على التنظيم العسكري وبعد أن اطلعته على افتتاحية صحيفة الاشتراكي الصادرة عن حزب البعث ماهي إجراءات الحزب وما هي خطة التصدي والدفاع عن الجمهورية وافشال المؤامرة والانقلاب الوشيك وكيف ستتصرف مجموعة العسكريين الذين يظمهم الحزب الشيوعي لصفوفه فكان رده محبطا إذ قال واعتقد أنه رأي الحزب وتوجيهاته وهو: (على كل عسكري ان يلتحق بوحدته حال سماعه بيان الانقلاب وينتظر هناك وصول المسؤول الحزبي عنه ليبلغه بالأوامر والتوجيهات التي سيصدرها الحزب !!) أي على هؤلاء العسكريين أن يبقوا في وحداتهم في (انتظاركودو) حتى يأمرهم ذلك الشخص بأداء واجبهم العسكري ومن المعروف لجميع العسكريين أن (كودو) هو واحد من المدنيين معلما كان أو عاملا بسيطا وبدرجة حزبية متقدمة ونتيجة لهذه السياسة العقيمة قد وقعت الطامة الكبرى ولم يحضر الكثير من مسؤولي الحزب الى المقرات العسكرية وخاصة التي تم السيطرة عليها من قبل الانقلابيين كما وأن عديد من الضباط المهمين والذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم عن الوحدات المهمة في بغداد لم يتمكنوا من الحضور ليمارسوا دورهم الفعال بسبب مناطقهم النائية وبدورهم لم تصلهم أي أمر عدا بعض المبادرات التي قام فيها بعض الضباط من تلقاء أنفسهم كان ثمنها فقدان حياتهم كما حدث في معسكر سعد في بعقوبة والبصرة وبعد أن أخليت ساحة المعركة منهم وحل بدلهم قادة وضباط لم ينفذوا الأوامر التي أصدرها الزعيم أليهم و لم يتصدوا للانقلابين بل أن البعض منهم شارك بالانقلاب ومنهم من شتمه كالضابط الذي ايد الانقلاب وشتم الزعيم عند الاتصال به لتهيئة اللواء ساعة حدوث الانقلاب هو ضابط ركن اللواء المقدم الركن طه الشكرجي كما وأن آمر اللواء الزعيم الركن عبد الكريم محمد ذو التوجه الديني المتشدد والذي نصبه الزعيم بدلا عنه لأمرة ذلك اللواء لم يكن من الضباط الاحرار ولا علم له بخطة الثورة فلم ينصاع لأمر الزعيم ولم ينفذ أمره بالتصدي للانقلاب مما سهل للانقلابين مهمة السيطرة على معسكر الرشيد بكامله .

لم يكن لقيادة الحزب الشيوعي العراقي نية في استلام السلطة بل كان هدفه المرحلي هو الدفاع عنها المتمثلة في شخص عبد الكريم قاسم باعتباره حكما وطنيا تحرريا ضد الاستعمار و بالمقابل ذلك لم تكن لديه خطة واضحة عن كيفية الدفاع والاستفادة من كوادره العسكرية الهائلة وكذلك لم ينيط المسؤولية للضباط الحزبيين الكبار للعمل في المكتب السياسي لمعالجة الأمور التي تتعلق بالشأن العسكري حسب خبرتهم وذلك بسبب التخوف من قيام العسكريين بالتخطيط لاستلام السلطة الذي يعتبره مخالفا لتوجهات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وما يمليه عليها الحزب الشيوعي السوفياتي ضمن المرحلة آنذاك والتي تركزت على الصراع العقائدي بين السوفيات وبين الحزب الشيوعي الصيني والذي انسحب تأثيره على مواقف الحزب الشيوعي العراقي وأخذ الحزب يثقف اعضاءه بذلك الصراع منحازا لجانب السوفيات واهماله الجانب المهم وهو الخطر المداهم الذي يهدد الوطن والتلويح بالانقلاب واستلام السلطة من قبل البعثيين ومن معهم واستمر هذا التوجه خلال المعارك التي كانت تدور رحاها بين الجيش العراقي وبين فصائل كردية في شمال العراق عام 1961 كذلك استمر ذلك التوجه الخاطئ الذي سلكه الحزب الشيوعي حتى بعد حدوث الانقلاب في 8 شباط 63 وكان همه الأساس هو أيصال النشرات والكراريس المتعلقة بصراع الحزبين السوفياتي والصيني حتى خلال انشغال كوادره من العسكريين بالقتال على قمم الجبال وفي عمق الوديان ولم تنتهي تلك المهمة الغريبة التي اعتبرها الحزب من مهامه الرئيسة ما دام الحزب الشيوعي السوفياتي مستمرا بها وقد استمر الحزب الشيوعي العراقي يأخذ على عاتقه هذه المهمة بعد حدوث الكارثة وتدمير معظم تنظيماته المدنية والعسكرية بطريقة وحشية فقد انتقلت تلك المهمة إلى تثقيف السجناء الذين زج بهم الانقلابيون في السجون ومنها سجن نقرة السلمان الصحراوي الرهيب مما خلق لدى معظم السجناء حالة من الاستهجان والاستغراب من هذا التصرف وما يقوم به كوادر الحزب بنشر دعاية وتثقيف بأوامر بعيدة كل البعد عن المصيبة التي حلت بهم ، فهل هنالك أهمية تذكر وجدوى مفيدة خلال ما حصل في الحالتين حالة معارك الشمال وحالة السجناء التي أدت بالتالي إلى ضياع الوطن فلا ضير أن نعيد اطلاق  المثل الشعبي القائل (عرب وين وطنبوره وين) على سياسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سابقا ولاحقا!!.

أن عدم وجود خطة للدفاع عن الجمهورية لم يقتصر على الحزب الشيوعي العراقي فقط بل شملت القيادة العسكرية المتمثلة بالقائد العام للقوات المسلحة الزعيم عبد الكريم قاسم وإن هذا الأمر يشكل خطأ مريعا وفظيعا فإن ما حدت في انقلاب 8 شباط 63 وما جرى في تنفيذ صفحات الانقلاب من تلكأ تعكس احتمالية فشله خلال مواجهة عسكرية بسيطة وبخطة مسبقة وبما تسمى بخطة أمن بغداد تتضمن قطعات مهمة موالية للحكم بشكل كامل تمتك اسلحة متطورة خاصة تقوم ممارسات مستمرة لتنفيذ الخطة وكيفية التحرك السريع للسيطرة على الموقف واختيار القادة الشجعان والموالين حتى وإن كانوا من ضباط ذوي رتب صغيرة وأن يكون موقع قيادة المعركة في قلب الحدث وليس بعيدا عنه أو في مكان يسهل اختراقه وتدميره من قبل الانقلابين، إن تلك الأمور لم يعمل بها وإن ما قد اثبت عدم وجود خطة خاصة بأمن بغداد والدفاع عن الجمهورية إن أكثرية قادة الفرق والوحدات العسكرية والتي قربهم عبد الكريم قاسم و كان يضن بانهم سيلبون نداءه وينصاعون لأوامره جرى عكس ذلك فلم يحركوا اية قطعة من التي كانت تحت أمرتهم للتصدي للانقلابين بل أن قسما منهم اشترك أو أيد الانقلاب ببرقيات تأييد والأغرب من ذلك وأسوء هو اختيار القائد عبد الكريم قاسم اللجوء إلى ثكنة وزارة الدفاع وحشر نفسه ومن معه بين جدران تلك التكنة مما سهل مهمة تطويقها وصب نيران أسلحة دباباتهم ومدفعيتهم وصواريخ طائراتهم على من كان داخل تلك الثكنة ورب سائل يسأل كيف اختار الزعيم هذه الوسيلة وهي الدفاع ، وهي طريقة غير ناجحة ولا تنفع في مثل تلك المواقف حيث أن مبدأ الهجوم هو الأفضل في إدارة دفة المعركة ويؤخذ على الزعيم عبد الكريم قاسم أيضا اختياره هذا الأسلوب في معالجة الموقف وهو الضابط الشجاع الذي حصل على وسام شجاعة في حرب 48 في تصديه للعدو الصهيوني وخرقه جبهة قطعاتهم وصولا إلى مدينة كفر قاسم واحتلالها وكما أنه قائد ثورة 14 تموز وواضع خطتها المحكمة والدقيقة وقام بتنفيذها بوقت قياسي اذهلت الدوائر والمؤسسات الأجنبية والمعنين في الشأن العسكري لدرجة أن أحدهم ذكر: (أن ذلك الوقت الذي تم فيه انجاز المهمة لا يكفي للسطو على بنك صغير)، إذن ما هو السر الذي جعل ذلك القائد أن يبقى داخل ثكنة وزارة الدفاع ولم يغادرها ويقود من كان فيها من جنود وضباط من مراتب الفوج الثاني من لوائه التاسع عشر الذي قاده قبل الثورة اضافة لمراتب وضباط الانضباط العسكري الذي هم بأمرة صديقه المخلص الشهيد عبد الكريم الجده وكان عددهم بالآلاف مسلحون بأسلحة مختلفة بضمنها مدرعات وحاملات أشخاص ومدفعية وينطلق بهم نحو معسكر الرشيد ليلتقي بجنوده في الفوجين الأول والثالث من لوائه السابق ويدير المعركة المفتوحة من هناك فهل كانت خطة البقاء في ثكنة وزارة الدفاع هي من تدبير الزعيم نفسه أم أنه تأثر بآراء بعض الضباط المحيطين به ؟ لقد تواردت بعض المعلومات مفادها أن الزعيم حاول الخروج والتوجه الى معسكر الرشيد بعد أن وجه له المقدم الركن طه الشكري كلمات نابية خلال المكالمة التي جرت بينهما حيث رد الزعيم عليه: (إنتظرني فأنا أت اليك وسأريك من أنا) حسبما ذكره لي المرحوم مرافقه قاسم الجنابي ونصحه البعض بعدم الخروج وترك الدفاع لآن ذلك يشكل خطرا على حياته وإنه من هذا الموقع بإمكانه الاتصال بقادة الوحدات العسكرية ويتابع ما يجري من تطورات خلال تلك المعركة ,إن مجمل الأحداث أثبتت خطأ ذلك الموقف والذي من خلاله لم يتمكن الموجودون داخل الدفاع والمحاصرون من الصمود أكثر من يوم وليلة بالرغم من دفاع بطولي ابداه الجنود وبعض الضباط وكانت نتيجته استشهاد عدد كبير من أفراد الانضباط العسكري وبضمنهم قائدهم البطل الشهيد الزعيم عبد الكريم الجدة الذي قاتل قتال الابطال وكذلك استشهد مرافق الزعيم الأمين العقيد وصفي طاهر والذي قاتل بشرف ثم طلق رصاصته الأخيرة على رأسه بعد نفاذ عتاد رشاشته عدد كبير من مراتب الفوج الثاني من لواء الزعيم وكانت خاتمة هذه المأساة أن يتجه الزعيم عبد الكريم قاسم وبمعيته الشهيد فاضل عباس المهداوي والزعيم الركن طه الشيخ أحمد والملازم الأول كنعان حداد الى مركز قيادة المتآمرين في دار الإذاعة في الصالحية داخل مدرعتين بعد أن جردوا من أسلحتهم الشخصية ليلاقوا مصيرهم المحتوم وذلك بقتلهم دون محاكمة وبسرعة بعد أن وثق الزعيم بوعودهم الكاذبة والتي اكدت نيتهم منذ بداية المفاوضات التي جرت بينه وبينهم بقولهم أنهم يطلبون رأسه ولا غير ذلك ، فكيف وثق الزعيم بهم وسلم رأسه اليهم وقد كلف ذلك الاجراء الشعب العراقي ثمنا باهضا تحمل وزره طيلة عقود سوداء تلت تلك المجزرة الدموية وإن الضباط والمراتب الذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم قاسم أماكن نائية وبعيدة عن مكان الكارثة كانوا بإمكانهم التصدي للمتآمرين والدفاع عن الوطن بطريقتهم الخاصة وبعمل عسكري متقن ومحكم بعيدا عن إملاءات وتوصيات الحزبيين التي أولدت لهم اليأس والإحباط وخاصة خلال ما كانوا يتعرضون له من مضايقات امن قبل الضباط لبعثيين والقومين واستفزازاتهم المستمرة خلال تواجدهم في الوحدات التي ابعدوا اليها في وقت كانت توجيهات الحزب لهم أن لا ينجروا لتلك الاستفزازات والتي وصلت أحيانا الى درجة التهديدات والوشاية وكتابة التقارير المغرضة ومنها التقرير الذي كتبه أحد هؤلاء ضدي ومفاده (شيوعي خطر له قابلية في تنظيم الجنود والضباط وضد القومية العربية) واصبح هذا التقرير ينتقل معي في كل مكان انتفل اليه وقد اضيف إلى اضبارتي الخاصة في وزارة الدفاع وقرأ علي لعدة مرات ومنها عندما رحلت الى أمرة الفرقة الأولى والى وحدة عسكرية في الناصرية حيث وردت برقية الى أمر الوحدة يطلب فيها حضوري لمقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم وكان ذلك قبل صدور جدول الترفيعات الذي يشمل ترفيعي الى رتبة ملازم أول وحين حضرت إلى وزارة الدفاع وجدت أمامي عددا أخر من الضباط وبرتب مختلف يربو عددهم على مائتي ضابط وانتظرنا لقاء الزعيم إلا أنه لم يحضر وكلف نيابة عنه مدير إدارة الجيش واستدعى الضباط واحدا تلو آخر للمثول أمامه وعند حضوري أطلعني مدير الإدارة على التقرير الخاص المتضمن رأي قادة الفرق بأمر ترفيعي ويشمل ذلك جميع الضباط الذين حضروا أيضا وقد جاء بالتقرير كلمة لا يرفع إزاء اسمي مع بيان السبب بعبارة بخط اليد نفس القرير السابق (شيوعي خطر الى أخر التقرير) وحمل توقيع قادة الفرق جميعا وكانت هناك علامة (كروس) بالخط الأحمر على عبارة لا يرفع وكتب بدلا عنها عبارة (يرفع لإخلاصه) وبتوقيع عبد الكريم نفسه وهذا الأمر يؤكد حالة التناقض بين كلمة اخلاصه وابعاده ومدى اعتقاده بالتقرير المرفوع ضدي من أحد الحاقدين عليه والعاملين ضده ضمن المجموعة التي اسقطته ومن ثم الحكم علي بخمسة سنوات سجن بمحاكمة صورية لم ابلغ بموعدها ولم اعرف أنني ذاهب اليها ولم تجر بشكل أصولي ولم يسمح لي بالدفاع أو توكيل محامي ولا بحضور من يشهد لي أو ضدي واقتصرت مطالعة المدعي العام في تلك المحكمة المهزلة على قراءة التقرير المجحف والملفق ضديوهو (شيوعي خطر الى آخر التقرير) وقد انتهت تلك المحكمة التي لم تستغرق سوى دقائق معدودات وبصرخة اطلقها رئيس المجلس العرفي العسكري الثاني العقيد الملقب نافع الملقب بطة وكان نتيجة تلك المحكمة والتي اطلقت عليه اسرع واغرب محكمة في التاريخ ولتي كلفتني ضياع مستقبلي وارسالي الى السجن العسكري الأول ومن بعدها من سجن لآخر وسجان يسلمني لسجان وهناك في سجن نقرة السلمان وجدت ما يؤكد مدى الخطأ الذي وقع فيه الزعيم عبد الكريم قاسم في معالجته للمخاطر التي كانت تهدد الجمهورية وتستهدف حياته بالذات ـ إذ كان ذلك السجن يظم أضافة إلى الآلاف التي زج بهم الانقلابيون ومنهم قادة عسكريين كبار وضباط بمختلف الرتب وضباط صف وجنود أخذ أمرهم على حين غرة نتيجة سوء التقدير واضافة لهؤلاء وغيرهم فقد كان هناك مجموعة من الشباب ومن لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر هم طلاب في المرحلة المتوسطة محجوزين في هذه النقرة في زمن الزعيم بسبب قيامهم بتوزيع نشرات تدعوا إلى السلم في كردستان وبإيعاز من الحزب الشيوعي كما ظم السجن خلال تلك الفترة أي خلال حكم الزعيم مجموعة من المحكومين بالإعدام من أبناء الموصل الذين تصدوا لمؤامرة الشواف وأخرين من أبناء البصرة من عمال الموانئ وقد انتهى أمر الطلبة المحتجزين بعد الانقلاب بصدور الحكم عليم لمدة عشرة سنوات خلال مثولهم أمام المجلس العرفي الذي شكله الانقلابيون حيث طلب منهم رئيس المجلي العرفي سب الحزب الشيوعي العراقي فلم يوافقوا فحكم عليهم بالسجن بعشرة سنوات أما المحكومين بالإعدام فقد رحلوا إلى الموصل والبصرة وتم تنفيذ الإعدام فيهم هناك ، وقد عكس هذا الحدث جانبا من جوانب التصرفات الخاطئة التي اقدم عليها الزعيم عبد الكريم عن قصد أو عن غير قصد وحسب منظوره الخاص في معالجة الأمور وكذلك السياسة المتذبذبة والغير سليمة التي سلكها الحزب الشيوعي العراقي خلال تعامله خلال تلك المرحلة والتي وصفتها سابقا بالمثل الشعبي (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي) .

إن ثمن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الطرفان كان جسيما مما أدى إلى ضياع الوطن ودخوله في ظلام دامس استمر عدة عقود لا زال مستمرا إلى الآن.

لقد انتهت هذه المداخلة والتي استمرت لأربعة أجزاء وباعتقادي أن ما ورد فيها لم يكن وافيا ولم أتمكن من ذكر التفاصيل الدقيقة بسبب ضيق المجال وضعف ذاكرة التي مرت عليها سنوات طويلة وباعتقادي إن زميلي الأستاذ الدكتور قاسم قد شاركني بعض ما ورد فيها من تفاصيل وذلك لأن ما ذكره في مقالته من أسماء سجون مثل سجن الحلة والسجن المركزي وسجن نقرة السلمان والموقف العام هي نفس السجون التي قضيت فيها من عمري ثلاثة سنوات وفي الفترة نفسها التي أشار أليها زميلي واعتقد بأن عمره مساويا لعمري أو أنني أكبر منه بسنوات قليلة ولو أنه لا يريد أن ينشر صورته الحديثة مع مقالاته على المثقف بعكس ما أفعله أنا في نشر صورتي الحديثة وهل ينفع ما أفسده الدهر، كما أنه يعلم لماذا انني ادعوه بالزميل والتي لها قصة أخرى فرضها على كلينا الزمن الثقيل.

 

لطفي شفيق سعيد

السابع من نيسان 2021

 

كاظم الموسويانتهت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، بفوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، وقبل تثبيت فوزه، كان المرشحان يعرضان وعودهما الانتخابية، ويرسمان سياستها الداخلية والخارجية، ومنها توجهات عامة بخصوص العلاقات مع البلدان العربية، أو بعضها وكذلك المواقف من القضايا العربية المعروفة أو التي كانت مطروحة  في البحث  مع البيت الأبيض والأجهزة والمؤسسات الاخرى. وحينها بدأت الهواجس تتصدر المشهد السياسي، من منطلق أن كل رئيس له رؤيته وسياسته الخارجية، وتقلبت المواقف العربية، حولها، بين الهمس أو التصريح،  انتظارا وتحسبا، حيث ان كل بلد وحاكم له قصته، حتى ولو كان بعيدا عن واشنطن آلاف الكيلومترات، خصوصاً صوّر اعلاميا اختلاف بين عهدي دونالد ترامب وجو بايدن، أو القول بين ادارة جمهورية جربت وانتهت مرحلتها، وإدارة ديمقراطية جديدة فازت ولديها مواقفها المختلفة، حتى ولو بالاسماء والوعود اللفظية، وعبر ذلك لابد من النظر الى ما تريده هذه الادارة الأمريكية عموما وما يريده العرب منها، وكل طرف لديه مشاريعه ومخططاته، رغم التباين بينهما، بين ماسك "العصا والجزرة"، ومخططاته وبين من يتلقى منه ويحاصر اذا اختلف معه أو اذا لم تتطابق المصالح أو التوجهات. ويظل في حالة تردد أو تموج مع ارتداداتها. ومنهم خصوصا من تعامل مع ترامب وجربه وتكيف مع إدارته وتغريداته، ونسق معه مصالحه وسياسته المحلية والإقليمية اساسا، وراهن عليه ودفع اثمانا لعلاقتهما، بينما سيواجه الان إدارة اخرى، مع أن أغلب الأسماء فيها، ليست جديدة كاملا، عملت سابقا بشكل أو باخر، في مناصب أخرى أيضا. وبعد فوز بايدن، وإدارة ديمقراطية فإن ما صدر منها في الأسابيع الأولى لها غير كاف للحكم عليها ولكنها تحت الاختبار، كما عبر بايدن نفسه.

ومؤشرات الأدارة الجديدة التي نقلت خلال مؤتمرات صحفية أو شهادات وزراء ومساعدين في إدارة بايدن أمام الكونغرس ولجانه، أعطت اشارات الى التفكير والعمل على أساس مقاربات ومراجعات وتعديل لبعض ما قامت به إدارة ترامب وتغريداته، ولكن ظلت كما هي عموما ليست بالوضوح  الكامل ولا بالتغيير الشامل.

ابرز ما عرف عن الإدارة الجديدة تركيزها على الحلول الدبلوماسية وحقوق الإنسان، وهذان الامران يواجهان تعقيدات كبيرة في منطقتنا العربية، وربما صداما بينها، ووقائع الأحوال العربية الرسمية. لما تتضمنه الدبلوماسية الكثير من الحوار الصعب، وحقوق الإنسان من انتهاكات صارخة.. الأمر الذي يقلق  المراقبين أو يتركهم في ترقب طويل، ليروا ما إذا كان الحوار سيترجم إلى أفعال، والضغوط تثمر وقائع جديدة.

قضايا الأمة العربية معروفة بتفاصيلها وتطوراتها، وأغلبها قديمة عمليا، وحتى المواقف الرسمية تتراوح فيها أو معها، تبدأ من القضية المركزية، فلسطين وحقوق شعبها في الحرية والاستقلال والعودة، ولا تنتهي بمكافحة الإرهاب وجائحة الكورونا.. وبينها التنمية والعدالة الاجتماعية وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومن ثم العلاقات الدولية الطبيعية واحترام اراردات الشعوب وخياراتها السياسية، وقبلها مصادر الطاقة، البترول والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية الاخرى.

واذا دخلنا في الموضوع وبدانا بالقضية المركزية، فما صدر من إدارة بايدن منذ الانتخابات وحتى دخولها البيت الابيض، لم تات بما يميزها عن فترة سابقتها، في الإصرار على استمرار الوضع كما طرحه الرئيس السابق دونالد ترامب وصهره جيرارد كوشنر فيما سموه بصفقة القرن، وخطواتها التي نفذت منها، خاصة ما يتعلق بالقدس واعتبارها بما لا يتفق مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وكذلك الجولان والحقوق الاخرى، بل واستمرت في تشجيع الممارسات الصهيونية في الاستيطان وعقد معاهدات وتحالفات تامرية واستمرار الضغط في الاتجاهات السابقة والانحياز ربما لا يقل أهمية عن سابقيه. وهذه خيبة أمل اولى ومبتكرة عن سياسات الإدارة الجديدة وصفعة أخرى. في هذا الشأن، ولكن اقرت إدارة بايدن باعادة التعامل مع السلطة الفلسطينية ماليا ودبلوماسيا فقط. اي ان القضية الفلسطينية بكل حمولتها لم تحظ بما يناسبها من الإدارة الجديدة، لحد الان.

رغم ما نقل عن وزير الخارجية الأمريكي توني بلينكن بإعادة النظر في قضايا مطروحة وبعض الالتزامات التي تنطوي عليها، وقائمة اهتمامات الإدارة الجديدة طويلة، وهي كما نقل "تتراوح من صفقات الأسلحة مع الإمارات العربية المتحدة إلى اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على المنطقة المتنازع عليها في الصحراء الغربية. وتحوي أيضا الأعمال غير المنتهية والأزمات التي لا تنتهي في العراق وسوريا ودول الخليج والتحديات الجديدة في لبنان، والتهديد الدائم للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، فالقائمة طويلة بالنسبة لإدارة لديها ما يكفي من حرائق في الداخل". ولهذا تم تعين ممثل للإدارة لهذه الشؤون والمنطقة، بدرجة وكيل وزير، كما أن هناك العديد من الأولويات المشتركة، مثل إنهاء الحرب الكارثية في اليمن، وتعيين ممثل خاص بها. ومعلوم تعقيدها، وما يدور في ملفها، من ادوار دول أخرى واوضاع إنسانية تتباكى عليها تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها التي تحمل صفة "انسانية"، وكذلك الوضع في ليبيا وامثالها.

أضاف تحليل لمحطة السي أن ان، أمام الإدارة الجديدة ضرورة النظر في أزمات متفاقمة اخرى بالمنطقة. فالناس فيها مُثقلون بضغوط الأزمات الاقتصادية وبطالة الشباب وزيادة عمق عدم الثقة في قياداتهم، وكلها تفاقمت بسبب جائحة فيروس كورونا. ووجد استطلاع رأي الشباب العربي أن غالبية منهم في الدول التي مزقتها الأزمات يؤيدون الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وأن ما يقرب من نصف الشباب العربي يفكرون في مغادرة بلدانهم.

واكد التحليل الأمريكي: القيادة الفاسدة وسوء الإدارة الحكومية جزء رئيسي من المشكلة، وكذلك السياسة الخارجية للولايات المتحدة في شكل تدخلها العدواني في بلدان مثل العراق، ودعم الحكومات الفاسدة والقمعية. وخلاصة التحليل تضيف مهمات أخرى على الإدارة الجديدة بما يخص القضايا العربية، واذا عرفنا طبيعة المصالح والعلاقات الأمريكية العربية، فنصل الى تعقيدات وتراكمات تحتاج إلى وقت طويل وقدرات كافية لمعالجتها وحل عقدها وملفاتها المتراكمة.

من هنا يبدو أن الإدارة الجديدة هي الأخرى مثقلة بازمات تتطلب منها مواقف صعبة، واذا كانت بوادرها مقبولة فانه مع مرور الأيام هبطت تقديراتها وزاد القلق حولها. وقد تكون اصعب مع وضع الرئيس بايدن الصحي ومتغيرات قدراته القيادية. ومعلوم أن المؤسسات الحاكمة تستمر في تسير أعمال الإدارة الأمريكية اخذة بنظر الاعتبار المصالح الاستراتيجية  للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة أساسا، بغض النظر عن هذه التطورات. ولكن تبقى القضايا العربية وملحقاتها على الطاولة والقرار في مختلف الأجهزة والمؤسسات الأمريكية، للعلاقات والصلات والروابط والرهانات عليها. متوزعة بين الاستراتيجية والرئيسية، وبين الفرعية والهامشية التي لا تؤثر كثيرا على جدول أعمال الإدارة  والتزاماتها.

 

كاظم الموسوي

 

 

محمود محمد عليكلنا يعلم الدور  التنويري الهائل الذي لعبه الإعلام المصري سواء منه، المقروء، أو المسموع، أو  المرئي في فضح جماعة الإخوان الإرهابية في حكم مصر، وتنوير ملايين المصريين وتبصيرهم بأن تلك الجماعة لا تحكم بما فيه صالح المصريين جميعا وصالح الوطن برغم وصولهم إلي سدة الحكم، بل إن تلك الجماعة كانت لها "حسابات ضيقة"، يكاد أن يضيع معها الوطن، وعليه وبسبب حالة إعلامية مذهلة يتذكرها الجميع حتى اليوم، نزلت جموع الشعب المصري بالملايين للشوارع يطالبون بسقوط حكم المرشد وجماعة الإخوان، وانتصرت ثورة الثلاثين من يونيو 2013م  في النهاية بفضل تآزر الجيش المصري والشرطة المصرية،وتحققت المطالب في إزاحة حكم جماعة المسلمين..

وهنا نقول بأنه لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الهائل للإعلام المصري في تبصير عشرات الملايين من المصريين في الداخل والخارج، ونتيجة هذا الدور أعلن في العاميين الماضيين الرئيس عبد الفتاح السيسي عن عودة وزارة الإعلام بعد أن ألغيت لفترة من الزمن بسبب حكم جماعة الإخوان، وتم تعيين، الدكتور " أسامة هيكل " وزيرا للإعلام .

بيد أن الكثير من رجال الإعلام والصحافة، وجدوا أن السيد الوزير لم يضف شيئا لمنصب وزير الإعلام، بل اتهمه بعضهم بأنه" أصبح وزير الكورونا، وأنه  "أثار مشاكل منذ وصوله لمقعده أكثر مما أنجز، وبدخوله فى مشاكل عديدة مع كبار الإعلاميين والصحفيين، وبدعمه العلنى والمستتر لمن أهان منظومة الإعلام ومؤسسات الدولة، وأبرزهم أستاذ إعلام القاهرة الذى استضافه الوزير ليعطى محاضرات للمتحدثين الرسميين بعد مقالاته غير العلمية (وذلك حسب ما قاله محمود مسلم في مقاله هيكل مشاكل في صحيفة الوطن)" .

علاوة علي أمور أخري منها مثلا أن أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام لم يضف شيئا يأتى بالنفع للدولة وصورتها الإعلامية أو لعب دورا فى التنسيق بين الهيئات الإعلامية الموجودة، و أخطاء مالية وإدارية وكثير مما يطول شرحه.

إلي أن بلغ الأمر وطالب هؤلاء الإعلاميون باستجوابه أمام البرلمان المصري من خلال التقدم بطلب استجواب من بعض النواب بالبرلمان بسبب مخالفات عدة تجعل هناك تحفظ على أداؤه، وتم تحديد موعد بالمثول أمام مجلس النواب، وعندما تم استدعائه اعتذر، ثم أعطاه المجلس مهلة لفترة تصل لـ 45 يوما، ولم يأتى بحجة وجود ارتباط لديه؛ وهذا ما آثار حفيظة المجلس، بعدما أعلن رئيس مجلس النواب حنفي جبالي عدم امتثال وزير الإعلام أسامة هيكل للحضور لاستجوابه. وأوضح الجبالي في بيان لمجلس النواب، أن عدم حضور الوزير فيه مساس لهيبة مجلس النواب وكرامته. وأوضح جبالي أن هيئة المكتب ستحدد أقرب جلسة ممكنة لمناقشة الاستجواب وستخطر الحكومة بموعده، مؤكدا على رفض بيان وزير الدولة للإعلام الذي ألقاه أمام المجلس وتم إدراج تقريره لمناقشته بجلسة 13 فبراير الماضي. وأشار جبالي إلى أن الوزير طلب إرجاء نظر التقرير لمدة أسبوعين لإعداد رد بما ورد في التقرير، وقد تم منحه مهلة لمدة شهر، وليس أسبوعين فقط، كما تم إبلاغه بالحضور من خلال وزير شئون مجلس النواب، إلا أنه قد ورد اعتذار ثان من الوزير عن عدم حضور جلسة الأمس، الأمر الذي نستشعر معه أن هناك مناقضة ومضيعة للوقت وعدم احترام وتقدير للمجلس من خلال تعطيل عمل المجلس في ممارسة دوره الرقابي، الأمر الذي يرى أن عدم امتثال الوزير للحضور فيه مساس لهيبة مجلس النواب وكرامته. وأوضح جبالي، أن النائب نادر مصطفي عضو تنسيقية شباب الأحزاب، تقدم بأول استجواب خلال الفصل التشريعي الثاني موجه لوزير الدولة للإعلام أسامة هيكل بشأن التقصير والفشل في أداء مهام منصبه كوزير للدولة للإعلام، واستمرار ارتكابه لمخالفات مالية وإدارية بالشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي بالمخالفة للدستور والقانون.

وكان المستشار حنفى جبالى، رئيس مجلس النواب، قد أكد أن المجلس أعطى مهلة لوزير الدولة للإعلام شهر ونصف وليس أسبوعين كما طلب الوزير لتجهيز الرد على تقرير لجنة الإعلام والثقافة والآثار، قائلا: "اعتذار وزير الدولة للإعلام أكثر من مرة عن حضور جلسات المجلس، استشعرت معه رئاسة المجلس بوجود تحجج من جانب الوزير ومماطلة ومضيعة لوقت المجلس، وتعطيل عن ممارسة دوره الرقابي الذي كفله الدستور".

إلي أن شاءت الأقدار وحضر الاستجواب أمام جلسة مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، أي في الثلاثين من شهر مارس الماضي 2021م.

أنا لا أدفع عن أسامة هيكل، ولا أدعي أن هناك تربص تجاهه، فهذا أمر لا يخصني، ولكن يهمني ماذا قال أسامة هيكل في الاستجواب، قال أسامة هيكل في بيانه: " لقد تشرفتُ بتكليف رئيس الجمهورية بتولى منصب وزير الدولة للإعلام، وذلك في 22 ديسمبر 2019، وهى وزارة مُستحدثة بعد توقف استمر لمدة 6 سنوات تقريبًا. وكان ذلك انعكاسًا لرؤية الرئيس بضرورة وجود وزارة للإعلام تكون مهمتها وضع سياسةٍ إعلاميةٍ للدولة."...  وفور التكليف مباشرةً، بدأنا في العمل على محورين رئيسيين: الأول هو العمل على إنشاء كيان الوزارة بما يتضمنه ذلك من استعانةٍ بالعاملين المطلوبين للعملِ في ظل وقف التعيينات بالحكومة، وتحديد مقر للعمل، وتحديد ميزانية للعمل، وهذه قضية لم تكن سهلة على الإطلاق، وليست ضمن صميم العمل الإعلامى، ولا داعى لشغل وقت حضراتكم بها رغم أنها كانت عائقًا كبيرًا استغرق شهوراً طويلة. أما المحور الثانى وهو الأهم فهو رؤية الوزارة في العمل، ودمجها في خطة عمل الحكومة بشكل عام..

ثم يقول الوزير:" كما تم عرض الخطة المقترحة لعمل الوزارة على السيد رئيس الجمهورية بناءً على الأهداف التي حددها سيادته في هذا الاجتماع والتى تضمنت أهدافاً خمسة لسياسة الدولة الإعلامية" وهى:

1- الحفاظ على منظومة القيم المصرية، وتماسك الجبهة الداخلية.

2- تنمية الشخصية المصرية على أسس موضوعية والحفاظ على وسطية الدولة بما يكفل البعد عن التطرف والمغالاة.

3- ‏ إبراز جهود الدولة في المشروعات القومية وأثَرها في مُستقبل المواطنين.

‏4- تقوية الإعلام المصرى محليا وإقليميا ودوليا، وزيادة قدرتهِ على التعامل مع الأزمات المُختلفة.

‏5- ترسيخ وعى المواطنين بأحكام الدستور والقانون، ورفع حالة الوعى المجتمعى بالقضايا ذات التأثير.

ثم يستطرد  الوزير فيقول: لقد تأخرت مصر عن الاستثمار في صناعة الإعلام الجديد، ودخلت رؤوس أموال أجنبية في هذا المجال، واستقطبت كوادر من الإعلام المصرى، وأنشأت منصات أصبح لها دور في توجيه الرأى العام وإعطاء انطباعات ربما تكون خاطئة عن الدولة المصرية، وربما أيضًا تعبث بمنظومة القيم المصرية. وما زالت صناعة الإعلام في حاجة إلى مزيد من التطور المهنى والاستثمارى، وقد تجاوز حجم صناعة الإعلام والترفيه في المنطقة العربية خلال عام 2019 نحو 10 مليارات دولار أمريكى كان نصيب مصر منها أقل من 10%، بعد أن كانت تستحوذ على نحو 60% من حجم صناعة الإعلام قبل ذلك بعقد أو اثنين.

هذا المناخ كما يقول الوزير هو ما دفعنا إلى التفكير في مستقبل الإعلام بشكل مختلف، وخططت الوزارة لإحداث نقلة نوعية في الإعلام المصرى عن طريق مشروع ضخم لرقمنة الإعلام المصرى، وإطلاق منصة إعلامية قوية وفق أحدث النظُم العالمية، وهو مشروع "رقمنة الإعلام المصرى"، الذي تم عرضه على السيد الرئيس يوم 26 ديسمبر الماضى، وقد وافق سيادته عليه بشكل مبدئى، وجارٍ حاليا عمل الدراسات النهائية لهذا المشروع، الذي يستهدف استعادة مصر لمكانتها الإعلامية في المنطقة وبالشكل الذي يتناسب مع حجم السوق المصرى الذي يمثل 30% من السوق الإعلامي العربى. وهذا المشروع  كما يقول الوزير سوف يتم الإعلان عن كل تفاصيله خلال الفترة القادمة، تمهيدًا للبدء فيه مباشرةً خلال أسرع وقت ممكن، وأحسب أن هذا المشروع سوف يعيد مكانة مصر الإعلامية مرة أخرى.

وبعد هذا الاستطراد في عرض خطة الوزير أسامة هيكل منذ توليه، نود أن نسأله : إذا كانت الأمور بهذا الشكل فلماذا يتذمر الكثير من إعلامينا من سعادة الوزير ؟.. ولماذا الهجوم صباح - مساء عليكم سيدي من قبل كثير من إعلامينا الشرفاء؟.. ولماذا لا ترد علي منتقديك؟.. ولماذا لا تجلس معهم وتصارحهم بهذه الأمور؟.. أسئلة عديدة يجب أن يجيب عنها سعادة د. أسامة هيكل ليحافظ على سمعة وزارته، كما أنه مدين باعتذار واضح لمؤسسات الإعلام المصرى والعاملين فيه بعد تجاوزاته فى حقها، فعد إلي صوابك يا سيدي وما أنا إلا ناصح أمين أريد الاستقرار ولا أنسي أنك أول من كتب كتاباً يدعو الإعلاميون إلي ضرورة التنبه لمخاطر حروب الجيل الرابع، ولا أملك إلا أن أقول في نهاية مقالي وفقك الله يا سيدي وسدد خطاك.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

احمد عزت سليمفى هذا الإطار يقدم الجزء الأكبر من الأبحاث العالمية حول الأمن السيبراني استنتاجات هامة من خلال مراقبة كيفية حماية البلدان لمصالحها الوطنية وتعزيزها، حيث يطرح العلماء تعميمات واسعة، مثل كيفية تثقيف الدول والمواطنين لتجنب الاختراقات، واعتمدت الدول قدرا كبيرا من قوة المسئولية لجيوشها فى إدارة ومراقبة شئون الأمن السيبرانى كما أكد جوناثان زيترين أستاذ قانون الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وفى إطار التصاعد العالمى بالدفاع السيبرانى فى إطار ما يسود العالم من إضطراب وتخوف وتشائم من الحرب السيبرانية والمجال السيبرانى وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس :ـ "عندما ينظر المرء إلى الفضاء الإلكتروني اليوم، من الواضح أننا نشهد، بطريقة مقنعة إلى حد ما، حروبًا إلكترونية بين الدول" (UNSG)  وأصبح الأمن السيبرانى يتطلب نهجا عالميا فى عالم لا حدود له مع تزايد إنتشار تقنيات المعلومات والإتصالات ونمو فرص تبادل المعلومات بطرق فورية وآنيا وسياسات سيبرانية دفاعية واسعة المدى والمجال فبحسب دراسة نورتون التي أٌعدت عام 2011، فإن تهديدات الفضاء الإلكتروني تزايدت بشكل كبير في العام الماضي 2010 حيث بلغ عدد الضحايا 431 مليون شخص بالغ من مختلف بقاع العالم، أي ما يعادل 14 ضحية كل ثانية أو مليون ضحية من ضحايا الجرائم الإلكترونية يوميا، وقد أصبحت الجرائم الإلكترونية حاليا تجارة تتجاوز قيمتها ترليون دولار سنويا وتتركز في عمليات الغش وإنتحال الشخصية وفقدان الملكية الفكرية، مما يؤثر على ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم  فضلا عن عدد لا يحصى من الشركات والحكومات من مختلف بِقاع العالم الآن، وأكدت توصيات مؤتمر " أمن الفضاء الإلكتروني والتنمية " الذى عقده المجلس الإقتصادي والإجتماعي التابع للأمم المتحدة بالإشتراك مع مع إدارة الشئون الإقتصادية والإجتماعية والإتحاد الدولي للإتصالات ومشاركة منظمات المجتمع المدني الأخرى المهتمة بمجالات أمن الفضاء الإلكتروني والجريمة الإلكترونية، في التاسع من سبتمبر 2011 بمدينة نيويورك بأستهداف الأهداف التالية :ـ

(1) بناء وعي على مستوى السياسات الدولية عبر تزويد أعضاء المجلس الإقتصادي والإجتماعي بصورة عن الوضع الحالي والتحديات المتعلقة بأمن الفضاء الإلكتروني وإرتباطاته بالتنمية .

(2) تحديد مجموعة تمثل أفضل السياسات المتعلقة بالممارسة والمبادرات المطبقة في مختلف أنحاء العالم، لبناء ثقافة أمن الفضاء الإلكتروني .

(3) إستكشاف خيارات للإستجابة العالمية بشأن تزايد معدلات الجريمة الإلكترونية .

وقد أكد المشاركون على متطلبات الدفاع السيبرانى :ـ

ـ ضرورة تنسيق الدول الأعضاء والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ووكالات إنفاذ القانون، مع بعضهم البعض لإدارة مخاطر الترابط البيني المتزايد بين الشبكات الإلكترونية .

ـ ضرورة الشراكة السيبرانية حيث أن إنعدام الشراكة بين البلدان النامية والصناعية قد يولّد "ملاذا آمنا" بحيث يتمكّن المجرمون الإلكترونيون من إستخدام الثغرات القانونية وإنعدام الترتيبات الأمنية القوية أحيانا في الدول النامية، لإرتكاب جرائم الكترونية:ـ

ـ ضرورة توافر القدرات الدفاعية السيبرانية حيث أن البلدان النامية ليس لديها قدرات كافية لمكافحة الهجمات والجريمة الإلكترونيتين وتهديداتها العالمية للسلام الإلكتروني.

ـ  ضرورة " أن نزوّد أطفالنا بالأدوات المناسبة عندما يخطون أولى خطواتهم نحو إستخدام العالم الإلكتروني… إن عملية الربط الشبكي بين الأقران أو ما يعرف بنظام الند للند والتعليم، هما أفضل أنواع الدعوة لحماية الأطفال، وضرورة قيام أولياء الأمور وقادة المجتمع والحكومات بالإطلاع على الإرشادات التوجيهية الإعلامية التي يوفرها الإتحاد الدولي للإتصالات في موقعه بشبكة الأنترنت " كما أكدت اديبورا تيلرتيت  المبعوثة الخاصة للإتحاد الدولي للإتصالات والحائزة على جائزة حماية الأطفال المستخدمين للأنترنت .

ـ ضرورة إبرام إتفاقية عالمية في المستقبل لتطوير إسترتيجيات، بما في ذلك إحتمال البناء على إتفاقية بودابست وهي معاهدة دولية تسعى لتنسيق القوانين الجنائية الوطنية للجرائم الحاسوبية مثل التعدّي على حق المؤلف والغش وإستغلال الأطفال في المواد الإباحية وجرائم الكراهية وإنتهاكات أمن الشبكات .

ـ الإتفاق على  " أن الأمن الإلكتروني هو قضية عالمية يمكن حلها فقط عبر شراكة عالمية، وهي مشكلة تؤثر على جميع منظماتنا… إن الأمم المتحدة في وضع يسمح لها بإستخدام قدراتها الاستراتيجية والتحليلية لمعالجة هذه القضايا ." كما أكد أكد رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي لازاروس كابامبي .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر