كاظم الموسويفرض دييغو مارادونا أسطورته الحقيقية، في الرياضة، وكرة القدم اساسا، وفي أسلوب حياته وخياراته ومواقفه السياسية. ومثله فرض خبر غيابه ايضا، حيث شعر كثيرون بالخسارة والغياب. عاجلا وزعت صحف بريطانية الخبر على الهواتف، وتابعته وسائل الإعلام بكل اللغات. وانتبهت منها بتوقيته في تاريخ رحيل نموذجه الثوري فيديل كاسترو، رابطة تذكر غياب اسطورة أخرى في هذا الزمن وعبر محنه المتتالية. اما الأغلب فيها فقال بفجيعة بلاده الاولى الارجنتين لغيابه، ومعها فجعت القارة الأمريكية والعالم ايضا. مسجلا حتى في الغياب حضورا اخر، على مستويات مختلفة، وقد رصدتها وسائل الإعلام العالمية وظلت تنقل الأصداء والتداعيات بالصوت والصورة، معيدة لقطات بروز مارودونا، نجما عالميا في كرة القدم، والعلاقات السياسية والاجتماعية. أحد المفجوعين من الشباب الارجنتيني في اللقاء معه من مراسلة البي بي سي الإنجليزية، القناة الاولى، قال: أنا ابكي الان، لان موت مارادونا موت للأرجنتين. وعكست صور الوداع معنى الأسطورة ودلالتها المعنوية لكل محبيه في بلده والعالم.

ولد دييغو أرماندو مارادونا قبل نحو 60 عاما في حي فقير في مدينة بوينس آيريس، لاب عامل مصنع، وبتحوله إلى نجم كرة قدم شهير كما هو اسطورة كرة القدم البرازيلي، بيليه، مكنه من تجاوز حالته، وبروزه رياضيا واجتماعيا وسياسيا.

رصدت وسائل الإعلام انه حقق 259 هدفا في 491 مباراة، وأظهر مارادونا قدرات استثنائية منذ مراهقته عندما لعب مع فرق الناشئين والشباب، ابتدأها باللعب مع نادي أستريلا روجا ثم فريق نادي أرجنتينوس جونيورز، قبل أن يتقدم لاحتراف اللعب عالميا وهو بعمر 16 عاما و 120 يوما، حيث لعب أول مباراة دولية له مع منتخب الإرجنتين ضد منتخب المجر.

واضاف موقع بي بي سي العربية، لا يبدو مارادونا في صورة الرياضي المثالية؛ فهو قصير وبدين نسبيا ولا يتجاوز طوله خمسة أقدام وخمس بوصات، بيد أن مهاراته الفائقة في اللعب وخفة حركته وقدرته على المراوغة والانسلال بين اللاعبين وسيطرته على الكرة وتمريراته الناجحة، كلها مهارات تعوض وتغطي على نقص السرعة والوزن الزائد نسبيا. وكان مارادونا بارعا في مناورة وإشغال حلقات دفاع الخصم، وتمكن من المراوغة وتفادي المشاكل في حياته الحقيقية بمساعدة سخية من القيادة الكوبية.

يعد مارادونا أحد أكثر لاعبي كرة القدم موهبة في تاريخ اللعبة، إذ يتمتع بمزواجة نادرة بين قدرات متعددة. فهو صاحب أسلوب لعب مميز ورؤية متقدة، فضلا عن اتسامه بالحيوية والسرعة في اللعب، الصفات التي تسحر مشجعيه.

اعتبرت صحيفة الغارديان 26) نوفمبر/ تشرين الثاني 2020)  إن النجم العالمي دييغو مارادونا هو رمز الأرجنتين. "وهو يمثل أيضا المثال الحقيقي لقدرة الإنسان على الظهور في صورة جميلة وأخرى بشعة في وقت واحد". وكتبت إن مارادونا وعبقريته جعلت منه رجلا خارقا للعادة في تعامله مع الكرة فهو يتصرف فيها مثلما يتصرف الرسام مع فرشاته، لأنه يبدع أشياء من لا شيء. وكتبت أن الفكرة التي انطبعت عند الناس عن مارادونا بأن المهارات التي يملكها في رجليه افتقدها في عقله ليست دقيقة، فهي ترى أن مارادونا من أذكى لاعبي كرة القدم. واكدت: "هو مثال حقيقي للإنسان وتناقضاته وقدرته على تقديم الأجمل والأبشع في آن واحد. ولم تكن شهرته منفصلة عن حياته الخاصة، لأنه كان إنسانا في كل الأحوال" كما أنه يجتهد باستمرار في التدريب لا يكل ولا يمل من تطوير المهارات التي تنقصه ولا يتوقف عن العمل إلى أن يجيدها.

كانت استطلاعات الرأي كثيرا ما تضعه الرجل الأكثر شهرة في العالم، كما أنه هدفه الثاني أمام انجلترا في عام 1986 يصنف أيضا أجمل هدف في العالم.

نشرت صحيفة الاندبندنت 26) نوفمبر/ تشرين الثاني 2020)  مقالا كتبه كبير محرري كرة القدم، ميغال ديلايني، ذكر فيه إن مارادونا جمع بين العبقرية والبهجة في كرة القدم. عندما تراه كأنك تلمس السماء بيديك. وعلق الكاتب على حادثة تصور حقيقة ما كان يمثله مارادونا في ملاعب كرة القدم عندما كان في قمة عطائه. ففي نهائيات كأس العالم 1990 لعب منتخب الكاميرون ضد الأرجنتين، وعندما رأى لاعبا الكاميرون، ألفونس يومبي وروجي فوتومبا، مارادونا في الملعب أجهشا بالبكاء، إذ لم يصدقا أنهما سيلعبان مع مارادونا. هذه هي المكانة التي وصل إليها مارادونا فوق ملاعب كرة القدم. فهو لاعب خارق للعادة بكل ما تعنيه الكلمة، فمهاراته الفنية ولمساته السحرية تجعل كل من يراه منبهرا به كل حسب طريقته. واكمل الكاتب أن الكثيرين يرون أنه أحسن لاعب في تاريخ كرة القدم على الإطلاق، وسيبقى النقاش حول هذه المسألة مفتوحا، وفي النهاية تكون القناعة الشخصية والذاتية هي التي تحدد الإجابة. وكان مارادونا يحرك الكرة ويجري بها بطريقة لا يعرفها غيره، وكأنها ملتصقة في رجله، لا يستطيع أحد أن ينتزعها منه، وكل من شاهد مباريات كأس العالم 1986 ومبارياته مع فريق نابولي في الدوري الإيطالي استمتع بتلك الفنيات المبهرة. ولكن أجمل هدف سجله مارادونا هو عندما باغت خمسة لاعبين انجليز في انطلاقة واحدة، وانفرد بالحارس بيتر شيلتون ثم وضع الكرة في الشباك. والمدهش أن اللاعبين لم يحاولوا إيقافه وهو يجري بالكرة نحو المرمى بل وقفوا متسمرين في أماكنهم.

مع كل ما سبق من إشادة أو وصف حال لم يشر كثير من المقالات الى مواقفه السياسية اليسارية، ونضاله من أجل العدالة الاجتماعية والسياسية، وصداقته لابيه الثاني، كما قال، كاسترو والرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، والزعيم البوليفي ايفو موراليس، ووشم صورة كاسترو على ساقه وصورة تشي جيفارا على ذراعه، وتصريحاته عن رفضه للحروب والعدوان على العراق وفلسطين، ونضاله من أجل الفقراء، وفي لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال له أنه فلسطيني، قلبه ينبض فلسطينيا، ومشاركاته في التظاهرات التضامنية مع الشعوب التي تحاربها الولايات المتحدة. كما نقل عنه وهو يزور بابا الفاتيكان تعليقه على خطاب البابا الذي يدعو لمساعدة الفقراء وفوق رأسه سقوف المبنى من الذهب، قائلا; بيعوا سقوف الذهب وحلو الأزمة!. وله مقولات تتناقلها صفحات الإنترنت وكذلك فيديوهات فيها مواقف مشرفة تسجل له وتضعه في مكانة أخرى تضاف إلى أسطورة كرة القدم التي استحقها بجدارة.

 

كاظم الموسوي

 

جاسم الصفارفي تقرير نشرته صحيفة يو اس ايه توداى نقلا عن بيان للبنتاجون، جاء فيه ان حاملة الطائرات نيميتز التابعة للبحرية الامريكية والقوة الضاربة المرافقة لها صدرت لهما اوامر بالتوجه صوب منطقة الخليج لتوفير الحماية ألازمة للقوات الامريكية التي من المتوقع انسحابها من العراق وافغانستان. الا أنه، وفقاً للعديد من الخبراء، فإن الدافع الرئيسي في القرار هو معرفة الادارة ألأمريكية سلفا بتفاصيل العملية الإرهابية التي خططت لها اسرائيل، باغتيال عالم نووي ايراني بارز، وتوقعها لردة فعل سريعة من قبل ايران توفر الفرصة لصقور الإدارة ألأمريكية بتوجيه ضربة صاروخية للمفاعل النووي الإيراني تقضي على احتمال عودة أمريكا للاتفاق بشأنه في كانون الثاني/يناير القادم، بعد مغادرة الرئيس ترامب للبيت ألأبيض.

ومع أن شبكة "سي ان ان" ، كانت قد ذكرت بان الأوامر بتوجه نيميتز الى منطقة الخليج اتخذت قبل ظهور الإعلان الرسمي عن اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة. الا انها كشفت في نفس الوقت، نقلاً عن مصادرها في البنتاغون، أن "نيميتز" قد تبقى في الخليج حتى كانون الثاني/يناير، عندما تتسلم إدارة جو بايدن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة.

وكانت القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية (CENTCOM) قد أعلنت الأسبوع الماضي أنها ستنقل أسراب طائرات مقاتلة من طراز F-16 من ألمانيا إلى الإمارات العربية المتحدة "لردع العدوان وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة"، كما جاء في الإعلان، دون الإشارة الى مصدر "العدوان"، ولكن من المنطقي أن نفترض بأن الأمر يتعلق بإيران.

ومن جهته، أعلن البنتاجون في بيان رسمي له، ان سرب المقاتلات رقم 480 سوف يشارك في " تدريبات جوية للعمليات القتالية، للمساهمة في الانتشار السريع للقوات الامريكية في أي مكان في العالم وفى أي وقت كان". علما بأن السرب 480 هو جزء من فوج المقاتلات 52 في قاعدة سبانغديلم الجوية في ألمانيا. ومن هناك، كما جاء في بيان النتاجون، نُقلت مقاتلات القوات الجوية الأمريكية، إلى جانب أفراد الصيانة الأرضية، إلى قاعدة الظفرة الجوية في الامارات العربية المتحدة.

تجدر الاشارة الى ان الولايات المتحدة الامريكية، كانت قد نشرت، في وقت سابق، قاذفات استراتيجية من طراز B-52H في الشرق الأوسط. وقالت القيادة المركزية في بيان إن "طواقم من طراز B-52H  التابعة للسرب الخامس، والمتمركزة في قاعدة ماينو الجوية في داكوتا الشمالية، طارت على الفور في تحليق بعيد المدى إلى الشرق الأوسط في 21 تشرين الثاني/نوفمبر " لردع العدوان وتأكيد الدعم لشركاء وحلفاء أمريكا في المنطقة"، كما جاء في البيان.

وفي نفس السياق، حذر مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجنرال هربرت ماكماستر، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز في 12 تشرين الثاني/نوفمبر من أن إسرائيل قد تهاجم إيران إذا "اكتشفت أي مصدر تهديد لها، حتى في الأيام الأخيرة من إدارة ترامب". واشار ماكماستر الى ان اسرائيل تتبع "مبدأ الضربة الاستباقية " الذى يعنى ان الاسرائيليين لن يترددوا عن تدمير اي مصدر تهديد لوجودها في اي دولة معادية وسيبذلون قصارى جهدهم لإحباط محاولات ايران لصنع او الحصول على أسلحة دمار شامل. وقد سميت هذه العقيدة على اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن الذى امر في يونيو عام 1981 بضرب المفاعل النووي في العراق . كما أشار ماكماستر، كذلك، إلى الضربات الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2007 على أهداف في سوريا، حيث يجري تطوير أسلحة نووية، وفقاً للاستخبارات العسكرية للدولة العبرية.

على أي حال، فقد وصف الشهران الأخيران من وجود ترامب في البيت الأبيض، في الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنهما "فترة حساسة للغاية" يمكن أن تحدث فيها قفزة حادة في مستوى المواجهة مع إيران، حتى التورط في نزاع عسكري مباشر مع ذلك البلد. وكان من المتوقع أن تستفيد اسرائيل من تلك الفترة الى أقصى حد ممكن ولن تتوانى عن تحشيد كل الامكانيات لتوسيع نطاق أي عمل عسكري يحصل بحيث يشمل المنطقة بأسرها. وهذا يفسر، ما أشيع في وسائل الاعلام، قبل اغتيال العالم الايراني، عن الزيارة المثيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المملكة العربية السعودية واجتماعه مع الحاكم الفعلي لأكبر نظام ملكي عربي، ولي عهد المملكة السعودية محمد بن سلمان. وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو هناك في ذلك الوقت.

ومع أن وسائل الاعلام الغربية، كانت قد قيمت ردة فعل ايران على عملية اغتيال محسن فخري زاده على أنها سوف لا تتجاوز اجراءات مارستها في وقت سابق من هذا العام عندما قُتل قائد القوات الخاصة في الحرس الثوري الإسلامي الجنرال قاسم سليمان في مطار بغداد الدولي على يد القوات الجوية الأمريكية (بطائرة بدون طيار). الا أن هنالك توقعات، بما فيها روسية، بأن ردة الفعل الايرانية ستتجاوز ذلك بكثير، حتى وإن كانت محدودة. ولكن ايران، حسب نفس المصادر، ستتريث في اختيارها للتوقيت المناسب للرد لكي لا تقع في مصيدة المخططات الاسرائيلية.

وفقا لما ذكرته وكالة أنباء ايرنا، امر الزعيم الاعلى لإيران اية الله سيد على خامنئي "بمعاقبة المسؤولين" عن الهجوم الإرهابي الذي أدى الى اغتيال العالم الكبير محسن فخري زاده المسؤول عن تطوير البرنامج النووي بوزارة الدفاع الايرانية. وفي خطاب بثه التلفزيون الرسمي الايراني، ألقى الرئيس حسن روحاني باللوم على إسرائيل في عملية القتل. واضاف "ان شعبنا اكثر حكمة ولن يسمح لنفسه بان يقع في فخ مخططات النظام الصهيوني. ولا شك ان ايران سترد على استشهاد عالمنا في الوقت المناسب".

من الواضح، من تصريح الرئيس الايراني حسن روحاني، أن إيران تدرك بأن هدف اسرائيل هو جرها إلى الحرب في وقت وظرف مناسب لها، وبالتالي، فلكي لا تقع ايران في "الفخ"، الذي سعت اسرائيل لاستدراجها اليه، يتعين عليها التريث لاختيار وقت وظرف اخر لأي رد انتقامي.

وأخيرا، فإن كان من المؤكد صعوبة التكهن الان بتوقيت وطبيعة الرد الايراني، وهل مازال من الممكن تجنب الانزلاق نحو الحرب الشاملة والاكتفاء ب "الانتقام المحدود". الا أن الراجح، حتى الآن، هو أن إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وكذلك ترامب، سيفعلون ما بوسعهم من أجل أن تفقد ايران صبرها وترد بعمل انتقامي، أي كان حجمه، قبل وصول بايدن إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير.

 

د. جاسم الصفار

02/12/2020

 

 

عدنان الظاهرأولاً: العلماءُ أُمميون لهم وطن في بلدانهم لكنّهم أُمميون وطنهم العالم أجمع وهم مُلكٌ للبشرية جمعاء أي أنهم أنبياء أو كالأنبياء فكيف تقتلهم إسرائيل غِيلةً هنا وهناك خارج وداخل بلدانهم وهذه جريمة لا تماثلها أية جريمة أخرى سوى قتل اليهود لأنبيائهم والأمريكان لرؤساء جمهورياتهم وكان آخرهم جون كينيدي في عام 1964 . كم عالماً عربياً وغير عربي قتلت إسرائيل وهي جرائم ضد البشرية تندرجُ تحت إسم {عنصرية إسرائيل المضادّة للجنس البشري} مقابل تشبثهم ببدعة {معاداة الساميّة} ! بعد قرار تقسيم فلسطين عام 1947 قتلت إسرائيل الوسيط الدولي الكونت برنادوت زاعمة أنه منحازٌ للجانب العربي في مسألة فلسطين. وبعد ذلك بعقود قتلت رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين لأنه كان مع حق قيام دولة فلسطينية على الباقي من أرض فلسطين. لم تكتفِ إسرائيل بقتل علماء مصريين وعراقيين إنما دبّرت مخطط ضرب وتدمير مشروع ومفاعلات تموز العراقي عام 1981 في منطقة التويثة القريبة من بغداد. أكملت الولايات المتحدة الأمريكية المشروع الجهنمي للقضاء التام على علماء العراق إما بالإغتيالات أو بسحبهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قبل وأثناء وبعد حرب إحتلال العراق عام 2003 وكانوا بالآلاف أعرف شخصياً بعضهم وبالإسماء. جرى هذا كله وما زال وسيبقى تحت ستراتيجية واحدة راسخة لا تضعُف ولا تتغيّر عنوانها ضمان وبقاء تفوق إسرائيل العسكري والعلمي والتكنولوجي على جميع بلدان الشرق الأوسط ومنعها من حيازة الأسلحة الذريّة وتطور علومها في مجالات الذرة وغير الذرة.

إقترفت إسرائيل في السابع والعشرين من شهر نوفمبر [تشرين ثان] من العام الحالي 2020 واحدة من كبريات جرائمها في التأريخ المعاصر بإغتيالها لعالم الذرة الإيراني مُحسن فخري زادة وبفعلها هذا أجرمت بحق الإنسان والإنسانية إينما كان الإنسان على وجه الكرة الأرضية ..... حرمت البشرية من علم هذا العالم الفذ وما كانت ستجني من ثمرات علمه في مجالات علمية شتّى منها بناء مفاعلات توليد الطاقة الكهربائية ومفاعلات الأبحاث العلمية في الفيزياء والكيمياء خاصةً وتحضير النظائر المُشعة المستخدمة في الطب والزراعة والصناعة ثم تخصيب عنصر اليورانيوم الضروري لإنتاج طاقات كهربائية عالية تفيد البشر بالإعارة أو التبادل أو البيع وما أحوج العراق وغير العراق اليوم إلى مثل هذه الطاقة الكهربائية للإنارة وتشغيل المكائن والمعامل وتمشية معاملات ومهام الدولة والجامعات ومراكز البحوث والمستشفيات. هذا العالم الإيراني وأمثاله ثروة علمية عالمية وطاقات صعب تعويضها خسرتها البشرية فهل تقدّم إسرائيل بدائل لمثل هؤلاء العلماء وهل تعوّض عنهم ؟ لنستوعب حجم الجريمة التي أقدمت عليها إسرائيل بقتلها لهذا العالم  يكفي أنْ نفترض أنَّ أحدهم أقدم على اغتيال أحد العلماء المعروفين من أمثال آينشتاين أو نيوتن أو أديسون أو مخترع البنسلين أو أي عالم من علماء الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء ومن الحائزين على جائزة نوبل في مجالات العلوم ... فقط لنقف ونتصور مقدار وحجم الكارثة وما سيُصيب العالم من إستنكار وغضب ولعنات لا تتوقف . العلماء محدودون وهم نُخبة أُممية مُلك للإنسان بصرف النظر عن دينه وقوميته وطائفته وعرقه. لا دين للعلم ولا قومية إنه تماماً كالسماء والماء والهواء.

ثانياً / المفارقة الأخرى الكبرى هي في السؤال:

لماذا تعرف إسرائيل وأجهزة مخابراتها كل صغيرة وكبيرة عن علماء العرب وإيران بإسمائهم وحركاتهم وسكناتهم وما يشتهون وما هي هواياتهم ومتى يغادرون بيوتهم وإلى أين يتجهون ومتى وإلى أين يسافرون لتقتلهم في حجرات فنادقهم أو في الشوارع كما حصل لبعض رجال السياسة والكفاح والمثقفين العرب ولا سيّما الأخوة الفلسطينيين وما زالت أسماؤهم حيّة طريّة في الذاكرة ممن قتلتهم إسرائيل في بيروت [غسّان كَنَفاني وكمال عدوان] وتونس  ودُبي وباريس وفي غيرها من العواصم والمدن. إسرائيل إذاً تعرف كل شئ عن ضحاياها فأين العرب من الرد ومتى يردّون؟ إسرائيل تعرف كل شئ لكنَّ العرب والإيرانيين لا يعرفون شيئاً عن علماء إسرائيل وكبار خبراء وعلماء الذرة وغير الذرة ويجهلون مراكز ومعاهد الأبحاث في إسرائيل فوق وتحت الأرض ! لماذا؟ سيقالُ إنَّ في حوزة إسرائيل أجهزة متطورة للتجسس وجمع المعلومات ولديها كم كبير من العملاء المندسين في كل شبر من أراضي العرب وغير العرب ثم لديهم اليهود في كل مكان من هذا العالم. حَسَناً ... أليس من أولى مهمات وواجبات العرب وإيران القيام بالمثل؟ تطوير أجهزة تقنية قادرة على جمع المعلومات عن بُعد وتجنيد عملاء ينشطون في داخل المؤسسات والمراكز والمعاهد والمفاعلات الإسرائيلية وفي إسرائيل عرب من فلسطين يتكلمون العبرية وُلدوا ونشأوا ودرسوا هناك؟ 

الأمر المُحيّر الآخر هو أنَّ العرب والإيرانيين لم يردوا أبداً وحتى هذا اليوم فلا العراق هاجم ودمّر مفاعلات ديمونة ومعهد صوريك في صحراء النقب ردّاً على ما ألحقت إسرائيل من دمار شامل في مفاعلات العراق النووية المستخدمة للأغراض السلمية من أبحاث وإنتاج نظائر مشعّة مستخدمة في الطب. لم تردْ سوريا على غارات وصواريخ إسرائيل التي وُجهت لتدمير معاهد علمية ومراكز أبحاث وبعض الأهداف العسكرية. كذلك الأمر مع إيران ... فكم قتلت إسرائيل من رجالها عسكريين  وخبراء ومدنيين على الأرض السورية خاصةً ثم على أرض العراق فهل ردت ؟

الأهداف الأكثر حساسيّة العلمية والعسكرية العربية والإيرانية معروفة ومكشوفة لإسرائيل وحليفتها أمريكا فتغير وتقصف وتدمر متى شاءت ولا مَنْ يُحرّكُ ساكناً.

ثالثاً / بوتين وموسكو في المنطقة:

 سياسة موسكو وبوتين من هذا الأمر واضحة عبّر عنها في مناسبات عدّة وأزال الغموض فإنَّ موسكو لم تتصدَ لأي صاروخ إسرائيلي أو أية طائرة مُغيرة على أهداف سورية ما دامت لا تتعرض للقواعد والمنشآت الروسية في سوريا في قاعدة حميميم وما جاورها فلماذا ولأي غرض أقامت موسكو هذه القاعدة ؟ أقامتها لتدافع عنها فقط ؟ وما كان رد موسكو على حادث إسقاط الطائرة العسكرية الروسية بصاروخ إسرائيلي ومقتل أكثر من عشرين خبير عسكري على متنها ؟ السيد الرئيس بوتين قَبِلَ إعتذار صديقه الستراتيجي الحميم نتنياهو على أنْ لا يتكرر هذا [الخطأ] مرة ثانية !! شرُّ البليّة ما يُضحك. إني أتّهم السيد بوتين بأنه رجل متواطئ ولغيري أنْ يقولَ عنه إنه خائن لروسيا وحلفائها وأصدقائها ... ومجمل مواقفه من قضايا مصيرية حاسمة تفضحه وتؤكّد إتهامي له وعلى الشعب الروسي تدبّر هذا الأمر الخطير وتنحيته عن مناصبه وبأسرع وقت ممكن. أمريكا وحلف الناتو وحلفاء أمريكا الآخرون يُضيّقون الخناق على روسيا براً وبحراً وجواً لكنَّ السيد بوتين لا يتحالف مع جارته كوريا الشمالية الشجاعة النادرة المثال ولا يمدّها بالنفط الخام ولا يبني لها مصانع معالجة وتكرير النفط الخام ومساعدتها إقتصادياً ومالياً إسألوه لماذا ؟ مجاملة لإسرائيل وأمريكا بل تواطؤاً معهما لأنها دولة تمتلك أسلحة نووية وتصنعها على مرآى ومسمع العالمين ولا تخشى أحداً. بوتين يمتنع عن تقديم أية معلومات للعرب وإيران تخص المواقع الذرية الإسرائيلية ومعاهد الأبحاث النووية والمطارات العسكرية ومصانع الأسلحة الفتاكة وبنيتها التحتية ذات الأغراض العسكرية وموسكو على علم تام بهذه الأمور وتعرف الإحداثيات الدقيقة لكل موقع وكيفية الوصول إليه وقد سبق وأنْ سيّرت طائرات في مهمة سرية خاصة حلّقت فوق مفاعلات ديمونة في صحراء النقب بإعتراف أحد قادة هذه الطائرات الروس في إحدى الفضائيات. التحالف الستراتيجي مع كوريا الشمالية قوة جبّارة لروسيا ثم للصين معاً من شأنها التخفيف أو معادلة تهديدات أمريكا وحلفائها وأعضاء حلف الناتو المحيطين بروسيا . مواقف بوتين وموسكو تحتاج إلى دراسات عميقة موسّعة ولجان بل ومعاهد بحث مركّز.

 

عدنان الظاهر

الأول كانون الأول  2020

 

سامان سورانيبما أن الشراكة السياسية في عصر العولمة هي أقرب الطرق وأقصرها لتحقيق إستقرار المجتمع والذي ينتح عنه تنمية ونهضة، قوامها فتح المجال أمام إستيعاب آراء المکونات والکيانات المختلفة وتنظيمها، ليشعر كل مكون أو كيان بأن له دور في بناء المجتمع الذي يعيش فیه،  شاهدنا أن غياب نظرية الشراكة والمشاركة السياسية عن الواقع العراقي أدی إلى نتائج سلبية للغاية على مستوى الدولة والأحزاب والنخب السياسية، إضافةً إلى مؤسسات المجتمع المدني.

نعم الشراكة السياسية هي أحد تجليات الأنظمة السياسية المعاصرة، يوسع مفهوم وآثر الديمقراطية، بشرط القبول بالتعددية وتبادل السلطة عبر صناديق الاقتراع، بالإضافة الی إحترام القانون وحرية التعبير وحرية الإعتقاد، ولم تكن الشراكة السياسية ولا مصطلحها متوفراﹰ في النظام الدکتاتوري البائد، الذي لم يؤمن بالتعددية بحکم تطبيق فکرة الحزب الواحد والقائد الأوحد.

رئاسة إقلیم کوردستان ومنذ بناء العراق الفدرالي الجدید أكدت في أكثر من مناسبة علی إلتزامها بالدستور العراقي المصدق في عام ٢٠٠٥، إضافة إلی مبدأ الشراکة السیاسیة في إدارة البلاد، بل عارضت وحاربت بشتی الطرق والوسائل فکرة الأغلبية العددية والأغلبية السياسية في العراق.

إن تهميش دور ممثلي الشعب الكوردستاني بأديانه وطوائفه وقومیاته المتنوعة في إدارة العراق الإتحادي وتمرير قرارات سياسية وقوانين مثيرة للجدل في البرلمان (كقانون الإقتراض والتصويت علی فقرة الدوائر المتعددة ضمن قانون الإنتخابات الجديد ومنح الثقة لعدد من وزراء حکومة السيد الکاظمي وقانون إخراج القوات الأمريكية في العراق) بشکل منفرد من قبل طائفة أو قومية معینة من دون مراعاة المكونات الأساسية الأخرى وإستخدام لغة التهميش وفرض الإرادة عن طريق الأغلبية العددية تهديد صریح لمسألة التوافق والشراكة بين المكونات والكيانات، بالتأكيد هذا يضعف الکيان الإتحادي ولايخدم بناء الدولة العراقية الحديثة.

إقليم كوردستان يتمتع منذ عام ١٩٩١ بإستقلال واقعي شبه تام، لە حکومة منتخبة وسلطات وصلاحيات واسعة في إدراة شؤوونه ورسم سياسته.

من حق الإقليم، خاصة بعد أن أخذت صلاحياته بمصادقة الدستور عام ٢٠٠٥ طابعاﹰ دستورياﹰ وقانونياﹰ وبعد أن حصل علی ورقة الإستفتاء من أجل الإستقلال عام ٢٠١٧ الحفاظ علی صلاحیاته وتعزيزه في المجالين الداخلي والخارجي.

إقلیم كوردستان، کما يؤکد علیه رئیس حکومة الإقليم مسرور بارزاني،  کیان إتحادي ودستوري داخل دولة العراق الإتحادية، له حقوق وواجبات، لكن عدم تطبيق الدستور كما يجب هو الذي جلب المشاکل التي يشهدها العراق الیوم.

مانراه اليوم في العراق هو فشل التجربة الحداثية للدولة وفقدان إمكانات البناء الذاتي، بعد أن وصل أمور العبث الی مرحلة شتت کل الخطط التي تهدف الی إعادة بناء الدولة.

إن إدارة العراق بروح طائفية ومذهبية مقيتة جعلت من المجتمعات العراقية تعيش في مأساة سياسية وإقتصادية وثقافية وطائفية متقاتلة ومتصارعة فيما بينها وفق مبدأ الأفضلية لهذا المكون أو لتلك الطائفة، هذە الفلسفة جعلت من العراق أن يغرق اليوم  في حالة من التنافر المجتمعي، الذي وصل ذروته في السنوات الأخيرة وما نعيشه من فوضى سقوط هيبة الدولة وضعف في أداءها خير دليل علی مانقوله.

إذن كيف يمكن لشعب کوردستان في ظل حکم العقلية الاقصائية المتواجدة، التي لا يعترف فيها أصحاب الأكثرية العددية بشركائهم في الحکم، أن يؤمن بأنه يعيش في عراق إتحادي فدرالي؟

لقد وصل مسار العملية السياسية في العراق إلى طريق مسدود، فهناك إحتقان شعبي وهناك عدم الرضی بالنظام السياسي الحالي بسبب تجاهله حقوق المکونات، حالة عدم الرضی تعمّ الشارع الشيعي والسني والكوردي على حد سواء.

الطبقة السياسية الشيعية بالتحديد،  التي تسلّطت بفعل الأمر الواقع المتسم بالانهيار المجتمعي الشامل، مستندة إلى حالة اجتماعية مستحدثة، قوامها طبقة طفيفة من المستفيدين من مميّزات السلطة، ونهب المال العام الذي وصل إلى مستويات قياسية، لم تستثمر الفرص الكبيرة التي أُتيحت لها لبناء العراق ديمقراطي فيدرالي تعددي وتعويض العراقيين عما مرّوا به من حروب وحرمان طيلة اكثر من خمسة عقود، بل قامت ببناء دولة موازية وسلاح موازي، عن طريق تسليح ميليشيات خارجة عن القانون والدستور لزعزعة الإستقرار وإقصاء مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع والإطاحة بالتجربة الديمقراطية.

التظاهرات الشبابية التي انطلقت في الأول من تشرين أول/أكتوبر ٢٠١٩ التي أرادت في البداية إصلاح النظام وتغييره بالكامل أخيراﹰ، بعد أن فقدت الأمل بالإصلاح، لإعادة ترتيب الوضع السياسي من جديد، تعکس  الفشل الاقتصادي والأمني بالطبيعة الدينية للأحزاب الحاكمة، التي لا تمتلك سوى الخطاب الطائفي والغيبي، لتغطية فشلها وفسادها وتبعيتها.

حکومة إقلیم كوردستان، رغم كل ماذکرناه من عوائق، تؤمن بالحوار والوفاق والتفاهم وإستخدام الدبلوماسية والطرق السلمية لحل المشاكل العالقة بين الإقليم والحکومة، فالتوافق والتوازن والشراكة هي أدوات حيوية وضامنة للعيش المشترك والسير نحو التغيير الإيجابي بعيداﹰ عن الصراعات والحروب والإنهيار المجتمعي الشامل ولایمکن للعراق أن يحصل علی الاستقرار السياسي والأمني ولایمکن له أن يبني اقتصادە،إذا ما لم تعمل الحکومة في بغداد بجدية علی خلق هذا التوازن والحفاظ علیە.

ختاما نقول: لا بديل عن التعاون والشراكة والتضامن. فالتعددية نعمة وليست نقمة والسياسة هي منذ قرون فن إدارة الإختلاف، وعلی صانعي القرار في بغداد أن يعرفوا بأن القيادة الكوردستانية تمتلك إنضباط أخلاقي وعقلاني وروحي وإرادة التعايش، تغرسها بالتعلیم والتربية.

فلا شيء يدمر القضايا والمشاريع أكثر من أحادية المرجع والقطب والرأي والصوت والطاغية دوماً تصنعها الثقافة، وسیبقی التحقيق بین الثابت والمتحول هو المحنة والمهمة لکل الشعوب عبر التاريخ، للوصول الی الانسجام والتکامل بین الثابت والمتحول.

 

الدکتور سامان سوراني

 

عبد الحسين شعبانعاد "قانون جرائم المعلوماتية الإليكترونية" إلى دائرة الضوء والجدل، بعد أن تمّت قراءته الأولى في البرلمان العراقي (23 نوفمبر/تشرين الثاني/ 2020) ، وكان قد نوقش في العام 2007 بصيغته الأوّلية، ثم ظهر مجدّداً العام 2011، لكنه سرعان ما اختفى، وعاد إلى الظهور في العام 2018، بعد أن أصرّت  بعض الكتل السياسية على تكرار محاولاتها لإمراره بالرغم من إيقاف التصويت عليه لدورتين برلمانيّتين.

ويعدُّ مشروع القانون تراجعاً عمّا ورد في الدستور ولروح المادة 38 الخاصة بحرّية التعبير، حيث يمكن إستغلاله لتكميم الأفواه وحجب حق التعبير بمبررات عديدة، وهي حجج طالما تعكّزت عليها الأنظمة الإستبدادية في السابق أيضاً، الأمر الذي أثار ردود فعل حادة لطيفٍ واسع من ناشطين وقوى وجماعات مؤثّرة في الرأي العام العراقي، بما فيها نقابة المحامين ونقابة الصحفيين واتحاد الحقوقيين العراقيين واتحاد الأدباء والكتّاب والنقابات المهنية، ودعاهم للتنديد بالقانون، الذي تضمن أحكاماً غامضة وعقوبات غليظة.

جديرٌ بالذكر أن العديد من مواد القانون تجرّم دون معايير محدّدة لما يمكن أن يكون شكل الجريمة، حيث تصل العقوبة إلى السجن المؤبد، قصد "المساس بإستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها أو مصالحها الإقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية" (المادة 3)، وتضيف "أو الإشتراك أو التفاوض أو الترويج أو التعاقد أو التعامل مع جهة معادية بأي شكل من الأشكال لزعزعة الأمن والنظام العام أو تعريض البلاد للخطر".

ونصّت المادة (6) على عقوبةٍ مماثلةٍ قصد "إثارة النعرات المذهبية أو الطائفية أو تكدير الأمن والنظام والإساءة الى سمعة البلاد"، كما نصّت المادة (8) على ما يلي "يعاقب بالسجن مدة لا تقلّ عن 7 سنوات ولا تزيد عن 10 سنوات وبغرامة لا تقل عن 5 ملايين دينار ولا تزيد عن 10 ملايين دينار عراقي، كلّ من دخل عمداً موقعاً أو نظاماً أو أجهزة حاسوب أو ما في حكمها بقصد الحصول على معلومات تمسّ الأمن القومي أو الاقتصاد الوطني"، أي إنّ العقوبة هي مجرّد محاولة للحصول على معلومات، في حين أنّ الحصول على المعلومات هو أمرٌ يقرّه القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يتيح تداولها وإذاعتها بجميع الوسائل دون حدود جغرافيّة، ثمّ من يحدّد المساس بالأمن القومي أو الاقتصاد الوطني؟ وغير ذلك من العبارات التي تتيح تفسيرها وتأويلها حسب ما تريده السلطات.

يخالف القانون منطوق المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر (كانون الأول) 1948 والذي يمثّل الأساس في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وعلى هديه سار العهد  الدولي الخاص  بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966، والذي وقّع عليه العراق في العام 1971، ودخل حيّز التنفيذ في العام 1976، حيث نصّت المادة 19 أيضاً، على ما يلي: لكل شخص حق التمتّع بحرّية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرّيته في اعتناق الآراء دون أيّ تدخل (مضايقة) واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأيّة وسيلة ودونما تقييد للحدود الجغرافية.

وفي العام 1987 تشكّلت منظمة دولية في بريطانيا تعنى بحرية التعبير استلهمت اسمها من المادة - 19 (Article 19) وقد خصصت المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان لي شرف رئاستها ملتقاها الفكري الثاني (1993) وبالتعاون مع منظمة المادة 19 لموضوع "حرية التعبير وحق المشاركة السياسية" وصدرت وقائع الملتقى في كرّاسٍ العام (1996) وشارك فيه نخبةٌ متميزة من المثقفين والحقوقيين والعرب.

 وبالطبع فإنّ حرّية التعبير ليست مطلقة في أيّ بلد من بلدان العالم، وعادة ما يخضع هذا الحق لبعض القيود الموضوعية والذاتية أو الظرفية والمؤقتة، وهناك فرق بين حرية التعبير وحالات التشهير والقدح والذم والتحريض على العنف والإرهاب والترويج للإتجار بالبشر والمخدرات والسلاح ونشر ثقافة الكراهية والعنصرية والاستعلاء وازدراء الآخر في دينه أو قوميّته أو لونه أو جنسه أو معتقده أو أصله الاجتماعي أو لأي سبب كان.

ولعلّ ما يصاحب حرّية التعبير هي أنواع من الحقوق والحريات مثل الحق في الضمير والعبادة وممارسة الطقوس والشعائر الدينية وحرّية الصحافة والتظاهر والاجتماع السلمي وغيرها، وحرية التعبير هي حق أساسي من حقوق الإنسان بعد الحق في الحياة والعيش بسلام ودون خوف، وهذا الحق يعني التعبير بجميع الوسائل المكتوبة والمقروءة والمسموعة والمرئية والتواصل الإجتماعي، مع ما يستتبعها من واجبات ومسؤوليات ينبغي مراعاتها كإحترام حقوق الآخرين وسمعتهم وخصوصيتهم وعدم المساس بها أو التعرّض إليها، فضلاً عن قواعد الصحّة العامّة والسِّلم المجتمعي والأهلي، إضافة إلى الأمن الوطني بما يعتبر من أسرار الدولة المنصوص عليها.

لقد فشلت الكتل والمجموعات السياسية التي أدارت البلاد وفق نظام المحاصصة الطائفي - الإثني منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، وتحاول اليوم من خلال هذا القانون حجب حق التعبير في نقدها والمطالبة بإزاحتها، خصوصاً لكشف الفساد والمفسدين والمساءلة للمسبِّبين.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

ابراهيم أبراشفي مثل هذا الشهر قبل عشرة سنوات كتبنا مقالاً تحت عنوان (في ظل الانقسام لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات) والآن بات من الواضح بعد هذه السنوات العجاف أن مسار المفاوضات والتسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين سينشط مجدداً، ليس لأن الرئيس الأمريكي الجديد بايدن ونائبه السيدة كامالا هاريس أعلنوا عن نيتهم عودة الحوار مع القيادة الفلسطينية والعودة لخيار حل الدولتين أو لأن شروط ومتطلبات السلام العادل متوفرة الآن، بل لأنه خلال عشرة سنوات من وقف المفاوضات تزايدت وتيرة الاستيطان وتدهورت الأوضاع الداخلية، ولأنه في ظل الانقسام وحالة الضعف التي تعتري النظام السياسي بشكل عام، وتوقيع حركة حماس لهدنة بينها وبين إسرائيل وخروج المقاومة المسلحة في غزة عن سياقها الوطني، والمتغيرات في المحيط العربي وخصوصاً تزايد التطبيع مع إسرائيل، ...، لكل ذلك فلا مفر من العودة لخيار التسوية السياسية والمفاوضات حتى كشر لا بد منه، والمهم أو التحدي هو كيف لا تكون المفاوضات عبثية كسابقاتها؟.

نعم جرب الفلسطينيون المفاوضات مع إسرائيل منذ مدريد1991 إلى 2010 ونتذكر هنا أن المرحوم أبو عمار ومنذ خطابه في الأمم المتحدة عام1974 حيث خاطب العالم قائلاً: "جئتكم أحمل غصن الزيتون بيد وبندقية المقاتل في اليد الأخرى" وحتى وفاته عام 2004 بتسميمه من طرف إسرائيل التي تفاوض معها لعقدين من الزمن، لم يتوقف عن السعي للسلام وكان يفاوض دون أن يساوم على الحقوق الوطنية أو على الحق بالمقاومة، كما واصل الرئيس أبو مازن المفاوضات حتى عام 2010حيث أوقفها عندما تأكد أن المفاوضات عبثية ولا مرجعية واضحة لها وكانت إسرائيل تستغلها لمواصلة الاستيطان.

المفاوضات أو التفاوض مع عدو مثل الكيان الصهيوني ليس الطريق الأمثل والأفضل بالمطلق أو أن العودة للمفاوضات ستؤدي حتماً لقيام الدولة الفلسطينية الموعودة، وفي ظني أن احتمالات فشلها أقوى من فرص نجاحها لأن المعطيات والأوضاع الآن أكثر سوءاً بالنسبة للفلسطينيين مما كانت عليه خلال سنوات المفاوضات السابقة ولأن إدارة بايدن معنية بإدارة الأزمة أو الصراع وليس بحله، إلا أن التفاوض مطلب دولي لا يمكن لمنظمة التحرير أن تدير له الظهر إلى ما لا نهاية، ولأن الفلسطينيين لم يبلورا نهجاً بديلا متوافق عليه لنهج المفاوضات والتسوية السياسية، ولذلك فإن أفضل ما سيحصل عليه الفلسطينيون إذا ما وظفوا المفاوضات بحنكة هو تعطيل المشاريع الاستيطانية ومنحهم فرصة لتصحيح أوضاعهم الداخلية.

المفاوضات بحد ذاتها ليست جريمة أو خطأ، فكل الصراعات والحروب بما فيها حركات التحرر الوطني عرفت مفاوضات بين أطرافها خلال الحرب أو تتويجاً لها، ولم يكن الخلل سابقاً في مبدأ المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بل لأسباب متعددة، تتحمل المسؤولية الأكبر عن الفشل إسرائيل ومن يرعى عملية التفاوض بالإضافة إلى خلل في استراتيجية وآلية إدارة الجانب الفلسطيني للمفاوضات.

كان لدى إسرائيل استراتيجية للمفاوضات أساسها المماطلة وكسب الوقت، أما عند الجانب الفلسطيني فغابت الاستراتيجية والرؤية وانقسموا حول مبدأ التفاوض، وحول مَن يفاوض؟ وكيف يفاوض؟ وعلى ماذا يتم التفاوض؟ وهدف التفاوض؟ كما كان سوء فهم وتقدير لفلسفة (الحياة مفاوضات).

التفاوض مع العدو لا يعني التفريط أو التنازل ما دام هناك رؤية واضحة لمرجعية المفاوضات وأهدافها، والمفاوضات لا تُسقط استمرار حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال ولا تفرض على الأحزاب الأخرى تغيير برامجها السياسية خلال عملية المفاوضات، والمفاوضات لا تعني نهاية الصراع مع العدو أو التفريط بالحقوق الوطنية المتوافَق عليها، كما أنها لا تعني السلام مع إسرائيل حيث لا يمكن أن نتحدث عن سلام مع إسرائيل إلا في حالة إنجاز الحد الأدنى من الحقوق الوطنية المشروعة وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الضفة الغربية والقدس وغزة وتوقيع اتفاقية سلام نهائية يوافق عليها الشعب الفلسطيني باستفتاء شعبي.

 كنا نأمل أن ينتهي الانقسام ويتم إجراء الانتخابات العامة بكافة مستوياتها والقيادة الجديدة تصبح صاحبة القرار النهائي في وضع الاستراتيجية الوطنية المطلوبة بشأن المفاوضات، وما زالت الفرصة سانحة لأن تفعيل مسار التسوية السياسية والعودة لطاولة المفاوضات لن يتم إلا بعد عدة أشهر، والجميع بات يعرف أن لا مفر من العودة لطاولة المفاوضات وخيار التسوية السياسية.

ولكن وإن لم يحدث ما يريده الشعب من انتخابات ووحدة وطنية قبل بدء المفاوضات، وما دامت كل الأحزاب السياسية –باستثناء الجهاد الإسلامي- ارتضت خيار حل الدولتين، وكل ما نسمعه منها من انتقادات ليس على مبدأ حل الدولتين، بل على أسلوب إدارة المنظمة للعملية التفاوضية وعلاقة المفاوضات بحق المقاومة بالإضافة إلى خلافات حول السلطة والحكومة، وحيث لا أحد يعتقد بأن حل الدولتين في ظل الأوضاع الراهنة سيكون من خلال مواجهة وحرب مع إسرائيل تُحرر أراضي الدولة الموعودة بالقوة، فلماذا لا يتم تشكيل وفد تفاوضي جديد تشارك فيه كل القوى السياسية يسبقه لقاء فصائلي مخصص فقط لوضع استراتيجية تفاوضية تتضمن الأشخاص المكلفين بالتفاوض وأسس ومرجعية المفاوضات وأهدافها وسقف زمني محدد ؟ أو تفويض الرئيس أبو مازن من طرف كل الأحزاب للتفاوض أو تشكيل وفد المفاوضات باسم كل الشعب الفلسطيني مع وضع محددات وضوابط للمفاوضات؟

مع اكتشاف مأزق الطرح الذي يقول بأن المقاومة بديل عن المفاوضات دون أن يكون هناك أية استراتيجية وطنية للمقاومة، ومع التأكيد بأن حق المقاومة لا يتعارض مع مبدأ المفاوضات لأن الأولى حق طبيعي للشعب الفلسطيني ولكل الشعوب الخاضعة للاحتلال كما تعترف به كل الشرائع الدينية والوضعية والثانية إحدى الآليات أو الطرق المساعِدة على تحقيق ذلك، وإلى أن تتوفر استراتيجية وطنية و شروط مواتية للمقاومة المسلحة، فلا بأس من خوض معركة المفاوضات بعقلانية مع استمرار المقاومة الشعبية كعامل مساعد للوفد الوطني المشتَرَك للمفاوضات.

نتمنى إعمال العقل والاستعداد لمفاوضات قادمة لا مفر منها سواء في إطار مؤتمر دولي للسلام كما يطالب الرئيس أبو مازن أو مفاوضات ثنائية برعاية دولية، ومعركة المفاوضات في بعض المنعطفات التاريخية تشكل تحدياً ومهمة نضالية لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية، خصوصا أن المفاوضات القادمة لن تكون على أساس الشروط الفلسطينية بل سيكون لإدارة بايدن وإسرائيل شروطهم الخاصة للعودة لطاولة المفاوضات.

 

إبراهيم أبراش

 

 

علجية عيشالإمارات تستفز الشعوب الرافضة للتطبيع بقدوم 200 إسرائيلي في رحلة العودة إلى دبي

التطبيع يعني عدم تجاوز التبعية، وتجاوز هذه الأخيرة يتطلب إعادة النظر في مسار الوعي العربي الإسلامي منذ عصر النهضة حتى الآن وكشف العلاقة الحقيقية بين الغرب والشرق وتحديد المصير العربي الذي يتحول شيئا فشيئا إلى أقلية تحكمها إسرائيل، وفي ظل الوضع السياسيّ الراهن المضطرب والباعث على اليأس قد تحتاج الأقلية العربية إلى ترخيص من السلطات الإسرائيلية لزيارة الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، لا يمكن للصمت العربي ان يطول وعلى المؤسسات الدينية الإسلامية أن تعلن موقفها وعلى رأسهم الأزهر، الزيتونة وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ذلك بقطع العلاقات نهائيا مع الإمارات وأخواتها وصمتها يكس النفوذ الإستعماري الإسرائيلي في فلسطين.

التطبيع يعني العَمَالَة المباشرة الصريحة لدولة تكن العداء للإسلام والمسلمين وتعمل على تدمير المسجد الأقضى ثاني مسجد بعد المسجد الحرام، وعملية التطبيع تسبقها اتصالات ومشاورات بين طرفين سواء كانت سرًّا أو علانية، في إطار مخطط مدروس، وتكون الخطوة الأولى إما بداية علاقة مع دولة ما، أو إعادة صياغة العلاقة بين بلدين بحيث تصبح علاقات طبيعية أي إنهاء القطيعة بينهما، ويمكن أن نعرفه بالقابلية للترويض أو القابلية للإستعمار كما تحدث عنها مالك بن نبي، ويحمل التطبيع الإعتراف بدولة ما ووجودها ، والسعي إلى تحقيق مطامعها التوسعية، كما هو اليوم في إسرائيل، التي ترى أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينها وبين الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام، وهي اليوم تكاد أن تسيطر على العالم العربي كله بفعل مخطط "التطبيع"، بعد انظمام دول عربية إليها كـ: الإمارات، البحرين، الكويت ثم السودان في إطار ما يسمى بالشراكة، وهاهي الإمارات تمنع تسليم تأشيرة دخول 11 دولة ذات الأغلبية المسلمة إلى ترابها ، خاصة الدول التي تعيش الحروب الأهلية والصراعات الطائفية كسوريا والعراق، اللتان كانتا ضمن قائمة الدول المحظورة، ماعدا الدول الحليفة لإسرائيل على غرار البحرين، في وقت تسمح فيه للإسرائيليين الدخول بدون تأشيرة بعد اتفاق التطبيع مع البلدين، حسبما أشارت إليه بعض الوكالات الإخبارية، تم ذلك في معاهدة وقعت عليها كل من إسرائيل والإمارات في تل أبيب، وهي الإتفاقية الأولى التي تبرمها إسرائيل مع دولة عربية مسلمة، رغم أن حليفتها الولايات المتحدة لم تباشر بعد في مثل هذه الإجراءات ولم توقع مع إسرائيل أي اتفاقية بهذا الشأن.

تقول التقارير ان الإمارات خصصت طائرة خاصة لإستقبال الفوج الإسرائيلي مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا، يتكون من 200 إسرائيلي قدموا من تل أبيب في رحلة العودة إلى دبي، واعتبارا من 13 ديسمبر الجاري تنطلق 14 رحلة أسبوعية من تل أبيب إلى دبي، في محاولة منها استفزاز الشعوب الرافضة لعملية التطبيع، وبطابع هستيري عدواني، والجزائر من بين هذه الدول، في ظل التوتر السائد بين البلدين بسبب رفضها التطبيع وإيمانها بالقضية الفلسطينية وعدم تخليها عن شعار بومدين: "نحن مع فلسطين ظالمة أم مظلومة" لدرجة أنها بعثت رسائل تهديد لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بسبب انتقاداته تطبيع أبو ظبي مع إسرائيل وتحسين علاقاتها مع تركيا، والبحث في العديد من القضايا ، لاسيما الملف الليبي، بعدما أعلنت الإمارات وقوفها في صف خليفة حفتر، أما عن الموقف الفلسطيني لم يمنع الدول المُطَبِّعَة مع الكيان الإسرائيلي من زيارة المسجد الأقصى، فقد سبق وأن زار وفد من"مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي" إلى إسرائيل في أعقاب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والبحرين في سبتمبر المنصرم، بإشراف من دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس المُعَيَّنَة من قبل المملكة الأردنية، وهذا من باب التسامح الديني والحريات الدينية والتعايش السلمي.

كان موقف الفلسطينيين بالرفض، عندما أعربوا عن غضبهم من اتفافيات التطبيع بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة ثم السودان، والتحاق هذه الدول بإسرائيل يجعل من هذه الأخيرة أكثر قوة، وقد يتملكها الغرور بأنه لا توجد أمّة تفوقها قوة، وهذا يعني أن لها الحق مع قوة كهذه في تولي قيادة تنظيم العالم وعلى الدول المُطَبِّعَة أن توفر لإسرائيل الحماية الكاملة، وهذا يعني ان إسرائيل ستضرب العرب بالعرب والمسلمين بالمسلمين، وهذا يستدعي إعادة النظر في مواثيق حلف بغداد، ومواقف القيادات الرجعية الحاكمة في الأقطار العربية التي ارتبطت بمبدأ إزنهاور والذي أصبح حلف بغداد مظهرا من مظاهره، هذا الحلف قبل أن ينهزم كما انهزم مبدأ إيزنهار كان قد تأسس لخدمة "الإمبريالية الأمريكية" وتحقيق أهدافها في إبقاء - كما يقال- شعرة معاوية مع دول أخرى، وتتيح لإسرائيل حرية المناورات مع هذه الدول، باعتبارها جزء من النظام الإمبريالي العالمي، إذن على الدول الرافضة للتطبيع أن تعيد النظر في مشروع إقامة اتحاد عربي وبعثه من جديد، حتى تتخلص من سيطرة الغرب وحماية حدودها واقتصادها، وإلا ضاعت الفرصة أمامها إلى الأبد، فمشروع الإتحاد العربي كان يعتبر البعبع الذي يخيف الغرب، لاسيما وهو يهدف إلى محو كيان إسرائيل ونسف السيطرة الإمبريالية بجميع أشكالها.

في ظل هذا الوضع تحاول المؤسسات الدينية كشف الوجه الحقيقي لإسرائيل والدول التي لها علاقات دبلوماسية معها، من خلال إعطاء نظرة سوداء لمسألة التطبيع مثلما ذهب إليه مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة ، عندما اعتبر تطبيع دولة ما مع إسرائيل يعني تجاهل الحرب القائمة بين إسرائيل وفلسطين وتجاوز الإحتلال والتمييز العنصري والمواقف المتخدة منها، خاصة إذا تعلق الأمر بالجانب الإقتصادي، أي تقديم الدعم المالي للبلديات العربية، طالما الصراع بين الشعبين قديم ومستمر، وله أثر عميق على كل المستويات، ولا أحد يتنبأ بما يحث في المستقبل القريب، وإن كان موقف الكنيسة الكاثوليكية ، فكيف للعلماء المسلمين يغيرون من مواقفهم، السؤال الذي طرحه ملاحظون، خاصة بالنسبة للأزهر الذي لزم الصمت إزاء التطبيع الإماراتي مع الاحتلال الإسرائيلي وهو الذي دعا في السابق إلى تطهير القدس من مغتصبيها، وأفتى بعدم ذهاب المسلمين إليها، حتى تتطهر أرضها ومن يزورها آثمٌ.

 طبعا ليس هناك من ضبط وإحكام لمفهوم أو مصطلح التطبيع إلا أن يفصح عن نفسه بحسب وجهات النظر التي تدخل في إطاره، ولعل تعدد المفاهيم قد يشتت المصطلح والطرق المؤدية إليه، وإن كانت الحياة في إسرائيل أو في فلسطين تقتضي بعض العلاقات مع السلطات الإسرائيلية ومن ثم بإمكان الدول العربية التي وقعت اتفافية التطبيع مع إسرائيل قد يكون لها حق التدخل في حل مشاكل العرب (سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين) الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية، إلا أن ذلك لا يعني إخفاء حقيقة الواقع وما يحدث للشعب الفلسطيني وممارسة التعتيم على الظلم الموجود ، واعتبر هذا التجاهل تطبيع وتعاون مع مؤسسات انتهجت اسلوب التمييز العنصري في تعاملها مع الآخر، وهي بالتالي تصر على استمرار الظلم وفانفراد دول من الدول في الوقوف بوجه إسرائيل هو خدمة لإسرائيل، وعدم إجماعها على موقف موحد يعد تمديدا للنفوذ العدواني، الذي من شأنه أن يقود إلى اللا إستقرار السياسي وانعدام السلام ، والسؤال الذي يطرحه الخبراء هو: هل الحكومات العربية قادرة بل جاهزة على خوض الحرب ضد إسرائيل فلسطين وتحرير في المرحلة الحالية؟ أم أنها ستظل كالدمية تحركها إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية كيفنا تريد، وتكتفي هي برفع الشعارات ونشر البيانات عبر وسائل الإعلام.

 

قراءة علجية عيش

 

عبد الحسين شعبانيكتسب يوم 29 تشرين الثاني (نوفمبر) أهميّة كبيرة في التاريخ الفلسطيني والعربي المعاصر باعتباره يوماً للتضامن الأُممي منذ العام 1977، بقدر ما يحمل معه مفارقة حقيقيّةً، ففي مثل هذا اليوم من العام 1947 ارتكبت الجمعية العامة للأمم المتحدة جريمة كبرى بحقّ الشعب العربي الفلسطيني والأمّة العربيّة، حين اتّخذت قرارًا برقم 181 يقضي بتقسيم فلسطين خلافًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وخصوصًا لمبدأ حقّ تقرير المصير.

لقد مرَّ المشروع الصهيوني بأربع مراحل أساسية: أوّلها - مرحلة التمهيد وقد استغرقت أكثر من نصف قرن منذ مؤتمر بال (بازل - سويسرا) العام 1897 الذي نظّر له تيودور هيرتزل عرّاب الحركة الصهونيّة في كتابه الموسوم "دولة اليهود" The Jwish State وتبِعه حصول الصهاينة على وعد بلفور 1917 من وزير خارجية بريطانيا بعد اتفاقيّة سايكس بيكو السرّية بين بريطانيا وفرنسا 1916 لتجزئة البلاد العربية؛ ومن ثمّ انعقاد مؤتمر سان ريمو واتّخاذه قرارًا بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني في 19 نيسان (إبريل) 1920، والذي وافق عليه مجلس العصبة في العام 1922 بحيث اكتسب صك الانتداب صفة الإلزام في القانون الدولي، وخلال هذه المرحلة كان المخطط الصهيوني يقوم على توسيع الهجرة واحتلال العمل والسوق والأرض.

وثانيها - مرحلة التأسيس بقيام دولة "إسرائيل" في 15 أيار (مايو) 1948، التي ركّزت وهي على تثبيت أركان الدولة العبرية وتعزيز علاقاتها مع المجتمع الدولي، ولا سيّما مع الولايات المتحدة الأميركية.

 وثالثها - مرحلة التوسّع التي قامت على التمدّد والقضم والضمّ بوسائل مختلفة، وقد شاركت "إسرائيل" بالعدوان الثلاثي الإنغلو- فرنسي على مصر في العام 1956، وتُوّجت تلك المرحلة بعدوان 5 حزيران (يونيو) العام 1967، بحيث أصبحت "إسرائيل" باعتراف عالمي بؤرة العدوان ومشروع حرب مستمرّة، ولولا مساندة الولايات المتحدة والقوى الإمبرياليّة الكبرى، لكان المجتمع الدولي قد صنّفها بأنّها دولة مارقة وخارجة على القانون واتّخذ عقوبات بحقّها كما فعَلَ مع نظام جنوب أفريقيا العنصري.

ورابعها - مرحلة إجهاض المقاومة عبر اتفاقيات ومعاهدات لا ترتقي إلى معايير الحدِّ الأدنى من الحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرّف للشعب العربي الفلسطيني، مثل اتفاقية كامب ديفيد والصلح المنفرد (1978 - 1979) واتفاقيّة أوسلو (1991 - 1993) وصولاً إلى ما سُمّي بصفقة القرن بهدف إسدال الستار على القضية الفلسطينية وإغلاق ملفّها تماماً.

إنّ الاحتفال بهذا اليوم باستذكار الجريمة من جهة واستحضار فعل التضامن الأُممي من جهة أخرى، له أكثر من دلالة:

الأولى – إشعار المجتمع الدولي بمسؤوليّته لما حدثَ للشعب العربي الفلسطيني من مآسي وآلام بسبب احتلال أرضه وطرده من وطنه، فضلاً عن تعطيل التنمية والتقدم للشعوب العربية، ولا سيّما لدول المواجهة بسبب التهديدات والاحتلالات "الإسرائيلية" المتكرّرة أو التعكّز عليها لعسكرة المجتمع ومصادرة الحرّيات.

الثانية – أن التضامن الأممي جاء بنتائج إيجابية، منها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني وكذلك الاعتراف بحقّ الفلسطينيين في دولة مستقلة (1974).

الثالثة – أن استقلال فلسطين الذي أعلن من الجزائر في المجلس الوطني الفلسطيني 1988 حظي بدعم المجتمع الدولي حيث اعترف بدولة فلسطين 141 دولة في العالم من مجموع 193 دولة، وزاد هذا الأمر انضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة بصفة عضو مراقب وانضمامها إلى عشرات المنظمات الدولية، التابعة لها، بما فيها "المحكمة الجنائية الدولية".

الرابعة – أنّ التضامن العالمي لا بدّ أن يرتكز على حدٍّ أدنى من التضامن العربي، وقد كان لمثل هذا التضامن الذي انطلق من مؤتمر الخرطوم العام 1967 (والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاث: لا صلح، لا تفاوُض، لا اعتراف)، أثره الدولي في قطع علاقات أكثر من 30 دولة إفريقية مع "إسرائيل" وذلك بين العامين 1967 و1973، وكذلك في قطع العلاقات الدبلوماسية بين دول أوروبا الشرقية الاشتراكية المناصرة للحقوق العربية مع "إسرائيل"، باستثناء رومانيا، والأمر امتدّ إلى أوساط غربية عديدة أخذت تنظر بريبةٍ إلى "إسرائيل" باعتبارها بؤرة توتّرٍ واعتداءٍ على حقوق الفلسطينيّين معبّرةً عن تضامنها معها، وقد اتّخذ منحىً عمليًّا مؤخّراً  بما فيها التضامن الأكاديمي والمقاطعة التي اتّخذتها جامعات بريطانية وأوروبيّة عديدة مؤخرًا.

الخامسة – أنّ التضامن العربي، ولا سيّما استخدام النفط كسلاح في المعركة خلال حرب أكتوبر العام 1973 كان وراء تعزيز التضامن الدولي، حيث اتّخذ المجتمع الدولي والأمم المتحدة قرارًا برقم 3379 القاضي باعتبار "الصهيونيّة شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"، وذلك في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1975، والذي تم إلغاؤه لاحقاً في ديسمبر/كانون الأول 1991، بسبب تصدّع الحد الأدنى من التضامن العربي بعد احتلال قوات النظام السابق للكويت في العام 1990 واختلال موازين القوى على المستوى الدولي.

السادسة – الحماية الدولية، وذلك باعتبار القضيّة الفلسطينية قضيّة دولية، فلا بدّ والحال هذه من حماية الفلسطينيين دوليًّا وإنهاء الحصار المفروض على غزّة منذ العام 2007 ووقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات في الضفّة الغربية وإلغاء ما يتعلّق بصفقة القرن، وخصوصًا بإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف وتمكين الشعب العربي الفلسطيني، ولا سيّما فلسطينيّي الشتات البالغ عددهم نحو 9 ملايين من حقّ العودة وتعويضهم وفقًا للقرار 194 الصادر العام 1949 وذلك ضمن واجب أخلاقي وقانوني واستحقاق سياسي يقع على المجتمع الدولي، لإنهاء الاحتلال العنصري.

وفي هذا المجال وبهذه المناسبة، كان زميلي د. جورج جبّور المفكّر السوري وكاتب السطور قد دعيا إلى تنظيم اجتماع في العام 2022 في مقر الأمم المتحدة بدعوة من حكومات عربية ومنظمات دولية وحقوقية (بمناسبة مرور مئة عام على الانتداب البريطاني) لتأكيد بطلان صكّ الانتداب على فلسطين ومطالبة الأمم المتحدة (باعتبارها الهيئة الدولية الوريثة لعُصبة الأمم) تقديم اعتذار رسمي إلى الفلسطينيين والعرب، وتصحيح ما يترتّب على هذا الاعتذار قانونيًّا وسياسيًّا وما ينطوي عليه من استحقاقات مادية ومعنوية، مثلما طالبنا بالسابق تقديم بريطانيا اعتذار رسمي عن وعد بلفور وتحميلها مسؤولية تعويض الشعب العربي الفلسطيني عمّا لحقه من غبن وأضرار وعسف طيلة ما يزيد عن قرن من الزمان.

إنّ هذان المطلبان المشروعان والعادلان مستمرّان ومتواصلان وينبغي العمل لتأمين مستلزمات تحقّقهما بحشد جهود جميع القوى المناصرة لفلسطين عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا ورفدهما لحملة دولية على الصعيد الحقوقي والدبلوماسي والقانوني الحكومي وغير الحكومي، وذلك تساوقاً مع مقرّرات "مؤتمر ديربن - جنوب إفريقيا" حول العنصرية (2001) الذي دمغ الممارسات "الإسرائيلية" بالعنصرية والتميّز العنصري، وطالب المؤتمر الذي حضرته أكثر من 3 آلاف منظّمة مدنيّة الدول والحكومات التي تسبّبت في ممارساتها العنصرية الاعتذار إلى الشعوب بسبب ممارساتها التي ألحقت الأضرار النفسيّة والماديّة بها.

ولكي تتحقّق مثل تلك الآمال على الصعيد الدولي فلا بدّ من وحدة وطنيّة فلسطينية لجميع القوى والفصائل في إطار م.ت.ف وإعادة تركيبها وتشغيل هياكلها بحيث تكون مرجعيّة موحّدة وفاعلةً للشعب العربي الفلسطيني، وتعزيز المقاومة بجميع أشكالها المشروعة، بما فيها المدنيّة والسلميّة، لإسقاط قانون الدولة اليهودية النقيّة وكل مفردات صفقة القرن من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلى الاعتراف الأمريكي "بإسرائيليّة" الجولان بزعم حكم "الأمر الواقع"، وصولاً إلى السُّكوت عن محاولات ضمّ غور الأردن وشمال البحر الميّت، والعمل على المستوى العربي ولو بحدِّه الأدنى لتوفير شبكة أمان ماليّ لدولة فلسطين بتوفير ظروف معاشيّة وحياتيّة كريمة للشعب العربي الفلسطيني تمكّنه من الاستمرار في صموده ونضاله ضدّ المشروع الصهيوني.

ويقتضي ذلك رفع درجة الدبلوماسيّة الفلسطينيّة والعربيّة في المحافل الدوليّة للتضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، إضافةً إلى الاستفادة من الجاليات العربيّة والمُسلمة وكل أصدقاء فلسطين والمناصرين لقضيّتها، لخلَق لوبي في الغرب داعم للقضيّة الفلسطينية، فمعركة فلسطين هي معركة الحرّية في كل مكان وقضيّة الحرّية لا تتجزّأ ولا يمكن تقسيمها.        

 

عبد الحسين شعبان

الأمين العام السابق لـ"اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية"

...............................

كلمة د.عبد الحسين شعبان (في المهرجان الجماهيري في السويد) الذي أقامته جمعية الشتات الفلسطيني (تجمّع عائدون) 29/11/2020

 

صالح الفهديما سُميِّت السياسةُ بهذا الإسم إلاَّ لأنها حملت معاني التدبيرِ والتصرُّف في إدارةِ شؤون الدولِ والشُّعوب، وهي تحملُ أيضاً معاني التعقُّل، والحكمةِ والتبصُّر في هذه الغايات العظيمة، فالطيشُ والتَّهور والبطش والظلم ليست من معانيها، لأنها تخالف أهدافها، وتعارض غاياتها، ولقد أنبأنا التاريخُ قديماً وحديثاً عن عواقب هذه الأدوات البغيضة التي تسحقُ حرية الإنسان، وتذلُّ كرامته، وتقضي على آمالهِ، وتعيق نموِّه في الحياة؛ عواقبُ أبانت بكل جلاءٍ ما وصل إليه الطغاةُ من نهاياتٍ وخيمةٍ بعد أن دمَّروا مصائر دولهم، وقضوا على الأرواح، وشتتوا مواطنيهم في شتى ربوع الأرض أذلاَّءَ، يتكفَّفون الناس بحثاً عن لقمةٍ يأكلونها، وعن ظلَّةٍ يتفيئونها.

السياسةُ فوقَ المقاصد الشَّخصية الضيقةِ لحاكمٍ يُريدُ لنفسه العرش القائمِ على العنجهيةِ، والقسوةِ، وإثارة الخوف، وممارسةِ التعذيب، واحتكار الرأي، حتى يصلُ به الحال إلى ما وصلَ بفرعون أن قال:" أَنَاْ رَبُّكُمُ الاْعلَى" لأن ذاته قد تفخَّمت إلى حدِّ الشعور الضالِّ بالأُلوهيةِ..!.

السياسةُ قرينةُ الحكمة، تصلُ إلى مبتغاها بقيادةٍ حكيمةٍ، ورؤيةٍ سديدةٍ، وتديرُ شؤون رعيتها بالعدلِ فهو أساسُ الحكم، والمساواةِ فهي وليدةُ العدل، والكرامة فهي هِبةُ اللهِ، والحرية فهي فضاءُ الطموح البشري.

وما أحوج الشعوب اليوم إلى سياسةٍ متعقِّلةٍ، كيِّسةٍ تديرُ شؤون بلدانها بحكمةٍ وازنةٍ، وعقلٍ متبصِّر، فتحفظُ إرث أمَّتها، وتحفظُ حضارة تاريخها، وذلك لا يتم إلاَّ بأن يكون الحاكم صاحبُ نظرةٍ بعيدةٍ المدى، يُدركُ أن كل قرار يتخذه، وكل مسلك يسلكه إنما يصنعُ به مستقبلاً مزهراً لأمته، ولأجلِ هذه الغاية فإنه لا يُعنى بالكرسيِّ أكثر من عنايته بشأنِ الأمَّةِ، وقضيَّةِ بقائها، ورسوخِ مبادئها، فالأُمم العظيمة التي أخذت حيِّزاً في سجلَّات التاريخ إنما كان ذلك بفضل سياساتٍ حكيمةٍ، ورؤيةٍ سليمةٍ، وفكرةٍ قويمةٍ، حتى جاءَ من يهدِّمُ مبادئها، ويصرمُ حبالها من حُكَّامٍ اتخذوا من اللهو مركباً، ومن المتعةِ شُغلاً، ومن التعسُّفِ سياسةً، فكتبوا نهاياتِ تلك الأُمم التي أرسى بنيانها رجالٌ عظامٌ في بداياتها، ورسَّخ أركانها ساسةٌ فخامٌ في أوسطها، ثم دمَّرها أشباهُ حكَّامٍ في نهاياتها..!.

ولا يستقيمُ السياسيُّ إلاَّ بأن يكون قد خبرَ السياسةِ ومنطلقاتها ودواعيها، فهي غير خاضعة للأمزجةٍ والعواطف، وإنما للمصالح، كما يؤكد ذلك السياسي المحنَّك ونستون تشرشل في قوله:"في السياسة ليس هناك عدوٌ دائمٌ أو صديقٌ دائمٌ هناك مصالحٌ دائمة"، فإن تذمَّر السياسي الحكيم من أمرِ دولةٍ أُخرى أخضعَ الأمرَ للعقلِ، وطلبَ فيه المشورة الخالصة، ولم يقطع في العلاقة، وكذا نسمعُ في الدول التي تخفِّضُ عدد أفراد بعثاتها في دولٍ أخرى نتيجةً لأزمةٍ حدثت، فتلك لوحدها إشارةٌ على ممارسة السيادة دون قطيعةٍ تامَّة، وهي علامة على "رشدٍ سياسي" لا يخضع للمزاجِ فيعرِّضُ المصالح المشتركة إلى ضرر، ويؤدي بالإقتصاد إلى هلاك.

والسياسيُّ لن يعي مفهوم السياسة إلا بفهمه الدقيق للتاريخ، لأن التاريخ ليس مجرَّد صفحةٍ لا علاقة بصفحة دون أُخرى بل هو سِلسلةٍ من الأحداث والمواقف متصلةٍ ببعضها البعض، فإن فهم تلك الحلقات التي تربطُ الأحداث سهل عليه أن يُدرك معاني ما يحدثُ في حاضره، فيتصرفُ وفقاً لمقتضيات الأسباب التاريخية.

والسياسي الرشيد هو القادرُ على خلق العلاقات المتوازنة بين أطرافٍ متعارضةٍ فتصبح المسافات التي تجمعهُ مع الفرقاءِ متقاربة، كل طرفٍ يحسبهُ إلى جانبه، حتى يجمع المتعارضون أنه حاكمٌ للجميعِ لا يتحيَّزُ لطرفٍ دون آخر، وإنَّما يعامل الجميع وفقاً لمبدأ المساواة.

السياسي الحليم هو الذي لا تستفزُّه الآراء المعارضة، وإنما يستفيدُ منها، فيقتربُ من أصحابها بغية الاستفادةِ من آرائهم المخالفةِ تحقيقاً لمصلحةٍ وطنيةٍ، ولا ينظرُ إليها من منطلق أنها تشكِّل تهديداً لحكمهِ، أو عصياناً على سياسته، بل ينظرُ إليها على أنها مهمة للبناءِ والتقدم، فالآراء المتفرِّدة التي تقصي الآراء المعارضة لن تبنى وحدها وطناً، بل تعدُّد الآراء هو الأصح لأنها تعبِّرُ عن وضعٍ صحيٍّ يخضعُ في نهايته إلى ترشيح الرأي المجمعِ عليه خاصة في المجالس التشريعية.

ما أحوج الدول اليوم إلى حكَّام واعون بالتهديدات التي تحيط بهم، وتمورُ بالفضاءات الداخلية والخارجية لدولهم، حكَّام فطنون لا تضللِّهم ابتسامات الآخرين، ومزحاتهم، فالسياسة ليست ميدان الابتسامة الصادقة، والمزحة البريئة، وإنما ينشغلون بما وراء كل حركةٍ وكلمة. ولقد رأينا كيف أن المحللين النفسيين يحلِّلون طُرق مصافحة الرؤساء حتى يقلبُ أحدهم كف الآخر ليجعل كفَّه هو الأعلى ومدلول ذلك في السياسة على أنه إشارة إلى الغلبة، أو أن يربت رئيس على ظهر آخر وكأنه يستصغرهُ، أو المعاني الكامنة وراء التحف والصور التي توضع في خلفية لقاء الرؤساء، هذه كلَّها إشارات سياسية عميقة محسوبةٌ بدقَّةٍ، ونابعةٌ من الوعي السياسي لإيصالِ رسالةٍ ما إلى الطرف الآخر. 

اليوم لا تتحمَّلُ الدول تعسُّفاً وأمزجةً وتهوُّراً في السياسات فالنتائج باهضة الثمن، تنعكسُ على مصائر الشعوب، ثم تهدِّد وجود الدولة وسيادتها، بل الدول بحاجة ماسَّة إلى تقويةِ جبهاتها الداخليةِ، والتصرف بحكمةٍ خارجها، وتطويع مواردها لتقوية اقتصاداتها، والتركيز على أُسس التنمية فيها، فإن قويت الدولةُ في اقتصادها، وحصلت على كفايتها من ناتجها القومي، وأصبحت ذات اكتفاءٍ من مؤونتها المعيشية، وقويت صناديقها السيادية مالياً، وفعَّلت الحوكمة في إدارة مؤسساتها، وراجعت تشريعاتها، وهذَّبت قوانينها، وساست رعيتها وفق مباديء العدل والإنصاف، فقد تكاملت فيها عناصر القوة الداخلية والخارجية، حينها ستقوى شوكتها، ويعلو شأنها، وتمضي مسيرتها في ثقةٍ وثبات.

 

د. صالح الفهدي

 

 

تعرض شباب الانتفاضة في الناصرية يوم الجمعة خلال استعداداتهم للتحضبر لتخليد ذكرى شهداء مجزرة الزيتون  الى هجوم واعتداء شرس من قبل متهمين من العصابات المسلحة من انصار التيار الصدري وتمخضت  لحد الان عن استشهاد سبعة شباب وجرح مائة منتفض وفي وقت فشل رجال الامن من الحفاض على ارواح النتفضين وتواصل فشل حكومة الكاظمي العاجزة عن تنفيذ وعوده المتواصلة في كشف قتلة المنتفضين ومنهم قتلة شهيد البصرة غمر فاضل وقبله رهام يعقوب وهشام الهاشمي اضافة الى ثمنمائة شهيد استشهدوا منذ انتفاضة تشرين 2019 اضافة لالاف الجرحى ومئات المغيبين .

لقد قتل الصدريون الشهيد مهند  في النجف واعتبرها قائدهم دون اي وازع من ضمير " جرة اذن !" وتجاهلت اجهزة القضاء وحكومة عادل عبد المهدي المجرمة محاكمة من قام بسفك دماء شباب الانتفاضة واغتيالهم بشتى الاساليب الاجرامية الدنيأة في ساحات الانتفاضة المشتعلة فب كافة المحافظات الجنوبية ولم تتوقف جرائم القتل تحت انظار الاجهزة الامنية خلال حكم رئيس الوزراء الجديد الذي لم يكن ليحلم بهذا المنصب وهو فوق قدراته وامكانياته الضعيفة وارادته الخاضعة لنفس احزاب سلطة الاسلام السياسي المتهرأة التي اذاقت شعبنا العراقي الامرين منذ تسلمهم السلطة بعد الحرب الانكلو امريكية الغاشمة، ويبدو ان ما كان يسمى " الطرف الثالث " سابفا قد كشر عن انيايه وان السرايا التي ادعت سابقا وكذبا حماية شباب الانتفاضة قد ارتدوا الملابس والاقنعة السوداء ليقوموا بالقتل العلني امام اجهزة السلطة الامنية التي وقفت متفرجة على مذبحة الناصرية وليقوم "شعبوثهم" لاحقا بتغريداته بمحاولة التغطية على الجريمة ؟!

يبدو ان الصدر قد قرر تنصيب نفسه حاكما واليا على العراق يامر وينهى حسب هواه حيث يرخص بتغريدته لشباب الانتفاضة بالخروج سويعات للاحتجاج قائلا لافض فوه - اليوم إذ يعودون للتظاهر لسويعات فهذا من حقهم لكن من دون التعدي على الشعب والدولة والشرع والقانون، وإلا فالدولة ملزمة بحماية المحافظة”، ثم يقول مهددا: وان لم تستطع فإن للعراق جنوده – 

ان ابناء ذي قار الابطال احفاد سومر واور لا ولن يخضعوا مهما غلت التضحيات لاوامر ورغبات الجهلة والمليشيات القذرة المنفلتة التي تاتمر باوامر الدول الاقلميمية وتطلق على شباب النصرية ارذل الاوصاف وتحاول بالتهديد والوعيد والبلطجة ترويع الشباب وملاحقتهم واختطافهم واغتيالهم ومهما حاول اعداء الانتفاضة باساليبهم القذرة في الالتفاف على الانتفاضة ومحاولة اجهاضها من خلال رفع الخيم من ساحة التحرير ومحاولة بث روح اليأس بين الشباب واهمين ان بامكانهم القضاء على امل العراق ولكنهم واهمين واثبت الشباب عبر تصمبمهم على مواصلة مسيرتهم السلمية في شتى المحافظات مصممين على مطالب الانتفاضة بجراء انتخابات نزيهة مبكرة باشراف دولي وعبر مفوضية مستقلة بسبب التزوير المتواصل طيلة عمليات الانتخابات الماضية اضافة الى حصر السلاح بيد الاجهزة الامنية وتحديد مصادر الاموال المنهوبة التي سيصرف منها الفاسدون في شراء اصوات الناخبين وتزوير الانتخابات – ولم تتحقق كل هذه المطالب –

ان الشعب العراقي هو بانتظار يوم انتصار انتفاضة شباب العراق بكنس النظام الطائفي الى مزيلة التاريخ حيث ينتهي دور الفاسدين المزورين المنافقين الذين لم يقدموا للعراق طيلة حكمهم الغاشم سوى الويلات والخيبات التي اضيفت الى ويلات الشعب العراقي من الحكم الدكتاتوري البعثي الصدامي وماسي حروبه والحصار الانكلوامريكي الكارثي ويبفى الامل بتحقيق التغيير المنشود والخلاص من هذه الشراذم على يد الشباب المضحين بدمائهم وسيكون الفشل حليف المغرضين من الاطراف المحلية والدولية  مهما حاولت وبشتى الطرق من القضاء على جذوة الانتفاضة ونورها ولن تخبو طالما هناك شعب عراقي يساندها وتعبر عن طموحاته واماله في العيش بكرامة في وطن ديمقراطي حر ولم تنبثق عفويا كما يتصور البعض بل ان انتفاضة تشرين كنت حصيلة تغيير وتركم نوعي لعشرات الاحتجاجات المدنية والطلابية والاضرابات والاعتصامات التي تواصلت منذ عام 2008 من شتى فئات الشعب وذلك بسبب المعاناة المتواصلة وامتهان كرامة الانسان العراقي وافتقاده لابسط الخدمات التعلمية والصحية والماء والكهرباء .

ان رائحة فساد الطبقة الحاكمة العفنة تزكم الانوف وهي ليس لها هدف رعم افلاس الدولة سوى مواصلة سرقتها ونهبها لما تيقى من املاك الدولة وحتى تجرأت بالتعدي على املاك الاوقاف وتواصل استنزاف الاموال عبر مزاد العملة سيء الصيت وعبر رواتي عشرات الالاف من الموظفين الفضائيين بل وحتى الاف الرواتب التقاعدية المزورة وتيدو ان الحكومة الحالية ان اتخذت بعض الاجراءات في محاربة الفساد فهي لذر الرماد في العيون وتشمل صغار الفاسدين دون التحرش بحيتان الفساد الكبيرة التي نهبت المليارات ومئات الملايين من الرشاوى التي ثبتها القضاء البريطاني بحق حسين الشهرستاني واثنين من وزراء النفط السابقين واخرين والسئوال هو اين اجرائات الحكومة العراقية لمتابعة هذا الملف ومحاكمة هؤلاء في المحاكم العراقية واسترجاع ما سرقوه ؟

لقد اصبحت الانتفاضة رفما صعبا في المعادلة السياسية العراقية وتمكنت انتفاضة تشرين من اليدء بمرحلة جديدة خفف من الخوف والتردد لدى الملايين من الشياب الذي نجح في تنظيم نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويضوغ مطاليبه بوعي ونضوج نجح في استقطاب مئات الالاف في كافة محافظات الوسط والجنوب مع مساندة واسعة من كل المحافظات ولذلك لايمكن ان نعود الاوضاع الى ما قبل انتفاضة تشرين مهما حاولت القوى الحاكمة ومعهم الحكومة الحالية  والتيار الصدري ارجاع عقرب الساعة الى الوراء .

ان من المهم جدا لو قرر شباب الانتفاضة المشاركة في الانتخابات ان يوحدوا صفوفهم وتكون لهم قيادة واضحة تتفق عليها الاغلبية وقد يكون هناك اختلافات في الاراء والمواقف الا ان وحدة صفوفهم امام الطرف الطائفي المشبوه الفاسد امر ملح وضروري مع اهمية استمرار المطالبة بتوفير الظروف الازمة لانتخابات نزيهة بعيد عن التزوير المتكرر وبعيدة عن سلاح المليشيات .

اخيرا يتعرض العراق اليوم لمرحلة حرجة وخطيرة حيث يواجه بمخاطر التقسيم والتفتت كما وهناك احمالات حرب قادمة قد تقدم عليها اسرائيل وامريكا ضد ايران ولن يكون العراق بعيدا عنها اضافة لجائحة كورونا التي تحصد الاف الاشخاص مع ضعف الخدمات الصحية وهناك ازمة انخفاض اسعار النفط التي لاتقدم الحكومة الضعيفة المهزوزة للكاظمي رؤية واضحة لمعالجتها سوى عبر القروض التي ترهن مستقبل الاجيال الفادمة ولكل هذا فان الامل بخلاص العراق لن يكون الى على ايدي شباب انتفاضة تشرين ولهم النصر المؤزر لامحالة .

 

محمد الموسوي

 

 

علاء اللاميدماء العراقيين حوبتها*عظيمة، ما خاض طاغيةٌ فيها إلا كانت خاتمته أعظم في السوء والإذلال: كيف انتهى المصلح الدموي الحجاج بن يوسف الثقفي مع قائمة بإصلاحاته! يبدو أن الحكام الطغاة الدمويين والقادة المستبدين لا يأخذون العبرة من دروس التاريخ قديما وحديثا! أما حديثا فقصة النهاية البائسة والمذِلَّة لطاغية العراق قبل الاحتلال الأميركي وهو الذي حول العراق إلى شبكة من المقابر الجماعية حاضرة في الأذهان والذاكرة، وأما قديما فهذا الحجاج بن يوسف الثقفي الذي خاض طويلا وعميقا في دمائهم وقتلهم وشردهم حتى قيل إنه كان يبتني الحيطان عليهم وهم أحياء حتى يموتوا تحتها، ولأن العراقيين، أو لنقل غالبيتهم، الذين طبعوا على التمرد ورفض الظلم والعقلية النقدية فقد شتمهم الحجاج و وصمهم بالشقاق والنفاق ولو كانوا أطاعوه وخضعوا له لما قال عنهم ما قال، وبدأ حكمه بقولته الشهيرة (إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها...)، وظل يقطف ويقطف رؤوسهم خلال ثوراتهم وتمرداتهم المستمرة حتى انتهى نهاية عجيبة لا مثيل لها، فقد انتقمت منه تلك الدماء التي سفكها والأرواح التي أزهقها انتقاما عجيبا، لنقرأ ما ورد في كتب التراث عن نهاية الحجاج:

- مرض الحجاج وهو في ذروة قوته وبطشه وفي خمسينياته مرضا غريبا وشديدا (وقد ذكر المؤرخون اسم هذا المرض بالآكلة، والذي أصاب بطنه، وعندما دُعي الطبيب لينظر إليه أخذ لحماً وعلقه في خيط، ثم وضعه في حلقه لمدة ساعةٍ، وعندما أخرجه وجده وقد علق به الكثير من الدود. كما سلط الله على الحجّاج البرد الشديد المعروف باسم الزمهرير، حتى أن النار كانت تمس جلده من الكوانين (المواقد) المشتعلة حوله فلم يكن يشعر بالحرارة أبداً. وعندما شكى الحجاج ما يحدث له إلى الحسن البصري كان رده عليه أنه قد نهاه عن التعرض للصالحين إلاّ أنه أعرض وأبى. أما رد الحجاج على الحسن البصري فكان أنه لا يريد منه دعاء الله بالتفريج عنه، وإنما أن يدعو الله أن يعجّل في موته ولا يطيل عذابه/ الحجاج بن يوسف الثقفي مواقف من حياته/ تأليف أمير بن محمد المدري، صفحة 97). وكان الفقيه التقي سعيد بن جبير الأسدي الكوفي من جملة من قتلهم الحجاج ذبحا فقال سعيد له: خذها مني يا حجاج حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد ربه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما حتى بدأ يمرض بمرضه ذاك، وكان يرى سعيد بن جبير في منامه وكوابيسه فيستيقظ فزعا وهو يقول: مالي ولسعيد بن جبير! حتى هلك وقُبِرَ في مدينة واسط ولكن الماء فاض على القبر فاندرس وتلاشى ولم يبق له أثر.

-  استدراك: يخطئ من يعتقد أن الحجاج كان حاكما دمويا ومستبدا فقط بل كان - إضافة الى ذلك -  واحداً من كبار المصلحين المستبدين ويعتبره بعض المؤرخين الباني الثاني للدولة الأموية والذي لولاه لما استمرت قائمة قرابة القرن. وهذه قائمة مختصرة بإصلاحات الحجاج الدموي كما تذكرها أمهات الكتب التراثية:

1- تعريب الدواوين.

2- إصلاح العُمْلَة.

3- إصلاح الأراضي الزراعية، ووفر الحيوانات التي تقوم بالحراثة.

4- بناء الجسور على الأنهار في العراق.

5- أقام الصّهاريج لتخزين مياه الأمطار بالقرب من البصرة بهدف توفير المياه للقوافل المارّة، وحفر الآبار في المناطق المقطوعة لتوفير مياه الشرب.

6- شرع في بناء مدينة واسط بين البصرة والكوفة

7- أمر بقتل الكلاب الضّالة.

إضافة الى أوامر ذات مضمون ديني منها أنه أمر نصر بن عاصم بوضع علامات الإعراب على كلمات المصحف القرآني ووضع علاماتٍ تدل على نصف القرآن، وثلثه، وربعه. وامر بعدم النّواح على الموتى في البيوت ومنع بيع الخمور.

 

علاء اللامي

.......................

*كلمة "حوبة" السائدة في اللهجة العراقية المعاصرة فصيحة، ولها معان عديدة منها الإثم العظيم، كما ورد في تفسير الفرّاء للآية القرآنية "إِنه كان حُوباً" فقال: الحُوبُ الإِثم العظيم.

 

الطيب النقرلا ينبغي أن نهدر ما توصلنا إليه في معاركنا المتواصلة من أجل الحفاظ على هذا الوطن الذي تتهدده شرور جمة، بل يجب أن تضع الخطط، وتحدد البرامج، وتتوثق التحالفات، وتضبط الأولويات، من قبل النخب التي تمتلك القدرة على التفكير في قضايا هذا الشعب الذي تصرعه الشدائد، وتضعضعه النوائب، وفي أمر دولته التي تحيط بها المخاطر من كل حدب وصوب، فالسودان قد فقد ثلث مساحته بسبب خطل الساسة وما زال مهيأً لأن يفقد المزيد لغياب العقد الناظم للدولة، ولعدم وجود الدراسات الوافية التي تعمقت في دراسة هذا المجتمع لمعرفة أسباب خضوعه للقبلية أكثر من التزامه بفكرة الوطن الواحد،، فالدراسات في هذا الصدد ما زالت محدودة ودون المستوى المرجو، ورغم أن في ثقافتنا موروث استطاع أن يبني إطار جامع التف حوله السود باختلاف شرائحهم ومكوناتهم قبل أكثر من قرن من الزمان، إلا أن هذا الموروث نفسه سيطرت عليه موجات متتالية من العصبية والتفضيل الأمر الذي أفقده المقاومة والصمود عند أول حملة مدججة جاءت من خارج الحدود، فالثورة المهدية أدت إلى مقاربة حقيقية فعلا بين أغلب قبائل السودان، وصاغت قيماً أخلاقية وإنسانية لم يكن يعرفها الناس في ذلك العهد، كما أنها حققت نوعاً من التوازن بين البني الاجتماعية التي لم يتغلغل قط بين نسيجها شيئاً من التضامن، ولكن ما أن مات القائد محمد أحمد المهدي رحمه الله حتى أوجد خليفته عبد الله التعايشي تياراً رافضاً لسياساته التي انتهجها من قبل أولاد النيل أو أولاد البحر وهم أبناء القبائل التي تقطن على طول ممر النيل في الشمال، فقد كانت فظاظة الخليفة عبد الله التعايشي أمراً لا يمكن التغاضي عنه، وهو بهذا السلوك المجحف لم يحقق المصالح الكبرى التي كان يشرئب لتحقيقها الإمام المهدي رحمه الله، فقد كان المهدي يتعامل مع كل الطوائف التي بايعته على مجالدة المستعمر وطرده على مبدأ المساواة ومن دون تمييز، ومن نافلة القول أن نشير أن الإمام المهدي قد تزوج من معظم القبائل السودانية ولم يستنكف أن يتزوج من بعض القبائل التي يعتبرها بعض السودانيين أنها لا تحظى بالنباهة والشرف، واستمرت هذه العادة الطيبة في أحفاده وينبغي أن نشير هنا أن الراحل الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق والذي توفي قبل عدة أيام رحمه الله تعود أصوله إلى عدة قبائل بعضها عربي والآخر أفريقي محض.

 ولا شك عندنا في أن تعامل الخليفة التعايشي رحمه الله مع أولاد البحر هو الذي خلق هذه الفجوة التي ما زالت باقية حتى بعد أن انتزع السودان حريته، ونزحت القبائل من مضاربها بعد أن طاف بالبلاد شيئاً من رقي، وتجاوبت مع حركة العمل وتغيرت الأوضاع فكراً وثقافة وسياسة ونظاما، إلا أن هناك شيئاً لم يتغير، نظام اجتماعي قمئ كأن الأيام تفرض أحكامه على الجميع كلما أسفر صبح وأدلهم ليل، فالمتفق عليه إجماعاً أنه ليس من اليسير معالجة هذا النظام الاجتماعي البغيض الذي استطاعت فئة قليلة على تجاوزه والتمرد عليه، فالمقصد الأساسي الذي اعتبره الإسلام أساساً للوشائج الإنسانية يقف هذا النظام الاجتماعي دون تحقيقه، فالرحمة والتوادد لا يتحققان إلاّ بالتزاوج والاندماج وهو الأمر الذي لم يحدث بين الغرب والشمال، وبين الشمال والجنوب، وبين الغرب والجنوب، وبين الغرب والشرق وبين الشرق والجنوب، إلاّ بنسب ضئيلة، فالرجل الشمالي لا ينكل بمن تقدم لخطبة ابنته، كما كان يفعل الجاهليين في سالف العصور، ولكنه يرفضه في صمت، رغم يقين هذا الرجل أن من تقدم لخطبة كريمته أو الزواج منها أنه يضاهيه في الشرف وأن هذا الخاطب حافظاً لعرضه وسمعته من الافتراء، وأنه لم يجلد في حد، أو يعاقب في قذف، أو يتهم في دنيئة، والرد المتعارف عليه أنه لن يعطي  ابنته لأحد من الغرابة حتى يهينها، ومن ينحدر من الغرب لا يزوج ابنته "لجلابي" -وهو مصطلح يدمغ به أهل الشمال- حتى يطلقها ثاني يوم بعد أن يقضي وطره منها، وفي الحق أن مشاكل السودان حينما نعزيها للسياسة فإن السياسة كلمة يراد بها الحرج والتخفيف، إن مشكلتنا اجتماعية أيها السادة، مع التسليم بأن السياسة قد زادت الأمور ضغثاً على إبالة، فمعظم من توافدوا على كرسي الحكم كانوا من الشمال، ونحن نتحدث هنا عن نمط أقره أهل الشمال بالتحريف والتهميش، فسيطرة النخب الشمالية على صولجان الحكم لا يحتاج منا إلى نفي أو تأكيد، وينبغي أن نقر أنه وليد تعميم وانتقائية وكأن المناصب الرفيعة أمست حكراً عليهم وحدهم دون سواهم، كل هذه الممارسات تبرهن أن السودان لم يكن كتلة واحدة مترابطة، ولقد شاهدنا في عهد المخلوع البشير وفي ظل حكم الحركة الإسلامية ما أن يطغى على المنصب صفان أحدهما يمثل الشمال وصف يمثل الغرب حتى يختار الرئيس الشمالي نائبه أيضاً من الشمال كما حدث عند تفضيل البشير لعلي عثمان محمد طه على اختيار الدكتور علي الحاج الذي ينحدر من جنوب دارفور. 

لابد من الانتباه لهذه المشكلة ولهذا الخلاف الذي يدور بين الشمال وبين الغرب، لابد من محاصرة هذه المشكلة والقضاء عليها وألا نتركها تستمر لعقود قادمة، على كل القبائل التي تنتسب للعروبة وتعطي نفسها الشرعية لرفض الناس وتصنيفهم أن تترك عنها هذا الادعاء، وأن تنخرط في تصاهر مع كل من ترتضي دينه، فهي إن فعلت ذلك أعطت معان أكثر اتساعاً لبعض المضامين التي نجترها دون صدق، لقد حملت هذه القبائل التي تنتسب للعروبة كل خصائص الواقع العربي بكل آسف رغم السواد واللون الكالح الذي علا بشرتها، فهي شبيهة له في تناقضاته وتعاليه وعجرفته ورفضه للآخر، ولن نتحرر من كل هذه العلل إلا بالالتفاف حول "سودتنا" والعض عليها بالنواجذ فنحن سودانيين وكفى،  لن تجدي التغييرات السياسية والدستورية نفعاً طالما لم نجد في استئصال هذا الداء الكامن في الدواخل، ولن نملك رؤية متكاملة للإصلاح إذا لم نقيم هذا التوازن الذي أفسده الخليفة التعايشي من قبل، العقد الاجتماعي الذي يخول لكل فرد أن يتزوج من أحبها وأحبته دون الأخذ باعتبارات الضعة والشرف، العقد الاجتماعي الذي ينهي سيد ومسود، وتابع ومتبوع، وأن يكون التفاضل بالقيم العليا التي يحملها من دين وخلق وعلم، وليس بالجرثومة التي ينحدر منها المرء أو المنبت الذي يعود إليه. 

السودان في حاجة ملحة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فالمساواة الاجتماعية هي الطابع المبتور الذي يعكر صفو الحياة في هذا البلد المترامي الأطراف، وهو سبب كل هذه الحروب التي لم تكن تأصرها آصرة، وعندما استحوذت الأحزاب الدينية على السلطة لم تعطي هذه المعضلة أهمية متزايدة بل عملت على تأجيج الصراعات التي تأخذ هذا البعد القبلي من أجل التغطية على سوء إدارتها وفسادها ونضوبها الفكري،  وقد تصاعدت هذه الحروب التي ألحقت الأذى والضرر بمهيضي الجناح من العجزة والنساء والأطفال وما تزال تتصاعد حتى بعد ذهاب نظام الحركة الإسلامية وربما تخضع هذه النزاعات والهيجاء لاعتبارات قانونية و أيديولوجية متشابكة ولكن السبب الأهم لاندلاعها هو التمايز الطبقي الذي يحتاج لتخطيط هادئ ورصين لكبح جماحه.

 

الطيب النقر

 

الطيب النقرنستطيع أن نذهب أن حكومة السيد حمدوك التي سعت وما زالت تسعى لأن تزيح عقائد الناس الدينية جانباً، ليمضي معها في غثاء لا يعادله غثاء، ونزق لا يضاهيه نزق، قد عجزت عن مجابهة التحديات الحقيقية التي يعيشها السودان، وجعلت جل غايتها هو معالجة الوهن الحضاري الذي يرزح تحت نيره شعبها حسب وجهة نظرها والذي تشعر أن سببه هو التكوين الأساسي لهذا الشعب المتمثل في تشبعه بمعين الدين الناضب الذي يدفعه لأن يرفض كل ما يتعلق بالقيم الغربية ذات الرؤى الإصلاحية التي ترفض التواكل والتزلف للطرق الصوفية.

في اعتقاد هذه الحكومة المهترئة أن فلسفة الدين التي يحملها شعبها بين عقله وحناياه لن تتمكن من التغلب والانتصار في مستقبلها كما لم تنتصر في ماضيها السحيق، وأنها حتى تنجح في النهوض من هذه الكبوة التي تتردى فيها، عليها أن تستند على دعائم التيار السائد الآن وهو التيار العلماني الذي لا يمانع من أن يتلبس المجتمع بلبوس الإسلام ولكنه يحصره فقط في دور العبادة ولا يجعل له حظاً في الحكم، كما أن هذا التيار الذي يأتم حمدوك بهداه هو ومدير المناهج بوزارة التربية والتعليم القراي ووزير العدل الذي يكرس للخنا والفجور، يشمئز أيضاً أن يلعب الدين أي دور في التحديات الفكرية والثقافية، فالدين يبغض السينما والفنون، ويكره تبرج المرأة، وفي هذا كما يروج أتباعه غلو وتطرف وقمع لحرية النساء، إذن تبني جبهة السلوك العلماني هو الأجدر بشعب السودان أن يتحراه ويستظل بأفيائه، ويذود عنه بيد، ويدافع عنه بسهم، ويدع عنه دروشة التصوف، وسفسطة الإسلام الوسطي، في تصور هذه العصبة التي تحكم السودان الآن أن النظام العلماني هو السبيل لتحقيق الإنجازات وتنفيذ كل الطموحات التي يتطلع لها الشعب، وأن العقبة الكؤود مرتبطة بالدين الذي لابد من هجره أو تحرير مفهومه حتى لا تضيع المكاسب، ولا تفلت المغانم التي وعدتهم بها الأنظمة الغربية التي نفهم تماماً موقفها من الحقوق والحريات، وموقفها من سيادة الشريعة على المجتمعات الشرقية.

 يثور جدل عميق أيها السادة منذ عدة عقود حول كيفية قمع الإسلام السياسي عند هذه الدول المتقدمة والتي شكلت لها الحركات الإسلامية صداعاً لا تدري ما هو العلاج الناجع لاستئصاله، فهي التي تتربص بأسباب تمددها وتقطع الطريق دائماً على أهدافها ومخططاتها ومطامعها في المنطقة العربية، وهي التي تتزعم تيار المقاومة في فلسطين الصامدة، وهي التي تناهض التطبيع وتشحذ العواطف حتى تردد كل دعاويه إلى فناء، الحركات الإسلامية هي من تتصدى لهذا الاستقطاب البغيض الذي يسعى إليه هذا الكيان السالب لكرامة الأمة وكبريائها، والذي بات يدرك أن التطبيع مع الأنظمة العربية أمراً لا جدوى منه طالما أن الشعوب ترفض هذا التطبيع وتغالي في مناهضته، لقد شهدنا أن المجتمع السوداني كانت له تحفظات جوهرية حيال هذا التطبيع الذي تسعى حكومته بقيادة الفريق أول البرهان المتهافت للرئاسة لإكماله وقد عبرت هذه التحفظات عن نفسها من خلال التظاهرات الرافضة له والأمسيات السياسية الحاشدة التي تندد باتخاذ هذه الخطوة التي لا تحظى بتأييد من غالبية الشعب خلا أصحاب الأطروحات المتماهية مع المد الأمريكي وأصحاب آليات السوق الذين لا هاجس لهم غير الربح والغني.

على الحركة الإسلامية في السودان والتي بات النظام الأمريكي لا يكسبها قدراً من الشك والشبهات لتعاونها معه، قبل أن تقتلع جذورها ثورة أبريل، ولتفكيرها في عقد المهادنة مع الكيان الإسرائيلي متمثلة في جناح المؤتمر الوطني، أن ترفد إرثها بالإصلاح والمراجعة والنقد الذاتي، وأن تعترف بأخطائها الجسيمة التي ارتكبتها في حق الإسلام وفي حق شعبها وفي حق نفسها، وأن تواجه هذا الخطر بتأويلاته المتعددة، وأن تقود هذا النضال الشريف مع التحالفات السياسية التي باتت تمتعض من التدخلات الأجنبية السافرة في شأن الوطن وآخرها حديث السفير البريطاني الذي أرمض كل قلب غيور، وأضنى كل عرنين تمضه الغضاضة، وأن ترقب هذه الجيوش الجرارة التي تركض في كل بقعة من بقاع الخرطوم بعين فاحصة وضمير يقظ، عليها أن تقوي من جبهة النضال التي تقاتل عدو  يخضع لمؤثر خارجي متمثل في حكومة الحرية والتغيير التي تعتبر عنصر أصيل من عناصر الهدم وأن تنقل محاربة هذه الحكومة المارقة من باب الندب والكراهة إلى باب الفرض والوجوب، والفرض كما يعلم الجميع هو ما نثاب على فعله، ونعاقب على تركه، فمن الخزي والعار أن تظل هذه الحكومة التي ترضي الغرب، وتتطلف له، وتقبل منه، وتهدي إليه، على سدة الحكم وهي التي تولي كل اهتمامها بقضية الجندر واتفاقية سيداو ومنع الختان وإباحة الخمر والزنا عوضاً عن إتاحة العيش الكريم لشعبها الصابر على عرك الشدائد، هذه هي تدابيرها التي اتخذتها هذه الحكومة التي تهيم في واد وتهيم حاضنتها أو حواضنها السياسية في واد آخر، إرضاء الغرب وعدم إغضابه والإذعان التام له وإلى بيادقة في الخليج العربي، لقد شغلت حكومة الدكتور حمدوك نفسها بالزي الذي ترتديه المرأة وهي بذلك وقعت في تضاد مع غريمتها الإنقاذ، فقد سعت حكومة الإنقاذ البائدة لتطويل هذا الزي وتوسعته كما تسعى هذه الحكومة الآن لتقصيره وتضييقه وصياغة اللوائح التي يسهر عليها وزير عدلها الهمام والتي تكفل لها هذا الحق وتحميه، وتغافلت عن وطأة الغلاء نتيجة لرفع الدعم الذي اعتمدته كما اعتمدته سيئة الذكر الإنقاذ، في ظل هذه الحكومة شهدنا تشبثها بسياسة اللامبالاة التي انتهجتها حيال صفوف الخبز، ومحنة الوقود، ومأساة الأدوية المنقذة للحياة، وجائحة كورونا، والانزلاق الأمني الكامل والاقتتال القبلي في الجنينة وبورتسودان، و بعض هذه الحروب التي استعرت في شرق السودان سببها تعيين السيد حمدوك لأحد الولاة وإصراره على هذا التعيين وعلى بقاء هذا الوالي.

أما بعد، لم نعيب هذه الحكومة التي جاءت مخيبة للآمال، ونشتط عليها في النقد، إلا بعد أن عرفنا أن أمورها كلها سائرة إلى الفساد، وأن على المجتمع الذي تسعى هذه الحكومة لأن تجرده من أخلاقه أن يثور عليها كما ثار على سابقتها، وعلى الحركة الإسلامية أن تنسى خلافاتها وتصلح من شؤونها الداخلية وتتأهب لنضال نبيل غير معتدل تنصلح به هذه الأمة كما انصلحت في غابر دهرها.

 

الطيب النقر  

 

 

ابراهيم أبراش1- سواء كانت حركتا فتح وحماس تدركان أم لا، فإن تكرار فشل ما يتم التوافق عليه في حوارات المصالحة يفقد كلا الحزبين مصداقيتهما كما يفقد مصطلحي المصالحة والوحدة الوطنية معناهما، والأخطر من ذلك صرف اهتمام الشعب عن مسألة المصالحة وترسخ قناعة بأن الانقسام دائم ويجب التعامل معه كواقع لا فكاك منه.

2- الفشل الأخير لجولة حوارات المصالحة التي تمت في القاهرة الأسبوع الماضي يؤكد ما سبق وأن تحدثنا وكتبنا عنه مراراً طوال سنوات الانقسام بأن الانقسام ليس مجرد خلاف بين حركتي فتح وحماس بل معادلة أكبر منهما وأن إسرائيل هي صانعة الانقسام ومعنية باستمراره، حتى وإن كانت بعض الأطراف الفلسطينية شريكة في مخطط الانقسام.

3- يمكن توجيه كثير من الانتقادات للقيادة الفلسطينية، إلا أنه في ملف المصالحة لا يُعقل اتهام القيادة الفلسطينية بالتقصير وتحميلها مسؤولية فشل المصالحة، فلا الرئيس أبو مازن يقبل على نفسه أن يكون رئيساً لجزء من الشعب وعلى جزء من الأرض، ولا حركة فتح ومنظمة التحرير ترضيان بالانقسام وهما من أسس المشروع الوطني وبدون قطاع غزة يفقد المشروع الوطني قيمته ومعناه.

4- طوال 13 سنة وبالرغم من الظلم الذي وقع على بعض فئات الموظفين والتباسات قطع الرواتب عن البعض، إلا أن السلطة استمرت في تقديم كل أشكال الدعم لسكان غزة من رواتب ومشاريع في الصحة والتعليم والبنية التحتية، بالرغم من سيطرة حركة حماس على القطاع.

5-  إن كانت حركة حماس تملك مشروعها الإسلامي لتحرير فلسطين وتمثيل الشعب الفلسطيني انطلاقاً من قطاع غزة فالأولى والأجدر أن تتكفل بأهالي غزة وتوفر لهم كل متطلبات الحياة الكريمة بدلاً من الاعتماد على أموال (سلطة أوسلو) واستمرار اتهام السلطة والرئيس بأنهم تخلوا عن واجباتهم تجاه قطاع غزة، ولا يجوز أن تذهب أموال حماس والإخوان المسلمين ومن يدعم مشروعهم إلى أبناء حماس فقط، وأموال السلطة لكل الشعب الفلسطيني، أو أن يكون الغُنم لحماس ومؤيديها فقط، أما الغُرم من حصار وجوع وشهداء وتدمير بيوت فلكل الشعب !!.

6- بالعقل والمنطق لا يجوز أن تطلب حركة حماس من سلطة انقلبت عليها أن تواصل دعم وتمويل سلطتها الانقلابية!!!.

7- بالإضافة إلى إسرائيل المستفيدة من الانقسام والصانعة له والمعنية بفشل كل جهود المصالحة وإلى دعم المحور الإخواني القطري التركي، فإن الأموال التي قدمتها وما زالت تقدمها السلطة هي التي سهلت على حماس حكم القطاع وأطالت من عمر سلطتها ؟!!.

8- إن كان هناك وجاهة في القول بأن القيادة أفشلت حوارات المصالحة الأخيرة لأنها تريد العودة للمفاوضات ولا تريد أن تكون المصالحة مع حماس عائقاً أمام المفاوضات، فيمكن بالمقابل القول بأن حركة حماس أفشلت المصالحة لأنها تراهن على بايدن وحزبه الديمقراطي الذي يدعم جماعات الإسلام السياسي المعتدل بما فيه جماعة الإخوان المسلمين، وقد رأينا أنه في عهد أوباما الديمقراطي تعززت حالة الانقسام وسيطرة حركة حماس على القطاع وهذا كان منسجما مع سياسات أوباما بنشر وتعزيز حالة الفوضى تحت عنوان (الربيع العربي) ودعم جماعات الإسلام السياسي المعتدل.

9- مجيء بايدن عزز أوهام عند طرفي المعادلة الفلسطينية، فمن جهة سيرفع الحرج عن الرئيس والسلطة من خلال العودة نظرياً للمعادلة التي تقول بحل الدولتين، حتى وإن كان ذلك في سياق سياسة إدارة الازمة وليس ضمن استراتيجية تسوية نهائية للصراع. كما أن مجيء بايدن أسعد حركة حماس وأحيا عندها المراهنة على صعود جديد للإسلام المعتدل، وعليه ستستمر القضية الفلسطينية في عهد بايدن في حالة تيه وفوضى.

10- وأخير، أين الشعب الفلسطيني وأين فصائل منظمة التحرير مما يجري؟ وإلى متى ستستمر بوصلة الشعب تتجه إلى حيث توجد الموارد المالية والمساعدات، وبوصلة الأحزاب تتذبذب ما بين حركتي حماس وفتح، مكتفية بلعنة طرفي الانقسام دون أن تؤسِس لحالة بديلة؟

 

إبراهيم ابراش

 

جواد العطارالمتابع للمشهد السياسي العراقي يراه مليئا بالحراك قبل كل انتخابات، وان كان هذا النشاط والتفاعل إيجابيا في اغلب مفاصله الا انه ومع الاسف يعيد صورة المشهد الى ما هي عليه دون تغيير بعد كل تجربة ديمقراطية لا على مستوى الوجوه او اسماء الاحزاب وخلفياتها فحسب بل وفي مستوى التفكير والتصرف الذي يحتكم الى الصفقات والاتفاقات على حساب المشروع السياسي والوعود الانتخابية.

فما هو الحل للخروج من هذه الدائرة التي يحكم بها جميع الفائزين تحت قبة البرلمان؟ وما هو الحل في غياب المعارضة البرلمانية التي تراقب السلطة التنفيذية وتعدل وتقوم من أدائها وتحاسبها ان لزم الامر!!!!.

في الوقت الذي بدأت فيه القوى السياسية تعد العدة لمعترك الانتخابات القادمة مبكرا ... فان حظوظها قوية في الظفر بأغلب نتائجها لعدة اسباب منها: اولا؛ انها خبرت السلطة وعرفت طرق المحافظة عليها. وثانيا؛ انها تمتلك القوة والنفوذ التي تؤهلها للتفوق على نظرائها من المرشحين الاخرين وبالذات الجدد منهم. وثالثا؛ لها من الإمكانات ما ليس لغيرها.

وان استبعدنا أية مفاجئات قادمة فان الصورة ستبقى على حالها وبنفس الخلل في وجود كل حاكم ومعارض غائب في تشكيلة البرلمان المقبل، ومع ترسخ مبدأ التوافق فان لا تغيير جذري قد يحدث في مستقبل الدورة الانتخابية المقبلة.

لذا فان ما نحتاجه للخروج بالعملية السياسية من مأزقها المتجذر، هو التالي:

1- بث دماء جديدة في العملية السياسية وهذه مسؤولية تتحملها الاحزاب التقليدية الحاكمة في النهوض بواقعها وتطعيم قوائمها بالشباب وابعاد الوجوه المخضرمة التي استهلكت طوال السنين الماضية، بدلا من الالتفاف على الناخب بتسميات حزبية جديدة.

2- فسح المجال امام الاحزاب الجديدة للمشاركة والمنافسة الجادة، وهذه مهمة تتحملها مفوضية الانتخابات في تسهيل اجراءات تسجيل الافراد والكيانات الجديدة.

3- التزام الحكومة بموعد الانتخابات المبكرة القادم وتوفير سبل نزاهتها وشفافيتها دون اي استغلال من طرف على حساب طرف آخر، مع توفير ضمانات دولية في الرقابة على العملية الانتخابية.

4- إقرار قانون المحكمة الاتحادية من قبل البرلمان استكمالا لمتطلبات العملية الديمقراطية.

5- والاهم من كل ما تقدم، هو تشكيل قوائم انتخابية يجمعها حب الوطن والخروج بحلول واقعية لأزماته المتعددة بعيدا عن الانتماء الاثني والطائفي والقومي... وهذه مسؤولية الجميع دون استثناء.

ان تحققت هذه الخطوات قد نجد برلمانا قادما يختلف عن سابقاته بعد اعلان النتائج مباشرة من حيث التشكيل والنوع خصوصا اذا كانت قواه الفائزة عابرة للطوائف والقوميات، وتنبذ التوافق على حساب المبادئ والمشاريع الانتخابية وتحقق هدف تقاسم السلطة بين حكومة ومعارضة وتنفيذ ومراقبة ويفصل في عقليتها وتفكيرها بين مصلحة الفرد والحزب والطائفة ومصلحة المجموع التي تغلب على غيرها من المصالح الفرعية الاخرى، وان حدث ذلك فانه سيكون انتصارا حقيقيا للوطن والديمقراطية ولتطلعات المواطن... ايما كان الفائز.

 

جواد العطار 

 

 

علجية عيش"يمضي الرجال ويبقى الأثر"، عبارة اعتدنا قراءتها أو سماعها في الخطب عندما تفقد الساحة الوطنية شخصية تاريخية أو سياسية أو مفكر، وهذه العبارة لها دلالة كبيرة في نفوس السامعين لأنها تعبر عن الخسارة التي قد تلحق بمجتمع ما بمجرد وفاة تلك الشخصية ، وتقصد هنا الخسارة المعنوية لا المادية، إذا كان المتوفي صاحب فكر ومواقف، وكان يتمتع بشخصية كاريزماتية، ويملك وعيًا في إدارة شؤون العامة لا يمكن الإستغناء عنه أو تعويضه وكثير من الأنظمة في العالم التي فقدت زعيم من زعمائها، لا تزال تتذكر مناقبهم وما قدموه للبشرية من أعمال خلدت أسماءهم وظلت الأجيال ترددها، ولكل زعيم استراتيجيته في النظر إلى القضايا وسيطرته على الأوضاع دون سقوط أخلاقي.

لا زلنا إلى اليوم نتذكر رجل السلام غاندي، والثائر تشيغيفارا، وزعماء آخرين صنعوا الحدث السياسي والتاريخي في كل بقاع العالم، جون كنيدي، جمال عبد الناصر زعيم الناصرية، أنور السادات، الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، معمر القذافي، محمد الخامس والحسن الثاني، الحبيب بورقيبة، هواري بومدين، أحمد بن بلة، محمد بوضياف، عباسي مدني، عبد القادر حشاني، حتى من النساء (أنديرا غاندي، بنظير بوتو)، وأسماء أخرى لا يسع ذكرها هنا ، معظم هذه الأسماء اغتيلت بمختلف الوسائل بسبب مواقفها، وأخرى أُعْدِمَتْ بسبب مواقفها أيضا، لكن ظل أثرها يذكر من جيل إلى جيل وتداولته الأقلام بالشرح والتحليل تارة وبين النقد والتأويل تارة أخرى.

منذ شهر تقريبا غادر الساحة الوطنية مجاهد يمثل أحد زعماء المعارضة في الجزائر وهو المجاهد لخضر بورقعة، ومنذ يومين فقط غادر المجاهد السعيد بوحجة المحسوب على الحزب الموالي للسلطة (حزب جبهة التحرير الوطني) وكلا الرجلين يختلفان في الرؤية والإستراتيجية، ليس الحديث هنا عن مفهوم الموت طبيعيا كان أو عن طريق الإغتيال أو القتل، وليس الحديث هنا عن مفهوم احترام الكائن الحي البشري عند إعدامه وسلبه حريته، أو البحث عن الإطار الأخلاقي والعقلاني الذي دفع بصانعي القرار التخلص من خصومهم أو تسليط عليهم العقاب، المسألة هنا مناقشة مفهوم أوسع من الصيغ الجاهزة للسلوك والتفكير البشري، فالذين يرحلون عادة ما يتركون أثرا ، لكن هذا الأثر قد يكون إيجابيا أو سلبيا، قد نقبله أو نرفضه، قد نتأثر به فنقتدي به فنجعله نبراسا في حياتنا، وقد نكفر به فنلعنه، هذا طبعا متوقف على شخصية القائد أو الزعيم وما قدمه من أعمال خيِّرَة أو أعمال شرّيرة؟، يظل بعضهم أحياء في القلوب، في حين يصبح بعضهم نسيا منسيا.

ليس بوسع أيّ كان الحُكْمُ على أولئك أو هؤلاء، لأنه لو نظرنا إلى الأمور من زاوية أخرى نجد أنه كثيرا ما يكون لـ: "الدعاية" دور في تبييض وجوه وتسويد وجوه ، باعتبارها أداة ووسيلة سياسية، ولا يمكن كما يقال تصوّر الوسيلة مستقلة عن الغاية، فالتخطيط السياسي هو الأساس والغاية، وإذا أراد النظام التخلص من زعيم أو قائد أو مسؤول يراه خطر عليه فهو يرسم طريقة للتخلص منه عن طريق الإغتيال، بهدف إقامة نظام جديد ، حيث يصور الخصم للرأي العام بأنه مصدر الخطر الذي يهدد أمنه وراحته، وأنه لا يعكس إلى الخراب والدمار ، فيلصق به مثلا تهمة الإرهابي، هي الحرب التي عرفتها البشرية منذ ظهورها، وعاشتها كل الديانات، حتى في الإسلام (مقتل الحسين) تركت أثرها جيلا بعد جيل ولا تزال الأجيال تترقب آثارها إلى اليوم تارة بالقبول والرضى وتارة بالرفض واللعنة.

 

علجية عيش

 

محمود محمد عليمصائب قوم عند قوم فوائد، خطوة واحدة قبل انزلاق أثيوبيا نحو الهاوية، مئات القتلي وآلاف المشردين، هل تستفيد السودان ونيلها من حرب أثيوبيا، أم سد النهضة أكبر الرابحين ! .. ما الذي يحدث؟

عزيزي القارئ هل تتذكر الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» التي ظلت قابضة على السلطة فى أديس أبابا لنحو ثلاثين عاماً، منذ أن نجحت 1991 فى الإطاحة بالحكومة العسكرية التى قادها "منجستو هايلى مريم"، ليتولى زعيم الجبهة "ميليس زناوى" مقعد رئيس الوزراء، ومعه من قيادات الجبهة جميع القادة العسكريين فى البلاد ورؤساء أجهزة الاستخبارات، منذ هذا التاريخ حتى سنوات قليلة مضت. لاحقاً وبشكل سريع قامت الجبهة بحل الجيش الإثيوبى القديم، وحولت قواتها إلى نواة للجيش الإثيوبى الذى تشكل على يديها، وأحاطت الجنرالات الذين كانوا أعضاء فى الجناح المسلح للجبهة وتولوا المناصب القيادية، بآخرين استحوذوا على مفاصل القيادة المدنية للدولة جاءوا من قيادات "التيجراى" لضمان فرض هيمنة كاملة على الحكم. لعل أشهر هذه النماذج "تيدروس أدهانوم" المدير الحالى لمنظمة الصحة العالمية، الذى شغل منصب وزير الصحة لسنوات طويلة من حكم "ميليس زناوى" وقبلاً كان عضواً بقيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى»، الذى اتهمه مؤخراً "آبى أحمد" وقيادات الجيش باتهامات قاسية، بسبب أفعال يتصور أنه قام بها لصالح الجبهة فضلاً عن انتمائه لقومية "التيجراى" وذلك حسب كلام خالد عكاشة.

لكن دعونا نعود للتاريخ لنكشف الأبعاد الحقيقية في هذا الموضوع، ففي عام 1974 شهدت أثيوبيا كغيرها من بلدان الكثيرة في تلك الفترة، انقلابا عسكريا علي آخر أباطرتها، والذي كان يدعي "هيلا سيلاتي"، ووصل للحكم تهمة عسكرية حكمت البلاد بالحديد والنار، ونُصب لاحقا علي أثيوبيا دكتاتورا عسكؤي يدعي " منغستو هيلامريام"، حكمها حتي عام 1991، وفي عهده انتشرت المجاعة وعم الخراب البلاد، فراحت القبائل الأثيوبية تنظم ضده حركات مسلحة علي شكل ميلشيات مسلحة انتشرت بشتي يقاع البلد الإفريقي الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث المساحة في القارة السمراء، ومطلع التسعينات نجحت المعارضة المسلحة بإقصاء دكتاتورها، وقد كانت ميلشيات إقايم يدعي "تيجراي" هي من تقود جميع جبهات المعارضة، نظرا لكون إقليم "تيجراي" هو أكثر الأقاليم تسليحا وتنظيما .

وبعد بدء حقبة جديدة في أثيوبيا نجح التيجرايون بإيصال قادة للبلاد من إقليمهم فحكم بداية شخصية من التيجراي تدعي " تأميؤات لاينه"، واستمر حتي عام 1995، ثم خلفه شخص يدعي " مليس زناوي"، وهو أيضا من إقليم " تيجراي" واستمر في الحكم حتي وفاته عام 2012 .

وهذا يعني أن السلطة في إثيوبيا ظلت حكرا بيد التيجراي قرابة عشرين عاما بالرغم من كون الإقليم ليس أكبر الأقاليم الأثيوبية، فهو واحدا من عشرة أقاليم في البلاد، وسكانه يقدرون بستة ملايين نسمة ؛ أي 6% فقط سكان أثيوبيا الـ 100 مليون، وهو يقع شمال البلاد ويحده من الشرق إرتيريا ومن الغرب السودان، كما يتمتع بحكم ذاتي، وفي عام 2012 بعد وفاة " زناوي" نجح شخص يدعي " هايلي مريام ديسالين" بالوصول للحكم وهو من جنوب إثيوبيا ما أثار حفيظة أقاليم أخري طالبت بالحكم، فاستمرت حالة من القلاقل في البلاد بعد مظاهرات من عرقيات كالأورومو والأمهرة أكبر الأقليات الإثيوبية، ما أدي لوصول رئيس جديد للوزراء في البلاد عام 2018، وهو " أبي أحمد علي " المنتمي لأقلية الأورومو والذي أخذ علي عاتقه إجراء مصالحات في البلاد التي تنتعش فيها الحركات الانفصالية والنزعات الحدودية ونال علي جهوده هذه جائزة نوبل للسلام .

وبعد أسابيع من تسلم الجائزة رفض إقليم تجراي الانضمام إلي تحالف الحكومة، فالإقليم اعتاد ان يقود ولا يقاد بحسب اعتقادهم، فاتهمهم " أبي أحمد" بمحاولة زعزعة الاستقرار في البلاد، واستمرت المناوشات الكلامية بين حكومة أديس أبابا وحكومة إقليم تيجراي حتي جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، فمع تفشي جائحة كورونا طالب "أبي أحمد" من البرلمان تأجيل عقد الانتخابات في البلاد، والتي كانت مقررة منتصف عام 2020 دون تحديد الموعد القادم لإجرائها،وسرعان ما تلقف إقليم تيجراي النبأ، فاستقالت رئيسة البرلمان الإثيوبي " ثريا إبراهيم"، والتي تنتمي لإقليم تيجراي، ثم تبعتها استقالات أخري لمناصب في الدولة تنتمي للإقليم، واكتمل التصعيد من قبل التجراي بعد إعلانهم إقامة انتخابات في الإقليم دون الرجوع لأديس أبابا ما اعتبره " أبي أحمد " تحديا واضحاً ورفض الاعتراف بها، فرد الإقليم بسحب اعترافه بحكومة " أبي أحمد" وردت الحكومة بوقف التحويلات المالية للإقليم، فاعتبر التيجراي هذا القرار بمثابة إعلان حرب، وبدأت الحرب .

وانطلقت مناوشات عسكرية بين الطرفين، تبعها قرار لأبي أحمد بإرسال تعزيزات عسكرية أكثر للإقليم ما أدي لمقتل المئات، وتهجير وتشريد عشرات الآلاف نحو إرتيريا والسودان، وللسودان بدرجة اكبر ما جعله يدفع فاتورة النزاع الأهلي في جارته إثيوبيا، حيث استقبل السودان عشرات الآلاف من النازحين، ويتوقع أن تصل الأعداد لمئات الآلاف هذا من ناحية، ومن ناحية أخري، قد تساهم الأوضاع المضطربة علي حدود السودان لازدياد أنشطة الجماعة الخارجة عن الدولة هناك، الأمر الذي فتح باب السؤال عن الرابح والخاسر مما يجري في إثيوبيا، وأين سد النهضة من هذه الأحداث !

كما قلنا تمر إثيوبيا حاليًا بحالة عدم استقرار قد تؤدي إلى تفككها إلى دويلات صغيرة، والعرق والدين ليسا فقط المحركان الرئيسيان للصراع الحالي. فهناك ثلاثة أسباب أخرى للصراع، أولها التنافس بين الجماعات على السلطة والموارد الشحيحة، والثاني الثورات الشعبية والتمردات على السلطة بسبب انتهاك الحقوق الاقتصادية والسياسية الأساسية؛ وثالثاً، تسييس الهويات القبلية من قبل السياسيين الساعين لمصالحهم الشخصية وذلك حسب كلام نبيل السجيني.

ولا شك أن إثيوبيا هي الخاسر الأكبر من تدهور الأوضاع الداخلية، ما يجعل البلاد علي شفير الحرب الأهلية، التي قد تمزق البلاد برمتها ولا شك أن دول الجوار الأخرى لن تكون بمنأى من دفع تكاليف ما يحدث في إثيوبيا، وعلي رأسهم السودان وإريتريا، أما سد النهضة والذي يهمنا نحن المصريون بدارجة الأولي فلما يحدث في إثيوبيا احتمالين، أولهما أن مفاوضات السد ربما قد تتوقف وبالتالي تتملص إثيوبيا من إلتزماتها، وهذا في مصلحتها ومصلحة سدها، اما الاحتمال الآخر فهو أن عملية بناء السد وتشييده ستتوقف لفترة طويلة إلي حين استقرار الأوضاع في البلاد، وهذا أمر لصالح الدول التي كان من المفترض أن تضرر من السد،وهي مصر والسودان علي وجه الخصوص، وهذا الآن لا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات، فالأمر مرهون للتطورات بالداخل الإثيوبي الذي وعد أبي أحمد أنه لن ينزلق لحرب أهلية في انتظار قادم الأيام .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

......................

1- مئات الضحايا وآلاف اللاجئين.. إثيوبيا علي أبواب حرب أهلية وسد النهضة أكبر الخاسرين.. يوتيوب..

2- خالد عكاشة: الحرب الإثيوبية.. سؤال الهيمنة واحتقان القوميات (مقال) جريدة الوطن المصرية..

3- نبيل السجينى: نحو الحرية – إثيوبيا تتفكك .. مقال

 

 

جاسم الصفارمنذ خمسينيات القرن الفائت، حاولت الولايات المتحدة بانتظام الإطاحة بالحكومات في الشرق الأوسط الكبير. حصل ذلك في إيران وأفغانستان والعراق ومصر، إضافة الى ليبيا وسوريا. تشمل هذه القائمة فقط الحالات التي كان فيها إزاحة رئيس البلاد وتغيير نظامها السياسي هو الهدف المباشر للولايات المتحدة، وبذلت واشنطن جهودًا متواصلة لتحقيق ذلك. كانت دوافع التدخل، وكذلك الأساليب التي استخدمتها واشنطن، مختلفة تمامًا، في بعض الحالات رعت الانقلابات، وفي حالات أخرى غزت البلاد، أو اعتمدت على الضغوط الدبلوماسية والإغراءات والعقوبات الاقتصادية.

وفي غالب الأحوال كانت نتائج تلك المحاولات غير موفقة وينقصها بعد النظر. فعادةً ما استهان السياسيون الأمريكيون بتبعات التغيير واثاره المدمرة على شعوب تلك البلدان، إضافة الى المبالغة في استخدام أساليب أضرت بالشعوب قبل الحكام. ونتيجة لرهاناتها الخاطئة على قوى وأطراف في المعارضة بعيدة تماما عن طموحات وهموم شعوبها، فشلت في توقع الفوضى التي ستتبع حتماً سقوط النظام، ودفعت تلك الدول أثمان باهضه للتغيير كلفتها ضحايا بشرية وخسائر مالية ضخمة لعقود قادمة.

وبغض النظر عن مدى دقة الإعداد لعملية تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، كانت هنالك عواقب كارثية، غابت عن ذهن المخططين لها. ولعل المثال الأبرز هو غزو العراق في عام 2003، عندما قامت واشنطن بالإطاحة بنظام صدام حسين الديكتاتوري الدموي، وتركت السلطة في بغداد خاضعة لتجاذبات وصراعات بين قوى إسلامية شيعية مدعومة من إيران وحركات جهادية تمدها دول عربية بالمال والسلاح، إضافة الى قوى علمانية مدنية لا حول لها ولا قوة، عدا تلك التي بقيت متكئة على الوسادة ألأمريكية.

الحقيقة التي مرارا ما تتجاهلها الإدارة ألأمريكية هي أن الفراغ الأمني الناجم عن تغيير أي نظام كان، لا يولد الا صراعات على السلطة داخل الدولة التي يجري تغيير نظامها، ويثير حتماً منافسة لا هوادة فيها بين الخصوم الإقليميين. فعندما يتم الإطاحة بالحكومات (أو يبدو أن هذا على وشك الحدوث)، تندفع القوى الإقليمية وحتى العالمية على الفور إلى البلاد بأموالها وأسلحتها، وأحيانًا قوتها العسكرية، لجلب وكلائها إلى السلطة ووضع الدولة في فلكها.

 كررت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مرارًا وتكرارًا أن سعي واشنطن لتحقيق "الاستقرار من خلال الديمقراطية" في الشرق الأوسط لم يؤد دائما إلى النتائج المطلوبة. ويجب أن نعترف بأن هذه العبارة صحيحة بشكل عام. فالسعي لتحقيق "الديمقراطية على حساب الاستقرار" لا يؤدي، لا الى الديمقراطية ولا الى الاستقرار وتكون تكاليفه عالية وعواقبه وخيمة. وعلى الرغم من عدم وجود صيغ عالمية للتطور الديمقراطي، فإن العديد من الدراسات العلمية تظهر أن المكونات الرئيسية للتطور الديمقراطي هي درجة عالية من التنمية الاقتصادية، وتجانس أو وفاق عرقي وسياسي وثقافي كبير، مع خبرة، أو دراية، بالقواعد والممارسات والمؤسسات الديمقراطية. للأسف، تفتقر دول الشرق الأوسط الحديث، ومنها العراق، إلى كل هذه السمات.

وفقا لما نشره مؤرخ وكالة المخابرات المركزية ديفيد روبارج، فأن الولايات المتحدة ألأمريكية، كانت قد تبنت سياسة التدخل في الحملات الانتخابية للدول الأخرى منذ بداية الحرب الباردة في القرن الماضي. وكانت أول عملية سرية لوكالة المخابرات المركزية، في هذا السياق، هي التدخل في الانتخابات الإيطالية عام 1948. في ذلك الوقت، ولضمان فوز مرشحي الحزب الديمقراطي المسيحي على مرشحي اليسار الإيطالي، قدمت وكالة المخابرات الامريكية والبريطانية، دعما غير محدودا، إعلاميا وماليا ولوجستيا، للحزب الديمقراطي المسيحي آنذاك.

وبعد هزيمة الحزب الشيوعي الإيطالي في تلك الانتخابات، أصبحت عملية عام 1948 "نموذجًا" يحتذى به لاحقا في التأثير على سير ونتائج الانتخابات في بلدان أخرى. ووفقًا لهذا "النموذج"، كما وصفه ديفيد روبارج، تدخلت وكالة المخابرات المركزية الامريكية في مسار الانتخابات "في العديد من البلدان"، من تشيلي وغيانا إلى السلفادور واليابان. أحيانا يقتصر دعمها على الجانب الدعائي والمالي وفي بعض الأحيان كان هناك تلاعب مباشر في بطاقات الاقتراع، لكن الهدف كان دائمًا هو نفسه - التأثير على نتيجة التصويت.

في آذار (مارس) 2003، غزت الولايات المتحدة العراق للإطاحة بالديكتاتور صدام حسين والاستيلاء على أسلحة الدمار الشامل التي زُعم أنه يمتلكها. سقط نظام صدام في غضون أسابيع، لكن لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل. ولتبرير الحرب، أعاد جورج بوش صياغة أهدافها بطريقة أخرى، مؤكدا على أهمية تغيير النظام السياسي العراقي. وفي أواخر عام 2003، أعلن أن "الديمقراطية العراقية سوف تسود" وأن المواطنين سيحصلون على تمثيل شعبي.

لذا كان من المهم للغاية بالنسبة للحكومة الأمريكية في ذلك الوقت إجراء انتخابات ديمقراطية، لأن ذلك بالذات ما كان يمكن أن يبرر الغزو. قال أرتورو مونيوز، الذي كان وقتها ضابطًا في وكالة المخابرات المركزية، "بما أننا لم نعثر على أسلحة دمار شامل، كان علينا أن نخلق تبريرا معقولا للحرب، لذلك، على الأقل، كان علينا إنشاء ديمقراطية".

عندها بدأت المنظمات الأمريكية التي تروج للديمقراطية بضخ الموارد في العراق. على وجه الخصوص، أطلق المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي الوطني برامج واسعة النطاق لتوفير متطلبات الانتخابات، وتدريب ممثلي الأحزاب، وعقد النقاشات، والتشجيع على زيادة اقبال الجمهور العراقي على المساهمة في الفعاليات الانتخابية.

في الانتخابات، كان على المواطنين تحديد التوجهات السياسية والاقتصادية لبلدهم. لذا، كان على الإدارة الامريكية بذل كل مساعيها من أجل ضمان توجهات سياسية مستقبلية للحكومة القادمة في العراق، ترسخ بقائه في الفلك ألأمريكي. الا أن المساعي ألأمريكية، في هذا الاتجاه، سرعان ما واجهت مشكلة حقيقية، فوفقًا للمعلومات الاستخباراتية، كان الاحتمال الراجح هو خسارة المرشح المفضل للأمريكان، إياد علاوي، في أول انتخابات برلمانية في العراق، من المقرر إجراؤها في كانون الثاني (يناير) 2005.

توصلت وكالة الاستخبارات الأمريكية الى قناعة بأن إيران سوف تتلاعب في التصويت من خلال دعم خصوم علاوي. وقال نائب مدير وكالة المخابرات المركزية ماكلولين: «بالطبع إيران متورطة. وإلا كيف؟ إنهم جيران ولديهم فرص وحلفاء في القيادة ". يضاف الى ذلك ظروف التخندق الطائفي التي كان لابد لها من أن تلعب دورا كبيرا في ترجيح كفة الأحزاب الإسلامية الطائفية، وخاصة التحالف الشيعي.

ناقش بوش ومستشاروه ردا محتملا من خلال عملية سرية. شارك جون نيغروبونتي، سفير الولايات المتحدة في العراق، بانتظام في تداولات حول الوضع في العراق والسياسة ألأمريكية مع وكالة الاستخبارات من بغداد بصورة مباشرة عبر شبكة الانترنيت. كانت هناك قضية واحدة على جدول الأعمال: تدخل وكالة المخابرات المركزية في الانتخابات. يتذكر نيغروبونتي فيما بعد "كنا نفكر حقًا في هذا الخيار"، مشيرًا إلى أنه كان "منفتح على مناقشة هذا الاحتمال" مع مسؤولي الإدارة الآخرين.

وصلت المناقشة إلى مرحلة خطيرة، وأبلغ البيت الأبيض قادة الكونجرس بخططه. قال توم داشل، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ آنذاك: "كان الأمر يتعلق بإمكانية التدخل الذي يمكن أن يوفر نتيجة مضمونة". أحيطت الخطة بدرجة كافية من السرية وكان المسؤولون ألأمريكيين يتجنبون أي تسريبات إعلامية لأي تفاصيل تكشف عن خطة وكالة المخابرات المركزية، على الرغم من أن داشل أكد أنها تضمنت عددًا من الخطوات التي بدت غير مواتية وغير مناسبة.

بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية، فإن التدخل في الانتخابات العراقية كان يمكن أن يكون، في حالة فوز المرشحين المرغوب بهم أمريكيا، بمثابة تبرير مقبول للحرب واسقاط النظام الدكتاتوري الدموي في العراق. وبحلول خريف عام 2004، كانت الوكالة قد بدأت الاستعدادات، وكان أياد علاوي ينتظر المساعدات التي وعد بها من أجل كسب المعركة الانتخابية. الا أنه تفاجأ فيما بعد، بفتور حماس الإدارة الامريكية للتدخل الواسع في الانتخابات العراقية. وقال في عام 2007: "في البداية، أراد الأمريكيون دعم القوى المعتدلة، بما في ذلك ماديًا ومن خلال وسائل الإعلام". ثم توقفت المساعدات فجأة بحجة أن واشنطن "لا تريد التدخل". فما الذي غير الموقف ألأمريكي؟

لم تكن وكالة المخابرات والإدارة الامريكية واثقة تماما من نجاح المساعي المبذولة من أجل تحقيق فوز مضمون للتيار الليبرالي عبر صناديق الاقتراع في ظل ظروف محلية غير مشجعة، إضافة الى الدعم الكبير الذي قدمته إيران للأحزاب الطائفية الموالية لها في العراق. ونتيجة لذلك تشكل تحالف غير متوقع داخل وكالة المخابرات المركزية والكونغرس والبيت الأبيض ضد التدخل في الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2005 (وفقا لمصادر أمريكية).

يتذكر نيغروبونتي، أن آخر شيء فكرت بعمله وكالة المخابرات المركزية هو الانجرار إلى تدخل غير مضمون العواقب، كان، في حال فشلها، سيعرض الإدارة الامريكية لانتقادات شديدة. وأشار مونيوز: "إذا كنت ستؤثر على الانتخابات وينكشف أمرك، بسبب التسريبات المحتملة، سيقول الجميع أن المخابرات المركزية كانت وراء فوز مرشحين بعينهم بسبب الدعم الذي قدم لهم من قبلها". لذا، تم وضع خطة وكالة المخابرات المركزية على الرف. وفي يناير 2005، هُزم تحالف علاوي وسط عدم الاستقرار والهجمات الإرهابية، ووصول تحالف تربطه علاقات وثيقة مع طهران إلى السلطة.

 

د. جاسم الصفار

23/11/2020

.......................

*اعتمدت في اعدادي للمقالة مصادر أمريكية حصرا.

 

 

محمد عبد الكريم يوسفتنقسم الآراء في منطقة الشرق الأوسط في كل عام تجري فيه الانتخابات الأمريكية حول شخصية الرئيس المنتخب وسياسته في منطقة الشرق الأوسط فمنهم من يؤيد الرئيس المنتخب، ومنهم ينتحب على الرئيس المغادر، ويتناسون أن السياسة الأمريكية واحدة تجاه الشرق الأوسط يأتي في طليعتها رعاية إسرائيل ومصالحها وحمايتها من أي خطر محتمل قد يهددها . ومن يراجع سياسة الانجازات التي يحققها كل رئيس منتخب بغض النظر عن انتمائه لأي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري يدرك جليا أن إحدى الاهتمامات الرئيسية لممثل الحزبين الحاكمين هو خدمة اسرائيل ورعاية مصالحها .

لقد قدم الرئيس ترامب أفضل الخدمات لإسرائيل خلال أربع سنوات من الحكم يمكن تلخيصها بما يلي:

- في 22 أيار 2017، زار الرئيس ترامب حائط البراق مرتديا قلنسوة يهودية سوداء.

- في 6 كانون الأول 2017 اعترف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في سابقة لم يتجرأ رئيس أمريكي آخر على القيام بها ونقل سفارة بلاده إليها .

- في آب 2018 أوقف الرئيس ترامب تمويل منظمة أونروا التي كانت تقدم خدماتها لحوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني .

- في 25 آذار 2019  وقع الرئيس ترامب وثيقة تعترف فيها الولايات المتحدة بضم الجولان السوري لكيان الاحتلال الإسرائيلي.

- وفي 28 كانون الثاني 2020 أعلن الرئيس ترامب عن صفقة التي تلتهم حقوق الفلسطينيين في وطنهم .

- وفي 15 أيلول 2020 رعى الرئيس ترامب تطبيع العلاقات بين الامارات والبحرين مع الكيان الاسرائيلي.

- وفي 23 تشرين الأول 2020 أعلن الرئيس ترامب تطبيع السودان علاقاته مع الكيان الإسرائيلي.

- وفي 26 تشرين الأول 2020  أعلن الرئيس ترامب أن مبادرة السلام العربية غير مقبولة وأن البديل عنها صفقة القرن .

لقد قدم الرئيس ترامب لكيان الاحتلال مالم يقدمه أي رئيس أمريكي آخر.

 ومرة أخرى تنقسم شعوب منطقتنا حول الانتخابات الأميركية التي جرت مؤخراً. فالمناصرون للرئيس ترامب يعتقدون أن بقاءه يقلص النفوذ الإيراني في المنطقة وربما إسقاط النظام نفسه. ويرى المؤيدون لبايدن أن إزاحة ترامب يفيد القضية الفلسطينية ويقوّي "محور" المقاومة المتمثل في إيران وسورية وحزب الله من خلال رفع العقوبات المفروضة على إيران والعودة للاتفاق النووي الذي خرج منه ترامب لأسباب غير مبررة . والخبر السيء لكِلا الفريقين أنهما سيحبطان كليهما من سياسة بايدن في المنطقة لأنه لن يقوم بتغييرات كبيرة في موقف الإدارة الامريكية المقبلة من ملف مكافحة الإرهاب وتواجد القوات الامريكية في المنطقة.

لقد نشر الرئيس المنتخب جو بايدن دراسة في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية أوائل العام شرح فيها سياسته الخارجية والداخلية في حال انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية حيث تساءل قائلا: " لماذا يجب أن تعود الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم ثانية؟ يجب أن ننقذ السياسة الخارجية الأمريكية بعد انتهاء ولاية ترامب. "

ومن خلال الدراسة التي أعدها الرئيس بايدن، يمكن للمتابع أن يستكشف عددا من المبادئ التي يمكن أن يعتمدها الرئيس المنتخب خلال ولايته الدستورية القادمة، مع الاعتقاد الراسخ بوجود هامش انحراف معياري في تنفيذ السياسات لدى كل الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين . الرئيس نفسه يذكر في دراسته جملة مفادها " على الرئيس القادم للولايات المتحدة أن يتعامل مع الواقع كما هو عليه في عام 2021 ويحاول لملمة الشظايا التي خلفتها إدارة الرئيس السابق"

سياسة بايدن الخارجية

يسعى الرئيس بايدن الى إعلاء قيم الديمقراطية والليبرالية كمحور أساسي للعلاقات مع الدول الأخرى، حيث يقول: "كرئيس للولايات المتحدة، سأقوم بخطوات فورية لتجديد الديمقراطية الأميركية وتطوير العلاقات مع الحلفاء، فقد أدى انتصار الديمقراطية والليبرالية على الفاشية والاستبداد إلى خلق عالم حر". ومن الواضح أن إدارة الرئيس الجديدة ستجعل معيار تطبيق الديمقراطية أساسا حاكماً في علاقاتها مع الدول الأخرى . ويمكن توقّع سياسات التدخل في الدول التي تصنف أنها دول معادية للديمقراطية. إن الدول التي تشهد الاحتجاجات والمظاهرات كالعراق ولبنان وإيران يمكن أن تتوقع ضغوطا أمريكية أكبر في المستقبل، وتطبيق "مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد سيكون مفتاح علاقاتها مع الولايات المتحدة " كما يقول الرئيس المنتخب . لقد كان بايدن واضحاً في ذلك حين قال: "من هونغ كونغ إلى السودان، ومن تشيلي إلى لبنان، يذكّرنا المواطنون مرّة أخرى، بالتوق المشترك إلى الحكم الرشيد، والبغض العالمي للفساد بأنه "وباء خبيث، يؤجّج القمع، ويقوّض كرامة الإنسان، ويزود القادة الاستبداديين بأداة قوية لتقسيم الديمقراطيات وإضعافها في جميع أنحاء العالم، ويبدو أن ترامب ينتمي إلى الفريق الآخر، ويأخذ كلام المستبدّين بينما يظهر ازدراء الديمقراطيين، من خلال رئاسته أكثر الإدارات فسادًا في التاريخ الأميركي الحديث، فقد منح الامتيازات للفاسدين في كل مكان".

سيركز الرئيس المنتخب على السياسة أكثر من الاقتصاد في تحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة . وستكون سياسته عكس سياسة الرئيس ترامب الذي قدم الاقتصاد والعائدات على السياسة ومنافعها في تقرير السياسة . يعتقد الرئيس بايدن أن السياسة أو القوة الناعمة تقود للنمو والازدهار الاقتصادي حين يقول "الديمقراطية ليست أساس أمريكا بل أساس قوة أمريكا لأنها تعزز قيادتنا للعالم وابقائه مكانا آمنا يمكن العيش فيه، إنها المحرك الذي يقود الاقتصاد المزدهر."

لا يرغب الرئيس بايدن في إهمال الاقتصاد أبدا لكنه يعتقد أن أي ازدهار اقتصادي يأتي من خلال مقاربة مختلفة أساسها العولمة من جانب والسياسة من جانب آخر ويعتقد أن الطبقة الوسطى هي من يحمل لواع الإبداع في التطوير الاقتصادي . وخلاصة تفكير بايدن فيما يخص الاقتصاد هي أنه يطير بجناحين: العولمة والسياسة، وفي هذا الصدد يقول في دراسته: " إن إدارتي ستهيئ أمريكا للتقدم في مجال الاقتصاد الدولي مع تركيز السياسة الخارجية على تعزيز دور الطبقة الوسطى. وللفوز بالمنافسة الاقتصادية مع الصين، لذلك، يجب على الولايات المتحدة شحذ قدرتها الابتكارية وتوحيد القوة الاقتصادية للديمقراطيات حول العالم لمواجهة الممارسات الاقتصادية التعسفية وتقليل عدم المساواة". ومن الجلي أن المنافسة مع الصين ستكون لها أولويه أيضا في عهد بايدن لكن من خلال مقاربة مختلفة تقوم على مبادئ الليبرالية والقيادة بالإبداع، وليس مبادئ سياسات الحماية والحرب الاقتصادية.

تميل إدارة الرئيس بايدن إلى سلوك منهج أقل عدائية مع الآخرين وستميل إلى تشجيع العولمة أكثر من الأمركة . لقد نهج الجمهوريون على اتخاذ شعار "أمريكا أولا"، ولا ننسى في هذا السياق كلام الرئيس بوش حين قالها صراحة " الأمريكي يأتي أولا وقبل أي شيء"، وقد ترجم الرئيس ترامب هذا الفلسفة بإغلاق حدود الولايات المتحدة والانغلاق، ويبدو أن الرئيس ترامب من حيث لا يدري وجه صفعة قاسية لمؤيدي العولمة ومبادئها . يبشر الرئيس بايدن بعودة الولايات المتحدة إلى العولمة والانطلاق مجددا لقيادة السياسات الدولية بدل الانسحاب من المنظمات الدولية وايقاف تمويلها . يقول الرئيس بايدن: " يركز برنامجنا الخارجي على عودة أمريكا إلى المقدمة من جديد لتعمل مع الشركاء والحلفاء لتعزيز العمل المشترك ضد التهديدات الدولية... وسنعمل على إعادة تحالفاتنا القديمة وتعزيز دور الولايات المتحدة في حلف الناتو. إن دور أمريكا في الناتو مقدس ويكمن في قلب وصميم الأمن القومي الأمريكي". وفي هذا السياق يتوقع من الرئيس الجديد وإدارته التركيز على الحلول السياسية كأولوية والاهتمام بالعمل الدبلوماسي وقد انتقد بايدن سياسة الافراط في استخدام القوة العسكرية الخشنة، وافترض أنها أحد دعائم السياسة الخارجية الأمريكية. لكن يجب التركيز على الشأن الدبلوماسي قبل كل شيء، يقول الرئيس بايدن: " لقد اعتمدت سياسة ترامب الخارجية على التفوق العسكرية وبشكل وحيد وإهمال عناصر القوة الامريكية الأخرى وأهمها إهمال دور الدبلوماسية." وعلى الرغم من تركيز الرئيس بايدن على أهمية التواصل والدبلوماسية العالمية، إلا أن حديثه عن عودة أجواء الحرب الباردة كان لافتاً في أكثر من موقع في دراسته عن روسيا باعتبارها مناهضة لكل القيم التي يؤمن بها. وربما يكون بدعم بايدن لأوكرانيا ركنا أساسيا يساعد في فهم هذا التشدد في موقفه تجاه روسيا والذي يعيد الذاكرة الى أجواء الحرب الباردة وتداعياتها.

يؤكد الرئيس جو بايدن على أهمية حلف الأطلسي، وعلى دور الولايات المتحدة في قيادته بما يناقض تماما سياسة الرئيس ترامب . يقول بايدن: " يجب فرض اجراءات مكلفة وتبعات حقيقية على روسيا لانتهاكها المعايير الدولية ونقف مع المجتمع المدني الروسي...إن بوتن يحاول إقناع نفسه والأخرين أن فكرة الليبرالية قد انتهت صلاحيتها، لكنه يفعل ذلك لأنه يعلم أنها أكبر تهديد لسلطته". وينظر بايدن بقدسية نحو حلف الأطلسي منذ نشأته ويثمن دوره في مواجهة التهديد السوفيتي في القرن العشرين، وهذا يشير إلى احتمال عودة الحرب البارد بين الاتحاد الروسي وحلف الناتو، ونشوء ما يمكن أن نسميه سباق التسلح من جديد والصراع الناعم على مناطق النفوذ في أكثر من مكان في العالم بدءا من أمريكا الوسطى إلى أمريكا الجنوبية إلى الشرق الأوسط والأدنى والأقصى وبعض دول أوروبا الشرقية . وربما يشعر الروس والصينيين بالوجه الجديد لبايدن وخطره المحتمل القادم في الأفق وقد يفسر ذلك عدم الإقدام السريع على تقديم التهنئة بفوزه.

يركز الرئيس بايدن سياسته على الثالوث المقدس الذي يرفعه كل الرؤساء في العالم وهو: مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية ومناهضة الشمولية في الحكم وتعزيز التعاون مع المجتمع المدني، وهي قيم نتحدث عنها كثيرا لكن، وعلى حد قول الشاعر أودن، نادرا ما نلتزم بها .

بايدن والشرق الأوسط:

يعتقد البعض أن الثالوث المقدس المتمثل في مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية ومناهضة الشمولية في الحكم وتعزيز التعاون مع المجتمع المدني ستحكم سياسة الولايات المتحدة بدول الشرق الأوسط . لقد شهدت إدارة الرئيس أوباما انتشار الحراك المدني والاضطرابات السياسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط واستطاعت بسرعة أن تركب الموجة وتوجهها بسرعة كما تريد وحولتها إلى حروب بالوكالة وأفرغت المطالب الشعبية من محتواها خلال فترة لم تتجاوز الخمسة عشر يوما، وحيث أن الرئيس بايدن ينتمي إلى المدرسة التي تربى فيها الرئيس أوباما، فإننا قد نشهد ما يماثل ما حدث من اضطرابات في عهد أوباما مع التركيز على أن الشرق الأوسط ليس ضمن أولويات الرئيس الكبرى، لكن إدارة بايدن ستشجع عودة الاضطرابات إلى دول مثل لبنان والعراق وإيران كالتي حدثت في خريف عام 2019 وشتاء 2020، وقد تلجأ الإدارة الجديدة إلى تأجيج الحراك الطلابي في هونغ كونغ وكوريا وروسيا في محاولة ضغط سياسي ناعم تحت شعار " ضمان حرية التعبير ومكافحة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان " .

يركز بايدن في دراسته على ملفات شرق أوسطية هامة وأساسية هي: مكافحة الإرهاب، أمن إسرائيل، إيران، والعلاقة مع السعودية. ويؤكد بأن القضاء على التطرف أولوية هامة من أولويات السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة لكن بأسلوب جديد ولن يقل اهتمام إدارته عن أسلافه في محاربة الإرهاب والتطرف مع اعتماد مقاربة أكثر ذكاء من قبل حيث يقول: " يجب إعادة معظم قواتنا من أفغانستان والشرق الأوسط وإعادة تعريف مهمتنا هناك لتكون دحر القاعدة وداعش... وبإمكاننا أن نكون أقوياء وأذكياء في ذات الوقت. هناك فرق كبير بين إرسال قوات عسكرية وحشد ها بكثافة ولمدى مفتوح غير محدد بزمن معين، وبين استخدام بضع مئات من القوات الخاصة والاستخبارات لدعم شركاءنا المحليين ضد عدونا المشترك". وهذا يعني أن الرئيس بايدن لا ينوي زيادة عدد القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة لكنه سيقلصها إلى الحد الأدنى الممكن، وهو هنا يتفق مع ترامب في الإبقاء على قوات خاصة من النخبة، وشبكة مخابرات قوية تؤازر الشركاء المحليين للولايات المتحدة في محاربة التطرف.

وبشأن ملف الكيان الإسرائيلي فإن بايدن لا يختلف عن غيره من الرؤساء الأمريكيين الأخرين بغض النظر عن انتمائهم وسياساتهم وأهدافهم بل هو أكثرهم تشددا في الدفاع عن إسرائيل وحمايتها وتقويتها وتحقيق أمن إسرائيل حين يقولها صراحة: "يجب التشديد على حماية أمن إسرائيل". ويبدو أن إدارة بايدن الجديدة لن تتراجع خطوة للوراء في كل الملفات التي أنجزها سلفه ترامب فيما يخص الاحتلال الإسرائيلي للأرض وتأكيد سياسات الضم والقضم والتهويد . يرفع بايدن شعار "إسرائيل أولا وقبل كل شيء" في منطقة الشرق الأوسط .

قد يعود الرئيس بايدن إلى الاتفاق النووي مع إيران في محاولة منه لوقف سعي إيران تقنية انتاج السلاح النووي وقد صرح سرا بأن هذا الملف ضمن أهم أولويات إدارته، وفي هذا السياق يقول الرئيس في دراسته: " وكرئيس للولايات المتحدة، سأجدد التزامنا بالحد من التسلح في عهد جديد. كان الاتفاق النووي الإيراني التاريخي الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما-بايدن مهما لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. ومع ذلك، وبتهور شديد انسحب ترامب من الاتفاق، مما دفع إيران إلى إعادة تشغيل برنامجها النووي وأصبحت أكثر استفزازاً، مما زاد من خطر اندلاع حرب كارثية أخرى في المنطقة. يجب أن تعود طهران إلى الامتثال الصارم للاتفاق ". سيحاول الرئيس بايدن استئناف مفاوضات صعبة للغاية مع إيران في العام القادم حيث ستطالب الإدارة الإيرانية باعتذار واضح من الحكومة الأمريكية عن تصرفات إدارة ترامب، ورفع كامل للعقوبات الأمريكية عن إيران بما فيها العقوبات التي لها علاقة بالملف النووي، واتهام إيران بالإرهاب والفساد وحقوق الإنسان ومسائل أخرى مثل نشاطات تصدير الثورة . ستكون المهمات الملقاة على المتفاوضين كبيرة وعسيرة وطويلة بعد ما حدث من خلخلة للثقة بين الفرقاء. وستحاول الإدارة الأمريكية الجديدة التدخل في البرنامج الصاروخي الإيراني باعتباره، وفق الرؤية الأمريكية، مصدر زعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومبعث تهديد لربيبتها إسرائيل . هناك أيضا المعضلة الكأداء التي تقف في وجه أي تقدم للحوار أو التفاوض بين الجانبين الإيراني والأمريكي وهو أجواء الثقة المفقودة والضمانات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة لعدم التراجع مستقبلا عن الاتفاق النووي مع إيران حتى لو تغيرت الإدارات المتعاقبة وتناوبت في تعاملها مع إيران . إن مسألة الضمانات من المسائل المستحيلة الحل بالنسبة لمجلس شيوخ يسيطر عليه الجمهوريون حاليا . 

وفيما يخص المملكة العربية السعودية، وقد تحدث عنها بالاسم في دراسته، فإن بايدن لديه مواقف سلبية مسبقة من السعودية وخاصة في ملفين أساسيين هما: حقول الإنسان، والحرب المجنونة في اليمن، وقد انتقد بايدن بشدة ملف الاغتيال السياسي في السعودية وملف حرب اليمن، ورأى أنه آن الأوان أن توقف الولايات المتحدة دعمها للسعودية في حرب اليمن . لا يتوقع الخبراء أن تضحي الولايات المتحدة التي تدوس على كل المقدسات مقابل تحقيق مصالحها القومية بعلاقاتها التاريخية المديدة مع السعودية رغم أنها قد توجه بين الحين والآخر نقدا لاذعا في هذا الملف أو ذاك . عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والسعودية توضع المبادئ جانبا لتتكلم المصالح المادية فقط . ويبدو في الأفق القريب رعاية أمريكية لتطبيع للعلاقات بين السعودية وإسرائيل يلغي كل النوايا الأمريكية تجاه السعودية ويعمي عينيها عن ملف حقوق الإنسان وغيره من الملفات.

سياسة الرئيس جو بايدن تجاه سورية:

لقد شهدت العلاقات السورية الأمريكية الكثير من المد والجزر منذ استقلال سورية وحتى كتابة هذه السطور، فقد عمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على نسج المؤامرات على سورية منذ الأربعينات من القرن العشرين، واستخدمت مع دمشق القوة الناعمة والقوة الخشنة بأشكالها المختلفة . هناك دائما أجواء من عدم الثقة بالحكومات الأمريكية المتعاقبة وخاصة في الشأنين الفلسطيني والدولي المتعلق بسورية وعلاقاتها مع أصدقائها. وقد حاولت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة تقويض النظام السياسي السوري أو احتوائه بدءا من حلف بغداد إلى دعم المعارضين بألوانهم المختلفة وصولا إلى الحرب بالوكالة على سورية . ولم تكلل كل محاولات التقارب بين دمشق وواشنطن بالنجاح حتى الساعة . والرئيس جو بايدن لن يخرج عن القاعدة الأمريكية تجاه سورية والسياسة المستمرة قرابة ثمانين عاما. ومن النادر أن يعلق بايدن على الأوضاع في سورية، باستثناء بعض التصريحات التي أكد فيها عزمه على إبقاء عدد قليل من عناصر الجيش الأمريكي داخل هذا البلد في حال تمكن من الفوز على منافسه دونالد ترامب وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. الآن فاز الرئيس جو بايدن في الانتخابات، وصار في مواجهة الاستحقاق السوري مرغما رغم تعقيدات هذا المشهد، وتداخلاته الدولية وكثرة اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين . لا يتوقع أن يحدث الرئيس بايدن خرقا ملفتا في المشهد السوري، ولكنه قد يطرح مبادرة التواصل مع دمشق في حال اعلان سورية اصلاحات سياسية واقتصادية مهمة، أو في حال تعاون دمشق في ملف المفقودين الأمريكيين في المنطقة، وفي كلتا الحالتين، التفاوض مع دمشق لن يكون بالأمر السهل بسبب انخراط الولايات المتحدة في حرب مباشرة ضد دمشق في أكثر من مكان وفرض عقوبات جائرة على الشعب السوري من طرف واحد، خصوصا وأن دمشق تعتبر الولايات المتحدة قوة احتلال للأرض السورية يجب مقاومتها . يحتاج الملف السوري مع واشنطن الكثير من العمل والجهد والتوافق الدولي لإحداث خرق كبير. هناك تباين واضح في الرؤى بين دمشق وواشنطن فيما يخص الملف السوري، والحرب على سورية، فالجانب الأمريكي قد يصبح أكثر فعالية مع المجتمع الدولي وقد يسعى إلى الرأي الجماعي وليس القرارات الفردية، مع الحفاظ على بعض القوات العسكرية على أرض الميدان في شمال شرقي البلاد. وستقوم إدارة بايدن في حال تشكلها "بتوضيح موقفها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أنه لا يمكن أن يكون هناك دعم أميركي أو أوروبي لإعادة إعمار سورية في ظل غياب إصلاح سياسي، ولا بد أن يكون ذلك الإصلاح واضحا وموثوقا بشأن القضايا الإنسانية والمسائل الرئيسية" ستستخدم إدارة بايدن التواصل الدبلوماسي لإعادة تأكيد القيادة الأميركية، لدعم إجراءات خفض التصعيد العسكري واطلاق العملية السياسية. المشهد السوري من أكثر المشاهد السياسية والعسكرية تعقيدا في العالم، ويحتاج الكثير من العناية الفائقة لإحداث أي نوع من التقدم خاصة وأن دمشق عانت الكثير من المواقف الأمريكية المتعاقبة ولا تمتلك الحد الأدنى من الثقة بالإدارة الأمريكية .

من المبكر الحكم على بايدن وسياسته في المنطقة والعالم، خاصة وأن الانحراف المعياري متكرر في السياسة الأمريكية وخاضع للتغيرات المفاجئة هنا وهناك . الثابت الوحيد فيها هو أمن الكيان الإسرائيلي وزعزعة استقرار الدول المناهضة له تحت مسميات الواقعية السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

حميد طولستما أغرب فرح بعض الجماعات المتأسلمة بسقوط اليميني "ترامب"، وأغرب بتفاؤل الكثير منها - وعلى رأسها "الإخوان المسلمون" - بصعود اليساري أو الليبرالي جوزيف "بايدن"، ظنا منهم، أو خداعا لذواتهم، بأنّ سياسة الولايات المتحدة تتغير بتغير رؤسائها، وأن "بايدن" سيناصرهم في عدائهم لأهاليهم من أبناء أوطانهم العربية المسلمة التي يرغبون في الهيمنة عليها والسيطرة على خيراتها، التي لا يتورعون في اقتراف كل أنواع الجرائم الكفيلة بضمان تلك الهيمنة، واستعمال جميع الأسلحة لإدامتها ؛ وهم يعلمون أنّ للسياسة الأمريكية قواعد راسخة لا تتغير، سمتها الغالبة - منذ قرن من الزمان على أقل تقدير - هي الانحياز السافر لإسرائيل ومعاداة الحقوق العربيّة، وأن الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة لم تحد قط عن تلك الثوابت والقواعد المتحكمة فيها -والتي تبدو في ظاهرها مثالية ومشبعة بـ"القيم الأخلاقية" خاصة فيما يتعلق منها بأمن العالم وسلامه وديمقراطيته- والمرتكزة على المصلحة الأمريكية، والهيمنة الاقتصادية، والنفوذ، والسيطرة، التي تجعل الفارق بين سياسات رؤساء الولايات المتحدة ومن بينهم "بايدن وترامب"، طفيفا جدا ومنحصرا في الأداء أو طريقة تحقيق الهدف الأساسي الذي لا يخرج،عندهم وجميع الشعب الأمريكي، عن حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في كل العالم وتقديمه على كل الاعتبارات الأخرى،إلا مصلحة إسرائيل،الذي لا يختلف حول جوهره أي رئيس ديموقراطيا كان أو جمهوريا،  

بخلاف أهداف التيارات والأنظمة والجماعات الإسلاموية، التي لا يهتم رجالاتها -المتنكّرين في مسوح المخلصين المصلحين المدافعين عن الدين وقيمه الإنسانية - بما ينمي أوطانهم أو يرقي شعوبها ويعزيز قيمة إنسانية مواطنيها، ولا يهمهم إلا الوصول للهيمنة على السلطة التي لا يتورعون - إذا ما حال بينهم وبينها حائل، -في التحالف مع الشيطان والإستقواء بالأجنبي لقتل المخالفين من أهاليهم وأبناء أوطانهم المسلمةالتي يدّعون الانتماء لها، كما هو حالهم رئيس أمريكا الجديد"بايدن"، الذي هم يوقنون أنه لن يحيد قيد أنملة عن الانحياز لإسرائيل، بدليل ما سبق وأعلن عنه بوضوح في خطاب ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2007 حيث قال:"أنا صهيوني"، وقوله أيضا : " لو لم تكن إسرائيل موجودة لقمنا باختراعها"، دون أن ننسى قولته الشهيرة :" ليس على المرء أن يكون يهوديا ليكون صهيونيا". 

الأمر الذي لا يجعل من تفاؤلهم بمن يعتبرونهم كفرة وملاحدة فعلا مثيرا للدهشة والغرابة فقط، بل يجعله أمرا صادما وأكثر سخفاً وسفاهةً وأعظم ومخالفة لقوله سبحانه وتعالى:" ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون" [المائدة:80، 81]. الذي ينطبق عليهم تمام الانطباق ..

 

حميد طولست