منى زيتونرأى كثير من الأصدقاء والمتابعين في اهتمامي بنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية وتعويلي على فوز جوزيف بايدن إقرارًا بالهيمنة الأمريكية على دول العالم، وقبولًا بها، وأفرطوا في الحديث عن أن الأمريكان قد فعلوا بدولنا العربية كذا وكذا، حتى أنني لمست من بعضهم الفرحة التي لم يفلحوا في مداراتها عندما اقتحم الرعاع من أتباع ترامب مبنى الكابيتول؛ أن أراهم الله تعالى يومًا أسودًا في أمريكا!

وعن نفسي فأنا أرى أن الإقرار بأن رئيس أمريكا يلعب دورًا أساسيًا في قيادة العالم المعاصر هو إقرار بالواقع، وهو حال الأرض الذي لم يتغير عبر الأزمنة أن تكون هناك دول كبيرة محورية لمن يملكها سطوة على ما عدا دولته، ودول أصغر تتفاوت درجة قوتها وقوة تأثيرها في محيطها وفي العالم أجمع. والإقرار بقوة أمريكا وروسيا والصين وغيرها من الدول الكبرى ليس بالضرورة انبطاحًا ولا خيانة ولا تسليمًا دائمًا بكل ما يأمر به رؤساؤها، مع الأخذ في الاعتبار أن كل رئيس تكون له عهدة رئاسية ومسئول عن سياسة الدولة في فترة عهدته، ولا يُعقل أن تكره بايدن لأن جورج بوش الابن قد خرّب العراق أو لأن نظام أوباما قد دعم وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر، علمًا بأنه لا أوباما ولا بايدن من ساهم في تزوير الانتخابات لصالح مرشحهم.

وعلى كثرة المساوئ السياسية التي كانت لبعض الأنظمة الأمريكية السابقة في حق العرب فلا يُقاس أي عهد منها بعهد دونالد ترامب؛ فترامب –وعلى عكس غيره من الرؤساء الأمريكيين- ديكتاتور بكل ما للكلمة من معنى؛ يريد أن يأمر فيُطاع، وهذا ما لم يستطعه مع حكام أوروبا أو الصين، فساءت علاقة بلاده بهذه الدول إلى أسوأ درجة في تاريخها، ولم يجد من يستطيع أن يمارس معه هيمنة المتسلطين إلا الخانعين الضعفاء من حكامنا، فأجبرهم على الهرولة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، ونهب ما شاء من أموال دولنا التي يديرونها كعزبهم الخاصة، وكان المقابل أن يغض الطرف عن مصائب هؤلاء الحكام، فكانت مقايضة لم نر لها مثيلًا من قبل، وبئست المقايضة!

وفي خلال حوالي سبعين سنة هي عمر دولة إسرائيل لم نر تسارعًا في وتيرة القرارات الأمريكية التي تصب في صالحها وكأنها طرقات فوق رءوسنا مثل ذلك التسارع في عهد دونالد ترامب، والقول بأن هذه عادة جميع رؤساء أمريكا وأنه لا يختلف عنهم هو ادعاء يدل على انعدام تمييز.

ولكن الأنكى –من وجهة نظري لأنه فاتحة شر علينا لم نعهدها من قبل- هو أن حكامنا الخانعين لم يكن لهم رادع طوال فترة عهدته الرئاسية؛ ففعلوا بنا من الأفاعيل ما كان يُعد ضربًا من الخيال لو تنبأ به أحد قبل سنوات لاتهم بالخرق والخرف؛ ومن كان قد نسي فليتذكر كيف وصل الحال إلى التجرؤ على خطف الأمراء ورئيس وزراء لبنان في السعودية، ومرشحي الرئاسة في مصر وأحدهم رئيس وزراء سابق والآخر رئيس أركان الجيش السابق، وكيف تم سجن المعارضين والحقوقيين والعلماء واختلاق القضايا لهم حتى وصلت أعدادهم للآلاف، ثم التبجح أمام جماعات حقوق الإنسان في العالم بأنه ليس لدينا سجناء رأي! وبلغ السيل الزبى بتقطيع أوصال المعارضين البارزين كجمال خاشقجي، وتعذيب وقتل الباحثين الأجانب في مجال حقوق الإنسان كريجيني، وما تبع ذلك من التستر دون خجل على مرتكبي هذه الجرائم.

لذا أرى أن تعشمي في رئاسة بايدن لها ما يبررها لأن هناك فارقًا كبيرًا بين أن يوجد بلطجي أبوه بلطجي مثله يشجعه ويؤازره وبين أن يكون للبلطجي أب محترم وقوي وبإمكانه أن يردعه ويرجعه عن حمقه وأفعاله الخرقاء البلهاء التي لا تليق بالعقلاء. والحوادث الأخيرة في أمريكا ذاتها تثبت أن المشكلة الرئيسية ليست في أن يحكم أخرق أحمق بل تكمن في أن يجد هذا الأحمق مساندة ودعمًا، فإن لم يجد من يسانده تم تحجيم حمقه وأمكن السيطرة عليه، وهو ما لم يجده حكامنا من ترامب ولا من جميع أشكال الحثالة البشرية التي تحيط بهم؛ وأعني فئة الطبالين والزامرين من السياسيين والإعلاميين في بلادنا، ولنتذكر ما جرى في انتخابات الرئاسة في مصر عام 2012 ثم في عام 2018 ونتحسر على حال بلادنا.

وعودة إلى يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد جوزيف بايدن، وكنت في مقالي الأخير "بذرة الديكتاتورية التي لم تجد لها منبتًا" الذي كتبته بعد ساعات من اقتحام الرعاع أنصار ترامب مبنى الكابيتول قد تنبأت بأن ترامب سيحاول تجهيز مفاجأة جنونية قبل مغادرته البيت الأبيض، وكعادته لم يخيب ظني، فحاول رفع مقطع فيديو على موقع اليوتيوب يثير به أتباعه من جديد قبل يوم التنصيب وتم رفضه، وأوقف الموقع حسابه مؤقتًا لمدة أسبوع، ثم قرر اللعب بآخر ورقة في يده فتصرف كطفل يخبئ ما يعتبرها لعبته كي لا يُجبر على إعطائها لغيره! وقد شاهدت وشاهد معي العالم كيف سارع ترامب بترك البيت الأبيض قبل انتهاء فترة عهدته الرئاسية بساعات في طائرة رئاسية مصحوبًا بالحقيبة النووية التي يحق له الاحتفاظ بها كرئيس حتى الثانية عشرة من ظهر يوم تنصيب خلفه بتوقيت واشنطن، ولا يملك أحد مطالبته بها حتى ذلك الوقت، وكأنه أراد أن يهرب بها إلى بيته في فلوريدا، مانعًا من تسليمها إلى بايدن في حفل تنصيب الأخير! وإن كانت وكالات الأنباء قد ذكرت أن مسئولًا دفاعيًا قد رافقه لاستعادة الحقيبة منه على أن يتم إعطاء حقيبة بديلة لبايدن ضمن مراسم التنصيب، فإن هذا التصرف كافٍ وحده لتحديد مستوى النضج الانفعالي المتدني لهذا الطفل الكبير!

وقد عرّض بايدن بترامب في خطاب تنصيبه رئيسًا، وشبهه بهتلر –مع عدم التصريح بالمشبه به- عندما تحدث عن إثارة النعرات العرقية، وأنه كرئيس لكل الأمريكيين لن يسمح بتلك الدعوات العنصرية التي تتحدث عن سيادة العرق الأبيض في أمريكا، واستعان بقس أسود ليلقي كلمة في حفل التنصيب، وغنت كل من ليدي جاجا البيضاء وجنيفر لوبيز السمراء في الحفل، فالرجل لا يفوت فرصة دون التذكير بضرورة تقدير التنوع واحترام الآخر، وهو منفتح ثقافيًا مع درجة عالية من التدين، ومشكلتنا الوحيدة معه كعرب ستكون في أنه ككاثوليكي –ولا شك- مقتنع بأن الله قد كتب الأرض المقدسة لبني إسرائيل، وأن هذا الحكم الإلهي لم يُنسخ، ومع شديد الأسف أن لا يوجد سياسي أو مفكر عربي مقرب من الدوائر الأمريكية يحاول إفهام رؤساء أمريكا أن هذا الحكم قد نُسخ عندما خالف بنو إسرائيل أمره تعالى بدخول الأرض المقدسة ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22] ثم أكثروا الجدال حتى قالوا: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]. ولكن مع ذلك –ومن خلال فهمي وتحليلي لشخصية الرجل- أثق أن بايدن سيحاول الحفاظ على حقوق الفلسطينيين، وهو ما رأينا بوادره في تغيير مسمى منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل إلى سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وعودة المساعدات للأونروا.

في القرن العشرين لم يصل هتلر إلى منصبي المستشارية والرئاسة في ألمانيا على ظهر دبابة، وعانى العالم بأسره ويلات بسببه، وأمثال ترامب وهتلر يثبتون أن للديمقراطية مساوئها التي قد لا تقل عن مساوئ أعتى الديكتاتوريات، والخوف الآن أن يعود ترامب للتأثير على الرعاع من أنصاره وإثارتهم من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، ودفعهم إلى العودة لإحداث الشغب، والمفترض أن يتم حظر هذا الرجل تمامًا من استخدام جميع أشكال هذه الوسائط، لا أن يُسمح له بإعادة استخدامها بعد أسبوع من يوم التنصيب ليتسبب في زوبعة جديدة، وهو الذي خرج من البيت الأبيض مرددًا لمن وقفوا في وداعه أنه سيعود بطريقة أو بأخرى!

 

د. منى زيتون

الجمعة 22 يناير2021

 

 

عبد السلام فاروقذهَب ترامب.. وانتهى عصر الحقبة الترامبية الطويلة على قصرها..

وماذا يضيرنا نحن؟.. دعونا نقول قولة العقل: (مات الملك عاش الملك)، وننصرف لمصالحنا. مصلحتنا لم تكن مع مسئول أمريكي بل مع أمريكا. وأمريكا كدولة أكبر من مجرد شخص سوف تحكمه سياسات وقوانين.

تداعيات واقعة الكابيتول

يوم واحد كان كافياً ليغير التاريخ..

إنها أحداث 24ساعة تبدَّل فيها كل شئ فى أمريكا مع الحدث الهائل والصادم: (متمردون أمريكيون يقتحمون الكونجرس)، كيف لو قيل لك منذ 3 شهور فقط أنك توشك أن تقرأ مانشيت كهذا؟ ذاك أمر يتجاوز أقصى خيال أعداء أمريكا!

وها هى التداعيات تترى تباعاً: ترامب انتهى سياسياً وتنتظره محاكمات بلا نهاية، ونواب الحزب الجمهورى سارعوا بالتبرؤ من اللعنة الترامبية لإنقاذ الحزب، ومساعدو ترامب قفزوا من يخته الغارق، وموقع تويتر أوقف حساب ترامب وحملته الإنتخابية لمنعه من التواصل مع أنصاره الذين أصابتهم عدوى التهور.

واقعة الأربعاء الأسود بالكونجرس هى حادثة فاصلة فى التاريخ الأمريكي المعاصر. وردود الأفعال ما زالت ساخنة فى أمريكا وخارجها: نانسي بيلوسي رئيسة البرلمان هددت نائب الرئيس مايك بنس إن لم يتحرك لاستخدام تعديل المادة 25 من الدستور لعزل ترامب فسوف تتحرك هى لمحاكمته برلمانياً!  زعيم الأقلية الجمهورية حذر من مغبة الانقسام المجتمعى لو تمت محاكمة ترامب قبل حفل التنصيب. السياسيون ضغطوا على ترامب لدفعه للاستقالة. وهناك 12 مليون عامل أمريكى طالبوا من خلال نقاباتهم باستقالة ترامب أو عزله فوراً.

خارج أمريكا حالة من الذهول عمت أرجاء المعمورة: قادة أوروبا فغروا أفواههم وتساءلوا عن المشاهد الغريبة فى أمريكا نموذج الديمقراطية الأمثل، كيف تم تدمير صنم الديمقراطية بها بتلك البساطة والغرابة؟ جمهوريات الموز شامتة ، وشعوب العالَم مذهولة مما رأته يجرى فى أرض الأحلام.

رؤساء أمريكيون سابقون سارعوا بالتعليق الفورى على الأحداث المؤسفة. فقال جورج بوش الإبن: (أهكذا يتم الاعتراض على الانتخابات؟! إننا لسنا فى جمهورية موز. هالنى السلوك غير المسئول لقادة سياسيين وقلة الاحترام تجاه مؤسساتنا وتقاليدنا وقواتنا الأمنية). فيما قال أوباما:( إن التاريخ سوف يتذكر أعمال العنف التى حدثت اليوم فى الكابيتول بتحريض من رئيس كذب بلا هوادة بشأن نتيجة الانتخابات. أعتبرها لحظة خزى وعار على بلدنا).

مصير ترامب..

فيما يتساءل المحيطون بترامب مندهشين: ما الذى دفع ترامب الذى كان يعتزم الترشح فى انتخابات الرئاسة 2024 للانتحار السياسي بهذه الطريقة المخزية؟ إلا أن ترامب نفسه ما زال على عناده وتمسكه بتهمة تزوير الانتخابات ورفضه لحضور حفل التنصيب وتأكيده على أنه وحده على حق، وأن الجميع مخطئون !

الأغرب أن ترامب يعتزم الإقدام على خطوة لم يسبقه لها أحد أبداً. فقد كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن ترامب ناقش مع نائبه مسألة منح عفو رئاسي لنفسه، حتى يمنع أى مساءلة محتملة له بعد ترك منصبه!! فهل سيفلح فى منع مقاضاته؟

المؤكد أن ترامب نفسه قد كتب نهايته سياسياً للأبد. خاصةً وأن حاشيته وبطانته انفضوا من حوله. وأن لائحة الاتهام للمحاكمة البرلمانية سوف تتضمن تأكيداً على منع ترامب من تقلد أى منصب حكومى فى المستقبل.

الخوف من ديمومة الحالة الترامبية بعد ذهابه هو. وهى حالة غريبة من انتهاج العنف والرغبة فى التدمير. إن أحداث الكابيتول شهدت عنفاً غير مسبوق: أربعة سقطوا قتلَى من مقتحمى البرلمان، ورجل شرطة قضى نحبه، وشباب تسلقوا الجدران، وآخرون سرقوا متعلقات من البرلمان وابتسموا للكاميرات! واعتلى آخرون صهوة الخيول كأنهم فى غارة حربية! الأدهَى من هذا كله ما تم اكتشافه بعد انقشاع سحب المعمعة..

لقد اكتشفت وزارة العدل أن متظاهرين التقطوا صوراً للمكاتب، واطلعوا على ملفات سرية بعضها تمت سرقته. وهو ما استدعى تحقيقاً فيدرالياً لكشف أهداف السرقة التى تمس أمن أمريكا القومى. الأنكَى من ذلك ما تم إعلانه من القبض على رجل بحوزته شاحنة مليئة بالأسلحة والمفرقعات المتطورة، والتى إذا انفجرت كان لها تأثير قنابل النابالم الحارقة. كل هذا من كلمة تحريض خرجت من فم ترامب غير مدركٍ لعواقبها.

ما يبدو أن ترامب سينجو من الملاحقات القضائية حفاظاً على قدسية منصب الرئاسة، وأن حوادث العنف سيتم احتواءها، وأن حفل التنصيب سوف يقام واضعاً نهاية لكل تلك الفوضى. فهل سيهدأ الشارع؟ أم ستبقَى الحالة الترامبية كنوع من المعارضة الشعبوية القائمة، بعد أن استولَى الديمقراطيون على الساحة السياسية بأكملها: الرئاسة والنواب والشيوخ؟!

حزب ثالث..

تجربة ترامب وضعت سائر التجربة اليمينية الشعبوية على حافة الهاوية. لا فى أمريكا وحدها بل فى أوروبا أيضاً. وبات الناخب الأمريكي متشككاً فى سياسييه وطريقتهم فى إدارة الأمور. إذ كيف يخاطر الجمهوريون بمستقبل أمريكا على هذا النحو، فيضعون رجلاً كترامب على قمة هرم السلطة؟

مثل ذلك التساؤل إذا طاف بذهن الناخبين الأمريكيين فسيكون من تداعياته البحث عن حزب ثالث يتم تصعيده للمنافسة على الانتخابات. وهو ما سيغير منهج السياسة الأمريكية برمته. وقد تتغير طريقة إجراء الانتخابات نفسها؛ تلك التى كان من جرائها حدوث انقسام حاد فى الشارع الأمريكي، وعدد من القضايا بلغ 60 قضية تشكك فى نزاهة الانتخابات وتطعن فى ديمقراطية العم سام.

إن السياسة الأمريكية فى السنوات الأربع القادمة ستكون بالكامل فى قبضة الديمقراطيين فكيف ستدار الأمور حينئذ؟

السياسة الأمريكية بين الأب الروحى والمرأة الحديدية

وجوه نسائية كثيرة فى السياسة الأمريكية التى تغيَّر وجهها بالكامل..

وأهم تلك الوجوه المرأة الحديدية (كامالا هاريس) التى تحمل فى صوتها وأدائها جذوة القيادة وكاريزما السياسة كأنها الرئيس ذاته لا نائبته. إن(جوزيف بايدن) المخضرم سياسياً رجل ثمانيني محدود الحركة، وهو لم يظهر كثيراً طوال الفترة التى صال فيها ترامب وجال رغبةً فى تغيير نتيجة الانتخابات. وربما نجد بايدن بعد تنصيبه يكتفى بالبقاء فى البيت الأبيض لاستقبال ضيوفه كأب روحى للسياسة الجديدة. بينما يترك الفرصة للشباب الكثيرين المحيطين به من حكومة انتقاها بحكمة رجل يحفظ كتاب السياسة الأمريكية بطناً لظهر. تلك الفرصة سوف تستغلها هاريس لتحوذ موقعاً أكبر من مجرد نائبة للرئيس. وهو ما سيستدعى انتباهاً لتلك الحالة الجديدة..

نانسي بيلوسي سيكون لها اليد الطولَى على قرار الكونجرس. وكامالا هاريس ذات تأثير قوى على قرار البيت الأبيض. ثم البنتاجون الذى سيترأسه وجه أمريكي ملون انتشله بايدن من ركود ما بعد انتهاء الخدمة وأعاده على قمة الهرم العسكرى، فلمن سيكون ولاؤه؟

السياسة الأمريكية الجديدة تتطلب فهماً عميقاً ومرونة فى التعامل مع أدواتها ومداخلها ومفاتيحها. سيكون على مَن يريدون نيل رضا الأب الروحى وإعجاب المرأة الحديدية ودعم البنتاجون أن يتحلوا بالمرونة الكافية لتغيير أسلوبهم السياسي وآلياتهم الدبلوماسية لتلائم الوضع الجديد.

إن بايدن وبطانته يتميزون بما لم يكن يتحلى به سابقه ترامب. فالأخير كان متهوراً ولا يمكن توقع ردود أفعاله، وهو ما جعل التعامل معه محفوفاً بالمخاطر. بينما سيكون التعامل مع إدارة بايدن تعاملاً سياسياً ودبلوماسياً خالصاً، والسياسة لها ألف باب.

مصر لا يعنيها أن يكون رئيس أمريكا يمينياً أو يسارياً. لكن يعنيها أن يحقق لها مصالحها. ولكى يحدث هذا فلا بد من خطاب دبلوماسي مختلف. وهو ما سيستدعى تغييراً جذرياً فى الخطاب الدبلوماسي المصري ليتلاءم مع اللون الجديد للسياسة الأمريكية.

 

عبد السلام فاروق

 

 

عبد الخالق الفلاحالملاحظة التي جلبت النظر المواجهة بين الرئيس الامريكي المغادر للبيت الابيض  دونالد ترامب ونانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الامريكي التي صرحت امام العديد من السياسيين في واشنطن العاصمة في المسؤولية التي يتحملها الرئيس الامريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، في اثارة الاحداث التي جرت وبعد مغادرته المكتب البيضاوي من الابواب الخلفية وعدم مشاركتة في حفل التنصيب للرئيس الجديد خلافا للعرف الذي يعمل عليه منذ اكثر من 150 عام، ليحل محله بعد فوزه الرئيس الجديد جو بايدن وما قامت به الجموع المعارضة  في اختراق الحواجز بتشجيع من الرئيس المهزوم دونالد ترامب والدخول الى الكونغرس المؤسسة الدستورية الاولى في الولايات المتحدة الامريكية لاول مرة في التاريخ واثارت أعمال الشغب فيه كانها صور من العالم الاخر، ولم تكن إلأ حقيقة في ظل الديمقراطية المزيفة التي يتشدقون بها منذ عقود طويلة وشنت الحروب والغزوات على دول عدة بما فيها العراق وأفغانستان وسورية واليمن وفلسطين وليبيا وبلدان عديدة اخرى مباشرة بتواجدها وغير مباشرة في فتح ترسانات اسلحتها المختلفة في دعم المعتدين وليست التنظيمات الإرهابية الموالية لواشنطن بما فيها تلك التي يطلق عليها تسمية القاعدة وداعش والمجموعات الارهابية الاخرى في سورية والعراق إلا البعض من الأمثلة على الوسائل والاساليب الملتوية التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق اهدافها وتدمير الدول ذات السيادة التي ترفض الرضوخ لها وبشعارات مبهرة عن تحرير الشعوب ونجدة الضعفاء ونصرة الديمقراطية وإعادة الشرعية وقتلت وما زالت تقتل آلاف البشر من اجل الهيمنة والسيطرة على صناعة القرار العالمي بسياسات إعلامية قوية للتبشير بمبادئها وأفكارها وإشاعتها في صفوف أبناء الشعوب الاخرى، وكشف ترامب كل معاييرها  وبروتوكلاتها  السياسية وفضح الكثير من الممارسات السلبية بكل اريحية، وأخضع كل القضايا والمصائر لمزاداته العلنية، في ظل تفكك واضح في بنية المؤسسات الديمقراطية الأمريكية وتراجع دورها، وعدم قدرتها على تقييده أو كبح جماحه ليتجاوزها ويتجاوز صلاحياته، ويحدث شرخاً واضحاً بينه وبين هذه المؤسسات، في ظل جو يسوده الصراع الحاد، وتتطاير فيه اتهامات التخوين والعداوات، وتُنتهك القوانين دون قيد أو رادع، ويظهر وجه السياسة الأمريكية كما هو بالفعل.

فهل من حق الولايات المتحدة بعد الان للترويج للقيم الديمقراطية والحرية والعدالة التي طرشت اذاننا طول القرون الماضية  بها، في استخدام  الرعب والتخويف تارة، والحصار الاقتصادي تارة، لتفرض اجندتهاالمزعومة على الدول، بذريعة تخليصها من الظلم واستبداد أنظمتها الحاكمة، باتت مكشوفة للشعوب، التي على الرغم من معاناتها والحروب المختلفة المفروضة عليها، إلا أنها قادرة على خلق حريتها الحقيقية بعيداً عن كل المسرحيات والمزادات.

هل يحلوا بعد الان للمثقفين الذين يرون فيها حلماً طالما عاشوا مدافعين عنه ، وهم يرون فيها نموذجاً للحكم الحلم الذي يجب أن يحتذيه العرب خصوصاً والمسلمون عموماً إذا ما أرادوا التطور واللحاق بركب الغرب ويستمروا في نهجهم ذلك،ان المولعون بالحديث عن هذه الديمقراطية المزيفة في نمطها الغربي لا يخفون أبداً إعجابهم التام بذلك النموذج بل يتجاوزون ذلك إلى أن بعضهم يرى أنها هي المخلص من مشاكلنا وعقدنا التي جعلتنا في الصفوف الخلفية في هذا العالم المليء بالتحديات كما نسمعُ بالكثير من مصطلحات الحرية والعدل والمساواة والإخاء والوفاق الإنساني التي تقترن بالديمقراطية ، ولكن هل هذه المصطلحات البراقة والجميلة تم تحقيقها على أرض الواقع الغربي أصلاً قبل أن يطالب بها للغير.

وقد أكد الكاتب والبروفيسور الأمريكي بول كريغ روبرتس أن الولايات المتحدة ما زالت تستخدم شعارات الحرية والديمقراطية المزيفة للتدخل السافر في شؤون دول غيرها وشنها الحملات العسكرية والغزوات على الدول فضلا عن قيامها بعمليات التجسس الواسعة ليس فقط على الأمريكيين بل على المدنيين في جميع أنحاء العالم.

وفي تناقض واضح وتام للادعاءات التي تتشدق بها حول السماح لمواطنيها بالتعبير عن آرائهم والحصول على حقوقهم وحرياتهم المدنية أعطت واشنطن لنفسها الحق في قمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لها والأصوات المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية كما عملت على تأسيس وإنشاء تنظيمات إرهابية خارجية على غرار تنظيم داعش الإرهابي في سورية من أجل تحقيق اهدافها وأجنداتها التوسعية.

ولفت روبرتس في سياق مقال نشره موقع غلوبال ريسيرتش الكندي الى أن الولايات المتحدة “دولة بوليسية” تمارس التجسس غير المشروع وتضرب عرض الحائط بالقوانين والمعاهدات الدولية عرض الحائط وكل ذلك خدمة “لفئة نخبوية” قليلة تسيطر على الإدارة الأمريكية. بتطبيقه في عالمنا المنهزمون من أبناء الشعوب العربية.

 لقد شرعت الولايات المتحدة في نهج سياسة إعلامية قوية للتبشير بمبادئها وأفكارها وإشاعتها في صفوف أبناء شعوبنا، ففي شهر مايو 2001 تقدم السيناتور الأمريكي تيد كيندي لمجلس الشيوخ نيابة عن عشرة آخرين من أعضاء المجلس بمشروع يحمل اسم (الجسور الثقافية لعام 2002)، ترصد له ميزانية إضافية تبلغ 75 مليون دولار، هدفه احتواء شباب العالم الإسلامي ثقافياً، وصناعة قادة المستقبل في الدول الإسلامية من داخل المؤسسات الثقافية الأمريكية، ضماناً لاستمرار مسلسل التبعية الحضارية، وقال مستشار الأمن القومي في ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في شرحه لأهمية اقتناء قناة فضائية اسرائيلية ناطقة بالعربية وموجهة الى العالم العربي:”إن نصف الشعب في السعودية مثلاً تحت سن 30 عاماً، وإن هذه الأجيال ليس لها معرفة بالاستعمار ولم تجربه، كذلك لم تجرب الحرب مع اسرائيل، ولم تعرف للقومية العربية انتصاراً أو تحقيق آمال وطموحات..

وقد كشفت تسريبات سنودن الموظف السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية برامج سرية تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكية للتجسس على الاتصالات والبيانات الشخصية داخل الولايات المتحدة وخارجها وحاول كبار المسؤولين في إدارتها الدفاع عن هذه العمليات في مواجهة الانتقادات الدولية ولجؤوا إلى الحجة القديمة نفسها التي تستخدمها واشنطن في تبرير ما تقوم به من انتهاكات ألا وهي “حماية الأمن القومي”.

وبعد هذه كله اليس من حقنا  كشعوب منطقة لمستقبل افضل أن نعي لما يحاك لنا في مطابخ الإعلام الأمريكي من مخططات ومؤامرات دنيئة تستهدف عزتنا واستقلالنا وحريتنا ومقدساتنا وتسعى لنهب ثرواتنا وما علينا إلأ ان نكن يقضين ونتسلح بالعلم والمعرفة والتفكر بمستقبلنا ومستقبل أجيالنا الصاعدة وندق ناقوس الخطر لما يعدونه في تلك المطابخ لسلب عقول الشباب وإلهائهم بشبكات التواصل والفيسبوك والموضة والأفلام الخلاعية والمحطات الهابطة التي تشتت عقولهم وتحرفها عن العلم والمعرفة…

 

عبد الخالق الفلاح -  باحث واعلامي

 

 

نبيل عودةأشار تقرير صادر عن الجامعة العربية قبل عدة سنوات، وصدر تقرير دولي مشابه أيضا من الأمم المتحدة، (الواقع اليوم اكثر سوء) الى مخاطر اتساع الفجوة التكنولوجية والعلمية بين العرب وإسرائيل، يؤكد التقرير اهتمام اسرائيل بتنمية قوتها الذاتية على خلفية علمية وتقنية جبارة، تنفق اسرائيل علي البحث العلمي بصورة لائقة تعكس تطلعاتها ورؤيتها الواعية لأدوات المعركة، بما يعد خطرا داهما على الأمن القومي للعرب، وتستقدم العلماء اليهود من مختلف أنحاء العالم وبخاصة أوروبا وأمريكا كل عام لمدة 3 شهور، للاستفادة من أبحاثهم العلمية ولحل مشكلاتهم، حيث استقدموا حتي الآن 78 ألف مهندس و16 ألف طبيب و36 ألف معلم و13 ألف عالم مختص بالتكنولوجيا المتقدمة وفقا لتقرير جامعة الدول العربية. العالم أحمد زويل عالم كيميائي مصري، أمريكي الجنسية، حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1999 لأبحاثه في مجال الفيمتو ثانية.  بالطبع لم تتوفر له فرصة ليقوم بأبحاثه في مصر.

تكتفي الدول العربية في علاقاتها مع العلماء العرب المنتشرين في بقاع الأرض بالطابع التشريفي، حيث تقوم مراكز الأبحاث باستضافة عدد من العلماء المصريين المهاجرين بالخارج إلي مؤتمراتها السنوية حتي يكتسب المؤتمر طابعا براقا لا أكثر، وكأنه مهرجان سينمائي مثل " كان " أو "أوسكار" الذي يتلألأ بنجومه.

تقول د. غادة الخياط- خبيرة الفضاء المصرية وكبيرة مهندسي الأنظمة المتعددة بجامعة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، التي زارت مصر في مهمة علمية في مجال تصميم سفن الفضاء متعددة الأنظمة والاتصالات والتدريب في مجال الأنظمة الهندسية لسفن الفضاء- : إن الحكومات المصرية المتعاقبة اكتفت في تعاملها مع العلماء بإرسال خطابات للمحافظات التي ينتمي إليها هؤلاء العلماء لدعوتهم في احتفالات الأعياد القومية لكل محافظة حتى يحدث نوع من الربط بينهم وبين بلدهم!

اوصت د. غادة بتخصيص ميزانيات في السفارات المصرية بالخارج للاجتماع بهؤلاء العلماء المتميزين بصفة دورية ودعوتهم للمؤتمرات العلمية، مشددًة علي أن لهم أسبقية الدعوة عن غيرهم من علماء العالم كافة ، مطالبًة بأن تقوم شركات السياحة الوطنية بدعوتهم في رحلات سياحية متخصصة، وأن تسعي كل أجهزة الدولة إلى تدعيم إحساس هؤلاء العلماء بمصريتهم حتي يمكن أن يشكل منهم "لوبي" في الخارج يدعم موقف مصر والأمة العربية في أي قضية نكون طرفًا فيها، خاصةً أن هؤلاء العلماء يحتلون مراكز مرموقة في البلاد التي يعملون بها، مع اعتبارهم سفراء لوطنهم في الخارج.

وقالت إن تعامل الحكومة المصرية مع هذه العقول كان بمنطق المشاركة الشرفية في الاحتفالات القومية، وكانت النتيجة تدني مركز مصر بين الدول في مجال البحث العلمي حتي أصبحت الهوة واسعة بيننا وبين أشد منافسينا بالمنطقة : اسرائيل، إذ تراجع ترتيب مصر بين الدول في مجال البحث العلمي عام 2007م إلي المركز 135، بينما قفز ترتيب اسرائيل إلي الـمكان ال 14، بل تقدمت علينا دولة عربية أخري وهي الإمارات التي احتلت المركز 65 بين دول العالم، أما عام 2000م فقد كانت مصر في المرتبة الـ 114 بينما كان ترتيب الإمارات الـ 70 في حين كانت اسرائيل في المرتبة الـ 21، والسبب معروف هو أن مصر تخصص 0.8% من ميزانيتها للبحث العلمي في حين تخصص اسرائيل 5% (الحديث اليوم عن 7% على الأقل) من ميزانيتها للغرض نفسه، بالإضافة لميزانية وزارة الدفاع التي يخصص منها جزء للأبحاث العلمية العسكرية، طبعا عدا الدعم المالي الأمريكي للأبحاث العسكرية والدعم الاقتصادي.

وصف وقتها الدكتور عصام حجي حال البحث العلمي بمصر بأنه غير صحي برغم ما تتمتع به مصر من كفاءات متميزة ونادرة جدا ووجود علماء في كثير من المجالات، مشيرا إلى أن مصر فيها عقول لا تقل عن أي دولة متقدمة لكن الفرصة ليست متاحة لهم، ومن ثَمَّ فنحن في حاجة إلى إصلاح مالي، بالإضافة إلى ضرورة ربط مراكز البحوث بمواقع الإنتاج مع استثمار النبوغ الفطري الذي يتمتع به الشعب المصري من خلال الاهتمام بالعلم قبل كل شيء.

مصر لديها مئات الآلاف من التخصصات القادرة على تغيير صورة الحياة على أرضها، حسب المعلومات التي نشرت وقتها، مثلا في الطب كان يوجد بالولايات المتحدة 47 جراحا وطبيب قلب متميزين جدا، وفي كندا 11 طبيبًا، وفي أستراليا 7 أطباء، و66 طبيباً بالاتحاد الأوروبي، أما في مجال الطب النووي يوجد ثلاثة بالولايات المتحدة واثنان بكندا ومثلهم بأستراليا وستة في الاتحاد الأوروبي، وفي تخصص العلاج بالإشعاعات يوجد بالولايات المتحدة 10 علماء متخصصون وبكندا واحد، وفي أستراليا ثلاثة أما الاتحاد الأوروبي فيوجد به ستة، هذا بالإضافة لباقي التخصصات مثل علم المناعة والسموم

ويوجد بمجال هندسة المؤثرات الميكانيكية بالولايات المتحدة 42 عالمًا مصريا و7 بكندا وواحد بأستراليا، و7 بدول الاتحاد الأوروبي، وفي هندسة المدن والسدود يعمل بالولايات المتحدة 31 عالمًا وبكندا 14 و10 في الاتحاد الأوروبي، وفي مجال المايكرو إليكترونيات يعمل بالولايات المتحدة 52 عالمًا، و14 بكندا، و8 بأستراليا، 19 بدول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تخصصات الهندسة النووية واستخدامات أشعة الليزر، وتكنولوجيا الأنسجة.

أما رجال الأعمال المتميزون بالخارج فمنهم 44 في بيوت الخبرة الأمريكية، و41 ببيوت الخبرة الكندية، و8 في أستراليا و132 بالاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تخصصات السياحة والتصدير والاستيراد، وتخطيط الصناعة.

ملاحظة: هذه الأرقام نقلتها من تقرير صدر قبل عدة سنوات، وتقديري الطبيعي ان الواقع اليوم أكثر سوء، وإذا اضفنا تقرير مستوى الجامعات السنوي سنجد ان العالم العربي في الحضيض. لذا نشهد اليوم تفكك الكتلة العربية، والتخلي عن كل الروابط القومية والانسانية، بل والتحالف مع أخطر قوة انيط بها شل تقدم وتطور العالم العربي، وأكثر من ذلك، نهاية للفكر القومي العربي الذي لم يتطور أصلا، ولن يتطور بغياب تطوير اقتصادي وعلمي اسوة بالبلدان المتطورة وإسرائيل في مقدمتهم!!

 

اعد التقرير: نبيل عودة

 

 

سامان سورانيمن الجدير بالذكر أن إقلیم كوردستان منذ عام ١٩٩١، أي بعد إبعاد النظام السابق من بعض المناطق الكوردستانية، شاهد تطور تدريجي بحيث إستطاع إحداث شبكة مصالح إقتصادية تربطە بدول المنطقة والعالم، بعد أن تجاوز الماضي وقام بالتركيز على ما هو مطلوب، حتی أصبح الإقليم اليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً علی تجربته الناجحة وبسبب الإستقرار الأمني فیه وتطورە الإقتصادي والسعي الدؤوب من قبل حكومته المنتخب بشكل شرعي في إفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية، قبلة لكل ابناء العراق والمنطقة في سياحتهم اليه بكمال الحرية واقامتهم فيه.

هكذا تبلورت الهوية الكوردستانية وتحولت اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية والفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمؤمنة بالدبلوماسية الهادئة لغرض تنمية ثقافة السلام.

لاشك أن مجتمعاتنا هي محصلة تواريخه والتاريخ البشري عبارة عن مشاكل وقضايا وسعي نحو حلها، فنحن لاننسی بأن الإقلیم واجه أزمات سياسية وإجتماعية في علاقته مع دول الجوار علی مدار الثلاثين سنة الماضية، لأن طفرته الحضارية وإندماجه في المعادلات السياسية والإقتصادية في المنطقة تغضب بالتأكيد الاعداء وتسر الاصدقاء، لکن لا أحد يستطيع أن ينکر المسألة الكوردستانية، والتي أصبحت مع التحولات والتغيرات السياسية والإقتصادية مطروحة علی المشهد السیاسي والاجتماعي لا فقط في المنطقة بل في جغرافية أوسع.

الهدف الأساسي من إستخدام الدبلوماسية الهادئة، التي يتميز بها الإقليم، هو التوفيق بين المصالح المتعارضة وخدمة المصلحة البشرية بالطرق والأدوات السلمية والسعي الی تجنب التوتر أو تخفيفە.

إن هندسة الأمن الداخلي والإقليمي يجب أن ينبع من الحوار ولا شيء سوى الحوار ويجب أن يتم تبني صوت الاعتدال المبني على المقاربات الأسرع لتحقيق الإجماع بين الجهات المتنازعة، هکذا نستطيع أن نكسب إحترام الشركاء والعالم من حولنا. وبالتالي على السياسة أن تلعب الدور الأمثل في تقريب وجهات النظر في كل الخلافات سواء داخل الإقليم أو في العلاقات البينية بعيداﹰعن إستعمال لغة العنف والسلاح.

وما يُسجل للسياسة الخارجية للإقليم  بشهادة دول وجهات عالمية وقوفها على مسافة واحدة من جميع ملفات النزاعات الإقليمية والدولية، لا تحيد عنها في عصر صارت كثير من الدول تغذي دبلوماسيتها بالنهل من أجندات معلومة لقاء مصالح آنية ولو كان ذلك على حساب الأمن الاقليمي.

ولحسن الحظ تقف الجغرافية السياسية للشرق الأوسط اليوم الی جانب الكوردستانيين، فإقليم كوردستان من الناحية الأمنية هو بالتأکید القطب الهادیء في هذه المنطقة.

وإن التواصل المستمر للرئیسان نجیرفان بارزاني (رئيس الإقليم) ومسرور بارزاني (رئيس الحکومة) وإستخدامهم النمط الفکريّ النابع من الإیمان العمیق للرئیس المناضل مسعود بارزاني بالسلام، کأفضل طريق للوصول الی حقوق شعب كوردستان وإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة، إستطاع أن يحوؔل لغة العنف السياسي في كوردستان الی لغة إنسانية للحوار وأدی هذا التواصل الی أرتقاء إقليم كوردستان وإعلاء قيم الإنتماء والولاء لە ورفع رايته في كل المحافل رمزاً للحكمة والسلام والخير والعطاء.

فالرئیسان يسعيان بکل جرأة وثبات الی تشكيل حقل معرفي لتنمیة ثقافة السلام، تتحول معه الأزمات والمآزق الي مواضيع للدرس والتحليل أو التشريح والتفكيك وذلك لتقوية أسس فلسفة السلم ومذهب اللاعنف، فنری تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر ومقاصد وأبعاد جديدة، علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالأدارة والديمقراطية أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة، هکذا نستطيع أن نقوِّض جدران الكراهية ونمدُّ جسور السلام والمحبة، فالمصالح المشتركة والمنافع التجارية هي مَن تجمع الدول، لا الابتزاز السياسي، والمراهقات الدبلوماسية.

وأخيراﹰ يمکننا القول وبکل وضوح بأن الإقليم لم يدخل في متاهة سياسة ردة الفعل على كل ما واجهه ولم ينجر وراء سياسة المحاور، فالدبلوماسية الهادئة أعطت الإقليم بعداً خاصاً في ترجمة القول إلى الفعل وإستقطاب دول الجوار، بعيداﹰ عن التوترات والخلافات السياسية، للوصول الى حلول للقضايا التي تهم السلام والأمن والاستقرار في الإقليم والمنطقة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيمأساتُنا نحن العراقيين تكمن في تضاءل الأمل يوماً بعد يوم في تحسن اوضاعنا، ووقف تفاقم مشاكلنا ومعاناتنا الحياتية في كافة المجالات، ومنع إنهيار قيمنا الاخلاقية والإنسانية نتيجة العوز والحاجة والإهمال وعدم رؤيتنا لأي بصيص نور في نهاية النفق العتيد.

وقد يبدو الكلام مغرقآً في اليأس والقنوط، لكن المعطيات الراهنة تقودنا الى هذا الإحساس الموجع للأسف الشديد، فالماسك بالسلطة (أيّ كان موقعه وصفته) كما هو معلوم مهووس بالعصبية والقبلية وجمع المليارات ومضاعفة أرقام أرصدته الخرافية في البنوك والمصارف سراً وعلانية، وهو في شغلٍ شاغل عن حاجة المريض الحائر الباحث دون جدوى عن دواء مرض مزمن نآدر ينقذه من موت محقق، أوعن تطلع الشاب العاطل عن العمل أو المعيل لأسرة الى فرصة توفر له أسباب الاستمرار في الحياة وتحفظ له بها كرامته الإنسانية وتدرء عنه ذل السؤال، أو عن أمل اليتيم والأرملة الى من يحميهما من غدر الزمان وكوارث الحاجة وإنقاذهما من براثن تجار الأعضاء البشرية والمتاجرين بالدم والجسد وهكذا...

في ميدان الصحافة أيضاً لا يبدو الحال بأفضل من غيره، فالكلمة الحرة تنوء تحت أثقال ضريبة باهضة، والحياد ليس سوى نكتة في مفهوم المتسلطين، وإصرار الصحفي المستقل على التمتع بفرصة ممارسة الرأي الآخر يعني تعرضه الى التغيب القسري عن المهنة التي يؤمن بها بل وعن الحياة ذاتها احياناَ !

في ظل هذه المعطيات فإستمرارالإعلام والصحافة المستقلة في أداء وظيفتها غير المنحازة والبعيدة عن سطوة الأحزاب والتيارات المهيمنة على تقاليد الأمور ضرب ٌمن الخيال، وحتى الدولة التي دخلها القومي من ثروات البلاد ومن المواطن ذاته لم يتسن لها في المراحل السابقة، وعقب سقوط النظام الشمولي الفردي من إنتشال أي صوت مستقل وحر من معاناته الأليمة أو توفير فرص تطويروسيلته الاعلامية لخدمة الوطن بنزاهة وحيادية بعيداً عن التعصب الأعمى والقسر والإقصاء والضنك المقيم، فضلاً عن أن نواب الشعب في البرلمان لم يفكروا لحد الآن في إقرار تشريع يحمي الكلمة المستقلة ووسائلها وتوفير اسباب ديمومتها وتطورها.

والى أن يطل التغيير في الطباع والمفاهيم ‏السائدة وضمان سيادة القانون والنهوض بمرافق الحياة في بلادنا، فالإعلام والصحافة المستقلة تبقى وحيدة في الميدان بإنتظار قدوم الفرج المستحيل !

 

محمد حسين الداغستاني

عمانوئيل خوشابابعد الأحتلال 2003، واِمكانية استقطاب الاستثمارات الأجنبية والوطنية

تعرض العراق الى العديد من الأزمات الأقتصادية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث أثبتت الوقائع على اٍن الدولة العراقية لم تكن لها القدرة في مواجهة هذه الأزمات بالرغم من ما تمتلكه من أمكانيات هائلة من مواد وعناصر الأنتاج كانت مادية او بشرية. أعتمد النظام السابق على النظام الأقتصادي المركزي الريعي، وتفاقمت الأزمة الأقتصادية العراقية بعد الغزو الأميركي عام 2003 لأسباب عديدة، وتغيرحينها النمط الأقتصادي الى النظام الأقتصادي الريعي ـ الليبرالي، بحيث أعتمد في نتاج عائداته النقدية على المصدر الوحيد الطبيعي وهو الريع النفطي، في ظل تلاشي الفعاليات الأنتاجية الأقتصادية الأخرى، بحيث يكاد يكون الناتج الأجمالي القومي صفراً خارج المجال النفطي.

بعد تدمير البنى التحتية للعراق بعد عام 2003 ومن خلالها أنهارت المنظومات السياسية، الأقتصادية، الأدارية، المالية،الخدماتية وكذلك المؤسسات الأمنية، أصدر حينها المحتل عدد من التشريعات والقوانين لتمشية أمور الدولة طبق مواصفاته، بحيث خلق من بعدها أزمة حقيقية وهي غياب مفهوم الوطنية، والذي أستطاع أن يجسد مفهوم التباين بين أبناء المجتمع الواحد، ووضعت البلد تحت نيران النزاعات الدينية، الطائفية والعرقية، وأمسى العراق بلد المكونات خلال دستوره اللاوطني. وأنعكس نتائج الوضع أعلاه على معيار توزيع الثروات الأقتصادية العراقية على شكل معيار طائفي مقيت خاصة بعد جلاء قوات الجيش المحتل عام 2011، وأنعكس بدوره على آداء الأقتصاد العراقي. حيث عمدت الولايات المتحدة الأميركية الى عملية تحرير شامل للأقتصاد العراقي وأستخدام التجارة الحرة بدون وجود أسس وضوابط معينة يستطيع مواجهة اقتصاديات دول الجوار والعالم، بحيث سمح بفتح الأسواق العراقية بمصراعيها أمام البضائع الأجنبية، وأدت هذه العملية الى تدهور القطاع الصناعي والزراعي الوطني.

أزدادت العائدات النقدية العراقية مابين عام 2003 ـ 2010 وذلك بسبب أرتفاع أسعار النفط ، وأثبتت الوقائع بأرتفاع  مؤشر النمو الأقتصادي فقط بدون أي أثر فعال في مجال التنمية و ذلك تبين الأحصائيات اٍن العائد النقدي العراقي تجاوز الــ 900 مليارد دولار من العائدات النفطية فقط، ولكنها تلاشت في النظام الأداري والمالي الفاسد من خلال أكبر عملية فساد منهجية ظهرت في تاريخ العراق المعاصر، والذي أعتبر العراق خلالها  من أسوأ الدول المتعاملة في مجال التجارة والأستثمارات، واٍن مجمل أستثمارات الدولة لاتذهب الى مشاريع التنمية الوطنية بسبب هذا الفساد ضمن الأقتصاد المنفلت ،وهذا ما أكدته منظمة الشفافية الدولية في تقاريرها الدورية، وتم خلالها تصنيف العراق في المرتبة 170 من بين 175 دولة أكثر فساداً في العالم، وكذلك تم تصنيف العراق بالمرتبة 156 من بين 185 دولة سيئة في مجال ممارسة الأعمال التجارية والأستثمار.

ونود التطرق الى أهمية عامل الأستثمار في دفع عجلة التنمية الأقتصادية الى أمام، حيث يعمل على زيادة السلع والخدمات المنتجة، يعمل على تخفيض نسبة البطالة، رفع المستوى المعاشي، وتوفير العملة الصعبة وغيرها.  ومن هنا عندما يشهد العراق أي أزمة أقتصادية، نلاحظ هرولة النظام السياسي نحو الحديث عن ضرورة جلب الأستثمارات الأجنبية والمحلية من تصحيح الوضع الأقتصادي، ودعواتهم هذه تكاد فاشلة وليس لها أرضية خصبة بفضل تضاربات القانونية، العامل الأمني والفساد البيروقراطي الأداري والمالي. وكما هو معلوم بأن العراق أقرعام 2006 قانون الأستثمار رقم (13)، والتي تأسست من خلاله الهيئة الوطنية للأستثمار، والتي نصت أهم بنوده على تشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي والمختلط للأستثمار في العراق، من خلال توفير كافة السبل والتسهيلات للمشاريع الأستثمارية، ومن ثم تنمية عوامل الأنتاج وتوفير فرص العمل للعراقيين. وبالنتيجة توسيع الصادرات وتعزيز عملية التبادل التجاري وأخيراً توفير الحماية الكاملة لأمن وحقوق وممتلكات المستثمر.

بالرغم من مرور أكثر من 14 عاماً على أصدار هذا القانون اٍلا اٍنه لم يرى النور  وبقي حبراً على الورق ولم يتم اٍكمال اٍلا الجزء الضئيل في بعض المناطق. ويرجح عدد  من الأسباب التي أدت الى عدم تفعيل القانون أعلاه :

1 ـ عدم وجود شروط الدولة السيادية في العراق، والتي من خلالها يمكن فرض سيطرتها على مجمل الأمور، فغياب القانون ومن ثم سيطرة الميليشيات والأحزاب الطائفية والعرقية على القرار السياسي والأقتصادي للبلد، مجمل العوامل أعلاه سوف تعرقل بدورها مشاركة اي مستثمر بالدخول الى السوق العراقية المظطربة.

2 - تفشي الفساد داخل بدن الدولة العراقية والمسبب الرئيسي له هو الأحزاب المسيطرة على القرار الأداري والمالي ضمن الدوائر والوزارات المتعلقة بهذا الشأن ،والتي تنتج حالة تضارب القوانين مابين الدوائرالمعنية ومن ثم كثرة الأتاوي والرشاوي والذي يؤدي الى نفور الشركات المستثمرة الدولية التي تؤدي بدورها يدفعها المستثمر للأحزاب المسيطرة على الدوائر والوزارات المختصة ضمن مجال الأستثمار.

3 ـ قانون الأستثمار العراقي المرقم 13 لعام 2006 لايوفر البيئة المناسبة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية ولم يواكب أسس الأستثمار والتشريعات المطبقة في أغلب بلاد العالم، مثال الضمانات والتسهيلات المالية والخدمية، الأعفاءات الضريبية والكمركية المقدمة للمستثمر الأجنبي، حيث يترنح المستثمر بسبب بيروقاطية القوانين والتشريعات والتي تسيطر عليها الأحزاب والميليشيات المتنفذة وتسييرها حسب هوائها، وبهذا لم تتكن الدولة العراقية في حماية المستثمر من الناحية الأمنية، المالية والأدارية.

4 - عدم وجود نظام مصرفي مثالي ومؤهل لخلق أرضية خصبة يمكن من خلالها جذب رؤوس الأموال المستثمرة، حيث تبين الأحصائيات بأن العراق لديه حوالي 45 بنك خاص، اٍضافة الى 7 بنوك حكومية وغلبيتها لاترتقي الى المستوى والكفاءة المطلوبة من مواكبتها للتطور التكنلوجي المتوفر في المصارف العالمية، بالأضافة الى المشكلة الأكبر والمتمثلة بعمليات الفساد الكبري والتي يؤديها البنك المرطزي العراقي من عملية غسيل الأموال وتهريبها.

5 - عدم الأستقرارالأمني والسياسي وسوء واقع الخدمات المتمثلة بعوامل الأنتاج كالكهرباء والماء والطرق وغيرها.

علماً بان الدولة أنفقت الملياردات من الدولارات على عمل الهيئة الوطنية للأستثمار ودوائرها الفرعية في المحافظات وايفادات الكثيرة لوظفيها داخل البلد وخارجه، ولم تنجز الحد الأدنى من المشاريع ، لذلك وبذلك وفق العراقيل أعلاه، تبين بأن العراق خسر العديد من فرص الأستثمار والتي كان يمكن أن تؤدي الدور الكبير في أعادة بناء العراق .

لذلك يواجه العراق اليوم في ظل حكومة الكاظمي أزمة أقتصادية خانقة من خلال تفشي جانحة كورونا وهبوط أسعار النفط، مع تفشي الوضع السياسي الهش من خلال عدم قدرة الدولة في فرض قبضتها على زمام الأمور وتواصل هيمنة الميليشيات التابعة للأحزاب الطائفية بكافة تلاوينها المذهبية على القرار السياسي والأقتصادي والتي خلقت من خلاله أقتصاد مريض والذي أدى بدوره على تراجع كبير في نسبة الخدمات المقدمة للمواطن العراقي، وارتفاع قياسي في نسبة البطالة وخاصة في شريحة الشباب، والتي أدت الى زيادة الأحتجاجات والمظاهرات السلمية في جميع أنحاء العراق. وتظهر الأحصائيات الأقتصادية بحصول أنكماش في الريع النفطي بنسبة 12% ، يقابله أنكماش في الناتج الوطني الغير نفطي بنسبة 5% ، ومن خلاله أنكمش معل النمو الكلي للناتج الوطني بنسبة 10 % لعام 2020 وهو الأسوأ منذ عام 2003، وبذلك أدى التراجع الأقتصادي أعلاه بحدوث أزمة أجتماعية ألقت ظلالها على الأسر العراقية بحيث أزداد معدل الفقر الى نسبة 14 %  ليصبح أجمالي عدد الفقراء اليوم تقريباً 10 مليون شخص.

 

عمانوئيل خوشابا

20-10-2021

 

قاسم حسين صالحيعني (الأنا).. الفكرة او الصورة التي يحملها الفرد عن نفسه، وتكون على ثلاثة انماط:موضوعية، تكون فيها احكام الفرد عن نفسه وقدراته مطابقة لما يمتلكه فعلا.. وهذا ما يتصف به الأفراد الذين يتمتعون بالصحة النفسية.وتبخيسية، يتم فيها الحط من قيمة الفرد وقدراته ويصل فيها الحال الى ان يصف نفسه بأنه (تافه) في الأكتئاب الحاد. وتضخيمية، يحصل فيها ان الفرد ينظر الى نفسه بانه يمتلك قدرات استثنائية، ويعتبر نفسه بأنه (فلتة زمانه) ان وصل مرحلة النرجسية المرضية.

والغريب في شخصية "الأنا المتضخم" إنها تجمع صفات في "توليفة" من ثلاث شخصيات مختلفة هي: النرجسية والتسلطية والاحتوائية . فهي تأخذ من الشخصية النرجسية حاجتها القسرية إلى الإعجاب.. أي إنها تريد من الآخرين أن يعجبوا بها بالصورة التي هي تريدها، وأن لا يتوقفوا عن المديح والإطراء، فحالها في الإعجاب كحال جهنم، يسألونها: هل امتلئت؟ تقول: هل من مزيد !. وتأخذ أيضا منها شعار النرجسي: "أنا مميز"، وخاصيتها الأساسية المتمثلة في الإحساس بتفخيم أهمية الذات، والتظاهر بامتلاك قدرات فريدة، وان على الآخرين أن يتعاملوا معه على أساس أنه مميز. وتأخذ من الشخصية التسلطية، انفعالاتها الغاضبة واندفاعيتها، وتصنيفها الناس بثنائيات، في مقدمتها ثنائية الأصدقاء مقابل الأعداء، أي من كان معي فهو صديقي وما عداه فهو عدّوي. وتأخذ من الشخصية الاحتوائية السعي إلى السيطرة على الآخرين واحتواء وجودهم المعنوي وأفكارهم، سواء بالإبهار أو بأساليب درامية أو التوائية.

 وواضح لدينا نحن المهتمين بدراسة الشخصية ان ترامب لديه تضخم أنا عال، ولكنه ليس من النوع المرضي او الذي يدّعيه الفرد بل ناجم عن انجازات استثنائية في ميدان المال والشركات والعقارات وناطحات السحاب.. اوصلته الى ان يكون مليارديرا مميزا واستثنائيا فعلا. وبالتعبير العراقي فان الرجل حقق ما عجز عنه آخرون (بزوده) وليس ادعاءا او هبة من آخرين.فضلا عن ذلك فأنه يمتلك جسما رياضيا بمواصفات (البطل) الأمريكي في السينما الأمريكية، ويتصرف بطريقة البطل الخارق الهوليودي!

والخطر في المصاب بتضخم الأنا يتعلق بـ(المعتقد) الذي يعني الفكرة التي يكّونها بخصوص شيء او موضوع ما اذا كانت عقلانية ام غير عقلانية، واقعية ام وهما. ولأنه يتصف بالعناد فانه يرى في معتقداته غير العقلانية وافكاره غير الواقعية بأنها حقائق مطلقة. ومن هنا كان خوف العالم.. ان يتخذ ترامب قرارات غير عقلانية ويجبر الآخرين على تنفيذها. والأشكالية، ان القائد المصاب بتضخم الآنا يكون مستبدا برأيه، واذا ما اضفنا لها أن مزاج النرجسي لا يراهن عليه، وان من يحاول عقلنة ترامب لم تلده أمه بعد!، وانه لن يكترث حتى بالمؤسسة الأمريكية، فان المتوقع أنه لن يهنّأ بايدن على فوزه، ولن يحضر مراسيم تنصيبه كما تقتضي الديمقراطية الأمريكية.. وستبقى (الحرب) مفتوحة بين رئيس يرى في نفسه انه الرئيس الشرعي لأمريكا الفائز بأكثر من سبعين مليون صوتا، مدعوما بيمين متطرف، وبين ديمقراطية لا تصلح سوى لأميركا!

 * كنا، بعكس كبار المحللين السياسيين، تنبئنا بفوز ترامب .. ووضع غوغل صورتنا بين صورتين لترامب، وحللنا شخصيته في ثلاثة مقالات، وصدرت ايضا في كتاب .

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

باسم عثمانفكّت رسالة بعث بها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والأمناء العامين للفصائل، "عقدة" كانت تعترض طريق الانتخابات الفلسطينية الغائبة طويلا، هذه العقدة تتمحور حول تنازل "حماس" عن شرط "تزامن" الانتخابات التشريعية والرئاسية والوطنية، والقبول بإجرائها وفق مبدأ "التتابع"، بحيث تبدأ بالتشريعية ثم الرئاسية فالمجلس الوطني... لكن هنية، بحسب مضمون الرسالة قد أضاف إليها كلمة "الترابط"، ما يعني أن القبول مشروط أيضاً.

ويؤكد رئيس شبكة الأقصى الإعلامية التابعة ل "حماس"، وسام عفيفة أن هنية أرفق كلمة "الترابط" مع "التتابع"، كاشفاً عن أن ليونة موقف "حماس" الجديد جاء نتيجة متغير إقليمي هامّ، قد تمثل بدور وسيط من قطر ومصر.. ويشدد على أن البُعد الإقليمي ودور الوسطاء الذي كان مفقوداً في الفترة الماضية قد تمّ تداركه نتيجة المتغيرات الإقليمية وارتباطاً بنتيجة الانتخابات الأميركية التي أفرزت فوز الديمقراطي جو بايدن. ويؤكد عفيفة أن إطلاق هنية رسالته من الدوحة بحكم تواجده هناك، أيضاً له اعتبار مهم، مع تشديده على مسألة "الترابط" بين الانتخابات، مشيراً إلى أن إضافة الكلمة يعني أن لموقف "حماس" إطاراً ضامناً لحدوث الانتخابات "رزمة واحدة "وألا تتوقف عند محطة انتخابية معينة، ويضيف أيضا، إن "فتح" و"حماس" ستعودان إلى ما تم التفاهم عليه في حوارات إسطنبول التركية في الأشهر الاخيرة، مبيناً أن أهم عنصر هو إمكانية الذهاب إلى الانتخابات "بقائمة مشتركة" كضمانة للطرفين بأن "كلاهما رابح لا خاسر". وفق عفيفة.

مما لا شك فيه أن إجراء الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية الوطنية والسياسية، كما باتت ضرورة لتجاوز أزمات "الاستعصاء " الفلسطينية على الصعيدين البنيوي المؤسساتي والسياسي، وللحفاظ على مشروعية النظام السياسي الفلسطيني.

ومما لا شك فيه أيضا، ان الانتخابات الفلسطينية الثلاثة، بالإضافة إلى كونها استحقاقا دستورياً وديمقراطيا، فلا بد لها ان تأتي كنتيجة طبيعية لضرورة وطنية استكملت شروطها الداخلية: في أسس استعادة الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام ومن ثم العمل على تشريع مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، وشروطها السياسية: في التوافق على الحل السياسي واستراتيجيته الوطنية في إيجاد مخرج وطني كحل لمأزق سياسي عصف بكل مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وشرعيتها.

في هذا السياق، تكون الانتخابات الفلسطينية جزء من الحل، ونتيجة طبيعية للحل الوطني العام والرزمة الشاملة لتحديات الحالة الفلسطينية وتعقيداتها، استنادا الى خصائصها وسماتها المرحلية، وليست كل الحل، وليست ايضا وسيلة لتقويم المسار السياسي، بل ممكن ان تكون اداة لتكريس الانقسام وتبعاته بغياب الحل السياسي والتنظيمي كرزمة شاملة، هي الأداة والوسيلة لأهداف وطنية وسياسية وبرنامجية كبرى وليست هدفاً بحد ذاته، لذلك، فان الانتخابات في الوضع الفلسطيني الحالي - بدون انهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، والتوافق على رؤية وطنية والشراكة السياسية - مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في المجهول، الّا اذا كان الهدف منها إدارة الانقسام وإعادة انتاج الذات المأزومة سياسيا،واضفاء شيء من المشروعية الشعبية عليها امام الرأي العام العالمي والرهان من جديد على المتغيرات الإقليمية والدولية.

ان "التفاهمات الثنائية الفوقية" بديل عن "التفاهمات الوطنية العامة" والحوار الوطني الشامل والفاعل، شأنها ان تكرس نهج "الأبوة" السياسية واحتكار المسؤولية، وإدارة انتكاسات الحالة الفلسطينية" صورياً"، والامعان في إدارة الظهر لإرادة الجمهور الفلسطيني واغترابه الوطني والسياسي عن حالته الوطنية ومرجعيته السياسية.

وكما أكدنا في أكثر من مناسبة، ان مفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني، يقوم على اساس الاستراتيجية الوطنية التوافقية للكل الفلسطيني، بمختلف اطيافه وقواه السياسية والاجتماعية والجماهيرية، من خلال حوار وطني جاد ومسؤول، تحت راية (م.ت.ف) باعتبارها الوعاء والإطار الوطني الذي يجمع كل الفلسطينيين والكيان السياسي له، وباعتبارها الإطار المفترض الذي يُوحّد كل القوى في معركة التحرير والاستقلال.

ان تجاهل متطلبات النهوض الوطني الفلسطيني والياته، وتجاهل تحديات مشروعه الوطني وقضايا الخلاف الأساسية، والتركيز على بعض الجوانب دون غيرها، بمعزل عن التوافق والاتفاق الوطني العام، سنغرق مجددا في دوامة من الانتكاسات الوطنية، ولن نرتقي بالورقة الفلسطينية الى مستوى المخاطر والتحديات الراهنة،حيث ان الدعوة الى اجراء الانتخابات بمعزل عن اليات المواجهة والتصدي للمخاطر المحدقة بالمشروع الوطني الفلسطيني كرزمة كاملة، بالتوافق الوطني والشراكة السياسية للكل الفلسطيني، سيعمق ترسيم ما هو قائم وشرعنته سياسيا ومؤسساتياَ، ليتناسب مع رؤية الاخر الإقليمي والدولي ودهاليزه السياسية.

لا يمكن أن تكون الانتخابات خطوة إيجابية الا إذا كانت النتيجة وليس المدخل، لأن العملية الوطنية ليست انتقائية او تجريبية، الحل في التوافق والاتفاق على استراتيجية وطنية تتجسد بأدواتها والياتها، ومن ثم تأتي الانتخابات لتُكمّل الحل السياسي والعملية الوطنية وليس العكس، وحركة التحرر الوطني الفلسطينية ليست باستثناء عن حركات التحرر العالمية، بل استمرارا واستكمالاً لها ولتجاربها وادبياتها.

اضف الى ذلك، وهذه النقطة في غاية الأهمية،ان حصلت الانتخابات كنتيجة طبيعية للحل السياسي والتوافق الوطني، يجب أن تجري في القدس والضفة الفلسطينية وقطاع غزة باعتبارهم وحدة جغرافية واحدة غير قابلة للتجزئة، واعتبار القدس أولوية : وذلك لكونها عاصمة الدولة الفلسطينية هذا من جانب، ومن جانب اخر تجديد التأكيد على موقف الشعب الفلسطيني الرافض لكافة الاجراءات الأحادية التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال، بهدف تغيير الوضع القانوني للقدس وطمس هويتها الوطنية، كما يمثل هذا الموقف بمثابة تأكيد جديد أيضا على الموقف الفلسطيني الرافض للمواقف والاجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية باعتبار القدس عاصمة لكيان الاحتلال، وما تبعه من إجراء في نقل السفارة الأمريكية إليها.

ان الحالة فلسطينية ومتطلباتها، بحاجة الى ثورة على وقائع وتفاصيل سياسات باتت مسيطرة على العقل القيادي الفلسطيني وفلسفته، تجاه مختلف قضايانا الأساسية والجوهرية، وبهذا السياق لابد من اعادة تموضع جديد في سياسة النخبة الفلسطينية وفلسفتها، فلسفة تقوم على ديمومة المقاومة وابتداع ادواتها والياتها، ونبذ "فن التكتيك" والمراوغة في احتراف العمل السياسي ودهاليزه، التي اصبحت تُثقل كاهل قضيتنا وتحملها ما لا يمكن احتماله.

ان السؤال المطروح الان، هل بإمكان الانتخابات الفلسطينية وحدها وبمعزل عن الحل السياسي العام، ان تنتقل بالحالة الفلسطينية الى ما يجب ان تكون عليه؟!، ام هي محاولة لإعادة ترسيم النظام السياسي وترسيخ منهج السلطة القائمة على أوسلو واستحقاقاته وبالتناغم مع المتغير الإقليمي والدولي؟!. حيث لا يبدو في الافق ان ثمة مخارج وطنية متبلورة لدى طرفي السلطة الفلسطينية لطالما التعامل قائم على أساس خيارات التسوية والاجندات الخاصة!!.

خلاصة القول:

إن المقاومة الشعبية بكل أشكالها النضالية، وتوفير مستلزمات الصمود للشعب الفلسطيني فوق ارضه في ظل قيادة وطنية موحدة، وتحت سقف القرار السياسي الوطني بالمجابهة الشاملة والميدانية، هي السُبُل التي من الممكن لها أن تدافع عن المصالح الوطنية، وهذه كلها تستدعي استراتيجية وطنية شاملة تغادر الرهان على الغير وخيارات التسوية العقيمة، وعلى ما يسمى بالتحالف الدولي المزعوم،ومغادرة الرهان على انتخابات لا تبدو في الأفق أو ذات نتائج وطنية (سياسية وتنظيمية) تكفل مصالح شعبنا وحقوقه الوطنية الكاملة، والعمل على إحداث ميزان قوى جديد في الميدان، من شأنه هو وحده أن يضع المجتمع الدولي أمام وقائع جديدة لا يستطيع تجاهلها.

 

بقلم: د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

محمد مسلم الحسينيأربع سنوات خلت، أدار فيها "دونالد ترامب" دفة الحكم في أقوى بلد في العالم، حملت كثيرا من المفاجآت والأحداث التي لا يمكن للمرء ان يتصورها أن تحصل وتصبح واقعا حيّا في بلد يدعي التألق في الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان!. سنين عجاف مضت قلبت كثيرا من الموازين والأعراف والقيم على جميع الأصعدة الداخلية والخارجية " الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والأخلاقية والمعنوية" في هذه البلاد وهي أم الحدث، وفي بلدان أخرى ومؤسسات ومنظمات مسّها الضر. منذ أن تسنم ترامب مقاليد الحكم في بلاده بدأ ولم ينته من توجيه صدمات مختلفة في تأثيرها وأثرها على العالم حققها قولا وفعلا، ففي أولى أيامه أغلق أبواب بلاده بوجه عدد من الدول المسلمة التي لا تربطه بها مصالح مرسلا إشارة مفادها أنّ "المسلمين غير مرغوب فيهم في بلدنا"، فكشف عن حقيقته العنصرية. كما كشف أيضا عن شخصيته النرجسيّة التي برهنها بتصرفاته اللاإنسانية الأخرى حينما قطع مساعدات أمريكا المالية عن الدول الفقيرة والمحتاجة من جهة، وعندما فرّق الأطفال عن أمهاتهم من اللاجئات القادمات الى بلده من جهة أخرى. لم تقتصر إشارات غياب الرحمة عنده على الأجانب فحسب بل تعدتها الى أبناء بلده حيث جاهد وأجتهد في محاولة إلغاء قانون الرعاية الصحيّة الأمريكي المسمّى بـ "أوباما كير" فبيّن بوضوح غياب القيم الإنسانية عنده التي كان السياسيون الأمريكيون يتبجحون بها. في هذا التوجه وافقه الكثيرون من الجمهوريين وبدون تردد، مما يوحي بأن ترامب لا يتصرف وحده في هذا المسار الغريب !

رفع ترامب شعار"أمريكا أولا" وترجمه بعدم إحترام المعاهدات والعهود والإتفاقيات الدولية التي أرتبطت بها الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، فراح يلغي بها الواحدة تلو الأخرى أو يهدد بإلغائها أو بتغيير صيغتها، حيث ألغى إتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادىء، وإتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الـ " نافتا" التي تربطه مع المكسيك وكندا. إنسحب من إتفاق" إيران النووي"، ألغى المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية، ألغى معاهدة القوى النووية متوسطة المدى مع روسيا، وأوقف إلتزاماته المادية لمنظمة الصحة العالمية وأنسحب منها ومن منظمة " اليونسكو" ومن مجلس حقوق الإنسان التابع لهذه المنظمة. شنّ حربا إقتصادية على الصين دامت طوال فترة حكمه مما جعل الإقتصاد العالمي في حالة خوف وعدم إستقرار وترقب مستمر. ضيّع ثقة حلفاء أمريكا من الأوربيين ومن غير الأوربيين الذين كانوا يعتبرون أمريكا المثل الأعلى لهم بما تقول وتفعل ويتبعونها ظالمة أو مظلومة، فأجبرهم على دفع الأموال وهددهم بفرض الضرائب والتخلي عن حمايتهم العسكرية سواء أكان ذلك على صعيد حلف " الناتو" أو على صعيد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هنا وهناك في شتى بقاع العالم. إنسحب من " إتفاق باريس للمناخ" وألغى إلتزامات بلاده المتعلقة في المحافظة على سلامة البيئة والحد من الإحتباس الحراري الذي أصبح تهديدا صريحا للبشرية ولسلامة مستقبل الحياة على الأرض.  كلّل أخطاءه الخارجية بنقل سفارة " إسرائيل" من تل أبيب الى القدس ضاربا عرض الحائط مبادىء الحياد والحق ومخالفا للقوانين الدولية والنهج العالمي بهذا الصدد فتصرف تصرفا أحاديا منتهجا نهج القهر والقوة ونهب حقوق الآخرين. هذه الأفعال والإجراءات أفقدت ثقة المجتمع الدولي في هذا البلد الذي برهن أنه من الممكن أن ينقلب في ليلة وضحاها على المواثيق والأعراف الدولية من دون سابق إنذار. كما بينت الأحداث بأن ليس لأمريكا حليف دائم أو صديق حقيقي تخلص له وتهتم فيه أمام مصالحها.

أما على الصعيد الداخلي فخرابه لا يقل عن خرابه الخارجي، حيث فصم عرى الشعب الأمريكي وشطره الى نصفين، فكرّس التفرقة وكبّرهوة الكراهية بين أبناء شعبه بعد أن إتبع سياسة التباعد بين من يواليه ومن لا يواليه، حتى أصبح بلده متأهبا لصراع داخلي بين أبنائه!  طعن الديمقراطية طعنة ماكنة بأسلوبه الدكتاتوري المتميز وبتصرفاته الغريبة التي أتسمت بتحفيزأعوانه ومناصريه في التمرد على أسس الديمقراطية وأخلاقها، فوصل به الحد الى تحريضهم على مهاجمة رموز الدولة التشريعية ومقراتها مثل " الكونغرس الأمريكي"! طارد الصحف ووسائل الإعلام التي لا تواليه ووصفها بعدوة الشعب. قوّض ثقة الشعب بمؤسسات الدولة العميقة والعريقة حين أتهمها بالفساد والتحيز والضعف كتوصيفاته وإتهاماته المستمرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي المسمّى بالـ " أف بي آي" وللمحاكم والنظام القضائي والدوائر الإنتخابية ونظامها الإنتخابي الذي أتهمه باطلا بالتزوير والإنحياز. تبنى " نظرية المؤامرة" ضده ووجهها ضد كل من لا يشعر بولائه له ذاهبا بشعار" إن لم تكن معي فأنت ضدي" !. شجع وحفز القوى المتطرفة والعنصرية ورفض في الكثير من المناسبات إدانتها وإنتقادها ورفض شجب أعمال العنف والإرهاب التي مارستها هذه القوى. كل هذه الأعمال والتصرفات خلقت تأثيرا وأثرا في حالة المجتمع وبينت مكامن موجودة فيه وأعطت إنطباعا واضحا بأن الديمقراطية في هذا البلد هشة ضعيفة قابلة للإنقلاب والإنهيار إن توفرت الظروف !

الدمارالأكبر الذي سببه ترامب لبلاده هو إهماله وتهاونه في التصدي لوباء "كوفيد19 " الذي لم يكن مؤمن بخطورته وقوة مراسه، بسبب إعتقاداته الباطلة، إذ أعتبره مزحة وضلالة يصنعها الديمقراطيون ضده. تهاونه هذا بإتخاذ ما يلزم في المراحل الأولى للسيطرة على الوباء وإنتشاره رغم نصائح أهل الإختصاص، أدى الى إنتشار الوباء بشكل متميز حتى صارت الولايات المتحدة الأمريكية الأولى في العالم بعدد الإصابات وبعدد المرضى والمتوفين. عدم سيطرته على وباء كورونا الجديد كان العامل المؤثر الأكبر في خسارته للإنتخابات وفوز الرئيس المنتخب "جو بايدن" عليه.

رغم كل هذا الخراب على الصعيد الداخلي والخارجي لدونالد ترامب غير أن قاعدته الشعبية بقيت مخلصة له على طول الخط، حيث  أثر فيها بخطاباته وأفكاره وإفتراءاته من جهة، وبشخصيته التي أتصفت بـ " كاريزما الضلالة" التي أثر فيها على نفوس وعقول غير المثقفين وبسطاء الناس والمتطرفين منهم من جهة أخرى. هذا يعني أن تأريخ الديمقراطية الطويل وخبرة ممارستها لدى الشعوب قد لا تمنع الرجوع للدكتاتورية في حالة غياب الوعي والثقافة عند أبناء المجتمع وبتوفر الشخصيّة الدكتاتورية المؤثرة، مما يجعلنا نعيد النظر في أدبيات الديمقراطية ومستقبلها !

تصرفات ترامب الغريبة التي أتسم بها كانت مبنية على نقص الخبرة السياسية والدبلوماسية وعلى أساس مرض نفسي تربوي واضح، خلقت منه شخص يتسم بالمصلحية واللامبالاة والعناد والصلف وقهر المقابل وإستنزافه.  شخص الأطباء ترامب على أنه رجل يعاني من " النرجسية الخبيثة"، غير أن أعراض إضافية أبداها ترامب خلال فترة حكمه تشير الى أن النرجسية الخبيثة ما هي الاّ عارض من أعراض مرض نفسي إجتماعي أعمق يعاني منه الرئيس وهو مرض الـ " السايكوباثية". السياكوباث يتسم بصفات غير طبيعية جميعها متواجدة في شخصية ترامب ومنها : تبلد المشاعر والعواطف، العنف والقسوة الشديدة، الكذب، كاريزما الضلالة، جنون العظمة، شبق السلطة والقيادة، قابلية الإقناع، التناقض في الرأي، خلق الوهم والإبتعاد عن إقرار الحقائق للهروب من مسؤولية الأخطاء، غياب مفهوم الصداقة الحقيقية عنده، حب المغامرة، إضافة الى النرجسية الخبيثة المشخّصة مبدئيّا. هذه الصفات المرضيّة المثيرة للجدل  يبدو إنها راقت لحوالي نصف الشعب الأمريكي وكأنه كان يبحث عن هذه الصفات في شخصيّة من يقوده، هذه مسألة مهمة  تتحمل الدراسة والبحث لما لها من دلالات قد تكون خطيرة على المستقبل!

الرئيس المنتخب جو بايدن قد يختلف في تصوراته وأهدافه وسياساته وشخصيته عن دونالد ترامب، فهو شخص ذو خبرة سياسيّة طويلة، سويّ في التصرف والنفسيّة بشكل عام، لا يتفق مع السواد الأعظم من إجراءات ترامب وتصرفاته على الصعيد الداخلي والخارجي، بل يناقضه تماما. هذا يعني أنه سيحاول أن يبني كل ما هدمه ترامب، لكن عملية البناء أبطأ من إجراءات الهدم بشكل عام، فهل يستطيع أن يُرجع الأمور الى نصابها كما كانت من قبل...!؟. قد ينجح في إصلاح الخلل في كثير من الأمور حيث سيحاول ومنذ الوهلة الأولى إلغاء الكثير مما ألغاه ترامب من عهود ومواثيق ومعاهدات وإتفاقيات وسيوقف الحرب الإقتصادية المحتدمة مع الصين بشكل أو بآخر. لكن تبقى الهوة التي صنعها ترامب بين السياسيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي من جهة، وبين الأمريكيين أنفسهم من جهة أخرى، هي التحدى الكبير الذي سيواجهه في قابل أيام حكمه، حيث يخشى المراقب أن تبقى آثار ترامب السلبية على حالة المجتمع الأمريكي قائمة الى أجل بعيد وزمن أطول ! من جانب آخر فإن الإرث الثقيل، الذي ينتظره بما يتعلق  بطامة وأزمات وباء كوفيد19 وآثاره المادية والإقتصادية والإجتماعية والنفسية، يبقى الهم الأكبر له، إذ عليه أن يسرع في تحجيم الوباء والسيطرة عليه بكل الوسائل والسبل وأهمها توفير وتوزيع اللقاح بالسرعة الممكنة، كي يتفرغ لمعالجة مضاعفات ومخلفات هذا الوباء الثقيلة. طريق طويل وشاق محفوف بالمتاعب والعقبات يجب أن يسلكه رجل أتعبته السنون، خصوصا إذا بقى دونالد ترامب أمامه حرا طليقا يعبث في ساحة المقالب بين أعوانه ومؤيديه دون أن يُحجّم ويلاحق قانونيا وسياسيا، لأن مقالبه ومتاعب أفعاله في طريق بايدن ستبقى قائمة ببقائه....!

 

د. محمد مسلم الحسيني

بروكسل

 

محمد ناجيإريك بيريگران

تقديم وترجمة: محمد ناجي

لا يزال حادث اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، وهو مقر السلطة التشريعية الأمريكية، يثير ردود أفعال متسارعة ومتباينة، تجاوزت مكان الحدث وامتد صداها ليصل مختلف دول العالم، من بينها الدول العربية، التي تتفاعل مع الحدث بصورة مختلفة، تتناسب مع أنظمتها السياسية ومصالحها، وطبيعة وواقع شعوبها .

في هذا المقال للكاتب (إريك بيريگران)، المنشور في مجلة سويدية متخصصة بالصحافة الثقافية، وجهة نظر تستحق الاطلاع والمتابعة، فهو وغيره ممن يشاركه الرأي، وبناءا على مايذكره من معطيات، يرى الحدث كظاهرة (فاشية) .

ومع أن (الفاشية) كحركة منظمة أسسها موسوليني في إيطاليا عام 1920 ووصلت بقيادته إلى السلطة عام 1922، وأخذت اسمها من رمز روماني، فإن أفكارها وقيمها واساليبها لا تنحصر بزمان ومكان معين، بل نرى الكثير من سماتها ومعالمها موجودة في موروثنا السياسي والثقافي، خاصة في العقود الأخيرة، ولذا فاطلاع القراء على (الفاشية) لا يخلو من فائدة، فهي في الجوهر والمضمون، وبدون مبالغة، واقع يومي، وان اختلفت التسميات، بحكم اختلاف الموروث /الاجتماعي/ الثقافي/ الديني.

 

محمد ناجي

..................

انقلاب ! كان رد الفعل المثير للدهشة لسماع خطاب ترامب التحريضي، والهجوم على مبنى الكابيتول الأسبوع الماضي . لقد كان متوقعًا وسبق ووعد به ترامب بوضوح قاعدته الصاخبة والمتطرفة بشكل متزايد،  لكن رغم ذلك يبقى الحدث مثير للذهول. يبدو وكأننا لم نتمكن حقًا من استيعاب كل الإشارات الواضحة بأن فاشيًا كان جالسًا في البيت الأبيض منذ أربع سنوات .

ربما يحتج البعض على مثل هذا الوصف، بينما يهز البعض الآخر رأسه بقلق . "فاشية"، الكلمة مرنة . قد يكون هناك تمتمات عرضية حول رئيس مفرط الحماس . لكن من النادر أن تستخدم في الوقت الحالي عن الفاشيين الحقيقيين : السياسيين الذين يخرجون إلى الشارع كعصبة قتال فاشية ويلوحون بالقضبان الحديدية، والوزراء الذين يبنون الجدران والمخيمات، ويصنفون الناس حسب أعراقهم، أو الرؤساء الذين يهاجمون الصحافة ويدافعون عن قوات الشرطة العنصرية . حتى الآن، لم تُستخدم الكلمة حتى لوصف من يرفضون قبول نتائج الانتخابات، لكنهم بالمقابل يحبذون الانقلاب - أسلوب فاشي بامتياز. يتم استخدام هذه الكلمة بشكل عشوائي وبلا مبالاة وقليل جدًا . وفي تحليل السياسة المعاصرة، اعتدنا بدلاً من ذلك على سلسلة من العبارات الملطفة : الشعبويون، والشعبويون اليمينيون، وأحزاب الاستياء، والسلطوية أو القومية فقط . 

ربما ترجع صعوبة التعرف على الفاشيين عند ظهورهم، بشكل كبير الى الصدمة النفسية  الأوروبية . فالقبول بعودة الفاشية بعد الهولوكوست هو أمر مزعج للغاية، باعتباره انتهاكًا لقيمنا وكرامتنا . لذا تم رفع سقف ما يمكن اعتباره فاشية بعد الحرب العالمية الثانية . التعريف العام لإرنست نولته، في ستينيات القرن الماضي، كاد أن يقيد المفهوم بنماذج هتلر وموسوليني . حينذاك كانت الصورة الأوروبية بحاجة للترميم . وظهرت في السياسة والأوساط الأكاديمية، نظريات حول "موت الأيديولوجيات" و"نهاية التاريخ". أفكار تقول إن الغرب شبه كامل . الآن يمكن فهمها بشكل أفضل على أنها كانت ضمادات نفسية على جرائم يجب نسيانها: معاداة السامية والامبريالية والاستعمار والفاشية والإبادة . حلم نهاية التاريخ هو بالطبع حلم صمت الذاكرة .

يبدو أن هذا التوق إلى النسيان قد خلق عمى فعالا لعودة الفاشية، والذي ساعدته التعريفات التي تقول أن الفاشية هي ما يحدث خارج النظام الديمقراطي، بهدف تدميره . لقد واجه علماء الاجتماع وضعا صعبا في تصور أن الفاشيين في عصرنا يتصرفون ضمن النظام الديمقراطي، وهم على استعداد لتدميره إذا لزم الأمر . بدلاً من ذلك، تم تصنيف الفاشيين الذين عملوا داخل النظام على أنهم "شعبويون". إحدى مزايا ترامب تتمثل في أنه أكثر وضوحًا من العديد من "الشعوبيين" المرحبين به، فقد جعل البناء المعقد واضحا مرئيًا من خلال تحريضه، وسلسلة أكاذيبه اللامتناهية، ونرجسيته وكراهيته المميزة للضعفاء و"الخاسرين".

 ولكن على الرغم من حقيقة أن كلمة الفاشية تطوف في جو كل اجتماع جماهيري، حيث يتم الدفاع والإشادة بإطلاق الشرطة النار على السود، وانتقاد المعارضين، وأن البلاد ستصبح عظيمة مرة أخرى، إلا أن القليل من المعلقين استخدمها لوصف ما يحدث . بعد أن أصبح ترامب رئيسًا، ربما واجه الصحفيون الذين غالبًا ما يرغبون في إعطاء الرئيس الأمريكي لقب "زعيم العالم الحر" صعوبة في إضافة عبارة "فاشية"، ليس لأنها تحدت صورة ترامب، ولكن لأنها ستنال منهم ايضا، فالكلمة ستشوه الصورة أمام العالم  وبالتالي صورتهم الشخصية أيضا .

ربما كان هناك أمل آخر بعملية نضج متأخرة : قد يكون قادرًا على أن يصبح "رئاسيا". لكن خلال السنوات الأربع التي مرت، انتهت هذه الآمال بعمل مخزي . ومع ذلك، لم يأتِ ما يسمى بوسائل الإعلام الجادة بفكرة وصفه بالفاشي، وكأنها لم تعد موجودة في مفرداتنا السياسية - النظرية .

ابتعد منظرو الفاشية اليوم عن فكرة التعريف المعياري الصارم للفاشية . استنتج روبرت باكستون في كتابه (Anatomy of Fascism) تشريح الفاشية، ومايكل مان في كتابه ( Fascism) الفاشية (كلاهما صدرا عام 2004) من تحليلات تاريخية من القرن العشرين أن فاشية اليوم لا تشبه فاشية الأمس . وذكرا كيف أن الحركات الفاشية غالبًا مانمت في ظل الديمقراطيات، وطوّرت أسلوبها الخاص على وجه التحديد، لأنها كانت بحاجة إلى كسب الرأي العام . وهذا بعبارة أخرى، يشير إلى الشعبوية في الفاشية .

يقدم تحليل كاترين فيشي للجبهة الوطنية الفرنسية (1) فكرة مماثلة في كتابها Fascism, Populism and The French Fifth Republic: in the Shadow of Democracy (2004 الفاشية والشعبوية والجمهورية الفرنسية الخامسة : في ظل الديمقراطية (2004) . بالنسبة لفيشي، فإن أجندة الجبهة الوطنية هي تعبير عن حركة فاشية تريد البقاء على قيد الحياة في ظل الديمقراطية الفرنسية : "توفر الشعبوية جسرًا بين المثل العليا المتكافئة والمساواة والنخبوية للتفكير الفاشي . "الشعبوية تجعل الناس يتخيلون أنهم جزء من نخبة، في بلد يُنظر إليه على أنه متفوق على البلدان الأخرى ." (ترجمتي) (2)

على الرغم من أن هؤلاء المنظرين يتجنبون التعريف الحاصل على براءة اختراع للفاشية، إلا أنهم يسلطون الضوء على بعض سماتها المتكررة، ومفاهيم القومية العضوية وفكرة بعث الأمة . وغالبًا ما يقدم الفاشيون وعودًا وتهديدات بالتطهير السياسي و/أو العرقي بتحريض كبير وعدواني بشكل لا يضاهى، وعجز تام عن قبول النقد . وغالبا ما يحبذوا النظام شبه العسكري من خلال ثنائية كلاسيكية بين الفرع البرلماني وقيادة الشارع، مع أنهم ينكروا الترابط بينهما مرارًا وتكرارًا، وهذا حتى يتمكنوا من الاستمرار في تعزيز عبادة قوة الفعل والرجولة .

هناك اتفاق كبير حول هذه السمات الفاشية . لكن الشيء المهم هو أنه ليس كلها يجب أن يتحقق . فيمكن للحركات والسياسيين أن يكونوا فاشيين إلى حد ما، حتى لو كانوا جميعًا متحدين في ترديد النغمة الأساسية "إنهم سيخرجون". وإذا طبقنا هذه السمات على ما يسمى بالشعبويين اليمينيين، فإنها ستبين أيضًا اللائحة المثيرة للقلق من أيديولوجية وأساليب هذه الأحزاب .

لا، بالطبع لم ينجح ترامب في إعادة تشكيل الولايات المتحدة في اتجاه فاشي . لكن الخطاب والديماغوجية والجريمة موجودة، والتكهنات عن الحرب الأهلية والانقلاب العسكري استمرت لفترة طويلة، وقد حاول تحويل قوة الشرطة إلى ميليشيا شخصية، وتجذرت نظريات المؤامرة التي ابتدعها ونشرها، وبالكاد أعطي انطباعًا بالرغبة في العمل ضمن النظام الديمقراطي . على العكس من ذلك، فقد دأب على تنظيم انقلابات مجهرية تحدّت المؤسسات العامة وقواعد اللعبة الديمقراطية . كان الغرض، كما هو الحال مع الثنائية الفاشية، ووفقًا للمنطق الذي كتبته فيشي عن الجبهة الوطنية بأنه - في نفس الوقت الذي يشغل فيه أعلى منصب في الدولة، أرسل إشارة "شعبوية" بأنه ليس جزءًا من النظام، ولكنه واحد من الشعب . "قف للخلف واستعد " .

هل هذا حقيقة أم مسرح ؟ الجواب مهم . ولكن بنفس القدر من الأهمية فهو غير مؤكد . لأنه في عالم الفاشية يندمج المسرح والواقع، بالنسبة لهم ولكل المشاهدين والمتضررين . والنفور من الكلمة وعدم القدرة على تحديد الفاشية بمجرد عودتها،  فهو في الواقع، يخدم اتباعها . ولكن بالنسبة للمترددين، من الضروري أن يلاحظوا النغمة الأساسية - "سيطردون خارجا !" . في هذه النقطة، الفاشيون صادقون دائمًا .

على الرغم من النفور من الكلمة بين المعارضين وفي وسائل الإعلام، فإن السؤال عما إذا كان ترامب يمثل الفاشية في عصرنا قد أثير بالطبع . في عام 2018 صدر كتاب How Fascism Works. The Politics of Us and Them (كيف تعمل الفاشية . سياسة نحن وهم) للفيلسوف جيسون ستانلي . كتب ضد تطبيع العنصرية والشوفينية، الذي حدث في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وربط الفاشية في الولايات المتحدة بحركات أخرى مشابهة في العالم . في نفس العام، نشرت مادلين أولبرايت أيضًا (Fascism: A Warning) (الفاشية : تحذير) . هذه الكتب والتي هي مجرد تحذيرات، انطلقت بسبب الرئيس الحالي .

ومع أن الجميع ليسوا مقتنعين . فقد أثار روس دوثات السؤال حول ما إذا كان ترامب فاشيًا في عمود في صحيفة نيويورك تايمز في وقت مبكر من ديسمبر 2015 . وحين قارن بينه ومرشحين سابقين كانت عليهم شبهة الفاشية - بوكانان وبيرو و والاس - وجد دوثات أنه بينما كان من سبق ذكرهم أبرياء من الشبهة، فمن المحتمل أن ترامب يستحق التسمية . ومع ذلك، وجد أن الكلمة لم تكن دقيقة، أو بالأحرى لم تكن صحيحة من الناحية التكتيكية . كانت الأسباب هي أن ترامب (آنذاك) لم يكن قد أسس أي حركة بعد : "فهو لم يفز حتى في الانتخابات التمهيدية ! وفيما يتعلق بقوله حينذاك في احدى لقاءاته الجماهيرية إن أحد ناشطي (3) BLM يستحق الضرب ، قال دوثات أنها كانت لا تزال "درجة قليلة من" القبح " وإشارة لفاشية فعلية،  تتطلب تنظيم قوة شبه عسكرية تخرج في الشوارع ". والسبب الآخر هو حتى لو ان ترامب لم يجرِ تلقيحه ضد الفاشية، "فمن المحتمل جدًا أن يتم تلقيح الحزب الجمهوري ضده". كان ذلك قبل خمس سنوات، اليوم نحن نعرف أفضل .

ترامب جاء من عالم صناعة الاستعراض والترفيه  . أعماله مربحه إلى حد كبير، ونجاحه الأكبر - The Apprentice - هو عرض واقعي مبني على خيال القائد الاستبدادي العظيم . تلفزيون الواقع هو الشكل الأكثر فاشية في الثقافة الشعبوية . تستند كل من Robinson و The Farm و Big Brother و Paradise Hotel وغيرها إلى دغدغة المشاعر والإذلال والإقصاء والجنس بشكل متكرر . جزء لا يستهان به من الإنتاج هو ازدراء الجمهور لأولئك الذين يفشلون في المشاركة . لا أحد يهتم حقًا باللعبة أو القواعد أو الفائز . لكننا سنكون غوغاء لبعض الوقت ونشاهد "الخاسرين".

تنبأ بيير باولو باسوليني بالإذلال التلفزيوني بفيلم Saló أو Sodom's 120 Days . وفيه يتطرق لبعض الرجال من البرجوازية العليا يختطفون مجموعة من الشباب و يحبسونهم في منزل . هناك، يتم إجبارهم على ممارسة طقوس مهينة مختلفة، ويتعرضون للتعذيب والاغتصاب، ويتعرضون لمحاكمات صورية وطقوس زواج تنتهي بالاغتصاب . وإذا حاولوا الهرب، يتم قطع رقابهم . كل ذلك يحدث في جمهورية سالو الصغيرة، والتي كانت آخر تجسيد للنظام الفاشي الإيطالي تحت حكم موسوليني . نظم باسوليني المعسكر باعتباره لعبة ومسرح لسلطة منحرفة، لإظهار كيف تبني الفاشية المجتمع وفق رؤيتهم الخاصة.

أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب "المجتمع كمسرح" وهو ما كتبه انگمار كارلسون وأرني روث في كتاب كلاسيكي . ” امنعها من الدخول ! امنعهم !" كانت صرخته المسرحية (؟)، خلال حملته الانتخابية وفترة ولايته، مزوقة بأكاذيب ووعود كاذبة، وتشويه وهجمات لا معنى لها ضد كل من لم يصفق، وحتى مقترحات أشد بالاغتيالات السياسية والعنف من قيادات الشارع التي تبناها . لكنه كرئيس، قام ايضا بفصل أكثر من 4000 طفل عن آبائهم المهاجرين . أجبرته الاحتجاجات على إنهاء ذلك رسميًا، مع مطالب بإعادتهم لعوائلهم في غضون 30 يومًا . لكن إدارة ترامب رفضت صرف أي أموال، لذلك حتى اليوم يُحتجز مئات الأطفال دون طعام مناسب أو اتصال مع اشخاص بالغين أو ملابس نظيفة .

 

ايريك بيريگران - Opulens

2021-1-11

..................

ملاحظات من المترجم :

(1) تغيّر اسم  الجبهة الوطنية منذ عام 2018 إلى التجمع الوطني .

(2) كلمة ترجمتي تعود لكاتب المقال ايريك بيريگران، الذي ترجم النص بين القويسات .

(3) BLM هي الحروف الأولى لاسم منظمة Black Lives Matter التي تأسست سنة 2013، وهي تدافع عن حياة الزنوج وحقوقهم ضد التمييز العنصري .

 

ابراهيم أبراشحالة من العدمية السياسية الهوياتية والانتمائية تتمدد في العالم العربي وتملأ فراغ انهيار وتفكك الأيديولوجيات والانتماءات الكبرى خصوصاً في الدول التي عصفت بها فوضى ما يسمى (الربيع العربي)، وأبرز تجليات هذه العدمية حالة من التيه الفكري والأيديولوجي والهوياتي وفقدان الثقة بالدولة وبكل الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية دون طرح بديل توافقي أو رؤية للمستقبل.

العدمية Nihilism فلسفة قديمة يمكن التأريخ لها منذ فلاسفة المدرسة الكلبية أو التشاؤمية Cynicism في اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد وأبرزهم (Diogenes ديوجين) مروراً بالفيلسوف والشاعر الإسلامي أبو العلاء المعري (363 هـ - 449 هـ) (973 -1057م) إلى الفيلسوف الألماني نتشيه (1844 – 1900) وتيار الفوضوية Anarchism في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع ميخائيل باكونين الذي كان ضد الدولة ومؤسساتها وضد القانون، وقد صدرت كتب ودراسات عديدة عن العدمية في أبعادها وتمظهراتها الفلسفية والفكرية والأدبية والسياسية.

يمكن تعريف العدمية بأنها نزعة أو تصور سلبي وتشاؤمي للحياة في كل أبعادها ومستوياتها من الأخلاق والدين إلى الفكر والأدب والسياسة، نزعة تقوم على ألا معنى وألا يقين وألا ثقة بأي شيء، وهي تعبير عن حالة رفض للواقع ورغبة قوية في تدميره أو على الأقل عدم الاعتراف به، بحيث لا ترى في الواقع إلا سواداً بدون نقاط مضيئة ولا تلمس شيئاً يمكن البناء عليه ولا تعترف بالانتماءات الجامعة الكبرى الدينية أو الوطنية أو القومية أو الأممية.

والعدمية بهذا المعني ليست مجرد نقد للواقع، لا نقد موضوعي ولا حتى نقد هدام، لأن النقد بشكليه السالفين يطرح البديل ويُنظِّر للمستقبل أما العدمية وخصوصاً في بُعدها السياسي فهي تنتقد بشراسة وتنسف المعنى الكامن وراء أي شيء موجود دون أن تطرح حلولاً أو منافذ أمل بالمستقبل.

موضوعنا في هذا المقال ليس التأصيل أو شرح النزعة أو الفلسفة العدمية بل تغلغل هذه النزعة في العقل والفكر السياسي العربي وعند كثيرين من المثقفين والكُتاب بل وتغلغلها في الأدب والفن، وخصوصاً في ظل حالة الفوضى الناتجة عن ما يسمى الربيع العربي وتفكك وتراجع الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية وانكشاف الأيديولوجية الإسلامية وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، بحيث سادت حالة من اليأس والاحباط وألا يقين بكل ما هو قائم .

نزعة العدمية السياسية على المستوى الشعبي وفي مجتمعات ترتفع فيها نسبة الجهل والفقر تؤدي إلى التطرف والإرهاب والرغبة في تدمير كل شيء دون أن يكون لدى الإرهابيين رؤية أو تصور عقلاني وواقعي للبديل عما يتم تدميره، كما تكمن وراء عصبويات ما قبل الدولة من عائلية وقبلية وطائفية ومذهبية ضيقة، لأن فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها وقوانينها وبالأحزاب والأيديولوجيات يفكك رابطة الوطنية والقومية الجامعة ويدفع الأفراد لطلب الحماية والتعبير عن ذاتهم من خلال الانتماءات التقليدية، هذا إن لم يهربوا نحو التطرف والإرهاب كما سبق ذكره.

خطورة العدمية السياسية عندما تنتقل من المواطنين العاديين إلى المثقفين ومجال التنظير الفكري ،ليس بالكتابة المباشرة عن العدمية أو الدعوة لها، ولكن من خلال  المبالغة في نقد الواقع بكل تجلياته الرسمية والشعبية والحزبية ونقد كل مَن يحاول أن يكتب متلمساً بارقة أمل أو فرصة متاحة في بعض تفاصيل الواقع العربي القائم أو في التجربة التاريخية، فكل شيء في نظرهم عدمٌ لا أمل أو رجاء منه، فالوطنية شوفينية وأكذوبة، والقومية العربية سراب ووهم، والإسلام إرهاب وفتنة وتخلف، مستشهدين في ذلك بأسوأ النماذج والتطبيقات،  دون تقديم إجابة عن السؤال: من نحن؟.

 هذه النزعة لا تعبر عن واقعية سياسية أو فكر ثوري أو شجاعة كما لا يمكن إدراجها في سياق الطُهرية أو المثالية السياسية ما دامت لا تطرح البديل عن الواقع ولا تناضل لتغييره، إنها أقرب إلى حالة اسقاط العجز والفشل والإحباط الشخصي والفكري على كل شيء والهروب من عمل أي شيء جديد أو تجديد قديم يمكن البناء عليه. هذا النمط من التفكير العدمي يريدها قطيعة مع كل شيء دون وصل مع أي شيء أو رؤية تؤسس لبداية واعدة بشيء

عندما نخص الحالة العربية في الحديث عن العدمية السياسية على مستوى الهوية والانتماء  لأنه ما بين المحيط والخليج وهي الحيز الجغرافي الذي يسمى العالم العربي نجد شعوباً وقوميات وثقافات فرعية تستنهض قواها وتستحضر تاريخها بل وتسعى لبناء دولتها القومية، سواء تعلق الأمر بالأمازيغ أو البربر في بلاد المغرب العربي أو الأكراد في المشرق العربي وهم محقون في ذلك، بالإضافة إلى نزعات قومية ودينية أخرى، كما أن دول الجوار – إيران وتركيا بالإضافة إلى الكيان العنصري الصهيوني- تسعى لإحياء مشاريعها القومية والدينية والتمدد على حساب العالم العربي، بينما العرب وهم الأكثر عدداً في المنطقة لا يوجد لهم الآن مشروع قومي عربي ولا نلمس أي حراك لإحياء هذا المشروع، وعندما يتحرك أو يكتب البعض مطالباً باستنهاض القومية العربية والمشروع القومي العربي يتصدى لهم العدميون مشككين بالعرب والعروبة معتبرين أن من يتحدث في هذا الموضوع إما حالم وغير واقعي أو عنصري معادي للقوميات الأخرى، حتى حديث الوطن والوطنية أصبح ممجوجا وغير مقبول عند العدميين العرب.

العرب الذين يشكلون أكثر من 80% من السكان ما بين المحيط والخليج ليس لهم دولة قومية ولا مشروع قومي ولا زعيم أو زعماء قوميين ولا أمن قومي ولا اقتصاد قومي ويعتمدون على الخارج لحماية كياناتهم الهزيلة كما غاب عن مجال التنظير المفكرون القوميون إلا قلة قليلة، بينما كل القوميات الأخرى في المنطقة لها مشروعها القومي وزعماؤها القوميون وتسعى لتأسيس دولتها القومية وبعضا قطع شوطا طويلاً في هذا السياق ويعتمدون على قوتهم ووحدتهم القومية ولا يترددون في النضال المسلح لتحقيق وجودهم القومي، فلماذا يجوز للآخرين ما لا يجوز للعرب؟ ولماذا غير مسموح للعرب دون غيرهم أن يكون لهم مشروعهم ودولتهم القومية؟ !!! .

***

إبراهيم ابراش

 

 

عامر صالحالديمقراطية منذ نشأتها الأولى وبما يؤرخ لها منذ عام 500 قبل الميلاد في أثينا وفي بقاع اخرى من العالم لم تأتي لأطفاء او ألغاء الغرائز الانسانية الفطرية في المنافسة واشباع الدوافع الاساسية من جوع وعطش وجنس وتجنب الألم والارتقاء الى مستويات اعلى من الحاجات في الأمن والثقافة والأبداع، بل اعادة تنطيم اشكال اشباع الغرائز الانسانية استنادا الى الاجماع الاجتماعي في اضفاء البعد الانساني والحيلولة دون وقوع ما يفني العضوية الانسانية بسبب من عوامل المنافسة خارج أطر القيود الاجتماعية المشروعة الناتجة من العقد الاجتماعي، والديمقراطية هنا افضل الحلول النسبية لما توصل له الفكر الانساني لحد الآن على اقل تقدير.

لقد شكلت نقطة التحول الفسيولوجية التشريحية الحاسمة بالنسبة للإنسان وانفصاله النسبي عن مملكة الحيوان هي بامتلاكه الجهاز العصبي المتطور، وبشكل خاص امتلاكه للدماغ ونصفي الكرة المخيين المتخصصين تخصصا عاليا ديناميكيا، وخاصة القشرة الدماغية المتطورة وذات التخصص الدقيق ذو الصلة المباشرة بالعمليات النفسية أو العمليات العقلية العليا أو النشاط العصبي الأعلى " حسب تعبير علم الفسيولوجي " الذي تجسده عمليات التفكير والانتباه والتخيل والتصور والتعلم والإدراك والتذكر والبرمجة والتخطيط، والاهم من ذلك كله هو نشوء الأساس الفسيولوجي التشريحي للغة ونشأة اللغة نفسها التي أضفت على العمليات العقلية بعدا معقدا، حيث لا يمكن تصور العمليات العقلية خارج إطار اللغة، لأنها تلعب دور الممول لمحتوى العمليات العقلية وخاصة عبر عمليتي التجريد والتعميم اللازمتين للعمل الفكري. وفي هذا الانجاز التاريخي أعلن الإنسان انفكاكه عن الغابة وتحوله إلى كائن رمزي منتجا للحضارة المادية والمعنوية وللثقافة بمفهومها الواسع.

هذه النقلة النوعية التي حققها الإنسان في سلم التطور البيولوجي لم تلغي إبقائه مشتركا مع أسلافه في الكثير من العمليات الفسيولوجية التي تضمن له البقاء والاستمرار، أو ما نسميها بعلم النفس بالدوافع الفسيولوجية الأولية وهي فطرية في أساسها ومشتركة بين مختلف أنواع الكائنات العضوية، ومنها دوافع الجوع والعطش والجنس وتجنب الألم وكالحاجة إلى الهواء، والاحتفاظ بحرارة الجسم، والحاجة إلى الراحة والتخلص من التعب وغيرها، إلى جانب طبعا دافعية العدوان" المنازلة والمنافسة "، إلا أن رمزية الإنسان " ثقافته بمعنى اشمل " أضفت على جميع هذه الدوافع بعدا اجتماعيا تطبيعيا يستجيب لمكانة الإنسان الجديدة، وعلى أساس ذلك نشأت ثقافة الأكل والشرب وثقافة الجنس وكذلك " ثقافة " أو "حضارة" العدوان والعنف، وتتنوع هذه الثقافات ومظاهرها متأثرة بعوامل غنى البيئة وثرائها ومدى تطورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والتقني والمعلوماتي.

كانت الديمقراطية ولا زالت هي الأستجابة الانسانية الأولى لأعادة رسم واشباع مختلف الحاجات الانسانية عبر مايسمى بالعقد الأجتماعي الذي يقترن به دستور معبر عن مصالح المكونات المجتمعية الى جانب سيادة  القانون ومجتمع مدني وصحافة حرة ومستقلة للتعبير عن مختلف الأراء. "ولايمكن طبخ الديمقراطية دون الاعتماد على ميزان الاقلية والاكثرية.صحيح ان الديمقراطية ليست نظام مائة في المائة ولانظام 99%99 بالمائة ولكنها نظام 50+ 1 في ابسط تجلياتها عن حكم الاكثرية. لكن نصاب الثلثين هو الميزان الحقيقي للاكثرية ولذلك تصدر اغلب القوانين والتعديلات الدستورية والاستفتاءات بهذه النسبة لكي تعبر عن رأي الاكثرية في المجتمع".

وقد شكلت اركان الديمقراطية الأساسية احد عوامل دعم البنية التحتية للديمقراطية وديمومتها وتجددها، والمتمثلة بأرزها: الأنتخابات النزيهة الحرة والشريفة، والتسامح السياسي، وسيادة القانون، وحرية التعبير، والمساءلة والشفافية، واللامركزية والمجتمع المدني. وقد اثبتت التجربة التاريخية لممارسة الديمقراطية الى أفراز ابرز محاسنها وهي: الاستقرار السياسي، التجاوب الفعال في اوقات الحروب، انخفاض مستوى الفساد، انخفاض مستوى الارهاب، انخفاض الفقر والمجاعة، السلام الديمقراطي" أي ان الديمقراطيات لا تدخل في حروب فيما بينها"،  انخفاض نسبة قتل الشعب وارتفاع نسب السعادة.

لقد جاء ترامب ليقلب موازين القوى في دولة عمر الديمقراطية فيها اكثر من مائتي عام بأستناده الى خطاب القطيع الذي يلغي الديمقراطية  كخطاب موجه الى المجتمع بأكمله وبكل تنوعه الأثني والثقافي الى خطاب منفعل قوامه العزف على الأصول العرقية والثقافية والأثنية واستنهاض الغرائز الأولى ذات الصبغة العدوانية والتحريضية على الانقسام المجتمعي وبما يفضي الى تشظيته وتحوله الى كانتونات متعادية ومتخاصمة ولا يمكن الجمع بينها على اساس المواطنة المتساوية، فقد كان غبيا بارعا في العزف على سمفونية افضلية الجنس الابيض،  " لديكم جينات جيدة، تعرفون ذلك، أليس كذلك؟ إنها نظرية سباق الخيل. هل تعتقدون أننا مختلفون جداً؟ نعم لدينا جينات جيدة في مينيسوتا". المتحدث، بالطبع، هو دونالد ترامب، الذي لعب، على ما يبدو، ببطاقة التعصب في تجمعه  الانتخابي ويصف أنصاره البيض بالتفوق الجيني.

المشكلة الأولى: أن دونالد ترامب لم يمثل حزباً سياسياً هُزِم في انتخابات الرئاسة، بقدر ما يُمثل تيارات اجتماعية متعددة وقوية.

كلمة "متعددة" هنا مهمة. ذلك لأن أهم نجاح لترامب كان في جمعِه تيارات مختلفة ورائه.. تيارات لها ليس فقط مصالح مختلفة، ولكن أيضاً أفكار وتصورات متضاربة.

أهم هذه التيارات هي:

أقصى اليمين الرأسمالي، الذي يريد تحجيماً كبيراً لدور الدولة في كل قطاعات الاقتصاد الأمريكي تقريبا.

أقصى اليمين المسيحي، الذي يريد قوانين داخلية يراها متبعة رؤيته لقوانين الله. والذي أيضاً يريد سياسة خارجية تعكس قناعات دينية لذلك التيار.

مجموعات واسعة في أسفل الطبقة الوسطى، خاصة من ذوي البشرة البيضاء، الذين يرون في التغيُرات الاقتصادية في الولايات المتحدة في العقدين الماضيين إفقارا لهم وتراجعاً لمستويات معيشتهم. وعليه يريدون سياسات داخلية وتوجهات خارجية ضد تلك التغيُرات الاقتصادية.

ترامب نجح في جمع هذه المجموعات وراءه. صحيح، أن جغرافيا الولايات المتحدة الشاسعة، وهيكل الإعلام فيها (بتعدديته)، والنظام الانتخابي فيها، يُسهِل على أي سياسي أن يصل لمجموعات مختلفة من الناخبين برسائل مختلفة، وأحيانا متعارضة. لكن ترامب برع في ذلك الوصول المتعدد لتلك المجموعات المختلف.

المشكلة هنا ان ترامب عزف على خطاب ليست واقعي بمسلمات المنافسة الانتخابية حول برامج ما بل عزف على انفعالات خالصة تستنهض العدوان والتحريض واحتمالات القتل. فقد استند ترامب الى الأشاعة بما فيها من تضخيم وتنميق ومبالغة حد الخرافة والدهشة، ويمكن للإشاعة أن تنتقل عبر الجمهور وأيضا بواسطة وسائل الاتصال، أمام التطور التكنولوجي وسرعة انتقال المعلومة التي قد تحمل الصدق أو الكذب، والجمهور ميال بطبعه لتصديق الإشاعة لما تحمله من إثارة وتشويق، من هنا نعتقد أنه يتم استغلال الإشاعة بكثير من الخبث للتأثير في الجمهور النفسي، خاصة إذا كان القائد انتهازيا ميكيافيليا، حساباته دنيئة، فيستغل قوة الجماهير وسذاجتها لتحقيق مآرب قد تبدو ذات نفع عام، وما هي في الحقيقة سوى دسائس شخصية، تروم تحقيق السلطة والمال والضغط على الآخر، ولو أن سيجموند فرويد يرى أن محرضات الجمهور تكون نبيلة أو خبيثة، فالجمهور يتأثر ويندفع ويصدق الإشاعة بسرعة في غياب حس نقدي أو بعد نظر لما قد يأتي من عواقب للأحداث، ويتسم الجمهور بالعواطف البسيطة التي تتأجج بسرعة متلاحمة بين أفراده، فيجد الجمهور نفسه أمام وضعية أو وضعيات تتطلب رد فعل أو مبادرة أو التخلص من موقف أو اتخاذ قرار، وهنا يتجلى أبداع الجمهور ليبدع وينتج الحلول بكيفية لا تخرج عن دائرة الجماعة، وهو بذلك يفكر بعقل الجمهور، وتحت تأثيره النفسي، ويقوم الجمهور بوضع قواعد للاشتغال وخطط، قد تبدو له جامحة لتحقيق أهداف تمت صياغتها من طرفه أو من الخارج، أو من طرف “القائد”، وتبقى طموحات الجمهور غير واضحة المعالم، فقد تتلاشى بفعل الزمن أو امتصاصها من الطرف النقيض، أو قد تصل الذروة لتجد من يحولها في اللحظة الحاسمة لفائدة جهة معينة، لأن البداية، بداية اندفاع الجمهور لم يكن مخطط لها، حكمها اللاوعي واللاشعور، وتلك القوة المكبوتة المقموعة التي دقت ساعة تفجيرها، فالجمهور نزاع لكل ما هو متطرف، وما إن ينفلت من عقاله حتى ينخرط في العنف والتخريب والتكسير، لهذا نجد التعامل معه يتوجب الحذر وعدم مواجهته بالعنف.

ترامب، الذي رفع منذ فترة حملاته الانتخابية عام 2016 شعار «فلنرجع أمريكا عظيمة مجددا» تمكن، خلال «غزوة الكونغرس» من تسديد أكبر الضربات المهينة لصورة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة ديمقراطية، بتحريض المتطرّفين من أنصاره على الهجوم على مركز إصدار القوانين وتمثيل الأمة الأمريكية، وأحد أهم المواقع الرمزية للعظمة التي يتغنى بها، وبإهانته كل عناصر هذه العظمة، بدءا من مؤسسة الرئاسة نفسها، التي أصبحت، خلال حكمه، مركزا لإطلاق الأكاذيب، وإثارة الغرائز، وتحريض قسم من الشعب على القسم الآخر، مرورا بالمحكمة العليا، المنوطة بحماية الدستور والقوانين، ومجلسي النواب والشيوخ، اللذين تعرضا للاقتحام، ولمحاولة التلاعب بهما بكافة الأشكال الممكنة، ومرورا بالقضاء والأجهزة الحكومية، والمؤسسات الأمنية، وانتهاء بالإعلام، الذي كان محطا لهجماته وإساءاته.

وبالتالي عمل ترامب على خلق قطيع انتخابي ذو مواصفات غوغائية عدوانية، ابرز ملامحها هي:

الشعور باللامسؤولية:

عندما يجد الفرد نفسه في صلب المجموعة «الغوغائية» أو «القطيع»، فإنه يشعر بـ «قوة لا تقهر» ويتخلص بالتالي من كبح النفس والزواجر التي كانت تمنعه من التحرك ويحتمي بالتالي بالمجموعة ويشعر بالأمان في وسط «القطيع». عندها قد يصل به الأمر إلى ارتكاب أفعال لا يجرؤ بمفرده على إتيانها «مواجهة شرطة الشغب، عمليات التخريب، السطو على البنوك والمحلات التجارية، مهاجمة الأملاك الخاصة والعامة وغيرها من الأفعال الغوغائية التي قد يدخل فيها أيضا الاغتصاب الجماعي وهي من أشنع الجرائم التي قد تنجم عن عقلية القطيع.

تنتفي روح المسؤولية والاحساس بالمصلحة العامة تماما وتحل محلها نشوة البطولة الزائفة والانتصار لقضية قد لا يفهمها الغوغائيون وإنما تحركهم أياد وتوجههم مثل قطع الدومينيو أو البيادق فوق رقعة الشطرنج، مجرد أجساد وطاقات جسدية بلا فكر ولا حس ولا روية. إذا ما «غرق» الفرد في القطيع فإنه يفقد ذاته وقد يصعب بعد ذلك الوصول إليه، الأمر الذي يشعره بالأمان وبأن يد العدالة لن تطوله لمحاسبته عما فعله.

الإصابة بالعدوى:

يتحدث غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجيا الجماهير" عن «انتقال العدوى» بين الغوغاء والقطيع وهو ما يسميه كتاب آخرون في مؤلفاتهم ودراساتهم على غرارديفيد هيوم «التعاطف». قد تبدأ «العدوى» على مستوى فردين اثنين فقط أو أفراد يعدون على أصابع اليد قبل أن تسري بعد ذلك سريان النار في الهشيم ويتم ذلك خاصة عبر «بث الشائعات» و«المبالغة» و«التهويل» الأمر الذي يهيج المشاعر ويخاطب المشاعر وينفي العقل وملكة الفكر التي تسمح بتبيان الحقيقة من الافتراءات. تنقل العدوى من الفرد إلى العائلة فالجيران قبل أن تصل إلى الطريق العام وتشمل القرية فالمدينة ثم البلاد ثم العالم ليحدث بعد ذلك العنف والتخريب لجلب الانتباه. لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في تغذية «العدوى» وتكريس عقلية «القطيع» وبث «الشائعات» و«الأخبار المفبركة» لكن يجب ألا ننكر جوانبها الايجابية إذا ما أحسن استخدامها.

غيبوبة الفكر:

إن الفرد يذوب في «القطيع» الأمر الذي يصيبه بما يشبه «الغيبوبة الفكرية» ويصبح وكأنه تحت تأثير «التنويم المغناطيسي». عندها لن يكون له أي رأي فوق رأي «القطيع» كما يصبح مجردا من أي عواطف وأحاسيس خاصة به. هذا ما يفسر القرارات التي يتخذها «القطيع» والتي تتناقض تماما مع مصالح «الفرد» أو «الأفراد» الذين يكونون "القطيع".

تذوب «الشخصية الواعية» وتحل محلها «الشخصية غير الواعية» في صلب «القطيع». عندها يسهل على متزعمي «القطيع» توجيه «أعضاء القطيع» عبر «العدو» والأمر «وحتى عبر «الغمز» و«الإشارة» و«الرسالة المشفرة» أو «الايحاء». عندها يسهل تحويل «أفكار القطيع ومشاعره المتشنجة» إلى «أعمال عنف» و«مظاهرات» و«شغب» و"تخريب".

يقول المؤلف جوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا القطيع»: «إن الفرد في القطيع لن يكون فردا بل يتحول إلى آلة ميكانيكية مسلوبة الارادة، تسيرها إرادة أخرى خارجة عنها وتوجهها الوجهة التي تريدها». يعتبر المؤلف أن الفرد الذي يتواجد مع المجوعة لا يتحول بالضرورة إلى جزء من «القطيع» - يتطلب هذا الأمر تحلي «الفرد» بروح المسؤولية والوعي والقدرة على النقد الذاتي إضافة إلى إلادراك.

هكذا فعل ترامب بأنصاره بتحويلهم الى كتل هامدة لا قدرة لها على الخيار السليم واخضاعهم لعمليات التنويم المغناطيسي لغسل ادمغتهم بغسيل العنصرية والشوفينية القاتلة للديمقراطية، ولكن الديمقراطيات العريقة يفترض ان تجدد نفسها بأعادة انتاج خطابها المسالم والجامع للحمة الوطنية ومحاسبة مرتكبي جرائم انتهاك الديمقراطية ولعبتها في التدوال السلمي للسلطة. 

الذي فرح لكل ما جرى لديمقراطية أمريكا هم من الأسلامويين والدكتاتوريين من الانظمة الشمولية الذين وجدو في ذلك فرصتهم السانحة للتنفيس عن فشلهم واخفاقهم واستباحة دماء شعوبهم، واعتبروا احداث امريكا هي مؤشر لنهاية الديمقراطية  التعددية في امريكا وفي العالم، بل يوعدون العالم بديمقراطيات لا نعرف منها شيئ إلا عبر التصفيات الجسدية والاغتيالات والفساد الاداري والمالي وانتهاك المال العام.

في الديمقراطيات الهشة والنظم القمعية ستجد ما يجري في أمريكا فرصتها "الذهبية" لتبرير كل أفعالها المشينة للعبث في الأستقرار والتداول السلمي للسلطة وتكريس منطق السلطة الغنيمة وعلى طريقة ما ننطيها. سينتظر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته وصلاحيته"ترامب" طريق قضائي وقانوني طويل على خلفية تحريضه باستخدام القوة والعصيان ضد الديمقراطيةومؤسساتها الدستورية وتعريض السلم الأهلي والمجتمعي إلى الخطر بل وهناك توجه لمنعه من ممارسة السياسة لاحقا فهل تتم الأستفادة العالمية من تلك التجارب ام تبقى حكرا للأمريكان.

 

د.عامر صالح

......................

المصادر:

عامر صالح: العدوان عند الأنسان والحيوان

عامر صالح: سيكولوجيا احتجاجات اكتوبر العراقية

روبرت كوهلر: أمريكا 2020 الفوضى المقبلة

طارق عثمان: الوصول لحافة الفوضى

محمد حماس:  غريزة القطيع لدى الجماهير

كوستاف لوبون:  سيكولوجيا الجماهير

موقع موضوع: مفهوم الديمقراطية

نبيل ياسين: تاريخ الديمقراطية

 

 

عبد الجبار العبيديصحيح ان دراسة التاريخ تشمل الماضي والحاضر ولربما تكهنات المستقبل، لكن هذا المقياس يختلف باختلاف الزمان والمكان والناس وثقافة المؤرخ.. ان ما يتم اختياره في الادب يختلف عما يتم اختياره في الفن والرسم .لذا فان الاختيار يجب ان يكون أنتقائياً ومحددا حين ينطوي على تجربة معينة للحاضر والمستقبل وما يهم امور الناس والاوطان معاً. لان التجارب هي حصيلة ما ينتج من عمل الانسان في الزمن المعين سواءً كانت ناجحة او فاشلة ومن هنا يتكون منهج الاستفادة عند الناس من التاريخ.

وحين ندرس التاريخ على انه منافع ناجحة للناس، ونعرضها لهم بشكل مشوق ومقبول منطقياً، نستطيع ان نخلصهم من المعاناة الحياتية نفسها وتجشم متاعبها، لكي تبقى مناهجه نجوما لامعة تهدي دروب الاخرين عند الاهتداء بها في التجربة الحياتية المعتمدة، سواءً كانت هذه التجارب للافراد او الجماعات او الشعوب، لانها في النهاية سوف تنفع الجميع نحو عمل الخير دون أستثناء.. وهنا تكمن فلسفة التاريخ .

اذا طبقنا هذا المنهج العلمي في الدراسات التاريخية على المناهج العلمية الأخرى.. نراه منهجا علميا لا يختلف عن المنهج العلمي لبقية العلوم كالرياضيات او الفلك اوغيرهما، لكنه يختلف تماماً عن المنهج التاريخي او قل التكهن التاريخي بقراءته للعبرة والاتعاظ بها كما في مؤرخينا الأوائل الذين أساؤا الينا دون قصد، لذا يجب علينا ان ننقي وان نكون حذرين في قراءة الأصول، فالكتابة التاريخية لا تحتاج الى دقة فحسب بل الى ذكاء كي لا ننقلها على عواهنا للأخرين لنثبت الخطأ، لان منهجية العبرة والاتعاظ لا تصلح الا في حالات معينة وضيقة جدا حين تتشابه الاحداث والفترات الزمنية كما في بعض أعمال المقاومة وأحداثها، وهذه حالات نادرة الحدوث. لان مثل هذه الحالات لا تتكرر بكل ظروفها ابداً، ومن هنا فأن قراءة التاريخ للعبرة والاتعاظ ضرب من الوهم الذي لا معنى له ابداً.، ولان الحسن لايمكن ان يدوم وكذلك القبح لا يمكن ان يدوم، لذا فالمقياس العلمي او المنهجي التاريخي يخضع للتغيير وليس للثبات دون تغييركما تدعي فلسفة الفقهاء المتدينين.. .

الامم والجماعات وحتى الشخصيات المستقلة تنآى بنفسها عن تجارب الاخرين، واكثر ما يزعجها ان تسير في أعقاب الاخرين، ومن هنا فقد كانت المواعظ أثقل شيء على قلوب الناس، لذا فرجال الدين كثرة ما يرددون من مواعظ عامة وخاصة في كل مناسبة ودون تعيين وتطبيق من أنفسهم من أجل الهيمنة المقدسة على الأخرين، فقد مل الناس مواعظهم واصبحوا يرمونهم بالسطحية والسفسطائية ويعرضون عنهم، ففلسفتهم الكلامية الغير النافعة اصبحت لاتدخل عقول الناس حتى ملوهم ولم يصبروا على سماعهم اليوم وأنا واحد منهم، ولا يتجاوبون معهم الا في حالات خاصة ونادرة احياناً لكونهم عشوائي الفلسفة والمنطق.. .لدرجة اصبح رجل الدين بنظر العامة نشازاً لا يقبل لغموض في التعبير، وحتى هو نفسه بدأ يشعر بالأحباط.. وهذه خسارة للنص الديني الرصين، الذي يجب ان يفسر او يقرأ وفق النظرية العلمية خارج نظرية الترادف اللغوي الخاطئة والمكررة منهم دون تدقيق.. ليحتل المكانة الرفيعة في قلوب سامعيه.

فاذا كان التاريخ للعبرة والاتعاظ، فلم َ لم تتعظ قادة الامم بما جرى للسابقين؟حين تكرر نفس الاخطاء دون اتعاظ او تصحيح. فأذا كنا ننتقد عهدا او حاكما، فلماذا نكرر ما فعلوه كما هم حكام العراق الجهلة اليوم عندما تعاونوا مع المحتل من أجل التغيير وها هي النتائج العكسية اليوم . وكذلك الحروب والغزوات ان لم تكن دفاعاً عن الاوطان والقيم فهي لا تفيد القائمين بها في شيء، فقد ادت الحروب والغزوات الى اضرارجسيمة ما حسبها القائمون بها وقت تنفيذها كما في الحرب العالمية الاولى والثانية وغزو العراق الباطل للكويت.. والغزو الامريكي للعراق وأفغانستان .وما تكرره أيران اليوم على المجاورين.. فقد كانت الخسائر باهظة الثمن ان لم نقل افقدت الدولة الغازية مستقبلها الذي كان يجب ان يكون كما في كراهية الشعب العربي لأيران اليوم التي ساهمت وتساهم في التدمير.

هكذا تجرعت الناس محن الحروب والقادة الذين نالهم الاذى والاغتيال لما اقدموا عليه دون معرفة بالعواقب، مدفوعين بالعاطفة الشخصية او الدينية وحب الظهور والسيطرة على الاخرين.. كما في الفتوحات الاسلامية اللامبررة في فتح بلدان الشعوب سوى للهيمنة والسيطرة والسلب والنهب وانتهاك الاعراض.. بحجة وما ملكت أيمانكم.. وهي مخالف للنص "لكم دينكم ولي دين" فعلام الأعتداء ؟. وتلك عاقبة المعتدين. والمعتدي دوماً هو الخاسر الأكيد لأن الحق ما جاء ليساند المعتدين وهولا يحب المعتدين آية حدية التنفيذ لا تقبل الأختراق حتى من الرسل والأنبياء.. فكيف لو كانت من عامة الناس..

لذا من يدعون قادة العراق اليوم في حيرة من امرهم يقتلهم الندم لخيانتهم مبادىء القرآن والدين.. لكنهم يكابرون بنفوسهم الدنيئة في زمن ما حسبوه الا لهم دون الأخرين.؟ قصر نظر في الثقافة والتفكير.

واذا كان قادة الحروب والغزوات مدفوعين بدوافع نرجسية معينة كما في قادة العراق اليوم، فما ذنب الشعوب التي نالت منهم الخراب والدماروتحطيم الكبرياء الانساني، وماذا يبقى للانسان اذا آستذلت كرامته وتحطمت كبرياؤه؟ ألم تكن هذه النتائج اعمالا وحشية قامت بها القيادات التي لا تعترف بالقانون متخذه من قانون الغاب شريعة لها، والا كيف تجاسر بعض قادة العراق الطارئين عليه تجنيس ألاف الأجانب ومنحهم حقوق العراقيين من اجل ضمان أصواتهم في انتخابات الفاشلين.. والمواطن العراقي مسلوب الحقوق.. وفي النهاية كانت وستكون نهاية الحساب ويل وشر ودمار عليهم وعلى شعوبهم، ولكن هل فهم الناس وقادتهم ذلك ؟ واذا فهموه هل سيطبقون ما حل بهم ام سينسون الذي حدث؟. من اجل ان تفهم عليك ان تقارن بين نظرتين في تقييم الامور، الاولى نظرة متطرفة، والثانية معتدلة، الاولى تعتمد على الخيلاء الكاذبة والثانية على الاحساس الانساني العميق ، مجسدا في قول المتنبي رفيق السيف والمعري رفيق الاحساس الانساني العميق.

يقول المتنبي:

 ولا تحسبن المجد زُقاً وقينةً  بل الحرب والضرب والفتكة البكرِ

ويقول المعري:

 تسريح كفك برغوثاً ظفرت به أبر من درهمٍ تعطيه محتاجا

فرق بين النظرتين المثاليتين كبير.. أي فرق بين الأحساس الأنساني والخيلاء الفارغة.

ويبدو ان الجهلة دوماً مع البيت الاول للمتنبي لما ورثوه من عادات وتقاليد ومن غزوات وحروب لم نجنِ منها الا الويل والثبور وعظائم الامور.اما المعري فعدوه جبانا يخاف السيف والمعركة، أنه نقص في الثقافة الحضارية عندنا منذ ذلك اليوم والى الآن . ويبقى ان نعرف هل ان الناس يتعضون بالتاريخ؟ لا اعتقد لكن القلة الواعية منهم نعم تتعظ بالتاريخ وفلسفته الواقعية، كما في المارشال سوار الذهب في السودان الذي أحيا في العصر الحديث نظرية الامام الحسن بن علي ومعاوية الثاني حينما تنازلا عن السلطة درءً لخطر الاختلاف في المجتمع، والا لماذا بعض قادة التغيير اليوم حين وصلوا لسلطة الدولة اصبحوا من اكثر الناس عرضاً عن نظرية الاقدمين.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" ألم يكن ذلك جهلاً بالتاريخ.. ؟

خذ قادة الأوربيين بعد النهضة الفكرية والصناعية عندهم وكيف تعاملوا مع الحدث الجديد.. تعاملت معه على اساس الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع الى المعرفة والحقوق بعد ان مارست الدكتاتوريات القديمة وملوك آل بوربون كل اصناف الأضطهاد والتعنيف.. فراحوا يحددون معنى لفظة العلم وحقوق الشعوب.. فنادوا في تحديد سلطات الدولة عن حقوق الناس حين نادوا بالفكر والحرية والتقدم، وهاجموا القديم بعنف دون توقير لشيء من الموروث.. فتوجه أعلام النهضة الفكرية من امثال روسو وفولتير الى تحقيق نظريات عصر الانوار لا اراء الدكتاتوريين المتخلفين كمافي بلدانناالعربية والاسلامية اليوم.

 

من هنا استطاعوا تغيير المفاهيم المتوارثة في ميادين المعرفة بعد ان نفض المشاركون فيها ايديهم من الماضي البعيد.. فصنعوا رؤية جديدةلمستقبل الانسان الاوربي قائمة على العقل والعلم والحرية.. حتى وصلوا بأممهم الى ما نراه اليوم.. حين اصبح التطور عندهم قائم على قاعدتين اساسيتين هما: الفكر العلمي ثم استقرار فكرة التقدم في الآذهان.. فأستطاعوا ان يردوا السلطة الغاشمة عن هواها.

بينما العلم الذي يتحدث عنه فقهاؤنا في العصور الاسلامية الماضية -ولازال متبعا- لا يخرج عن نطاق علوم الدين من قرآن وتفسير لم تراعى فيه اصول الصيرورة الزمنية في التغيير.. فأنشأوا لنا المذاهب المتعارضة وكأن المذاهب اصبحت اديان كل واحد منهم يعارض الاخر فأستقرتافكارهم في الاذهان وثبتها المنهج الدراسي المتخلف فأصبح المذهب كأنة دين الانسان فتجمدت العقول في محاربة السلطة تحت راية:"أطيعوا الله والرسول وآلوا الامر منكم دون فهمهم لتأويل الاية في التطبيق حتى وصلنا الى ما نحن عليه من ظلم وتجهيل.

واليوم تعيش أمم كثيرة كالافارقة والمغول والاوربيين في حال احسن بكثير مما كانت عليه وقت الحروب والغزوات بعد ان ادركت الخطأ السحيق، لكن المؤرخين احيانا يساهمون بالمبالغة في تصوير الحروب والانتصارات

من هنا علينا ان ندرك ان الناس يتربون بالتجربة الواقعة لا بالمواعظ، والتي تتولد بالمنهج العلمي القويم، او بذكر اخبار السابقين بتفهم علمي كبير، لذا فالمستبد والسارق والخائن والمعتدي والمزورعلى حقوق الوطن والمواطنين لا يعرف سوء ما فعل الا وهو على فراش الموت، لكن ساعتها تكون متأخرة لن ينتفع منها كل النادمين.

ومع كل الذي يُكتب ,ويقال ويُحذر منه فلا زالت الدول الكبرى والصغرى بقادتها المتغطرسين ينشطون في مصانع التدمير، واذا بحثت في تاريخ معظم القادة تراهم من قراء التاريخ مثل آدلف هتلر وموسليني وبليرو صدام حسين الذي شرد أهله وماله وعياله من جراء غطرسته وجبروته وصده عن الحكمة، كما يحصل لقادة ايران الجهلة اليوم مدفوعين بقدسية وهمية فارغة وبدين احادي وهمي اجرد من حقيقة التحقيق.. وكما حصل لمروان بن محمد أخر خلفاء الأمويين حين شرد أهله وعياله وأضاع ملك بني امية جراء غطرسته وعناده على الخطأ، فهل من جاؤا من بعده أتعظوا بالتاريخ؟ لا أبداُ ولاشيء.

ان الذين يتعضون بالتاريخ وتجاربه المريرة هم الذين يضيفون الزمن الى حهد الانسان، وهم الذين يتصرفون بالعقل فيتغلبون على الظروف غير المواتية بدلا من الرضوخ لها وتركها تشكلهم كيف شاؤوا كما في رئيس ماليزيا الكبير، وهم الذين يقومون أساساً على أفتراضات يقبلها المنطق وان تناقضت مع الواقع، وهم الذين يقومون بنقد النظريات الخاطئة بميزان الاحصاء الذي لا يخطىء، وهم الذين يبتعدون عن تطبيق النظام السياسي الجامد المتخلف الذي يوقف التقدم الحضاري من اجل ان يبقوا يحكمون، كما عند قادة العراقيين الجهلة من اصحاب شهادات التزويراليوم. فمناصب الدولة العليا تحتاج الى الكفاءة وهم لا يدركون.

لكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن اليوم هو:هل نستسلم للقدر ونبقى دون حراك حتى نموت؟ الجواب يحتم علينا القول لا وألف لا، فالشعوب الحية لا تموت والحضارات المتجذرة في اعماق التاريخ لا تندثر، ألم نكن نحن منها ؟ ان التاريخ وتجاربه القاسية تعلمنا ان الثمرات الحضارية تحتاج الى زمن لكي تطلع، اي انها جزء من التاريخ، لذا فالثمرات الحضارية لا تظهر الا باضافة الزمن الى جهد الانسان، وسيبقى الانسان العراقي يكد ويكدح ويقاوم المستحيل حتى يعود بعجلة التاريخ نحو الدوران مستمدا من تاريخ حضارته الموغلة في قدم التاريخ صانعة القلم والكتابة وعلوم وقوانين الاقدمين كما في آور نمو وحمورابي ووثائق الآشوريين.. وستصبح الازمة الحالية في خبر كان قريباً وبجهود المخلصين وسنرى.. فتحية لثوار تشرين القرنالعشرين الأبطال الميامين المطالبين بالتحرير والمعتصمين في سوح النضال من أجل وطن العراقيين..

أما الذين اغتصبوا الحقوق بحجة القرارات الدولية وسياسة الامر الواقع وأنتهاز فرض الضعف الحكومي وغياب التوجه الوطني فهم واهمون ان ينتصروا ويحققوا ما يرغبون على حساب الاخرين، بعد ان اصبح القادة العملاء المترهلون واصحاب النظرة المادية القاتلة تساندهم محكمة دستورية خائنة للقسم والقانون.. ورئيسها قد حنث اليمين.. ومدعي عام مترهل ورئيس للوزراء متآمر مع (الأرجنتينيين )، وساعتها سيعود الندم مرة اخرى للمغتصبين، وكما قال الامام علي (ع) (ان الحق القديم لا يبطله شيء.. والعقل مضطر لقبول الحق كما رددها الامام قالها الشافعي الكبير) فهل سيدرك المغتصبون حقوق الاخرين قبل فوات الاوان ونحن لهم من المنتظرين؟

وفي الختام نقول: ان موضوع التاريخ هو دراسة التجربة الانسانية على وجه الارض منذ ان ظهرالانسان على هذا الكوكب الى يومنا هذا، وليس ذكر اخبار السالفين من الحكام الغاصبين.. والا أين قادة بني أمية والعباسيين والمغول والنازيين.. واليوم الميثيولوجيين الجهلة من اصحاب عمائم الأستغلال والتخريب.. الجهلة بالتاريخ والانسان وحياة الآدميين.. تقودهم خرافات الوهم في اللاوجود.

الانسان يتربى بالتجربة والاعتبار، والتفكير في شئون الكون على اساس الفكر غير المقيد، والعقل المتطلع المتعطش الى المعرفةأيضاً، على اساس التجربة التي هي أصل كل كشف صحيح.. لا بالموعظة والعبرة والاستذكاروالفخفخة والغطرسة واللطم على الآولياء الآولين الذي جاؤا للاصلاح لا للتدمير كما هم يعتقدون اليوم من اصحاب المواخير.... وهكذا كانت اوربا بعد النهضة، فاذا أهمل تدريب الذهن تبلد وقلت حركته، ويبقى عاطلا طيلة فترة حياته، فالتجربة تبقى هي الاساس في حياة البشر دون غيرها، وخاصة اذا ادركها الانسان وتعلمها دون تقصير.وتبقى التجربة على أهميتها قاصرة عن ادراك الهدف الانساني الكبير مالم يرافقها المنهج العلمي المنظم القويم والتطبيق السليم.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

علجية عيش(هذا هو زعيم الشعب البوشناقي الذي حارب الأصولية ودعا إلى التسامح والتعايش بين الأديان والأعراق)

حياة الرجال العظماء مليئة بالأحداث والمعارك كما هي مليئة بالأفكار والإبداعات، ومن هؤلاء الرجال البوسني علي عزت بيجوفيتش الذي وصفه النقاد بالفيلسوف المحارب، ووصفه آخرون بالعالم الحكيم، ولا ينفصل بيجوفيتش عن الشخصيات الكارزماتية التي اتسمت بالروح القيادية من اجل تحقيق الإزدواجية الإنسانية، فقد عرف عنه بالرجل المتواضع، لم يكن كباقي الرؤساء والملوك يسكن قصرا شامخا ويحيط به الخدم والحشم، بل كان يسكن شقة متواضعة بسراييفو، قبل وفاته ترك بيجوفيتش للرئيس التركي طيب رجب أردوغان وصية خاطبه فيها قائلا: "هنا أرض الفاتحين، دافعوا عن البوسنة وحافظوا عليها، هذه الأراضي أمانة في أعناقكم" وهاهي البوسنة والهرسك اليوم تعيش اسوأ ظروفها إذ تحولت كما يقول متتبعون إلى مصيدة للحالمين باللجوء إلى أوروبا

بيجوفيتش ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، وشخصية عبقرية تتصف بكل صفات "الكاريزما " من مواليد 1925 بمنطقة شاباتس بالمملكة اليوغوسلافية، تميزت طفولته بحياة تدين كونه ينحدر من أسرة مسلمة، تعلم تلاوة القرآن وحفظه وهو في سن الخامسة، وفي سن الخامسة عشر بدأت تظهر على ملامحه النزعة الشكية، قرأ لكثيثر من الفلاسفة ماركس، كانت وهيغل وغيرهم واهتدى في النهاية إلى الدين، ووجد في الإسلام الدين الصحيح، فتح بيجوفيتش عيناه على الصراعات في وقت كانت الحرب العالمية الثانية في ذروتها، فكان ورفاقه قد بادروا بتأسيس "جمعية الشبان المسلمين" لكنها لم يكتب لها أن تعتمد قانونيا بسبب الظروف التي كانت تعيشها بلاده، حيث واجه ورفاقه الإعتقالات وكانت تلك بداية رحلة علي مع السجن، فقد حكم عليه بالسجن لمدة 03 سنوات، بعد خروجه من السجن، التحق بكلية الحقوق وهو في العشرين من عمره،و اسس له حياة تميزت بالتسامح والتجاوز على الإساءات، لكنه تعرض للإعتقالات من جديد بسبب مواقفه وأفكاره، كان بيجوفيتش تواقاً للحرية، حيث أسس حزب العمل الديمقراطي في 26 مايو 1990، وبه دخل الإنتخابات فكان هو من اختاره المجلس رئيسا لجمهورية البوسنة والهرسك لعشر سنوات، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتيّ تفككت دولة يوغوسلافيا إلى عدد من الدول، منها صربيا وكرواتيا والبُوسنة والهرسك (المُسلمة)، لم يكن يتوقع أن تدخل بلاده في الحرب مع صربيا عندما أرادت ضمّ البوسنة والهرسك لأراضيها، وخاض الحرب إلى أن تم التوقيع على معاهدة الولايات المتحدة الأمريكيَّة المُسمَّاة بـ: اتفاقية "دايتون" للسلام، والتي نجحت في تقسيم البوسنة والهرسك إداريًّا، لكن بيجوفيتش وافق عليها واستسلم للواقع لينقذ أهله ومواطنيه من الدمار.

لم يكن علي عزت بيجوفيتش مجرد مناضل يبحث عن الحرية، أو سياسي يؤدي دوره الوطني، بل كان مبدعا ومفكرا يغوص في الأعماق، ومثقفا مسلحا بألوان الثقافة العصرية، ويعتمد فكر بيجوفيتش على مسلمات يراها هو حتمية في معرفة الآخر والتواصل معه ومعرفة مكوناته، إذ يؤمن بـ: "الإزدواجية الإنسانية " ويقصد بها وجود عالَمَيْنِ يعيشهما الإنسان هما: (الروح والمادة) ما جعله يولي اهتمامه بفكرة الإنفصال أي انفصال الروح وعن الجسد أو الخروج منه، ومن خلال هذه الإزدواجية ( المادة والروح ) يرى بيجوفيتش مفهومي الحضارة والثقافة والتقدم على أساس من الاختلاف والتباين، فالثقافة عنده هي مجموع العوامل التي تربط الإنسان باروح فتغذيها وتنميها لتجعلها دومًا روحًا لإنسان، وتستمرُّ هكذا خلال الزمن في نضال مستمرٍّ، والحضارة عنده هي مجموع العوامل التي تربط الإنسان بأصله الماديّ، وهي التغيير المستمرّ للعالَم، أما التقدُّم هو التحسين المستمر في الجانب الحضاريّ فقط، دون التحسين في الجانب الرُّوحيّ الثقافيّ، فهو يضفي على التقدم صفات الشر لدرجة السخرية، كما جاء في كتابه "التقدُّم ضدّ الإنسان" تساءل فيه إن كان التقدم قد أدخل السعادة على البشرية أم زاده تعاسة وشقاءً؟ بفعل إجرامه وأخلاقه السيئة، من هذا المنطلق اهتم بيجوفيتش بالمشكلات الرئيسة في عالَم اليوم هذه المشكلات التي تعصف اليوم بالشعوب وتهدد العالَم كله، حيث شخّصها في الصراع الأيدولوجيّ المسيطر على العالم، يقول بيجوفيتش: إن العالم اليوم يكاد أن يتحول إلى كتلة من صراعات فكرية شرسة تحارب بعضها البعض، فهو يتميز بصدام إيدولوجي تورط فيه الجميع، والدليل حالة الاستقطاب الشديدة التي تُمارَسُ على الدول والشعوب من قِبَل إيدولوجيَّات جعلت من العنف والقمع والغذاء سلاحا لاستقطابها، ولتكوين جبهات داعمة ومؤيدة لها.

كانت الكتابة الهاجس الذي يلاحقه في يقظته وفي منامه، فقرر دخول عالم التأليف، فجل الذين درسوا كتابات بيجوفيتش يجمعون على أن فكره يرتكز على تشخيص القضايا الإنسانية من منظور علم الإجتماع الديني لاسيما كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" وهو كتاب يشبه الموسوعة، فقد خاطب به قادة الفكر هناك، وكان فيه عالما وفيلسوفا وأديباً وفناناً مسلماً تمثّل كلّ ما أنجزته الحضارة الغربية، أما كتاب "هروبي إلى الحرية" الذي كتبه في السجن، عندما اعتقله الشيوعيون عام 1949 بسبب نشاطه السياسي، ولانتمائه إلى جمعية الشبان المسلمين، وحكموا عليه بالسجن مدة خمس سنوات، قال فيه عن نفسه : "عقلي يفكر على الدوام، ولكن قلبي مطمئن بالإيمان"، في إجابته على سؤال: كيف ينبغي أن يحيا الإنسان في عالم متقدم متخلف في آن واحد ؟، ولذا يرى بيجوفيتش أن الدين هو الضوء الذي ينير درب الإنسان، في صراعه مع الطبيعة ومع الآخر، وهو الذي يجب ان يركن إليه العقل البشري لأنه وحده القادر على حل المشكلات التي يعيشها العالم اليوم، ما دفعه إلى دراسة الأديان الثلاثة ( اليهوديَّة، المسيحيَّة والإسلام)، فالدين اليهوديّ كما يرى هو انصب على الجانب الماديّ من الإنسان، فكانت تعاليمه وفلسفته مُنحازةً للمادة وحدها، وانصب الدين المسيحي على الجانب الرُّوحيّ فقط، أما الإسلام فقد جمع بين المادة والروح أي أنه جمع بين الاثنَيْنِ في مُركَّب واحد وحقق الإزدواجية الإنسانية، فكان النظام الأكمل في العالم، نظام يشمل ازدواجيَّة الإنسان ويكون دين الحضارة والثقافة معًا، لأنه يجمع بين الفكرة والفعل، وبين الثقافة والحضارة، دين يُوحِّد الحياة الاجتماعيَّة الماديَّة مع الرُّوحيَّة.

في عام 2000 قرر بيجوفيتش اعتزال السياسة ليكرس ما تبفى من حياته في البحث والتنقيب في أمهات كتب الفلاسفة بالتحليل والنقد يبحث ويقارن في المسائل الحضارية للإنسان، وظل يكتب منطلقا من رؤيته وفهمه لعالمية رسالة الإسلام وتعاليمه، حيث دعا في أطروحاته ونظرياته إلى التسامح والتعايش بين مختلف الأديان والأعراق، إلى حين توفي في 19 أكتوبر 2003 بعدما سقط أسير المرض (القلب)، فيما يكشف البعض ان وفاة بيجوفيتش كانت بسبب تعرضه لضغوطات دولية لمواقفه الدينية المحافظة، وقد دفن بمقبرة شهداء الحرب، وضحايا الإبادة الجماعية من شعب البوسنة، تاركا وراءه عدة مؤلفات، أشهرها كتابه"الإسلام بين الشرق والغرب"، الذي كان له دويّ هائل في الأوساط الفكرية والثقافية، من مواقفه أنه يقف ضد "الأصولية" وكان يرفض أن يتهمه أحد بها، معتبرا أن الاتهام تغطية على التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعوب المسلمة، كانت تجمعه مع الأتراك ورئيسهم طيب رجل أردوغان علاقة صداقة قوية وصفا بالتاريخية، قبل وفاته ترك بيجوفيتش للرئيس التركي طيب رجب أردوغان وصية خاطبه فيها قائلا: "هنا أرض الفاتحين، دافعوا عن البوسنة وحافظوا عليها، هذه الأراضي أمانة في أعناقكم".

واعترافاً بجهوده الإسلاميّة وتقديراً لمواقفه الفكرية، حظي بيجوفيتش بالعديد من الجوائز العالمية منها جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، في مذكراته قال بيجوفيتش: "إنما أنا رئيس انتخبه الشعب"، وقد عرضت مسيرته النضالية والفكرية في فيلم وثائقي بعدما وصفوه بالفيلسوف المحارب، وقد وصفه المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري وهو كاتب مقدمت كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، بأنه "المجاهد المجتهد الوحيد في العالم الآن"، وقال المسيري: "إن بيجوفيتش كان مفكرا ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه"، كما وصفه بعض النقاد بالفيلسوف المحارب، ووصفه آخرون بالعالم الحكيم، ووصفته الجماهير البوسنية بزعيم الشعب البوشناقي.

 

علجية عيش

 

 

 

اياد الزهيرييروي الجبرتي وهو مؤرخ مصري عن المناضل الوطني المصري محمد كريم حادثة ألقاء القبض عليه من قِبل الجيش الفرنسي بقيادة نابليون، وحُكم عليه بالأعدام بدعوى أنه كان السبب بقتل مجموعه من جنود الجيش الفرنسي المحتل، والرجل بالحقيقه كان يقود مجموعه شعبيه مقاومه للأحتلال الفرنسي، ولكن عند القبض عليه، وبعد أصدار الحكم عليه بالأعدام، أتوا به الى نابليون حيث قال له يعز عليَّ أن أعدم رجل دافع عن بلاده ببساله، ولا أُريد أن يذكرني التاريخ بأنني أعدم أبطال يدافعون عن أوطانهم، ولذلك سوف أعفو عنك مقابل عشرة آلاف قطعه من ذهب تعويضاً عن عدد الجنود الذين قتلتهم، فقال له محمد كريم ليس معي هذا المال، ولكني أَدين مجموعه من التجار بمبلغ أكثر منه، فأعطاه نابليون مهله أن يذهب ويجمع المال وهو مصفد بالأغلال يحدوه الأمل أن يتمكن من جمع المال من الذين ضحى من أجلهم من أبناء وطنه، ولكن للأسف لم يستجب تاجر واحد لطلبه، بل بدل من التعاطف معه، أتهموه بأنه كان السبب بدمار الأسكندريه، وتدهور الأحوال الأقتصاديه للمدينه، بسبب مقاومته لجيش نابليون، فرجع الرجل خالي الوفاض الى نابليون من دون أن يجمع شيئاً، فقال له نابليون، ليس أمامي الا أن أعدمك، ليس لأنك قاومتنا، وقتلت جنودنا، بل لأنك دفعت بحياتك مقابل أناس جبناء تشغلهم تجارتهم، ولا معنى لديهم عن حرية الأوطان، وفعلاً أُعدم في ميدان القلعه عام 1798م . طبعاً هناك من يشكك بهذه الروايه ولكني وجدت ما يماثلها أيضاً في مصر مع شخصيه أخرى وهو مصطفى البشتيلي، وهو أيضاً ممن قاوم الأحتلال الفرنسي لمصر وقد أُمسك به من قِبل جنود الجنرال الفرنسي كليبر، ولكن هذا الجنرال أراد أن لا تتلطخ يده بدمه، فعمل على وضعه على حمار بشكل معكوس والمرور به بطرق وأزقة مدينته فأخذ الناس يبصقون عليه ويرموه بالحجاره، ويضربوه بأيديهم، حتى تجمعوا عليه وأبرحوه ضرباً ففارق الحياة . هذا مثل عربي، وهناك مثل أخر عالمي، ألا وهو ما تعرض له المناضل الأرجنتيتي تشي جيفارا عندما وشى فيه راعي الأغنام الذي كان جيفارا يقاتل من أجل تحريره، ورفع الظلم والحيف عنه، وذلك بتخليصه من نظام عسكري دكتاتوري، وأُعدم الرجل، وبعد أعدامه سُئل الراعي لماذا أوشيت بجيفارا،قال لأنه كان يروع أغنامي . هكذا كان مصير المناضلين مع شعوب لم تقدر تضحياتهم، ولم تستوعب أهدافهم وتثمن جهودهم، وهذا ما حدى بالمفكر والمصلح المصري (محمد رشيد رضا) بقوله (الثائر لأجل مجتمع جاهل، هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير). أن ذكري لهكذا أمثله ليس هدفه أحباط الأخرين، والتقليل من العزائم في مقاومة الأنظمه الدكتاتوريه والقوى المحتله، ولكن لتبيان أثر الأكثريه عندما تتخاذل، وتتصف بعدم المسؤوليه أتجاه أوطانها، وتركها للمناضلين من أبناءها وحدهم بالساحه يواجهون الموت والأضطهاد من قبل الطغاة، هذا الأمر يذكرني أنا شخصياً عندما خرجنا في أنتفاضة 1991م ضد النظام الصدامي، وعندما أتفق التحالف مع النظام على ضرب الأنتفاضه الشعبانيه، ولم يبقى من العتاد لدى المجاهدين لمقاومة جيش النظام خرجنا الى الصحراء وأنا أسمع من ورائي من يشتمنا ويسمعنا من الكلمات التي أترفع عن ذكرها هنا في هذا المقام من قِبل بعض الأهالي، وكان هناك من يعطي أحداثيات للجيش لضربنا بالمدفعيه ونحن في طريق أنسحابنا بأتجاه صحراء السماوه، كما يمكننا الأستعانه بالتاريخ القريب، وهو حادثة أعدام الفيلسوف الأسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر عام 1980م، وكيف كان الشارع العراقي متخاذلاً عن نصرته الا ثله قليله جداُ في بعض محافظات الوسط والجنوب، والذين أيضاً تعرضوا للأعدام والسجن الطويل، وكان ذلك بمساعدة من أوشى بأسماءهم من أبناء مدنهم ومناطقهم، وقد كشفت سجلات الأمن الكثير من الأسماء المتعاونه مع النظام البعثي الأجرامي أثر هروب أجهزة أمن النظام في الأنتفاضه الشعبانيه . أن ذكر هذه الأحداث المؤلمه ليس القصد منها التيئيس ولا التحبيط ولكن من باب دراسة الواقع، وممارسة الموضوعيه في بحثه، وأستنتاج العبر والدروس التي تنهض بالواقع، وعدم تكرار الأخطاء السابقه، كما نسعى لألفات النظر لخطورة عدم الشعور بالمسؤوليه، والتي كانت ومازالت سمه واضحه في سلوك شعوبنا العربيه، وشعبنا العراقي بشكل خاص . أن ظاهرة اللاأباليه، هي السبب الرئيس في جثوم الأنظمه الدكتاتوريه على صدور شعوبنا، وهي العامل الرئيسي في عدم تقدمنا على جميع الأصعده. كما لا يمكننا القول أن ما ذكرناه من ظاهرة عدم المبالاة تمثل حاله كليه، لأن هناك من عبر عن صور رائعه من الود والأحترام، وتقديم المساعده لعوائل المجاهدين، ولكن تبقى للأسف ظاهره ليست بالحجم الذي يعتد به، وليست ذات أثر أجتماعي بين، وهذا هو ما سبب الكثير من الأحباط والشعور باللاجدوى لدى الكثير من الناس، وخاصه الطبقه المجاهده والمثقفه في المجتمع، وأن من دواعي الأسف ما نلمسه من عدم الأحتفاء بذكر الشهداء، وعدم ذكر مآثرهم، وما حادثة الأعتراض على تشيع الشهيد المهندس في مدينة الناصريه من قبل بعض الفئات الا شاهد حي على ذلك، بل وتمثل نكوصاً خطيراً في سلم القيم الرفيعه . لقد ألتفت المحتل الأمريكي الى هذه الظاهره، وعمل على ترسيخها، بل وأستثمارها الى أقصى طاقاتها، والعمل على تحطيم كل القيم المتعاليه، وتكبير الفجوه بين القيادات الوطنيه والدينيه والجمهور لكي لا تُشكل جبهه كبيره وقويه لمقاومة المحتل وطرده من البلد.

خلاصة القول، أن ما تقدم من سرد لحالات وظواهر سلبيه مررنا بها، وعلينا الأقرار بحصولها، وأنها جزء من واقعنا، والتي علينا أنكارها، بل وشجبها، ولكن هذا لا يكفي، بل علينا العمل على تغيرها، وتصحيح أخطاءنا، فهو الطريق الأمثل للأنتقال الى حاله أكثر تقدم وأفضل حال، وأن نربي شعوبنا على تحمل المسؤوليه، وأن كل ممتلكات البلد هي ممتلكاتنا جميعاً، وأن الحاق الضرر بها، هو ضرر لنا جميعاً، وأن نتربى على أن السجناء السياسيون هم أناس مضحون يستحقون كل التشجيع والتكريم من أبناء وطنهم، لا أن يعتبروا تضحياتهم، فيما تعرضوا له من سجن وتعذيب وأعدام مسأله فرديه، والسجين والمعدوم هو وحده من يتحمل التبعات وأسرته وحدها من تتحمل الأعباء، وهذا من أخطر مظاهر عدم المسؤوليه، ليس عيباً أن نتعلم الشعور بالمسؤوليه من الفرد الياباني الذي حَمَّل المسؤوليه في هزيمة اليابان في الحرب العالميه الثانيه على قادتهم العسكريون، وأن أخطاءهم في دخول حروب عديده في أحتلال دول مجاوره هو السبب الحقيقي في دمار اليابان وأذلال شعبه، وأن ما لحق باليابان من دمار وما تعرضت له من ضربات ذريه، هو بالحقيقه كانت أخطاء يابانيه قبل أن تكون أمريكيه، فالأعتراف بالخطأ وتصحيحه، هو من أنقذ اليابان وسبب نهوضه، والباعث على تقدمه.

 

أياد الزهيري

 

عبد الحسين شعبانفي استفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية الـBBC في مطلع الألفيّة الثالثة كان ماركس واحداً من بين أهم 100 شخصية مؤثّرة في العالم، ولا أخال أحداً من جيلنا الستّينيّ إلّا وترك ماركس شيئاً عنده، لكن ذلك لا يعني أنّه دون أخطاء أو شطحات، وباستثناء المنهج الذي اعتمده والقوانين التي اكتشفها بشأن الصراع الطبقي وفائض القيمة، فإنّ الكثير من تعاليمه لا ينبغي التعامل معها كنصوص مقدّسة لدرجة اعتبارها أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية أو القرآنية، ويذهب البعض أكثر من ذلك إلى تنزيهه من الأخطاء، بل يضعه خارج دائرة النقد، سابغاً عليه نوعاً من المعصوميّة؛ في حين إنّ تعاليم ماركس واجتهاداته هي مجرّد آراء بعضها تجاوزها الزمن أو أن الحياة لم تزكّها، لكن ذلك لا ينفي عبقريّته ومواهبه وموسوعيّته كفيلسوف ومفكّر وعالم اجتماع واقتصادي وسياسي يسيل من قلمه حبر الأديب وتتدفّق لغته بالشعر.

في العام 1984 كتبتُ في مجلّة "الهدف" خاطرة تأمّلية بعنوان "بروموثيوس هذا الزمان" جئت فيها على منجز ماركس الفكري والثقافي، وذلك بمناسبة وفاته (14 مارس/آذار1883). وإذا كان أعداؤه وخصومه يعتبرونه تهديداً لهم ولمصالحهم لدرجة أنّ شبحه لم يعد يجوب "أوروبا العجوز" فحسب، بل شطر العالم إلى نصفين في القرن العشرين، فإنّ أنصاره ومريديه تعاملوا مع تعاليمه وتفسيراته  كمعتقدات "منزّلة"، مردّدين بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية والتلقينيّة المدرسية التي لا علاقة لها بجوهر منهجه، ناهيك عن روح العصر.

ثلاث قضايا يمكن التوقّف عندها في هذه المساحة بشأن بعض شطحات ماركس؛

أولاها - موقفه الخاطئ بخصوص الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر (1830)، ورسالته "التمدينيّة"، ولعلّ الفضل في إطلاعنا على موقفه هذا يعود إلى الصديق جورج طرابيشي الذي ترجم كتاباً عن الفرنسية بعنوان "الماركسية والجزائر" كشف فيه عن قصور وُجهة نظر ماركس، علماً بأن الطبعة الروسية كانت قد حذفت فقرات منه لأنها صادمة ومُحرجة، خصوصاً رؤية ماركس المغلوطة وتقديره المخطوء للإستعمار الفرنسي في الجزائر بوصفه شكلاً من أشكال الهجرات التي تنقل التمدين والتحضّر إلى شعوب شبه بدائيّة أو شعوب متخلّفة" بوصفها: بدوًا، قطّاع طُرق، لصوصًا، وكانت نظرته تلك تقوم على وجهة نظر اقتصادية بحتة، بعيداً عن الجوانب الحضارية والثقافية والإنسانية، بتفسير مبتسر مفاده أنّ الثورة الصناعية أدّت إلى تضخّم رأس المال واحتاجت إلى الموارد والأسواق والأيادي العاملة، فكانت الهجرات. ومثل هذا الرأي يهمل الطابع الإجرامي لتلك المحاولات الاستعمارية الاستيطانيّة وسعيها لقهر شعوب هذه البلدان ونهب ثرواتها وتدمير ثقافاتها وإلغاء هُويّاتها، ومع أنّه لم ينسَ التعاطف مع الضحايا، لكنّ ذلك جاء من زاوية أخلاقية.

بتقديري إن فترة بقاء ماركس في الجزائر للاستشفاء من 20 فبراير/شباط إلى 2 مايو/أيار 1882 لم تكن كافية لمعرفة معمقّة للمجتمع الجزائري، وانطلق في حكمه من "المركزية الأوروبية" التي هيمنت على تفكيره والرأسمالية الصاعدة فيها، حيث قام ماركس بتحليل قوانينها بدقّة كبيرة مشخّصاً عيوبها ومثالبها ونظامها الاستغلالي على نحو عميق وعظيم.

ثانيتها - موقفه المتناقض من تقرير المصير، فعلى الرغم من أنّه هو الذي صاغ فكرة "أن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا" ودعا إلى استقلال بولونيا في حركة قادها الإقطاعيون ضدّ روسيا لأن ذلك سيكون خطوة مهمّة تسمح بإنضاج التناقضات، وهي استنتاج دقيق لكنه وقف ضدّ حقّ تقرير المصير للشعبين التشيكي، والسلوفاكي، اللذين كانا يطالبان بالاستقلال من الامبراطوية النمساوية - المجريّة، والسبب حسب وجهة نظره أنّهما "شعبان رجعيّان" وضعيفان وصغيران ويمكن أن يقعا تحت هيمنة الروس وسيكون نجاحهما في الظّفر بذلك تقوية لدور روسيا بتشجيع من فرنسا، وسيتم توظيفهما ضدّ ألمانيا المتطوّرة صناعيًّا، وهي نظرة خاطئة قامت على فرضيات اقتصادية بعيدة عن الجانب الإنساني التحرّري.

وثالثتها - كان موقفه المُلتبس والخاطئ من ايرلندا، لا سيّما في المرحلة الأولى، ففي رسالة منه إلى إنجلز بتاريخ 23 أيار (مايو) 1856، يقول "لقد تحوّل الإيرلنديون بواسطة القمع المنهجي إلى أُمّة ساقطة"، وهناك رسالة ثانية بهذا الخصوص بتاريخ 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1869، ويبني استنتاجاته انطلاقاً من منظور تقدّميّة الطبقة العاملة الإنكليزية تجاه إيرلندا المتخلّفة والمحتلة، التي يعزو إليها سبب سقوط الجمهورية في زمن كرومويل، ويدعو إلى أن تقطع الطبقة العاملة الإنكليزية علاقتها مع ايرلندا بعيداً عن كلّ جملة أُمميّة وإنسانية بشأن العدالة، وحسب رأيه إن لم تنتصر الطبقة العاملة وتتحرّر في إنكلترا فلن يتمّ تغيير الأوضاع في ايرلندا، أيّ أن التحولات الاشتراكية في المركز ستؤدي إلى تحسّن الأمور في البلد الطرفي والمتأخر، لأن رافع التقدم هو لندن، وليس دبلن، لكنه يعود في العام 1870 ليتحدّث عن اضطهاد مركّب رأسمالي متزامن مع اضطهاد قومي ضدّ ايرلندا.

وباستثناء المنهج فجزء كبير من تعاليم ماركس وشطحاته بالطبع يمكن الاحتفاظ به في المكتبات أو المتاحف، حتى وإن بقيت الأحلام واليوتوبيّات ورديّة، فتلك مأثرة أيضاً.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق

تتعرض مختلف المجتمعات الى تغيرات مستمرة نتيجة التطور والتقدم الاجتماعي، هذه التغيرات تفرز العديد من التعقيدات في الابنية الاجتماعية، تظهر بصورة جلية عند محاولة دراسة مستويات البناء الاجتماعي، اذ يلاحظ ان هناك اختلاف وتباين في هذا البناء، يعرف عند المختصين بعلم الاجتماع بالطبقة الاجتماعية

لاحظنا في الحلقة الأولى من هذا الاستعراض ان تطور الطائفية السياسية كان يترافق مع دخول البلد في مرحلة الانحطاط السياسي والأخلاقي وتتعارض الفكرة الإنسانية والحداثة والدولة المدنية والشرعية وفكرة المواطنة . ولكن ما يجب اقراره إن مجرد الانتماء إلى طائفة أو فرقة أو مذهب لا يجعل الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما ان سعي أي شخص لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيشون فيها دون إضرار بحقوق الآخرين لايجعله طائفيا . فأخطر ما يبتلى به شعب أن يتحول حكامه من رجال دولة إلى رجال طوائف أو أحزاب أو قبائل، فالمصير الذي ينتظر ذلك الكيان هو التفكك لا محالة، ولن يكون بعد ذلك رابح إلاّ أعداء ذلك الكيان، المستفيدون من تمزيقه. فحين يبتلى بلد برجال سلطة يستندون في وجودهم إلى الأجنبي؛ فإنهم يمنحون ولاءهم واهتمامهم إلى أولئك الذين مكَّنوهم من السلطة، لا إلى شعوبهم. وقد كانت هذه احدى الأساليب التي سعى العثمانيون الى استغلالها في صراعهم مع الصفويين لاحتلال العراق فعمدوا الى دعم طائفة ضد طائفة أخرى فقسموا المسلمين الى اهل السنة و(الروافض) كما خلقوا تنظيمات للطائفة الموسوية ( اليهود ) وطائفة النصارى . واستمرهذا الوضع لحين وصول القوات البريطانية الى بغداد وانسحاب القوات العثمانية . ولقد أدرك البريطانيون نقطة الضعف هذه في السياسييّن العراقيّين ونجحوا في استغلالها واللعب عليها.

يعود تاريخ الوجود الاوربي في الخليج الى القرن السادس عشر في آخر يوم من عام 1600 تأسست شركة الهند الشرقية الانجليزية وبعد ان عززت موقعها في الهند، اخذت تتطلع الى الخليج الذي له علاقات تجارية مع الهند .في عام 1640 وصل ممثلي ووكلاء شركة الهند الشرقية الى البصرة ابرمت بريطانيا عدة معاهدات مع الدولة العثمانية، كان اولها معاهدة الامتيازات التي اتفق عليها سنة 1661م، وتم تصديقها سنة 1675. ثم حصل السفير البريطاني في الاستانة على فرمان من السلطان 1764م يتضمن الاعتراف بأن وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية قنصل يمثل بريطانيا، ففتحت لها مقيمة في بغداد سنة 1798م، وفي العام 1808م عينت بريطانيا المستر (ريج) قنصلا ً في بغداد ويعتبر هذا الرجل هو أول من عمل على تكريس الدور البريطاني في العراق وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وكان ريج يتمتع بعلاقات كبيرة ومهمة مع العراقيين وكانت شخصيته أقوى من شخصية الوالي العثماني . وقد ذكر الدكتور الوردي في كتابه لمحات إجتماعية أن الناس في بغداد كانوا لا يقيمون وزناً لوعود بشواتهم وأعيانهم إلا إذا كانت مدعومة بضمان من المستر (ريج). في عام 1821 عينت الحكومة البرطانية الكابتن تيلر قنصلا ً. وعرض القنصل على والي بغداد (داود باشا) أن يتولى الضباط البريطانيون مهمة تدريب افراد الفيلق العثماني في بغداد وتم جلب بعض الضباط البريطانيين امثال جورج كيبل ورفاقه لهذه المهمة كما تم ارسال القس المسيحي (غروفز) الذي سكن بغداد وأتصل بأهلها واصبحت له علاقات معهم، أما على الصعيد التجاري فقد ذكر بطاطو في كتابه العراق ان البريطانيون كانوا يحضون بمعامله خاصة ومتميزة في السوق العراقية . ومن جانب آخر كان البريطانيون يولون للعراق أهمية خاصة فقد صرح اللورد كيرزن في العام 1892م بأهيمة بغداد التجارية فقال يجب أن تدخل بغداد ضمن السيطرة البريطانية. وكانت بريطانيا سبق لها ان حصلت على فرمان سنة 1834م يحق فيه لبريطانيا استخدام باخرتين في نهر الفرات، وسبق هذه المعاهدة قيام رحالة بريطانيين عام 1830م باستكشاف طريق الفرات النهري من بيرة جك جنوب الاناضول الى مدينة الحلة في العراق، وقام الرحالة (راودن جسني) برحلة استكشافية حظيت برعاية الملك (وليم الرابع) وساعده (هنري بلوص لنج) في مسح نهر دجلة، عمل (لنج) خلال الفترة بين (1837-1839) على كتابة مذكرات في وصف قسم من دجلة بين بغداد وسامراء، وقد حصلت عائلة (لنج) على امتياز تسيير باخرتين في دجلة بين بغداد والبصرة، وقامت في 30 تشرين الثاني سنة 1860م بتأسيس شركة في لندن باسم (شركة الفرات ودجلة للملاحة التجارية). استطاعت شركة لنج ان تحتكر الملاحة التجارية في نهر دجلة، في نقل المسافرين والبضائع والبريد بشكل كبير. وفي عام 1909 تم بيع الادارة النهرية العثمانية الى شركة لنج بمبلغ (250) الف ليرة.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية الحرب مع المانيا والنمسا قررت بريطانيا ان تامين الطريق الى الهند يحتاج الى الإسراع في احتلال البصرة وبالفعل نزلت القوات البريطانية البصرة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، حيث قامت بتشكيل دائرة الحاكم العسكري، والتي كانت مهمتها القيام بالمهام المستجدة وتألفت من الرائد (داريس براذيلو) رئيسًا والنقيب (ريدبولارد) وهو وكيل قنصل بريطانيا السابق في البصرة (وتوم دكستر) احد قباطنة (السفينة كمين) التابعة للمقيمة البريطانية في بغداد مساعدًا ومترجمًا، وعدد من الضباط والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين، ثم تبعها تشكيل دائرة للشرطة تولاها العقيد (أي جي كريكسون) أحد منتسبي شرطة البنجاب والعديد من العناصر التي جائت من الهند. أصدرت السلطة العسكرية البريطانية في آب 1915م في المناطق العراقية المحتلة (قانون الأراضي العراقية )، يخول السلطة تطبيق القانون الهندي على المجتمع العراقي، وأجاز لها تعديله حسبما تتطلب الأوضاع المحلية اما في المناطق العشائرية المدنية، بموجب الأسس الواردة في نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية الذي وضعه هنري دوبس عام 1915، وذكر أنه مستمد من نظام الحكم الذي طبق في بلوشستان، وحدد القانون إحالة القضايا الخطيرة إلى اللجان العسكرية البريطانية للبت فيها في حين تحال القضايا الشخصية إلى المحاكم الشرعية التي تطبق (الشريعة المقدسة).

حددت السلطة البريطانية الأهداف السياسية البريطانية كما وردت في برقية وزير الهند في لندن إلى نائب الملك في الهند والدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ 29 آذار 1917م، متضمنة مظاهر تحقيق السياسة البريطانية في العراق، في إن تبقى البصرة والناصرية وشط العرب وبدرة تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، وتكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة عراقية تحت حماية بريطانيا، وتدار خلف ستار عربي بواسطة وكالة وطنية وفقا للقوانين الموجودة. كما أشار التقرير الإداري البريطاني الصادر في تشرين الأول من عام 1918 الى ان الإدارة البريطانية تعتزم تعيين قا ٍض سني في مدينة النجف، فضلا عن إصدار تعليمات على العمال العاملين عندها بإجبارهم ارتداء ثيا ِب موحدة بحسب انتمائهم القومي والطائفي، فالعمال السنة يرتدون كوفية حمراء وعقال اسود ويرتدي العمال الشيعة كوفية زرقاء وعقال ابيض .

قام البريطانيون بتوسيع نظام دعاوى العشائر بعد سيطرتهم على جميع الاراضي العراقية، اذ صدر نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية في 28 تموز/ يوليو 1918، الذي اصبح له قوة القانون اند صدور القانون الاساس العراقي (الدستور) في سنة 1925. شكلت القوات البريطانية ما سمي بالإدارة المدنية البريطانية في العراق ترأسها السير بيرسي كوكس حتى مايو عام 1918 فتبعه السير أرنولد ولسون .ومارست الحكومة المؤقتة البريطانية الهندية سياسة التهنيد من خلال فرض القانون الهندي لحين صياغة الدستور العراقي بغية إلحاق العراق وضمه بالتاج البريطاني . في 30 تشرين الثاني 1918 صدر قرار يقضي بأقامة استفتاء شعبي لمعرفة رأي البلد في تأسيس حكومة عربية، وتضمن ثلاثة اسألة: هل يفضل العراقيون دولة عربية واحدة تقوم بارشاد من بريطانيا، تمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي؟، وهل يرون أن يكون أمير عربي على رأس هذه الدولة الجديدة؟، ومن الذي يرشحونه لرئاسة الدولة؟.

 كانت مدن الفرات الاوسط وبالاخص مدينتي النجف وكربلاء الشغل الشاغل للبريطانيين، منذ دخول قواتهم العراق في عام 1914، ذلك أن الفرات الاوسط كان مركز التشيع وما يحمل التراث الشيعي من نزعة الى النقد السياسي للسلطة على مدى السنين اضافة إلى الفلسفة الأمر الذي انعكس على نفسية المجتمع في مناطق الفرات الاوسط. أشار الحاكم السياسي برسي كوكس في حديثه عن الفرات الاوسط (أن المشكلة المعقدة في منطقة الفرات الاوسط في هذا الوقت أي عام 1917 ليس وجود قبائل كثيرة وإنما وجود مدينتي كربلاء والنجف).

في عام 1919 ذهب فيصل بن الحسين الى باريس لحضور مؤتمر الصلح في فرساي ولكن لم يسمح له بالمشاركة وعندما حاول الاحتجاج تمت دعوته الى وزارة الخارجية الفرنسية وهناك كانت اكبر صدمة تعرض لها العرب وفيصل ونرويها كما سجلها مرافق فيصل البريطاني (لورنس ) حيث التقاهم في وزارة الخارجية المسيو جان غوت مساعد مدير شؤون اسيا في الوزارة. وجرى الحديث بينهما – طبقاً لمذكرة بخط لورانس قدمت الى وزير الخارجية البريطاني واودعت سجلات الوزارة تحت الرقم 97/608 ملف 7 – 445 – على النحو الآتي:

“فيصل: انني لا استطيع ان افهم لماذا جرى استبعادي من قائمة الممثلين الذين يحق لهم الكلام امام مؤتمر الصلح؟

غوت: هذه مسألة من السهل عليك ان تفهمها. لقد ضحكوا عليك. ان الانكليز تخلوا عنك، ولو انك وقفت معنا لكان في وسعنا ترتيب امورك. اننا نعترف بوجودك هنا كضيف كريم، ولكن الضيف لا علاقة له بمؤتمر السلام، والخطأ يقع عليك انت لأنك جئت الى هنا دون ان تحصل على اذن بيكو ودون اخطاره. كنت واقعاً تحت نصيحة خاطئة، والنصائح التي اعطيت لك لا تنفعك.

فيصل: الجنرال اللنبي في دمشق ابلغني ان الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسية كلتيهما تعترفان بقواتي كطرف محارب .

غوت: هذه اكذوبة. نحن لا نعرف شيئاً عن جيش عربي في سوريا.

فيصل: الجنرال اللنبي كان قائد جيوش الحلفاء، وكانت قواتي تحت قيادته. كان هو قائدنا الاعلى، وقد قال لي في دمشق انه يعتبرنا طرفاً محارباً، وقد صدقته.

غوت: هذه مشكلتك. وعليك ان تفهم انك اذا اردت صداقة فرنسا فيجب ان تطيع ما نقول به نحن”.

وقد اكتمل المشهد الدرامي في أيلول من نفس العام عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني (لويد جورج) ورئيس الوزراء الفرنسي (جورج كليمنصو) في اليوم الاول من أيلول في مبنى السفارة الفرنسية، وبينهما اللورد هانكي الذي جرى تكليفه رسمياً وضع مذكرة عن حديثهما. في البداية – كما ورد في مذكرة اللورد هانكي – كان رئيس الوزراء الفرنسي يشعر بأن الحكومة البريطانية متضايقة من بعض تصرفات الرسميين الفرنسيين.وهي تعتبر انها احيانا تجاوزت حدود المقبول ازاء الحليف الاكبر وهو بريطانيا وكان كليمنصو حريصاً على استرضاء رئيس الوزراء البريطاني لأنه ما زال يشعر بالحاجة اليه في التسوية النهائية، وما يترتب عليها. وبدأ الحوار بين الاثنين. ودار على النحو التالي على حسب ما سجله اللورد هانكي في مذكرته بالحرف (وثيقة مجلس الوزراء الرقم 14/116 تاريخ 1 ديسمبر (كانون الاول) 1919):

“كليمنصو: انني حريص على ان لا تكون هناك خلافات كبيرة بيننا، فما زالت امامنا ظروف تقتضي لقاءنا المستمر. ان تحالفنا نجح في تجربة الحرب، وليس من المعقول ان يرسب في تجربة السلام”. ثم استطرد: “دعنا نسوي الامور بيننا مباشرة، وقل لي ما الذي تقترح ان نبحثه معاً الآن؟

” لويد جورج: دعنا نبحث في مصير العراق وفلسطين.

كليمنصو: اذن قل بصراحة ماذا تريد؟

لويد جورج: اريد الموصل. انتم تطالبون بهذا الاقليم ونحن نعتبره تكملة لجنوب العراق الذي اتفقنا على ان يكون من نصيبنا.

كليمنصو: حسناً. لك ان تأخذ الموصل. سوف نتركه لكم… هل هناك شيء آخر؟

لويد جورج: نعم… اريد القدس ايضاً. انكم تثيرون متاعب لنا، وتطالبون بالحق في فلسطين باعتبارها جنوب سوريا.

كليمنصو: لك ان تأخذ القدس ايضاً… هل هذا يرضيك؟

لويد جورج: هذا شيء طيب.

كليمنصو: ان بيشون (وزير خارجية فرنسا) سوف يثير لي مشاكل بسبب الموصل، وارجوك ان تساعدني ازاءه.

 لويد جورج: ماذا استطيع ان افعل لك؟

كليمنصو: اتركوا لنا سوريا شمال فلسطين من دون ان تثيروا المتاعب في وجهنا. انا لا اعني المنطقة المسيحية في لبنان فقط، ولكن اريد سوريا الداخل ايضاً: دمشق وحلب وحمص وحماه.

لويد جورج: ليست لنا مصالح حيوية في هذه المناطق، ولن نعارضكم عندما تضعوها جميعها تحت حكم فرنسي موحد!”.

وانتهت المناقشة بين الرجلين لأن رئيس وزراء ايطاليا انضم اليهما في صالون السفارة الفرنسية. وبهذا تقرر مصير الدول العربية ومنها العراق.

لم تستجب بريطانيا للمطالب الشعبية بتقرير المصير، بل سارعت هي وحلفاؤها الى الاجتماع في سان ريمو في إيطاليا في (25 نيسان 1920) ووزعوا الانتدابات، فأنيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن لبريطانيا. أذيع نبأ الانتداب على العراق في بغداد في (3 أيار 1920) فأعلن الشعب معارضته له، أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار الحركة البريطانية المباشرة وعدم تنفيذ الوعود التي أعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال، وتوتر الجو السياسي في العراق وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية وقرروا اتخاذ التدابير لحشد العراقيين. وفي (2 حزيران 1920) حدثت مظاهرة جماهيرية واسعة عندما قابل ممثلوا الحركة الوطنية وكيل الحاكم المكي وطالبوا بإجابة المطاليب الآتية وهي إنشاء مجلس تأسيسي (جمعية وطنية) تضع دستور وتقرر شكل الحاكم وكذلك إطلاق حرية الصحافة. وقد ردت بريطانيا على هذه المطاليب موضحة شروط وكالة حكومة بريطانيا على العراق . كان اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ قبيلة الظوالم في (30) حزيران في الرميثة أحد الأسباب التي أدت الى اندلاع الثورة إذ هاجم رجاله سراي الحكومة وقتلوا بريطانيين وانقذوا شيخهم فكانت تلك الرصاصات إيذاناً بإعلان الثورة في العراق ضد البريطانيين.امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة، فأعلنت الثورة في النجف في (2 تموز) ة وتمكن الثوار في الرميثة من مقاتلة البريطانيين وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة وتمكن الثوار من إحراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرسمتية) قرب الكفل يوم (24 تموز) فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو الحلة بعد أن فقدت (318) جندياً، وغنم الثوار (40) رشاشاً ومدفعاً واحداً. خفت حدة المعارك العسكرية بعد فترة قصيرة من وصول السير برسي كوكس واعتبرت الثورة منتهية بعد المفاوضات التي أجرتها بريطانيا مع الثوار في الرميثة آخر معاقل الثورة وتوقيعها الاتفاق معهم في (30 تشرين الثاني 1920) .

بعد وصول بيرسي كوكس الى بغداد في (11 تشرين الأول 1920)، واستقبل استقبالا حافلا تبارى خلاله الشعراء وعلى رأسهم الشاعر (جميل صدقي الزهاوي) في القاء القصائد في مدحه وهجاء الثورة التي حصلت وذمها اشد الذم .

كانت أولى الخطوات التي اتخذها المندوب السامي، انه عقد اجتماعاً لمجلسه الاستشاري في الحادي والعشرين من تشرين الأول من عام 1920، ضم في عضويته كل من بونهام كارتر ناظر العدلية، (وهو ايضا صاحب فكرة تشكيل الحكومة حينما كان رئيس اللجنة التي الفها ويلسون بعد ان اجرى استفتاء عام 1918 مع بعض التعديلات ) وهاول ناظر المالية فضلاً عن مساعده سليتر وبولارد ناظر الاشغال وبطبيعة الحال ضم هذا المجلس العنصرين البارزين في السياسة البريطانية، هما جون فلبي، والمس بيل السكرتيرة الشرقية واستمر هذا الاجتماع الطارئ زهاء الثلاث ساعات، وضح فيه كوكس افكاره حول تأليف الحكومة واعتبارها كالجسر الذي يربط فيما بين السلطات البريطانية المتمثلة بشخصيته وبين الشعب العراقي .

ولقد استبعد الاجتماع موضوع الاستعانة باي شخصية شيعية فقد عملت الدعاية البريطانية على زرع فكرة ان كل معمم شيعي هو (إيراني ) فحتى عندما تتحدث المس بيل عن السيد (محمد الصدر) وهو من سلالة ال البيت وجده الاكبر كان قادم من لبنان والشيخ مهدي الخالصي الكبير الذي تعود اصوله الى قبيلة بني اسد العربية وهما من كبار قادة ثورة العشرين تقول (إنهما من رعايا إيران)، وقد وصفت (السيد محمد الصدر) بما يلي "إن معكر صفو السلم هو السيد محمد الصدر، وهو عالم طويل القامة، اسود اللحية، ذو تقاسيم شريرة، قفز إلى الظهور البغيض بصفته رئيس المحركين خلال الإضطرابات وأخذ يدور في أنحاء البلاد ويسري شرّه فيها كما يسري لهيب الحرب، فقد صادف أن أُقيمت حفلة استقبال في المدرسة الإيرانية، حيث ذهبت كالمعتاد وكان من الضروري أن أذهب إلى هناك لأن السيد محمد الصدر هو المنظم للحفلة" . وقد إختصرت المس بيل رأيها قائلة: “ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها” . كذلك تم استبعاد اي شخصية كردية حيث كانت الدعاية البريطانية تعتبر أن فكرة وجود كردستان مستقلة فكرة خيالية تماما، كما وصفتها المس بيل في رسائلها التي قام بترجمتها (يونس السبعاوي) ونشرها (روفائيل بطي) . ويمكن معرفة التوجهات البريطانية من خلال المحادثة التي أجرتها المس بيل مع الحاج (ناجي رضا جادر) احد مالكي الأرض الزراعية في الكرادة وكان صديقا مقربا منها، عندما سالها عن سبب فوزه بمقعد في المجلس من دون سابق علم له بالأمر إلى إن أخبره مختار الكرادة بفوزه، فقالت له " انته نحن نعتبرك صديقنا" فسألها الحاج ناجي عن سبب غياب أعيان الشيعة في بغداد من المجلس، فقالت "أهل الكاظمية كلهم ما يفتهم وأهل بغداد (عنودي) وأهل النجف وأهل كربلاء كلهم (فارسي) ما يفتهمون عربي غير بس الشيخ عمران العلوان " وقالت المس بيل " أهل الدليم يتكلمون عربي ما يفهم منها أهل بغداد شي فاخترنا لهم فؤاد الدفتري حتى يعلمهم تركي وهم يعلموه عربي حجي بعد ماكو سؤال" .

لذلك قرر الاجتماع الاستعانة بنقيب اشراف بغداد السيد (عبد الرحمن النقيب الكيلاني)، عرض برسي كوكس في اثناء الاجتماع مجموعة من المقترحات والتي عدت الاسس التي قامت عليها الحكومة ومنها، تأسيس مجلس من الوزراء العراقيين وكان الى جانب كل منهم مستشار بريطانيا، ويكون هذا المجلس بادارة المندوب السامي مباشرة، وبعد تعديلات طفيفة اجريت على هذه المقترحات من قبل اعضاء المجلس الاستشاري تمت الموافقة عليه بالاجماع، ويلاحظ ان هذه الحكومة المؤقتة لم تكن إلاَ واجهة لتنفيذ صك الانتداب البريطاني على العراق، ويتضح ذلك من خلال ارتباط مجلس الوزراء بصورة مباشرة بـ(برسي كوكس) كما ان الوزراء المقترح تعيينهم سوف لن يكون لاي منهم دوراً مهماً في تمشية أمور البلاد في مختلف المجالات لكونه مرتبط ويعمل تحت توجيهات المستشار البريطاني الذي كان قراره نهائيا وقطعيا .

بالرغم من طرح اسم (عبد الرحمن النقيب الكيلاني) لرئاسة الحكومة المؤقتة خلال الاجتماع الا ان برسي كوكس كان يأمل ان يتولى هذا المنصب (طالب النقيب)، الذي لعب دوراً كبيراً في خدمة المصالح البريطانية، الا انه استبعد من الترشيح الى هذا المنصب وذلك يعود الى عدم الثقة الكاملة به من قبل المندوب السامي، ولمعارضة الاعضاء ولاسيما المس بيل، التي كانت تكن له الكره الشديد، بسبب نشاطه اللامحدود وطموحه الشديد بالوصول الى عرش العراق، في الخامس والعشرين من تشرين الأول لعام 1920، انهى برسي كوكس مفاوضاته التي اجراها مع الاشخاص المرشحين لمنصب وزراء في الحكومة المؤقتة، وتمكن من تخطي جميع الصعوبات التي واجهته خلال المباحثات، ولم يتوان المندوب السامي بعد هذه المباحثات من توجه رسالة تكليف الى السيد عبد الرحمن النقيب بتشكيل الوزارة وبناء على رغبة ملك بريطانيا في ذلك، فوافق النقيب على هذا الامر كما عبر عن ذلك كوكس بقوله انه قبل (بكل جراة واقدام ودون تردد) لقد تم ترتيب الدعوات لاعضاء مجلس الوزراء، وكذلك توزيع الحقائب الوزارية عليهم بصورة توحي للمراقب بانها صادرة من النقيب نفسه وليست مفروضة عليه من قبل المندوب السامي، وذلك لاعطاء هذه الحكومة واجهة وطنية وليست اجنبية، لقد تألف المجلس من ثمانية اعضاء، يرأس كل عضو منهم دائرة من الدوائر، اعلن تشكيل الوزارة في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1920 وضمت، عبد الرحمن النقيب، رئيساً للوزراء وطالب النقيب وزيراً للداخلية، وساسون حسقيل لوزارة المالية، ونصب وزيراً للعدل مصطفى الالوسي، اما وزارة الدفاع، فقد اسندت الى جعفر العسكري، الضابط العراقي في الجيش العثماني والذي اشترك في الثورة العربية، ومن ثم اصبح حاكماً لولاية حلب في الحكومة العربية في سوريا، وعين لوزارة الاشغال العامة عزت الكركوكلي، واسند منصب وزير النافعة (التعليم) والصحة الى محمد مهدي الطباطبائي، اما وزارة التجارة فقد اسندت الى عبد اللطيف المنديل والوزارة التاسعة وهي وزارة الأوقاف كانت من نصيب (محمد علي فاضل)، والى جانب هؤلاء الوزراء المحليين، تم تعين مستشارين بريطانيين، كانوا بحقيقة الامر هم الوزراء الفعلين واصحاب القرار وهم جون فلبي مستشارا لوزارة الداخلية، والعقيد سليتر للمالية، وكان عليه ان يعمل في وزارة التجارة، والسير بونهام كارتر للعدلية والمستر نورتن للصحة، اما مستشار وزارة الاشغال والمواصلات فقد عين المستر ديفير اتكسون اما وزارة التجارة فقد استلم منصب المستشار فيها، وتكنسن اما وزارة الأوقاف فقد عين لها مستشاراً فيها فيما بعد، وهو كوك وكان أول اجتماع عقده مجلس الوزراء في الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1920.

 ثم أصدر المندوب السامي برسي كوكس بياناً في (8 تشرين الثاني من العام نفسه) أوضح فيه أن الهدف من تأليف الحكومة هو الاسراع في تمهيد الطريق أمام الشعب العراقي لإبداء الرأي في شكل الحكومة التي يريدها عن طريق تأليف مؤتمر عام يمثل الشعب العراقي تمثيلاً صحيحاً.

في شباط 1921 نقل (وينستون تشرشل) من وزارة الحرب وأصبح وزيرا للمستعمرات، فقرر عقد مؤتمر في القاهرة دعا اليه الممثلين العسكريين والسياسيين البريطانيين في الشرق الادني لاعادة النظر في سياسة بريطانية في المنطقة ودراسة امكانات خفض النفقات البريطانية فيها، وتقرير علاقات الدولة الجديدة المقبلة في العراق ببريطانيا العظمي من حيث النفقات، وشكل الدولة المقبلة، وشخص رئيسها، ونوعية قوات الدفاع فيها، وغير ذلك. فلما ذهب السير بيرسي كوكس لحضور هذا المؤتمر كان من جملة من اصطحبهم معه سكرتيرته الشرقية غيرترود بيل التي كانت المرأة الوحيدة في المؤتمر. وقد شارك في المؤتمر السير هربرت صمويل (الحاكم العام المعين لفلسطين) وشارك فيه من الخبراء كل من الميجور لورانس والميجور كلايتون (من المخابرات العسكرية والسياسية) والمستر كورنواليس (من مخابرات وزارة المستعمرات)، كذلك حضر المؤتمر السير رونالد ستار، اللورد جورج لويد، الكولونيل كونلف أوون، الكولونيل هملتن، جون فليبي، الكابتن شكسبير وغيرهم واصدر المؤتمر قراراً يقدم عرش العراق الى الامير فيصل .وقراراً ثانياً يقدم امارة شرق الاردن الى الشريف عبد الله الابن الاكبر للشريف حسين .

عاد المندوب السامي الى بغداد في 19/ نيسان 1921 بعد انتهاء مؤتمر القاهرة وأذاع بياناً عما تم في المؤتمر وبدأ على الفور باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنجاح ترشيح فيصل وأصدر بلاغاً أوضح فيه أن الحكومة البريطانية تعد الأمير فيصل مرشحاً موفقاً وعمل المندوب السامي أيضاً على تذليل العقبات التي تعترض سبيل الأمير فيصل ومنها إخراج طالب النقيب من وزارة الداخلية وأبعاده عن العراق وأبعاد جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية لأنه من معارضي الهاشميين ومن دعاة الجمهورية.

شغلت بريطانيا الرأي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد أن عرضت أسماء عدد من المرشحين، مستبعدين أي شخصية عراقية شيعية باعتبارهم كما وصفتهم مس بيل " والشيعة، كما بيّنت في مناسبات عديدة من قبل، يكوّنون مشكلة من أعظم المشاكل" اما بقية المرشحين فكانوا من ذوي ارتباطات مع بريطانيا، ويتفاوتون في مراكزهم وأمكانياتهم، فعبد الرحمن النقيب له أنصاره في بغداد لكنه كان طاعناً في السن وعبد الهادي العمري وهو من أسرة موصلية معروفة وله شعبية في الموصل وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة، وله علاقات واسعة مع الأمراء العرب في المحمرة والكويت ونجد وكان طموحاً يسعى قبل الحرب العالمية الأولى لأقامة إمارة عربية في جنوب العراق على غرار الإمارات المجاورة، وفيصل بن الشريف حسين ملك سورية المخلوع وأخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 8/ آذار 1920 ليكون ملكاً على العراق والشيخ خزعل أمير المحمرة الذي كانت له علاقات واسعة مع جنوب العراق وأحد أنجال أبن سعود أمير نجد، والأمير التركي برهان الدين أبن آخر سلاطين الدولة العثمانية وترددت أسماء أخرى منها أحد أمراء الأسرة المالكة في مصر وظهر تيار يدعو الى إقامة نظام جمهوري في العراق يتزعمه جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع أن يجمع حوله بعض الشخصيات البارزة في العراق أمثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل وعبد المجيد الشاوي وكانت بريطانيا ترى في الشخص الذي ترشحه لعرش العراق هو من يفتقر الى القوة الحقيقية ويعتمد في بقائه على الحكومة البريطانية وكان ممن أشار بعدم تعيين أحد من العراقيين ملكاً أو أميرا على العراق على أساس أنه سيثير حسد عراقيين آخرين فيخلقوا متاعب لا تنتهي للإنجليز" (ساسون حسقيل) وزير المالية في حكومة عبد الرحمن النقيب الكيلاني . وكان حزقيل يقترح أن يكون ملك العراق أو رئيسه أحد أبناء شريف مكة أو أحد أعضاء الأسرتين المالكتين في مصر وتركيا.

أسهمت عودة الضباط العراقيين من سوريا وعلى رأسهم نوري السعيد باختيار الأمير فيصل ملكاً على العراق ودعوة الجمعية التأسيسية لأن تقوم بمهامها الأربع الأساسية وهي تعيين مجلس الوزراء، واختيار حاكم للعراق، وتأسيس الجيش، وتصميم علم وطني. وقد نُفذت الخطة المرسومة. وتمّ حفل التتويج بحضور 1500 مدعو، ثم عُزف النشيد الملكي البريطاني لأنه لم يكن هناك سلام وطني عراقي، وفي الختام تمت الموافقة على تشكيل الحكومة العراقية التي رأسها عبد الرحمن النقيب كأول رئيس وزراء لمملكة العراق الفتية.

 

زهير جمعة المالكي

 

محمود محمد عليعالم النكته ملئ بالمواقف الساخرة والناقدة والمضحكة، والتي تسري علي ألسنة الناس، كما تسري النار في الهشيم، والنكتة تعبير عن موقف هزلي بأسلوب ساخر يحيي بروح نقدية، ونجاح النكتة، لابد لها أن تكون بأسلوب مقتضب موجز جداً، وساخر يحمل معني كبيراً غير مباشر في باطنه، وكلما تكون مثيرة للضحك فهي أقوي وقعاً وتأثيراً وبالتالي نجاحاً.

والنكتة في حد ذاتها معالجة لوضع، أو حدث غير مرض عنه، وحياة النكتة تطرقت لمواقف عدة في الحياة وجوانيها بأساليب مختلفة، فأخذت الشك الخطابي أو الحركي أو المكتوب أو التحريري أو رسوم كاريكاتورية تعبر عن هذه المواقف .

وتعد النكتة خطاباً ناقداً يختزن حمولات حجاجية، مبنية علي مناقضة الآراء والأفكار، والوقائع، والاحتجاج عليها، هذا الاحتجاج يتخذ صوراً تعبيرية عدة تتيحها الوسائل والوسائط المستعملة في توصيله، وإثارة ردود الأفعال ؛ التي تستجيب – عادة – باستعمال السياق والصورة والشكل التواصلي، ولا تعتمد التواصلية بمختلف أشكالها وأنواعها ومضامينها علي الفكرة تحديداً ؛ بقدر ما تقع بكل ثقلها علي الوسيط، ومفهوم الوسيط هنا يتخذ بعده الألي الوسائلي، كما يظهر بعده الصيغي الذي يتلبس رداءً ثقافياً دارجاً، ومتداولاً يعطي هذه التواصلية بعدها المأمول، وقد يطمح بها في جنوح بعيد إلي أبعاد أخري، تتنامي داخل المحض الثقافي للفكرة، وقد يفيض لتتكتل في وسائط وأفكار أخري تتجاوز المدار الأولي إلي مدارات أحري، ويمكن لهذا الكلام أن يحاكي في شئ من الحقيقة المفهوم القريب والبعيد للنكتة، والنكتة المتعددة النابعة من عمق المعايشة، الرفض، الاستنكار، القبول، اللاموقف الذي يشكل موقفاً بحد ذاته في تجلية صاحب النكتة.

هذا النوع هو ما كان يبغيه الدكتور عزمي بشارة، عندما أختار يوسف حسين ليجسد له برنامج "جو شو"، للدفاع عن فكر جماعة الإخوان المسلمين الذين سقط مشروعه عقب أحداث ثورة الثلاثين من يونيه 2013، هذا من ناحية، واستخدامه كمخلب قط ضدهم في حالة انقلابهم علي مشروع عزمي إسلام الذي يزعم الدعوة للقومية العربية (المزيفة) .

وبرنامج "جو شو" من البرامج التي ما تزال مستمرة حتي الآن، وهو يذاع في العاشرة مساءً بتوقيت السعودية في كل خميس علي قناة العربي؛ وجو شو وسابقًا "جو تيوب"، هو كما قلنا برنامج تلفزيوني سياسي كوميدي ساخر يتألف من فقرات تتناول الأوضاع السياسية في العالم العربي، ويسخر من الأوضاع السياسية في مصر بعد  ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013.

وفي عام 2016، انتقل يوسف حسين من برنامجه على منصة يوتيوب ليقدم برنامجه باسم جو شو عبر شبكة التلفزيون العربي الذي يبث من لندن، بعنوان "جو شو" بداية من شهر رمضان 1438 هـ  وتعرض حلقاته أيضًا على قناة سوريا ؛ وجو تيوب، أو جو شو، أو يوسف حسين، وأبو ليلي ونعنيعة.. وأسماء كثيرة لشخص واحد، وهو برنامج أسبوعي، يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية ؛ وبخاصة في مصر.

ويوسف حسين ظاهرة إعلامية عُرفت وعرفها الملايين في الوطن العربي من خلال اليوتيوب وقناة سوريا وقناة العربي، بجرأته وخفة دمه .. ظهر في فترة كانت موجودة بكثرة البرامج الساخرة التي تزعم أنها تنقد الأوضاع السياسية في زمن الربيع العربي ؛ وخاصة فيما يتعلق بالقضايا السياسية المستجدة من خلال الكوميديا السوداء وهو ليس له حدود لا في النقد ولا في السخرية .. والعديد من الإعلاميين شبهوه بالإعلامي باسم يوسف المزيف والمخادع، لكنه في فترة قصيرة حاول أن يكون له بصمة خاصة به من خلال الفبربيكات الإعلامية، وصارت لديه قاعدة جماهيرية كبيرة من الشباب والشيوخ (المغرر بهم والمؤهلين للإستماع والإصغاء لأي شئ يقدح في النظام المصري الحالي).

وقد شكل يوسف حسين حالة من التمرد علي نظام الدولة المصرية الحالي بطريقة سلمية تأخذ فكرة تكتيكات حرب اللاعنف عند جين شارب (والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الرابع)، إلي أن اصطدم مع السلطة في المملكة العربية السعودية، وسوريا، والجزائر، واليمن، وفلسطين، وأمريكا، وغيرها الكثير بملوكها وأمرائها ورؤسائها، كانت مادة دسمة عبر برنامجه الشهير " جو شو " الذي أصبح يتناول البرامج العربية والمصرية، وبموقع انتقاد، أو ما يمكن تسميته بالكوميديا السياسية السوداء .

لقد بات جو شو يمثل حاضنة شعبية لبعض المصريين وفي العرب (المغرر بهم كما قلت)، واستطاع أن يحول كل شئ لكوميديا سوداء، إلي أن عده بعضهم أيضا حاضنة لكثير من المؤيدين باطنيا لفكر جماعة الإخوان والسلفيين المسلمين؛ وعلي الرغم من محبي جو شو القلائل فلا يخلو الوضع من انتقاد الآخر (أي الكُثر) له لاتهامه بعدم الموضوعية، وعدم التزام الحياد، واتباع توجهات وسياسة القناة التابع لها، وعدم تخطي ما يمكن تسميته بالخطوط الحمراء .

وحول نشأة البرنامج قال " يوسف حسين" (حسب موقع ويكبيديا): أنه بعد بداية الربيع العربي لم يكن لدى فريق العمل أدنى فكرة بإنشاء قناة جوتيوب في البداية، وأتت الفكرة "بمحض الصدفة" حسب ما قال يوسف حسين في لقاء على قناة سوريا، (بعد ثورة الثلاثين من يونيه عام 2013)، قام يوسف حسين وأحمد الذكيري بإنشاء مقطع فيديو سياسي ساخر مدافعًا فيه عن الرئيس السابق مرسي وتحميله على موقع اليوتيوب، وحقق أكثر من نصف مليون مشاهدة في وقت قصير، وبعد شهر تقريبًا قام جو "يوسف" والذكيري بتكوين فريق عمل صغير، وإنشاء قناة جوتيوب على اليوتيوب، وعلى مدار شهور قاموا بعمل 12 حلقة ساخرة عن تناقضات التيار الليبرالي السياسي، وتناقض الإعلامين (بعد ثورة الثلاثين من يونيه)، فقام فريق جوتيوب بعمل 31 حلقة ناقش من خلالها جميع الأحداث التي مرت بمصر بشكل ساخر، وتخطى مشتركو قناة اليوتيوب أكثر من مليون ونصف مشترك وقامت بعض القنوات التلفزيونية بعرض الحلقات على شاشاتها  مثل الجزيرة مباشر مصر، وقناة الشرق وقناة رابعة.

وقد كان الهدف من برنامج جو شو كما قلت، هو تكرار نفس المهمة التي كان يقوم بها برنامج البرنامج لباسم يوسف، مع اختلاف الغايات والتوجهات (وإن كان كلاهما يصبان في نفس الاتجاه وهو الفوضي الخلاقة)؛ بمعني أن نفس المواضع هو تكرار برنامج جو شو للمواضع المتعلقة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وخطاباته السياسية، وكيفية تعامل الرئيس السيسي معها من خلال عرضها بطريقة ساخرة، وجاء في المرتبة الثانية موضوع الإعلام، وكيفية معالجته للأحداث السياسية في مصر، وكيفية تعامل الإعلاميين المصريين لهذه المواضيع.

وهذا يشير إلي أن برنامج جو شو قد حرص علي متابعة تطورات الحياة السياسية في المجتمع المصري بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ويظهر ذلك من تركيز البرنامج علي الرئيس السيسي وخطاباته السياسية بشكل كوميدي يغلب عليه التنكيت المخادع، وكذلك معالجة القضايا السياسية التي تهم المجتمع المصري حالياً بشكل ساخر ومضحك، ومن ثم تناوله لمعالجة الإعلاميين المصريين لهذه القضايا، وهذا يظهر أن سر قدرة برنامج  يوسف حسين علي اجتذاب الجماهير ومتابعة المشاهدين له بشكل كبير آتيا من تركيز البرنامج علي حصر المضمون السياسي للقضايا اليومية المستجدة.

أما فيما يخص الموضوع الوطني وتغطية القضايا الوطنية ومعالجتها سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، فنجد أنها لا تشكل محور اهتمام بالنسبة ليوسف حسين، مما يعكس عدم أهمية مناقشة وعرض هذه القضايا الوطنية في برنامجه، وهذا يعكس غياب الحس الوطني لبرنامج جو شو الذي يقدمه يوسف حسين .

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة إليها، ألا وهي أن يوسف حسين كان يتناول المواضيع السياسية التي يطرحها في برنامجه في إطار الخبر التلفزيوني، وهذا يعكس قدرة يوسف حسين علي عرض المواضيع وتناولها بتكنيت زائف كونه ناقل للخبر بأسلوب ساخر، ليترك للمشاهد عدم الحرية في تناول وفهم الخبر، ويعكس ذلك براعة يوسف حسين، وقدرته الإعلامية علي طرح المواضيع والمضامين والمحتوي السياسي، لهذا البرنامج بأسلوب الخبر الصحفي ليظهر، وكأنه ناقل للخبر من ناحية وصانع له بما يثبت عنه صفة التدخل الشخصي وعرض آراؤه الشخصية في المواضيع التي يعالجها .

ومن الأمور الأخرى التي لاحظناها في برنامج جو شو، أن وحدة التحليل الرئيسية التي تم تناولها من قبل يوسف حسين للمواضيع السياسية، كانت تتمثل في استخدام متغير الوقت والفترة الزمنية التي يغطيها برنامج يوسف حسين الساخر، وجاء بالدرجة الثانية استخدام الكلمة، ثم الفقرة، وأخيراً الجملة، ويعكس ذلك مستوي تركيز يوسف حسين وهدفه من إيصال معلومة معينة، أو خبر معين للمتلقي، أو أن يوجه المضمون السياسي باتجاه معين من خلال استخدام متغير الوقت ومستوي تكراره لبعض الكلمات والمصطلحات، وهذا فيه إشارة واضحة لتدخل يوسف حسين علي أنه يريد إيصال معلومة معينة للمتلقي في المضمون السياسي للحلقات التي يعرضها .

كذلك وجدنا برنامج  جو شو الذي يعرضه يوسف حسين كان يتخذ مواقف معارضة لوجهات النظر التي عرضها في برنامجه، وهذه تعبر عن شخصية يوسف حسين ومواقفه الايديولوجية، تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، مما يشير إلي أن يوسف حسين لم يكن صريحا لآرائه الشخصية ومواقفه اتجاه القضايا المطروحة، وهذا يشكل تدخلا أو انحيازا لدي يوسف حسين وينفي عنه صفة الموضوعية إذا تم عرض هذا الرأي بأسلوب صريح وواضح .

أيضاً كشف لنا برنامج جو شو أن الطريقة الهزلية هي الصفة المميزة لبرنامج يوسف حسين، مما يعكس أهمية التركيز  علي هذه الطريقة لتناول يوسف حسين لعرض الموضوع، بما يعبر عن شخصيته وما يميز برنامجه عن البرامج الأخرى، ثم جاءت طريقة عرض برنامج جو شو بأسلوب ساخر تعبر عن القدرة الكبيرة ليوسف حسين في عرض المواضيع، وهذا يشير إلي أن الصفة الأساسية للبرنامج هي عرض الموضوع بأسلوب ساخر هزلي انتقادي، وهذا ما يميزه عن البرامج الأخرى، فقدرة يوسف حسين علي استخدام السخرية في توصيل المضمون السياسي يعكس براعته في إيصال ما يريده للمتلقي بطريقة غير مباشرة.. وهناك أمور أخري سوف نكشف عنها في قابل الأيام لهذا البرنامج.. ونكتفي بهذا القدر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.........................

1- الشعيبي، صالح بن عبدالعزيز: الصفحة الأخيرة : عالم النكتة، الأمن والحياة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، مج 8،ع 9، 1989، ص 62.

2- هاجو مدقن: السخرية الرفيعة في النصوص التفاعلية الرقمية: قراءة في الادبيات الساخرة في الفيسبوك، سياقات اللغة والدراسات البينية، العلوم الطبيعية للنشر، ع4،3، 2016، ص 116.

3-  هنيدة أحمد خليل: درجة توجه المضمون السياسي لبرنامج باسم يوسف الساخر، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الشرق الأوسط، طلية الأعلام، الأردن، 2015.

4- جو شو (برنامج).. ويكيبيديا.

 

 

عبد الله العباديمن السابق لأوانه الحديث عن التغييرات التي يمكن أن يحدثها انتخاب جون بايدن في ظل ظروف وبائية خطيرة يشهدها العالم بأسره، وفي ظل انقسام أمريكي قد يعصف بالأمن الداخلي خصوصا وأن ترامب توجه للمحاكم وجند أكثر من ستمائة محام لمواجه غريمه وطاعنا في نتائج الانتخابات.

الشارع العربي تابع الانتخابات الأمريكية وكأن شخص الرئيس سيغير شيئا من موقف الولايات المتحدة الأمريكية اتجاه القضايا العربية وعلى رأسها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومشروع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فكل الإدارات الأمريكية كانت حليفا بدون شروط للكيان الصهيوني على حساب حق الشعب الفلسطيني في إعلان دولته المستقلة.

في تعليقه على فوز بايدن يرى منصف المرزوقي اليساري وأول رئيس لتونس بعد الحراك الشعبي، إنه فوز الديمقراطية على الشعبوية، فوز الانسانية على العنصرية، فوز المبادئ على المصالح، انتصار الذكاء على الخبث، لطمة موجعة من النظافة على وجه الفساد. من الصعب فهم تفاؤل المرزوقي، فالبيت الأبيض لا يختزل في شخص، فالرئيس موظف تنفيذي لأجندة سياسية وأمنية ومصالح قومية.

مستشار الأمن القومي الأمريكي الديمقراطي زمن حكم باراك أوباما بن رودس يقول في مذكراته "العالم كما هو" يقول إن الرئيس الديمقراطي السابق أوباما  يكره العرب بشكل غريب وكان يردد أمام مستشاريه أن العرب ليس عندهم مبدأ أو حضارة وأنهم متخلفون وبدو. وبايدن ليس إلا الرفيق الحميم لأوباما ويحملان نفس الأجندة الحزبية ووجهات النظر حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأمريكية.

من حق المواطنين الأمريكيين أن يفتخروا بديمقراطية الاقتراع والعملية الانتخابية، فكل الرؤساء كانوا وبالا على بعض المناطق العربية، لكن مهما اختلفت الألوان الحزبية للمترشحين تبقى مصلحة الوطن وحماية المصالح الخارجية من الأولويات، رغم اعتزازهم بأصولهم فقد قال بايدن ل BBC أنا إيرلندي أما نائبته فقد أكدت أكثر من مرة فخرها بأصولها الهندية والجامايكية، هذا الفخر لم يفهم على أنه ضعف في الوطنية بل اعتزاز بالأصول وولاء تام  وانتماء للوطن الأم ورغبة في خدمته.

رؤية بايدن تختلف عن ترامب حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والعلاقة مع الدول والمؤسسات العالمية، فترامب كان يرى وطنية أمريكا أولا وتخلى عن العديد من الاتفاقيات الخارجية والمعاهدات الدولية في قراري أحادي. لكن بايدن سيعيد أمريكا لدورها التقليدي الريادي على المستوى العالمي القائم على أساس القيم الغربية المشتركة، والعودة إلى التحالفات العالمية وعودة الإدارة الأمريكية إلى منظمة الصحة العالمية وستحاول قيادة العالم لمواجهة جائحة كورونا.

من أولويات بايدن أيضا محاربة التغير المناخي والعودة للانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ التي تخلى عنها الرئيس المنتهية ولايته، حيث أكد بايدن نيته في بناء اقتصاد يقوم على الطاقة النظيفة من أجل خلق وظائف جديدة. وأكد بايدن أنه مستعد للعودة لاتفاقية العقوبات المفروضة على إيران مقابل التقليص من برامجها النووية التي انسحبت منها الإدارة الأمريكية قبل ستنين وعارضها بعض الحلفاء.

وبمنطقة الخليج، وعد بايدن بالعمل على إنهاء الحرب باليمن بسبب تفاقم الوضع الكارثي وارتفاع الضحايا من المدنيين، وقد تتراجع الإدارة الأمريكية الحالية عن مساندة السعودية وقد تشوب العلاقات الأمريكية السعودية بعض التوتر بسبب نقاط خلاف عديدة، لكن رغم ذلك تبقى السعودية الحليف الاستراتيجي الأول في الخليج العربي.

يحاول بايدن أيضا العمل مع روسيا كقوة عالمية والعودة إلى معاهدتين كانت إدارة ترامب قد انسحبت منهما، سيعود بايدن لمغازلة الدب الروسي والتفاوض من أجل تمديد الاتفاقية الثالثة التي أوشكت على نهايتها للحد من الترسانة النووية للبلدين. أما بخصوص الصين فالسياسة الأمريكية واحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين، الصراع الاقتصادي ومحاولة فرض إجراءات تجارية قاسية، الفرق بين الحزبين يكمن فقط في طرق تنفيذ الإجراءات المفروضة.

أما بخصوص القضية الفلسطينية، فبايدن لن يكون استثناء داخل الحزب فكلمة احتلال لم تسمع خلال برنامجه ولا برنامج السياسة الخارجية للحزب، ربما يكون هناك ضغط من الجناح اليساري داخل الحزب الذي سيعمل على الضغط على مرشحه من أجل حماية حق الفلسطينيين وربما ضغط أكبر من أجل إنهاء الاحتلال والاتجاه نحو حل الدولتين، الشيء نفسه يطالب به الجناح اليساري داخل الحزب لإنهاء الحرب في أفغانستان والعراق.

أما بخصوص ملف الصحراء المغربية، فق أعلنت إدارة ترامب موقفها الواضح ومساندتها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب لمجلس الأمن الدولي كحل عادل للقضية. الإدارة الحالية وبحسب العديد من المحللين، في انتظار تعيين طاقمة وخصوصا ممثل السياسة الخارجية، ستكون طبق الأصل لإدارة أوباما وربما يستعين ببعض مستشاري هذا الأخير. ويستفيد المغرب من العلاقات الطيبة الذي تربطه بهيلاري كلينتون، كما أن بايدن سيسعى لإيجاد حلول كبرى وأزمات خلقها ترامب مما سيتيح للمغرب التعامل بشكل مريح مع الإدارة الجديدة. ومهما تعددت القراءات فالحل السلمي ومبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب منذ مدة تعتبر الحل الأنجع لنهاية الصراع، كما أن المشروع التنموي الذي يواصله المغرب بأقاليمه الجنوبية يؤكد حرص المغرب على تنمية كل مناطقه من طنجة إلى الكويرة.

المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.

 

عبد الله العبادي

الكاتب الصحافي