محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضى بأن: "الموهبة الفكرية والأدبية خاصة الشعرية، هي عنوان لتاريخنا نحن الناطقين باللغة العربية، فهي ما يميز جذورنا الثقافية. فالشعراء، والأدباء، والمفكرين العرب من قديم الزمان، عكسوا لنا تجاربهم، وحياتهم، وأحاسيسهم اتجاه انتماءاتهم من خلال الشعر العربي الجميل، فظهرت لنا المعلقات السبعة وغيرها من دواوين الشعر العربي الرائع.

وجاءت الحضارة الإسلامية، وكان لها شعراء يذكرون مفاهيمها وأفكارها، ويردون على الآخرين من خلاله، ففي عصور الأمويين والعباسيين كان الشعراء والأدباء العرب يستخدمون الشعر، والنثر، والأدب عموماً، ليعلموا الناس الحكمة، والمبادئ السمحة، وبشكل دائم ظل الشعراء الفطاحلة العرب؛ أمثال: المتنبئ، والبحتري، وأبى العلاء المعري، وابن رشد، وإخوان الصفا.. وغيرهم كثير مكان فخر واعتزاز للأمة العربية بأكملها على مر الزمان، وذلك لما قاموا به من أدوار هامة جداً في نشر الوعي والرقي بالذوق العربي وعكس واقع زمانهم وطبيعته وظروفه بشكل عبقري أصيل.

وفي عصر النهضة العربية الاولي أيضاً احتل الأدب مكان الصدارة بين المثقفين والمفكرين؛ أمثال: العقاد، وطه حسين، وأبو القاسم الشابي، وبدر شاكر السياب، ومحمد حسين هيكل وغيرهم من الأدباء والمفكرين الذين ساهموا في نشر الوعي ومحاربة الغزو الأجنبي لبلادهم. وكذلك الأدب الإبداعي الرفيع المستوى، والذي صاحب حركة التجديد الشعري والكتابة الشعرية الحرة؛ ومن ممثليها : سميح القاسمي، وأمل دنقل، ومحمود درويش، والفيتوري، ونزار قباني، ونازك الملائكة.. وغيرهم كثيرا، كل واحد من هؤلاء كان ينظم الشعر لمواجهة قضايا إنسانية جوهرية ولمعالجة مواضيع واتجاهات ذات درجة من الأهمية بالنسبة للعالم العربي والافريقى، وقد برعوا جميع في رفد الثقافة العربية والأدب العربي بروائع الشعر، فكانوا من الإبداع بمكان القمة ونجحوا في تحريك الوعي لعامة الناس بقضاياهم الملحة" (1).

قصدت أن أستهل هذه المقدمة لأقول بأنه علي رفوف المكتبات العربية نستلقي شعراء عظام، عن واحد من أشهر شعراء فلسطين أتحدث عنه هنا في هذا المقال .. أتحدث عن سميح القاسم، الذي ارتبط اسمه بفلسطين، والثورة، والمقاومة، فهو القائل: أحسُّ أننا نموت لأننا.. لا نتقن النّضال.. لأننا  نُعِيد دون كيشوت.. لأننا... لهفي على الرجال!

يعد سميح القاسم واحدا من الشّعراء الذين أظهروا تفاعلهم اَلْخَلَّاق  مع قضية الجماهير العربية الفلسطينية وكفاحها المشروع ضد الاحتلال الصهيوني، فنتج عن ذلك استلهام الشّاعر سميح القاسم للتراث العربي والإنساني، والتّاريخي، الأدبي، والديني، والأسطوري، فمثّل ذلك تواصلاً مع التراث وتواشجا بين الماضي والواقع الراهن في بناء هذه القصيدة، التي صدرت سنة ألفين وستة للميلاد، وهو العام الذي شهدت فيه أراضي قانا مجزرة همجية جديدة وفظيعة... مذبحة مروعة أودت بحياة الآلاف من المدنيين الأبرياء، الذين أفاقوا على قصف صهيوني مدمر في بنايات سكنية ومعسكرات حربية، تستفيق فيها مدينة قانا على وقع الجريمة لتبحث بين الأنقاض عن الأحياء والشهداء، فأبى سميح القاسم إِلَّا أن يحمل سلاحه للذّود عن عرض إخوانه العرب، حاملاً في ذلك شعار متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟، فعبر عن ذلك في قصيدة "عجائب قانا الجديدة" (2)

ولد سميح القاسم لعائلة فلسطينية في مدينة الزرقاء بتاريخ 11 مايو 1939؛ حيث عَمِل والده في قوّة حدود شرق الأردن في ذلك الحين؛ عادت عائلته إلى الرامة سنة 1941، وتعلّم في مدارس الرامة اَلْخَلِيلِيَّة  (1945-1953)، والناصرة (1953-1957). علّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.  وتعلّم في مدارس الرامة اَلْخَلِيلِيَّة  والناصرة (3).

وقد صدَرتْ في الوطن العربي وفي العالم عدّة كُتب ودراسات نقدية، تناولَت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميّزة، شكلاً ومضموناً، ليصبح كما ترى الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في  اَلشِّعْر العربي. وهو كما يرى الكاتب "سهيل كيوان" "هوميروس من الصحراء" وهو كما كتبت الشاعرة والباحثة الدكتورة رقية زيدان "قيثارة فلسطين" و"متنبي فلسطين". وسميح القاسم في رأي الشاعر والناقد الدكتور المتوكل طه هو "شاعر العرب الأكبر"، ويرى الكاتب محمد علي طه، أن سميح القاسم هو "شاعر العروبة بلا منازع وبلا نقاش وبلا جدل". ويرى الكاتب لطفي وبلعابه  أن "سميح القاسم" هو "الشاعر القديس" وبرأي الكاتب عبد المجيد دقنيش أن سميح القاسم هو "سيّد الأبجدية". ويرى الكاتب والناقد الدكتور نبيه القاسم أن سميح القاسم هو "الشاعر المبدع، المتجدّد دائماً والمتطوّر أبداً"، وبرأي الكاتب الطيب شلبي فإن سميح القاسم هو "الرجل المتفوّق في قوة مخيلته والتي يصعب أن نجد مثلها لدى شعراء آخرين". واعتبرت الشاعرة والكاتبة آمال موسى سميح القاسم "مغني الربابة وشاعر الشمس، ويمتلك هذه العمارة وهذه القوة التي تسمح له بأن يكون البطل الدائم في عالمه الشعري" (4)، وقال عنه أستاذنا العالم العراقي الكبير بأنه  "شاعر المقاومة والعروبة، المناضل ".

ولذلك قال عنه أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" :" ورث الشاعر سميح القاسم شجاعة آبائه ونضالهم وتعلقهم بالثقافة والمعرفة. فمنذ شبابه عُرِف بكونه أحد أعلام شعر الثورة والمقاومة الثلاثة الذين بزغوا في الستينيات داخل فلسطين المحتلة (أراضي 1948): توفيق زياد ( 1929 - 1994) ومحمود درويش ( 1941- 2008) وسميح. يُضاف إليهم كاتب صحفي هو إميل حبيبي (1921 - 1996) صاحب رواية ” المتشائل” الذي أوصى أن يُكتب على قبره ” باق في حيفا”. وقد مارس هؤلاء الأعلام نضالهم السياسي من خلال المؤسسات السياسية والحزبية الإسرائيلية، فاختاروا الانتماء إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي. وجاء اختيارهم هذا لأسباب عديدة منها لأن الحزب الشيوعي الإسرائيلي تعود جذوره إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولأنه معادٍ للصهيونية، ولأن من أهم أهدافه عدم التمييز بين العرب واليهود، والمساواة المدنية والقومية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، إضافة إلى أن الحزب الشيوعي في إسرائيل هو الحزب الوحيد الذي يصدر صحيفة باللغة العربية. وكما أخبرني "إميل حبيبي" ذات لقاء: كنا كالغرقى، نتشبث بأي خشبة طافية مهما كان لونها، حمراء أو خضراء، في سبيل المحافظة على الوجود العربي داخل إسرائيل" (5).

ويستطرد أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" فيقول : بعد صراع رهيب مع الموت دام حوالي ثلاث سنوات، سقط غصن الزيتون من يد شاعر المقاومة الفذ، سميح القاسم، وترجل عن صهوة الشعر والنضال، في 19 من شهر آب/أغسطس 2014، ليُرفع نعشه على أكتاف فتيان قرية الرامة الفلسطينية وشيوخها ومعهم أولاده الأربعة: وطن ووضاح وعمر وياسر، وتسير خلف نعشه، صبايا البلدة ونساؤها وهن يزغردن وينشدن قصيدته التي لحَّنها وغنّاها الفنّان اللبناني المتميِّز، مارسيل خليفة: مُنتصبَ القامة.. أمشي.. مرفوعَ الهامةِ .. أمشي في كفي .. قفصةُ زيتونٍ وحمامه.. وعلى كتفي.. نعشي وأنا أمشي.. قلبي قمرٌ أحمر ..قلبي بُستان ..فيه العوسج، فيه الريحان شفتاي .. سماءٌ تمطر ناراً حيناً، حُباً أحيان …(6).

وقد قيل: "الأحياء هم أبناء عم الموت"، هكذا كتب الشاعر الراحل محمود درويش، يصف العلاقة مع الموت، لم يعرف "درويش" أن بيت شعره سيعيش لينطبق على رفيق دربه سميح القاسم، وكأنهما تواعدا أن يرحلا فى نفس الشهر، مع اختلاف السنوات، آن لـ«القاسم» أن يضع نعشه من فوق كتفه، فيسكنه، فيما تظل قامته منتصبة، وهامته مرفوعة، وكفه مطوية على قصفة زيتون تعلن سلامه للعالم، فيرحل فى وقت لا يزال وطنه يتعرض فيه لهجمات بربرية متوحشة (7).

وكما قال رفيق دربه "درويش": "سنكتب من أجل ألا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا»، فإن «القاسم» الذى مد مكتبة الشعر بما يزيد على 80 كتاباً لن يغيب، حتماً سيعيش فى قصائده وشعره إلى الأبد. وُلد الشاعر، فلسطيني الهوى والهوية، فى بلدة الرامة الواقعة شمال فلسطين، عام 1939، لأسرة درزية، وهى ذات البلدة التي كبر ودرس فيها، قبل أن تحتلها إسرائيل فيما احتلت من أراضٍ فلسطينية فى عام 1948، ذاق "القاسم" مرارة الاحتلال، ثم مرارة الاعتقال على أيدى المحتلين أكثر من مرة، ورفض التجنيد الإجبارى الذى فرضته قوى الاحتلال على أبناء طائفته من الدروز، وفى ذات الوقت تفجرت موهبته الشعرية ليكتب عن قضية وطنه كما لم يكتب من قبل، فيهاجم جنود الاحتلال: «تقدموا.. تقدموا براجمات حقدكم وناقلات جندكم.. فكل سماء فوقكم جهنم.. وكل أرض تحتكم جهنم»، ويناشد أهله "يا إخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض راية.. ما زال في تاريخنا سطر لخاتمة الرواية"، ويتحسر "أحس أننا نموت، لأننا لا نتقن النضال"، ويبكى: "أتراك تذكر.. آه يا ويلى على مدن الخيام"، على أن أعلى قصائده صوتاً تلك التي غناها الموسيقى وعازف العود الشهير مارسيل خليفة، والتي يقول فيها: "منتصب القامة أمشى.. مرفوع الهامة أمشى.. فى كفى قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشى، وأنا أمشى وأنا أمشى"، وهى ذات القصيدة التي نال عنها "القاسم" جائزة "غار الشعر" من إسبانيا، والتي لم تكن جائزته الوحيدة، تلتها جائزتان من فرنسا، هذا غير جائزة "البابطين" الشهيرة، و"وسام القدس للثقافة" الذى منحته له فلسطين، فيما أهدته مصر "جائزة نجيب محفوظ"، بالإضافة إلى جوائز أخرى من جهات عدة كـ"جائزة السلام"، و"جائزة الشعر الفلسطينية"، وغيرهما. رحل "القاسم" تاركاً خلفه أربعة أولاد هم: "وطن"، و"وضاح"، و"عمر"، و"ياسر"، كما ترك أحلامه الصغيرة في دواوينه الشعرية التي منحها عناوين "مواكب الشمس"، و"أغانى الدروب"، و«دمى على كفى"، و"قرآن الموت والياسمين"، و"الموت الكبير"، بينما حملت كتبه النثرية عناوين "عن الموقف والفن"، و"الرسائل"، و"رماد الوردة، دخان الأغنية"، كلها تخلد اسمه، وترفع ذكره، وتضعه في مكانته التي يستحق مع غيره من شعراء القضية، أولئك الذين علموا العالم كيف تكون الكلمة أقوى من طلقات المدافع  (8).

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل اسهامات "سميح القاسمي" الذي كان  مثل لنا نموذجاً فذاً للروائي والأديب المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

1- معاذ عمر حمور: موقفنا من الابداع الفكري والأدبي.. الركوبة.. 23 أغسطس، 2017.

2- وهيبة فوغالي: الانزياح في شعر سميح القاسم "قصيدة عجائب قانا " أنموذجاً دراسة أسلوبية، كلية الآداب واللغات، جامعة أكلي مهند أولحاج، الجزائر، 2012، ص أ.

3- سميح القاسم من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

4-المرجع نفسه.

5- الدكتور علي القاسمي: في رحيل شاعر المقاومة سميح القاسم، صحيفة الناقد العراقي .

6- المرجع نفسه.

7- نبيلة مجدى: بروفايل| سميح القاسم الصوت الضائع، صحيفة الوطن المصرية،  نشر الخميس 21 أغسطس 2014.

8- المرجع نفسه.

 

 

عبد الرضا حمد جاسممن منتصف1981 إلى منتصف1984

كنتُ قد نشرت هذه المذكرات في عام 09.08.2010 الرابط

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=17406&catid=213&Itemid=620

وفي يوم 15.02.2021 استلمت على الاميل من المثقف الغراء تعليق هو التالي:

ابي الغالي

[إني بنت الضابط سلمان اسماعيل فرحان جوهر المياحي اتشرف بتاريخ والدي واشكر حضرتك على هذه الكلمات الرائعة]انتهى

كتبتُ لها الرد التالي: [الغالية بنت الغالي بنت الكرام الطاهرين جوهر المياحي بنت اخي البطل النقيب سلمان سماعيل فرحان المياحي . شيء ولا في الخيال ان تقولي ما قلتيه ايتها الكريمة...والله اكتب وانا ارتجف حباً وخجلاً. الموقف صعب...صعب جداً ويجب ان يأخذ حقة. أتمنى يا بنتي الغالية وانا عمك ان اطلعت على مذكرات جندي احتياط ومواقف والدك الشهم النبيل الشجاع ليس معي فقط انما مع كل كان بمعيته...هناك مواقف كبيرة و كثيرة وردت في المذكرات قد لا يصدقها احد لكن كل منتسبي لواء مشاة 506 يعرفون الكثير منها و يحبون ويحترمون اخي الغالي سيدي النقيب سلمان اسماعيل فرحان المياحي له الذكر العطر الدائم والرحمة و لكم الشرف و العزة و المجد. اتمنى ان اتمكن من ان اعيد نشرها هنا في صحيفة المثقف الغراء وأقدم لها بتعليقكِ هذا. قبل راسك واُقبل حجر قبر الكبير الشهم النقيب سلمان اسماعيل فرحان المياحي...حفضكم الله وبارك بكم وسلمكم من كل مكروه...عمك الجندي الاحتياط عبد الرضا حمد جاسم] انتهى

وكان ردها: [اهلا وسهلا عمو اتشرف بمعرفتك وقرأت المقال أكثر من مرة وكان جميل جدا واتمنى ان اتواصل مع حضرتك وشكرا] انتهى

وكتب ابن اخ الشهيد التعليق التالي: [انا ابن اخ الشهيد النقيب سلمان اسماعيل فرحان المياحي أو بالأحرى الرائد سلمان لأنه عندما فقد كان يحمل رتبة رائد،،، هو من قام بكفالتنا وتربيتنا بعد وفاة والدي كاظم اسماعيل الجوهر المياحي،، لاتعرف كم تألمنا وتعبنا بسبب رحيله كنت أراه في أحلامي شامخآ كما عهدناه،، انا ممتن لك جدآ على توثيقك لتاريخ عمي البطل وممتن أكثر لرثائك اياه،، شكرآ بعد الحروف التي سطرها قلمك الشريف شكرآ يا عمي العزيز كاتبنا الغيور،، تحياتي وقبلاتي ليديك الكريمتين] انتهى

وكان جوابي هو: [العزيز كمال كاظم اسماعيل فرحان الجوهر المياحي المحترم ...تحية و محبة...أتشرف بكل حرف ورد في تعليقك وتعليق ابنت الغالي الراحل البطل الرائد سلمان اسماعيل فرحان الجوهر المياحي... للراحل الشهيد السعيد مواقف كثيرة عبرت وفي تلك الظروف الحساسة الصعبة و الدقيقة، عبرت عن طاهر الحليب الذي رضعه وعن طهارة ذلك البيت الذي تربى فيه و اخلص له و عن صدق مشاعره...انقذ بمواقفه العشرات بل المئات من الموت او الاصابة او العوق النفسي...كان اكبر من عمره ورتبته وكان اسمه يتردد على لسان كل منتسبي لواء المشاة 506 وليس فقط سريته او فوجه. كان كريم مبتسم قاسي بالحق مخلص لبيته ونفسه ووطنه ولا نسانيته...ما سطرته بعد ان افترقنا باكثر من ربع قرن وقائع يعرفها جميع من عاش في الفوج الثالث لمش 506... كان صديق الجميع وقائدهم العسكري الشجاع القاسي بالحق. لكم الفخر به ولنا نحن الذين تعرفنا عليه عن قرب. له الذكر العطر الدائم وفي كل حين وله الرحمة ولكم الصبر والفخر والعزة

عمك عبد الرضا حمد جاسم] انتهى

وقد وعدتهم بإعادة نشر الموضوع في ذكرى الحرب إن كان ذلك ممكن.

.......................

المقدمة: فتره عصيبة وقاسيه لم يكن لنا فيها رأي مرت عجاف سالت فيها دماء كثيرة وحَلَّ فيها الزعماء في البلدين ودول الإقليم والامبريالية العالمية محل (ألله) لمدة ثماني سنوات. حرب خاضها العراق ضد الجارة إيران بالنيابة عن السعودية التي أخبرت القيادة العراقية الطامحة إلى شيء سخيف حفرت به قبرها (قالت السعودية: ألريّال عليكم والرِيال علينه) وأمريكا الراغبة بالانتقام من إيران التي مسحت بكرامتها إن وجدت وشرفها إن وجد بالأرض بطرد شاهها واقتحام سفارتها واحتجاز عناصر مخابراتها وفشلها سياسياً وعسكرياً في استردادهم حرب تسيد فيها الغباء العربي المتأصل المتفرد حيث هَّبت الجموع والحناجر تهتف فرحاً كلما زهقت الأرواح البريئة من الطرفين...لماذا؟

الجواب:

1 - طمعاً بانتصار كما انتصارات احمد سعيد.

2 - لآن طريقهم للقدس يمر عن طريق طهران وكابول.

3 لان إيران خلصتهم من مُذلهم ومنتهك كرامتهم ومحتل جزرهم وشرطي المنطقة الذي مسك لهم العصى وعاشوا عمرهم راكعين تحت سياطه وعصيه و(خازوقاته) ويبدو انهم كانوا يعيشون تلك اللذات.

وهَّبَت الملايين من الأخوة المصريين والسودانيين الأبرياء بالتوافد للعمل في العراق بتنسيق أمريكي إسرائيلي مصري خليجي لامتصاص غضب الشارع المصري من مسيرة ما أطلقوا عليها عملية السلام مع إسرائيل وأغدقت السعودية أموال الشعب السعودي لتسديد فواتير أجور العمال المصريين وبعض فواتير الحرب ومعها كانت الكويت التي أصبحت الجسر البري لإمداد العراق بما يحتاجه لإدامة الحرب الطاحنة وكذلك ألأردن الذي لم يكتفي بالثأر من الأبرياء لدم أولاد العم التي زهقت أرواحهم بأيدي عراقي ودفع وتمويل سعودي لتحطيم الاتحاد الهاشمي.حرب جندت كل الدول الغربية ترساناتها العسكرية والدبلوماسية والأعلامية والمخابراتية لاستمرارها وعرقلت كل محاولات إيقافها وجهد الأمم المتحدة وبعض الوساطات فقتلوا الوسيط الدولي السويدي وقتلوا الوسيط العربي الجزائري.

الحرب التي أرادتها بعض دول الخليج بغباء وحقد وطائفيه وأرادتها إسرائيل لإخراج مصر من أمتها وللإمعان بإذلالها وأرادتها أمريكا لتطبيق خططها لاحتلال الخليج بعد أن هرب حارس الخليج شاه إيران. حرب أرادت من خلالها السعودية تحطيم مشروع الوحدة العراقية السورية التي كانت على الأبواب كما فعلت مع الاتحاد الهاشمي. حرب حرقت بلدين وشعبين من أرقى الشعوب وأكثرها رفداً للإنسانية وكنز الحضارة البشرية ونبع القيم النبيلة التي ظلت تقدم للإنسانية مدادها الذي لا ينضب أمام دول لا تاريخ لها ولا قيم.

حرب زهقت فيها مئات ألاف الأرواح البريئة وتيَّتم وترَّمل الملايين وحُرقت فيها مئات المليارات كانت كافيه لتغير وجه العالم بأسره.

هذه المذكرات انتزعتها من ذاكره حفرت فيها الأيام والمواقف الكثير وسَّطَرْتُها للتذكير ولإعطاء أناس بعض حقهم وفي مقدمة هؤلاء محور هذه المذكرات الرجل البطل النبيل (النقيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي/من أهالي بلدروز وسكنة بغداد /حي الكمالية)

اعتمد  في تبويبها على الأماكن التي جرت فيها وحسب تسلسل الأحداث وتواريخها بالسنين مع الاعتذار عن ذكر بعض الأسماء كأمله أو التواريخ بالأيام لعطب بسيط أصاب محرك البحث الدماغي(هذا مدخل لتشجيع الرد والانتقاد)

وتقسم المذكرات الى جزأين:

الجزء الأول ويشمل: معسكر الصويرة...والشيخان...وزاويته...و باكرمان.

والجزء الثاني يشمل:حانقين...ومندلي ....و زرباطيه....وبدره وجصان ...الشجرة الخبيثة.

1- معسكر الصويرة:

في منتصف 1981 تم دعوة مواليد 1955 ومن سيق معهم لأداء خدمة الاحتياط وقد شملني ذلك لأنني من خريجي الجامعة لعام 1974...التحقنا (سوقاً) من تجنيد الناصرية إلى معسكر المحاويل كمعسكر تدريب أولي وبعد الانتهاء نقلنا إلى معسكر الصويرة لتشكيل لواء مشاة احتياط جديد تحت رقم 506 وكان يرمز له (لمش506)...عند وصولنا المعسكر تم تقسيمنا على الأفواج وكان نصيبنا الفوج الثالث وكان المشرف على الفوج م. أول احتياط(رزق) وهو خريج كلية الزراعة جامعة بغداد لعام 1975 أي بعدي بدوره ونحن نعرف بعض جيداً لقد فوجئ بوجودنا ونحن كذلك... تم توزيعنا إلى سرايا وكان تنسيبي إلى السرية الرابعة ولكوننا خريجين فقد كلفنا بالأمور الكتابية (القلم).

كان المعسكر عبارة عن خيم وبعض الأبنية البسيط للضباط .بداء النصاب بالاكتمال بوصول دفعات جديدة من المنقولين ألينا.

كان م. أول رزق شاب وسيم طويل ضخم تليق عليه البدلة العسكرية للقوات الخاصة التي كان يرتديها ولكنه بالمقابل شاب هادئ مؤدب جداً خجول ذو صوت ناعم بشكل لا يتناسب مع العسكرية ولا يرغب با لالتقاء معها. لم يتكلم معنا أو يتعمد اللقاء لأن يكفي أنك خريج جامعه وليس ضابط يعني عليك علامات استفهام... اختليت به لعدة دقائق فأعتذر بأدب وقال لقد عرفتك من أول لحظه ولكنها المشاغل ... قدرت له ذلك ولم أحاول الالتقاء به مره أخرى. كان م.أول رزق من أهالي كركوك ومن الديانة المسيحية.

بعد اكتمال الفوج تقريباً نسب إليه آمر فوج جديد هو المقدم(ماهر) من الأخوة التركمان وهو ضابط متعجرف من المغضوب عليهم وغير كفء عسكرياً كما تبين فيما بعد. ثم التحق إلى الفوج ضابط جديد نسب آمر لسريتنا السرية الرابعة شاب اسمر يفيض حيوية رشيق معتدل الطول برتبة نقيب لكن رتبته أكبر من عمره كما يظهر لنا بالمقارنة مع ما كان موجود من ضباط احتياط مترهلين نُصِبَتْ له خيمة قرب القلم...أول لقاء له بنا بعد انتهاء عرضات اليوم التالي لوصوله لأنه لم يخرج للعرضات لا نعرف لماذا وقت ذك؟ دخل علينا الخيمة وعرف بنفسه وطلب من كل واحد منا تقديم نفسه ومن أي مدينه وعمله قبل العسكرية وكنا ثلاثة :

أنا عبد الرضا حمد جاسم مواليد1951 خريج كلية الزراعة جامعة بغداد مهندس أنتاج في المنشاة العامة لمنتجات الألبان في أبو غريب ومن أهالي الناصرية.

صباح عاجب عباس مواليد1955 من أهالي البصرة خمسه ميل لحام فني أنابيب نفط.

علي عناد عبد مواليد1955 من أهالي كربلاء موظف ذاتيه في أحدى الدوائر.

بعدها رمقني بنظره خاصة توقعت أن تسفر عن أسئلة من قبيل لماذا لم تكن ضابط لكنه بكل احترام وعسكريه ودعنا وخرج من الخيمة.

كنا نحن سكنه بغداد ننزل إلى بغداد كل يوم مساءً بعد نزول الضباط ونعود في اليوم التالي وقد أخبرته بذلك عند التعارف وعند المساء وجدني لا أزال في المعسكر فأستفسر مني عن ذلك فقلت له سيدي أنت موجود (وبعدك ما نازل أو خاف تحتاج شيء) جاوبني ضاحكاً (أنت إذا تظل ورأي تره بعد ما راح تنزل يله روح وليدي) لم أفهم قصده من عبارته هذه.

بعد يومين عرفت من مسؤول قلم الفوج الأخ محمد هاشم/رسام وخطاط محترم وهومن أهالي الناصرية أن السيد النقيب منقول عقوبة وعليه مجلس تحقيقي من وحدته السابقة وهو موقوف لحين أنجاز المجلس التحقيقي وتبين من الأوراق ألتحقيقية انه حاول الاعتداء على آمر وحدته السابقة وأن القضية هي: [في أحد الأيام وأثناء الفطور في مطعم الضباط قال آمر تلك الوحدة أن هذا المكان للقادة والأمرين فقط وكأنه يقول للآخرين اتركوا المكان فترك البعض ورفض نقيب سلمان ذلك وعندما أعادها الآمر باتجاه النقيب أنفجر به صائحاً هذا مكان المقاتلين وليس (الخاتلين) بالمكاتب...المقاتل لا يخرج ثم تهجم على الآمر عندما نهره على رده هذا.

أما رتبة النقيب فهو خريج جديد من الكلية العسكرية وعند الهجوم على إيران ساهم في اقتحام مضيق (كولينا) في القاطع الأوسط ومنح تكريم رتبة إضافية أي أصبح ملازم أول ثم تمت ترقيته إلى نقيب حسب الاستحقاق بعد اكتمال المدة القانونية ثلاث سنوات.

هذه المعلومات انتشرت في الفوج مما زاد من احترام الجنود له وكذلك تواجده المستمر معهم وقربهم وروح الدعابة التي يتمتع بها وقربه من قلوب الآخرين واحترامه لهم وشخصيته الواثقة التي تشيع الاطمئنان بعكس بعض الضباط الاحتياط الذين يتسقطون الزلات على الجنود وتعجرف البعض منهم.

كان الجميع يقارنوه مع الضباط الآخرين المترهلين المزعجين المنطوين المتعالين وبالذات الضباط الاحتياط المشغولين بأمور حزبية وهمهم الاستفسار عن المراتب و انجاز طلب المعلومات  ومهتمين بالجرد الحزبي وهذه الأمور لم يهتم بها النقيب النجيب سلمان إسماعيل فرحان المياحي فأحدهم عضو قيادة فرقه ومنسب آمر السرية الأولى من بيت السعدون ومن أهالي الحي والأخر احتياط وهمه الاستفسار من الجنود عن الدرجة الحزبية والعناوين وطلب المعلومات والأخر يهتم بشعر رأسه أكثر من الجنود ويحمل معه دفتر الجرد الحزبي.

في احد الأيام استدعاني نقيب سلمان إلى خيمته وهي مقابل خيمة قلم السرية وبعد أداء التحية العسكرية قال أريد إن أكلفك بشيء خاص عائلي (بيني وبينك) فقلت حاضر وأطمئن سيدي ثم قال أريد إن أخبرك بشيء خاص أيضا وهو أنني موقوف وغير مسموح لي

بالنزول لذلك قلت لك قبل أيام إذا (تظل وراي ما راح تنزل) وكان في تصوره انني لا اعرف ثم أعطاني ورقه مكتوب فيها عنوان سكنه في بغداد مكتوب بخطه الجميل ومع الورقة رسالة مغلقه قال أن فيها مبلغ من المال أريدك توصله للعائلة اليوم ثم قال (عرفت العنوان فقلت له نعم لكنني لم أذهب سابقاً إلى المنطقة فشرح لي طريقة الوصول وكان العنوان هو (بغداد الكمالية  شارع الجامع الفرع الثاني على اليسار خامس بيت) (أو سابع بيت لا أتذكر بالضبط الأن) وتجيبلي خبر منهم ضروري(باجر مثل جيتك كل يوم)

أنجزت المهمة وعدت في اليوم الثاني فوجدته أمام خيمة القلم بالانتظار سلمته الجواب فرح كثيراً وشكرني وبعد التعداد الصباحي استدعاني إلى خيمته وقال كنت على يقين بأنك ستحضر التعداد (ويمكن لو غيرك جان يضربله كم يوم بحجة ما يندل المنطقة وقال مزهواً (أسمع أخويه هسه لو أظل بعد سنه محروم من الاجازة ما يهمني) كان النقيب حسب ما عرفت من أهله مسؤول عن عائلته الكبيرة وعائلته الصغيرة حيث انه متزوج حديثاً . ثم قال (كلهم /يقصد الضباط/ هنا وهناك كَالوا قدم استرحام الى أمر الفوج الذي إذا وافق يرفعه إلى أمر اللواء للحصول على موافقة للنزول يوم أو يومين... ما سويتها ولا راح أسويها) وبعصبيه قال هسه أنت زرت بيتي وأستدرك قائلاً (خوب ما ضليت واكَف بالباب فأجبته ..لا..دخلت بين ما كتبوا الجواب)

أستمر الحال والحرب على أشدها في ذلك العام وإشاعات تحرك اللواء إلى الجبهة منتشرة وتحوم حول اللواء الى أن استلم اللواء كأمر للواء (اللواء الركن قوات خاصة علي حمدي مصطفى/ كان آمر مدرسة القوات الخاصة ونقل مغضوباً عليه إلى لواء مشاة احتياط) كان أمر اللواء الجديد قائد عسكري محترم وسيم طويل القامة ممتلئ رياضي البنية كانت تلك العقوبة له خير على اللواء حيث توقفت نهائياً إشاعات النقل وتبين لنا أن هناك سياق عسكري كان معمولاً به في تلك الأيام يقضي بعدم تنسيب أي وحده عسكريه الى وحده أكبر إذا كان أمر الوحدة الصغيرة أقدم من حيث الرتبة أو التخرج من أمر الوحدة الكبيرة...وبعد عدة اشهر تحرك اللواء إلى قاطع دهوك لتبدأ مرحله جديدة

الشيخان:

في بداية عام 1982استلمت السرية منطقة عين سفني ...أتروش وكان مقر السرية في مخفر الشيخان القريب جداً من مزار او محج الأخوة الأيزيديين أي مرقد (الشيخ عدي بن مسافر الأموي).

بعد استقرار السرية أول ما قام به آمر السرية هو زيارة المرقد وأدى تلك الزيارة باحترام كبير والتقى العائلة الكريمة التي كانت تدير المرقد وجالسهم الأرض وتناول وشرب بعض ما قدم له وأوصى رب العائلة بإبلاغه شخصياً إذا حصلت أي أساءه من أحد وأعتذر منه قائلاً انني سأكرر الزيارة عدة مرات في الأسبوع إذا سمحتم لأقف على احتياجاتكم لأنني على يقين أنك لم تخبرني عن تصرفات الجنود وكانت المسافة بين مقر السرية والمرقد ليست أكثر من عدة أمتار.

وعند عودته جمّع السرية (المقر ومن كان متواجد من الربايا) وأوصاهم باحترام المرقد والقائمين عليه وممارساتهم وعاداتهم وطقوسهم) قائلاً كل مخالف حتى مخالفه بسيطة سيتعرض إلى عقوبة عسكريه شديدة جداً وعقوبة شخصيه مني (رافعاً يده اليمنى) ثم قال (من يريد أن يجرب فليفعل) وأبلغ الجميع بأنه من الآن ممنوع الذهاب إلى المرقد ومن يريد الذهاب يطلب ذلك من قلم السرية

وبعد المحاضرة استدعاني لمكتبه وقال: (شفت شلون ناس فقره...و(بتهم) حلوه....حيث قامت بتقديم الفواكه لنا بكل احترام وأردف قائلاً قد يفكر بعض الجنود تفكير سيء (ذوله أمانه بركَبتي ألي يعتدي عليهم يعتدي على عائلتي وزوجتي والي يسويها أقتله أهنا وخلي يحاكموني) أريد منك أن تتابع الموضوع في هذه الأيام لأنه إذا سارت الأمور من اليوم الأول بشكل جيد ستستمر جيده.

وصادف في أحد الأيام بداية موسم الحج للاخوة الايزيديين حيث تقاطر على المرقد المئات من العوائل من كل مكان... أمر السيد النقيب جميع السرية بعدم الخروج واكتفى بحماية المرقد من بعيد وفي اليوم الثاني أصطحبني معه لزيارة المرقد دون سلاح حتى سلاحه الشخصي ودون حماية وقام بالسلام على من كان متواجداً وأخرج من جيبه عدة قطع نقدية معدنية و(دقها) في جذع شجره كبيره تتوسط المكان كما يفعل الأخوة الأيزيديين.

كان من عادته النزول إلى الموصل صباح كل يوم جمعه ومعه أنا وحمايته من أهالي الموصل أسمه محمد (وهو بمواصفات وتقسيمات هذا الزمن الردئ من الأخوة الشبك) وسائقه محمد مكَطوف (من أهالي البطحاء/ الناصرية) وكان خلالها يحضر الاجتماع الحزبي أن كان هناك اجتماع.

مساء أحد أيام الخميس استدعاني إلى غرفته وكان منزعجاً نوعما وبعد التحية العسكرية قال (شوف أخويه أبو محمد أنه أحبك وأحترمك وأنت تستحق وأدري أنت وربعك مو بعثيه وانتم بكفالتي و ما سمحت لأحد من ذوله يتدخل/كان يعني ضابط التوجيه السياسي وجماعته/ لكن أكَلك جاكم واحد نقل [بأمر آمر الفوج وهو حلاق آمر الفوج أسمه (محمد) من أهالي الموصل وهو حزبي ويعمل بالأعاشه).

كان النقيب لا يحترم أمر الفوج ولم يذهب إلى الفوج مطلقاً حتى لا يؤدي التحية العسكرية لآمر الفوج لأنه لا يستحق حسب قول النقيب وكثير ما كان آمر الفوج يعرقل اجازة آمر السرية أو يؤخرها يوم أو يومين يظن بذلك أن النقيب سيتصل به ويترجاه كما يفعل الأخرين ولكنه لم يفعلها مطلقاً. ظن آمر السرية في حينها أن هذا الجندي على اتصال مع آمر الفوج وبالمناسبة فهو من منطقة أو ناحية (المحلبيه) التابعة للموصل ويتكلم التركمانية بطلاقه رغم أنه يقول أنه عربي (وأمر الفوج كما ذكرنا هو من الأخوة التركمان) فقلت لأمر السرية (هله بيه) التحق الأخ محمد في اليوم الثاني (كان قصير سمين) وتبين أنه إنسان طيب و(ما يهمه غير بطنه) والسيد أمر الفوج نقله إلى السرية حتى لا ينحسب عليه وبعد الكلام عن (محمد الحلاق كما صار يسميه) قلت له أنت منزعج هل هناك شيء أخر ضحك وقال (أدري بيك تفهم عمك) ثم قال (باجر ما راح ننزل للموصل راح ننزل الأحد) حيث اتصل اليوم مسؤولي الحزبي وقال لي: أنت نصير متقدم منذ فتره طويلة وهسه رشحناك للعضويه ويجب أن تحضر الأحد الساعة العاشرة صباحا إلى المكتب العسكري في الموصل للامتحان الشفوي ويجب إن تقدم وقتها أطروحة من (5000) كلمه عن الأطماع الفارسية في الخليج العربي (تبين إن النقيب نصير متقدم منذ الكلية العسكرية)

قلت له مبروك هذا شيء جيد قال(اخويه هاي لغوه أنه مالي خلكَهه ومنين أجيب خمس تالاف كلمه) (كَتله هاي خليهه عليّ كَال شلون) قلت له أنني امتلك مصادر كثيرة ولكنها في البيت في بغداد ويجب أن أذهب غدا فجراً لأعود مساءً وفعلاً نظمت كتاب مأموريه لي إلى بغداد مع سيارة أمر السرية وسائقه هو وقع كآمر السرية و أنا وقعت مكان أمر الفوج وذهبنا صباح الجمعة وعدنا مساءها وجلبت معي العشرات من مجلة (آفاق عربيه) التي كانت تصدر في بغداد ورئيس تحريرها (د.محسن الموسوي شقيق الشهيد عزيز السيد جاسم) وكانت تحتوي على العديد من البحوث والدراسات حول الموضوع والتي نشرت قبل وفي بداية الحرب مع إيران

تم خلال ليلة الجمعة/ السبت كتابة المسودة ويوم السبت تم أنجاز الدراسة بشكل منظم من مقدمه...وفصول..وخاتمه ...وفهرست والمصادر..بشكل استخدمنا فيه ما متوفر من ألوان وخطوط) وسلمتها للنقيب بعد قليل من منتصف الليل الذي أنبهر بها وقال (أعرف انت كَدهه والي تكَوله تسويه).

المهم حضر المقابلة وقدم الأطروحة في وقتها وعدنا إلى مقر السرية بانتظار النتيجة التي جاءت بعد عدة أيام وكان ناجح حسب قوله (خمسه على الشفوي وخمسين على الأطروحة) وأصبح النقيب رفيق حزبي وقال(هسه أطيح حظ الرفيق وكان يقصد ضابط التوجيه السياسي الذي يحاول التدخل في السرية دائما ويمنعه السيد النقيب)

زاويته:

تحركنا إلى زاويته في نفس العام وكان مقر السرية في مكان قرب دهوك على اليسار باتجاه زاويته والقلم في سيطرة زاويته مانكَيش وكان قد مسك المنطقة قبل وصولنا قاطع جيش شعبي من الديوانية وكان القلم ضيف على مقر القاطع وفي اليوم الأول زار السيد آمر السرية مقر القاطع للتنسيق لتواجد القلم وكان في استقباله ضابط ركن القاطع الذي دعانا إلى غرفته فصدمنا حيث وجدنا إن ضابط الركن قد نضد (سفط) بشكل ملفت قناني مشروب العرق (بطالة العركَ) من الأرض حتى سقف الغرفة في الجدران الثلاثة للغرفة ومكتبه يتوسط ذلك ضحك النقيب وقبل أن يتكلم قال ضابط الركن مخاطباً النقيب (عيني وصي ربعك يديرون بالهم تره ربعنه من المغرب يبدون يشربون للصبح بس همه ناس فقره وكلهم يشتغلون بالحي الصناعي بالديوانيه يعني فيترجيه وسمكريه أو وايرمنيه)

عندما خرجنا أوصاني آمر السرية بالحذر وقال من يوم غد سوف أرسلك ثلاثة جنود توزع واجباتهم على السيطرة مع الجيش الشعبي (أخاف ذوله والين العالم وليه ويأخذون العرك من الناس بلاش) لأن أمر السرية أستفسر من ضابط الركن عن مصدر العرق فقال له (ربعنه يوصون السواق يجيبولهم بالسيطرة) يعني عرق محلي. تبين بعد عدة أيام أن الجماعة ناس طيبين ويحترمون السكان ويشترون العرق (بفلوسهم) ولا يفتشون حتى السيارات (يعني مالهم علاقه لا بالرايح ولا بالجاي) عندها اطمئن النقيب والغي الواجب المشترك.

كنا نقضي الليل والنهار معهم وكان كلامهم (عمي أحنه ناس فقره جايبينه بالكَوه نريد نخلص القاطع ونرد لأهلنه لانكتل ولا نريد واحد منه ينكتل وأحنه مو بعثيه وتره آمر القاطع لا يحل ولا يربط ولا يكَدر علينه). وكان القاطع هادئ ولم تطلق فيه رصاصه واحده إلا مره واحده حيث كنا ننام ليلاً خارج الغرف في ساحة القاطع وبعد منتصف أحدى الليالي حصل أطلاق نار كثيف جداً لبعض الوقت ومن كل الاتجاهات وبعد أن توقف سألت أحدهم ماذا حصل وكان ثملاً فقال (شفت ضوه أجه عليه ورميته صليه والجماعه كلمن سحب أقسام وكَام يرمي من مكانه) تبين بعد ذلك أن الضوء مصدره حشره منتشرة في المنطقة هم يسمونها (الفسفوريه) تعكس الضوء عندما تطير.

وفي صباح اليوم التالي تكلمنا بالموضوع وقلت لهم أن القاطع هادئ (ماكوشئ) فأجاب أحدهم (عمي همه تره داير مادايرنه ويمكن يعرفونه ناس فقره وزينين ويه الناس هل ما يسوون شيء وإذا كَتلك منو مسؤول عليهم ماتصدك..كَتله منو كَال هاي الممثله ناهده الرماح فضحكت وكَتله جا هلزلم كلها تخاف من مره.....بس أنت شلون عرفت؟ ..كَلي سامعين صوتها وأسمها باللاسلكي) هذا الطرح حرك شيء....هل يكون أصدقائي وزملائي الذي تركوا البلد مرغمين هم من يحيطون بنا وقد نقتل بعض في أي لحظه وقد يقعون أو نقع أسرى عند الطرف الأخر؟...هل يعرف أحدهم أنني هنا أو هل أن أحدهم يتربص بيّ وهل هدوء القاطع متعمد لأنهم كما قال أحدنا (يعرفونه ما لنه علاقه..)؟

كان القاطع الممتد من الشيخان ..اتروش ..زاويته...دهوك...زاخو هادئ لوجود آمر اللواء اللواء الركن علي حمدي مصطفى الذي لم يستطيع أحد من الاعبين على (الحبلين) من دفعه لمقاتلة الأبرياء أو الاعتداء على الممتلكات أو ترويع الأمنين الفقراء (أتمنى من يعرف عن ذلك شيء ينشره)

باكرمان:

يعتبر جبل باكرمان رابع أعلى جبل في العراق وفي منطقه خلابة

ألى اللقاء في التالي.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

سارة طالب السهيلارتبط الانسان منذ نشأته على الكوكب الارضي بالطبيعة من بحار وجبال وانهار وحدائق وحيوانات، وخلد سر بقائه ومحافظته على نوعه البشري بالحب، وارتبط هذا الحب ايضا بالطبيعة .

وبين الحب والطبيعة نسجت الاخيلة مئات الاساطير التي لا تزال تتداولها الناس وهي تعيش عصر التكنولوجيا الفائقة والمعلومات اللانهائية .

فقد وجد انسان عصرنا الحالي في الطبيعة وأساطيرها ملاذا آمنا يفر اليه من وحشية عصرنا المادي، فأخذه الحنين اليها وساح في دروبها كلما سار بجوار شجرة أوجبل له ذكرى او اسطورة فيقعد بجواره ليتسجمع شتات نفسه ويتنفس نفسا عميقا وكأنه يخرج من عالمه الى عالم ما وراء الطبيعة .

قد يفسر ذلك بقاء الاساطير خالدة عبر التاريخ البشري تتنقلها الأجيال  ولاتمحو تصاريف الدهور وتقلباتها وعلومها وحضارتها المتنوعة .

هذه المعاني هاجت بحارها بداخلي عندما شاهدت صور جبل طمية واسطورته مع جبل القطن بمنطقة حائل بالمملكة العربية السعودية باعتبارهما رمزا خالدا للعشق بين الجبال، ومادة خصبة يتسامر حولها أهل البادية كقصص الف ليلة وليلة قديما.

ولطالما كان جبل طمية ملهما للعاشقين فهو ايضا كان ولا يزال مهلما للشعراء والمبدعين في لغة الضاد. وبقدر هذه القيمة الثقافية، فان قيمته الاثرية جعلت منه أحد المواقع الطبيعية النادرة في العالم، يقصده السياح من مشارق الأرض ومغاربها للتمتع بمناظره الخلابة .

فجبل طمية الواقع الآن جنوب عقلة الصقور ارتبط بمقلع طمية،و هو عبارة عن حفرة كبيرة تقع بالقرب من أم الدوم (فوهة الوعبة) تسمى مقلع طمية وقد تناولها العديد من الشعار في أشعارهم بل ودونها الكثير من الكتاب في كتبهم .

وتعد فوهة الوعبة أو (مقلع طمية) أعمق فوهة في المملكة، وثاني أوسع فوهة بعد فوهة «هرمة» شرق المدينة المنورة، وتقع الوعبة في الطرف الغربي لحرة كشب في أقصى الشمال الشرقي لمحافظة الطائف.

 المناظر الطبيعية الخلابة التي تجذب السياح والسكان معا تتشكل حول هذه الفوهة التي تكسوها  أشجار الدوم و النخيل، النباتات والاعشاب المختلفة التي تنمو وحدها، كما يوجد في أسفل الحفرة أعشاب صحراوية، وأشجار الأراك التي تكوّن مشهداً بديعاً بمجاورتها لبعضها البعض، وكلما اتجه الزائر نحو مركز الحفرة تقل الأعشاب والأشجار بشكل تدريجي وصولاً إلى المنطقة الملحية ذات اللون الأبيض، كما يوجد في أسفل الحفرة شلالاً صغيراً تشكّل بسبب الأمطار.

وعلميا فان الخبراء يصفون هذه الفوهة بأنها فوهة بركانية، نتج عنها منخفضات حوضية نتيجة ثوران بركاني انفجر من جوف الأرض إلى سطحها، وتكوَّنت الفُوَّهة نتيجة انهيار الطبقة غير الصلبة من التربة.

الاسطورة ورمزية العشق

تحكي هذه الأسطورة، كما أوردها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان،وأوردها المؤرخ الشيخ محمد بن ناصر العبودي في كتابه «معجم بلاد القصيم»، أن جبل طمية كان في القديم من جبال المدينة المنورة وفي إحدى الليالي لمع البرق فرأى من خلاله جبل قطن وهو جبل أحمر يقع قريبا من عقلة الصقور فهامت بحبه وجاءت لتتزوج به فوجد جبل عكاش وهو جبل اسود صغير قريب من موقعها الحالي فتزوجت به ثم ولدت جبلا صغيرا اسود يقال له ديم لا يزال بهذا الاسم وبعد ذلك ركب قطن هضبة حمراء تسمى البكرة وجاء طمية بعد أن انفصلت عن عكاش.

يقال ان طمية جبل انثى كان في منطقة ام الدوم في الحجاز ولونها اسود محمر وانها عشقت جبل اسمه "قطن" لونه ابيض مصفر ومن شدة عشقها له انقلعت من مكانها ويسمى موقع قلعها بمقلع طمية او كشب وانها طارت متجهة الى عقلة الصقور وفي طريقها كان يسقط حجارة الى ان وصلت لمنطقة وفي طريقها إليه رآها جبل آخر يدعو عكاش وبسبب الغيرة من قِطَنْ أرسل عليها رمحه (وان عكاش تمكن من إسقاطها على الأرض قبل ان تصل قِطَنْ.

العجيب في الأمر ان الكثير من سكان هذه المنطقة يكادون يصدقون هذه الاسطورة معلين ذلك بأن نفس النباتات التي تنبت في حرة كشب هي الموجودة في جبل طمية وهي نباتات لا تنبت في منطقة نجد وهذا هو السبب الذي جعل البعض يصدق هذه الاسطورة.

وجرت "طمية" على ألسنة الشعراء للاستدلال على شدة العشق ومنها هذا البيت الشعري:

الهوى مـن قبلنـا شـدد طميـه *** ضلعة من كشب أحالة يم اباني

واخر يقول:

الهوى قدامنا شوق طميـة يوم لاحلها قطن والدار خالي

وعرفت "طمة  أيضا في الشعر الجاهلي كما في معلقة امرؤ القيس هذا البيت :

كأن طميّة المجيمـر غـدوة *** من السيل والاغثاء فلكة مغزل

وظل جبل طمية وعكاش لهذا التزواج بين الذكر والانثي ، وقالت العرب فيهما :

تزوج عكاش طمية بعدما **** تأيم عكاش وكاد يشيب

وعادت طمية" للحضور على السنة شعراء العصر الحديث، حيث ضمنها مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، في احدى قصائده يقول فيها :

انتزع قلبي مثل نزعة طمية

يوم هز العشق راسية الجبال

ساقها سوق المبشر للمطية

لين عاشت مع قطن حلم الليالي.

وخلدت اسطورة طمية  في تجسديها لمعاني العشق، ولهذا ارتبط بها سكان هذه لمنطقة لانها ترمز للجوانب الاجتماعية والثقافية والانسانية فالعشق ينبع من قلب المرأة اتجاه الرجل،، كما تعكس هذه الأسطورة قدرة المرأة على التعبير عن مشاعرها واتخاذ قراراها بنفسها كما في الجبل الانثي طمية .

ويرصد البعض في هذه الاسطورة ملمح ثقافي واجتماعي  يعبر عن ثقافة سكان  هذه المنطقة، ممثلا في اعتراض طريق حب المرأة لرجل آخر من قبل ابن عمها، باعتبار أن ابن العم هو أحق فيها من غيره، لذلك ظهر دور عكاش الذي رماها برمحه ومنعها من الذهاب إلى عشيقها قطن.

فقصة عشق جبل مؤنث لجبل آخر مذكّر، تناقلها كتاب كتاب معجم البلدان، بوصفها اسطورة ذات بعد تاريخي عميق .

ومهما كانت الجوانب الثقافية والابعاد الاجتماعية لهذه الاسطورة الي انها تبقى  من وجهة نظري، رمزا للعشق الانساني، وعشق الطبيعة ذاتها لذاتها، وان هذه الطبيعة ما كانت لتسرق نظرنا بجمالها الآخاذ لولا هذا العشق الكامن فيها، وان هذا العشق هبة الهية وهبها الخالق بديع السموات الارض لكل مخلوقاته، ويستشعر هذه الهبة وهذا العشق فقط من كان له قلب يبصر به بديع صنع الله تعالى وتجلياته في خلقه جميعا .

 

سارة طالب السهيل

 

محمود محمد عليهناك مؤرخون مصريون انحسرت عنهم أضواء الشهرة بعد موتهم بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس التاريخي سواء الحديث منه أو المعاصر، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال داخل تخصصهم، مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات التاريخ الحديث والمعاصر المختلفة، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا بالمجتمع المصري من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور "عبد العظيم رمضان"- أستاذ التاريخ والمعاصر بكلية الآداب – جامعة القاهرة – بجمهورية مصر العربية)؛ قلما يذكر اسمه بعد وفاته ، مع العلم أن هذا الرجل كان من أهم المؤرخين العظام الذي تخصصوا في الكتابة الموسوعية لتاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ علاوة علي أنه كان واحداً من الأساتذة الجامعيين العظماء الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم في التاريخ والمعاصر من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارما إلي أبعد حد: فالوثائق التاريخية لديه هي المصدر التاريخي الأولي، وتحليل مضمونها هو أساس التقييم، والهدف منها هو الذي يحدد اتجاه صاحبه أكاديمياً.

والدكتور "عبد العظيم رمضان" هو واحداً من كبار مؤرخينا المصريين المعاصرين الكبار، ومن الضالعين الأصلاء في القضية الفلسطينية وإسرائيل، وهو والله مؤلف نادر من بقايا العلماء الموسوعيين الذين لم يقفوا عند فترة تاريخية بعينها؛ بل درسوا كثيرا من جوانب التاريخ المصري الحديث غير مكتفين بالفترة التي تخصصوا فيها، فأعاد إلينا نماذج كبار المؤرخين الأسلاف في التعلُّم والتعليم والتأليف، والعكوف على علم التاريخ الذي أفنيت فيه الأعمار.

علاوة علي أنه كان أحد مؤرخي ثورة 1919م، وأستاذ التاريخ بجامعة المنوفية سابقاً، وعضو مجلس الشورى، ورئيس تحرير سلسلة تاريخ المصريين، كما كان له مساحاته الثابتة في مجلة أكتوبر الأسبوعية،‏ وجريدة الأهرام،‏ وجريدة الجمهورية.

والدكتور " رمضان عبد العظيم" من أكثر المؤرخين المصريين إثارة للجدل حيث كان متحمسا لتجربة الرئيس المصري "جمال عبد الناصر" الاشتراكية، ثم انتقد تلك التجربة بشدة في كتابه "تحطيم الآلهة" وغيره. وقد جمع الدكتور " عبد العظيم رمضان" بين دقة البحث وسلامة المنهج، وجمال الصياغة والأسلوب، والمزج بين علمي الحديث والتاريخ، والانطلاق من الوقائع والأحداث إلى النقد والتحليل الذي يعطينا عبرة التاريخ بجانب سرد قصة الماضي.

وبرغم ذلك لم يحظ الدكتور "رمضان عبد العظيم"، مثل غيره بما هو أهل له من الاهتمام والتقدير الذي بتناسب مع جهوده، فهو ينتمي للرعيل الأول من رواد المتخصصين في التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة ومع ذلك فلا يعرفه إلا المتخصصون الذين درسوا علي يديه ، أو رجعوا إلي مؤلفاته وترجماته . وللأسف ليس بين أيدينا أية بيانات أو معلومات يمكن أن تكون عوناً لنا في رسم صورة كاملة عنه فكرياً وتاريخياً، ولا نملك إلا شذرات قليلة جاءت من (ويكبيديا) لا تتعدي بضعة كلمات معدودة جاءت عرضاً في سياق الحديث عن كتاباته أو في سيرته الذاتية، وما كُتب عنه من نقد كان للأسف أغلبه كلام مرسل.

وُلد الدكتور " عبد العظيم رمضان" في 18 ابريل 1928، التحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة ؛ حيث حصل على ليسانس التاريخ من الكلية الآداب في عام 1958، وفي عام 1964 حصل على درجة الماجستير في التاريخ الحديث، ثم درجة الدكتوراه في عام 1970 من ذات الكلية.

عمل الدكتور "عبد العظيم رمضان" في بداية حياته الأكاديمية مدرساً للتاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنوفية فأستاذا، ثم عميدا بكلية التربية وشغل منصب عضو في المجلس الأعلى للثقافة ورئيس لجنة التاريخ وعضو مجلس إدارة هيئة الكتاب المصرية وإشرافه علي سلسلة تاريخ المصريين إضافة إلى عضويته في كثير من اللجان وكذلك مساحاته الثابتة في مجلة أكتوبر الأسبوعية أو جريدة الأهرام ثم الجمهورية فيما بعد. وعضوية مجلس الشورى.

وقد نال المؤرخ الدكتور "عبد العظيم رمضان" على العديد من الجوائز والأوسمة منها: جائزة "مصطفى أمين" و"على أمين"، عام 1962، وسام الجمهورية من الدرجة الثانية، عام 1985، وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، عام 1992، جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام ‏1998‏‏. وقد ورحل في هدوء في الرابع من يوليو لعام 2007م.

وقد أصدر الدكتور "عبد العظيم رمضان" العديد من المؤلفات منها: تطور الحركة الوطنية في مصر، القاهرة عام 1986، الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر من ثورة يوليو إلى أزمة مارس1954، القاهرة، عام 1975، عبدالناصر وأزمة مارس، القاهرة، عام 1976، الجيش المصري في السياسة، القاهرة، عام 1977، صراع الطبقات في مصر، بيروت، عام 1978، الصراع بين الوفد والعرش، بيروت، عام 1979، الفكر الثوري في مصر قبل ثورة 23 يوليو، القاهرة، عام 1981، مصر في عصر السادات، القاهرة، عام 1986، حرب الخليج في محكمة التاريخ، القاهرة، عام 1990، الاجتياح العراقي للكويت في الميزان التاريخي، القاهرة، عام 1990، تاريخ مصر والمزورون، القاهرة، عام 1993، الصراع الاجتماعي والسياسي في عصر مبارك، القاهرة، عام 1994، مذكرات سعد زغلول (تحقيق)، عام 1996، تاريخ النهب الاستعماري لمصر ( 1798ـ 1882)، (ترجمة) من تأليف: جون مارلو، القاهرة، عام 1986.. إلخ .

وبسبب الطريقة التي حقق بها الدكتور "عبد العظيم رمضان" مذكرات سعد زغلول، وبسبب كثرة معاركه، فقد كان أحد المؤرخين المقربين من نظام الرئيس "حسني مبارك" ، وكان مشرفا علي سلسلة تاريخ المصريين، فنقل رسائل الماجستير والدكتوراه من رفوف المكتبات الجامعية إلى رفوف مكتبات المهتمين بالتاريخ والمعنيين بالقراءة فيه.

وقد جمع الدكتور "عبد العظيم رمضان" بين العمل الأكاديمي وجهده الأكاديمي محترم أما كتابته السياسية، فاشتملت آراء ومواقف شخصية مثيرة بطبيعتها للخلافات لموقفه من التطبيع فدخل معارك لا تنتهي منها ما هو دائم مع اليسار المصري، وهو أحد مؤسسي حزب التجمع الذي استقال منه في عام ،1985 ونشر هذه الاستقالة في كل الصحف المصرية.

بالإضافة إلي ما سبق كانت معركة الدكتور "عبد العظيم رمضان" الأشرس مع حزب العمل وجريدته الشعب، وكذلك جريدة الأحرار التي طلب من المسئولين رسمياً سحب ترخيصها، وإغلاقها، لأنها تجرأت وهاجمته والجريدة من جانبها جيشت كل المختلفين معه، للنبش في تاريخه والهجوم عليه.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول: تحية طيبة للدكتور "عبد العظيم رمضان" كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمؤرخ الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء، وسوف يبقى الرجل نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور "عبد العظيم رمضان" ، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة الدكتورة حكمت أبو زيد (1922-2011م) أول وزيرة مصرية بعد ثورة الثالث والعشرين من يوليو لعام 1952م ، في مثل هذا اليوم؛ (وبالأخص في الثلاثين من يوليو 2011 )، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذه المرأة الوطنية العظيمة، مع العلم أنها  كانت أول وزيرة مصرية انحسرت عنها أضواء الشهرة بعد ثورة 23 يوليو 1952م بسرعة لافتة للنظر، مع العلم بأنها أسهمت قدر استطاعتها في الارتقاء بالعمل السياسي في مجالها، وعملت قدر طاقتها علي أن تنقل ما عرفته إلي بني وطنها، استجابة إلي تحديات الركود السياسي في مجتمعها، ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر الاستقرار وقيام الدولة المصرية القوية.

وتعد الدكتورة حكمت أبو زيد كما قلنا هي أول سيدة تتقلد منصب وزيرة في مصر، عندما اختارها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أول وزيرة للشئون الاجتماعية في 25 سبتمبر 1962، حيث أطلق عليها الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر " قلب الثورة الرحيم".

وفي عام 1940م التحقت الدكتورة "حكمت أبو زيد"  بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول "جامعة القاهرة" حاليًا. كان عميد الكلية وقتها الدكتور طه حسين، الذي تنبأ لها بمكانة رفيعة في المستقبل لملاحظته قدرتها العالية في المناقشة الواعية.

ولم تكتف الدكتورة "حكمت أبو زيد"  بالحصول على المؤهل الجامعي، بل حصلت على درجة الماجستير من جامعة سانت آندروز بإسكتلندا عام 1950، ثم درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن بإنجلترا عام 1955. وفي العام نفسه، عملت أبو زيد أستاذًا بكلية البنات جامعة عين شمس، إلى أن اختارها عبد الناصر وزيرة للشؤون الاجتماعية في العام 1962.

كما تعد الدكتورة "حكمت أبو زيد"  من السيدات التي نشأن  في صعيد مصر، وقد  أطلق عليها الزعيم جمال عبد الناصر " قلب الثورة الرحيم" أول سيدة تتقلد منصب وزيرة فى مصر عندما اختارها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أول وزيرة للشئون الاجتماعية فى25 سبتمبر1962 .

كذلك تعد الدكتورة "حكمت أبو زيد"  نموذج حقيقي لنضال المرأة المصرية فى سعيها للتميز والنجاح؛ حيث أبحرت بين أصعب القضايا الفلسفية الحديثة والمعاصرة في لغاتها الأصلية، وظلت تثق بنفسها وصريحة إلي حد التطرف في المصارحة والبعد عن المداهنة ولا تقول لنا إلا الحق، وهي من جيل جاء في زمنٍ كان يقتصر فيه دور المرأة على المنزل فقط، ولا شك أن إسهاماتها ستظل علامة مضيئة للمرأة المعاصرة، وهي ظاهرة لا تتكرر كثيرا بين النساء  الصعيديات بمصر المحروسة.

كانت الدكتورة "حكمت أبو زيد"  قمة في التواضع، فهي إنسانة بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهبت حياتها للعمل السياسي : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات وزيرة للشؤون الاجتماعية تسعي إلي أن ترتفع بعملها إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنها تمثل القدوة والريادة وستظل ذكراها الطيبة تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة  الريادة النسوية في العمل السياسي، وما أعظمها من شعلة .

وفي عهد الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات اشتهرت الدكتورة "حكمت أبو زيد " باختلافها معه في بعض وجهات النظر،  وكان الحديث مذاعًا في التليفزيون؛ من أهم مشروعاتها مشروع الأسر المنتجة، ومن أبحاثها: التكيف الاجتماعي في الريف، التربية الإسلامية، وكفاح المرأة، ووضعت أول خطة لتنمية الأسرة، وأعدت مشروع الرائدات الريفيات تمهيدًا للأسر المنتجة، وعملت لصالح مشروع تهجير النوبة، ووضعت قانون تنظيم الجمعيات الأهلية، ونظمت جمع الزكاة.

وعندما وقع الرئيس السابق محمد أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد اعترض جميع المثقفين على هذا ، ومنهم الدكتورة "حكمت أبو زيد"  . فبعد عودتها للجامعة للتدريس بعد رحيل جمال عبد الناصر في العام 1970، اختلفت بشدة مع قرار الرئيس السادات لمبادرة السلام مع الكيان الصهيوني، وشكَّكت في النوايا الصهيونيَّة تجاه الأمة العربيَّة، مما جعلها تتلقى أبشع الاتهامات.

وفي هذا الوقت حدث النفي وسافرت الدكتورة "حكمت أبو زيد" وزوجها إلى ليبيا بعد مبادرة عام 1975 للعمل وكانت تعود لمناقشة رسائل الدكتوراه للطلبة. وفي حوار لجريدة نصف الدنيا عام 2011، قالت فيه أنه "لم يحدث حرمان من الجنسية". وأن ما حدث هو "أنهم لم يعطوني جواز السفر المصري وكانوا يريدون أن يعطوني وثيقة فرفضت وكنت أسافر بالجواز الليبيي". ظلت حكمت خارج مصر لمدة عشرة سنوات. وتقول: "سعدت عندما عدت في التسعينيات واستقبلني وزير الداخلية في قاعة كبار الزوار بعد صدور قرار من مبارك بعودتي لأرض مصر في 2 مارس عام 1992". أصدرت المحكمة العليا قرارها بإلغاء الحراسة على ممتلكاتها، وحقها في حمل جواز السفر المصري والتمتع بالجنسيَّة المصريَّة، وفور علمها بذلك قرَّرت العودة لمصر إلي أن توفيت في 30 يوليو 2011، عن عمر يُناهِز الـ 89 عامًا.

وقد منح القائد الليبي الراحل "معمر القذافي" الدكتورة "حكمت أبو زيد"  نوط الفاتح العظيم من الدرجة الأولى، فيما منحها الملك الحسن الراحل - ملك المغرب سيفه الذهبي النادر رغم أنه لم يكن يمتلك سواه. ثم أصدرت المحكمة العليا قرارها بإلغاء الحراسة على ممتلكاتها، وحقها في حمل جواز السفر المصري والتمتع بالجنسيَّة المصريَّة، وفور علمها بذلك قرَّرت العودة لمصر إلي أن توفيت في 30 يوليو 2011، عن عمر يُناهِز الـ 89 عامًا

وُلِدَت الدكتورة "حكمت أبو زيد"  في قرية "نزالي جانوب" بالقوصية محافظة أسيوط عام 1916، كان ترتيب حكمت هو الثالث بين أشقائها الثلاثة. وكان والدها يمتلك في مسكنه مكتبة تضم خطب مصطفى كامل، وأعمال المناضلة الفرنسية جولييت آدم، ومؤلفات مصطفى صادق الرافعي؛ وكانت أمها تشارك جاراتها وصاحباتها المسيحيات في صوم العذراء، وتكتفي طيلة هذا الصوم بما يعدونه لها من طعام خال من الدهون. كانت مدرسة حكمت الأولي في ديروط الشريف، والابتدائية في سوهاج ثم أسوان، وتقدمت بعدها للالتحاق بمدرسة حلوان الثانوية للبنات. وكما التقاليد وقتذاك، كانت المدارس الابتدائية تخلو من الطلاب؛ فذهبت لمدرسة في المحافظة تبعد عنها مئات الأمتار وفي المراحل التعليمية التالية أصر والدها علي إلحاقها بمدرسة وتدرجت في المراحل التعليمية حتي حصلت علي الدكتوراه من إنجلترا في الأربعينيات في الوقت الذي كانت الفتاة تكافح لتخرج من بيتها للتعليم.

كانت حياة الدكتورة "حكمت أبو زيد"   قائمة على أساس خلق عملية التحدي في نفسها والتغلب علي العقبات التي تعوق بينها وبين متابعة العملية التعليمية؛ فحتي المدارس الابتدائية لم تكن موجودة والتحدي كان يتمثل في محاربة إخوة والدها، لأنهم كانوا يريدون منعها من التعليم بسبب "تخلفهم الذهني والعقلي" كما ترى حكمت. وتقول أن "والدها الذي كان يعمل ناظرا بالسكك الحديد وفر لها ولشقيقتها الأكبر مني وسيلة للسفر يوميًا من قريتهما لبندر ديروط" حيث تلقت حكمت تعليمها الابتدائي والإعدادي هناك.

أما في المرحلة الثانوية فقد تركت الدكتورة "حكمت أبو زيد"   أسرتها والتحقت بمدرسة حلوان الثانوية (مدرسة داخلية) في الثلاثينيات من القرن الماضي، ولم يكن بحلوان حينذاك مدن جامعية فأقامت بجمعية بنات الأشراف التي أسستها رائدة التعليم نبوية موسى. وعن مصروفها تقول حكمت: "كان لي مصروف 54 جنيهًا وكان وقتها مبلغًا كبيرًا وبخلاف فلوس الأنشطة والفنون والرياضة بعكس ما نراه في هذه الأيام من عدم إشباع لمواهب الأطفال المختلفة التي تظهر".

وفي 1940، التحقت الدكتورة "حكمت أبو زيد"  بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، وكان عميد الكلية وقتها الدكتور طه حسين، الذي تنبأ لها بمكانة رفيعة في المستقبل. ثم حصلت على دبلوم التربية العالي من وزارة التربية العالي من وزارة التعليم بالقاهرة في 1944 ثم على الماجستير من جامعة سانت آندروز باسكتلندا في 1950، ثم على الدكتوراه في علم النفس من جامعة لندن بإنجلترا في 1955.

تقول الدكتورة "حكمت أبو زيد"  : "درست علي يد مرجيت ميد، وآيزيك، وكان زملائي في جامعة لندن: حامد عامر، عبد العظيم أنيس، فائق مزيد، أحمد أبوزيد، ومعهم الطالب العراقي خير الدين حسيب، الذي تولي بعد ذلك وزارة الاقتصاد في بلده، وأسس مركز دراسات الوحدة العربية. وكنا نجتمع في النادي المصري بلندن، وكونا لجنة وطنية حددوا مهامها في إقامة محاضرات للرد علي الادعاءات المثارة هناك ضد ثورة 1952م.

كان والد الدكتورة "حكمت أبو زيد"  يؤمن بأهمية التعليم سواء للبنت أو للولد، وكان يحارب لتعليمها بدلًا من شراء الأطيان. وبرغم أن شقيقاتها الأكبر منها لم يكملا تعليمهما، فإن أختي الصغرى تخرجت في كلية الحقوق. لم تكن والدتها. وبعد تخرجها من كلية الآداب جامعة القاهرة، عملت مدرسة في مدرسة حلوان، المدرسة نفسها التي تخرجت منها ثم ذهبت لإنجلترا في بعثة لنيل الماجستير في التربية وعلم النفس جامعة سانت أندروز بإسكتلندا عام 1950، ثم الدكتوراه في علم النفس التربوي من جامعة لندن عام 1957.

عادت الدكتورة "حكمت أبو زيد"  بعد ذلك للعمل في كلية البنات جامعة عين شمس، وكانت أسماء فهمي هي العميدة للكلية عام 1955. ومن عام 1962 إلى عام 1965، تم وقع الاختيار على حكمت لتتولى منصب وزيرة الشئون الاجتماعية في عهد الرئيس السابق لجمهورية مصر العربية جمال عبد الناصر. ولاحقًا، عملت حكمت كأستاذة في قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة. كما أنها عضوة في المجلس الأعلى للثقافة.

وفي النهاية لا أملك ألا أقول: أستاذتي الدكتورة "حكمت أبو زيد"  لكِ منا كل الثناء والتقدير في ذكري وفاتك، بعدد قطرات المطر، وألوان الزهر، وشذى العطر، على جهودك الثمينة والقيمة .. فمنك تعلمنا أنّ للنجاح قيمة ومعنى .. ومنك تعلمنا كيف يكون التفاني والإخلاص في العمل، ومعك آمنا أنّ لا مستحيل في سبيل الإبداع والرقي.. ومنك تعلمنا أنّ للنجاح أسرار .. ومنك تعلمنا أنّ المستحيل يتحقق بثانويتنا.. ومنك تعلمنا أنّ الأفكار الملهمة تحتاج إلى من يغرسها بعقول طالباتنا .... فلك الشكر على جهودك القيمة لكونك كنت ملاكاً يمشى على الأرض في زمن يتكالب فيه الناس على الحطام.

وتحيةً أخري للدكتورة "حكمت أبو زيد" التي لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف تبقى نموذجاً لكل امرأة تريد أن تدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتورة "حكمت أبو زيد" ، والذي صدق فيها قول الشاعر: وليس موت إمريء شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

يسري عبد الغنيالشيخ حسين شلبي أحد علماء الأزهر الشريف، بدأ حياته الوظيفية في سلك القضاء الشرعي، ثم عمل بوزارة الأوقاف.

يعد شلبي، المولود في 27 يوليو 1921، واحدًا من أبرز الدعاة والفقهاء الأزهريين في العصر الحديث، بمحافظة الغربية، مركز كفر الزيات في شهر يوليو عام 1921، وهو ينتمي إلى عائلة معروف نسبها من الأشراف هو وزوجته.

تلقى تعليمه المبكر في الكُتاب وفي المدارس والمعاهد الأزهرية بمدينة طنطا ثم انتقل الي جامعة الأزهر بالقاهرة، وتخرج منها حيث حصل علي الشهادة العالية لكلية الشريعة عام 1366 هـ - 1947 م، ثم حصل على شهادة العالمية مع الإجازة في القضاء الشرعي عام 1368 هـ - 1949 م ثم حصل علي شهادة العالمية مع الإجازة في التدريس عام 1371 هـ - 1952 الدكتوراه، وهو حاصل على شهادات في الدراسات العليا من كلية دار العلوم، وقد حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره وكان متفوقا في دراسته الثانوية والجامعية دائمًا، وقد تم تكريمه من الملك فاروق الأول لتفوقه الدراسى.

بدأ حياته الوظيفية في سلك القضاء الشرعي، ثم عمل بوزارة الأوقاف إمامًا، خطيبًا، واعظًا، ومفتشًا بمساجدها، ثم عمل بوزارة المعارف "التربية والتعليم"، "مدرسًا، معلمًا، مربيًا، مديرًا، وموجهًا بمدارسها الثانوية، وقد تتلمذ على يديه الكثيرون من الشباب والكبار.

كان عازفًا عن المناصب القيادية زاهدا فيها وكان عاشقا متمسكا بتراب وطنه لا يميل الي الغربة والوحدة لذا كان يرفض دائمًا كثير من عروض السفر للعمل بالخارج للتدريس بالجامعات لبعض البلدان العربية وكان لا يحب الظهور في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لأنه كان يعمل في صمت وهدوء بعيدا عن الأضواء والشهرة الزائفة فهو العالم الموسوعي والداعية المعتدل والكاتب والخطيب والمحاضر المعتصم بالله.

كان الشيخ الراحل يتسم أيضًا بسعة الصدر والأفق مع الحزم وضبط النفس، وكان يكافح التخريف والتحريف والتظاهر والرياء والتعصب والتطرف والضعف داعيا الي الوسطية والسماحة والحب والسلام والعلم والعلاقة بالله مكافحا للجمود والجحود والتخلف وكان محبا لجميع أولياء الله وكان قلبه دائمًا مع الحق وكان يردد دائمًا "علينا أن نجعل من سلوكنا العملي قدوة ودعوة الي الله"، و"مَن أحب الله وجد كل شيء جميلا"، وكان مؤمنا دائمًا بأنه لا خير في الكلام إلا مع العمل ولا الفقه إلا مع الورع ولا الصدق إلا مع الجود ولا الحياة إلا مع الصحة وكان يقول دائمًا: ( أفضل الرجال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة وأنصف عن قوة).

له نشاطه الدينى المعتدل فى مقالاته ببعض الجرائد والمجلات وله خطبه ومحاضراته ودروسه المخطوطة والمسجلة على الكاسيت وغيره بالمساجد.

توفي "شلبي"، في نفس يوم ميلاده فى شهر يوليو عام 2003 م، بضاحية المعادي بالقاهرة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

جميل حسين الساعديلقب بالناصري نسبة إلى مدينة الناصرية

هو الشاعر الرومانسي عبد القادر رشيد الناصري، الذي و لد في مدينة السليمانية في العام 1920 من أبوين كرديين، والذي نُفيَ والده الحاج رشيد إلى مدينة الناصرية، بسبب دعمه ومناصرته للثورة الكردية، التي قادها الشيخ محمود البرزنجي، وقد أمضى بقية حياته فيها، بعد أن تزوّج للمرة الثانية من واحدة من نساء المدينة، هي السيدة (نعيمة علي حسين الولي).

في الناصرية أتمّ الشاعر تعليمه في مدرسة المركزية الإبتدائية، بعدها واصل دراسته في المتوسطة المركزية، إلا أنه لم يتمكن من إتمام دراسته، فانصرف إلى تثقيف نفسه ذاتيا، ثمّ انتقل إلى بغداد ليعمل جنديا متطوعا في الجناح الفنّي للقوة الجوية، وبعد أن أنهى خدمته هناك، عملَ منضّدا للحروف في مطابع عدد من الصحف إضافة إلى عمله كمصحح لغوي . تمّ إيفاده إلى باريس في العام 1950 لغرض الدراسة، وذلك بتوصية من وزير المعارف آنذاك نجيب الراوي، الذي أُعجب بشاعريته، لكنه سرعان ما عاد أدراجه إلى بغداد بسبب تغيير وزاري، ليشغل وظيفة بسيطة في أمانة العاصمة . لُقّب ب (الناصري) نسبة إلى مدينة الناصرية، التي عاش فيها،وظلّ اللقب ملازما له طيلة حياته، وكان فخورا بلقبه هذا ومعتزا به، فكلّ ما نشره من قصائد ومقالات في الصحف والمجلات كان باسم

(عبد القادر رشيد الناصري)، الاسم الذي عُرفَ به بين الناس وفي الأوساط الأدبية والثقافية . لم يعش الشاعر طويلا، فقد أدركته المنية إثر نوبة قلبية وذلك في العام 1962 ودفن في مقبرة الغرباء.

وقد وصفه أحد الأدباء، ممن كان يعرفه عن قرب: (كان الناصري من أكثر الشعراء العراقيين شهرة في العراق والعالم العربي في ذلك الوقت، وكانوا يشبهونه بالشاعر الإنجليزي اوسكار وايلد لوسامته وبوهيميته ورقّة شعره)

للشاعردوواوين كتب مقدماتها أدباء ومثقفون عراقيون وعرب معروفون، مثل الشاعر هلال ناجي، ومحمد رضا الشبيبي، وسامي الكيالي، وعبدالله الجبوري، وعبد الكريم راضي جعفر، فقد صدر في بغداد  1939 ديوانه (ألحان الألم) عن مطبعة الأهالي، وصدر ديوانه (صوت فلسطين) في بغداد 1948 عن مطبعة الجامعة، أما الجزء الأول من ديوان (عبد القادر رشيد الناصري) فقد صدر عن مطبعة شفيق في بغداد 1956، وصدر الجزء الثاني عن مطبعة العاني في بغداد 1966، وقد جمعه وقدّم له هلال ناجي وعبدالله الجبوري، أمّا الجزء الثالث فقد قامت بإصداره دار الشؤون الثقافية في بغداد 1992، وكان من جمع وتحقيق ودراسة عبد الكريم راضي جعفر.

ينتمي الناصري إلى مدرسة أبولو الشعرية، التي أسسها الشاعر أحمد أبو زكي شادي في العام 1932، وكان وكيلها الشاعر ابراهيم ناجي وانضمّ اليها عدد من الشعراء مثل: علي محمود طه، وأبو القاسم الشابي، ومحمد عبد المعطي الهمشري وجميلة العلايلي، وصلاح احمد ابراهيم وغيرهم ومن أهم سمات هذه المدرسة الشعرية : حب الطبيعة والولع بها، وتحرير الأبيات من وحدة القافية، حيث تتعدد القوافي في القصيدة الواحدة، فيكون لكل مقطع قافيته، وكذلك الميل إلى استخدام الرمز، والتأكيد على ذاتية التجربة الشعرية، وإظهار الحنين عن طريق بعث الذكريات من مخابئها وتذكر الأماكن المرتبطة بها مع ضرورة استخدام الألفاظ الرقيقة، التي تحرك المشاعر والأحاسيس الإنسانية لدى القارئ، وهذا ما نراه جليّا في قصائد الناصري، ومنها هذه القصيدة، التي أهداها إلى أديبة أسبانية شقراء جميلة، كانت ترافقه في مشاهدة الكرنفالات، التي أقيمت في باريس بمناسبة (عيد الحرية)

عَبَرَتْ بي وهي شقراءُ لها وجهٌ صَبُوحْ٢

في مَساءٍ تعبقُ الفتنةُ منه وتَفُوحْ

شاعريُّ الظِّلِّ مخضلٌّ له النُّورُ مُسُوحْ

قلتُ: يا ضاحكةَ العينيْن، ماذا لو أَبوحْ؟

أنا لو تدرينَ قلبٌ بِهوَى الغيدِ جريحْ

شاعرٌ طوَّفَ في الأرضِ فأَشقاه النُّزوحْ

سَئِمَ القيدَ «ببغدادَ» وأَدْمَتْهُ الجُرُوحْ

فأتى (باريسَ) في ظِلِّ الأماني يَسْتَرِيحْ

فرأَى حُلْمَ لياليهِ بِعينيكِ فهَامَا

 

وتسامى نغما يُشرقُ بالحبٍّ ضراما

***

وَوَقَفْنَا نَتَمَلَّى «السِّينَ» والليْلُ سُكونْ

الثَّرَى سِحْرٌ ونُورُ القَمَرِ الظَّامِي حنينْ

عُرُسٌ، فالوَرْدُ والأنْسَامُ رقصٌ ولحُونْ

وعَذَارَى الشُّهْبِ في حاشيةِ الأفْقِ عُيون

فَتعانقنا بِرُوحَيْنا وهزَّتنا الشُّجونْ

وَهَتَفْنَا: لمن الصَّهباءْ واللحْنُ الحَنُونْ

ها هُنا يحلو لِعُشَّاقِ اللَّذاذاتِ الجُنونْ

فَهَلُمِّي نتعاطاها فدُنيانا فتونْ

ما على مُغْتَرِبي دارٍ «بباريسَ» أقاما

 

أن أحالا الليلَ جامًا والمسراتِ مُداما

***

وانْتَحَيْنَا حانةً تَحْكِي أساطيرَ الليالي

السَّنَى في جوِّها الصاخبِ شرقيُّ المثالِ

واندفعنا بين حَشْدٍ من نساء ورجالِ

يتساقوْنَ على نَخْبٍ ليالي «الكرنفال»

قلتُ: يا مُلهمتي الشعرَ ويا وحيَ خيالي

أترعيها مِنْ جَنَى «بوردو»٣ ومِنْ تلك الدَّوالي

خمرةٌ تكشف للشاعرِ عن سِرِّ الجمالِ

ما علينا لو أذبنا الرُّوحَ في نارِ الوصالِ

أنتِ يا زهرةَ «مدريد» ويا زهوَ الدَّلالِ:

عيدُ أفراحي، وعِطرِي، ومُدَامي والنَّدَامى

 

قَرِّبي ثَغْرَكِ أسْكُبْ فوقَه رُوحي هُياما

***

قالتْ: اشْرَبْ! قلتُ: سِنْيورَا اشْربي نَخْبَ لِقانَا

لا تقولي قد خلا الحَانُ ولم يَبْقَ سِوَانَا

الهَوَى العاصفُ لا يَعرفُ للنَّجوى مَكانَا

نحن أغرودة حُبٍّ ردَّدَ الدهرُ صَدانا

ما علينا لو ختمنا بدمِ القلبِ هَوانَا

حَسْبُنا أنَّا احترقنا في جحيمٍ من أسانَا

قَدَرٌ نادَى، وقلبانِ أجابا مَنْ دَعَانَا

فعسى نبعث ذكرى (شهرزادٍ) والزَّمانا

وتلاقت شفتانا ساعةً كانت مَنامَا

 

أَمَرَ الحُبُّ فكنَّا في فَمِ الدنيا ابتساما 2667 عبد القادر رشيد الناصري

الشاعـر عبـد القادر رشيـد الناصري

فقد الناصري الكثير من قصائده قبيل وفاته في العام 1965، لتظهر فيما بعد بأسماء مستعارة، لكن

قصيدة(عازفة الكمان) التي كتبها في أحد مقاهي باريس سنة 1950 / 1951، والتي أملاها على الفنان التشكيلي سلمان داود الخلف، حينما كانا يدرسان معا في باريس (حسب رواية الأستاذ ناهض الخياط)، لم تظهر في ديوانه الصادر في بغداد عن مطبعة شفيق في العام 1965، والذي ضمّ 135 قصيدة وقد أشار محقق الديوان الأستاذ كامل الخميس بأنّه لم يتمكن من الوصول إلى جميع قصائده، ومن جميل الصدف أنني في

برلين كتبت قصيدة بنفس العنوان (عازفة الكمان)، ونشرتها في عدد من المواقع الأدبية، ويسعدني أن أقدم للقراء القصيدتين، قصيدة الناصري وقصيدتي

عازفة الكمان / شعر عبد القادر رشيد الناصري

جسي الكمنجة منها ينبعث نغم

وروي فينا بأوتار القلوب هوى

فضي حناجر طير الأيك وأقتبسي

وردديها على العشاق ثانية

ما لحن داوود ما آهات مزهره

كأن كفك إذ تهفو على وتر

تبارك الفن لولا الفن ما انفتحت

جسي الكمنجة تنساب اللحون صدى

ورجعيها اغاريدا نطير بها

وزودينا ففي اعماقنا عطش

نكاد بالوهم نحسو من تشوقنا

كأنما أنت في آفاق نشوتنا

وكل جارحة منا غدت أُذنا

جسي الكمنجة يا حسناء وأذكري

ناء عن الصحب في باريس منفرد

يطوي على ذكريات الأمس مهجته

لعل لحنك يأسو جرح غربته

كالسحر ينساب في سمع المغنينا

أشهى اللحون كما شاءت أمانينا

أرق أنغامها شجواً وتلحيناً

لعل لحنك ينسينا مآسينا

فداء أوتارك البيض المغنونا

نسائم الفجر ترتاد الرياحينا

على الجمال عيون المستهامينا

فؤاد كل محب فيك مفتونا

على جناح خيال فيك يدنينا

وفي جوانحنا الشواق تصلينا

شجي لحنك صهباء فروينا

روح من الملأ الأعلى يناجينا

لغير صوتك لا نهفو فغنينا

مد لها في ضفاف السين محزونا

يهفو لليلات بغداد آحايينا

والذكريات عزاء للمصابينا

قاسمتك الوجد، في شدوي وتلحيني

إذ ما يزال غريب القلب مطعونا

***

عازفة الكمان / شعــر جميل حسين الساعدي

أعيدي اللحْـنَ عازفـــــــةَ الكمـــــانِ

فكـمْ في اللحــنِ هــذا مِــــنْ معـــانِ

 

فؤادي لــمْ يـزلْ طفـــلاً وديعــــــاً

برغــمِ توجّعــــي ممّـــا أعـــــاني

 

وبين جوانحــي  يهفــــــو حنيــــنٌ

إلــى مــا فاتَ في ماضــي الزمانِ

 

أعيدينــي إلى لَعِبي ولهـــــــــــوي

إلى دنيـــا اندهاشي وافتتانـــــــــي

 

إلى زمــنِ الطفولــــةِ حيثُ أغفـو

قـــــريرَ العينِ في حضْنِ الحنــانِ

 

إلى زمـــنٍ تراءى مثلَ طيـــــفٍ

ومـرَّ مرورَ أحــــلامِ الحِســــانِ (1)

 

وخلّفَ بعدهُ زمنـــــاً عصيبـــــا ً

عنيــــداً قدْ خســرتُ بــهِ رهاني

 

أعيدي اللحنَ ثانيةً أعيـــــــــــدي

وصبّي خمـــرَ لحنكِ في دِنـــاني

 

فإنّــي مُنتشٍ باللحـــنِ حتّــــــــى

كأنّـــي قد سكـــــرتُ بخمرِ حانِ

 

أنــا من طافَ في البلدانِ طــــولاً

وعرضــاً سائرا ً خلفَ الأمـــاني

 

أهـــاجرُ من بلادٍ نحْــوَ أخــــرى

لأحيـــا مُطمئناً فــــي أمـــــــــانِ

 

فتسخــــرُ حينها الأقدارُ مِنّــــــي

لأنّي لـمْ أجــــدْ يومــا ً مكــــاني

 

تعقّبنــي الجحيــمُ على دروبـــي

يُنــــادي لا وصــولَ إلى الجِنانِ (2)

 

أنا فــي كلّ أرضٍ تبتغيـــــــــها

ترى نـاري هنــاكَ مــعَ الدخانِ

 

تجاهلتُ النـــــداءَ وقلتُ صبراً

فبالغت الليـالي فــي امتحـــاني

***

أعيدي اللحـنَ أسمعــــهُ بقلبــــــي

أنا المولودُ مِـــنْ رَحِــمِ الحنــــانِ

 

رقيـــقُ الطبْــعِ لكنّــــي عصـــيٌّ

على مُتجبّـــــرٍ يبغـــــي هَـوانـي

 

جُبلتُ على الطبيعـةِ لا أحــابي

وما في القلبِ يجري في لساني

 

أصــاحبُ كلّ مسكيــنٍ فقيـــــرٍ

عزيز النفسِ يُخفي ما يُعــــاني

 

فأوثــرهُ علـــى نفسـي وأهلــي

وأرفعـــــهُ إلى أسمى مكــــانِ

 

وليسَ بصاحبي رجلٌ بخيــــلٌ

ولا أرجــو الشجاعةَ من جبانِ

 

هوَ الإنســانُ يفنــــى ذاتَ يومٍ

وتتبعــــهُ المصـــانعُ والمباني

 

فإنّ العمْــرَ مهما طالَ يبقــــى

قصيــــراً كالدقائقِ والثوانـــي

 

أعيـــدي اللحْـــنَ ثانيــةً وغنّــي

معي بيتـــاً تردّدَ فـي جَـنانـــــي

 

(أضاعوني وأيَ فتىً أضاعوا)

فآهٍ ثــمَّ آهٍ يـــــــا زمـــــاني(3)

***

جميل حسين الساعدي

برلين السادس من نيسان 2020

.................................

1 ـ الحســان: جمع حسنــــاء

2 ـ الجنان : القلب

3 ـ صدر البيت المحصور بين قوسين هو من بيت للشاعر العرجي، وهو شاعر غزل مطبوع من شعراء العصر الأموي

والبيت هو:

أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا *** ليومِ كريهـــةٍ وسدادِ ثغْــرِ

 

 

يسري عبد الغنيالدكتورة فاطمة محجوب، عالمة من الوزن النفيس، فقد خدمت دينها وأمتها في مجال التأليف والموسوعات، وهي مؤرخة وعالمة لغوية، وتعد الموسوعة الذهبية في العلوم الإسلامية واحدة من أهم الموسوعات التي أثرت المكتبة العربية الحديثة، وقد قامت بترتيب هذه الموسوعة ترتيبًا أبجديًا ونشرت في تسع مجلدات، ويتضمن العمل تسعة مجالات في علوم الدين الإسلاميّ، مثل: تفسير القرآن الكريم، والعقيدة، والفقه.

وبالإضافة إلى ذلك تتضمن الموسوعة أبوابا في دراسة العلوم التي بَرَع فيها العلماء المسلمون، مثل: الجغرافيا، والتاريخ، والطب، وعلم العقاقير والرياضيات، وعلم الفلك والكيمياء وفن العمارة الإسلامية.

ولدت الدكتورة فاطمة محمد محجوب بالقاهرة عام 1925م، لأب كان على وعي بأهمية تعليم الفتاة وتنشئتها التنشئة الصالحة، فألحق ابنته فاطمة بالتعليم فحصلت على الشهادة الابتدائية عام 1936م، وكانت البيئة المدرسية تشجع على تحبيب التلميذات في التدين والإقبال على المواد الشرعية، فكانت مديرة المدرسة إنصاف سري رحمها الله تحرص على احتشام الفتيات .

وفي مرحلة التعليم الثانوي حصدت فاطمة محجوب المركز الأول على القطر المصري في القسم الأدبي، ثم قدمت أوراقها لكلية الآداب جامعة القاهرة،  ولكن والدها ، سحب أوراقها والتحقها بمعهد التربية للبنات الذي أصبح فيما بعد كلية بنات جامعة عين شمس، والتحقت بقسم اللغة الإنجليزية، وبعد التخرج عملت بتدريس اللغة الإنجليزية في وزارة التربية والتعليم إلى أن وصلت لمفتشة أولى.

 أوفدتها وزارة التربية والتعليم إلى بريطانيا للدراسة في جامعتي "درهام"، و"ليفربول"  ثم أوفدتها مرة أخرى إلى أمريكا للحصول على الماجستير والدكتوراه في علم اللغة، فحصلت على الماجستير والدكتوراه في علوم اللغة من جامعة تكساس الأمريكية.

بعد التخرج عملت أستاذا مساعدا لعلم اللغة بكليات البنات الإسلامية جامعة الأزهر، ثم أستاذة زائرة لعلم اللغة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكلية البنات بمكة، وتفرغت منذ عدة سنوات لإعداد الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية، هذا بجانب دائرة معارف الناشئين التي قامت بكتابتها وطبعت عام 1957م، ضمن سلسلة الألف كتاب من دار الهلال ودائرة معارف الأطفال، ثم دائرة معارف الشباب من دار النهضة، إلى جانب مؤلفات في علم اللغة والشعر العربي.

وحول الجديد الذي تحمله الموسوعة الذهبية في العلوم الإسلامية قالت الدكتورة فاطمة محجوب في حوار لها  عن الموسوعة الذهبية: الموسوعة تعني عناية بالغة بالعلوم الإسلامية، والعلوم التي نبغ فيها العلماء المسلمون وأثروا بها الحضارة الإسلامية.

 هذا إلى جانب تراجم العلماء، والموسوعة تحوي العلوم الشرعية، مثل: علوم القرآن، وعلم الحديث، والتوحيد والعقيدة والفقه وأصوله، والسيرة والتصوف، هذا إلى جانب العلوم العقلية، مثل: الجغرافيا، والتاريخ، والطب، والصيدلة، والحساب، والجبر، والرياضة، والهندسة، والفلك، والطبيعة، والكيمياء، وعلم العمارة الإسلامية، وعلم الوراثة، والخطاطة.

 وقالت: هذه المحاور تعينني بشدة، وهي أن يكون طرح الموسوعة إسلاميا بحتا، وأرجع المعلومة إلى أصلها وأصحح كثير من الأخطاء التي أدخلها الإعلام والتغريب حول المرجعية الإسلامية لكثير من العلوم الحديثة. ولقد لفت نظري منذ فترة التقدمة التي أشارت إليها إحدى المجلات ، وهي تعرض إحدى الموسوعات بأن فيها كل العلوم وما يميزها خلوها من العلوم الشرعية واللغة العربية، ولذا كان دأبي على التأكيد والاهتمام الخاص بتلك العلوم.

وتنصح الدكتورة فاطمة محجوب الأمهات والآباء بالحرص على الموسوعات الإسلامية داخل مكتبة الأسرة، كما تنصحهم بالعناية بتعليم أبنائهم لغتهم اللغة العربية فتقول: أساس النجاح والتفوق في كل المجالات العلمية هو إتقان اللغة الأصيلة، وهي العربية، لغة القرآن الكريم، وسبيل إتقان اللغة العربية هو حفظ القرآن الكريم منذ الصغر.

والحفظ الجماعي يسهل على الطفل سرعة الاستيعاب، كما كان يحدث في الكتاتيب. هذا إلى جانب أهمية المدرس الصالح القدوة.

وهناك جانب مهم بالنسبة لاستيعاب الطفل والطالب عموماً، وهي المعلومة المنظومة، فالنظم يسهل الحفظ، كما في ألفية بن مالك. وألفية السيوطي في علم الحديث.

 والمسلمون الأوائل اهتموا بالنظم في كل العلوم، وكان هذا أيسر في الحفظ، وتثبيت المعلومات، فليتنا نعيد لأولادنا هذا المنهج في التدريس، ونهتم كآباء ومربيين باللغة العربية قبل اهتمامنا باللغات الأخرى. هذا إلى جانب أهمية اختيار المواد الإعلامية المعروضة للطفل، والتي تراعي فيها صحة اللغة، وصحة نطقها هذا إلى جانب الكتاب الجيد، واستبعاد كل ما هو مكتوب بالعامية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيوُلد صالح جودت في 12 ديسمبر عام 1912، بالقاهرة. كان جدّه جودت باشا (1813 - 1894) أديباً وسياسيًّا تركيا مُحنكاً، وكان وزيرًا بالدولة العثمانية وينشر مؤلفاته بالتركية والعربية والفارسية، أما ابنه إسماعيل فقد نشأ ثائرًا ولعب دورًا بارزا في مقاومة السلطات التركية فتعرض للاضطهاد والتشريد ففرّ إلى مصرَ ولم يلبث أن أحبها وأحب المصريين وراح يمارس هوايتـه في الثورة والكفاح من أجل حريَّةِ مصرَ وعزتها، ويكفي أن نعلم أنه كان واحدًا من أبرز رجال الثورة العرابية، وطورد وتم القبض عليه ومحاكمته وصدر الحكم بنفيه إلى السودان لمدة ثلاثة أعوام، لكنهم ارتابوا من وجوده بالسودان خشية أن يمارس دوره هناك في إثارة الناس ضد الخديوي والأتراك والإنجلي ، فأعيد ترحيله إلى تركيا (بلده الأول)، وهناك أنجب ابنه كمال الدين عام 1882، وبعد أربعة عشر عاما لم يجد إسماعيل مفرًّا من العودة إلى مصر، فعاد عام 1896 وفي صحبته ابنه اليافع الذي تشرب الثورة وحب مصر من أبيه، راح إسماعيل يشتغل بالمحاماة، ولأنه يمتلك مكتبة منزلية تزخر بأمهات الكتب في الأدب والتاريخ والقانون فقد غرس في ابنه حب القراءة والتثقف، وسار الابن في مراحله التعليمية بنجاح ليتخرج في النهاية تخرج مهندسا زراعيا يرتحل في الإقليم المصري من محافظة إلى محافظة، وبسبب ذلك أصدر كتابا يصف مصر كلها شعرًا، وُصف بأنه تحفة أدبية.

في عام 1908 تزوج كمال الدين سيدة تجمع بين الأصل التركي من ناحية والدها، والأصل المغربي من ناحية والدتها، وشاء القدر أن يولد صالح جودت بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية في لحظة ما كان أبوه يصارع الموت بالمستشفى، فأسمته أمه عبد الرحمن (على اسم أبيها)، ونجح الأطباء في إنقاذ الأب الذي ثار ثورة عارمة، وقام بتغيير اسم ابنه إلى صالح يمُّنًا بشقيقه صالح، نجم الأدب والقانون في ذلك الوقت وأصدر إعلاما شرعيا بذلك.

عادت الأسرة إلى القاهرة، وشهدت السنوات الأولى تفوقا ملحوظا لصالح جودت إذ بدأ يكتب تجاربه الشعرية في سنّ السابعة مقلدا شوقي، ثم نال الشهادة الابتدائية قبل أن يكمل العاشرة، وهو أصغر من نالها في تاريخها، غير أنه فشل في اجتياز السنة الأولى من المرحلة الثانوية لمدة ثلاثة أعوام متتالية بسبب غروره إذ حياه مدير المدرسة في اليوم الأول، وأشاد بتفوقه على الملأ في طابور الصباح، فأصابه ذلك بالغرور الذي أفقده اتزانه وأضاعه لمدة ثلاثة أعوام، وكانت الحسنة الوحيدة هي تعرفه بالموسيقار محمد عبد الوهاب الذي كان معلم الموسيقى بالمدرسة، ومع انتقال أبيه للعمل بالمنصورة ألحقه هناك بالمدرسة الثانوية فعاد إلى التفوق والمحافظة على ترتيب الأول حتى النهاية، وشاء القدر أن يلتقي على أرض المنصورة بأربعة من الشعراء، إبراهيم ناجي (الطبيب)، وعلي محمود طه (المهندس)، ومحمد عبدالمعطي الهمشري ومختار الوكيل اللذين كانا زميلين لصالح بالمدرسة الثانوية، وراح هذا الخماسي يقتنص الوقت كله في الشعر والأدب، وحدث نوع من التلاقي الشديد بين أرواحهم وأخيلتهم، ومع انتهاء الدراسة الثانوية عادوا جميعا إلى القاهرة ليواصل الشاعران ناجي وطه عملهما، وليلتحق الثلاثة بالجامعة، والتحق صالح بكلية التجارة تهرّبا من الأدب بسبب صدمة تلقاها بعد أن ظل ينشر ـ وهو في الثانية عشرة ـ لمدة خمسة أعوام، بدأت بقصيدة مديح ليوسف وهبي وفرقته، ونُشرت في ثلاث مجلات معـًا، ثم حدث أن هوجمت أم كلثوم فكتب صالح مقالا بديعا في الدفاع عنها وأرسله إلى مجلة الصباح فنشروه بتوقيع الأستاذ الكبير صالح جودت (ربما اختلط عليهم الأمر وظنوا أن المرسل هو عمه، الأديب ورجل القانون الشهير، كان مستشارًا وقتها)، وظلوا ينشرون له أسبوعيا خمسة أعوام بهذا التوقيع، وفي مرة ذهب ليتعرف على رئيس التحرير، فلما رآه رئيس التحرير سأله: فين أبوك يا شاطر؟، فأفهمه صالح أنه هو شخصيًّا صالح جودت الذي يرسل له المقالات طوال الأعوام الخمسة، فاحتد رئيس التحرير ولم يمهله دقيقة وقام بطرده من مكتبه بنوع من الاستهزاء والاستهانة، وكانت الصدمة التي جعلته يقرر الابتعاد عن هذا السلك.

جماعة أبولو ......الله النيل الحب.

التحق الشعراء الخمسة بجماعة أبولو التي أعلن عن تأسيسها في سبتمبر 1932، وعقدت اجتماعها الأول برئاسة أحمد شوقي في العاشر من أكتوبر 1932 (ورحل شوقي بعد أربعة أيام)، وكان للجماعة مجلة باسمها أحدثت نوعًا من الحراك الأدبي الكبير بالرغم من توقفها بعد خمسة وعشرين عددًا فقط.

فتحت المجلة أحضانها للجميع، وراحت تنشر لهم وتشجّعهم بشكلٍ غير مسبوق، لدرجة أننا قد نجد للشاعر الواحد أكثر من ثلاثة أعمال في العدد (وكثير من الأعمال نلمس فيه روح المجاملة لفرط سذاجته وسطحيته، وربما كان ذلك من قبيل التشجيع وإعطاء الثقة).

أثناء دراسته بكلية التجارة أصدر صالح جودت ديوانه الأول في مارس 1934، وكان عنوانه ديوان صالح جودت، وفجأة أعلن الاعتزال والتوبة عن الشعر والعودة إلى المسجد: ولكن لم يلتفت إليه أحد إذ ما لبث إبراهيم ناجي أن أعلن اعتزاله أيضا بعد صدور ديوانه الأول وراء الغمام في منتصف أبريل 1934، بعد الهجوم الشرس الذي شنه ضده الكبيران طه حسين وعباس العقاد ومعسكراهما، فضاعت تهديدات صالح جودت في غبار الأصداء الطاغية لمعركة ناجي وعاد كلاهما إلى الشعر.

تخرّج صالح جودت في 1937 وعمل مديرًا للبحوث الاقتصادية ببنك مصر، ثم وجد دخله من كتابة القصص والأغاني والبرامج الإذاعية يعادل أربعة أمثال دخله من الوظيفة، فقرر ترك الوظيفة إلى عمل أقرب إلى الأدب، فترك البنك إلى جريدة الأهرام ليعمل محرِّرًا فنيا صباحًا وسياسيا في المساء، فقد كان يجيد الترجمة وكانت الجريدة بحاجة إلى أمثاله لتغطية أخبار الحرب العالمية الثانية،

وبالرغم من تعامله مع عدد من الملحنين الكبار أمثال عبدالوهاب ، فإن مجيء فريد الأطرش إلى مصر جعل من صالح جودت واحدًا من أصدقاء فريد وأسرته وبدأ يكتب له (فصحى وعامية)، ومنذ بدايات الإذاعة بدأ صالح يدخل دائرة أضوائها بأشعاره وكلماته المغناة أو بمشاركاته البرامجية، وقد شارك بقصيدة مغناة في يوم تتويج الملك فاروق ، كما كتب له أنشودة الفن التي غناها عبدالوهاب، وعلى عدة جبهات انتشر اسم صالح جودت وذاعت شهرته، غير أنه أصيب بمرض نفسي قاتم أدخله مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية لفترة موجعة، وبعد أن تجاوز محنته عاد أكثر حيوية وأشد قوّة ليواصل ارتقاءه في السلم الصحفي حتى وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس إدارة دار الهلال، ورئيس تحرير مجلة الهلال العريقة التي وافاه الأجل وهو على رأس أسرتها.

أصدر الشاعر ستة دواوين شعرية، أولها ديوان صالح جودت (1934) وآخرها الله، والنيل، والحبّ (1975)، وله ست دراسات أدبية في ستة كتب بالغة الثراء، وله روايتان، وسبع مجموعات قصصية، وعدد من كتب الرحلات ، بالإضافة إلى سيناريوهات بعض الأفلام، أما الغناء فيكفي أن نقول إن جميع الكبار غنوا من أشعاره وكلماته: عبدالوهاب وأم كلثوم وفريد الأطرش وليلى مراد ومحمد فوزي وعبدالحليم وشادية وفايزة ووردة.. إلى آخر القائمة، ولكن تظل أنشودة الفن رأس البدايات، بينما تأتي الثلاثية المقدسة لأم كلثوم رأسًا لهرمه الغنائي كله.

ومع كل هذا التنوّع الإبداعي الثري، فإنه ـ الإبداع ـ لم يأخذ حقه لا في حياة الرجل ولا بعد وفاته. لأن صالح جودت الإنسان جنى على صالح جودت المبدع، فقد كان صالح جودت ماهرًا في اكتساب الأعداء، يهاجم بقسوة، وينتقد بفظاعة، ويمدح بلا سقف ثم ينقلب في لحظة، مدح فاروق وأوصله إلى عنان السماء، ثم مسح به الأرض وتفرّغ لمدح عبدالناصر، ويكفي أن نعلم أنه الوحيد الذي كتب قصيدة وغنتها أم كلثوم يوم أن أعلن عبدالناصر التنحي وهي قصيدة حبيب الشعب (قمْ واسمعْها من أعماقي)، وبعد رحيل عبدالناصر انقلب عليه وظل يكيل له ولعصره ما وسعه من انتقادات، وفي المقابل يمدح الرئيس السادات ويمنحه ما تيسّر من الصفات والألقاب، أما المبدعون فلم يسلم من قلمه إلا من رحم ربي خصوصا أهل الشعر الحر أو التجديد، بالرغم من أنه ـ في بداياته ـ كان متهما بأنه من المجددين (أبولو)، وكان البعض يشبه كتاباته ضد الشعراء ـ والأدباء بصفة عامة ـ بأنها بلاغات لجهات الأمن، وأنها وشايات مُقـَنَّعة يُراد بها تدمير الآخرين، وليس أدل على ذلك من كونه السبب في منع إذاعة أغنيات نزار قباني بالإذاعة المصرية عقب نشره قصيدته الشهيرة هوامش على دفتر النكسة وتعدى الأمر ذلك إلى المطالبة بمنعه من دخول مصر، ولم يرفع الظلم عن نزار إلا عبدالناصر نفسه ، وهناك من المواقف ما يضيق المجال عن حصره.

وفاته

رحل صالح جودت في 23 يونيو 1976، وبالرغم من مرور كل هذا الزمن فإن أحدًا لم ينفض الغبار عن تركته الإبداعية الثرية المتنوعة وعلى رأسها الشعر ، فهل سيظل إبداع صالح الأديب يدفع ثمن مواقف صالح جودت الإنسان.

أعماله الشعرية

 ظهرت عليه علامات النبوغ وبوادر موهبته الشعرية منذ كان طالباً بالمرحلة الثانوية. وتعرف في المنصورة على الشعراء علي محمود طه وإبراهيم ناجي والهمشري حيث تصادف إقامتهم فيها إما للعمل أو للدراسة في الفترة من سنة 1927 إلى سنة 1931. وعاصر صالح ثورة 1919، وانفعل بها فصقلت وجدانه وألهبت روحه، فأحب ديوان صالح جودت (جمعية أبوللو)، عام 1932.

* ليالى الهرم، عام 1957.

* أغنيات على النيل، عام 1961.

* حكاية قلب، عام 1967.

* ألحان مصرية، عام 1969.

* الله والنيل والحب، عام 1974.

* كبرياء.

* ظمآن.

* ميعاد ليلة الأحد.

* من القلب.

* إبراهيم المازني.

* الإسكندرية.

* دمشق.

أعماله النثرية

روايات

* شريين، عام 1947.

* عودى إلى البيت، عام 1957.

* وداعا أيها الليل، عام 1961.

* الشباك، عام 1972.

قصص القصيرة

* فى فندق الله، عام 1954.

* كلام الناس، عام 1955.

* كلنا خطايا، عام 1962.

* أولاد الحلال، عام 1972.

أدب الرحلات

* قلم طائر، عام 1965.

* أساطير وحواديت، عام 1966.

تراجم

* بلابل في الشرق، عام 1966.

* ملوك وصعاليك، عام 1964.

* ناجي: حياته وشعره، عام 1965.

* شعراء المجنون.

ترجمات لهمنجواي

* العجوز والبحر، عام 1965.

* سيدتى الجميلة.

* روميو وجوليت، عام 1946.

جوائز وتكريمات

* وسام النهضة الأردنى 1951.

* وسام العرش المغربى 1958.

* وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى 1959.

* ميدالية العلوم والفنون.

* جائزة أحسن قصيدة غنائية في السد العالى 1965.

* جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية 1958.

قالوا عنه،

 مقال للأستاذ المؤرخ وجدي الجافي، نشر بجريدة الأخبار المصرية، 25 يونيو عام 2006.

الفن مين يعرفه إلا اللي عاش في حماه

والفن مين يوصفه إلا اللي هام في سماه

والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه

والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه

كانت هذه بداية أنشودة الفن التي صاغها وأبدعها شاعرنا الرقيق الجميل الأصيل وعبر فيها خير تعبير عن قيمة الفن وأهميته في حياتنا انه الأديب الكبير الناقد الصحفي الحر اللامع وشاعر الملوك والزعماء والعظماء صالح جودت.. ولد في تاريخ عجيب يحمل رقم '12' ثلاث مرات فقد ولد يوم الخميس 12/12/1912 بمدينة الزقازيق حيث كان والده كمال الدين جودت يعمل مهندسا وتلقي صالح دراسته الابتدائية في مدرسة مصر الجديدة ثم الثانوية في المنصورة وبدأ يقرض الشعر وهو طالب بكلية التجارة واتجه في شعره نحو الرومانسية وكان من جماعة أبوللو، وعقب تخرجه عمل مديرا للدعاية في بنك مصر مراسلا صحفيا لمجلة الصباح ثم عمل في الإذاعة المصرية وكان رئيسا لتحرير مجلة الراديو وشارك في إنشاء إذاعة صوت العرب يوم 4 يوليو 1953 وفي الصحافة عمل في جريدة الأهرام ودار الهلال محررا ثم مديرا فرئيسا للتحرير ونائبا لمجلس الإدارة وكتب في الرواية وأدب الرحلات وله العديد من التراجم الادبية مثل سناجي، الهمشري، شعراء المجون، ملوك وصعاليك وبلابل من الشرق'.

ومن دواوينه الشعرية 'ليالي الهرم.. اغنيات 'علي النيل' وكتب قصصا وحوار أفلام مثل 'أيام شبابي' لشادية، 'المظ وعبده الحامولي' لوردة وعادل مأمون و'حواء لا أنام' لفاتن حمامة وكتب أغاني لملك مصر فاروق الأول التي شدا بها موسيقار الاجيال محمد عبدالوهاب مثل 'الفن، الشباب، هل السلام' كما كتب للملك عبدالعزيز آل سعود ملك السعودية عندما زار مصر واستقبله الملك فاروق أغنية 'التاجين' وكتب أغنية 'يا أغلي من أمانينا وأحلي من أغانينا يا زين الدنيا يا دنيا' التي احيابها الموسيقار الكبير فريد الاطرش حفل زفاف جلالة الملك حسين بن طلال ملك الاردن علي الملكة 'المصرية' دنيا في ابريل عام 1955 وكتب '3' قصائد لكوكب الشرق أم كلثوم 'أذكروه خلدوه' عن الزعيم الاقتصادي محمد طلعت حرب باشا وابق يا حبيب الشعب عندما طالب الشعب الرئيس جمال عبدالناصر في البقاء رئيسا لمصر بعد التنحي يوم 9 يونيو 1967 ثم الرائعة الثلاثية المقدسة وكلهما من ألحان العملاق رياض السنباطي وكتب صالح جودت لعمالقة الغناء مثل قصائد فريد الاطرش 'يا زهرة في خيالي، اسال الفجر، والغروب' ولفايزة أحمد 'قاهرتي، شارع الأمل' وللرشيق محمد فوزي 'يا جارحة القلب، ¬اسم الهوا، ¬ لغة الورد' وشادية 'أحبك' لعبدالوهاب، 'بنات الفن' للقصبجي، الله أكبر للسنباطي' وكان صالح سببا في شهرة أحمد صدقي عندما لحن كلماته التي شدت بها ليلي مراد 'رايداك، المية والهوا' وكتب لكارم محمود 'ما اسمك بين الاسامي' ولسعاد محمد 'يا حبيبي يا رسول الله'!.. وبعد صراع طويل مع المرض لبي صالح جودت نداء ربه يوم الثلاثاء 22/ يونيو عام .1976

مواقف وآراء

أم كلثوم

ذات يوم تأثرت أم كلثوم بكلام اذاعي يحض على الصفح والخير ويوضح موقف الاسلام من التفرقة العنصرية، فما كان منها الا ان طلبت من الشاعر صالح جودت ان يشرع في نظم قصيدة لتنشدها غنائيا حيث جاء في مطلعها: الواحد الرحمن، من كون الاكوان، ولون الالوان، وابدع الانسان، يا اخي في الشرق والغرب سلاما وتحية، يا اخي من كل لون ولسان وهوية، كل انسان على الارض اخي في البشرية . وكان صالح جودت يقول عن علاقة الشاعر أحمد رامي بأم كلثوم أنها ('ليس حب رجل لامرأة.. كان حب مثل حب الإغريق لآلهة الأوليمب.. أول رامي ما عرف أم كلثوم سنة 24 وهو يحس نحوها بنوع من الغيرة السامية.. نوع من الرغبة في الصيانة والحراسة) .

الشعر الحر

وكان صالح من جماعة أبوللو، وكان له رأي في الشعر الجديد قال عنه إنه ليس شعراً وليس جديداً، مما أغضب عليه أنصار هذا النوع ممن يطلقون على أنفسهم الشعراء المجددين.

السياسة والصحافة

في خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمره انهالت عليه الخصومات من كل حدب وصوب بسب كتاباته السياسية، ولكنه كان صادقاً مع نفسه في كل ما يكتب. وكانت له مقوله مشهورة "إني أتكسب من الصحافة لأنفق على الشعر "

أحمد شوقي

كان صالح جودت يقول ان رابطة روحية واتصال وجداني ربطا بينه وبين أمير الشعراء، وكان يعظمه على كثير من الشعراء ويعتبره نبي الشعر بعد المتنبي.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الرضا عليلقطات من زيارته لجامعة الموصل ⁽¹⁾

1- حينَ عرضتْ جامعةُ الموصل على ثالث النهرين ضيافته، ليفتتحَ موسمها الثقافي لسنة 1980م،  اشترطَ أنْ يصحبه في الزيارة صديقاه الحميمان: الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور عليّ جواد الطاهر (رحمهم الله)، فما كان من رئيسِ الجامعة المرحوم الدكتور محمّد مجيد السعيد (آنذاك) إلاَّ أنْ يُبادرَ بتكليفِ زميلي الدكتور سعيد جاسم الزبيدي بالاتصالِ بهم، وتحديدِ موعدِ الزيارةِ، ومرافقتهم في الرحلةِ من بغداد إلى الموصلِ.

لكنَّ سعيداً الزبيديَّ لم يوفقْ في إصعادِهم الطائرة في اليومِ المحدّدِ للسفرِ إلى نينوى، فقد أُلغيتِ الرحلةُ، فهاتف رئيس الجامعة، وطلبَ موافقتهَ في نقلهم بالسيّارات إلى الموصل، فأرسلَ السيِّد رئيس الجامعة سيّارتين إلى بغداد، كانت الأولى سيّارته، وكانت الثانية سيّارة نائب رئيس الجامعة.

2- كانت حفاوة استقبال الجواهري وصديقيه حفاوة لم تعرفها الموصل، وقد تجلّت حرارتها حين خرج رئيس الجامعة ونوّابه وبعض أساتذة الجامعة إلى الطريق المؤدّي إلى بغداد، وانتظروه على مبعدة ثلاثين كيلومتراً، فكان لذلك الاستقبال الوقع الحسن في نفس الجواهري، وصديقيهِ الطاهر والمخزومي، وبعد أن رحبوا بقدومه ساروا بسيّاراتهم خلف سيّارته التي أقلت معه صاحبيه قاصدين المركز الثقافي لجامعة الموصل حيث سيقيم هو وصديقاه.

2664 الجواهري 1

3- أقيمت الأمسية في قاعة المركز الثقافي على الرابية المطلّة على نينوى مساء يوم 20/2/1980م وأدارها الدكتور طارق الجنابي رئيس قسم اللغة العربيّة في كليّة التربية، وبعد كلمته الترحيبيّة ألقى الدكتور أحمد الحسّو الأمين العام لمكتبات الجامعة كلمة جامعة الموصل، ثمّ تقدّم الأستاذ سعيد جاسم الزبيدي فأسمع الجواهري والحضور قصيدته التي كانت بعنوان (يعزُّ كلُّ مكانٍ أنت نازله) مرحباً بزيارة الجواهري بلغت أربعة ً وثلاثين بيتاً، منها هذه الأبيات على غير توالٍ:

أطلقْ جناحَ القوافي أيُّها الغـــردُ

فما يشــنِّفُ آذانَ الـورى أحـدُ

***

فكم نثرتَ القوافـي فـي مسـامعِنا

كما تناثـرَ فوقَ الروضــةِ الـبردُ

***

وكنتَ في شفةِ المكدودِ أغنــــية ً

تظــلُّ مـنها (ولاة الأمر) ترتعـدُ

***

وأنتَ يا وارثَ الفصحى ومــا حملتْ

حضارةٌ، عن بنيها يؤثرُ الــــسندُ

***

يكفيكَ أنّكَ في الميدانِ فارسُـــــهُ

(يا ابن الفراتينِ قـد أصغـى لكَ البلدُ)

2664 الجواهري 2

ثمّ تقدّم العلاّمة الدكتور عليّ جواد الطاهر فألقى بحثه الموسوم بـ(هو الجواهري) وكان بحثاً رصيناً مرَّ على تاريخ الجواهري الإبداعي ومواقفه النضاليّة، وما كان له في عواصم الدنيا من صور، وحين انتهى الطاهر أدرك المخزومي أنّ بحثه الموسوم بـ" في لغة الجواهري" سيأخذ وقتاً من الناس المتشوّقين لسماع الجواهري، فارتأى أن يتنازل عن الزمن المخصّص للمحاضرة لأبي فرات، وسلّم بحثه لإدارة الأمسية، فنهض الجواهري إلى المنصّة مستهلاً قراءته بكلمة شكر للجامعة ورئيسها والحاضرين ولصديقيه الطاهر والمخزومي، وممّا جاء فيها: [سبق لي أن قلتُ: لقد أكلت القوافي لساني ولم تتركْ منه شيئاً لغير الشعر...جئتُ، وفي الطريق قلتُ: يجب أن أقدّمَ شيئاً للموصل العظيمة، لأبناء الموصل، لشباب الموصل، وكنتُ بين لحظة، وأخرى أسجّلُ كلمة ً...وهذه هي المسوّدة، وأنا أعدكم – إن شاء الله – قريباً ستكون لديكم كاملة] ثمّ أنشد أولاً قصيدة "أمّ الربيعين" التي كان قد كتبها على حواشي ورقة عاديّة بحجم الكفِّ كان يحملها معه في السيّارة، ومنها:

أمّ الربيعينِ يا من فُقتِ حُسنَهما

بثالثٍ من شبابٍ مشرق ٍ خضلِ

***

4- وحين وصل إلى قولهِ:

ويا محطَّ المُـنى فـي كلِّ مأزمةٍ

ويا مِجنَّ الحِمى في الحادثِ الجلَلِ

***

عهدٌ بأنْ سأصونُ العهدَ في قفصٍ

من الضلوعِ، وفي زاهٍ من الحُلَلِ

***

ويا عطوفـينَ لمَّتـني شمائلُهمْ

كمـا يلِمُّ الكميُّ السـيفَ من فَلَلِ

***

شوقاً إليكمْ مدى عمْرٍ تجيشُ بهِ

شتَّى الدواعي وما زالتْ ولمْ يَزَلِ

***

توهَّـجتْ وهْوَ في مُزْبَدِّ عارِمِهِ

وتغتلي فيهِ، وهْوَ اليومَ في وشلِ

***

شوقاً أمِنتُ جَناني أنْ يَزِلَّ بـهِ

وقد يزِلُّ الفتى خوفاً من الزَّلَـلِ

***

شوقاً تعثَّرَ بي في زحمةِ الخجلِ

ألاَّ أُطيقَ لهُ وصفاً على عجَـلِ

ضجَّتِ القاعةُ بالتصفيقِ المرتفعِ ارتياحاً، وإعجاباً، وتكريماً للشاعر.

2664 الجواهري 3

ثمَّ بدأ بقراءةِ مختاراتهِ التي أعدَّها في قصاصاتٍ لا يستطيع أحدٌ غيره قراءتها، لأنَّه يكتبُ أحياناً مفردةً واحدةً من صدر البيت، ومثلها من عجزه، وأحياناً مطلع الصدر برمَّتهِ، وأحياناً المفردة الأولى من العجز، وأحياناً قليلةً جدَّاً يكتبُ البيتَ كاملاً، وسيرى القارئ الكريم أُنموذجاً من خطِّ الجواهري، وكتابتِه مع هذه اللقطات.

ثمَّ تبعَها بقراءة: (يادجلة الخير)، و(لغز الحياة)، و(ليلة عاصفة على فارنا)، و(صرفتُ عيني)، و(وحي الموقد)، و(أرحْ ركابَك)، و(أزفَ الموعدُ)، و(يا أمَّ عوف)، و(رسالة مُملّحة.)

5- استمرّت الزيارة ثلاثة أيّام من 20 شباط حتّى 22 منه، زار خلالها أماكن عديدة، وحين كان يحسُّ بالتعب كنّا نذهب به إلى (مقهى القمّة) وهي على رابية جميلة تطلُّ على شارع الموكب الذي تقام فيه احتفالات الربيع سنويّاً، كي يتناول القهوة، ويدخّن سيجارة، أو سيجارتين من العلبة التي يحرصُ على حملها، ثمَّ نعاودُ معه الانطلاق.

6- في أثناء مرافقتنا له في تجواله (الأستاذ سعيد الزبيدي وكاتب هذه السطور) تولّدت لدينا فكرة إعداد كتاب عن الزيارة، وما سيدورُ فيها، فعرضنا الفكرة على رئيس الجامعة، فاستحسنها، ووعد بدعم الجامعة للكتاب ولنا، فوضعنا خطّة الإعداد قبل سفر الجواهري وصديقيه، وعرضناها في اليوم نفسه على أستاذنا الطاهر، وكانت من بابينِ اثنين، فاقترح إضافة بابٍ ثالث يخصّص لشعر الجواهري غير المنشور، وحين أعلمناه بصعوبة تحقيق ذلك لعدم امتلاكنا لتلك القصائد، وعَدَنا أنّه سيزوّدنا بها لكونه والمخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي والسيّد رشيد بكتاش يملكونها بوصفهم مكلّفين من وزارة الإعلام بتحقيق ديوان الجواهري، والإشراف عليه.

7- بعد زيارة الجواهري لأروقة الجامعة، والمعرض التشكيلي مرَّ أمام الأقسام الداخليّة لطالبات الجامعة، فاحتشدنَ خلف النوافذ، وأومأنَ له بأيديهنَّ ملوّحات محييات، وكان هو يرفع يده، ويردُّ عليهنَّ، فداعبه الأستاذ سعيد الزبيدي قائلاً: لكأنَّ عمر بن أبي ربيعة ينظرُ إليكَ عبر العصور بقولهِ [ورقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ] فردَّ الجواهري قائلاً: [أينَ هو ليرى ما لم يرَ ؟!.]

2664 الجواهري 4

8- حين تجوَّل الجواهري بسوق النجفي (في أيمن الموصل) تحلَّق الناسُ حوله بين مسلّمٍ، وداعٍ له بطول العمر، وراغبٍ في أخذ صورة معه، فتقدّمت من المتحلّقينَ حوله سيّدةٌ خمسينيَّة ترتدي عباءةً سوداء صائحة بلهجةٍ شعبيّة: [وخروا رجاءً، أريد أسلّم على الجوهري - هكذا لفظتها-] وحين فسحوا لها المجال سلَّمت عليه، وغمرته بسيلٍ من الأدعية، وصافحته مقبلةً، فترقرقت عيناه بالدموع، وقطع جولته، وأشار إلينا أن نسرع به إلى السيّارة من شدَّةِ تأثّره، وطلب أن نعيده إلى مكان إقامته في المركز الثقافي.

9- وبعد انتهاءِ الزيارةِ مباشرةً شرعنا بإعدادِ الكتاب، وتوزَّعتْ موادُّهُ في ثلاثةِ أبوابٍ، بعد المقدّمةِ، ولقطات من الزيارة هي:

الباب الأوّل: احتوى على ما قيلَ في الأمسيةِ من كلمات، وشعر، ودراسات، وتعليقات.

الباب الثاني: احتوى على قصيدة (أمّ الربيعين) وما قرأ الجواهري من مختاراته الشعريَّة، وهي:(يا دجلة الخير)، و(لغز الحياة)، و(ليلة عاصفة على فارنا)، و(صرفتُ عيني)، و(وحي الموقد)، و(أرحْ ركابكَ)، و(أزفً الموعدُ)، و(يا أُمَّ عوف)، و(رسالة مُملَّحة).

الباب الثالث: لمَّا يُنشرْ في ديوان، وهي تلك القصائد التي لم يحوِها (حتى ذلك الحين) أيُّ ديوانٍ مطبوع، وكانت:

(رسالة إلى محمَّد علي كلاي)، و(آهٍ على تلكمُ السنينِ) و(لُغةُ الثياب) و(سجا البحر) و(فتى الفتيان..المتنبِّي) و(محمَّد البكر)، (وتغنَّ بـ تمُّوز) و(إلى المجد) و(دمشق) و(فتيان الخليج - المقدِّمة)، و(التحيَّة)، و(فتيان الخليج - القصيدة).

واتفقنا مع مطبعة جامعة الموصل على أن يكونَ ورقُ الكتابِ صقيلاً ملوّناً (آرت 80)، ويكونَ طبعُهُ عرضيّاً (بالعَرضِ) وليس طوليَّاً.أي يكون كالكرّاسِ، لنستفيدَ من وضعِ لوحاتٍ تخطيطيَّةٍ على بعضِ تلك الصفحاتِ الداخليّةِ العرضيّة.

كما اتفقنا مع الفنّانِ التشكيليِّ المهندس شاهين عليّ ظاهر أنْ يتولَّى هو وضع تخطيطات للجواهري، وزوَّدناهُ بصورٍ عديدةٍ لأبي فراتٍ التُـقِطتْ له في أثناء تلك الزيارة، باستثناء لوحةِ الغلافِ الأول، فقد كانتْ للفنان المرحوم عبد الحميد الحيالي، لكونها لوحةً فنيَّة جميلةً للموصلِ القديمة. أمّا الخطُّ، فقد تولاّهُ الخطَّاط الكبير الأستاذ يوسف ذنون.

2664 الجواهري 5

10- وصدر الكتابُ كما أردنا، ونفَّذتِ الجامعةُ القسمَ الأوّلَ من العقدِ الذي أبرمتْهُ معنا، فسلَّمتْـنا أربعينَ نسخةً من الكتابِ تقاسمناها، فضلاً عن المكافأةِ التي كانت ألفِ دينارٍ عراقيٍّ، فحمل الصكَّ صديقي الأستاذ سعيد الزبيدي، ونزلَ بهِ إلى بغداد، وسلَّمه إلى الجواهري، (لأنَّنا اتفقنا سلفاً أنْ نتنازلَ عن حقِّنا في المكافأةِ لصالحِ أُستاذنا الجواهري)، فما كانَ من الجواهري (كما أخبرني الزبيدي) إلاَّ أن سلَّمه لنجلهِ المرحوم فرات.

11- وبعدَ عشرةِ أيّامٍ من صدورهِ نفدتْ نُسخُنا الأربعون التي زوَّدتنا بها الجامعة، لأنّنا أهديناها لزملائنا الأساتذةِ في قِسمي اللغة العربيّة في جامعة الموصل: (التربية والآداب) وبعض الأصدقاء خارج الجامعة، وأردنا تنفيذ القسم الثاني من العقد المبرم مع الجامعة ببيعِنا خمسين نسخة من الكتابِ بنصفِ السعر،  فصدمنا بخبرٍ اختفاءِ الكتابِ من مخازنِ المطبعةِ، ومن جميع مكتبات الموصل، دونَ أنْ نحظى بالسببِ، وعندما ألحفنا في السؤال قيلَ لنا: لقد مُنع الكتاب من التداول، وتمَّ شحنُه إلى بغداد بأمرٍ من المهيمنين على الثقافةِ في جمهوريّةِ الخوفِ ومنظّمتِها السريّة، فبقينا حيارى، لكنّ صديقنا المرحوم(سامي محمَّد) الذي كان يعمل مترجماً بمجلَّةِ ألف باء ضمن وزارة الثقافة والإعلام ببغداد همس بأُذني حين زرتُه في مقرِّ الوزارة قائلاً: كان ذلك بسبب نشركما لقصيدة أزعجت المنظّمة السريّة، لما تثيره من تأويلات بشأنِ حادثةٍ معيَّنة، فكان ظنُّ الجميع أنَّها قصيدة الجواهري في رثاء محمّد البكر(والله أعلم)، علماً أنَّ القصيدة حتى ذلك الحين لم يضمَّها ديوان، مع كونها قد نُشِرتْ في جريدة الجمهورية، العدد 3231، الأربعاء 29 آذار 1978م، عندما كان والدهُ أحمد حسن البكر ما يزال رئيساً لجمهوريَّة العراق.

 

عبـد الرضـا عليّ

...................

(1) يُنظر كتابنا المشترك مع سعيد جاسم الزبيدي: (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات) الصفحات: 4-8، وكتابنا: (عودة القرين إلى بلاد اللاأين): 52، وما بعدها.

 

 

يسري عبد الغنيأطلق عليه المؤرخ محمد شفيق غربال لقب "عمدة المترجمين المصريين". ولد سنة 1894م، في قرية بمحافظة الشرقية، وتوفى سنة 1960م.

بعد ثورة 23 يوليو 1952م، قرر مجلس قيادة الثورة إنشاء (ديوان الترجمة)، بغرض ترجمة الوثائق والمعلومات والمراسلات الواردة للمجلس والصادرة عنه، وأرسل جمال عبد الناصر مدير مكتبه، الضابط أمين شاكر، ليطلب من محمد بدران أن يتولى رئاسة ديوان الترجمة ويختار معاونيه، إلا أن محمد بدران رفض، حيث كان وقتها عاكفًا على ترجمة موسوعة "قصة الحضارة"

شارك محمد بدران في تأسيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، عام ‏1914م،‏ مع كوكبة من الشباب المثقف، مثل طه حسين‏، أحمد حسن الزيات‏، أحمد أمين‏، محمد فريد أبو حديد‏، محمد عوض محمد‏، محمد عبد الواحد خلاف وآخرين من أعلام الثقافة المصرية والعربية.

اشتغل بتدريس الترجمة في معهد الصحافة ومعهد الدراسات العليا بالجامعة العربية وإدارة الثقافة في وزارة التربية والتعليم‏.‏

ترجم محمد بدران ‏64‏ عملًا، منها تاريخ المسألة المصرية‏، النتائج السياسية للحرب العظمي‏، الديمقراطية‏، العدالة والحرية‏، نهرو، وغيرها، كما ترجم  ثمانية عشر جزءا من موسوعة "قصة الحضارة" التي وضعها الكاتب الأمريكي ول ديورانت، وترجم أيضًا موسوعة "تاريخ العالم" في ستة أجزاء وضعها المؤلف البريطاني جون هامرتون

كما راجع 35‏ كتابًا مترجمًا، منها: فتح العرب لمصر‏، معالم في تاريخ الإنسانية‏، الحرية والتربية‏، الدستور البريطاني‏، آثرت الحرية وغيرها‏.‏

من مُؤلَّفاتِه: «الفَلْسفةُ الحَديثةُ في المِيزانِ وتَأْسيس القَواعدِ مِنَ القُرآن»، هَذا بالإضافةِ إلى تَرجمتِه ومُراجعتِه الكثيرَ مِنَ المُؤلَّفاتِ الأَجْنبيةِ المُهمَّة، نَذكرُ منها: «تارِيخ المَسْألةِ المِصْرية»، و«النتائِج السِّياسية للحَربِ العُظمى»، و«الدِّيمُقراطية»، و«العَدَالة والحُرِّية»، و«نهرُو»، و«فَتْح العَرَب لمِصْر»، و«مَعالِم في تاريخِ الإِنْسانية»، و«الحُرِّية والتَّرْبية»، و«قِصَّة الحَضارة» لمُؤلِّفِه «ول ديورانت»، و«هنري السادِس»، و«مَوْسوعة تاريخِ العالَم» لمُؤلِّفه «جون هامرتون»، و«ملتن».

تُوُفِّيَ «محمد بدران» بالقاهرةِ عامَ ١٩٦٠م

قال عنه كامل الشناوي‏:‏ قرأت له جميع الكتب التي تحمل اسمه‏، واني أعده أحد أساتذة جامعتي الخاصة التي درست فيها تاريخ الإنسانية‏، والآداب العالمية‏، وكثيرا من العلوم والفنون‏.‏ وقال عنه العقاد إنني أفضل أن أقرأ ترجمة لمحمد بدران علي أن أقرأ الأصل الذي نقلت عنه هذه الترجمة وقال عنه الدكتور جابر عصفور إنه أحد الأسماء القليلة التي نهضت علي يديها الترجمة ويندر أن نجد مترجما مثله وإنه كان حريصا علي اشاعة الوعي بأهمية الترجمة ونقل قواعد ومباديء الترجمة إلي أكبر عدد ممكن‏.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيحسن بن محمد بن عبدالجواد بن عبداللطيف القاياتي. (1301 - 1377 هـ) ( 1883 - 1957 م)

ولد في بلدة القايات، (محافظة المنيا - وسط الصعيد)، وتوفي في القاهرة، وبين المنيا والقاهرة قضى حياته. عاش في مصر.

تربى تربية دينية صوفية وحفظ القرآن الكريم صغيرًا، وأرسله والده العالم إلى الأزهر، لكنه لم يحصل على شهادة لنهاية دراسته.

كان والده مشاركًا في الثورة العرابية، فنفي إلى سورية أربعة أعوام، فتشبع الابن بهذه الروح الثورية.

كان عضوًا بالمجمع اللغوي بالقاهرة (1942) وعضوًا بمجلس النواب (البرلمان) في عصر الملكية.

كان من مساندي ثورة 1919 المؤثرين فيها.

الإنتاج الشعري:

- صدر له «ديوان القاياتي» (جـ1) مطبعة كردستان العلمية بمصر 1910، كما نُشرت له قصيدتان بمجلة الرسالة (القاهرية):«من غزل الملوك» - العدد 459 في 0/4/1942، و«الحسْن المبتذل» - العدد 467 في 15/6/1942، كما ضمَّن محمد عبدالمنعم خفاجي - كتابه: مع الشعراء المعاصرين - قصيدة له بعنوان: «لفتة إلى الثلاثين» - 1956.

الأعمال الأخرى:

- كتب الكثير من المقالات الأدبية والاجتماعية، نشرت بالرسالة، وبمجلة كوكب الشرق، وبصحيفة الأهرام، وقام بتصحيح ونقد كتاب «عيون الأخبار» لابن قتيبة، في عشر مقالات.

شعره شديد الامتزاج بالحياة العامة ومشاهد الواقع. تناول شتى الأغراض حتى ما قد يتجافى عن ثقافته الدينية والصوفية، وصف المخترعات الحديثة، وتغزل، وقرّظ مؤلفات أصدقائه بنفس الروح التي كتب بها شعره السياسي أو وصف الربيع أو «السائلة الحسناء».

«ثنائياته» تدل على قدرة خاصة في تكثيف المعنى والتقاط العين أو الذهن للمتميز والخاص. وفي رثائه لملَك حفني ناصف حُسن توسلٍ إلى المعاني الرهيفة ونبل الشعور والتجاوب مع عوامل النهضة.

الشيخ الشاعر حسن القاياتي . صديق القس سرجيوس

وزملاء النضال فوق المنابر في الجوامع والكنائس ..

.حسن القاياتي ورث النضال عن والده، وقت اندلاع ثورة 1919، شارك بها القاياتي من خلال خطبه، التي ألهبت حماس كثيرين، وكان يشاركه القمص سرجيوس إلقاء الخطب فوق منابر المساجد والكنائس في القاهرة، مما اضطر الإنجليز، وقتها، إلى نفيهما إلى سيناء.

 أسلوب حسن الشعري كان يتميز بالبساطة، والارتباط بالحياة اليومية للناس، وكان ينشر شعره بالمجلات والصحف المختلفة، مثل: كوكب الشرق، والأهرام، والرسالة، ثم جمع هذه الأشعار في ديوان أسماه “ديوان القاياتي” عام 1910، كما كان له مقالات في نقد الأدب والشعر، وأساليب الكتابة المعاصرة، وله قصيدة شهيرة، كتبها تعقيبًا على ما فعلته قوات الإحتلال الإنجليزي بأهالي مدينتي البدرشين والعزيزية في 25 مارس 1919، فكتب يقول:

أوما علمتم ما جرى .. بالبدرشين من الدمار

سلبوا الحلي من النساء .. وخربوا البلد العمار

قبل يوليو 52، كان حسن القاياتي عضوًا بمجلس النواب، كما كان عضوًا بالمجمع الللغوي عام 1942، وتوفي في 22 أكتوبر 1957.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

...............................

الاسانيد

1 - سعد ميخائيل: آداب العصر في شعراء الشام والعراق ومصر - مطبعة العمران - القاهرة 1922.

2 - عبدالله شرف: شعراء مصر - المطبعة العربية الحديثة - القاهرة 1993.

3 - محمد رجب البيومي: كيف عرفت هؤلاء - الدار المصرية اللبنانية - القاهرة 1996.

4 - محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا - مجمع اللغة العربية - القاهرة 1986.

5 - الدوريات: زكي مبارك: إلى السيد حسن القاياتي - مجلة الرسالة - العدد530 في 30/8/1943.

 

يسري عبد الغنيالمقاوم الأزهري والفقيه المالكي

في عام 1200 هـ، انتشر الظلم والتعدي في ربوع مصر، مما ألجأ أصحاب المظالم والحقوق لشيوخ الأزهر لما يتمتعون به من ثقل في المجتمع المصري، ولما يتميزون به من الجهر بالحق وعدم خشية أحد مهما كانت مكانته. ومن هؤلاء العلماء الأزهريين الشيخ العلامة والفقيه المالكي الكبير أحمد الدردير.

يقول الجبرتي في تاريخه: وفي صبيحة يوم الجمعة ثارت جماعة من أهالي الحسينية بسبب ما حصل في أمسه من حسين بك، وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق.

وذهبوا إلى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام وقال لهم: “أنا معكم”. فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة وأغلقوا الحوانيت. وقال لهم الشيخ الدردير: “في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم!”.

فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ، ومحمد كتخدا ارنؤد الجلفي كتخدا إبراهيم بك، وجلسوا في الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه، وخافوا من تضاعف الحال وقالوا للشيخ: “اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون!”. واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا.

وركب الشيخ في صبحها إلى إبراهيم بك وأرسل إلى حسين بك فأحضره بالمجلس وكلمه في ذلك فقال في الجواب: “كلنا نهابون، أنت تنهب، ومراد بك ينهب، وأنا أنهب كذلك”. وانفض المجلس وبردت القضية.

وفي عقبها بأيام قليلة حضر من ناحية قبلي سفينة وبها تمر وسمن وخلافه، فأرسل سليمان بك الأغا وأخذ ما فيها جميعه وادعى أن له عند أولاد وافي مالًا منكسرًا، ولم يكن ذلك لأولاد وافي وإنما هو لجماعة يتسببون فيه من مجاوري الصعايدة وغيرهم، فتعصب مجاورو الصعايدة وأبطلوا دروس المدرسين، وركب الشيخ الدردير والشيخ العروسي والشيخ محمد المصيلحي وآخرون، وذهبوا إلى بيت إبراهيم بك وتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلامًا كثيرًا مفحمًا.

فاحتج سليمان بك بأن: “ذلك متاع أولاد وافي وأنا أخذته بقيمته من أصل مالي عندهم”. فقالوا: “هذا لم يكن لهم وإنما هؤلاء أربابه، ناس فقراء، فإن كان لك عند أولاد وافي شيء فخذه منهم”. فردّ بعضه وذهب بعضه.

وفيه [منتصف جمادى الثانية عام 1200 هـ] اجتمع الناس بطنطا لعمل مولد أحمد البدوي، المعتاد المعروف بمولد الشرنبابلية، وحضر كاشف الغربية والمنوفية على جاري العادة، وكاشف الغربية من طرف إبراهيم بك الوالي المولى أمير الحاج، فحصل منه عسف وجعل على كل جمل يباع في سوق المولد نصف ريال فرانسة، فأغار أعوان الكاشف على بعض الأشراف وأخذوا جمالهم.

وكان ذلك في آخر أيام المولد، فذهبوا إلى الشيخ الدردير، وكان هناك بقصد الزيارة، وشكوا إليه ما حل بهم، فأمر الشيخ بعض اتباعه بالذهاب إليه، فامتنع الجماعة من مخاطبة ذلك الكاشف، فركب الشيخ بنفسه وتبعه جماعة كثيرة من العامة. فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر إليه والشيخ راكب على بغلته، فكلمه ووبخه وقال له: “أنتم ما تخافون من الله”.

وفي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامة الناس وضربه بنبوت، فلما عاين خدامه ضرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهم، وقبضوا على السيد أحمد الصافي تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت. وهاجت الناس على بعضهم ووقع النهب في الخيم وفي البلد ونهبت عدة دكاكين. وأسرع الشيخ في الرجوع إلى محله وراق الحال بعد ذلك.

وركب كاشف المنوفية وهو من جماعة إبراهيم بك الكبير، وحضر إلى كاشف الغربية وأخذه وحضر به إلى الشيخ وأخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا بالأمان. وانفض المولد ورجع الناس إلى أوطانهم وكذلك الشيخ الدردير، فلما استقر بمنزله حضر إليه إبراهيم بك الوالي وأخذ بخاطره أيضًا وكذلك إبراهيم بك الكبير وكتخدا الجاويشية .

معلومات عن الشيخ:

1- عاش الشيخ أحمد الدردير، في القرن الثامن عشر الميلادي، وولد بقرية بني عدي التي تسكنها قبيلة بني عدي القرشية في أسيوط بصعيد مصر سنة 1127 هـ/1715 م.

2- وينتهي نسب الشيخ الدردير إلى الصحابي عمر بن الخطاب، وقد تلقب بـ(الدردير)؛ لأن قبيلة من العرب نزلت ببني عدي، وكان كبيرهم رجل من أهل العلم والفضل يدعى الدردير، فلُقِّبَ الشيخ أحمد به تفاؤلا.

3- كان "الدردير" أحد أهم الفقهاء والأصوليين من أهل السنة والجماعة، فهو إمام صوفي وعالم أصولي ومرجع في الفقه المالكي وأحد أبرز مجتهديه في العصر الحديث.

4- للشيخ "الدردير" عشرات المؤلفات التي صارت مراجع فقهية كبرى وعقائدية، منها "شرح مختصر خليل"، الذي أضحى عمدة في الفقه المالكي، و"أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك" و"الشرح الصغير" و"نظم الخريدة السَّنِيَّة في العقيدة السُّنيَّة"، في علم التوحيد على مذهب الأشاعرة و"شرحٌ على آداب البحث والتأليف"، و"شرحٌ على الشمائل المحمدية" وغيرها العديد من المؤلفات الكبري وغير التقليدية.

5- أدى الميراث العلمي للإمام لأن يلقبه العلماء بمالك الصغير، و"شيخ أهل الإسلام" وذلك لتفوقه النادر التكرار في الفقه والعلوم العقلية والنقلية.

6- اختار أبناء الصعيد بالأزهر الشريف الشيخ الدردير ناظرًا على «وَقْفِ الصعايدة» في عصره وشيخًا لـ«رواق الصعايدة» بالأزهر، وهو ما يعد اعترافا بإمامته وعلمه.

7- من أشهر مواقفه المشهودة التي تواتر الخبر بها موقفه مع أحد الولاة العثمانيين، الذي أراد فور تعيينه أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتى يستميل المشايخ لعلمه بقدرتهم على تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا وعند حدوث أول مظلمة، فلمَّا دخل ورأى الإمام الدردير جالسًا مادًّا قدميه في الجامع الأزهر وهو يقرأ وردَهُ من القرآن غضب؛ لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به، فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد عبيده فرفض الشيخ الدردير قبولها، وقال للعبد: «قل لسيدك من مدَّ رجليه فلا يمكن له أن يَمُدَّ يديه» فكان الشيخ قدوة في عدم الخضوع لحاكم.

8- مرض الشيخ ولزم الفراش مدة حتى توفي يوم 6 ربيع الأول سنة 1201 هـ، الموافق 27 ديسمبر سنة 1786م وقد صُلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد عظيم حافل، ودفن بزاويته التي أنشأها بجوار ضريح يحيى بن عقب، وهو مسجد الآن.

9- سمي شارع الدرديري بمنطقة الدرب الأحمر بالقاهرة القديمة تبركا بمقام الإمام الراحل، وللشيخ أثر كبير في نفوس أهل الشارع، فهم يتبركون به ليل نهار ويسيرون على منهجه الأزهري الصوفي الوسطي .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيزنوبيا (240 - ما بعد 274) هي ملكة تدمر (بالميرا) والشام والجزيرة، وقد كانت زنوبيا زوجة لأذينة ملك تدمر المملكة العظيمة التى تنتصب بشموخ في وسط سوريا، واذينة الملقب ب سيد الشرق الروماني وملك الملوك لقوته وهيبته، امتدت سلطته على سورية وسائر آسيا الرومانية، وكثيراً ما حارب الفرس وهزمهم وردهم عن بلاده، وكان إذا خرج إلى الحرب أناب الملكة زنوبيا لتحكم تدمر وكانت تتولى الحكم بمهارة وأقتدار .

كانت تدمر (بالميرا) أهم مدينة وحاضرة في عصرها ومدينة تجارية تلبس ثوب الثراء والفخامة تقع في وسط سوريا في بادية الشام وقد قامت بها حضارة كبيرة تميزت بفخامة مبانيها ومعابدها حيث ان المدينة نافست روما وهي من أجمل مدن الشرق القديم، وتحيط بها الجبال، وكانت قبل الميلاد محط قوافل التجارة القادمة من الشرق إلى روما واوروبا وبالعكس، ومحطه تجارية هامه على طريق الحرير القادم من الصين .

كانت الملكة زنوبيا قد إشتهرت بجمالها وولعها بالصيد والقنص، قيل عنها: أنها كانت ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق .

كانت الهيبة والجمال والعظمة تلوح على وجهها، قوية اللحظ ذكية،وكانت أسنانها بيضاء كاللؤلؤ وصوتها قوياً وجهوراً، وجسمها صحيحاً سالماً، وكانت الابتسامات لا تفارقها، فعاشت بعظمة ملوكية كملوك الأكاسرة والرومان كأكبر ملوك الشرق ولقبت بملكة ملكات الشرق، فكانت تضع العمامة على رأسها وتلبس ثوباً أرجوانياً مرصعاً بالجواهر والحلي وكثيراً ماكانت تترك ذراعها مكشوفة (يتبين في التماثيل والمنحوتات التدمرية) .

وتثقفت بالثقافة الهيلينية، وكانت تتكلم الآرامية (اللغة السورية القديمه) والقبطية و بعض اللاتينية (الرومانية) والإغريقية و، وكان لها اطلاع على تاريخ الشرق والغرب، وكانت تقرأ لهوميروس وأفلاطون وألِفَت تاريخاً عن الشرق وسوريا وما جاورها وآسيا.

بعد مقتل أذينة (عام267م) بطريقة غامضة، تولت المُلك بإسم ابنها وهب اللات، واصبحت زنوبيا ملكة الملكات وتولت عرش المملكة وازدهرت تدمر في عهدها واخضعت الكثير من البلاد لسلطتها، وحضيت زنوبيا بشهرة كبيرة بين الدول والممالك القديمة حتى أن البعض أصبح يسمي تدمر بإسم (زنوبة) نسبة إلى زنوبيا، .

انشأت جيش قوى واستولت على العديد من البلدان واصبحت تدمر جوهرة المدن ومحط رحال التجار والقوافل وزاد ثراءالمدينة ونافست روما في العظمة والفخامة والمكانة وكان لها هيبتها ومكانتها الرفيعة بين البلدان، ولما سآءت العلاقات بين زنوبيا وبين الإمبراطور الروماني أرسل الإمبراطور لها جيشه للإستيلاء علي تدمر فهزمته شر هزيمة وردت وحمت مملكتها بكل شجاعة وزدادت هيبة المملكة و زنوبيا وعرفت بشدتها وعدم تهاونها،وفي نفس الوقت فان الملكه قد خافت ان يستغل الفرس الفرصه،فيوجهوا جيشهم طمعآ في مملكتها الغنية فجهزت لذلك واستعدت ومن ثم قامت بأنشاء حصنا على نهر الفرات دعته زنوبيا نسبة إليها، بعدها سيطرت على معظم البلاد وتوجهت لمصر وكانت تابعة للرومان واحتلتها واخضعتها لحكمها، ومنعت جيوشها عن روما، وعززت علاقاتها التجارية مع الحبشة وجزيرة العرب وبسطت نفوذها على العديد من البلدان .

توسعت مملكتها حتي شملت باقى مناطق سوريا وامتدت من شواطئ البسفور حتى النيل، وأطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية مملكة تدمر واصبحت أهم الممالك واقواها في الشرق على الاطلاق، مما دعى الإمبراطور الروماني أورليانوس للتفاوض مع الملكة زنوبيا لتأمين حدود امبراطوريتة ولوقف زحف جيوش تدمر مقابل الإعتراف بألقاب ابنها وامتيازاته الملكية .

أصدرت الملكة زنوبيا العملة الخاصة ب تدمر وصكت النقود في إنطاكية وطبعت عليها صورة وهب اللات على وجه وعلى الوجه الثاني صورةالإمبراطور أورليانوس، وأزالت من النقود صورة الإمبراطور مميزة النقود السورية التدمرية عن نقود روما، ووسعت مملكتها وضمت الكثير من البلاد، لكن الإمبراطور الروماني صمم على التصدي ل المملكة التدمرية القوية التي سيطرت على العديد من المناطق، في سنة 271م ارسل جيش قوي مجهز إلى اطراف المملكة وجيشاً آخر بقيادة الإمبراطور أورليانوس نفسه توجه به إلى سوريا و آسيا الصغرى ليلتقي الجيشان وتدور معركة كبيرة بين مملكة تدمر والامبراطورية الرومانية، احتل بروبوس اجزاء من جنوب المملكة في أفريقيا وبلغ أورليانوس أنطاكية في سوريا، وتواجه مع زنوبيا بتجهيزات كبيرة وهزمها هناك، مما جعلها تنسحب لتدمر وكان أورليانوس قد بلغ مدينة حمص، فدارت بينهما معارك شرسة قدمت فيها زنوبيا الكثير، وانهزم جيشها وتراجع إلى تدمر، فتقدم أورليانوس إلى تدمر وحاصر أسوارها المنيعة حصاراً محكما، وكانت زنوبيا قد حصنت المدينة ووضعت على كل برج من أبراج السور إثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف بالحجارة المهاجمين لأسوارها وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، والتي كانت تعرف بالنار الإغريقية، وقاومت الغزاة بشجاعة معلنة القتال حتي الموت دفاعا عن مملكتها . عرض أورليانوس عليها التسليم وخروجها سالمة من المدينة الني لن تمس، لكنها رفضت ووضعت خطة وحاولت اعادة الالتفاف على جيش اورليانس فتحصنت بالقرب من نهر الفرات إلا أنها وبعد معارك ضارية وقعت في الأسر ولاقاها أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها وكان ذلك سنة 272م، ثم اصطحبها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قادتها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في مدينة حمص .

انتهت حياتها في منزل في تيبور أعده لها أورليانوس، وبكبرياء الملكات والملوك رفضت التنازل فانتحرت بالسم وانهت حياتها بعزة وكرامة ملكة عظيمة حكمت أهم ممالك الشرق، فقد اخضعت لحكمها من عاصمتها تدمر جميع سوريا و الشام و آسيا الصغرى حتى أنقرة ومصرو العراق ومابين النهرين لتكون مملكة من أهم الممالك في تاريخ الشرق مملكة تدمر .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيجمال أحمد الغيطاني (9 مايو 1945 - 18 أكتوبر 2015) هو روائي وصحفي مصري ورئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب المصرية.

 صاحب مشروع روائي فريد استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجًا وقد لعب تأثره بصديقه وأستاذه الكاتب نجيب محفوظ دورا أساسيًا لبلوغه هذه المرحلة مع اطلاعه الموسوعي على الأدب القديم وساهم في إحياء الكثير من النصوص العربية المنسية وإعادة اكتشاف الأدب العربي القديم بنظرة معاصرة جادة.

انفتحت تجربته الفنية في السنوات الأخيرة على العمل التلفزيوني مع المحافظة على نفس الملامح التي نجدها في الرواية، إذ كشف النقاب عن عالم آخر يعيش بيننا من المعمار والناس. يعتبر الغيطاني من أكثر الكتاب العرب شهرة على شبكة الإنترنت إذ أن أغلب رواياته ومجموعاته القصصية متوفرة في نسخات رقمية يسهل تبادلها أضافت بعدا جديدا لهذا الكاتب الذي جمع بين الأصالة العميقة والحداثة الواعية.

ولد جمال في جهينة، إحدى مراكز محافظة سوهاج ضمن صعيد مصر، حيث تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عبد الرحمن كتخدا، وأكمله في مدرسة الجمالية الابتدائية.

 في عام 1959 أنهى الإعدادية من مدرسة محمد علي الإعدادية، ثم التحق بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية.

في عام 1963 استطاع الغيطاني أن يعمل كرسام في المؤسسة المصرية العامة للتعاون الإنتاجي حيث استمر بالعمل مع المؤسسة إلى عام 1965.

تم اعتقاله في أكتوبر 1966 على خلفيات سياسية، وأطلق سراحه في مارس 1967،  حيث عمل سكرتيرا للجمعية التعاونية المصرية لصناع وفناني خان الخليلي وذلك إلى عام 1969م.

في عام 1969، مرة أخرى استبدل الغيطاني عمله ليصبح مراسلا حربيا في جبهات القتال وذلك لحساب مؤسسة أخبار اليوم.

 وفي عام 1974 انتقل للعمل في قسم التحقيقات الصحفية، وبعد إحدى عشر عاما في 1985 تمت ترقيته ليصبح رئيسا للقسم الأدبي بأخبار اليوم.

 قام الغيطاني بتأسيس جريدة أخبار الأدب في عام 1993، حيث شغل منصب رئيس التحرير.

حصل الغيطاني على الجوائز التالية:

جائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1980.

جائزة سلطان بن علي العويس، عام 1997.

وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

وسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة فارس، Chevalier de l'Ordre des Arts et des Lettres عام 1987.

جائزة لورباتليون,Prix Laure-Bataillon لأفضل عمل أدبي مترجم إلى الفرنسية عن روايته التجليات مشاركة مع المترجم خالد عثمان في 19 نوفمبر 2005.

جائزة الدولة التقديرية (مصر) عام 2007 والتي رشحته لها جامعة سوهاج، وتشرفت الجائزة بقيمة الكاتب الكبير.

أحداث الإمبراطور

أما مسألة أحداث الامبراطور فهي عبارة عن مجموعة إتهامات تم توجيهها إلى الغيطاني وذلك بعد نشر موقع إلكتروني دانماركي يدعى الإمبراطور وتنسب إدارته إلى الشاعر العراقي أسعد الجبوري، حيث تم اتهامه بأنه الكاتب الحقيقي لرواية زبيبة والملك المنسوبة لصدام حسين. كما تم نشر تلميحات إلى أن عدي طلب منه كتابة قصة له أيضا.

 ما دعم تلك الأقوال هو كتاب حراس البوابة الشرقية والذي أصدره الغيطاني عام 1975 في بغداد.  وهو أيضا المسمى الذي أطلق على الجيش العراقي لاحقا أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

قدمت الكثير من الجهات الأدبية احتجاجها على مثل هذه التهم واعتبروها محاولة لإسكات الغيطاني بعد كتابته بعض مقالات تنتقد التدخل الأمريكي في العراق،

 بينما أكدت مجموعة أخرى حدوث هذا الأمر. بالنسبة للغيطاني فقد حول الموضوع لمحاميه ليتولى متابعة الأمر من ناحية قانونية وجنائية.

في فترة ما قبل الصحافة من عام 1963، حين نشر أول قصة قصيرة له، إلى عام 1969، قام بنشر ما يقدر بخمسين قصة قصيرة،

 إلا أنه من ناحية عملية بدأ الكتابة مبكرا، إذ كتب أول قصة عام 1959، بعنوان نهاية السكير.

بدأ النقاد بملاحظته في مارس 1969، عندما أصدر كتابه أوراق شاب عاش منذ ألف عام والذي ضم خمس قصص قصيرة،

 واعتبرها بعض النقاد بداية مرحلة مختلفة للقصة المصرية القصيرة.

من مؤلفاته

أوراق شاب عاش منذ ألف عام.

الزويل.

حراس البوابة الشرقية.

متون الأهرام.

شطح المدينة.

منتهى الطلب إلى تراث العرب.

سفر البنيان.

حكايات المؤسسة.

التجليات (ثلاثة أسفار).

دنا فتدلى.

نثار المحو.

خلسات الكرى.

الزيني بركات تحولت إلى مسلسل ناجح بطولة أحمد بدير.

رشحات الحمراء.

نوافذ النوافذ.

مطربة الغروب.

وقائع حارة الزعفراني.

الرفاعي.

رسالة في الصبابة والوجد.

رسالة البصائر والمصائر.

الخطوط الفاصلة (يوميات القلب المفتوح).

أسفار المشتاق.

سفر الأسفار.

نفثة المصدرو.

نجيب محفوظ يتذكر.

مصطفى أمين يتذكر.

المجالس المحفوظية.

أيام الحصر.

مقاربة الأبد.

خطط الغيطاني.

وقائع حارة الطبلاوي.

هاتف المغيب.

قصتين في الكتاب الخامس لمنتدى إطلالة الأدبي.

توفيق الحكيم يتذكر.

المحصول.

كتبه المترجمة

ترجم العديد من مؤلفاته إلى أكثر من لغة منها:

إلى الألمانية

الزيني بركات عام 1988.

وقائع حارة الزعفراني عام 1991.

رواية رسالة البصائر والمصائر عام 2001.

إلى الفرنسية

الزيني بركات، عام 1985.

رسالة البصائر والمصائر، عام 1989.

وقائع حارة الزعفراني، عام 1996.

شطح المدينة عام 1999.

متون الأهرام، عام 2000.

حكايات المؤسسة، عام 2002.

رواية التجليات، بأجزائها الثلاثة في مجلد واحد عام 2005.

وفاته

توفي الروائي المصري جمال الغيطاني في 18 أكتوبر 2015 عن عمر ناهز السبعين عاما في مستشفى الجلاء العسكري في القاهرة.

 وكان في صراع مع المرض إثر إصابته بوعكة صحية أدخلته غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

مجدي ابراهيمحق على "المثقف" أن تحزن ما بقى حزن الفراق يدمي قلوب المحبين، وحق علينا أن نعبّر عن هذا الحزن بأسفِ شجيِّ في لوعة مخامرة. أنا شخصياً ما يحزنني شئ قدر ما يحزنني أن تسقط فجاءة ثمرة يانعة من شجرة المعرفة الإنسانية، وبخاصّة إذا كانت هذه الثمرة لها شذى ورحيقاً قل أن يجارى؛ إذ تسكب أريجها الفواح عطراً بغذاء العقل على الإنسانيّة، ناهيك عن غذائها الدائم قوتاً للقلوب بألوان المعارف العليا. سقط القلم الذي كان وراءه عقل مفكر وقلب ينبض بالإخلاص، وضمير يقظ يحمل لأمته ما يحمله لها المخلصون من أبنائها العرفاء. إنسان تترقى فيه جوانبه الإنسانية مع المعرفة، وباحث على الأصالة في شتى صنوف الأفكار التي تخدم قضايا الثقافة العربية، وناقد يكشف ميزان النقد لديه عن ثورة باطنة يزكيها العمل الدائم في إطار من القيم المثلى والقناعة العقليّة بوجوب ما يرى تطبيقه في واقع حضاري يعرف ماضيه ويرقب مستقبله.

لم يكن "ميثم الجنابي" فقيد الثقافة العربية مُجرّد كاتب وكفى؛ بل كان مفكراً أصيلاً له رؤيته تجاه القضايا التي يتناولها بالبحث والدراسة، يقف معها وقفات نقدية بُغية إصلاح ما اعوج منها وتطلعاً إلى ترقيه ما ثبتت قيمته منها على مر العصور كيما يلتمس وحدة الروح الحضاري والإنساني داخل هذه الثقافة، وله أن يختلف مع بُعدٍ أو أكثر من الأبعاد التي يرى فيها الاختلاف واجباً من واجبات القلم الناقد والعقل المفكر، ولكن مع كل اختلاف في رأي أو فكرة تبريراً مشفوعاً بالدعائم المؤسسة على القناعة العقليّة يقدّمه وهو يستند على الأسس النقدية معالجة ومثاقفة، غير أن نقده لم يكن بالهادم في غير بناء ولم يكن تقويضاً لفكر مثّل حضارة ولا يزال بل كان تقييماً محيطاً عالماً برزايا السلب ومزايا الإيجاب.

حين طالعتنا "المثقف" بخبر وفاة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة موسكو صباح يوم 18 / 7 / 2021م، صدمنا الخبر صدمة مؤسفة، فللرجل أياد بيضاء على الفكر العربي، وله جهوده المميزة على ثقافتنا العربية، وإن كانت كتاباته قد أثرت المكتبتين العربية والروسية بأعماله الفكرية والفلسفية كما أثرى صفحات المثقف بعدد كبير من الدراسات.

وميثم الجنابي، كما قالت "المثقف"، من مواليد مدينة "النجف" الزاهرة في عام 1955م، وخلال الفترة من عام 1975م إلي 1981م حصل علي البكالوريوس والماجستير من جامعة موسكو الحكومية، كلية الفلسفة، وفي عام 1985م حصل علي دكتوراه الفلسفة من نفس الجامعة، وفي عام 2000م نال رتبة الأستاذية، وهو الآن رئيس مركز الدراسات العربية في الجامعة الروسيّة، ورئيس تحرير مجلة (رمال) والتي تعنى بالشؤون الروسية العربية في مجال التاريخ والأدب والفلسفة والفن والسياسة (بالعربية)، ورئيس تحرير الكتاب السنوي (الدراسات العربية)، موسكو، (بالروسية)، وعضو المجالس العلميّة. أما مؤلفاته فحدث ولا حرج، موسوعات ضخمة من الإنتاج الفكري الغزير في العقائد والأديان والتصوف والحضارة الإسلامية والفكر السياسي فيما لا يقل عن اثنين وأربعين عملاً علمياً.

نعاه الأستاذ "ماجد الغرباوي" بكلمات معبرة جداً عن شخص الفقيد: "فقدنا مفكراً كبيراً وعقلاً نقديّاً ومثقفاً موسوعيّا، صاحب رأي وموقف. رحم الله الدكتور "ميثم الجنابي" برحمته الواسعة. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. باسمي وباسم أسرة التحرير أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرته الكريمة وأصدقائه ومحبيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". لو لم أكن أنا أعد نفسي من بين أصدقائه ومحبيه ما كانت صدمة الخبر المفجعة تدفعني إلى استرجاع علاقة طيبة نشأت على صفحات المثقف في تبادل الرأي والرؤية بين اتفاق واختلاف ما أرقاها وما أسماها.

لفت نظري ما يكتبه في التصوف والفكر الإسلامي من مطولات على صفحات المثقف، ودخلت معه في نقاش، يُعلق على ما أكتبه، وأعلق أنا على ما يكتبه، ويجمعنا النزوع إلى التصوف، واختلف معه واتفق، لكن رقيّ فكره يأسرك، فتقرّ للوهلة الأولى أنك أمام مفكر كبير القدر، شديد النزوع إلى الصناعة، مفطور على حب المعرفة والنظرة المحيطة لكل ما من شأنه أن يخوض قلمه فيه.

لم يكن هول الفجيعة بمانع أن أقول تعليقاً عن خبر الوفاة وعيناي تزرفان الدموع إذ ذاك، ضاماً صوتي إلى صوت الصديق الأستاذ ماجد الغرباوي: رحم الله الفقيد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. كان طيّب الله ثراه، من الشخصيات الثقافية النادرة: ثقافة موسوعية، ورؤية نقديّة، ومواقف خاصّة بقلم يعي ما يقول. كانت لي معه مساجلات على صفحات "المثقف"، تبيّن منها طرحه الموضوعي ونظراته الثاقبة وتحليله العميق لقضايا الثقافة العربية. اختلافه معك يدل على عقل راجح، وعلى فكر ملآن بعبق القيم العقلية. مقنع لا يتحجّر ولا يتوقف عند محدود. ينقد وهو على قناعة بما يقدّم من مقبول الآراء. رحمك الله رحمة واسعة دكتور ميثم، وجعل أعمالك في ميزان حسناتك، وأنار بجهودك الفكريّة دروب الحياة الثقافيّة وأسبغ عليها القبول والرضى والدراسة والتحقيق. كم أنا حزين على فراقك غير أن أعمالك الباقية فيها السلوى والعزاء. طيّب الله ثراك وجزاك خيراً على صنيع قلمك بين خالدين .. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون).

كانت لفتاته حول ما يقرأه لي في التصوف تسعدني، وتغريني بمناقشته والتحاور معه والتماس الأفق العقلي كمشترك نقدي مصدري، ففي دراسة نشرتها حول "فلسفة التخريج عند صوفيّة الإسلام" (المثقف، العدد 4565، بتاريخ 6/3/2019م)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=935107&catid=202&Itemid=164

كتب يقول:

(عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

الدراسة جديّة وعميقة وأصيلة، مع أن كثيراً ممّا فيها يبقى مغلقاً لكثير من القرّاء.

ملاحظة:

في اعتقادي كان الأولى الرجوع الى "إحياء علوم الدين" للغزالي، وليس إلى "قانون التأويل" في ما يتعلق بآرائه ومواقفه بهذا الصدد. وللقضية إشكالات لا يكفي الوقت للتطرق إليها. إن قضية أو قضايا اللغة والذوق والمعنى والأسرار والتفسير والتأويل وعلاقة كل ذلك بالتجربة الصوفية ومراحلها وتجلياتها الخاصّة والمتهذبة في المقامات والأحوال غاية في التعقيد والجمال. وحبذا لو تتناولها بالدراسة والتحليل؛ فكثير أو أغلب ممّن كتب حول هذه القضايا لا يتعدى كونه معلومات وعبارات ظاهرية وفضفاضة، لأنها بلا ذوق! وطبعاً بلا معرفة ذوقيّة.

شخصياً كنت أخطط لبحث أو كتاب عن هذه القضايا تحت عنوان (اللغة والخيال المُبدع) عند المتصوفة، استكمالا لما وضعته في آخر القسم الثاني من كتابي (حكمة الرَّوح الصوفي) لكن الظروف والوقت لم يسمحا لي لحد الآن التفرغ له.

عشت ودمت

مع خالص الود).

وقد صدر "حكمة الروح الصوفي" في جزئيين، دار المدى، دمشق، 2001م.

وأرد عليه في حينه:

(سعادة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

تحية خالصة من القلب

أسعدتني طبعاً ملاحظاتكم السديدة، ولا شك ممّا ورد في هذه الدراسة يظل مغلقاً، كما تفضلت، على كثير من القرّاء إلا أن يكونوا من أرباب الأذواق.

غير أننا بقدر الإمكان نحاول التبسيط، لكن المعاني الذوقيّة كما تعلم سيادتكم عصيّة في الكثير ممّا ترمي إليه، ولكم قرأت لكم على صفحات المثقف الغراء ما توقفتُ عنده كثيراً وبخاصّة إذا مسّ "حكمة الروح الصوفي"؛ ونشط فيه الوعي العالي، فلا أقلّ من أن يقال فيه أنه مغلق على الوعي العادي، وليس في هذا ما يعيب. وقد تابعت دراستكم عن "الغزالي" فيما نشر من قبل، ولك الحق فيما ذهبت إليه بالرجوع إلى الإحياء، ولكن قانون التأويل في هذه الجزئية على وجه الخصوص أعمق من الأحياء، لأنه يعمد إلى مقارنات فارقة بين مفاهيم التأويل والتفسير، وأغليها مقارنات منطقية أصولية. أمّا التخريج؛ فلفتة ذوقية لها دعائمها في لغة الخطاب الصوفي لدى الغزالي ولدى غيره من صوفية الإسلام. ولكم أنا مشوّقٌ لقراءة الجزء الخاص باللغة والخيال المبدع لدى المتصوفة بعد الانتهاء من إتمام العمل وإتاحة الفرصة السانحة لإنجازه على بركة الله.

دمت أخا عزيزاً وصديقاً كريماً

خالص الود والمحبّة).

وهل إذا أنا قرأت اليوم مثل هذه الكلمات النورانية، نقداً وذوقاً، ألم يكن يدعوني للحزن وللأسف على فراق هذا العقل الكبير وهذا القلب الكبير.

لا حظ الصديق العزيز الأستاذ الدكتور "سامي عبد العال" أستاذ الفلسفة بآداب الزقازيق (مصر) في تأبينه ملاحظة منهجية موفقة فقال: كان الأستاذ المفكر "ميثم الجنابي" صاحب آراء ومنهجيّة رائعة وجريئة، وليس هناك من يستطيع أن يلّم بأطراف موضوعاته الدقيقة والمختلفة التي يطرحها مثلما يفعل تحديداً،

أتذكر عندما قرأت له - منذ سنوات - حول قضايا التصوف وعلم الكلام والفكر الإسلامي، كان يركز على تحليل خلفيات الأفكار، ويشرحها في آفاقها التاريخية والاجتماعية والسياسية، مازجاً بين الرؤية القريبة والبعيدة في آن معاً. وكان أحد أعلام العراق المعاصرين).

وهى عندي ملاحظة دقيقة لكل من يتابع كتابات الفقيد الراحل؛ فيرى نزعته النقدية سارية في أعماله الثقافية من قديم وحديث، ففي قضية طرحتها على صفحات المثقف بتاريخ 13/1/2019م، العدد (4513) بعنوان:" فلسفة الثقافة بين التخصص والشمول"،

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=933750&catid=323&Itemid=1234

جاء تعليقه البارع يكشف عن تلك المنهجيّة بمقدار ما يكشف عن ثقافته الموسوعية فيقول رحمه الله تعليقاً على المقال:

عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحية

مقال عميق ودقيق من حيث الفكرة وتأسيسها وتحقيقها. إنّ التاريخ الثقافي للأمم يكشف عن أن الثقافة الكبرى من حيث أصولها هي ثقافة موسوعيّة. بعبارة أخرى، إن الثقافة الموسوعية هي الأصل والاحتراف الدقيق هو الفرع، وكلاهما كلُّ واحد. إنها إحدى المرجعيات المتسامية للثقافة التاريخية ومصدر إبداعها المستديم. كما أنها تقدّم نماذج لما ينبغي القيام به. وكلما تتعمق أصول الثقافة بالمعنى المشار إليه كلما يكون الاحتراف تدقيقاً وتوسيعاً وتحقيقاً لأصولها الموسوعيّة. وكلما تفتقد الثقافة لهذه العلاقة وتطويرها؛ فإنها تصاب بالشلل أو الابتذال والابتهاج المثير للغثيان بالتقليد. عموماً إن القضية التي تتناولها هي إشكالية كبرى يقف أمامها العالم العربي في ظروفه الحالية حيث يسود فيه شبه الانعدام للاحتراف. من هنا كانت الصفة شبه السائدة للتطفل والتلزيق والتلفيق للمعلومات. باختصار؛ معلومات بلا معرفة، ومعرفة بلا عقل، وعقل بلا حكمة. من هنا جاءت مُهمة النقد الشامل لهذه الظاهرة وتأسيس البدائل. وقد تناولت هذه القضية قبل عقود بعدد من المقالات والكتب. كما سيصدر لي كتاب بأربعة أجزاء حول تحليل ونقد الفكر العربي الحديث والمعاصر الذي يحتوي على نقد منظومي بما في ذلك لهذه الظاهرة.

مع خالص الود

وكان ردي كالآتي:

سعادة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

خالص تقديري لشخصكم النبيل

معذرة لم أتبين هذا التعليق إلا في تلك الساعة التي أكتب فيها الرد عليه، وإذ أشكركم على تعليقكم أوافقكم تماماً على ما جاء فيه، وأتمنى قراءة كتاباتكم حول نقد مرجعيات الفكر العربي الحديث والمعاصر، أكرر أسفي على التأخير في الرد على تعليقكم الكريم مع خالص محبتي وتقديري.

ميثم الجنابي: الروح النقيّة والفكرة الجريئة والنقد الأصيل، ثلاث خصال تجتمع معانيها في قلم يعزف ثقافة ويشع معرفة وإيمان بنور العقل. في موضوع آخر نشرته بعنوان "كلمات من حروف الله" (المثقف، العدد، (4452) بتاريخ 13/11/2018م).

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=932285&catid=288&Itemid=601

واجهني بشهادة عزيزة عليّ وبخاصة فيما لو صدرت من متخصص له باعه الطويل في التعامل مع الأفكار العليا بفحص المكتوب بعيون ناقدة وبصيرة ذوّاقه قائلاً:

عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

نادراً ما أرى مقالات وأبحاث ودراسات في العربية المعاصرة، وخاصّة بين من يكتب وينشر على صفحات المواقع الإلكترونية من يجمع بين اختيار الكلمة ودقة العبارة وعمق المعنى. عشت ودمت.

ملاحظة: لا بأس لو يجري تحريك بعض الكلمات (الصوفية) ومصطلحاتها لكي يستطيع القارئ العادي أو الوسط من تلفظها وفهم معناها "الوسط". خصوصاً وأن لغة التصوف عميقة ودقيقة وعصيّة على فهم حقيقتها عند أغلب المتابعين لهذه المواقع

مع خالص الود).

وأرد يومها على التعليق قائلاً:

عزيزي الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

خالص التحيّة والتقدير لسعادتكم

أثلج صدري كلماتكم الطيبة وملاحظتكم السديدة، وبخاصة وهي تأتي من باحث قدير وأستاذ متخصص له المصنفات العلميّة القيمة. يبدو كما يقال حقيقة إن القلوب عند بعضها، منذ شهور قريبة كنا نناقش رسالة عن "الهجويري" (ت 465هـ) فأحلت الباحث إلى دراستكم الممتازة عن تحليل كتاب الهجويري ومقارنتها اللافتة بشخصيات صوفية عديدة، وهي منشورة في إحدى المواقع الأمر الذي يتأكد معه بالفعل أن العلم رحم بين أهله.

دمت أخاً عزيزاً وعالماً جليلاً وأستاذاً قديراً

مع خالص محبتي وتقديري).

لم يكن العلم رحماً بين أهله وكفى، بل العروبة كذلك - كما كان يقول أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود - ثقافة لا سياسة، الثقافة في العربي هى الرحم الأصيل الذي يفرز التقارب المشترك. أما السياسة فتنافر وتباعد وصراع ممجوج. ولقد كان لميثم الجنابي العراقي كما كان لزكي نجيب محمود المصري هذا الهدف الأسمى الباحث عن مشترك التقارب من طريق الثقافة، وكلاهما مفكر عربي على الأصالة يضع هموم أمته فوق كل اعتبار متوخياً وحدة الروح العربي الثقافي.

2648 ميثم الجنابي

فلسفة التاريخ:

وفي سلسلة من الدراسات ثمانية كتبها الراحل عن ابن خلدون؛ إذ ذاك طرح موضوعاً بحثياً متشعباً عن "فلسفة العبرة التاريخية عند ابن خلدون" (المثقف العدد (4950) بتاريخ 25/3/2020م)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=944655&catid=272&Itemid=630

 اشتبكتُ معه في حوار راقي هو أقرب إلى المناوشات المحبّبة إلى قلوب المتحاورين؛ فبادرته بسؤال بعد أن قرأت المقال استعداداً للمعركة الفكريّة قائلاً:

(حيّاك الله دكتور ميثم:

متابع أنا جهودكم الرائعة في هذه السلسلة، ومنهجيتكم في كتابتها، بدأتها بالهدم، وأعتقد أن الأجزاء القادمة هى بناء الفكرة التي أردت لها التشييد، هدمت السابقين ممّن قرأوا ابن خلدون، وبنيت قراءتك لا على أطلالهم الدوارس؛ بل من مصدر أردت أن يكون هو نفسه نقطة الانطلاق.

هل تسمح لي بالاختلاف معك في نقطة الهدم هذه؟

إذا كنت تسمح لي فأنا ذاكرها لك، وإذا لم يكن فالأمر بيننا ود وسماحة؛ فاختلاف الرأي لا يفسد قضية الود. فإلى لقاء بعد أن أسمع جوابكم ..

حيّاك الله وأبقاك).

وجاءني الرد فوراً:

(عزيزي الدكتور مجدي:

بعد التحيّة

(إنني أكثر ميلاً للنقد والاعتراض والاستفسار؛ لهذا يمكنك كتابة كل ما تريد. وسأكون سعيداً فعلاً بذلك.

بانتظارك، مع خالص الود).

وبدأتُ النقاش قائلاً:

(عزيزي الدكتور ميثم الجنابي:

كل التحية لشخصكم الكريم ..

ذكرتُ لك أن منهجيتكم تناولت نقطتين أولاهما الهدم ثم "البناء" فيما سيجئ تباعاً من سلسلة الدراسة. وأنا بدوري أعرض لابن خلدون أولاً كما عرضتم له. وفي هذا العرض يبدو من وجهة النظر ما قد يُستشف منه التركيز على فلسفة التاريخ مع ما قد أشرتم إليه في مقالكم السالف. هذه واحدة. أما الثانية فستكون منصبة على نقطة الهدم المنهجية، أرجئها لحين الفراغ ممّا أذكره في الجزئية الأولى.

 

عبد الرحمن أبو زيد ولىّ الدين بن خلدون، ولد بتونس، ويرجع أصل أسرته إلى حضرموت، كان لأسرته قدم راسخة في العلم والسياسة، الأمر الذي جعل ابن حيان يقول عنها: بيت ابن خلدون في أشبيلية نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية، درس العلوم الدينية واللغوية والفلسفية والطبيعية والرياضية، وكانت تونس آنذاك مركزاً لعلماء شمال أفريقيا. تولي وظـائف حكومية فترة 25 سنة بدول شمال أفريقيا من سنة (751- 776هـ) وكانت فترة اضطراب سياسي.

وقد نسبت إليه الانتهازية في تصرفاته السياسية وإيثار الطُرق الملتوية في الوصول إلى مقاصده ممّا أدى إلى سجنه، وأنا من ناحيتي أحييك على سبر أغوار هذه النقطة ومعارضتها تماماً في مقالكم السالف.

رحل إلى الأندلس عام (764هـ) وقضى بها عامين يشهد غروب شمس الإسلام بها، وعاد إلى المغرب وقضى بها عشرة سنوات ووصل إلى مركز الحجابة لأحد أمرائها. تفرّغ للقرآن والتدريس بعد أن أصبح موضع ريبة كل أمراء الشمال الأفريقي. وقـد دوَّن في أربع سنوات من العزلة والتفرغ مؤلفة الشهير: (العِبَر) في قلعة ابن سلامة التي سُجن فيها من عام (776 - 780) ثم كتب (المقدمة) في خمسة شهور من عام (780 هـ )، ووصل إلى مصر عام (784 هـ) بعد أن سبقته شهرته إليها؛ فأحاط به الطلبة وتولى مذهب قاضي قضاة المالكية.

فُجع ابن خلدون في أسرته حين غرقت بهم السفينة أثناء سفرها إلى مصر للحاق به. وتأمر المتنافسون عليه بها مما زهَّده في منصب قاضي القضاة، ثم أدى فريضة الحج عام (789هـ) وزار بيت المقدس عام (801هـ) وقابل تيمورلنك عام (803هـ)؛ ثم نقح مقدمته وكتابه قبل زيـارته لمـصر وأهدى نسخة إلى السلطان برقوق. كان لأسفاره ومغامراته السياسية واتصاله بكثير من الملوك من النصارى بأندلس إلى ملك التتار بالشام فضلٌ في تكوين فلسفته التاريخية. توفى 29 رمضان عام (808هـ) الموافق 16 مارس عام (1406م).

هذا؛ ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى اهتمامات ابن خلدون العلمية والتي استخلصت من أثارة الفكرية، ومن أهمها نبوغه في فلسفة التاريخ فضلاً عن تأسيسه لعلم الاجتماع واهتمامه بالفلسفة والاقتصاد والتربية، وسأكتفي هنا بـ:

فلسفة التاريخ:

فالأصل في فلسفة أي علم من العلوم، فلسفة الدين مثلاً، أو فلسفة التاريخ، هو أن المادة من الدين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق من الفلسفة. والنسق نظام عقلي يلم شتات المادة المتفرقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج. ومن ثمّ، فقبولها في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مهمة الفلسفة كونها نسقاً.

تحديداً، معنى فلسفة الدين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ: المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة. وهكذا، ولكن في فلسفة الدين على التخصيص لا يمكن، في تقديري، تجاوز حقيقة الدين ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من "مضمون" وخصوصيّة، فلا معنى لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء، فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة مثلاً قائماً من داخلها، تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر.

أمّا في فلسفة التاريخ قياساً على ذلك؛ فلم يكن الحال ببعيد عن هذا التَّصور؛ فلا غفلة مطلقاً عن شرط "المضمون" باعتبار النظر إليه (تحقيقاً) من حيث باطن الحقيقية التاريخية؛ فكما لم تكن هنالك غفلة عن شرط المضمون الديني ولا غيبة عن الأخذ به تقوم عليه خصوصية العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بكل الولاء في حالة فلسفة الدين؛ فكذلك الحال في فلسفة التاريخ أن تجيء، ولدى ابن خلدون بصفة خاصَّة، منصبةً على باطن التاريخ؛ وأن يُوحي هذا الباطن بالتعليل لمبادئ الكائنات يعمل على تفعيله من حيث إنه هو أداة الكشف للحركة الباطنة المتغلغلة في مضمونه، فلا شيء يقع بالصدفة ولا تتحرك في الوقائع التاريخية وأحداثها حركة خارج إطار مضمونها أو بسبب قوى خارجية مجهولة، ولكنها تتحرك، ولا بدّ لها من أن تتحرك، غير أن حركتها في داخل إطار "المضمون" الذي يحتويها وفق قانونها الباطن وتبعاً للعوامل الكامنة فيها.

لقد تجمّعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعمليّة التي تجعل منه مؤرخاً حقيقياً - رغم أنه لم يولي في بداية حياته الثقافية عنايةً خَاصةً بمادة التاريخ - ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقيّة المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت الخمسين عاماً، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الأندلس وحتى بلاد الشام.

فقد استطاع، ولأول مرة، (إذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هى نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانيّة، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنة الجوهرية للتاريخ.

ما هذا يا دكتور ميثم؟ وكيف تفسّره؟ أنا أنتظر ما عساه يهمني من رأيك؟

فعلم التاريخ ليس سرداً للأحداث وللوقائع، وهو إنْ كان (لا يزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول) إنما هو كما يقول ابن خلدون:" في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعَدَّ في علومها وخليق".

وقد ذكرت سعادتك هذا النص في المقال الأول. لكن ما وددتُ أن يكون هناك فصل بين المنهج العلمي في كشف أحداث التاريخ وعقلانية النظرة، لأن العقل كما تعلم سعادتك لا ينفصل عن العلم؛ بل العقل هو الذي يفرز العلم ويقوم الثاني عن الأول ضرورة. لكن علميّة ابن خلدون لم تكن مستقاة من مصادر فلسفية سابقة غير الشواهد والملحوظات ترتد في النهاية إلى عملية الفرز العقلي، وقد يسميها البعض علمية تجازواً بمقررات ما كان توصّل إليه.

لم يكن بالمطلق ناقلاً كما نقل الفلاسفة قبله عن اليونان، ولم يكن شارحاً أو معقباً كما شرح ابن رشد وعقّب على أرسطو، وتصرف في آرائه؛ بل أعمل ابن خلدون نظره العقلي وقواه الباطنة وتأملاته الذاتية فيما أراد التوصل إليه. وهذا فيما أرى سرّ تفرُّده ومصدر عبقريته، وقوام إبداعه الذي صبر وأحسن الصبر عليه.

فهو بذلك قد أتبع منهجاً في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت. وحين يعرض ابن خلدون لما تناوله المؤرخون السابقون عليه كالطبري والثعالبي والمسعودي يحلل الأخبار التاريخية في ضوء المعطيات التي توصل إليها من خلال الممارسات الاستقرائية والعلل العقلية، وينتهي إلى أسباب الخطأ الكامنة وراء ممّا يذكر مما تناوله المؤرخون؛ وهو في هذا كل يقدم فلسفة نقدية واعية فهو لا يقبل التشيع لرأي من الآراء أو نحلة من النحل تجعل النفس تميل إلى تصديق ما يوافقها من الأخبار. وهو لا يثق بناقلي الأخبار دون التمحيص الذي يؤدي إلى التعديل والتجريح في المنقول من الروايات أو ما يعرف عن رجال الحديث بعلم الجرح والتعديل. وهو لا يذهل عن مقاصد الأخبار، فإن ناقل الخبر كثيراً ما يروي الخبر تبعاً لما في ظنه وتخمينه، ففضلاً عن توهم الصدق بسبب الثقة في الناقلين؛ فهنالك يقع التكذيب. وإنه ليجعل من التمييز بين الحق والباطل قانوناً بمقتضاه يكون النظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضاً لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، ثم يحكم بأننا إذا فعلنا ذلك، عُدَّ ما فعلناه قانوناً لنا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معياراً صحيحاً يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.

هذا منهج علمي تقوم عليه فلسفة التاريخ. وهكذا فهو وإنْ لم يكتشف مادة التاريخ فإنه جعلها علماً ووضع لها فلسفة ومنهجاً علمياً نقدياً تعليلياً نقلها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المُعلَّلة بأسباب عامة منطقية؛ لننظر إليه وهو يقول: " إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل. إني أبحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية". هكذا يدور منهج ابن خلدون، وأنا شخصياً لا أسوّغ مقارنته بمناهج أخرى سواه مما تتشابه معه في الشكل لا في المضمون، كالقول بالحتمية التاريخية وما جرى مجراها في التصورات الغربية.

أما نقطة الهدم المنهجية؛ فقد رأيتك فيها قاسياً قسوة شديدة على "طه حسين" إنْ في المتن وإنْ في الهامش، وهو بالتقريب أول من لفت الأنظار تقريباً إلى فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. ودائماً - كما تعلم سعادتك - أن المحاولات المبكرة تكون أضعف بكثير بالقياس إلى ما يجيء بعدها؛ فليس يعني هذا إهمالها أو تعسف النظرة بصددها. ولم يكن من المنهج العلمي فيما أتصوّر أن نتناول هذه المحاولات المبكرة بشئ من القدح المركب الذي هو أقرب إلى الشتائم منه إلى النقد البناء.

هذا ممّا يرباء عنه العلماء المحققون أمثالكم. أو تناولها بالسخرية والاستهزاء فيما لو تكلم "طه حسين" عن إقامة ابن خلدون بمصر .. وقد تكون العاطفة في تلك الجزئية أغلب على الكاتب وأبعد عن المنهجية العلميّة. نعم، وإذن فلنرفضها ولا ضرورة عندنا لنغمة السخرية والتعريض؛ وبخاصة للعاهة الشخصية التي لا حيلة لأحد فيها.

ثم ماذا ..؟! هل لو أنني رأيت الدكتور ميثم الجنابي يتحدّث بعاطفته عن وطنه العراق؛ أفكيل عليه هجوماً إذْ ذاك يصل إلى حد القدح المباشر في شخصه، وهل يتفق التعصب كائناً ما كان ولو للفكرة التي أطرحها مع المنهج النقدي أو المنهج العلمي عموماً أو حتى مع العقلانية التي أتدثر بدثارها؟!

ثم ذكرتم أن "الجابري" رحمه الله كان أعمق فيما قدمه بكثير ممّا قدمه "طه حسين"؛ ليكن ! .. ولكن هل يروقكم تعصب الجابري وموالاته للعقلانية المُفرطة إلى الدرجة التي ينسف فيها كل محاولات ما سواه: صوفيّة أو تشيع؟ ثم ماذا عن الدكتور "على عبد الواحد وافي" فيما كتبه عن عبقريات ابن خلدون وفيما حققه للمقدمة ؟

هذا ما أردت قوله ممّا قرأته لكم بأناةٍ وهو ممّا لفت نظري في دراستكم الهامة .. دمتم عالماً مُحققاً قديراً .. مع خالص التحية).

وبعد أن قرأ التعليق أجاب من فوره:

(عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

أشكرك جزيل الشكر على هذه المداخلة القيمة والعميقة والنقديّة. وهذا أمر يفرحني للغاية، لأنني استهجن المديح ولا أحبه إطلاقًا، لأنه لا يغني المعرفة بشيء. إن كل ما تناولته في تعقيبك، سوف أتطرَّق إليه في الحلقات الثماني الباقيّة. وفيها إجابة على ما كان يدور في خلدك وما تناولته في التعقيب.

ملاحظة عامة:

إنّ هذه الدراسة هي جزء من كتاب كبير أرسلته للطباعة تحت عنوان (بوابة التاريخ الأبدي). يتناول أساسًاً أثر فلسفة التاريخ في تأسيس الفكرة السياسية.

ومن ثم فهو يحتوي على أهم فلاسفة التاريخ الذين تركوا أثراً هائلاً في بلورة الوعي النظري والعملي السياسي. وهي قضية غاية في الأهمية.

وابن خلدون بالنسبة لي هو مؤسس علم التاريخ وفلسفته. وفي هذا تكمن أهميته الضرورية بالنسبة لوعي الذات الثقافي والسياسي العربي.

تناولت في الكتاب، نشوء وتحول الفكرة التاريخية من الأسطورة الى منطق الرؤية التاريخية. وبعدها فلسفة هسيود وأوغسطين، باعتبارها صيغ أسطورية ولاهوتية مهمة، لكنها لا تؤسس للرؤية العلمية. وبعدها ابن خلدون وحتى العالم المعاصر واختتمته بفلسفتي عن التاريخ والثقافة والحضارة والمستقبل. وهي فلسفة سوف أقدمها للنشر قريباً تحت عنوان (فلسفة البدائل المستقبليّة) بخمسة أجزاء.

أمّا ما يخص نقدي لطه حسين، فهي مجرد صيغة طارئة بهذا الصدد، وضمن ما هو ضروري للإشارة الى الذين ساهموا في تناول شخصية وإبداع ابن خلدون، وفي مقدمتهم، من الناحية الزمنية، طه حسين.

لقد تناولت شخصية وكتابات وفكر "طه حسين" بصورة موسعة، إضافة إلى العشرات من الشخصيات الفكرية العربية الحديثة، في كتابي الذي صدر القسم الأول منه تحت عنوان (فلسفة وعي الذات العربي الحديث والمعاصر) (دهاليز المرحلة التأسيسية). وهو كتاب ضخم جداً، لهذا جرى تقسيمه الى قسمين لصعوبة طبعه وحمله! والكتاب يتناول مسار الفكرة العربية الحديثة ووعيها الذاتي، وهو كتاب نقدي فلسفي صارم!

وشخصية وإبداع "طه حسين" بالنسبة لي تتسم الى جانب كل التيارات الليبرالية والتقدميّة والعلمانية (الدنيوية) بقدر كبير من التسطيح والتشوش الفكري وانعدام المنهجية الخاصّة وسطحية تناوله لأغلب القضايا التي تناولها. وهو حكم مبني على دراسة كل ما كتبه (أشدد على كلمة كل أو جميع ما كتبه). وبالنسبة لي، فإن مقال واحد من أبو شادي في الديوان أفضل وأعمق من كل ما كتبه طه حسين (!!). وأن هناك الكثير من الشخصيات الفكرية المصرية، شبه المغمورة بالنسبة للكثير من المثقفين العرب، أفضل وأعمق وأكثر إخلاصًا بمعايير الثقافة العلميّة والقومية من "طه حسين" وأمثاله.

لكنني احترم "طه حسين" احترامًا عميقًاً لجهوده التنويرية، غير أنني أجد فيها، وفي أغلب رعيل المرحلة آنذاك، كيانات تقليديّة ومخربة بالنسبة لإرساء أسس الوعي الذاتي العربي الأصيل، أي المبني على أساس تأسيس المناهج الخاصّة وتناول لشكليات الوجود العربي بمعاييرها ومفاهيمها واصطلاحاتها. وهي جوانب توسعت فيها بطريقة ومستوى لم يجر تناوله في الفكر العربي الحديث والمعاصر في كتابي الذي أشرت إليه أعلاه، والذي أخذ مني حوالي ثلاثة عقود من الزمن والبحث المضني.

اتفق معك في بعض الجوانب القاسية تجاه "طه حسين"، لكنها محكومة بمحبتي للحقيقة التي ينبغي غرسها في كل مكونات الوجد والوجود العربي الحديث.

مع خالص الود والتقدير عزيزي الأخ مجدي).

لعل القارئ يلاحظ إصراره على الرأي لا سيما في النقد؛ لأنه يصدر عن "موقف" علمي محقق، ثم يضيف إضافة توضيحية شارحة في غاية الذكاء والوطنية والحرص المباشر على تعميق الروح العربي من قلب يعقل ضخامة مسؤولياته تجاه أمته وبني وطنه قائلاً:

(تعليق إضافي

عزيزي الأخ الدكتور مجدي:

لقد نسيت تناول نقدي لطه حسين في موقفه من مصر. لم يكن قصدي منها انتقاص العاطفة الوطنية ووجدانها الشخصي. لقد كان نقدي إيّاه بهذا الصدد هو نقد الانتقال "المنهجي" الذي لا يسوّغه منطق البحث. وإلا فإنني شخصياً أحب مصر ليس أقل ممّا أحبها "طه حسين". بالنسبة لي كل أوطان العرب أوطاني. وقد كان هذا النشيد الذي تربينا عليه منذ الصغر عندما كنّا ننشده في المدارس الابتدائية كل يوم منذ الصباح في باحات المدارس قبل الدخول الى الصفوف.

ولاحقاً أصبحت قضايا العالم العربي قضيتي في كل شيء. وأنا أعتبر نفسي شخصية قومية النزعة عربي وعروبي خالص. وكل ما أكتبه يهدف الى تأسيس الفكرة العربية الثقافية أو الفلسفة الثقافية للقومية العربية. وهذا مضمون فلسفتي التي وضعتها في كتابي (فلسفة البدائل المستقبلية) الذي أمل أن يظهر للوجود في نهاية هذا العام.

وينطبق هذا على فكر وإبداع الجابري. وعندي عليه دراسة نقديّة شديدة سوف انشرها في وقت لاحق.

مرة أخرى مودتي واحترامي الخالص).

أمّا أنا فأجيبه بعد ذلك:

(التوضيح مفهوم يا عزيزي الدكتور ميثم. ولا شك في أن ثقافتنا القومية العربية باقية في قلوبنا وعقولنا، نتمسك بها وندعو إليها، لأنها عنصر القوة فينا لا يمكن إغفاله، إذ كان مصدر هويتنا التي هي أيضاً مصدرها حضارتنا، أو علي أقل تقدير، تقف معها جنبا إلي جنب.

أنا شخصيا أوافقك تماماً في النظر إلي جوانب منهجيّة "طه حسين"، ولم أخالفك في مشروعية النقد لا من جهة الفلسفة ولا من جهة العلم؛ بل إنه لا تقوم دراسة كائنة ما كانت بغير وجهة نظر نقديّة. هذا أمر مفهوم، ومتفق معك تماماً فيما قلته عن بعض تلك الجوانب من تفكيره، كمسألة استصعابه النظر في مؤلفات "العقاد" وخاصة تصريحه بعدم فهم الكثير منها، وأنا شخصياً أيضا أميل فكريّاً إلى "العقاد" أكثر من ميلي إلى طه حسين. قرأت في صغري كتابات "العقاد" كلها، وقرأت طه حسين أيضاً، ولكني لم أتذوق "طه حسن" بمقدار ما تذوقت "العقاد".

المسألة، من بعدُ، مسألة توافق ذوقي لا قهر عقلي أمام المقروء والمكتوب.

كنت أتمني الاطلاع علي مصنفكم (فلسفة البدائل المستقبليّة) ولا شك في أنه سيكون كتاباً ماتعاً كشأن ما نقرأ لكم علي صفحات المثقف الغراء، وكلي أمل أن تتاح لنا الفرصة لقرائته حين يظهر للنور بسلام. كل التحيّة والمودة والتقدير).

ولم يكن ليرضيني منه بعض ما كتبه في "الأشباح والأرواح .. تجارب المثقفين والسلطة"، لأنه ينقض منهجه العقلي ذاته، ويتعصب لعاطفة العقيدة، ويتجنب الموضوعية في الحكم، وتلك أنقاض لما كان ألتزمه وحكم عليه بآخرين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

قاسم حسين صالحمرّت ذكرى وفاة عالم الأجتماع العراقي والعربي الدكتور علي الوردي دون ان نحييها علميا في اقسام علم الأجتماع بالجامعات العراقية، واعلاميا في الفضائيات والصحف العراقية. والمخجل ايضا أن الوردي يوم توفي في (13 تموز 1995) لم يجر له موكب تشييع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين، فيما ودعه زملاؤه ومحبوه.. صمتا .. وعن بعد!.

الوردي .. عن قرب

تعود علاقتي بالدكتور علي الوردي إلى عام " 1989 ". ففي تلك السنة كان على رأس وزارة التعليم العالي وزير مثقف بثقافة فرنسية محب للأدب والثقافة والفلسفة، هو الدكتور منذر الشاوي. وكان من نشاطاته الثقافية أن اصدر جريدة رصينة باسم " الجامعة "، وكنت انا مسؤول الصفحة الأخيرة فيها، فخططت لاجراء حوارات مع الرموز العلمية والثقافية لأعمل ارشيفا لمفكّري العراق ومبدعيه، فبدأت بأول وزيرة للتعليم العالي الدكتورة سعاد إسماعيل وزرتها في بيتها على نهر دجلة قريبا من الصليخ. وكان هدفي الثاني هو الوردي الذي زرته بداره الواقعة خلف إعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، واجريت معه حوارا نشر المسموح به في حينه مع صورة كاريكاتيرية بريشة الفنان "علي المندلاوي".

لم ينشر الحوار كله، فسألني عن السبب فأجبته: " إذا نشر يا دكتور فسيكون طريقك لبو زعبل"، فرد مازحا":" والله إذا أنا وأنت سوا.. يا محلاها ". وتطورت العلاقة إلى صداقة وزيارات في بيته.

كنت أحرص ان ادعوه لكل ندوة علمية يوم كنت خبيرا بمركزالدراسات بوزارة الداخلية .ففي الدراسة الميدانية بعنوان:(البغاء.. أسبابه ووسائله وتحليل لشخصية البغي) والتي تعدّ الأولى من نوعها في العراق والعالم العربي من حيث نوعية ادوات البحث والاختبارات النفسية، وعدد البغايا والسمسيرات( 300 بينهن من لها علاقة بمسؤولين كبار!)، أتيت بالوردي واجلسته في الصف الأول في ندوة دعت لها وزارة الداخلية ضمت اكاديميين وقضاة. وحين انتهت الندوة مدّ يده نحوي وسحبني (على صفحة )وقال:

" دراستك هاي عن الكحاب تذكرني بحادثة ظريفة. في الأربعينات ناقشت الحكومة موضوع فتح مبغى عام في بغداد، وعقدت لقاءا ضم كلاّ من الوصي ونوري سعيد ووزير الداخلية ووزير الصحة ومدير الأمن العام. فاتفقوا على الفكرة لكنهم اختلفوا على المكان، بين الباب الشرقي وساحة الميدان. وكان بين الحاضرين شخص مصّلاوي يجيد فن النكته فقال لهم:

ان افضل مكان للمبغى هو الميدان والما يصدّق خل يروح يسأل أمّه!". ضحكنا.. وخاطبت عيناه عينيّ بتعليق: ماذا لو قالها احدهم اليوم! لأفرغ مسدسه في قائلها، فيما الوصي ونوري السعيد ووزير داخليته ومدير امنه العام.. استلقوا على ظهورهم من الضحك!.

والوردي يجيد فن اختيارعنوان موضوعه ويعرف فن استخدام مقولة (العنوان ثريا النص)، فحين سألته عن بدايات حياته اختصر الاجابة بعنوان: (من الحمير.. الى الجامبو!).. مبينا انه كان في بداية حياته يسافر على ظهور الحمير ثم اتيح له ان يسافر بطائرة الجمبو.. وختم جوابه بأنه كان في صباه صانع عطّار براتب شهري قدره خمس روبيات (ثم صرت الآن مؤلفا اتحذلق على الناس بأقاويل لا يفهمونها.. واطلب منهم أن يفهموها!).

والوردي كاتب ساخر باسلوب بسيط ولطيف، وهذا هو الذي مكّنه ان يكون مشهورا بين العامة.ومن سخرياته الموجعة أن أقيم له قبيل أن يموت حفل تكريمي (شكلي) فبعث ابنه وقال من على المنصة: يبدو أن والدي لا يكف عن المزاح حتى وهو على فراش المرض.. فقد كلفني ان انقل لكم بيتا واحدا" من الشعر: (جاءت وحياض الموت مترعة.. وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل )!.

والوردي واحد من ابرز علماء العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاوز تأثيره حدود النخبة الى الناس العاديين، وتعدت شهرته حدود الوطن والعرب الى العالمية، يكفينا ان نستشهد بمقولة البروفسور جاك بيرك الذي وصف الوردي بأنه (كاتب يحلّق الى العالمية باسلوبه الذي يضرب في المناطق الحساسة في المجتمع كفولتير).

ازدواج الشخصية

يقترن اسم الوردي بمصطلح (ازدواج الشخصية).. ورغم ان المصطلح ما كان صحيحا من الناحية العلمية( وعنه كتبنا مقالة موجودة في غوغل).. فانه شاع وصار حديث الناس ومن جميل ما استشهد عنه قوله:

" إن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ".

" حدث مرة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة الى مقاطعة البضاعة الأجنبية، وقد خطب فيها الخطباء خطبا رنانة وأنشد الشعراء قصائد عامرة. وقد لوحظ آنذاك أن اغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبية والعياذ بالله ".

" ومن العجيب حقا أن نرى بين مثقفينا ورجال دين فينا من يكون ازدواج الشخصية فيه واضحا: فهو تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه الى الغضب تافه أو جليل، ضاربا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس لها قبل ساعة ".

اخيرا

كنت اجلس على فراش مرضه في داره الواقعة خلف اعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، فقال لي:

* تدري قاسم .. شيعوزني هسه؟

نظرت اليه والدمعة احبسها، فقال:

* ما يعوزني الآن هو .. ايمان العجائز.

وكنت قبل عشر سنوات قد دعوت قادة الكتل الشيعية الى اقامة تمثال للوردي يوضع في مدخل جسر الأئمة من جهة الكاظمية ووجهه نحو الأعظمية مادّا نحوها يدا مفتوحة.. وما فعلوا!

لك منّا ايها العالم المبدع، المفكر من طراز رفيع، الجريء، الجدلي الساخر.. كل الاحترام والتقدير والذكر الخالد.. راجين ان يكون فيما كتبناه يوفيك بعض حقك علينا، فنحن الأكاديميين، كما يقول المتنبي:

لا خيل عندك تهديها ولا مال & فليسعد النطق ان لم يسعد الحال.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد عبد االشافي القوصينجحت بريطانيا العظمى في منح فلسطين لليهود، ونجحت أميركا في تمكين اليهود وهيمنتهم على العالم العربي –هذا هو رأي الكاتب الفذ "محمد جلال كشك" وتحليله للأحداث التي مرّ بها الوطن العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين!

ففي كتابه الشهير (ثورة يوليو الأمريكية) قدّم "جلال كشك" الأدلة والوثائق على دور المخابرات الأمريكية في تدبير وتنفيذ وتأثير مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية.

ولن أُكرّر ما جاء في هذا الكتاب من أسرار تشيب لها الولدان ... لكنّني سأتحدث عن أستاذنا "جلال كشكّ" في زمن قلّ فيه الوفاء، واندثرت فيه المرءوة، وتلاشت فيه مكارم الأخلاق!

***

ذات مرة؛ دعاني إلى تناول الإفطار معه، فانطلقتُ على الفور، ورحتُ أبحثُ عنه في (عرينــه) بشارع بهجت علي بالزمالك؛ فلمْ أجد له أثراً ... فإذا به يخرج من بين أروقة مكتبته العامرة؛ ويصرخ بأعلى صوته: "لقد ابتُلِينا بالذين تُشغلهم صعوبة اللغة العربية، ويبحثون عن حروف أخرى لها أوْ عزلها عن مجال العلم بزعم أنها لغة متخلِّفة، أمَّا "العِبرية" التي انقرضت منذ ألفي سنة؛ أصبحت لغة العلم! لقد نسيَ هؤلاء الأعراب أنه لا توجد لغة متخلِّفة، ولغة متقدِّمة .. إنما تُوجد أُمم متخلِّفة، وأُمم متقدِّمة!

قلتُ له: هَوِّن عليك –يا أبا خالد، فإذا به يصرخ –مرةً أخرى: "كيف وقد صدَّروا إلينا عملاء يجعلون لُب كفاحهم فصل الدين عن الدولة، ويُصابون بالفالج عندما يسمعون بأنَّ الدستور سينصّ على أن دِين الدولة الإسلام! بلْ ألغوا شعار (الله أكبر) من الجيش، ولمْ يُعيدوه إلاَّ بعد النكسة بخمسة عشر شهرا، بينما أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء مكتوب عليها آية من التوراة!

قلتُ له: ما السبيل -إذنْ- يا أستاذنا؟! فقال: الوضع الصحيح أن نجعل "قضية فلسطين" قضية عربية إسلامية، ولن يَقهر التعصُّب الباطل للتلمود إلاَّ الإيمان الحقّ بالقرآن، ولن يَقهر التآمر الصهيوني العالمي إلاَّ حركة بعث إسلامي تُحرِّر فلسطين، وتبدأ في نفس الوقت من خلال وحدة الدم، ومن خلال وضع المبدأ الإسلامي العظيم وهو (الجهاد) موضع التطبيق، لتتشكّل عوامل وحدة الأمة الإسلامية واستكمال مقومات الحضارة الإسلامية"!

ترى؛ مَنْ يكون هذا العبقري الفذ؟!

إنه الكاتبُ المجاهد الذي أنفقَ عمره في دفع الزيْف وردَّ الشبهات عن تاريخنا، وواجه "طلائع الغزو الفكري". وقد تساءل في كتابه "القومية والغزو الفكري": هل تستطيع القومية تخليصنا من المحن المصيرية التي تواجه العالم العربي الآن؟ ثم أجاب: "إذا كان الإسلام هو الرابط الذي يربط بين العرب والبربر والأكراد وغيرهم، فلماذا نستبعده، ونرفع علم القوميّات، إلاَّ إذا كان الهدف هو إثارة الحرب القوميّة!!

ويُعلِّل مسلكية الأحزاب والحركات القومية التي ترفع شعار القومية اللادينية؛ بأنها تكوَّنت من عناصر مُرِيبة دُرِّبت وأُعِدَّتْ في مدارس التبشير، وبيوت القناصل، وأقلام المخابرات العالمية، ورسمت أهدافها ومبادئها على أساس تحطيم الرابطة الإسلامية، تمهيداً للاستيلاء على الدولة العربية. وكان يرى أنَّ قوميتنا نسيج وحدة لحمته الإسلام وسداه العروبة، وأيّ محاولة لفصلهما لن تعطيك ثوباً، بلْ خيوطاً قد تنجح في شنْق نفسك بها!

ترى؛ مَنْ يكون هذا الأسَد الضاري؟!

إنه الكاتبُ الذي لَـمْ يترك القلم من يده لحظةً واحدة؛ بلْ جاهد باللسان والقلم إلى آخِر لحظة في حياته، لدرجة أن قلمه كان أشبه بالكلاشينكوف، أوْ "الآر بي جيه"! وأيَّ كتاب يصدره كان أشبه بعصا موسى! وكانت محاضراته أشبه بالعواصف التي تقتلع الأشجار والبيوت!

على هذا الحال؛ عاش متنقلاً من مناظرةٍ فقهية إلى مناظرةٍ تاريخية، ومن معركةٍ ثقافية إلى معركةٍ سياسية .. حتى فاضت روحه خلال مناظرة تلفازية مع "نصر أبو زيد" في محطة التلفاز العربية- الأمريكية في واشنطن حول قضية "التطليق" التي رفعها أحد المواطنين ضد العلماني أبو زيد، مما اعتبرها دليل تعصُّب وإرهاب من الإسلاميين! لكن -صاحبنا- أكدَّ أن القضية ليست قضية التطليق، بلْ هي التزوير! وقال: هل يَصحّ لِمن يُزوِّر النصوص، ويَختلق الوقائع، لإثبات رأيٍ مسبق في حالة ما، ويندفع في هذا الاتجاه إلى درجة التلفيق- هل يجوز لمثل هذا الشخص أن يكون ضمن هيئة التدريس في جامعة محترمة؟ واحتدمت المناقشة إلى أشدّها، فأصيبَ "الفارس" بأزمة قلبية حادة، فاضت روحه على إثرها يوم 5/12/1993م، ونُقِلَ جثمانه إلى مصر، وأوصى بأن يُدفن معه في مقبرته ثلاثة كتب: (لمحات من غزوة أُحد، ودخلتْ الخيل الأزهر، وقيل الحمد لله)!

***

إنه (محمد جلال كشك) الذي قال عنه لمعي المطيعي: "عبارات ساخرة، ولمحات ذكية، وثقافة إسلامية واسعة، والسؤال المُحيِّر: متى وكيف استوعب كل هذا التراث الإسلامي"؟!

وقالت عنه صافيناز كاظم: "تتميز كتابة جلال كشك بالحيوية التي تصل بك أحياناً كقارئ إلى حد الإرهاق، كما تتميز بالحضور الوهّاج الذي يجمع بين غزارة المعلومات وعمق التحليل، والقدرة على الربط والمقارنة بين زوايا الرؤية، والمبارزة الجدلية في كل مكان، مع خفّة ظِل حادة، يعرف كيف يوظِّفها في فقرات سريعة، ويُصوّبها إلى مكانها المطلوب برشاقة ودقّة متناهية .. يكتب متلذذاً بالكتابة، وللقضية متحمساً، فينقل إليك الشغف مهما قاومته، أو عاديته، وهو منغمس كل الانغماس في موضوعه، كأنه سيكون آخِر ما يكتب، وأنت لابد منغمس فيه كأنَّ كتابه سيكون آخِر ما تقرأ"!

أجل؛ لقد كان "جلال كشك" مفكّراً، ومؤرّخاً، ومجاهداً .. وشهيداً !

كان يقول: "الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ظاهرة، ولا مجرد خلاف حول تفسير الماضي، بلْ هو في الدرجة الأولى خلاف حول الطريق إلى المستقبل، والأمم دائماً تهرع إلى تاريخها في لحظات محنتها، وتستمدّ منه الإلهام والدعم النفسي، بينما يلجأ خصومها دائماً إلى تزييف التاريخ وتشويهه، لتضليل الحاضر، وإفساد الطريق إلى المستقبل".

ويقول أيضاً: "مَنْعُنا من امتلاك المدفع؛ هو الهدف الأساسي منذ ظهور الاستعمار الأوروبي، وقد تمَّ ذلك تحت شتى الشعارات، وبمختلف التنظيمات من القراصنة ومحاكم التفتيش إلى الجامعات، والمؤسسات الدولية، ومعاهدات الأمم المتحدة، وقبل ذلك إلى جهود وكتابات وحكومات مَن سمّاهم "صمويل هنتنجتون": "المتعاونين والمؤمنين بحضارتنا"! هؤلاء المتعاونون الذين يعملون لاستمرار سيطرة الغرب واستمرار تخلّف أوطاننا يتستّرون في كل مرحلة تحت شعارات علمانية وتقدميّة ويسارية وأُممية. إنَّ عناصر مأجورة عن وعي، وعناصر تُحرّكها أحقاد رخيصة، وعناصر تتبع كل ناعقٍ تسيطر على إعلامنا، وتُجنّده لمحاربة الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها، غير محقِّقة من هدفٍ إلاَّ إزالة دور مصر الإسلامية، وإلغاء زعامتها للعالم الإسلامي، وعزلها عن المسلمين.. لمصلحة من؟ هذا هو السؤال الذي نعرف جوابه جيداً".

***

منذ طفولته كان "جلال" عاشقاً للحرية، وداعياً إلى التغيير، فعرف السجون مبكراً؛ فقد أدى امتحان "البكالوريوس" وهو سجين بمعتقل "الهايكستب" بتهمة التحريض على قتل المَلِك!

وعندما كان طالباً؛ دعا زملاءه ليهتفوا ضد تعيين "حافظ عفيفي" رئيساً للديوان الملكي، بلْ انطلق يهتف بحياة الجمهورية قبل أن يُعلنها "محمد نجيب" بحوالي عام، كما طالب بتأميم القناة، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية في سنة 1951م!

كما اعترض على تعيين "صلاح سالم" نقيباً للصحفيين؛ باعتبارها بداية التربُّص بالصحافة؛ لوقوفها بجانب الشعب ضد استبداد العسْكر، وبدأ الجدال على صفحات الجرائد حول دستور 1923م، وإعادة العمل به، وبكافة مظاهر النظام القديم، لكن من دون الملك! ففطِن إلى هذه الخديعة التي يُسوّقها العسكر، ليتم إلغاء الحريّات، وكتب في جريدة "الجمهور المصري": "لماذا يعود هذا الدستور"؟! وكان الجواب على الفور إغلاق الجريدة، وإيداع "جلال كشك" في سجن "أبو زعبل" لمدة عاميْن وشهريْن، وخرج بعدها ليعمل بجريدة "الجمهورية"، لكن تمَّ إيقافه عن العمل عام 1958م! وفي عام 1961م، أُلحِقَ بمجلة "بناء الوطن" تحت رئاسة الضابط "أمين شاكر"، فاعتُقل عدة شهور، بإيعاز من أمين شاكر نفسه، لإرساله خبراً عن "استقلال الكويت" لـ"أخبار اليوم" بدلاً من إرساله إليه.

عمل بعدها في "روزا اليوسف" وكتب سلسلة مقالات، بعنوان: "خلافاتنا مع الشيوعيين" واجه من خلالها فلولَ اليسار، وبقايا الماركسيين؛ مما جعل جريدة "البرافدا" السوفيتية؛ تهاجمه باسمه، وتقول: "إنّ استمرار جلال كشك في الصحافة المصرية خطر على الاتحاد السوفيتي".

فأُبعِد الأستاذُ الكبير من حقل الصحافة ثلاث سنوات منواصلة، لكنه أُعيد للعمل بمؤسسة "أخبار اليوم" بعد ذلك! كما انفرد بنقد كتاب علي صبري "سنوات التحول الاشتراكي"، وأعلن في مقالة بـ"الجمهورية" بأنَّ الأرقام الواردة عن الخطة الخمسية الأولى (1961- 1966م) تدلُّ على انخفاض في الإنتاج وليس زيادته، والأرقام وحدها تدلُّ على كذب الادِّعاء!

بمجرد نشر هذا المقال؛ تمَّ فصل رئيس مجلس الإدارة، ورئيس التحرير، وطرد جلال كشك!

***

الْحـقُّ الْحـقُّ أقـول: إنَّ "جلال كشك" أبرز مَن أمسك بالقلم في النصف الثاني من القرن العشرين، وأشدّ مَنْ واجه اليساريين والعلمانيين؛ ففضح أكاذيبهم، وكشف مزاعمهم. ولعلَّ مؤلفاته في هذا الصدد لا تُخطئها العيْن، مثل: (كلام لمصر، النكسة والغزو الفكري، جهالات عصر التنوير، قراءة في فكر التبعية، أخطر من النكسة، ألاَ في الفتنةِ سقطوا)!

كما أنه صاحب الفضل في كشْف أوراق (حسنين هيكل) وعمالته للمخابرات الأمريكية، لاسيّما أنَّ "كاهن الناصرية الأكبر" درج على إخفاء ما يتعلق بعلاقة ثورة 23 يوليو بالمخابرات الأمريكية! فكان يُغيِّر كلامه في الطبعة العربية لكُتبه، ويقول بخلاف ما يكتبه للغربيين المتنوِّرين في "الطبعات الأجنبية"!

كان "جلال كشك" من أشدّ الكارهين للدكتاتورية والاستبداد. لذا؛ كان هجومه على "فتى بني مُر" لا يتوقف، كما في كتبه (الماركسية والغزو الفكري، كلمتي للمغفّلين، الناصريّون قادمون، وكتابه الأشهر: ثورة يوليو الأمريكية)!

وعندما أصدر كتابه (كلمتي للمغفَّلين) انطلق "الناصريون" سِراعاً، وسحبوا جميع النسخ من الأسواق، حتى لا يَعرف الناسُ جرائرهم، وصفحاتهم السود! فإذا بالطبعة الثانية تصدر في أقل من أسبوع، وقد صدَّرها "المؤلف" بعبارة ساخرة، يقول فيها: "ما كنَّا نُريد أنْ نتكسَّب من هذه الكُتُب؛ ولكنَّ الله يرزق مَن يشاء بغير حساب"!!

وصف عبد الله الطنطاوي- مؤلفاته، فقال: "جاء جلالُ وجاءت كتبه على قَدَرٍ، فسدَّتْ ثغرات كبيرة في حياتنا الثقافية والسياسية، ووقفتْ في وجه الغزو الفكري، في ظروف بالغة الدقة، تُرِكَ فيها الحبل على الغارب للشيوعيين، والعلمانيين، ودعاة التغريب، وأدعياء القوميّة، وكمَّموا أفواه الإسلاميين، وكسروا أقلامهم، واحتزُّوا رقابهم، وكانت السجون والمعتقلات الرهيبة أماكن سكنهم، فانبرى الأستاذ جلال كشك -وليس غيره- يفضح رفاق الأمس ومَنْ وراءهم، بقلمٍ مِن نار، وعقلٍ مستنير، وقلبٍ مسكون بالقيَم العربية الإسلامية، ووعيٍ تام بما يجري في عالَم اليوم، مِن تزييف الحقائق، ووأد القيم التي بَنينا عليها الأمجاد…"!

أجل؛ انظر إلى مؤلفاته التي كان يتخطّفها الناسُ فور صدورها، والتي أرَّختْ لحقبة فاصلة في الصراع الأيديولوجي المحتدم إلى يومنا هذا ... ومازلتُ أحتفظ بكتبه التي أهدانيها، مثل: (مصريّون لا طوائف، النابالم الفكري، مِن بِدع ثورة مايو، تحرير المرأة المسلمة، خواطر مسلم عن الجهاد والأقليات والأناجيل، المؤامرة على القدس تُنفَّذ في مكة، قيام وسقوط إمبراطورية النفط، طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية، الجهاد ثورتنا الدائمة، وغيرها)!

***

كان "جلال كشك" خبيراً ببواطن الأمور، لاسيما أنه خالط الملوك والأمراء والساسة، كما أفاد كثيراً من إقامته بين الأجانب، وكان من كُتَّاب "الجارديان" البريطانية!

قلتُ له –ذات مرة- ما هو تفسيرك للهجمة على شيخ الأزهر "محمد سيد طنطاوي"؟! فقال: ليس المقصود بهذه الحملة الشيخ طنطاوي، فالجميع يَعلم قدره وعِلمه ومكانته؛ إنما هي حملة مدفوعة الأجر مُقدَّماً، يقود زمامها غلمان الوهابية، وأدعياء السلفية، يشاركهم فيها؛ إعلاميون مأجورون، وأناسٌ من جلدتنا وأُناسٌ غرباء عنّا، إنهم يريدون هدم الأزهر وتشويه سُمعته .. ولنْ يستطيعوا أنْ يَحجبوا الشمسَ بغربالهم الهزيل!

مَن هـو جــلال كشــك؟

ما عرفتُ أحداً شديد الاعتزاز بحسبهِ ونَسبهِ مثل "جلال كشك"!

ولِمَ لا؟ فهو من أعرق أسرة أرستقراطية؛ كان أبوه قاضياً في المحاكم الشرعية، قال عنه في أحد كُتبه: "إنه أول مَن أصدر حُكماً شرعياً في مصر بتكفير البهائيين"!

لكن اعتزاز جلال بآرائه وأفكاره كان أشدّ وأعنف، فالويلُ الويلُ لمن يخالفه الرأي، بلْ الويل -كل الويل- لمن يقطع حديثه! أذكُر أنني رأيته –أول مرة- في "دار الزهراء للإعلام العربي" يتحدث مع نخبة من أعلام الفكر، منهم: أحمد رائف، وأحمد بهجت، وحسين مؤنس، وغيرهم، وكانوا مشدوهِين لحديثه عن بلدته "المراغة" التي قال: إنها أعرق بلدة في الصعيد قاطبةً! فقلتُ: تقصد بعد (قــوص) ملاذ العلماء والأولياء! فضحك كثيراً، ثمَّ قال: ولولا رهطُك لرجمناك!

منذ تلك الحادثة؛ توثَّقتْ علاقتي به، فكان أول شيءٍ يفعله بعد عودته من "عاصمة الضباب" يتصل بي، وينهال عليَّ بوابلٍ من الأسئلة، مثل: ما هي الكتب التي اشتريتها لي؟ وأين الغداء الذي وعدتنا به؟! وماذا قال لك الشيخ الغزالي؟ وما هي أخبار الصعيد الجواني؟!

ذات مرة؛ قال لي -بحسرةٍ وألم-: سأموتُ قريباً يا قُوصِي! فحزنتُ، وقلتُ: أبقاكَ اللهُ يا أستاذنا .. وظننتُ أن سيموت بالفعل، لكنه لمْ يمُت! بلْ فاجأنا بكتاب "جهالات عصر التنوير"!

الْتقيته بعد ذلك، فقال لي: سأموتُ قريباً. فأخذتُ الكلام على مَحمَل الجدّ، فقلتُ: أطالَ اللهُ عُمرك أبا خالد. فإذا به يفاجئنا بالكتاب القنبلة "الحوار أوْ خراب الديار"!

ثمَّ غاب بضعة أشهر .. وإذا به يصدر الكتاب المُلتهِب "الجنازة حارة"!

وهكذا، كان كلّما شعر بآلام القلب؛ يُفزعني بشدة، ويقول لي: سأموتُ قريباً، لكنه لا يموت ولا يحيا .. بلْ نراه بعدها يرتدي بِدلاً أنيقةً ما رأتْ عينٌ مثلها، ولا سمعتْ بمثلها أُذُنٌ! بلْ ويفاجئنا بمؤلفاتٍ رهيبة، أشبه ما تكون بالقنابل والمتفجرات!

أثناء لقائنا الأخير -قبل سفره إلى لندن- كرَّر ما كان يقوله كلّ مرة: سأموتُ قريباً .. فضحكتُ لكلامه، فصاح غاضباً: أقولُ لكَ: سأموتُ، وتضحك يا هذا؟! فأخذتني نوبةٌ طويلةٌ مِن الضحك!

لكن، بعد أيام قلائل؛ وعلى غير المتوقَّع، أعلنتْ إذاعة (الـB.B.C) نبأ وفاة الكاتب الكبير "محمد جلال كشك"!

فأصابتني صدمةٌ مباغتة، وجثوتُ على قدمي، وأنا أُردِّد:

آهـــــ!! عملْتها يا جـلال .. يا ابن الإيـــه؟!

 

محمَّــــد عبد الشَّــافي القُوصِــي

 

 

محمود محمد عليبقلوب حزينة وأعين ذرفت منها الدموع، ودعنا بالأمس الأحد الموافق 18 / 7 / 2021م..  تلقيت خبر وفاة المفكر العراقي الكبير البروفسور الدكتور "ميثم محمد طه الجنابي" - أستاذ الفلسفة الإسلامية  بجامعة موسكو من بوست نشرة أستاذنا "ماجد العرباوي" علي صفحته علي ألفيس بوك .

وعقب قراءتي له صمتّ وحدي عندما قرأت الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.. تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب  -كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء." .

والله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنساناً أخاً وصديقاً وفيّا كالدّكتور " ميثم الجنابي " الذي ينضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحل الإنسان النّقيّ الذي لم يحمل ضغينة لأحد كما اعتقد، رحل ليترك غصّة في قلب من عرفوه كلهم، فو الله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك يا دكتور ميثم لمحزنون".

ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى عالماً ومفكراً بالغ الصدق والنبل والنقاء، مثل " ميثم الجنابي ؟! أي الكلمات لديها القدرة؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة الفلسفة الإسلامية قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أساتذة الفلسفة الإسلامية بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذي كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

وقد صدق أنيس منصور حين قال :.. ما معني أن يولد العفن في تفاحة ؟.. معناه أن يولد الموت في أحلي كفن .. وفي أجمل نعش ؟... معناه أننا نحمل الموت في كل خلايانا .. فكل خلية هي نقطة ثوب لعزرائيل ..

2648 ميثم الجنابي

غادرنا الدكتور ميثم الجنابي جسداً لكن ذكراه ستبقي طيبة، مثمرة  ما بقيت الجامعة بين طلبته وزملائه وبين محبي الفلسفة والمعرفة . عرفناه لطيفاً، خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، والله  لهو في نظري نعم الرجل المتميز، والمنهل الثري، والمفكر التقدمي، والمنظومة المتكاملة من العطاء، وهو أيضاً أحد الرموز الثقافية بمصر والعالم العربي ؛ وهو ليس مفكرًا عَادِيًّا  أو باحثاً كان مبتغاه أن يحصل على المعلومة ويحنطها، لقد كان أبعد من ذلك حيث غطت معارفه مجالات مختلفة.

لن أمل من القول بأن الدكتور "ميثم الجنابي"  كان نعم الصديق الوفي، والأخ الكبير، والسند في الدنيا، ومرشدي في كل أموري البحثية ؛ وهنا أقول له  :" صديقي الحبيب.. رحيلك آلمني وأوجعني أشد ما يكون الوجع، وأحاول أن أستعيد قواي ونفسي منذ رحلت عنا ومازالت المحاولات تبوء بالفشل، فحزني عليك عظيم  أيها العالم الجليل .. آه أيها الموت، أعلم أنك الحقيقة الوحيدة علي الأرض، ولكنك مؤلم عندما تفرقنا عن أغلى الأحباب وأعز الناس.. اللهم لا اعتراض علي قضائك .. اللهم أني راضي بحكمك وأدعوك يا ربي يا حنان يا منان أن ترزق أهله الصبر والثبات على ألم الفراق.

رحم الله الدكتور ميثم الجنابي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عدد وللجهال رجحان... إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك .. شكرًا ميثم الجنابي علي تاريخك المُشرف للفكر والثقافة والتاريخ ..  وداعاً أيّها الأستاذ والمُعلّم  والبحاثه  ...وستبقى ابداعاتك ونحن بعلمك وروائعك نحارب طيور الظلام وخفافيش التزمت.

نعم رحم الله " ميثم الجنابي " الذى رحل عن عالمنا تاركاً لنا إرثاً عظيماً من الدراسات الفلسفية ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟، أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مصدق الحبيب(1904 – 1989) Sr. John R. Hicks

هو الاقتصادي البريطاني الحامل للقب "السيد" الشهير الممنوح له رسميا من قبل الملكة البريطانية إليزابيث. والذي يعني نيله مرتبة الفرسان الانكليز كشرف وتكريم ملكي، عادة ما يُمنح هذا اللقب لشخصيات لامعة مختارة.  يعتبر جون هكس واحدا من اهم اقتصاديي القرن العشرين والذي يدين له طلبة الاقتصاد في كل مكان بما وضعه من اسس ومبادئ اصبحت جزءا لايتجزء من المنهج التقليدي في تدريس الاقتصاد عبر جامعات العالم. في مقالة نشرها موقع تاريخ الفكر الاقتصادي، وُصِفَ هكس بأنه "اقتصادي الاقتصاديين" وانه "الاقتصادي المثال" الذي درس وهضم واستخدم كل المدارس الاقتصادية لكنه لم ينحاز الى او يعرض عن أياً منها، بل اختط لنفسه طريقه الخاص المتفرد مستخدما اغلب الثمار التي اعطتها تلك المدارس والاتجاهات.

ولد جون في ووروك Warwick الانگليزية عام 1904 لعائلة متوسطة الحال حيث كان والده يعمل صحفيا في احدى الصحف المحلية. أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في مدينته، ودخل كلية كلفتن في برستل عام 1917 وتخرج بتفوق في فرع الرياضيات عام 1922 مما أهله لنيل منحة دراسية لاكمال دراسته العليا في كلية باليول Balliol الشهيرة الغالية في أوكسفرد، والتي قال عنها بعدئذ انه لم يكن بالامكان ان يتحمل تكاليفها الباهضة لولا منحته الدراسية التي غطت اجور الدراسة ومتطلباتها اضافة الى نفقات اقامته.

لم يجد نفسه راغبا في اوكسفرد لمواصلة دراسة الرياضيات لانه كان مولعا بالادب والتاريخ والفلسفة في البداية رغم انه رسى على دراسة الاقتصاد في نهاية المطاف.

2654 جون هكسبعد تخرجه من أوكسفرد، تمكن في عام 1926 من الالتحاق بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE  كمحاضرفي مادة اقتصاد العمل. يقول هكس ان تدريسه بدأ وصفيا تاريخيا وتدرج شيئا فشيئا الى ان اصبح كميا تحليليا بعد ان اكتشف ان لشهادة الرياضيات التي حصل عليها في دراسته الاولية فائدة عظيمة في التطبيقات الاقتصادية، خلافا لما تصور من انه قد بذر طاقته ووقته حين تخصص فيما لاجدوى له غير تدريس الرياضيات. كما صرح في معرض سرد سيرته التي طلبتها لجنة جائزة نوبل ان ذلك الزمن كان ملائما لتزاوج الرياضيات مع الاقتصاد، خاصة وان قسم الاقتصاد في مدرسة لندن كان بقيادة اقتصادي متنور قدير اسمه الدكتور لاينل روبنز الذي طور مناهج القسم وجنّد له كادرا تدريسيا كفوءا ضم ألمع اقتصاديي ذلك الوقت في لندن مثل عالم الرياضيات آر جي دي ألن الذي شاركه البحث في دراستين عن نظرية القيمة نشرتا عام 1934، وكذلك نكلس كالدور وآبا لرنر وريچرد سيرز وأرسولا وب التي احبها وتزوجها عام 1935 ، فدام زواجهما خمسا واربعين عاما، ولم يفصلهما الا وفاته عام 1989.

من مدرسة لندن، انتقل للتدريس في كيمبرج للسنوات 1935-1938 حيث تمكن من اكمال كتابه الاساسي "القيمة ورأس المال" الذي بدأ به في مدرسة لندن كمشروع يضع فيه عصارة افكاره عن مجمل النظريات والمفاهيم الاقتصادية التي عرفها. تم نشر هذا الكتاب عام 1939 حيث اصبح الكتاب الجامعي النموذجي في تدريس النظرية الاقتصادية بالمنهج النيوكلاسيكي، والذي لفضله يعود اغلب مانعرفه اليوم في الاقتصاد.

في عام 1938 انتقل الى جامعة مانچستر للتدريس والبحث لغاية 1946، وفيها حاز على درجة الاستاذية في الاقتصاد وركز جهوده على البحث في اقتصاد الرفاه. في عام 1942 اصبح زميلا في الاكاديمية البريطانية، وفي عام 1946 عاد الى اوكسفرد، أولا كباحث متفرغ لغاية 1952، ثم كاستاذ لغاية 1965، وهو العام الذي اصبح فيه زميلا باحثا في  All Souls College ولغاية 1971. خلال تلك المدة انتخب عضوا في اكاديميات دولية عديدة، منها الاكاديمية الايطالية عام 1952، والامريكية عام 1958. كما اصبح مستشارا في لجان اقتصادية عليا خارج بريطانيا منها لجنة الاقتصاد الوطني في نايجيريا ولجنة الاقتصاد الوطني في جاميكا. كما حاز على جوائز وشهادات فخرية عديدة. وفي عام 1972 حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد مشاركة مع الاقتصادي الامريكي كينيث أررو. وفي مبادرة رائعة قام باهداء جائزة نوبل الى مكتبة مدرسة لندن، تكريما واعترافا بفضل المدرسة وقسم الاقتصاد فيها على رعايته في أول عمله الاكاديمي.

من خلال تدريسه في اقتصاد العمل، تحتم عليه البحث في هذا المجال، الامر الذي تمخض عن صدور كتابه الاول "نظرية الاجور" في عام 1932. في هذا الكتاب عرض هكس تفسيره لنظرية الانتاجية الحدية، فصاغ ولأول مرة مفهوم مرونة الاستبدال Elasticity of substitution  التي عرّفها بانها مرونة النسبة  بين مدخلين في دالة انتاج سلعة ما، وذلك بقدر تعلق الامر بالتغيير الحاصل في انتاجهما الحدي. ومن هذا المدخل اعطى هكس تفسيرا معارضا لطروحات ماركس، مفاده هو ان التقدم التكنولوجي الذي قد يعوض عن العمل البشري سوف لايغير من مساهمة العمل في الدخل القومي. أصبح هذا الكتاب المصدر الاول المعتمد في اقتصاد العمل لعدة عقود، واصبحت المفاهيم الاساسية التي وردت فيه جزءً مهما في النظرية الاقتصادية الجزئية والتي ماتزال معتمدة الى اليوم في مناهج تدريس الاقتصاد وكتبها المدرسية.

من خلال مقالتيه مع زميله المختص بالاقتصاد الرياضي روي جورج دگلس ألن   R.G.D. Allen المنشورتين عام 1934 والمذكورتين اعلاه، عرفنا معادلة سلتسكي Slutsky Equation  لاثبات مفهوم تأثيري الدخل والاستبدال Income and substitution effects، كما عرفنا طريقة اشتقاق منحنى الطلب من خلال استخدام منحنيات السواء وخط الميزانية المالية. وكذلك معيار توازن المستهلك ممثلا بمعادلة التساوي بين نسبة المنافع الحدية مع نسبة الاسعار النسبية. اضافة الى مفهوم الـ  MRS  الذي يشير الى المعدل الحدي للاستبدال     Marginal Rate of Substitution فيما بين سلعتين قد يختارهما المستهلك. وكل تلك الادوات التحليلية ماتزال حاسمة في فهم النظرية الاقتصادية.

في عام 1935 قدم لنا هكس مفهوم التنويع الحدسي Conjectural Variation في مقالته عن ظاهرة احتكار السوق من قبل المنتجين. يتلخص هذا المفهوم بالاعتقاد الذي يحصل عند بعض المؤسسات التجارية حول ردود الفعل المتوقعة من قبل المؤسسات المنافسة في سوق احتكار القلة  Oligopoly عندما يتم تنويع الناتج او تغيير السعر. وفي عام 1937 جاء بمفهوم ألـ "آي أس – أل أم"  IS-LM   في مقالته المعنونة "كينز والكلاسيكيون" التي اتفق اغلب مؤرخي تاريخ الفكر الاقتصادي على انها تمثل النقلة النوعية الى الاتجاه "النيوكينزي"  Neo-Keynesian  الذي كان هكس رائدا فيه، والذي بقي مهيمنا فكريا على دراسة الاقتصاد الى يومنا هذا.  ولكن  بالرغم من هذه القيادة الفكرية فقد تعرض المنهج النيوكينزي الى انتقادات محدودة انبثقت خلال السبعينات من القرن الماضي عندما ارتفعت معدلات البطالة بمصاحبة زيادة معدلات التضخم، وهي الحالة الواقعية التي خالفت ما راهنت عليه النظرية الكينزية. لكن هكس في معرض رده على تلك الانتقادات انبرى للاعتراف بأن الكينزية لم تأخذ بالاعتبار عوامل مهمة كان من الواجب اعتبارها، كعوامل الشك والريبة والظروف غير المتوقعة وغير الاكيدة والمجازفات في السوق.  قام هكس بتنقيح وتوسيع الطريقة التحليلية التي تعتمد نموذج الـ IS-LM   في كتابه الاثير "القيمة ورأس المال" المنشور عام 1939 والذي تضمن مفاهيم اقتصادية اخرى اصبحت اساسية فيما بعد في المنهج الاقتصادي.   من هذه المفاهيم المبتكرة او المنقحة:

- "فخ السيولة" Liquidity Trap

- تأثير الدخل والاستبدال  Income and Substitution Effects

- منحنى طلب هكس التعويضي Hicksian Compensated Demand Curve

- معيار الكفاءة الهكسية Hicksian Efficiency Criterion 

-  التوازن الموقت  Temporary Equilibrium 

- الاستاتيات (السكونيات) المقارنة Comparative Statics

يمثل نموذج IS-LM   شرحا تكنيكيا گرافيكيا لفكرة كينز عن امكانية حصول التوازن الاقتصادي العام بدون توفر الاستخدام الكامل للموارد الاقتصادية. في هذا النموذج صور هكس التوازن الاقتصادي من خلال التفاعل بين عاملين اساسيين هما الانفاق الكلي الذي يشمل الاستهلاك والاستثمار الخاص والانفاق الحكومي وصافي التجارة الخارجية. وهذا العامل يعكس سوق السلع والخدمات متمثلا بمنحنى  IS ذي الميل السالب بسبب العلاقة العكسية بين الناتج او الدخل القومي وسعر الفائدة. أما العامل الثاني فيشمل النقود وسعر الفائدة أي السوق المالية متمثلة بمنحنى LM ذي الميل الموجب الذي يعكس العلاقة الطردية بين الدخل القومي وسعر الفائدة. كانت تلك مساهمة جوهرية كبيرة لفهم مايحدث في الاقتصاد الكلي والتي اصبحت النموذج القياسي في تدريس نظرية الاقتصاد الكلي الى هذا اليوم.

أما مفهوم فخ السيولة فيشير الى ما يحدث اثناء الركود الاقتصادي عندما يفضل المدخرون حفظ اموالهم في الحسابات قصيرة الاجل رغم هبوط سعر الفائدة وتوفر امكانية الحصول على فوائد اكبر اذا ما تم ادخار الاموال في حسابات طويلة الاجل. يحدث ذلك بسبب الحيطة والحذر من ان الركود سيطول ويتفاقم.

تأثير الدخل والاستبدال في خيار المستهلك كان ومايزال من الموضوعات التي ينبغي على طالب الاقتصاد ان يفهمها جيدا، والفهم الجيد تيسر بفضل شرح ورسوم وحساب هكس.  فبموجب قانون الطلب، تتغير الكمية المطلوبة من سلعة ما عكسيا مع تغير السعر. إلا ان هذا التغيير في الكمية يحدث ضمنيا بتأثيرين متشابكين: تأثير استبدال كمية بكمية اخرى بسبب تغير قيمتها الحدية لدى المستهلك،  وتأثير الدخل المتمثل بتغير القوة الشرائية.  لنفترض ان سعر سلعة ما قد ازداد. هذه الزيادة ستجعل المستهلك يشعر اوتوماتيكيا بأن السعر الجديد يفوق قيمة السلعة الحدية لديه، ولهذا فانه سيعالج الامر تلقائيا بتقليل الكمية التي يشتريها لانه لايريد ان يدفع اكثر مما يجب على سلعة سعرها اصبح اكثر من قيمتها الحدية. والعكس صحيح ايضا في حالة انخفاض السعر سيفكر المستهلك بشراء كمية اكبر بسبب نزول السعر عن القيمة الحدية للسلعة مما يشكل فرصة لتعظيم الفائدة الكلية المستحصلة بسبب السعر المنخفض. وهذا هو ماسمي بتأثير الاستبدال الهكسي Hicksian Substitution Effect.  أما التأثير الثاني فهو تأثير الدخل الذي يتلخص بأن المستهلك سيشعر ان بامكانه ان يشتري كمية اكثر من السابق بسبب انخفاض السعر الذي أدى هذه المرة الى ارتفاع قوته الشرائية أو دخله الحقيقي Real income لان مالديه من نقود تمكنه الان من شراء كمية اكبر وكأن دخله قد ازداد. وهذان التأثيران يتظافران ليحققا التغير في الكمية عندما يتغير السعر. هكس قام اذاً بتشريح تغير الكمية بسبب تغير السعر فقسمها الى مرحلتين احدهما تحدث بتأثير استبدال كمية بكمية اخرى، وثانيهما تحدث بتأثير الدخل المنعكس بتغير القوة الشرائية.

كان هكس قد استفاد في هذا التفكيك لتأثير السعر على الكمية من معادلة سلتسكي Slutsky Equation )نسبة الى الاقتصادي الروسي يوجين سلتسكي الذي سنأتي على ذكره لاحقا(. وذلك عندما اكتشف هكس وروي ألن كتابات سلتسكي التي لم تكن معروفة آنذاك للناطقين بالانگليزية.  ومعادلة سلتسكي تفصح ببساطة عن ان التأثير الكلي لتغيرات السعر على الكمية يساوي تأثير الاستبدال مضافا اليه تأثير الدخل.

X1I ΔX1s + ΔX1 =Δ

ولكي يثبت هكس ذلك گرافيكيا ورياضيا كان عليه ان يضيف خط ميزانية  Budget line آخر افتراضي  يشير الى الزيادة في الدخل الحقيقي التي نشأت عن انخفاض السعر. على ان هذا الخط سيحمل نقطة التوازن الجديدة التي تشير الى حصول المستهلك على نفس كمية الاشباع التي كان يحصل عليها قبل التغيير، والتي ستسهم هندسيا في التقسيم بين التأثيرين. لقد ترتب على ذلك ابتكار منحنى طلب جديد سمي بـ منحنى طلب هكس التعويضي الذي يختلف عن منحنى الطلب التقليدي المعروف بالمنحنى المارشالي، نسبة لاشتقاقه من قبل الفريد مارشال.

من ضمن اشتغالاته في حقل اقتصاد الرفاه جاءت مساهمته المهمة في المقال الموسوم "أساسيات اقتصاد الرفاه" المنشور عام 1939. كان قد ابتكر اختبارا او معيارا للمفاضلة بين مردودات اجراء او قرار سياسي معين. فما سمي بـ معيار الكفاءة الهكسية يهدف الى تقييم السياسات الاقتصادية في حالة تعارض نتائجها بين المستفيدين والمتضررين منها بحيث ان قرار اتخاذ السياسة او التخلي عنها سيتحدد في نهاية المطاف باعتبار الصالح العام.  أما مفهوم التوازن الموقت فلم يكن جديدا، فقد بُحث من قبل مارشال وفالراس وباريتو، لكن هكس قام بتنقيحه واعادة صياغته بما يجعله يسيرا وقابلا للتطبيق الكمي.  وبنفس الطريقة فقد ثوّر هكس منهج السكونيات المقارنة في دراسة الاقتصاد والذي اصبح اليوم المنهج العام في كل مكان. انه الاداة التحليلية لوصف ما يجري من تغيير في عامل اقتصادي ما وتتبع هذا التغيير وملاحظة اثره على العوامل الاخرى والظروف المحيطة. وبدلا من ان تكون هذه الملاحظة وصفية فقط ، فان من الاكثر مصداقية ان نراها بصريا عبر الرسوم ورياضيا عبر معادلاتها. وكل طالب اقتصاد يعرف اليوم تقسيم العوامل الى مستقلة  Exogenous  تتغير بموجب ظروف خارج النموذج المدروس وعوامل معتمدة   Endogenous  تتغير داخليا بموجب تغير العامل المستقل.

 

ا. د. مصدق الحبيب