تكريم الفنان شوكت الربيعي

ضراوة الظمأ إلى الحياة

iesa_alyasiriكنت أشارك  شوكت الربيعي مقعد (الدراسة الثانوية)، وقد امتطى غيمة الفن براقاً نحو سطوع الرؤية، يكتب وينشر، ما كان يريد أن يجسده في لوحاته وكتاباته، عن وحدة الرؤية في عيون المتلقين .

متمسكا بنثار حياة كان يخشى عليها من التفتت، حياة تكاد ان تغمرها العتمة، منذ إشراقتها الأولى.. والإشراقة هنا، لا تعني تلك المساحة الزمنية المجردة، التي تبدأ مع ولادة يوم جديد، أو نهاية طلق، تنم عنه تلك الصرخة الفاجعة التي يفتتح بها الكائن، رحلة الحياة.. إن الإشراقة تعني عند الفنان شوكت الربيعي، لحظة سطوع الذات.. هذا السطوع الذي يأخذنا بعيداً عن طريقٍ حفرته حقب لا تحصى، ليؤدي بها إلى (المتاهة)، حيث تبدأ عملية صراع مدمرة؛ بين أن (توجد تلك الذات، أو لا توجد إطلاقاً.). وتلك هي المحطة الأولى لسفر الذات المبدعة صوب (موتها الخالد)..

كان في مفردات تجربته الفنية، يسعى الى أسر لحظات حياة بأكملها، تتسرب من مساحات الروح والجسد، لا بين تكوينات اللوحة، وحسب، بل بين طيات قلب الكلمة، أيضاً. فيراه يلجأ إلى بناء ومعمار وتصميم إبداعي يتميز بسلسلة من المعالجات والتقنيات الحديثة ليحقق موضوعات جوهرية عن الحرب والسلام نابشاً بين أكوام (الزمن القش)، عن أكثر أعواد الفنان  طراوةً واخضراراً.. أنها الأعواد التي أمسكت بشرطها "الكشفي" فامتلأت بضراوة عشق ذلك الجانب الحياتي المحاط بالحجب والأسرار.. وحتى تزيح الحجب وتمزق الأسرار.. عليها أن تمضي راكضة فوق "الجمر" وهي حافية القدمين، وفي ذلك الوقت ذاته، أن تحتفظ باخضرارها ..

ولا يهم أن تحتشد بالصراخ والأسى.. انه الثمن الباهض الذي لابد أن يدفعه المبدع الربيعي.. فقد تجرأ وخرج عن خط سير "القطيع" أولاً وبالتالي ترك لعينيه حرية التحديق في المناطق المحرمة من هذا العالم. وهذا خروج عن قانون الخلق الأزلي. وكل خروج غير مصرح به، يقع تحت طائلة العقاب.. وإذا كان الأطفال المتمردون، الذين يطغون فوق سطح الحياة الخارجي، يقادون إلى (الإصلاحيات) التي تتولى أمر إعادتهم إلى (القطيع) ألاّ أنّ الأطفال الذين يمدون أصابعهم الصغيرة المرتجفة لسرقة خيط صغير من خيوط "الرؤيا"، يحكم عليهم بالنفي الأبدي، والموت الشبيه بموت نزلاء الجحيم (الذين كلما نضجت جلودهم استبدلت بغيرها..)

ولكي يأخذنا شوكت الربيعي إلى (الداخل) حيث تقبع مكونات تجربته، كان يضفي على مضامين لوحاته، تيار حركة الحياة داخل الفعل الجمالي الصياغي الأسلوبي.. وبهذا يكون قد خرج بعمله من صفته الذاتية المجردة، ليمنحه سعةً وانتشاراً أكبر، ليفرضً علينا مشاركة، لا تحدد بتشكيل وجداني، مبعثه استحصال أكبر قدر من العطف نسبغه على حياة تتألم، وتقع تحت منطقة وعينا الخارجي، بقدر تقلب مفاهيمنا لفعل القراءة، لتبدأ عملية "حلول" متبادل.. وهكذا يجد كلٌّ منّا، وضمن "وعيه" الداخلي، بعضاً من معاناة تلك الحياة، يتحرك على مساحة وجوده هو.

إن سيرة الحياة الظاهرية المجردة، قد تلقى قبولاً لدينا، فيما إذا كانت تخص كتاباً قرأنا رواياتهم وكتبهم بشغف كبير، لنعرف أين تقع حياتهم الخاصة من إبداعهم الفني.. وهذا ما رآه المشاهد للوحاته والقاريء لكتاباته. إذ أن عالم اللوحة الفنية، يختلف عن تشكيل الرواية، وحتى قصيدة الشعر التي هي الأكثر قرباً من (اللوحة). ففي الرواية لا نحتاج إلى ذلك الحشد الكبير من وسائل إثارة "المخيلة" كما هو الحال، ونحن نتأمل لوحة فنية تؤدي فيها الكتل والألوان والأضواء والظلال، والتكوينات المرئية والمتخفية، معادلات رمزية، لإشارات يصعب التقاطها من خلال وسائل الاستقبال الخارجية.. وهكذا نجد  "شوكت الربيعي" ينصرف إلى تأطير عمله (السيروي) بإطار روائي، وحرص على إبراز هذا الجانب وهو يتعامل مع أكثر أجزاء حياته، حقيقةً. بدءاً من الطفولة المعذبة، مروراً إلى المراحل التالية التي كان عليّه أن يعبر نحوها، من خلال ثقب الإبرة، وانتهاءً بالذين أخضعهم "برؤية إبداعية كما يقول" ليؤدوا دوراً فنياً مؤثراً، بعيداً عن شرط حياتهم اليومي الذي يفقد الكثير من انموذجيته و"فرادته" تحت وطأة الواقع المسطح.

إن " أحزان هذا المبدع  " الناجمة عن العقاب المنزل به، نتيجة إفشائه الأسرار الموغلة في خصوصيتها، تقدم لمتابعي تجربته الفنية ولقراء كتبه ودراساته ونقده الفني، تجربةً حياتية محكومة برؤية إبداعية، احتشدت بالرموز المحبطة، التي كان من الممكن لو أننا استلمناها بذات الخامات التي خلقت نطفتها الأولى، أن تسبب عطباً وإحباطا كبيرين.. ولكننا ونحن نقف إزاء مأساوية هذه الرموز، كنا نفاجأ بين الحين والآخر، بذلك الإصدار "القداسي" لذات عبرت مطهرها ببسالة نادرة لتقدم لنا معادلاً حياتياً مغايراً، يعيد للرمز المحبط، قوته المبدعة، ويوقفه على قدميه، ليمارس من جديد فعله التغييري، وليبقى الطريق مفتوحاً أمام أكثر من "راء" جديد، يمنح بركته لعالمنا المحكوم باللعنة الأبدية التي تؤكد أن الحياة الذاتية، ما هي إلاّ مزيج من عدة حيوات. وهذا ما يجعل التجربة تنتقل من الخاص إلى العام.

إن كتابة السيرة، سواء في ما أبدعه شوكت الربيعي على مسطحات لوحاته، أو على صفحات مطبوعاته، وإذا ما ارتبطت بهدف ذاتي بحت، وركزت على الحياة بأقيستها الفردية، فإن فعله سيكون محدوداً وضيقاً ويزول بزوال اللحظة.. فنحن مشاهدي لوحاته و "القراء" لا يهمنا أن نعرف إلى أي مدى نجح الفنان أو أخفق في حياته الشخصية، بقدر ما يهمنا وقوفنا المنبهر أمام سطوع الرؤية وجلال الحكمة، وعمق الفلسفة الكونية التي كثفتها لنا حياة فرد، ذات تكّون يكتسب استثنائية من استثنائية اتحاده الفائق بأسطورة خلق معادلات البقاء والعدم.. لكائن متقدم  تحتشد لوحاته بآمال السلام وبضراوة الظمأ إلى الحياة.

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 08:45:33