المثقف - قضايا وأراء

ثلاثية الطير / دراسة نقدية لثلاث نصوص شعرية لجواد كاظم غلوم / خالد جواد شبيل

jawadkadom gloom1) بغاثُ الطيور

كثير هو الشعر الذي يطالعنا قبل أن نطالعه في شتى المواقع والصحف...

وقليل من هذا الكثير ما يشدنا الى قراءته حتى النهاية، بل ونستعيد قراءته مرات ومرات! ومن هذا القليل قصائد الشاعر جواد كاظم غلوم. وقصائد هذا الشاعر جاءتنا كزخّات في عام مطير هو 2011، ولن تعثر له قبل هذا العام على شئ، حتى لتحسبه شاعرا شابا موهوبا تلبّسَه شيطان الشعر مرة واحدة "وهو المعاصي سيد الأرباب"، فتفجرت قريحته عن فيض من شعر مائز يحمل بصمات قائله، لغة وعاطفة وفكرا وصوتا واضح النبرة لا يختلط مع بقية الأصوات على كثرتها. قصائده ليست من ذلك الشعر الذي يُقرأ على عجلة في سيارة أو من ضرب ما يسمى بقراءة قبل النوم، بل تحرضك على الاستغراق فيها حتى آخر الشوط فتجزم أن هذه الأفكار وهذه اللغة وهذه العواطف لاتكون إلا لشاعر خبرَ الحياة وخبرتْه، ولا بد أن يكون شاعر كهذا إلا وقد مارس الشعر بصمت وله معه مشوار غير قصير.

من بين العديد من قصائده التي نشرها على مختلف المواقع تبرز قصائده عن الطيور، وعلاقته معها ليست بعلاقة نمطية كتلك التي اعتدنا قراءتها في الشعر العربي قديمه وحديثه. ذلك أن استقراء سريعا للشعر العربي يُخبر بأن الشاعر العربي كان على علاقة هامشية خارجية بالطيور، تتسم بالنمطية في جل الأحوال، حتى وإن تغيرت أنماطها وجاشت عواطفها، فهي إما علاقة وصفية بلاغية كما عند أبي صخر الهذلي: (وإني لتعروني لذكراك هِزّة***كما انتفض العُصفور بلله القطر) أو علاقة مناجاة كما عند ابي فراس الحمداني: (أقول وقد ناحت بقربي حمامة***أيا جارتا لو تعلمين بحالي) أو علاقة مناوحة كما عند عبد الرحيم البرعي اليمني: (كلما ناحت حمامات اللوى*** في أراك الشِعب ناوحت الحماما) أو علاقة تمني امتلاك جَناح كما عند قيس بن الملوَّح: (أسِربَ القطا هل من معير جناحه؟***لعلي الى من قد هويت أطيرُ!) أو علاقة مذاكرة كما عند عبد الله بن الدمينة الخثعمي (أانْ هتفت ورقاء في رونق الضحى***على فنن غض النبات من الرندِ)...بينما انفرد أبو تمّام بأبيات قليلة غاية في التركيز والروعة في وصف قُمريتين يرتشفان الحب بينما هو سادر في وحدته وحزنه أذكرها لفرادتها وتميزها:

غنّى فشاقك طائرٌ غرّيدُ***فدعت تقاسمُه الهوى وتصيدُ / ساقٌ على ساقٍ دعا قُمريةً***لما ترنّم والغصون تميدُ / إلفانِ في ظل الغصون تألّفا ***والتف بينهما هوىً معقودُ.

ولا أود الإفاضة في هذا المجال الواسع، بيد أنه لا مناص من التذكير بالشاعر فريد الدين العطار الذي خصص 4650 بيتا من مطولته "منطق الطير" للشعر الصوفي الفلسفي حيث موضوعها بحث جمهرة من الطيور عن طائر وهمي هو السيمورغ (من الفارسية =الثلاثون طائرا)، الطيور ترمز للسالكين المتصوفة الباحثين عن الذات الإلهية مرموزةً بالسيمورغ.

لم يصبح الطائر في الشعر رمزا للحرية إلا في مرحلة متاخرة كما هو الحال في اشعار ايليا أبو ماضي في "البلبل السجين"، أو في قصيدة "البلبل" لعلي الشرقي، أو "هند والهزار" لبشارة الخوري، حيث الهزار المغرد الذي خرّ صريعا بفعل حجر هوالشاعر نفسه الذي يختم القصيدة ب: ياهند إني كالهزار فإن يكن*** هو مذنبا فأنا كذلك مذنبُ

والشاعر جواد كاظم غلوم ارتقى في علاقته مع طيوره الى علاقة خاصة تجاوزت العلاقة الخارجية الى قراءة الطير داخليا واستبطان احاسيسها، وهمومها، وأفكارها، وهل للطيور أفكار؟ إذا عرفنا أن الشاعر جعل الطيور معادلا موضوعيا للإنسان في رحلة معاناته الأبدية واغترابه يكون عندئذ الجواب بلا ريبة: نعم! كما أن الشاعر اختار طيوره بعناية لم يتوفر عليها الشعر العربي إلا لَماما. أتوقف مع ثلاث قصائد: بَغاث الطير، وطائر الميمك، والسّوذق. وله قصيدة أخرى عن الحمام، هذه القصائد الثلاث يمكن اعتبارها مطولة واحدة بثلاث حركات نظرا لتقارب موضوعها إن لم ندّعِ وحدته، وتماسك النسيج الشعري من خلال السرد الحكائي رغم اختلاف أبطالها الطيور وتنوعهم. ولكون هذه الطيور غير عادية ولفهم دلالتها الرمزيه عمد الشاعر الى توضيحها بهوامش ليسهلَ فَهمُها على القاريء. ولهذا فإن قراءة القصائد متسلسلة تتيح فهما شاملا وتسمح بإدراك تطور الشعرية من قصيدة النثر الى قصيدة التفعيلة عبر هذه القصائد الثلاث.

في تعريفه لبغاث الطير يقول ابن سيّدة:" بَغاث الطير وبُغاثها،ألائمُها وشِرارُها، وما لا يصيد منها، واحدتها بَغاثة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، مثل نعامة، نعام، وتكون النعامة للذكر والأنثى سواء"، وأنا أزيد حمامة، حمام. أما الطير فتخبرنا المعاجم بانه اسم لجماعة ما يطير، مؤنث، والواحد طائر.(راجع لسان العرب جذر: بغث، وجذر: طير). وبغاث الطير لاتعتاش من صيدها، ولا تبلغ أعالي الجبال ولا شواهقها، إنما هي طيور متطفلة على ماتصيده الجوارح، ومسكنها دائما دون السفوح، وكم ينطبق عليها قول الشابي: ومن يتهيب صعود الجبال***يعش أبد الدهر بين الحفر...

في المقطع الأول من بغاث الطير توصيف لحالة الخراب، الخراب الشامل الذي طال كل شيء ، الكنيسة والجامع ، الحقل والمصنع ، الفن والأدب ، حتى رائحة الاشياء وعبقها أصبح شيئا آخر ، فلنسمع:

هذي التراتيل الكنسيةُ / في بوحها المطبوع بالألق السماوي / أضحت إيقاعات لمغنٍ عاهر / في ملهىً بذيء / رفاة الموناليزا.. / يتراكم في حاوية للنفايات / المقابر لم تعد تترنم للأرض / فقد خذلتها ماكنة المصنع المشيد فوقها / المآذن لم تعد تتضرع.......المزارع الوافرة بالبرتقال / وشذى الأقاحي / أضحت وكرا للخاطفين / وشاحذي الفدية.

في المقطع الثاني تساؤل استنكاري(لا إنكاري) عن هذه الأمطار التي تاتي بها غيوم ملوثة،تزيد اليباب يبابا، والفقر فقرا،يأتي الشر من "الخير"من التكايا، والناس تهرب لا تلوي على شيء فالنوارس تتخذ المداخن ملاذا بدل البحر ،تستبدل السخام بزرقة البحر!وكذلك اللقالق هي الأخرى هجرت القباب والمآذن ولاذت بالمداخن ولم يعد بياضها بياضا ناصعا فقد اتسخ بالسخام! وحل محلها بغاث الطير!

ما هذه الغيوم التي ترشنا بمطر الأسى؟ / ما هذا الفيضان الضال يُغرِّقنا بالخراب؟ / يلاحقنا أينما حللنا / ما هذه الأغربة التي تطوف فوق رؤوسنا؟ / وتهطل علينا بسجيلها المجمر / لم تعد النوارس تصطفُّ / في مرفأ القلب / وضفاف العيون / فقد بنت أعشاشها فوق المداخن / ما برحت تنفث دخانها الأسود في سمائنا المرصعة بالهموم / وتنشر جنجويدها في حوارينا.

ويستمر الشاعر جواد كاظم غلوم في هذا السرد الشعري، بمخيلة يستمدها من الواقع المأزوم، في عالم ملتاث وملوث ، تحكمه قوانين بغاث الطير التي مانفكت تتكاثر وتفسد في الأرض، ويبقى السوذق الشاعر وحيدا مغتربا يأبى الذل :

بغاث الطير أكثرها فراخا***وأم الطير مقلاةٌ نزور

فلنسمع شيئا من المقطع الأخير:

وحدك أيهاالسوذق الباشق / فامرح واسترح / سأفرش جفني بساطا حريرا / مخملا ناعما لا يُطوى أبدأ / مهما تلبدت الغيوم / وتعكرت الأجواء / واحمرّت السماء / وغبرت الأرض الخضراء.

 لو قدِّمت لي هذه القصيدة بدون اسم شاعرها، لحسبتُها مقاطع منسية من" الأرض اليباب"، ترجمها مترجم حاذق،،،

 

2) حكاية الميمك الحزين

عند الإنتقال من "بغاث الطير" الى "طائر الميمك"، يُلحَظ تغير واضح في الشعرية متمثلا بالعبارة الشعرية التي بانت مكثفة، والسرد الشعري الذي هو دَفَقٌ من إرهاصات ذاتية حزينة، كما أن الجانب الصوتي الشعري بدا بالأرتفاع بفعل سيادة التفعيلة "فاعلن" وظهور للقوافي المتنوعة في عدة مواضع ،كل ذلك بشكل انسيابي لاتكلف فيه. وفي الجانب العاطفي تحول الإنفعال الغاضب الى لغة هامسة حزينة لا سيما في الحركة الأولى ، مع مخيلة خصبة لم تتراجع رغم طول الشوط! إن هذه التغيرات ترجع الى تغير الطيور، من طيور شريرة متطفلة تعيث في الأرض فسادا، الى طائر جميل صادح هو "طائر الميمك" الميمون.

هذا الحوار بين" الميمك" والشاعر في حقيقته ليس حوارا بقدر ما هو تداعيات ذاتية مستمدة من الواقع المعاش للشاعر نفسه، ولئن بدا في الأمر غرابة في شعرنا العربي فليس الأمر كذلك مع الشاعر الرومانسي الإنكليزي برسي بيش شيلي في رائعته "الى قبّرة"، فالقبرة التي عبّر عنها الشاعر ب"الروح المتألقة" التي تنطلق نحو السموات العُلى كوهج من نار ، ثم تتلاشى مخلفة غناءها الذي يبقى مسموعا كما وردة قابعة بين الأوراق ماانفك عطرها يضوع وهي لا تُرى، فالقبّرة هي الشاعر المبتهج، أما "ميمك" جواد كاظم غلوم فهو الشاعر الطائر المحزون المهاجر الذي عاد وليته ما عاد!

هذا الطائر الجبلي يؤوب الى دياره في الربيع بعد انقشاع الثلوج يبتني عشا له ولفراخه، فيستبشر الناس بأوبته، لكنه لم يستبشر ولم يتفاءل كما اعتاد فقد مر على" أرض السواد" ولم تكن سوداء للرائي من الصحراء بسبب النخيل سيد الشجر أو الحقول والبساتين بل سوداء لما ينبعث منها من دخان وسخام كما لم يعد ماء دجلة خير ماء ولا الفرات سائغا عذبا فراتا، بل كل شيء ملوث بفعل "بغاث الطير" من البشر التي عاثت في الأرض فسادا وأكلت السحت ولم تشبع! فلنسمع الميمك المؤدب الهامس كيف يشكو آلامه الى الشاعر:

طائر الميمك الجبلي / زارني في الصباحْ / نقر الباب نقراً خفيضا / كمن يستحي في الدخولْ / يستحي أن يقول الكلام المباحْ / واستراح ثوانٍي / وأنشدني مقطعا من اللحنِ / ما هزني / لم يرجًّ كَياني / سكب الصوت في مسمعي ناشزا / وقال بصوت كسيرْ: / الزعيق يحاصرني أينما رحت يا سيدي / النهيق يجلجل في أذني كالطبولْ / أنت ياأيها الشاعر المُكبُ على الكلمات / تعفّر صوتي / وبُحَّ لساني / سئمت الحياة / أرى الجنجويد تصول بحقلي / تعيث فسادا بدارة أهلي / دلَّني عن مكان بعيد أمين / شردتني الأماكنُ / بنيانُها كالقبور / وأفنانُنا كالأفاعي تصير / ...فأشجارنا حملت حنظلا / حسكا شائكا / ربما يُسعف الشعرُ حنجرتي / إنما الشعر والشدوُ خِلاننا التوأمان / فأنا متعبٌ من الشدو في وطنٍ لايُحبُ الغناء...يطاردني كاسرٌ أهوجٌ / أينما طِفت يشتمني / يحيل الرياض هشيما / تصير الورود حصى / والينابيع نافورة من دماء.

إن أنسَ لا أنسَ، منظرا شاهدتُه خلال حرب الخليج الثانية، وقد استحالت مياه الخليح الى سائل يُشبه القطران، بينما انتشرت جثث أنواع من الطيور النافقة على الشاطيء، لاح للمصور طير يسبح بثقل حتى وصل الشاطيء بشِق الأنفس، خرج من الماء / القطران حاول أن ينفض جسمه فلم يقوَ على ذلك حاول أن يمشيَ، بدا سكرانا وما هو بسكران، وقف يدور برأسه ينظر الى الماء الذي استحالت زرقته سوادا، ينظر الى زملائه القتلى من الطيور والأسماك بدهشة، ولسان حاله يقول: ياله من عالم متوحش! ثم جثا على الأرض دون حراك!

في الحركة الاولى يلمس القاري إضافة لما سبق التوافق اللفظي الذي أعطى إيقاعاتٍ وأصداءً موسيقية منسجمة من الصور والتراكيب البلاغية مما يُضفي على النص الشعري شفافية حزينة مؤثرة...تأتي مفردة "جنجويد" للمرة الثانية بعد "بغاث الطير" مشيرة الى عصابات القتل والسرقة والإغتصاب، التي ارتكبت جرائمها في دارفور بحق الناس الأبرياء العزّل..والمفردة على غرابتها أدت مهمتها بفاعلية داخل النص، يُقال أن هذه المفردة أطلقتها إحدى قبائل الجنوب هناك على هذه العصابات التي كانت تمتطي الجياد وتعني "جن الجياد".

نعم سيدي الطائر لا أحد يحب الغناء في بلد الشعر والغناء فقد حلّ اللطم والنوح:

بين حين وحين / أرى غبرة في السماء / أرى كدرا في مرايا الغناء / ....مرة في غروبٍ كئيب / ...سمعت فحيحا / يحط الرِّحال بقربي / تملكني الخوفُ / وارتعد القلبُ رعبا / تصاعد في النحيب / رايت الأفاعي تأكل نسلي / تعيث ببيتي الصغير خرابا / رياضيَ أضحت رمالا يبابا / سمائي علاها السخام / وجلدي حواه الجذام...

هناك تكرار لبعض المفردات والصور، كما في "السخام" أو مشاهد الدمار على لسان اللقلق، وعلى لسان الصقور،وعلى لسان السوذق..ليس هذا النوع من التكرار مملا بل هو تكرار فاعل مقصود أراد منه الشاعرُ تعميم الخراب على الإنسان والحيوان والشجر وجاء بجمالية عالية يشفع له ثراءٌ في المفردات وتمكنٌ في التصوير وتنوع في الأيقاعات وانتقال في التفعيلات منسجم مع الجانب المعنوي وبحبكة فنية عالية. ثم نجد أن الشاعر جواد كاظم غلوم قد أحسن "إسكات" طائرة الجميل بتخلص حسَن، وبإيجاز بليغ: إما أن تستمر بالصدح والغناء رغم عوامل الهلاك حتى وإن بُح صوتُك أو أن تُؤثرَ العافية بأن تنِزعَ ريشَك وتلبسَ الجُبّة وتغطي عُرفك بعِمَّة وتنوح مع النائحين فتسلم بريشك وقد تصبح مسؤولا أو حاكما فعندئذٍ لا تقرب الأفاعي فراخك!! فلنستمع الى الخاتمة:

أشرت إليه ..تعال صغيري / أترضى جواري؟ / أعلمُك الهزجَ والبوح في الظلمات / نصير معا ناعقين على الطرقات / نؤم القبور / ونتلو التسابيح والصلوات / نرتّل أدعية العهر والفسق للميتين / نرتدي عِمّة الزيف للنائحين / وجلبابنا من مخيطِ الشياطين والمارقين،هكذا سنغدو معا سيِّدين / من دعاة الصلاح / نجيد البكا والنواح.

هل هناك ختام هادف أجمل من هذا؟

 

3) السّوذق

ما عساه يقدم لنا في "السَّوْذَق"؟! عندما سمعت بالسوذق أول مرة، خِلتُه طائرا أسطوريا أو خرافيا من عالم "كليلة ودمنة" ولا أدري لماذا؟ ربما للترادف اللفظي مع طائر آخر هو "الفينيق" الذي ينبعث حيّا من الرماد! فلئن كان هذا الطائر من إبداع الميثولوجيا الإغريقية، فإن "السوذق" جاء اسمه من أصول فارسية معربة من "سودناه "ليلة الوَقود" الذي يتأجج به اللهب المقدس، فعُرِّب الى "الشَّذَق". فالسَّوْذق والسَّوْذنيق والسَّوذانق: الصقر وقيل الشاهين، أنشد النضر بن الشميل عن الأرقط: وحاديا كالسيذنوقِ الأزرقِ*** ليس على آثارها بمشفق..(راجع اللسان: سذق)

بينما يهِّمش شاعرُنا غلوم طائرَه المدهشَ هذا: من أنبل الصقور وأقواها عندما يشيخ ويهرم يستجمع كلَّ قُواه الخائرة وبعناء شديد يطير الى قمة الجبل ويسقط في عشّه في الأعالي ويموت منتحرا. إنه طائر فريد! يا لَوقاحة الإنسان البَغاثة، تراه يسرق وينفضح ويندحر ويجرم وينهزم ويبقى متشبثا بكأس الحياة المُرّة حتى آخرِ قطرة!

وإذا كان العرب قد ألّفوا مصنفات في وصف الحيوانات وطباعها وسلوكها ككتاب "الحيوان" للجاحظ و "حياة الحيوان الكبرى" للدميري" فلا شك أن التقدم العلمي خطا خطوات واسعة في دراسة الحيوان وتصنيفه إذ أُلِّفت الموسوعات لكل صنف من صنوفها ولم يُكتفِ بدراسة سلوكها دراسة دقيقة وفق أحدث اجهزة التصوير والمراقبة، ومع تطور علم النفس وتقدم الأبحاث في مطلع القرن الماضي تم تطبيق النظريات ونتائج البحوث النفسية على الحيوانات ومن يبحث في علم نفس الطيور (على سبيل المثال) سيُدهَش لأعداد المؤلفات والدراسات في هذا المجال، فقد وجد العلماء أن كثيرا من الأمراض والحالات النفسية المشتركة بين الإنسان والحيوان بما فيها الإكتئاب الذي قد يصل الى الإنتحار!

والإنتحار إن لم يكن رد فعل لصدمة عنيفة (كخسارة أو فشل أو فضيحة...) فهو متلازمة استلابية بل قمة الإستلاب أي أعلى درجة التناقض مع المحيط والذات، وسيطرة تامة لفكرة اللاجدوى من استمرار العيش فيضع الفرد نهاية لحياته بطريقة ما. ولا نود الاستفاضة في موضوع انتحار الحيوان، بيد أن انتحار السوذق يُعطي معنى الانتصار على الذل والهوان، وكأني به يردد قول الشاعر: إن موتي انتصار.

في الحركة الأولى يقدم السوذق نفسه باعتداد عال بالنفس وبمفردات قوية الدلالة فهو سيد الفضاء، كلماته تأتي بإيقاع سريع مع روي الميم والراء الساكنين،مما يوحي بأنه يبسط جَناحيه ويضربهما بقوة ليبدأ بالإرتفاع بما يُعرف بالطيران المجذافي حتى إذا بلغ المدى الذي يُريد من العُلو ويبدو سيد الفضاء حينئذ يبسط جناحيه ويستعملهما كدفة يختال في طيرانه يرنو الى الأسفل بعيون حِداد لا تُخطيء طريدتها سواء في الجو أو البر:

أنا هو الشاردُ في القممْ / صيّرني الإله كائناُ / أجول في الفضاء باحثا عن الرِّممْ / لعقت ناراٌ / وتجمرتُ مراراٌ في الحِممْ / خيّرني الإله ان أكون مارجاٌ من نارْ / أو طينةٍ تضجُّ بالأسرارْ / لكنني فضّلت أن اكون هيكلاٌ / مشرداٌ أعيشُ في شممْ

هذا هو السوذق إنه طائر الإباء والشمم، لا يبيت على ضيم ولا يتطفل حين يحلو التطفل للبغاث. أما في الحركة الثانية فهو بلغ أعلى مستوى يقدِر عليه، وسيتكلم بأعلى صوته لأنه سيخاطب الخالق ويريد أي يُسمعه شكواه ومحنته علّه يساعده ويأخذ بيده، فلنسمعِ الصوت و لنتأمل كيف تتغير اللغة والقوافي الى روي ساكن قبله احرف مد تتساوق مع الألم، فالحوار فريد والكلام أولا للسوذق الذي يعرِض شكواه للخالق السميع:

ومن عُلوٍّ شاهق بعيدْ / ناديتُه / قلت له: ياخالقي العظيمْ / أنا ابنُك المطيعْ / هب لي جناحين كبيرين لكي أجولْ / أرش في الآفاق طيبا / أنثرُالرَّحيقَ والعبيرْ / من أول الأرض الى آخرها البعيدة المنال / ألملمُ الزيف وأغسل الأدرانْ / وسط أديمنا الغارقِ بالأحزان،.

 

ولا زلنا بالحركة الثانية، تبين لنا أن السوذق لا يريد من الخالق أن يمنّ عليه لذاته بل يريد أن يرش العطر بالآفاق وينثر الورود على كل "المعمورة" ويجعلها نظيفة من النفاق والخطايا والدماء فهو ليس يطالب أن يكون قويا متجبرا، فلنسمع السميع ماذا أجاب:

 

يا أيها المخلوقْ / يكفيك ما أُعطِيت / وهبتُك العيونَ تبصرُ البعيدْ / والشاردَ الغائبَ والخفيْ / ملّكتُكَ الفؤادَ كالصوانْ / فرشتُ هذه الأرضَ مهادا / يرتمي بحضنها الحنان / ...منحتك الجنةَ عرْضها البحارْ / تخومها الجبالُ / والسهولُ / والوديانْ / نثرت في أعاليك من المنِّ / من السلوى / بما يفيضْ / شققت في سهولك "الكوثر" / تسقي في ربوعك النماءَ والنقاءْ / زرعت في واديك نخلا مترعا / ما أن تهزهُ / يسقط حبات جنيات / كشهدٍ ماله نظير.

 

ويستمر الخالق في إسداء النصح للسوذق مع أدعية علّها تهدئ من روعة وتسّكن آلامه بعد أن يتخلص من فانوسه السحري في مكبّ للنفايات:

 

تعال كي أهمس في أذنيكْ / أدعية الخلاص والنجاة / تسمعُ من جلالتي ترتيلة السماءِ / وابتهالا من ملائكٍ أطهارْ

 

ويبدو أن السوذق شعر بخيبة أمل، فما جدوى الأدعية إن لم تغير الواقع، إن لم يحظ بأجنحة أقوى وأن يمنحه البأس والقوة والخلود لكي يقضي على بغاث الطير التي مانفكت تعيث في الأرض فسادا لذا قرر ألخالق أن يبوح بسر فما هو السر؟

 

هناك في السماء زمرةٌ من الشياطينِ / تعكّر الأجواء / ترجم بهجة النجوم بالخرابْ / تعرقلُ الخطى / وتنسلّ بعيدا مثلما السرابْ / إياك أن تغفل عنها أيها السوذق يامخلوقي الشريد / ...عليك أن تجذَّّ رأسها المترعَ بالسموم / عليك أن تبترَ نسلها المليء بالزقوم / عليك أن ترجمها من حجر السجّيل / بفأسك الثقيل.

 

هناك تماسك فريد، وجزالة في اللفظ ووضوح في العبارة الشعرية وصور تتوالى بل تنهمر رغم طول القصيدة، أنه تمهيد لسر خطير يبوح به الخالق لمخلوقه الذي سينكفيء حسيرا! لأن الخالق أوصاه بالإنتحار!! بغاث الطير لم تُبقِ مكانا في الأرض لم تفسده بل صعدت الى السماء ! يحكى أن الشاعر الشعبي ملا عبود الكرخي أراد ان يشتري سمكة فراح يفحص ذيلها ويشمه فقيل له: ياملا أنما تُفحَص السمكةُ من رأسها وخياشيمها لا من ذيلها، فرد: أعرف ان الرأس عفن أنما الذي لا أعرف هل وصل العفن الى الذيل! يختتم الشاعر ثلاثيته بخاتمة حزينة:

 

وعندما يحين موتك الموعود / عليك أن تجمع كل ما لديك من شقاءْ / من فيض كبرياءْ / من قحط الارض ومن تجهّم الظلماء / ....وترتمي في عشك المهجور في العلياءْ / تموت وضاءً كما العيون في مواسم البكاءْ

 

من يتأمل "السوذق" يلحظ بوضوح سيادة المفردات والتعابير القرآنية بما ينسجم والحوار بين الطائر وخالقه: مارج من نار، فرشت هذه الأرض مهادا، الجنة عرضها البحار، المن والسلوى، الكوثر، نخلا تهزه فيسقط حبات جنيات، ترتيلة من السماء، ملائك أطهار، ترجمها من حجر سجّيل.....الخ.

 

يبدو أن الشاعر وقد اكمل ستة عقود وزادها عامين نجح في توظيف خبرته الحياتية فقد نشر شيئا من شعره ومقالاته الأدبية منذ كان طالبا في التربية قسم اللغة العربية في جامعة بغداد ثم استاذا للغة العربية وآدابها في العراق وقد ذاق مرارة الغربة ولم يرجع الى بلده إلا في عام 2004،(راجع قصيدة طائر الميمك)، هذه الخبرة في الحياة وسعة الإطلاع أثرت عبارته الشعرية صوتا ولغة ومكنته من السرد الشعري بانسيابية وسلاسة رغم طول قصائده. فالنص الشعري عنده متحرك بديناميكية تخدم الرمز بفاعلية ملحوظة مع تدرج من النثرية السائدة في"بغاث الطير" الى أعلى مدى من الأيقاعات وتنوع في القوافي في"السوذق" مع إعطاء طيوره المدهشة لغاتها المميزة.أختتم كلامي بمقولة للشاعر الناقد تي. أس. أليوت:"ليس الشعر إطلاقا لسراح العاطفة وإنما هو هروب من العاطفة، وليس هو تعبير عن الذات بل هو هروب منها، فيجهد الشاعرجهده ليحول آلامه الذاتية الخاصة الى شيء خصب ؛ شيء كوني عام لا ذاتي في عملية سكب الذات أو بمعنى أعمق سكب حياة الأديب في الشخصية التي يخلقها"(النقد الأدبي ومدارسة الحديثة / ستانلي هايمن / ت:د.إحسان عباس ص 146ج1) وهذا ما فعله الشاعر جواد كاظم غلوم.

 

خالد جواد شبيل

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2055 السبت 10 / 03 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2013 المصادف: 2012-03-10 07:26:22


Share on Myspace