المثقف - قضايا

صادق السامرائي: سقوط الإمبراطوريات!!

الأرض في مسيرة إنتقالية تواصلية تفاعلية ذات تداخلات متسارعة وإمتزاجات فائقة، وتحولات متوثبة نحو صيرورة إنسانية واحدة، ووطن واحد إسمه الأرض، أو الإمبراطورية الأرضية، أو الدولة الأرضية، وغيرها من المسميات التي ستكتسبها حتما في مراحلها القادمة، وهي تتطلع للتواصل مع جمهوريات كونية وإمبراطوريات فضائية، صارت قاب قوسين أو أدنى من إكتشاف وسائل الإتصال معها عبر شبكات كهرومغناطيسية ذات طاقات إندماجية عالية، حتى ليبدو الكون للأجيال القادمة على أنه فضاء يزدحم بالحضارات والإمبراطوريات الثاقبة الإمتدادات.

ويبدو أن الأرض قد آوت في دائرة قصية فرضت عليها عزلة قاسية، وتسببت بإستنقاع ما فيها، وحوّلتها إلى تفاعلات سلبية ذات إرادات بقائية محكومة بقوة الدوران وقبضة الجاذبية.

لكن المخلوقات الأرضية وعبر مسيرتها الأزلية – الأبدية قد تمكنت من الإنتصار على واقعها الإنعزالي، وإبتدأت مشوارها التفاعلي الإمتزاجي في وعائها الدوّار، وقد أخذت معالمه تتجسد في بدايات هذا القرن، وتتعاظم حتى تحوّلت المجتمعات إلى خليط من جميع الأجناس والأعراق والثقافات، وهذا يعني أن الأرض قد بلغت سن الرشد، وإكتسبت حكمة ذات قيمة حضارية تنافس بها حضارات كونية أخرى، ذلك أن المجتمعات الكونية واحدة في كينوناتها المطلقة، لأنها قد إمتلكت قدرات التواصل منذ نشأتها، أما المخلوقات الأرضية فأنها عاشت في عزلة شديدة على مدى المسيرة القاسية لمخلوقاتها، وما أن أزف هذا القرن حتى إستيقظت على ثورات تكنولوجية فاعلت جميع مخلوقاتها على شاشة صغيرة.

وهذا يعني أن الموجودات الأرضية صارت تجري نحو بعضها، وتسعى للإختلاط والذوبان في كياناتها، لإنجاب أجيال ذات إنتماءٍ أرضي أصيل، مما سيؤدي إلى فشل المشاريع الإنعزالية والإمبراطورية الحالمة بإقامة حالات داستها سنابم القرون ومحقتها.

فما عاد هناك فرصة لإمبراطوريات وفئويان ومذهبيات ودول حزبية ودينية وقومية، وغيرها من التصورات والأوهام التي عبثت بمصير المخلوقات، وفتكت بالبشر والعمران وأحرقت وأتلفت وأبادت وإرتكبت افظع الجرائم بحق البشرية جمعاء.

هذه النزعات والتوجهات أصبحت في عداد الموتى، وفي مقبرة الماضي، فلن تنجح الجهود الهادفة لإقامة إمبراطورية أيا كان نوعها، ولن تفلح المشاريع الإنعزالية والفئوية والتحزبية، لأنها خارج العصر وضد نهر التأريخ الجاري بتيارٍ عنيف.

وما يجري في العديد من المجتمعات المتمحنة بتصوراتها الخائبة ورؤاها السالبة، سببه عدم توافق إيقاع خطواتها مع إيقاع خطوات التأريخ، وما يدور من حروب أهلية وصراعات طائفية ومذهبية، ما هي إلا علامات لفظ الأنفاس الأخيرة للأفكار البائدة المتعارضة مع قوانين التأريخ الصارمة، والمتحدية لإرادة     الأرض العارمة.

فالأرض تدور وتريد أن تمزج ما على ظهرها وفيها، وقد نجحت وتأكدت إرادتها الدورانية، وكل وعاء يدور يمتزج ما فيه وبعضه يأبى الإمتزاج، فيتعرض لقوة دورانية طاردة تلقي به على الأطراف، كما تلقي الأنهار ما فيها من الشوائب والفضلات على الجرف أو الضفاف، وهذا ما يحصل فعلا وواقعا في عصرنا الإمتزاجي الفعّال.

أي أن هذه الصراعات عبارة عن فقاعات تلفظ أنفاسها الأخيرة على جرف هارئ يحتشد بالوعيد، ولن يبقى إلا ما ينفع الناس أما الزبد فيذهب جفاء، وتلك حقيقة شمّاء!!

والذي سيبقي على زخم نزقه الإمبراطوري فأنه سيندحر وستُذهب ريحه أعاصير الإمتزاج العولمي التسانومية الطباع والتفاعلات!!

فهل إدراك معاصر لقوانين الحاضر والستقبل؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3603 المصادف: 2016-07-17 05:09:47