المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق، وَهْمُ الدولة (29): بدايات الضعف الشيعي

salim alhasaniاجتمعت عدة عوامل على إضعاف الكيان الشيعي بعد سقوط النظام عام 2003، فالكيانات الشيعية من كتل وأشخاص حملت مشاريعها الخاصة واتجهت صوب تحقيقها مأخوذة بهذا التغير الجوهري الذي حصل في العراق، وبسهولة الوصول الى الأهداف، نتيجة الفوضى التي أحدثها الإحتلال الأميركي والانهيار الخاطف للدولة.

 كانت السلطة هي الهدف المشترك للكيانات السياسية (الشيعية والسنية والكردية)، وهذا ما جعل السعي إليها يخرج من دائرة الحسابات العميقة الى النظرة الظاهرية العاجلة، اي أن تفكير اللحظة هو الذي سيطر على التوجهات العامة. وكان جزءً من ذلك التنافس له ما يبرره، فالكرد كانوا يعرفون بالتجربة التاريخية التي عاشوها بعد الحرب العالمية الأولى، أن التفريط باللحظة يعني ضياع المستقبل الى النهاية، والسنة أدركوا ان الديمقراطية ستحرمهم من الحكم، فلا بد من صياغة نوع منها يضمنون بهم قوتهم، أما الشيعة فقد اطمأنوا الى انهم وصلوا الى الحكم بحكم كثرتهم العددية، فدفعهم هذا اليقين الى التنافس فيما بينهم للحصول على المكاسب الأفضل.

 ...

سيطرت هذه الرغبة على الكيانات الشيعية وعلى الأشخاص من ذوي الطموح والتطلع الذي يولد عادة في مثل هذه الظروف. فبرزت فجأة ظاهرة المراجع الجدد، وكأن سقوط النظام مثّل مرحلة الولادة للمرجعيات المصطنعة، وهي ظاهرة غريبة تكفي لوحدها لإدانة هذه المرجعيات والتشكيك بنواياها، فالاجتهاد والأعلمية لا تولد هكذا متزامنة مع سقوط النظام ومع ظهور الفوضى في البلد، إنما لها ضوابطها المعروفة على مرّ تاريخ الحوزات العلمية.

وحتى في أول تجربة لهذه الظاهرة بعد الاحتلال البريطاني للعراق، فان الانكليز لجأوا بعد عدة سنوات الى تشجيع ودعم بعض رجال الدين والذين كانوا يسمون بـ (علماء الحفيز/ اي الأوفيس وهو المكتب)، وذلك لإرباك الجو الشيعي، وخلق قوة من هؤلاء يؤثرون في الوسط الشيعي المرتبط بشدة الى مراجع الدين.

لكن ظاهرة المراجع الجدد ولدت بسرعة مذهلة بعد الاحتلال الأميركي، واكتسبت الاتباع والانصار بشكل لافت. ورافق ذلك اتجاه مجاميع نحو العمامة والزي الديني يتوزعون على مناطق العراق، ويدعّون الكرامات ويبنون المقامات الدينية ويمارسون الشعوذة، فلقد كانوا يجيدون هذا الدور، وجمعوا حولهم الاتباع والمريدين وصاروا كيانات قائمة لا أحد يعرف من وراءهم وكيف توسعوا بهذه السرعة.

وكان للتيار الصدري حضوره المتقدم في الساحة، حيث انخرط فيه خليط من المتدينين والبسطاء والفقراء والمجرمين ورجال الأمن والعناصر البعثية، فلقد وجد ذوو السوابق فيه الغطاء الذي يحميهم، وأدرك البعثيون أنه الحصن الآمن لنجاتهم من المطاردة، وأيضاً شهد التيار كثافة في الإقبال على العمامة والزي الديني، في جو ضاعت فيه المقاييس والاعتبارات.

وقد أجمع التيار الصدري على تقديس زعيمه مقتدى الصدر، ووضعه في منزلة الأولياء المصطفين، حتى وصلت عند قسم منهم الى المهدوية والامام المنتظر.

 ...

هذا النسيج الفوضوي من الكيانات والوجودات والاشخاص، جعل الكيان الشيعي عنواناً كبيراً في الظاهر، لكنه مهدد بالتفتت من الداخل، فعناصره متقاطعة ومتنافسة ومتصارعة.

لقد خلقت تلك الاجواء التنافسية رغبة قوية عند كل طرف لأن يحافظ على وجوده أمام زحف الكيانات الأخرى، فمن يترك السعي نحو القوة والسلطة، فانه سينحسر من الساحة. وبذلك ساهم الشيعة بهذه التشكيلات والتوجهات في رسم أولى محطات ضعفهم. إنها المسؤولية التي يتحمل تبعاتها الجميع.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

يادكتور اين دور المرجعية من كل مايحصل على الساحة الشيعية ولماذا لاتتحرك وتفرض هيبتها اذا كان لها هناك هيبة بين الاتباع والمقلدين فالحقيقة انه دليل عجزها وضعف حجتها حتى وصل الامر الى تمزيق المذهب شر تمزيق بسب دورها العاجز وموقفها المتخاذل ازاء مايعانيه المسلم العراقي والشيعي خصوصا كونه من اتباع المذهب فمسؤولية هذه الفوضى تتحملها هي وليس الاخرين

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3635 المصادف: 2016-08-18 13:45:40


Share on Myspace