المثقف - قضايا

عبد الجبار العبيدي: حقيقة الأسلام الغائبة (12): سلطة فقهاء الدين وسلطة السياسة أيهما أنفع للعامة

abduljabar alobaydiان ألتزام الخليفة المآمون بالفكر المعتزلي لم يأتِ من فراغ، وأنما جاء من واقع عملي عمل له المآمون سنينا طويلة حتى ادركه.فالصراع بينه وبين الفقهاء لم يكن صراعاً عاديا، بل كان صراعا سياسياَ دينيا . فالمآمون يريد به انتصار العباسيين على الفقهاء لأبقاء الدولة له ولأبنائه من بعده، وهم يريدون انتصار الدين التقليدي على العباسيين لأبقاء الدولة تحت سيطرة أفكارهم كما كانت في عهد الخليفة المهدي .فكان المآمون في الجانب الايمن، والفقهاء في الجانب الاخر.

وحتى يجد الخليفة المآمون المبرر من اجل تصفيتهم، لابد من آثارة مشكلة دينية كبيرة يثير منها عاصفة الحوار الهادىء، ثم يحوله الى حوار ساخن، تمهيدا للانفراد بالسلطة السياسية والدينية معا.من هنا اثيرت مسألة خلق القرآن واجبار الفقهاء على القبول برأيه والاذعان له، والا بينه وبينهم السيف الذي لا يرحم.. وحين وصل الامر الى مايشبه الأصرار على رأي الخليفة، اصر الفقهاء على الرفض بأن القرآن غير مخلوق وأنما هو كلام الله المنزل على عبده دون الافصاح عن التفاصيل.وكان الفقيه احمد بن حنبل هو الذي رفع الراية بوجه المآمون معارضا ما اراد الاقرار به، بينما وقف القاضي الفقيه أسحاق بن ابراهيم بجانب المآمون .

واستمرالسجال بين الطرفين، بين قوة تَحكم وبين قوة تُحكم، والنتيجة في دولة اللاقانون ان الانتصار دوماً للقوة الغاشمة الأقوى على الاخرى بغض النظر عن الحق والعدل الذي لا يساوي في حسابها شيئاً، وهذا هو الذي أوقع دولنا ومجتمعاتنا في محنة الزمن القاسية منذ بداية الانحراف السياسي على عهد الامويين والى اليوم . فلا زلنا نعاني الامرين. وحين أدرك بعض الفقهاء ما يريده الخليفة المآمون وما يقصد، وهو تشكيك الناس في أيمان الفقهاءلاسقاط هيبتهم ونفوذهم في المجتمع، وان المآمون كان مدفوعاً بدافع العاطفة السياسية والدينية التي لا تعرف حقائق الامور سوى ما يهيأ لها من أفكار خاطئة من قبل فقهائه المنتفعين من أغراءات السلطة، أصر الجانب الاخر ان يخوض المعركة ضده الى آخر الشوط لقناعتهم بصدق ما يعتقدون.

لقد هدف الخليفة المآمون من مشروعه الديني الباهت الى كسب الشرعية الدينية لدولة بني العباس، تلك الدولة التي عاشت أكثر من خمسمائة عام بلا شرعية دينية، لانها مغتصبة للحق الديني والاجتماعي لعامة الناس، فالدولة عند التغيير من الامويين الى العباسيين قامت على شعار مرن هو (الدعوة للرضا من آل محمد)، فلا هي عباسية ولا هي علوية، بل نصت على المشاركة السياسة في الحكم والادارة – كما هو في عراقنا اليوم -، لكن العباسيين قلبوا ظهر المجن للعلويين لينفردوا بالسلطة، محاولين أنجاح ما فشل فيه سلفهم الخليفة المهدي بأضفاء الشرعية الدينية على دولتهم فلم يفلحوا، ان ما بني على باطل فهو باطل. وستبقى كل الدول التي تقوم على الفوضى والاغتصاب لحقوق الاخرين فاقدة للشرعية الدينية والسياسية والى زوال، كما اخبرنا القرآن الكريم، يقول الحق:(لكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا ًالمائدة 48).

وفي الحوار الذي دار بين فقيه المآمون اسحاق بن ابراهيم واحمد بن حنبل في مسألة خلق القرآن من عدمة، - وهي محنة أنسانية وخُلقية قبل ان تكون دينية - تلمس الاصرار على العقيدة عند الفقيه ابن حنبل وبعض الفقهاء الاخرين امثال علي بن أبي مُقاتل وأبي حسان الزيادي حين يصرون على ان القرآن غير مخلوق، رغم معاناة السجن والتعذيب والترهيب الذي واجهه الفقهاء من سلطة الدولة. وبقوا على أصرارهم لاادراكهم ان المآمون يريد ان ينتصر عليهم، ليبقي دولة الاسلام تحت السيادة العباسية، هذه الدولة التي نشأت على الغصب، بينما هم كانوا يرون ان الدولة ورياسة أمة الاسلام للفقهاء اي للدين وهي غاصبة أيضاً، وهنا يدخل الصراع مرحلة التحدي والسيف. وكانت الحجة عند فقهاء المآمون بمخلوقية القرآن هي الاية الكريمة :( ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحدث الا أستمعوه وهم يلعبون، الانبياء 2).

وهنا لابد لنا من ان ندخل في شيء ليعرفه الناس عن مسألة خلق القرآن وما هو المقصود منه؟

القضية لها جذور منذ عصر الرشيد والخلاف بين العباسيين والعلويين على السلطة ومركز القرار ( أنظر الطبري ج8 ص631 وما بعدها. وحين قرر الرشيد تصفية البرامكة كان بداية النهاية لتفكك الدولة، لان البرامكة هم الذين أصلوا الدولة ونظموها ادارياً ومالياً.ومن جاء من بعدهم من أمثال الفضل بن سهل وطاهر بن الحسين، لم يرقوا الى مستواهم علماً وتنظيماً واخلاصاً وأمانة، وهم اٍسوأ قادة شهدتهم الدولة العباسية بعد الرشيد والبرامكة، فهم الذين دبروا الفتنة القاتلة بين الامين والمأمون لينفرد الفرس بولاية الدولة فحققوا ما ارادوا بقتل الامين والانفراد بالمآمون.لكن الامر أنقلب عليهم بعد ان ادرك المأمون نواياهم الخبيئة ضد الدولة والخلافة فقتل طاهر بن الحسين بيده انتقاما لأخيه الامين، و بعد ان وصلت الدولة الى مرحلة الافساد.

لم يجد المأمون من وسيلة لضرب المعارضين الا وسيلة مبتكرة من الفقيه أسحاق بن ابراهيم ليمتحن فيها الفقهاء ويقضي عليهم الا وهي وسيلة (هل القرآن محدث ام قديم، مخلوق ام غير مخلوق)؟.وسواءً كان القرآن قديم ام مُحدث فهو سيان،

لانه مخلوق وخالقه هو الله فأين هو الخلاف؟

 الخلاف ان المأمون اراد ان ينتزع الشرعية الدينية من الفقهاء ليحولها للعباسيين في حكم الناس، فأذا ارتضت به العامة رئيساً دنيويا عليهم ان يقروا بولايته الدينية الشرعية ايضاً، ومن هنا يكسب لدولته الشرعية الدينية التي عصت على من سبقه تحقيقها.، وهذا كل ما في الامرليجعل من مناهضة الفقهاء وسيلة لتشكيك الناس بهم والانفراد بالامر دون الاخرين.والحقيقة ان المأمون محق في ابعادهم وتصفيتهم بعد ان أدرك ان الفقهاء لا يهمهم من الدين الا رأيهم الاحادي الذي به يتهمون الاخرين في قصور الدين ودغل افكارهم، ,هم هكذا دوما والى اليوم، رغم ان قضية خلق القرآن قضية أصلا لا دينية ولا غير دينية، ,انما هو التحدي للفقهاء وكرهه لهم، الطبري ج8 ص633.

 لكن جهوده خابت بالفشل لانه كان ضعيف الحجة مما قصد ويريد.، ولانه لم يجد الحجة القائلة بمخلوقية القرآن ولم يجد فيه آية قرآنية واحدة تقول أنا خلقنا القرأن، بل وجد: (انا جعلناه قرآناً عربياً، الزخرف 3). فأنكف وبعدها مات في الرقة سنة 198 للهجرة.

وفي الخطاب الموجه من المآمون للفقهاء ما هو الا حملة سياسية قوية يرافقها التهديد بوصفهم بمتصنعة أهل القبلة وملتمسي الرئاسة وهم ليسوا من أهل الملة من القول بالقرآن، ومن يتابع خطاب المآمون الى الفقهاء في الطبري ج8ص631-633 لا يجد فيه شيئا يقوله مدعوما بالحجة والبرهان سوى سرد تاريخي لا معنى له، وحين خاب في خطابه اراد ان يمتحنهم بما يعتقد، ففشل مرة اخرى، وهكذا يفشل الاصرار الباطل امام الحجة والمنطق على دوام التاريخ...انه خطاب يقصد منه الاعتراف بقوة السيف لا بقناعة المنطق، أنها لم تكن حديثا في دين او مناقشة في عقيدة، أنما هو أرهاب للناس، من استجاب نجى، ومن لم يستجب قتُل. وهذه هي ديدنة دكتاتورية التسلط والرأي الواحد.

يبدو ان السيف أخاف الكثيرين الا الذين ثبتوا على العقيدة والمبدأ ويقف أحمد بن حنبل في مقدمتهم، لكن السجال ظل مستمراً ولم ينتهي الا بالمنية التي عاجلت المأمون فمات بالرقة سنة 198 للهجرة وعمره 48 سنة، دون ان يحقق ما يريد من مشروعه المبهم.

وبوصيته التي تركها لاخيه المعتصم اصر بها على تحقيق ما كان يهدف اليه والوصية منشورة في الطبري ايضاً. لكن المعتصم لم يتمكن من ان يصل الى مايريد فمات هو الاخر بعد ان حل بالدولة الخراب والتفكك وذهبت عاصمة الخلافة بغداد لتنزوي في زوايا التاريخ لتخلفها سامراء بعيدا عن المشاكل والقلاقل بين الترك والفرس والعرب ليخلفة المتوكل (ت232للهجرة) الذي امات الفكرة وصانعيها من الفقهاء معا، وقاد انقلابا سياسياً ودينياً على الفكر والمفكرين حتى انتهى بنقل الدولة من حالة الانفتاح العلمي الى حالة الجمود الفكري .

وهنا لا يمكن فهم أساس الاسس في العقيدة الا في حرية الرأي والمعتقد، فأذا حكم الناس أنسان ظالم علينا مناهضته دون ان نترك ذلك لمقولات القضاء والقدر، لان العقيدة والمجتمع تقوم على قوانين موضوعية لا يجوز التنصل منها او اهمالها، وبالتالي فأن نظرية الحق والعدل هي التي تسود في نهاية الامر.مع الاسف ان مجتمعاتنا العربية والاسلامية تخلت في مواقف كثيرة عن هذا الامر الرباني مما جعلنا نخوض في متاهات الفوضى والتخلف سنين عديدة، ولا زلنا الى اليوم .لذا يجب علينا ان نفهم معنى قضاء الله وقدره في اعمال الناس وحقوقهم الاساسية حتى لا يتسلط ظالم بقوة السيف عليها مهما تجبر وطغى.

فهل كانت الدولة الاسلامية ملكاً عضوضاً للامويين او العباسيين ؟ بنظري لا يستحقها احد منهم، لانها ملك الامة وهي التي تختار الخليفة وهي التي تعزله اذا لم يحسن القيادة بالحق والعدل، وهذا هو الذي ينبغي ان نقرره دائماً لان زعامة أمة الاسلام للحق لا للقوة والعصبية. وهذا ما فقدناه منذ بداية التأسيس حين تركت سلطة الدولة بيد الخليفة دون تحديد مدة او مدى سلطان، والسياسة تعمي البصر، وتضلل الذهن وتملأ القلب قسوة، وتجعل الانسان يرتكب جرائم لا توصف من اجل ان يبقى السلطان في يده، ولا تقل هذا منزه وذاك غير منزه، فالكل ان لم يضبطهم القانون وتراقبهم مؤسسات الشعب فهم في غيهم يعمهون.

 لذا فالدستور يجب ان يكون واضخاً والقانون مطبقاًعلى الجميع دون تفريق، ساعتها تسود الدولة العدالة والاستقرار ودولة القانون. فلا دولة بلا دستور كامل وقانون واضح مطبق ليحدد سلطة الحاكم والفرد ويحفظ الامن والمال والنفس.

والقرآن والحديث النبوي الشريف واقوال الصحابة المؤمنين كلها تصب في هذا الاتجاه السليم لكن الخلافة حورتها وزورتها لصالح السلطة لا غير مؤيدة من فقهاء الدين الذين هم اساس البلاء منذ عهد الدولة الاسلامية والى اليوم، والقرآن لا يعترف بسلطتهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس.ان التوجه القرآني منذ البداية كان توجها أنسانياً نحو عدالة الحق والقانون وهم المخربون ؟

فهل يدرك الخلف ما أودعه السلف، ام يبقى على رأيهم من المخالفين؟

كفاية فقد أكلنا الزمن، فلا بد لنا من ضرورة تقويم التاريخ ونبدأ بعملية الاصلاح الحقيقي بعد ان نضع الاصول في منهجنا الدراسي ونقرأه بعناية بعد ان ابتعدنا عن الدرس والتمحيص، وتركنا الأمر لهم على الغارب وها نحن اليوم نحصد ما زرعوا..؟

فهل يدرك أولياء الامر... ان العقل والقانون هما اساس استدامة الدولة وحياة البشر ...؟.

 على المؤرخين ان لا يجعلوا منهج التاريخ مجرد نزاعات على السلطة، بل رسالة ومثل عليا وقيم، فاذا لم تكن له رسالة وغاية أو روح يصبح حديثاً مكرراً معاداً لا معنى له. فهل سيعي اصحاب السلطة ما عملوه من نهب اموال الناس وتدميرهم، واليوم هم في حياتهم المملة محصورين في أخطائهم يقتلون أنفسهم بأيديهم...

نعم انه قصرُ نظرٍ في تفكيرهم الذي بدونهِ لا حياة لهم ولا للبشر...؟

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3683 المصادف: 2016-10-05 11:09:02


Share on Myspace