المثقف - قراءات نقدية

الفنان الفلسطيني التشكيلي محمد نصر الله

hyam qabalanبرعشة ريشته

بين رمل وبحر وتراب

 

أثناء تواجدي قبل يومين في عمان، برحلة خاصة وسريعة، التقيت بالرسام والفنان التشكيلي الفلسطيني المولود في الأردن محمد نصر الله،دعاني الى مرسمه الذي يطلق عليه " عشّ الرّوح"، وحتى لا تأخذني الدهشة لدخولي لأول وهلة،، تنقّلت بخطواتي المرتجفة من لوحة لأخرى يرافقني، أرمقه وهو يلامس ماء وطينا ورملا، يحتضن قلبا مرهف الحسّ ويدا لا يمكن الاّ أن تدعك تقلّب صفحات الذاكرة وتأخذك الى البعيد، الى وطن شريد مفقود يلبسه ثوبا من زرقة ويقيم له عرسا فوق رمال البحر،، وبين تعرّجات الذات الباحث عنها بين تفاصيل الشخصيات التي زيّنت جدران مرسمه،، والايقاعات المتكسّرة المتهدّج صوتها في ملامح عارية،، ضبابية، أقرب منها الى خزائن مكدّسة بقصص من حكايات الوطن، ومن عالم آخر هو عالم اللامكان ..كنت أمرّ وأنسى شيئا هناك .

قبل التعريف بشخصية الفنان محمد نصرالله سأمنح قلمي فرصة التعبير بشهادات أوليّة لفنانين ونقاد للفن التشكيلي واكبوا أعمال ومعارض الفنان محمد وكتبوا عنه العديد من المقالات جميعها أثنت على تفرّده وأسلوبه الخاص به والمتجدّد دائما .محمد الذي ساهم في انجاز عدد من الملصقات حول الانتفاضة وعدد آخر من الملصقات لمنظمة العفو الدولية وحقوق الانسان، وصمّم العديد من أغلفة الكتب الأدبية والفكرية، تقتني أعماله مؤسسات رسمية وأهلية وأفراد من الأردن وعواصم أخرى عالمية  ومختلفة .

محمد انسان هادىء ... صامت .. قليل الكلام ... مستمع جيّد ...يجعلك تعود الى نفسك تتحدى الزمن وتبحث عنه كي تكتشف أشياء أخرى فيك وفي الآخر .

يقول عنه المبدع سهيل سامي ادريس: " ان معرض أرض أخرى يعتبر تحوّلا من فضاء الى آخر .. من فضاء صامت الى مقذوفات غريبة، كما أعمال سابقة له، الى فضاء تنبعث منه مشاهد حلمية غنية من تعبيرية ملغزة، الى سريالية تفتح اللغز من دون أن تحلّه، لا يدقّق الفنان محمد نصر الله بالفضاء الأول فهو يبدو مجردا تخطم فيه مقذوفات غريبة،ومن الناحية البصرية يبدو سطحا وظيفيا تظهر عليه هذه المقذوفات وتتحدّد، وعلى العكس يثبّت من هذه المقذوفات وحدها في ظهورها المبين، وأجسادها الرهيفة المنحوتة والمشغولة بدقة الاّ أننا لن نكون على يقين من موقع ظهورها ولا من طبيعتها، قد تكون مخلب طير ولربما هي نسر، ولعلها خشبة معدة لارباك حواسنا في تحولات تشخيصية، فلا هي الخشبة نفسها ولا هي طائر، ولا مخلب طائر ولا شوكة، ولعلنا ونحن نخطم مسرعين ولم يتبق لنا غير ذكرى عن شخص ودّعناه  في التفاتة سريعة الى الخلف .. ذكرى جسد غامض يضيء في العتمة بالأحرى هيكل جسد يسقط عليه الضوء، ( انّ أرض أخرى) هي موضوع رحلة واكتشاف بيد أنها موضوع نزاع  قلبي كذلك ".

المبدعة مجدولين الغزاوي الغول تقول : " محمد نصر الله يأخذني بسكينته الى الأفق البعيد، الى وطن هنا وغير هنا، أحسّ براحة تخيفني من كثرة السّكون ".

الأمانة العامة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كتبت في ألبومه مهرجان القرين الثقافي ال 16 متحف الفن الحديث : " الفنان محمد نصر الله يعتبر نفسه من جيل المنفى الذي لم ير وجه فلسطين، وصاحب خطاب تشكيلي مناضل، يمتلك حسّا تعبيريا مقاوما لنصرة القضية العادلة، وحملت سلسلة معارضه تنوّعا موضوعيا من معرضه ( أناشيد التراب 1،2 .. فضاء آخر وأرض أخرى) ..!

سيرة الفنان محمد نصر الله :

ولد عام 1963 في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في العاصمة الأردنية عمان، بدأ اهتمامه بالرسم منذ طفولته، متأثرا بالواقع اليومي الانساني والبصري المحيط به، لكنه ومنذ البداية كان يبحث عن مساحة مختلفة للتعبير عما يراه ويحسّه، وتجلى فيما بعد في معارضه المتتالية .درس الفن في معهد الفنون الجميلة وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الاسباني بعمان، واستطاع أن يبتكر أسلوبا خاصا يميّزه عن غيره من الفنانين، والذي لا يشبه أيا من الأساليب الأخرى في الفن، كان لأسلوبه حفاوة على مستوى النقد والمشاهدة واقتناء لوحاته .

منذ عام 1989 أقام الفنان نصر الله 12 معرضا وشارك في عدد من المعارض العربية والدولية في صالات العرض والبنايات الدولية، تنوعه الموضوعي والبصري يظهران في كل معارضه منذ ( أناشيد التراب ) الى ( طيور وفزاعات ) الى ( فضاء آخر ) و( أرض أخرى) حتى معرض ( مرايا ترابية) الذي يحاور فيه الشعر ويساجله بانجاز جميل يضيفه الى تجربته .

أعماله ومعارضه :

معرض أناشيد التراب -1 في المركز الثقافي الفرنسي 1989

معرض أناشيد التراب -2 المركز الثقافي الملكي 1990

معرض طيور وفزاعات – المركز الثقافي الملكي 1992

معرض فضاء آخر – العرض الأول – رواق البلقاء للفنون الفحيص 1993

والعرض الثاني – المركز الثقافي الملكي .

معرض أرض أخرى – دار الفنون 1996

معرض نوافذ – رواق الحصن اربد 1997

معرض عودة التراب – غاليري 4 جدران 2001

معرض رؤى جديدة – غاليري 4 جدران 2005

معرض أجنحة ومدارات – دارة الفنون 2006

معرض آفاق زرقاء – غاليري دار المشرق 2007

معرض مرايا ترابية – غاليري دار المشرق 2009

معرض أرض أخرى -2- متحف الفن الحديث – الكويت 2010

تجولت في المرسم دخلت غرفه المتراصة باللوحات، شممت رائحة الألوان وشاهدت  اللوحات  التي ما زالت تتشكّل كالأرض تماما وكأنّها تركت ليكملها بترسبات من الصمت والحلم، والتي تدعونا الى رحلة اكتشاف، فاللوحات التي لم تكتمل بعد تشكّل هاجسا لمساحة من فراغ وملامح خاوية بألوان مميزة تعكس الهمّ الانساني من فرح وسعادة وترقّب وانكسار وهزيمة، من تكسّرات الحلم الذي يطفو على الماء ويبني قصورا على الرّمل، هل هو فردوسه المفقود الذي دعاني لأبحث بين اللوحات المتكئة بالزوايا في مرسمه، أم المرايا الترابية التي عانقت قصائد الشاعر والروائي الفلسطيني ابراهيم نصر الله أخ محمد نصر الله، النصوص الشعرية المرافقة للوحاته في عمل مشترك بينهما في معرض " مرايا ترابية" يفتتحها ابراهيم نصرالله بلوحته الشعرية بعنوان ( ذراع) :

في التراب ذراع وخصر من الطين لم يكتمل

سنقلّب خمسين أغنية وبلاد تطلّ على ألف بحر

لنشهده ماثلا في الأمل

ونحثّ المدى كي يضلّ بنا

وسندخل في سحره كالحيل

ننشد،،، اشتعلي يا أساطيرنا

قد يكون لنا في التراب ذراع

وخصر حلمناه في حلمنا

قد يكون لنا ...

ومن قصيدة ذراع الى سرير من بياض الى مذاق البحار والندى والطفولة والزعفران،، الى ملاعب الطفولة و" شواطىء تركض في حلمهم وأصابعهم"، وقد تظهر النوافذ والجياد في لوحات محمد في الرمل والتراب ومع لوحة شعرية للروائي الشاعر ابراهيم نصر الله بعنوان، نوافذ يقول :

في التراب نوافذ

تستدرج النّهر من حزنه للحديث الصباحيّ والزعتر الحرّ

والعتبات التي تنفلت من خطونا

قد يكون لها بقليل من الورد ايقاد أفق

ودعوة سهل فسيح وتلّ الى حوشنا

واطلاق كلّ حنين الصبايا المؤجّل للخيل في دمنا

قد يكون لها أن تشرّعنا كالنوافذ أو تتأملنا

فهي عين البيوت علينا اذا غابت الأم عن صوتها

وتشرّد نصف حكايتنا

وهي مفردة الضوء .. نسرق سرا ستارتها

كي يظلّ الطريق يؤدي –مساء – الى أهلنا !!

 

رسومات الفنان التشكيلي محمد نصر الله تتناسل، تخرج من ترابها ورملها أصابع وأحلام، يتسرّب جسد الانسان المعلّق على أفق مفصول، يتأرجح بين الواقع والخيال، في دوامة الحق والانتصار تارة والهزيمة والخسارات  تارة أخرى يوشّحها بلون ترابيّ بخزائن وجوهها مهشّمة، وزحف العمر المطارد بايقاع راقص لأشجار فقدت أجسادها على أرض الهذيان،، وماذا عن الظلال في لوحاته ؟ قد يكون الظّل روحا أو معالم، أو صوت سيمفونية مبحوح، وجوه بدون ملامح، خرساء جرداء، تستفز المبصر، وما بين الظلّ والضوء قد تشلحنا على قارعة رصيف نبحث عن وجوهنا، نعبر اشارات ضوئية على رؤوس أصابعنا ونهرب  الى البحر الهادىء المنتظر حبيبا قادما من الضفة الأخرى .وما بين اللون الأزرق بسكونه والبني المسطّح والمثير بمعظم لوحاته،، وقفت لأودّع مرسم محمد على أمل العودة برحلة جديدة معه وبرؤية، ببحث عن أحلام تخطّتني كحركة ضوء سريعة الى عالم قد يصفع ويحاصر وقد ينازعني حقا على ( عشّ الروح) ....!

أختتم بقصيدة للشاعر والروائي ابراهيم نصر الله من ألبوم محمد  مرايا ترابية قصيدة " أصابع"

في التراب أصابع من قصب

تتحسّس الأناشيد فينا

تعذّبنا ألف عام لنرحل كي تقتفينا

أصابع تحفظ أرض الرياح

وصلصال أحلامنا في النساء

أصابع حين تشدّ على النّاي أو تشتهينا

سندرك سرّ الينابيع فينا، ونصرخ يا أرض كلّ الزواحف

يا أرض .. يا أرض .. لا تذكرينا !! 

 

( بقلم : هيام مصطفى قبلان)

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2326 الأحد  13 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2322 المصادف: 2013-01-13 14:47:26