المثقف - قراءات نقدية

الشاعر العراقي فلاح الشابندر وديوانه: "فحم .. وطباشير".. الوجود والعدم وأسئلة أخرى للقصيدة ؟

ahmad fadelقبل أن نبدأ بتصفح ديوان الشاعر العراقي فلاح الشابندر "فحم .. وطباشير" وقراءة قصائده سنحاول أن نقف عند كلمات الشاعر الإنكليزي الكبير

ت . س .اليوت Thomas Stearns Eliot (1888 - 1965 ) الذي يعتبره النقاد ومؤرخو الشعر الأب الروحي لحركة الشعر الحديث التي ظهرت في العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وعلى الرغم من ان هذه الأبوة لم تعد تعجب نقاد الشعر الإجتماعي الذين اصيبوا بخيبة أمل كبيرة لدى قراءتهم قصائد اليوت الأخيرة ومن بينها " أربعاء الرماد " ، فإن ذلك لم يقلل من أهمية اليوت وتأثيره المباشر وغير المباشر على حركة الشعر الحديث في العالم العربي بل في العالم كله ، يقول اليوت :

- ان الفن العظيم هو الذي يثبت وجوده بطاقة اقناعه كفن وليس بما يضفي عليه من تصورات فكرية مفضوحة لم تجد طريقها الى التعبير الأصيل .

وعلى الرغم من ان هذه الحقيقة مقبولة في حد ذاتها فإن ذلك لاينفي أن اليوت لعب لعبة حاذقة لم يسبقه اليها أي أديب في تقديم نفسه للجمهور ، فقد استطاع ان يستقطب حوله جميع الأطراف المتباعدة وحين انتهت حياته جعل الجميع يتساءلون الى أي فريق ينتمي ؟ ( 1 ) وهذا بالضبط ما عليه شاعرنا الشابندر وبحكم تاثره بالشعر الحديث فقد قدم نفسه بصورة مغايرة جعلنا نتسائل الى أي فريق ينتمي ؟ أهو يكتب الشعر من أجل الشعر أم يكتبه لغيره ؟ حاولت هنا أن أعيد ترتيب مشهده الشعري لأنني امام شاعر صعب المراس فتذكرت والاس ستيفنز ( 1879 - 1955 ) الشاعر الأمريكي الذي اعتمد ثلاثة أمزجة في كتابته الشعر ، النشوة ، اللامبالاة ، وما بينهما ، حتى قالوا عنه أنه يشبه الرسام الألماني السويسري بول كلي في بوهيميته ، بينما قال فريق آخر أنه يشبه الرسام الفرنسي بول سيزان في حبه للطبيعة ، ما انعكس ذلك على شعره ، الشابندر يمكن أن يكون خليط لكل الذين ذكرتهم لأنه ومن خلال قصائد ديوانه يؤمن بانتماءه لكل هذا العالم الذي يتغير في كل لحظة ، فلم يعد شاعرنا ليقف على بقعة ما من هذا الكون لذا نراه يتنقل كسفينة يجوب بها الأصقاع يبحث عن اسئلة طالما أرقته ، لماذا الوجود ؟ ولماذا العدم ؟ ولماذا أنا هنا ؟ ولماذا أنتم هناك ؟ قد يفقد الخيال حيويته عندما نكون غير واقعيين ، الشابندر كسر هذه المعادلة في " فحم ... وطباشير " .

" نرد " أولى قصائد الديوان ، هي لعبة شرقية قديمة حاول فيها أن يقول لنا أن قصائده التي احتواها ديوانه ما هي إلا لعبة كبيرة أبطالها البشر والحجر والشجر ، الألم والفرح وكل ما يعتمل في صدره أو كما يقول :

لا أن تكون بها / أن تكون اللعبة في محلها / اللعبة .... / لايبوح لسبابة / عصي على الغواية / على هذا القدر من القدر / معمارها الرقمي / يرتطم بحواف المتاهة / ويتفرق حظوظا بقضاء الصدفة / أن تكون في محلها / اللعبة / رمية نرد ... وهبتها الحماسة / وإذا ما تعثرت تعذرت بأسبابنا / وهكذا يأخذنا بأسبابنا / خسارات لاتقبل التورية / ، من الصعب أن ندلف الى نص الشابندر هذا من باب واحد ، أو نأخذه رهينة لدلالات ورموز ومضامين معينة قد يغرينا بريق إيقاعها وكثافة تراكيبها اللغوية ، حيث تلوح مهاراته في إخفاء ما يريده وهي لعمري لعبة جميلة أشبه بعمل الكولاج حينما يخلط الفنان التشكيلي قصاصات الجرائد مع اجزاء متفرقة من الورق الملون واللدائن وغيرها من المواد لتخرج علينا بالنهاية لوحة فنية لايمكن فهمها إلا بعد أن نطيل النظر بها ونتعرف على أصل المادة التي كونتها ، وهكذا هي قصائد ديوانه " فحم ... وطباشير " تتنقل كلماتها عبر دهاليز وأقبية يصعب فك مغاليقها كما في قصيدة " فما معناك " :

ستون نافذة مشرعة / لمرويات الريح / تنادوا ... / من أقصى المدينة المعدومة بأنفاس أهلها / تنادوا ... / لقد أضللتنا / فما معناك / في صباح الحديقة / فرطة عصافير تدنو ... تدنو ... تدنو / تلتقط / مساقط حلواه ... / يصفعها صفعة بسيف الريح / تتقافز ... / تتطاير / يتطايح ضحكات ... طفل الحديقة / تتلوها ضحكات تعدم سابقتها / عصي هو الثاني ... / طفل الحديقة / ، هنا وسّع الكولاج الشعري من مشهدية نص القصيدة وأصبح صوت الشاعر ممتلئا بالخلفية يتماهى ، ويتوحد ، يئن ويصرخ في فانتازيا صاعدة وهابطة من الأسفل الى الأعلى ، يحاول فيها إعادة ترتيب حلم ما في فراغات الشخوص والأشكال والعناصر والأشياء .. هكذا لم تعد القصيدة تبحث عن موضوع ، لقد اصبحت هي الموضوع ذاته ، هي الشكل ذاته ، هي الشاعر في أقصى لحظات التجلي الحميم . ( 2 )

في موضع آخر من كلامه حول " فائدة الشعر و فائدة النقد " كتب اليوت عام 1932 :

( وهكذا فسوف لن ابدأ بأي تعريف أفرق به بين ما هو شعر وما هو ليس بشعر ، كما لن اناقش ما إذا كان المفروض ان يكون الشعر في كل الحالات موزونا أو أي اعتبار آخر يختص بالشعر المنظوم كحالة مضادة للشعر المنثور ، اذ يمكن ان يقسم النقد منذ البداية الى نوعين من الميول وليس بالضرورة ان يقسم الى ضربين من الاتجاهات ، فأنا أفترض ان النقد هو تلك الشعبة من الفكر التي تحاول ان تتعرف على ما هية الشعر ووظيفته والرغبات التي يحثها ولماذا يكتب ، ولماذا يقرأ ويروى ، أو هو تلك الشعبة التي تفترض - بوعي - أو بغير وعي - اننا نعرف هذه الأشياء فننصرف الى تقويم الشعر الحقيقي ) ( 3 ) ، هذا الدرس لابد وان مر عليه الشعراء والنقاد على السواء ويمكن لحالة الشاعر الشابندر وهو يقدم ذاته في هذه المجموعة من قصائد ديوانه المؤلفة من 34 قصيدة الصادرة عن دار العراب بدمشق أن نتعرف على رغباته المكبوتة كحالة متفردة يعيشها مع كلماتها التي هي أساسا الصوت الآتي من أعمق أعماقه كما في قصيدة " فحم ... وطباشير " التي زين اسمها الديوان ، نقرأ منها :

ما يدونه الفجر الساهر على السراب العالي / قطرات ندى ..... على حرف المجرد العالي / وتشرق الدهشة / ركضت الدهشة ... / ركضت الصوت القادم لي / ركضت على سبعة رمال .... تحط وترحل على / ظهر الريح / وبلغت الصوت ... مغارة / لعلها ..... المفازة / عذبني الفحم / أجهد أن أرحله / يباغتني رغما عني / يعاودني ... فصلا في الآخر / وطباشيري ... سر من ذاك الفحم / نفس كتبت ... كتبت ... تتعذب بذات السر بين فحم ........... وطباشير / كتبتك ... لي / أكتبك ... إليك / أكتب ... لكلينا / أكتبك ... عيني / أكتب ... هل تراني / يقرؤني ... / يمحو الطباشير / ، قد تبدو القصيدة وهي على جزأين منفلتة في مونولوجها مع أن لغتها احتجزت معانيها ما أعطاها الشاعر حرية في التفكير والتأويل والتعبير ، هذا النمط ينطبق على عديد قصائد الديوان بل ينتهي به في قصيدة " عندما يشرق الرغيف " التي يهديها الى الشاعرة العراقية وفاء عبد الرزاق :

إلى الأولى ... وفاء عبد الرزاق / فرطة عصافير / من الرجع البعيد / رف الجفن والعشب / ( هذا فأل مطر ) / ... قالها حمدان / المطر أفكار / فعل الماء في الأشياء / اهتزت .. ربت .. تألقت الأرض انتماء / سنابل خبز ونبوءة أزهار / يا بستان حمدان / المطر نيسان / والسواقي أقداح / لمي المطر .. لمي / أقداح ... أقداح / يا بستان حمدان / الوجع نيسان .. برغم يتأوه / صلى ونام ...البستان / ، هناك تدفق شعري لايمكن أن يكون غيبيا في اشتغالات الشابندر ، فهو على وعي تام بما يكتب غير أن الوجود والعدم وأسئلة أخرى قد تثار في زحمة هذا الشلال وهو ما يدعونا للتأمل في تجربته والعودة لقراءة منجزه مرات ومرات قد نخلص في النهاية الى مايريده الشاعر وما نريده .

 

احمد فاضل

......................

حاشية /

(1) ت . س . اليوت / فائدة الشعر وفائدة النقد / ترجمة د . يوسف نور عوض

(2) جمال القصاص / غواية الشعر / جريدة أخبار الأدب المصرية

(3) المصدر الأول

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2341 الثلاثاء  29 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2338 المصادف: 2013-01-29 12:53:42