المثقف - قراءات نقدية

أستراليا الشاعرة

souf obidأديب كمال الدّين أحد أهم الشعراء العراقيين المعاصرين كان من الذين غادروا العراق على إثر نكباته المتتالية إلى برّ أستراليا حيث سكن فأسكنها الشعر العربي وراح يصدر منها الديوان تلو الديوان وما اِنفك يرسلها لي من هنالك مشكورا سواء عبر الأنترنات في صورتها الرقمية أو على جناح البريد في نشرتها الورقية وذلك وفاء منه لصداقة متينة بدأت منذ ثلاثين سنة كان أساسها الاِنخراط معا في سياق البحث والتجديد والاِلتزام بالقيم الإنسانية و ـ الحرف والغراب ـ هو آخر إصدار للشاعر أديب كمال الدين وقد اِشتمل على أكثر من أربعين قصيدة تعبّر بوضوح عن سماته الإبداعية التي تنطلق من اِستيعاب التراث والاِنفتاح على المنجزات العالمية لذلك نقرأ في متن القصائد تضمينا لمثل سفينة نوح وشهرزاد والغراب والحمامة بما فيها من إحالات رمزية وفكرية وتاريخية وأدبية ونقرأ في قصائد أخرى حضورا للُوركا وكافكا ودستوفسكي وغيرهم من رموز الثقافة العالمية ونجد أنفسنا في عديد المدن والقارات من بغداد إلى غرناطة ومن سدني إلى سنغفورة مما يؤكد شمولية الرؤيا الشعرية لدى أديب كمال الدين الذي يرنو إلى التجديد من الناحية الشكلية أيضا مثلما نلاحظه ذلك بوضوح في قصائد ـ حديقة ـ أعشاش ـ آثار أقدام ـ وغيرها مثل قصيدة ـ حياة ـ التي اِعتمد فيها على المُتواليات التي يُفضي بعضها إلى بعض كما في عملية تقريب المناظر بالكاميرا رويدا رويدا في السينما

شجرة كبيرة تقف في هدوء

وسط شارع مزدحم

خلف الشجرة بناية

خاف البناية مقبرة

خلف المقبرة نهر

خلف النهر طفل

خاف الطفل مرىة

خلف المرآة امرأة...

 

ونفس هذه الطريقة أو هذا الأسلوب أو هذا الشكل يعتمده تقربا في قصيدة ـ آثار أقدام ـ حيق يقول

ليس هناك من بحر

فالبحر تحوّل إلى شاطئ

الشاطئ تحوّل إلى رمل

وليس هناك من رمل

الرمل تحوّل إلى آثار أقدام...

وقد تعتمد بعض القصائد على تكرار نمط تعبيري خاص ممّا يجعل فيها إيقاعا قائما على التناظر والرّتابة كقوله في قصيدة ـ أخي الكافكوي ـ

عجبت لأخي الذي عاش سبعين عاما

دون أمل

لكنه لم يحزن

ودون شبّاك

لكنه لم يحطم الجدار

ودون حلم

لكنه لم يرتبك

ودون فجر

لكنه لم يحرق المنزل...

وقد اِستلهم الشاعر أديب كمال الدين الأغاني عند قصائده التي كتبها في بعض الفنانين مثل عبد الحليم حافظ وفيروز وناظم الغزالي وكذلك الأمر عند كتابته لقصائد في بعض الشخصيات الأدبية وغيرها مما جعل قصائده هذه تقترب كثيرا من مواصفات نلك الشخصيات وسيرها الخاصة فيمكن أن نسميّها بُورتريا شعريًّا على سبيل اِستعارة البورتري السّردي أو التشكيلي

فقصائد ديوان ـ الحرف والغراب ـ يمكن أن تكون معابر تُفضي إلى عوالم أخرى تتراوح من التاريخ والجغرافيا إلى الأدب والموسيقى والرسم والسينما وغيرها بحيث أن أديب كمال الدين أضحى لا يكتب بقلم العروض والإنشاء والبلاغة فقط وإنما نرى في قصائده خصائص عديد الفنون الأخرى ونستشفّ من خلالها عديد الأبعاد ...

 

سُوف عبيد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2428 المصادف: 2013-04-29 02:40:06


Share on Myspace