المثقف - قراءات نقدية

سيمياء البطولة في مسرحية العباس .. قراءة تحليلية في مسرحية العباس للشاعررضاالخفاجي

khudayir darwishفي البدء أقول حسنًا فعل الشاعر رضا الخفاجي وهو يفرد مسرحية خاصة بقمر بني هاشم العباس بن علي (ع) ذلك الأمر الذي لم يسبقه إليه أحد . إذ أنَّ كل من كتب عن ملحمة الطف الخالدة التي تتناول وقائع استشهاد الإمام الحسين (ع) قد صبَ جل اهتمامه على شخصية الإمام الحسين وهو وإن كان صاحب الاستحقاق الأول في ذلك لكن هذا لا يعني أن لا يوفى العباس حقه في إظهار شخصيته بما تستحق أن تكون عليه و هو ما لم يحصل عند جميع من تناولوا تلك الواقعة . ذلك أن العباس كان الرجل الثاني في واقعة الطف بعد الإمام الحسين (ع) فهو حامل لوائه وهو من أبلى البلاء الحسن لقد كان جيش أعدائه يخشاه مدركًا هيبته وشجاعته التي لا تُجارى وأرى أن الشاعر رضا الخفاجي كان مدركًا أهمية هذه الشخصية الكبيرة فكان أن أفرد لها هذه المسرحية التي أسماها (قمر بني هاشم العباس بن علي) .التي يتجلى موضوعها أوفكرتها الرئيسة في إظهارشجاعة العباس وصلابته وتضحيته وثباته على العقيدة والمبدأ.

ويتجلى اهتمام الشاعر بشخصية العباس من بداية المسرحية حين أسس لها بدخول ثلاث مجموعات المسرح من اتجاهات مختلفة بالتتابع تحمل كل منها الشموع وهي تنشد للعباس ، ولقد تضمنت الأناشيد مستويين من مستويات الخطاب الشعري الذي جاء بصيغة المخاطب من خلال استحضار شخصية العباس يمثل المستوى الأول المستوى اللفظي الذي جاء حاملاً لوصف شخصية العباس على مستوى الأداء ، فيما مثل المستوى الآخر المستوى الدلالي الذي سعى إليه الشاعر ليظهر شخصية العباس على وفق ما أراد ذلك أن توجيه الخطاب لمن هو غائب بصيغة المخاطب عن طريق الاستحضار يجعل الخطاب أوقع والشخصية أرفع قياسًا بخطاب الغائب لمن أراد . إن مخاطبة الحاضر ليس كمخاطبة الغائب سواء على الجانب الأدبي أو على الجانب النفسي وكذلك الاجتماعي أيضًا وفي تفحص خطاب المجموعة الأولى الذي تقول فيه : حينَ سموتَ بوادي الطفِّ / ومنحتَ دماءَكَ كلَّ مآثرها/ ومضيتَ تُصعِّدُ من آيات الإيمان/ كنتَ تناشدُ روحكَ أن تُدرك بهجتَها / ففتحتَ لها أَلفَ طريق/ فأتلقتْ بجنانِ الخلدِ ، محلقةً بين الحورِ/وبينَ الأبرار / تشهدُ أنكَ صُنتَ نقاءَ النسلِ وأصالته / يا كافلَ أحفادَ محمد / يا كافلَ أحفادَ محمد / يا كافلَ أحفادَ محمد ...

ونحنُ نتأمل هذا المقطع الذي يوجه فيه الخطاب إلى العباس بطريقة الاستحضار نرى أن نقف عند المستوى اللغوي فنجد أن الشاعر استعمل أفعالاً ماضية أسندها إلى تاء الفاعل المخاطب وكرر صورها وصيغها لإثبات الفاعلية على المستوى الإجرائي وللتأكيد على المستوى الدلالي من خلال المستوى اللساني ، وهذه الأفعال هي (سموتَ ، منحتَ ، مضيتَ ، كنتَ ، فتحتَ ، صُنتَ ) فضلاً عن وجود الأفعال المضارعة المبدوءة بتاء المخاطب المسندة إلى الفاعل المقدر (هو) العائد على العباس ( ع) وهي (تصعِّدُ ، تناشدُ ، تُدركُ ، تشهدُ ) .

لقد تضافر الزمنان هنا الماضي والحاضر الحامل لدلالة المستقبل بغية إثبات الفاعلية وتأكيدها على مستوى الأداء ولإدراك المبتغى الحامل لدلالة المستقبل عن طريق إشراك الأفعال الماضية والمضارعة في رسم صورة الحدث بمستواه الإجرائي فضلاً عن إشراك المستوى الإيقاعي في تحقيق ذلك عن طريق تكرار الصورة اللفظية للأفعال بصيغها الماضية والمضارعة وكذلك تكرار الحروف العاطفة الرابطة بين الجمل الشعرية ، وتكرار حرف النداء والمنادى المضاف في الجملة الشعرية التي ينتهي بها كلام المجموعة .

فكان للإيقاع دوره المؤثر في تشكيل الخطاب الشعري للمجموعة الأولى ذلِك أن الخطاب عندما يُوجّه إلى مخاطبٍ حاضرٍ أو مستحضر حري به أن يتوافر على الجانب الموسيقي إذ أنه حينئذٍ يكون أكثر جمالاً على المستوى التشكيلي وأَوقع تأثيرًا على المستوى النفسي للمتلقي .

ويعمد الشاعر من خلال خطاب المجموعة الثانية الموجه إلى العباس ( ع) إلى توظيف الجانب التاريخي إذ أن المعروف عن العباس أنه عندما اشتد عطش عيال الحسين ( ع) في تلك الواقعة تكفل بجلب الماء لهم على الرغم من ممانعة جيش الأعداء وفرض حصار الماء على الحسين ( ع) وعلى عياله وأتباعه . فكان إصراره على موقفه ثمنًا دَفع مُقابله حياته . لقد استوقف موقف العباس هذا الشاعرَ ولذلك جعل خطاب هذه المجموعة مُجسدًا لهذا الموقف إذ ابتدأت بالقول : يا ساقي العطشى لا تحزن ، ويتكرر هذا الشطر الشعري عدة مرّات وكأنه اللازمة في هذا الخطاب حتى كان خاتمته .

فالخطاب على مستوى الدلالة يحمل مؤاساة للعباس ( ع) تشي به كل الأسطر الشعرية في مستواها اللغوي ، إذ جسد ذلك الفعل المضارع (تحزن) المسبوق بـ(لا الناهية) لتأكيد الطلب من العباس ( ع) بأن لا يحزن هذا الطلب جاء متبوعًا بمبرارته التي أرادها الشاعر أن تهوّن من حزن العباس لعدم تمكنه من إيصال الماء إلى عيال الحسين ( ع) فما يروى أن العباس حين تمكن بشجاعته الفائقة أن يصل نهر الفرات ويملأ قربته بالماء كمّن له بعض من جنود بني أمية فبادره أحدهم بضربة سيف قطعت يمينه ، وجاءت ضربة أخرى قطعت يساره فضمَّ السيف والقربة معًا إلى صدره فرُمي بسهم أصاب عينه وأصاب سهم القربة فأريق الماء فكان سبب حزنه الذي أراد له الشاعر على لسان المجموعة أن ينتهي أو أن لا يحصل ومن مبررات ذلك مخاطبة المجموعة العباس بأنه قد وفىّ وصان العهد وهنا يستعمل الشاعر الأسلوب الاستعاري لتأكيد هذا الموقف إذ يؤنسن السعي والزند والدماء ويسندها عن طريق الإضافة إلى الضمير (كاف المخاطب) العائد على العباس ليوكل إليها مهمة الشهادة بوفائه وصيانته العهد . إذ يقول :

يا ساقي العطشى لا تحزن / قد وفيتَ وصنت العهد / سعيُك يشهد / زندك يشهد / كل دمائك تشهد إبثارك .

ويأتي خطاب المجموعة الثالثة متممًا لخطاب المجموعة الثانية وقد تضمن تشبيهين محذوفي الأداة للارتقاء بدرجة الشبه إلى مَدَيات أعلى إذ يكون المشبه في مثل هذه الحال أكثر التصاقًا بالمشبه به أو (هو) ، فالعباس ( ع) نهر جود وليس كنهر جود في قوله (يا نهر الجود) وهو قمر الأزمان وليس كقمر الأزمان في قوله (يا قمر الأزمان) ثم أن التشبيهين سُبقا بأداة النداء (يا) زيادة في التخصيص .

ثم يتجه الشاعر صوب التاريخ ليوظف مسألة زواج الإمام علي ( ع) من أم البنين السيدة فاطمة بنت حزام والدة العباس ( ع) إذ تكلل مسعى عقيل بن أبي طالب أخي الإمام علي في خطبة هذه المرأة الصالحة لعلي بالنجاح بعد وفاة زوجته فاطمة الزهراء ابنة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وحسنًا فعل الشاعر في تناوله لهذه المسألة فهو لم يُردْ ذكر واقعة تاريخية بقدر ما أراد الارتقاء بشخصية العباس من خلال تسليط الضوء على شخصية والدته التي وصفها الشاعر بأنها تمكنت من أن تحتل مكان الزهراء وتشغل قلب علي بعدها .

 ولذلك يبدأ عقيل حواره الذي جاء بصيغة المنلوج حامدًا الله الذي وفقه في حسن الإختيار إذ يقول :

حمدًا لله ، هدأت نفسي الآن / قلقًا كنت / من يقدرُ أن يشغل قلبَ علي بعد الزهراء . ثم يقول:

هذا ما كان يؤرقني / ولهذا اخترتك يا بنت حزام / فأنا أعرف مجدَ الآباء ومجد الأجدادِ / حمدًا لله إذ مكنني أن أضمن أمًا صالحة / للحسنين / قُري عينًا يا بنت الأمجاد / إذ باركك الله بهذا الطالع .

ثم ينتقل الشاعر ليتناول شخصية العباس من جانب آخر يتمثل في يوم مولده من خلال استذكار والدته ذاك اليوم الذي باركها فيه الإمام علي ( ع) واصفًا هذا المولود بالقمر إذ يقول : هذا قمرٌ بزغ الليلةَ / أرجو أن يُكرمني ربُّ العزة فيه / سأسميه العباس .

ومما يعنيه هذا الأسم:أن العباس هو الأَسد الذي تهرب منه الأُسدُ.. ثم يتجه الشاعر للتأكيد على رفعة وأهمية شخصية العباس من خلال وصية الإمام علي ( ع) إلى زوجته أم العباس في أن تهتم بهذا المولود بقوله : فلتنتبهي يا أم العباس إلي / منذ اللحظة أوصيك بهذا المولود ويتجلى ذلك الاهتمام على مستوى اللغة إذ يكرر الإمام علي ( ع) اسم الإشارة (هذا) ويُقدم عليه لفظة ولدي لتأكيد النسب وللارتقاء بمكانة هذا المولود فيقول : ولدي هذا سيكون له ذكر خالد .

ثم يعمد الشاعر على لسان الإمام علي ( ع) إلى تعظيم ذلك الذكر وتأكيده من خلال الأسطر الشعرية المتتابعة حيث يتكرر الضمير هو ثلاث مرات في بدايتها ثم يتكرر أيضًا اسم الإشارة (هذا) مرتين في البداية أيضًا فضلا عن ان الأفعال المضارعة والأسماء تشي بدلالة التعظيم إذ يقول : هو من يحملُ كلَّ وفاء الأرض / هو من يسمو بمروءته / هو من يروي كل العطشى في عاشوراء / هذا صنو حسين السبط / هذا فخرُ بني هاشم في يوم الطفِّ .

وتتحقق نبوءة الإمام علي في الزمن القابل فها هو العباس يحاور أخته الحوراء زينب والكل يتهيأ للرحيل مع الحسين ( ع) فيقول: يبقى هذا البيتُ السامي أكبرَ من خوفٍ ، أو قهرٍ ، أو جلادٍ .. فرسالتنا جاءت لجميع الناس .. مذ حلّق فينا وهجُ رسول الله / هبتْ أدرانُ الحقدِ على هذا البيتِ النبوي / وستسعى في كل زمان /.. لكن جوهرنا لا يتغير / وإذن لا بد لنا من جني ثمار محبتنا لرسول الله / بأقلِ من الجنةِ لن نقبل يا حوراء / نور شهادتنا يفتح أسرار الظلمات .

 هنا يؤكد العباس على سمو العلاقة بالرسول (ص) بجانبيها: صلة الرحم وصلة الولاء للمبادئ والقيم التي جاء بها الرسول (ص) هذه العلاقة التي سيكون ثمنها الجنة ذلك أن آل بيت النبوة قد أدركوا أن حبهم للرسول (ص) والتزامهم بالمبادئ الإسلامية التي بُعث من أجلها كل هذا سيفضي بهم إلى الاستشهاد .

 وبعد رحيل الإمام الحسين (ع) وأصحابه إلى الكعبة ومكوثه عدة أشهر فيها تصل إليه رسائل أهل الكوفة تدعوه للتوجه إليها التي سيسانده أهلها من أجل التخلص من حكم بني أمية وإقامة دولة إسلامية تتحقق فيها المبادئ الإسلامية وإذ يعزم الحسين على السفر إلى الكوفة يوكل إلى العباس  ع حملَ الراية وتكفل العيال إذ يقول: وإذن نبدأُ باسم اللهِ / ولتحمل رايتنا يا وهج بني هاشم / ولتتكفَّل أمرَ عيالي. ويأتي رد العباس متضمناً الاستجابة السريعة للطلب ويجسد الشاعر ذلك بتكرار قول العباس لأخيه الحسين : لبيك أبا عبد الله/ ثلاث مرات في الحوار الذي كان يدور بينهما . كما أنه ضمَّن حوار العباس اعتقاده بأن المعركة مع بني أمية إنما هي معركة البيت النبوي مع الأعداء ولذلك جاء في حوار العباس ما يجسد ذلك إذ يقول : سأقرُّ عيونَ الزهراء ، وحيدرةَ الكرار/ بل سأقرُّ عيون محمدَ/ خاتم رسُل الأمة/صلى الله عليه وآلهِ. وما يذكر عن واقعة الطف أن شمر بن ذي الجوشن وهو من كبار قادة الجيش الأموي حاول أن يخدع العباس ويغريه بغية استمالته لكي يترك الحسين وبذلك يتحقق لهم النصر سريعًا ودون عناء ذلك أن قادة الجيش الأموي كانوا يعرفون شجاعة العباس ويعرفون أنه فارس لا يُشق له غبار ولذلك كانوا يخشونه وهذا ما دعا الشمر لأن يفكر في هذا الأمر سيما وأنه توجد علاقة قربى بين شمر والعباس من جهة والدته وهي علاقة خؤولة..

 فها هو الشمر يحاور ابن سعد قائلاً: تتقاذفني جملة أفكار في هذه اللحظة / تنصبُّ جميعًا في أمر واحد / كيف أفرِّقُ ما بين حُسينٍ وأخيهِ العباس؟/ كيف أفرق ما بين الجذرِ وأغصانِه / قد يغريه نداءُ القربى / فلأعزف هذا اللحن الآن.

 في هذا المقطع أظهر لنا الشاعر صعوبة الغاية التي كان يسعى إليها الشمر بل أكد استحالة تحققها باعتراف الشمر نفسه وعلى لسانه من خلال طريقة تشكيله للسطر الشعري الذي يشير إلى ذلك إذ إعتمد في تشكيله المجاز المتضمن كناية تشي بوشيجة القربى التي يستحيل انفصامها: كيف أفرّقُ ما بين الجذر وأغصانهِ؟/ إن بلاغة الكلام لم تأتِ هنا لإظهار بلاغة المتكلم وإنما جاءت لتأكد استحالة انفصام عرى العلاقة الوثيقة بين الحسين وأخيه العباس (عليهما السلام).

 ويأتي رد العباس المتوقع فهاهو يخاطب شمرا قائلاً : أتساومني بشحيح لا تملك أن تعطيه إليَّ؟/ مثلك،إن ساومَ أو باعَ هذا شأنك/ كلٌّ تحكَمهُ أحلامه ، كلٌ ينهلُ من منهلهِ/ ولكلٍ منا موقفهُ . وإذ يستمر العباس في حواره مع الشمر تتجلى لنا بلاغته التي اتصف بها آل بيت النبوة وكأنهم توارثوها من جدهم الرسول الكريم محمد(ص) . العباس: يا شمر واللهِ أراكم أُلبستُم / ثوبَ الذل قبل أوانه.

 لقد تشكّل الحوار هنا من استعارة مكنية جاءت من إضافة محسوس (الثوب) إلى مجرد (الذل) وهي على المستوى الإجرائي تشي بدلالتين تمثل الأولى تأكيد تحققها بدلالة وجود القسم المقترن بالرؤية القلبية وتمثل الثانية أتساع مساحة الذل على المستوى الزمني الذي جاء قبل أوانه وسوف يستمر.لقد اسهم تشكيل الحواربهذه اللغة على المستوى الدلالي في تأجيج الصراع الذي سيسهم في تطور الأحداث والإسراع بها باتجاه الذروه..

 وفي صبيحة العاشر من محرم عام (61) للهجرة يتهيأ الحسين (ع) وأصحابه لخوض القتال ضد الجيش الأموي بعد استنفادهم كل الوسائل التي كانت تحول دون وقوع تلك الواقعة إذ أن الجانب الأخر كان مصرًا على خوض الحرب . لقد فرض الجيش الأموي حصار الماء على الحسين وعياله وأصحابه وبذلك خالفوا كل الأعراف والشرائع السماوية و المبادئ الإنسانية . ويوكل الحسين (ع) إلى العباس مهمة جلب الماء إلى النسوة والأطفال بعد أن لفحهم حر الظهيرة فأشتد ظمؤهم فها هي الأصوات تتعالى : ماء، ماء/ نفدَ الماء يا حوراء/ عطشٌ قاتل ،أدركنا يا بن رسول الله. وحين ينطلق العباس (ع) صوب الفرات بصحبة عدد من الأنصار لجلب الماء يمنعه الجيش الذي أوكلت إليه مهمة حصار الماء إذ بلغ عدد جنده أربعة آلاف فارس كما تذكر الروايات فيلتحم معهم العباس بمعركة باسلة يستطيع فيها تفريق جمعهم بعد أن قتل كثيرًا منهم فيصل الماء ويحمل ما يريد منه ويمتنع عن شرب الماء وهوفي أعلى درجات الظمأ فيرمي الماء من كفيه بعد أن ترتسم أمام ناظريه صورة عطش أخيه الحسين وعياله. ويتكرر المشهد إذ يتمكن العباس (ع) من الدخول إلى المشرعة مرة أخرى وجلب الماء بعد قتل عددٍ آخر منهم وتفريق جمعهم لقد أبلى العباس بلاءً حسنًا فيما يمكن أن نسميه (معركة الماء) فقد قتل عددًا كبيرًا من جند الجيش الأموي وتمكن في غير مرة أن يفرق الجموع ويأتي بالماء وهنا كُنتُ أتمنى على الشاعر أن يقف عند معركة الماء ليرسم لنا لوحة رائعة يجسد فيها ذلك الموقف البطولي والشجاعة النادرة التي أبداها العباس (ع) مما ألجأ العدو إلى المكيدة للنيل منه بعد أن عجزوا عن مواجهتهِ فهذا شمر يخاطب ابن طفيل:هذا العباس يريدُ الماء/ ولقد أفلحَ قبل الآن في بعثرة الجند وجلب الماء لآل علي / إن أفلحَ في هذي الصولة ستسوء الحالةُ ،في هذا الجيش / وسنصبُحُ سخريةً للكلّ / إذ لا يمكن أن يهزمكم في كلِّ لقاء / يا بن طفيل هذي الصولة لن تتكرر / إما رأسك أو رأس العباس/ إذن هو خيار لابن طفيل بين الحياة أو الموت في حال عدم تمكنه من العباس في هذه المرة وهذا ما جعل ابن طفيل يحكم نسج المكيدة فيخلي وأتباعه للعباس الطريق بعد أن حمل الماء ويكمنون خلف النخيل فيباغته (الرقاش) من الخلف وبضربه بالسيف على كتفه الأيمن فيقطع يده اليمنى ويلتحم العباس معهم بقتال بطولي وهو يحمل السيف بيده اليسرى فيقتل عددًا كبيرًا منهم ثم يباغته ابن طفيل من وراء نخلة فيضربه على يساره فيقطعها وتشير بعض الروايات أن العباس بعد أن فقد ذراعيه كان مصرًا على إيصال الماء إلى عيال الحسين فمسك القربة بأسنانه وهو يسرع باتجاه المخيم فتتوالى عليه السهام من كل جانب ويُراق الماء ويضرب بعمود على رأسه فيسقط مثخنًا بجراحهِ . وحين يشعر (ع) بدنو أجله وأنه أوشك أن يُسلمَ الروحَ بارءها يأتي كلامه الأخير محملاً بشجن روحي تتجلى فيه رغبته الصادقة باستقبال الموت ليس تخلصًا من حياة يترفع مثله أن يحياها حسب وإنما لفوزه المؤكد بالجنة التي وعد بها البارئ سبحانه وتعالى أمثاله من الشهداء والصديقين إذ يقول: أتركُ للروح سجيتها ، فيهيمُ القلبُ بآياتِه/ تغمرني أنسامٌ عطره/ وأنا أدخلُ.. أحملُ كلّ نياشين الطفِّ / سهمٌ وكفوفٌ مقطوعة/ ونبوءةَ حُلمٍ لا ينضب. وهنا يجسد الشاعر ما حصل للعباس في واقعة الطف .

 إذ أن ما يروى أن العباس (ع) قد رمُى بسهم أصاب عينه ودخل فيها وإن ذراعيه قد قطعتا كما سلف ذكره والشاعر قد صيرهما نياشينًا له. وتأكيدًا لما أسلفنا من رغبة العباس في الموت ورغبته عن الحياة يأتي قولهُ (القتلُ حياةٌ أبدية) إذ يُشكل الخطاب هنا بطريقة التضاد ، التضاد على المستوى اللفظي الذي أفضى إلى أتفاق على المستوى الدلالي ذلك أن القتل يعني الموت وهو نقيض الحياة وهنا يكمن الافتراق والاختلاف ولكن الموت عندما يستحيل حياةً بالذكرالخالد يصبحُ مساويًا للحياة وقد يفوق ذلك عندما يتحول إلى حياة أبدية وهنا يكمن الاتفاق على مستوى الدلالة.

 ويستمر العباس (ع) في توجيه كلامه الأخير إلى أخيه الحسين(ع) فيقول: فالقتلُ حياةٌ أبدية/ كانت سُنَّة هذا البيت/ سنَّتهم مُذ حملوا الراية/ وأناروا أفئدةً حيرى/ فتجلى النور آياتٌ تزدادُ بهاءً فوقَ الأزمان . هنا يوظف الشاعر الدين والتاريخ لتأكيد الشهادة في آل بيت النبي محمد (ص) التي استحالت سنةً خصوا بها منذ أن حملوا راية الإسلام وتكفلوا بهداية الناس وأناروا طريقهم فكانوا نعمَ الهادين ونعمَ المصلحين

ويستمرالحواربين الحسين والعباس(ع) ليكون ختام المسرحية فهذا العباس يخاطب اخاه الحسين في اللحظات الأخيرة من حياته قائلا: أتركُ للروح سجيتها/ حيثُ تهيمُ وحيثُ تحطٌ/ وأنا لاأبغي إلا تحقيق يقيني/ فأعني يامولاي على هذا المطلب..وهنا يتضحُ مايسعى اليه العباس في النهاية،ذللك الآمر المتيقن من بلوغه ألا وهو دخوله الجنة وفوزه بها.وهذا مايؤكده الشاعرحين يشير الى ان يُجسدَ المقطع الأخير من المسرحية بعرض فلم تسجيلي يجسد ذلك.إذ يدخل العباس (ع) الجنة وهو يُستقبلُ من جمع من الشهداء والأولياء الصالحين.....  

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2627 المصادف: 2013-11-14 13:09:01