المثقف - قراءات نقدية

"أرملة العنكبوت" للقاصة هيام الفرشيشي .. لعبة الكتابة والتلقي

mouayad elewiقد يتبادر أسم كافكا من خلال روايته "المسخ"، إلى ذهن المتلقي في الوهلة الأولى من قراءة عنوان القصة "أرملة العنكبوت"، وحالما يلج القصة لا يجد الاغتراب لشخصية قصصية في مخلوقات (أرملة العنكبوت) كما في رواية كافكا حيث يذكر إبراهيم محمود في كتابه "الاغتراب الكافكاوي": (إنّ المرء هو مغترب كيف كان اختياره. فالخضوع للقوانين غير الأخلاقية يعني طلاق كل ما هو أنساني فيه ...) ص 85، بل سنجد أنفسنا نحن المتلقيين مَن نعتقد بالعلم والعقل أنه طرف المعادلة المفقود في واقعنا المعاش يومياً، سنجد أننا المغتربون خارج الإطار القصصي، ومشاركون في إكمال العمل الإبداعي معرفياً من خلال وعينا، وقد ارتكنت القاصة هيام الفرشيشي بذلك على عمق البنية اللغوية الملتصقة بالمكان السردي في إيصال رسالتها إلى المتلقي، وهي ترمز إلى البنية الفوقية مصدر الخرافة - بيت أرملة العنكبوت - في أعلى مكان من القرية: (تفرعت أغصان شجرة الزيتون على شباك الغرفة الكبيرة المفتوح على خرافة يرددها القرويون عن عنكبوت تسكن البيت القديم الذي يتراءى على الهضبة) وفي تنصيص ثانٍ (لكنْ من يجرؤ على الذهاب إلى أعلى الهضبة، ودخول بيت العنكبوت والتفرس في الأجسام التي تحللت في الصخر؟) إذ المشكلة هنا في قضية الاغتراب هو مصدر الخرافة أصبح مصدرا للقوانين والمشكلة الأعمق أن البنية التحتية الاجتماعية من القرويين صاروا أكثر التصاقاً بالخرافة - العنكبوت وما تتخذه من أساليب في ابتزازهم نتيجة غياب عقولهم ، حتى لم نجد صوتاً واحد في القصة يناهض المرأة العنكبوت بوعي حقيقي ، مما يمثل واقعا استسلاميا من القرويين في الواقع القصصي المتجلي عن الواقع يومي معاش الذي ترفل به أرياف الميثولوجيا العربية في اغلب الدول العربية ، وهنا تتباين قصة (أرملة العنكبوت) من حيث قيم المكان القصصي واقصد القرية ، عن رواية كافكا وقيم المكان المتمدن ،كذلك خلو الأولى من الشخصية القصصية التي تعاني الاغتراب كما في الثانية ، إنما تشابهها من حيث الملابس الخارجية للسرد القصصي أي المظهر العام وهي عملية المسخ.

وعندما نلج أكثر إلى عمق القصة ويحدث احتكاك أكثر بمخلوقات السرد ، نجد أن كلمة عنكبوت تأخذ مسارب أكثر في أذهاننا إلى شبكة الانترنيت أو الشبكة العنكبوتية كما يحلو تسميتها عند البعض، من حيث توصيل المعلومة بين القرويين وانتشارها عن الخرافة – المرأة العنكبوت ،وتناقلهم لها بنهم مع انصياعهم أيضا لما تفرضه من إتاوةٍ للغرباء الذين تضاجعهم وتقتلهم بعد أفراغ رغباتها الجنسية السادية: (..هو بيتها الذي يحاكي بيت أرملة العنكبوت، تغري الغرباء بالاقتراب من البيت وهي تراودهم بابتسامتها العريضة، يحلمون بقضاء بعض الوقت على فراش من حرير مع شابة فاتنة..العنكبوت تحقن فريستها سما وتذيبها بلعابها، وهي تقدم لهم كؤوس النبيذ المسموم، ويتكفل قريبها بتجريد الغرباء من كل شيء بحوزتهم..)، كما نفيد من هذا التنصيص في أن المرأة العنكبوت استغلتْ خرافة قديمة يلوكها يومياً أهلُ القرية ،لتبني بيتاً محاذياً لها عند بيت الخرافة القديم أرملة العنكبوت في أعلى الهضبة، لتتحول هي إلى خرافة جديدة في تلميح واضح إلى امتداد غياب العقل والعلم عن مفردات القرية اليومية وخضوعهم لما خلقوه من وهم عن بيت الأرملة العنكبوت وكأنهم يبحثون عن وهم جديد دائماً مهما تغيرت الأيام ، ثم ترتكن القصة في بناء شخصياتها على الذاكرة أيضا بوصفها احد ميزات العقل القروي فالحكايا التي تنتقل على لسان رجال القرية عن العنكبوت، وتنتقل بعد ذلك إلى النساء والأطفال واستمرار هذه الحكايا على لسان أهل القرية في تقديس للمرأة العنكبوت التي صارت مسخاً بعد قتل قريبها الذي ساعدها في بناء بيتها أعلى الهضبة: (اشتدت الحرارة في القرية تلتها رياح الخريف وأمطار شتاء بارد نزلت فيه الثلوج وأرملة العنكبوت تلازم بيتها المفتوح على الخلاء، ولكن غاب قريبها عن الأنظار وقيل أنها سممته بعدما راودها فراودته، لم يكن يعلم أنها ليلته الأخيرة ، لم يغادر الفراش الحريري ولكنه لم ينهض منه...وانقطعت الخيوط التي تربط بين تلك الشابة وأهل القرية، إلى أن أصبح صوتها يتعالى في الخلاء، يربك الرعاة والغرباء...لقد أصابتها اللعنة فمسخت عنكبوتا في ذلك البيت المهجور أي لعنة تتحول إلى بركة) بسبب اعتقاد أهل القرية إنها تحميهم من الغرباء بينما تفرض على الرجال أن يقدموا لحم الأضاحي أو قرابينها إلى ضحاياه من الغرباء والفقراء؟!، (لا شيء يعني هؤلاء الغرباء عدا التخفي عن عيون تحرس الأوطان. في هذا المكان لن يمر أي قاطع طريق أو مروع وطن إلا ولقي حتفه كلما هطل المطر وانطلق صوت العنكبوت يحاكي صرخات فتاة حانقة...أجسام متحللة تجرفها السيول، ترفع بعيدا، وتردم دون أن تتعقبها حشود المشيعين إلى المقابر، ودون أن يقرأوا عليها القران أو تقام جنازات لتشييعهم..تتعقبهم لعنات الشيوخ والأيتام و الثكالى)، هذه الازدواجية عند أهل القرية لا تحدها حدود العقل بل تعمل الميثولوجيا على إبقائها راكدة بعيدا عن منطق الأمور لتتحول إلى خرافة محضة مع تقادم الايام، وعبودية لإنسان ثانٍ يجسد لهم ذلك الوهم الكبير الذي أنتجوه ، وهكذا تعمل القرية على مواصلة خرافتها مساء صباح: (أغلق شباك الغرفة المفتوح على خرافة العنكبوت الأرملة حين يتسلل الظلام، وتنام العصافير ومع إشراقة الصباح وحين تعانق السماء في زرقتها الناصعة المطلق .. ترتسم خرافة العنكبوت بنور الشمس المشعة في كل الاتجاهات وتلونه بانعكاس المطلق على صفحات النهر وبين السيول، يعكس صور جثث متآكلة لغرباء تفسخت ملامحهم) .

وكما تفرد بناء القص عن غيره، فقد أنمازت لغة القاصّة هيام الفرشيشي ببراعة الفن لتنقل كل ما يتعلق بمكان القصة- القرية- من رائحة الأغنام وجز الصوف المُبتل بالماء ،إلى حركة رجال القرية وعرق تعبهم وانشغالهم اليومي وحكاياتهم وشجاعتهم فيما بينهم، وتخاذلهم أمام الخرافة ، والتصاق اللغة بحياة النساء والأطفال ولعبهم في تقليد الكبار .. حقاً أنها لغةٌ تشي بخيال فني صاغ لعبة الكتابة والتلقي بأحكامٍ قبضة تلك اللغة على عالم اسمه (أرملة العنكبوت )، كما لم أنها تكن لغة فنية حسب بل وشت ببعد فلسفي اتجاه الحياة، مفاده: أن الخرافة والميثولوجيا وكل ما يتصل بهما من قريب أو بعيد سبب حقيقي لعبودية الإنسان ،على النقيض من العلم والعقل اللذينِ يكونان مصدر حرية الإنسان، وتأتي هذه الفلسفة مؤثرة وأكثر قيمة إنسانية حين تتكلم أنت عن فلسفة بهذا العمق، والسلطة بيد أحزاب الإسلام – السياسي، وهي تمارس كل سلطتها الكهنوتية ضد العلم والعقل من أجل استمرارها في السلطة أو البنية الفوقية للدولة والمجتمع، بمعنى أن لا تكون ممَن يُشترى على حساب القيم الصحيحة ، وأن تكون فلسفتك وبهذه الفنية الجمالية من خلال اللغة ، تلك هي المسألة

 

ناقد عراقي / عضو اتحاد أدباء وكتّاب العراق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

روووعه استاذ مؤيد

مسلم جيفارا
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2636 المصادف: 2013-11-23 12:08:50


Share on Myspace