المثقف - قراءات نقدية

رد على تعقيب: نجم والي و(تل اللحم) مجددا

saleh alrazukلم أتوقع أن تثير مقالتي عن الأسلوب في رواية (تل اللحم) لنجم والي اعتراضات هامة. فقد كانت مقالة تنظر للعمل وكاتبه فقط، بمعنى أنها تحليل لخطاب فني.

ومع ذلك جاءت الاعتراضات في سياقين. شخصي له علاقة بالكاتب. وفني له علاقة بفلسفته عن فن الرواية.

كان الاعتراض الأول يركز على انحياز الرواية لنموذج الدكتاتور كما رسمه أدباء أمريكا اللاتينية.

لقد تحدثت حول هذا الموضوع بشيء من التفصيل، وذكرت أن (تل اللحم) أقرب لعالم ماركيز وهي بعيدة عن العقل الجرماني، سواء كما مثله هاينريش بول أو توماس مان أو كما مثله الجيل اللاحق أمثال آنا زيغريس..

و هنا لا بد من توضيح أو إضافة.

إن الرواية الألمانية هي وليدة ذهن منظم وليست ابنة عقل مغامر. إنها رواية تفاصيل عسكرية ولكن من الداخل. من ضمن بنية الحياة. فالمقاتل الألماني يعيش بعقلية المحارب. وغالبا لديه هم التبشير باللغة والفلسفة. لذلك تحدوه إيديولوجيا لديها برنامج وتوجيهات.

بعكس حالة ماركيز وشركاه.. ألليندي وكاربانتييه ويوسا. هؤلاء جميعا يفكرون بتحرير الأرض وليس تحرير الإنسان. فالشخصيات في تلك الروايات من زمرة الصعاليك والمغامرين. ممن يركب الموجة ولو كانت توجد قناعات فهي غير إيمانية، إنما هي محرضات تعمل في خدمة الليبيدو والغرائز ومنها حب التملك وإطلاق العنان لللاشعور، لذلك يبدو الواقع سرياليا. فهو واقع نفسي بعيد عن المنطق والعقل وموجباته.

و خذ على سبيل المثال أرانديرا في رواية ماركيز أو الطفلة الشريرة في رواية يوسا. كلتاهما تخدمان شيطان الوحي الخاص ولا تفكران بالواجبات الاجتماعية. كلتاهما تعكس حالة ما قبل الوعي وما فوق الواقع ولا تؤمنان بالعالم المحسوس وضروراته.

و هذا ساعد الكاتبين على تجاوز المعنى القانوني لفن الرواية وعلى اكتشاف المناطق المعتمة من المخيلة.

وأعتقد أن هذه هي رؤية (تل اللحم)، مع شيء من التساهل كان نجم والي يلعب بالشخصيات على أنها ظل لنفسها، كل شخصية تعاني من عصاب في الذات، بمعنى أن الشخصيات متجاورة، وتتألف من نصفين: شعور ولا شعور، فالراوي وزوجته مترجمان وهذا يعني أنهما ينقلان بنات أفكار الأخرين فقط.

ومعالي التي تحاول كشف خبايا وجيهة (زوجة بطل الرواية) يتبين أنها ميتة وقد حلت محلها أختها التوأم مرايا. وهكذا دواليك.

ما نعتقد أنه حقيقة يتبين أنه من أثر تفكيك الواقع والعقل وتطوير الدائرة المنتجة لعالم اللاشعور.

و هذه رؤية خاصة فعلا بأدب العالم الثالث وقد ذكرت ذلك في المقالة. ورأيت أنها ظاهرة متحولة. وهي تناسبنا فما ينطبق على شرق المتوسط يصح أيضا على غرب الأطلنطي.

و لكن لم يخطر لي في حينه التنويه بالفرق الهام بين كتابات نجم والي وزملائه العراقيين أمثال برهان الخطيب وعلي بدر. أو حتى موسى السيد مؤلف الرواية اليتيمة (أيام من أعوام الإنتظار)،

لقد كان الواقع التصويري في تلك الأعمال يدور حول شخصيات مركزية . شخصيات متماسكة وإن كانت مريضة فهي تعكس أمراض الواقع بشموليته وبفحواه. ولا تصور انكسار الشخصيات أو تجزئتها. لا يوجد في تلك الأعمال توائم تتبادل الأدوار دون أن نعرف ذلك بالبداهة. ولا توجد مسافات تفصل بين الشخصية وقرينها أو ظلها. إنها عبارة عن صور تتكرر وتنشر نفس القيم ونفس المعايير، كما اعتاد فن الرواية في أوروبا أن يفعل.

و هذا بعيد تماما حتى عن الرواية الإسبانية سواء التي تعمل من خلف قانون المحاكاة (مثل دون كيشوتة) أو التي تعيد ترميم الواقع من خلال النشاط النفسي (كما هو حال فرناندو بيسوا في أعمال ساراماغو وتابوكي).

إن (تل اللحم) هي رواية تصنع نفسها بنفسها ولكنها تعيد إنتاج صورة الدكتاتور ومباذله والمآسي المترتبة على ذلك.

و لا علاقة لدراسة نجم والي في إسبانيا أو في ألمانيا بالمسألة إلا ضمن أضيق الحدود، وفعلا أرى مع الاعتراضات التي وصلتني أن ما ورد في (تل اللحم) هو من إنتاج الواقع السياسي لمخاض تطوير الذهن بصيغته القومية في العراق.

بالنسبة للملاحظة الثانية عن فلسفة (تل اللحم) . فهي تؤكد أن الرواية لا تبتعد عن ألف ليلة وليلة، وهي تتبنى أسلوب تفريع رواية من داخل الرواية. بمعنى أن الحكاية تتطور بالتفريع وليس بالتسلسل، وأن الأحداث تتقاسمها حواريات متعددة. أو وجهات نظر تحتكرها عدة شخوص.

و للتوضيح. إن الرواية تتألف من عدة مدونات تنقلها لنا شفاهيا شخصيات مختلفة تغطي ما حصل بين غياب الراوي وعودته.

و أعتقد أن جوهر ألف ليلة وليلة لا يحمل هذه المواصفات. إن شهرزاد تنقل حكايات بالإنابة وتترك للشخصيات الخيالية حرية التعبير عن عالمها الظاهراتي. أو فينومينولوجيا التطور من خارج الحكاية، ولكنها لا تعترف بقانون الواقع وترفض مبدأ السببية أو ترابط العلة بالمعلول. وغالبا تلجأ لتوظيف المعجزات والسحر والخرافة. إنها لا تبالغ بانحرافات الواقع ولا تستعمل الفرق الحضاري بين إدراك العقل لما حوله وحقيقة الموضوع. بل العكس. هي تعيد صياغة رؤيتنا النفسية للوقائع وكأنها فانتازيا تجادل بالممكن وليس بالمحسوس.

و هذا هو مبدأ الإسراء والمعراج، إنه يصعد بالواقع لتحسينه. ويقدم المغريات لغير المؤمنين ويحدوهم بالتخلي عن حالتهم الوجودية طمعا بحالة بديلة غير مشروطة.

إن عقدة ألف ليلة وليلة تحولت لمعيار نقيس به نجاح عمل روائي أو فشله. وأحيانا نحدد به مشروعيته. كما هو حال كتابات برهان الخطيب الأخيرة التي يسميها قصص رواية. فتفريع النص لحكايات وتحت حكايات، وتداول الأحداث لمجموعة أبطال لا يربطهم بالواقع رابط واحد يحيلنا مباشرة لعوالم ألف ليلة.

و أرى أن هذا لا يصمد طويلا أمام الواقع. وبالأخص اذا لم يكن النص من ضمن العوالم المسحورة التي يحرضها المكبوت والليبيدو والغرائز.

هناك في تاريخ الفن الروائي نماذج أخرى متفرعة ومنها الديكاميرون. وهي تعكس رؤيتنا لواقع المجتمع بعيون البلاط أو النخبة. وأعتقد أنها هي جوهر وخلاصة قصص الرواية. وهي الأقرب لتل اللحم . إنها قصص أخلاقية ومشحونة بالعواطف وتعبر عن تطور العقل اللاتيني وانطلاقه من الملموس للعاطفي والمتخيل. تماما كما هو حال الأدب في إيطاليا وإسبانيا. ثم أمريكا اللاتينية. ولا أرى أي سبب لربطه بالعقل الجرماني الإصلاحي الذي فرض منطقه على الرواية الإنكليزية ابتداء من ظهور فكتوريا وحتى اللحظة الراهنة.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2912 المصادف: 2014-08-26 11:10:20


Share on Myspace