المثقف - قراءات نقدية

تَوَهُّن النفس وانكسارها عند المتنبي

nadhir haronalzobaydi"تميَّز النصف الثاني من القرن العشرين باهتمام بالغ فيما حققته الانسانية من تقدم ملموس وبثروة كبيرة من المعرفة، وبخاصة في ميدان العلوم الانسانية، كما ادت هذه الدراسات الى تنشيط البحث العلمي في جميع فروعه المتشعبة، وقد حظيت الدراسات السيكولوجية – الى جانب هذا- بثروة بالغة الاهمية، وصارت الحاجة الى الاهتمام بالفن في العلوم النفسية امرا ملحا في ميدان البحث العلمي لإثراء جهود المحللين النفسيين الذين اقتحموا ميدان الادب، بما في ذلك جهود النقاد الذين استفادوا في دراساتهم من استخدام ادوات التحليل النفسي" (1) .

من هنا نجد ان توثيق الصلة القائمة فعلا بين النقد الأدبي والتحليل النفسي تمكَّن الباحثين من التعرَّف على سيكولوجية الشاعر وما يتمتع به من مميزات نفسية وموروثات اجتماعية كما يمكنهم التعرف على أهم القيم التي يتمسك بها ، وبذلك فإنه يساهم في تفسير وتأويل الأعمال الأدبية .

وبما ان الشعر بطبيعته مرآة عاكسة لمشاعر وانفعالات داخل نفس الشاعر، فهو وسيلة يستخدمها للتعبير عن وجدانه وترجمة لحياته وأفكاره وآماله وأحلامه، فيطلقها الفاظا موزونة مقفاة .

إن الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي لا يحمل في طياته جميع المفاهيم النظرية التي يدرسها التحليل النفسي كما يتعرض لها جو العيادة الطبية . وانما القصد من ذلك في نظرنا هو دخول الأدب من منظور الاحاطة بجوانب الاسلوب السيكولوجي للسلوك الانساني . وان كانت تجدر الاشارة الى ان هناك بعض النظريات النفسية صالحة لتفسير العمل الادبي بتحليل الرموز التي يثيرها هذا الاثر او ذاك، غير ان الاسراف في تطبيق هذه النظريات لا يفي بغرضنا لتحديد معالم النص الادبي، واكثر من ذلك فأن استخدام نظريات التحليل النفسي بكاملها يتطلب مهارات علمية ليس بوسع أي باحث ان يعكسها حرفيا على طبيعة النص حتى وان فعل فإن ذلك لا يخلو من التعسف في حق الاثر الادبي الذي يستدعي منا فك رموزه مستعينين بمفاهيم التحليل النفسي قدر المستطاع (2).

ان التعامل مع النص وفق منظور سيكولوجي يمنحنا قراءة خاصة عبر صياغته الفنية التي تحمل في ذاتها رؤية لعالم الانسان الخفي واستدعاء تجليات اللاشعور، غير ان ذلك لن يتأتى الا بمعاناة الفنان التي تستمد قوتها من الاحساس بوجود الذات في طبيعة العمل الفني الذي ارجعه النفسانيون الى الحالات الانفعالية، والتجربة اليومية، كما انه في – نظرهم ايضا – ينشأ من اعماق اللاشعور، وهنا يكون الفنان قد حقق غاية ذاته بإعادة توازنه النفسي ضمن الاثر الذي احدثه فحرك المشاعر، وكان ذلك عونا لنا على فهم حياته، لأنه يلامس الاعماق الشعورية، ويتعامل معها وفق ما تقتضيه التجربة الوجدانية، وهنا يأتي دور التعامل مع منهج التحليل النفسي عن طريق استقصاء النصوص واستقراءها لإزاحة ما خفي من تجارب الفنان (3). خاصة وان التحليل النفسي يتعامل مع كثير من العناصر الأساسية في الشعر والأدب مثل الاستعارة والكناية والمجاز ما يمكنه من كشف تعقيدات النفس البشرية الأمر الذي كان ولا زال انشغال الأدب والادباء.

نحن اليوم حيال شاعر العرب الكبير ابو الطيب المتنبي، نادرة زمانه، وأعجوبة عصره كان ولا يزال مالئ الدنيا وشاغل الناس، وكان شعره الى اليوم مصدر الهام ووحي الشعراء والأدباء، يجدون فيه القوة، والشاعرية المرتكزة على الحس والتجربة الصادقة .

يقول الاستاذ عدنان الظاهر: " لم أجد المتنبي الشاعر – الإنسان كما هو على حقيقته إلاّ في حالين: الغزل ثم في قلقه وحيرته مكاناً وزماناً. وعليه فإني أقترح على نُقّاد ودارسي هذا العملاق النادر أن يكفّوا عن التركيز على مدائحه المعروفة، ذاك لأنها لا تمثل الرجل أبداً ولا تعبّر إلاّ عن القليل من مشاعره وأحاسيسه الداخلية وعن همومه الخاصة وحيرته " (4).

ولما كان الشعر صورة لنفس الشاعر، ومرآة لأحاسيسه وشخصيته التي تضافرت في تكوينها عوامل داخلية وخارجية محيطة بالشاعر، كان لزاما دراسة أهم هذه العوامل وبيان أثرها في شعر المتنبي.

ولد المتنبي طموحا مهوسا بالمجد وظل بعد خروجه من السجن حتى الرابعة والثلاثين من عمره فقير الحال يجوب الاقطار معرضا نفسه للأخطار والاهوال، فلم ينل من الدنيا مراما . وفي هذا الطور يكثر في شعره ذكـر المجالدة، ويقرن ذلك بذم الزمان واهله والسخط على اولي الامر من رؤساء وامراء (5). فمنها قوله:

اوانا في بيوت البدو رحلــي       وآونة على قتـــــــد البعير

اعرض للرماح الصم نحـري       وانصب حر وجهي للهـجير

واسري في ظلام الليل وحدي       كأني منه في قمــــــر منير

فقل في حاجة لم اقض منهـــا       على شغفي بها شروى نقير

ونفس لا تجيب الخسيــــــــس       وعين لا تدور على نظـــير

وقلة ناصر جوزيت عنــــــي       بشر منك يا دهر الدهـــور (6)

فمما يلاحظ تلك المرارة التي صحبته كل ايام حياته وكان منشأها ما تكابده نفسه من المشاق فكان شعره الوجداني الحقيقي مظهرا لما في نفسه من كبرياء حوّلها الى نقمة وسوء ظن (7) كقوله:

فما لي وللدنيا طلابي نجومهــــــا         ومساعي منها في شدوق الاراقم

ومن لم يعرف الايام معرفتي بها         وبالناس روّى رمحه غير راحـم

فليس بمرحوم اذا ظفروا بــــــــه         ولا في الردى الجاري عليهم بآثم (8)

ولعل هذه الحادثة تبين حالة الانكسار التي مر بها المتنبي في مراحل حياته الاولى رواها البديعي في الصبح المنبي (9): خلاصتها انه اراد ان يشتري بطيخا من بائع فلما ساومه على الثمن جبَّهه البائع واحتقره، ثم جاء تاجر غني فرحّب به البائع وباعه البطيخ محمولا الى البيت بأبخس مما عرض عليه المتنبي . ولما رجع كلمه المتنبي في ذلك فقال: اسكت، هذا يملك مئة الف دينار . فوقع في نفس شاعرنا من ذلك، وان الناس لا يحترمون غير صاحب المال . وفي شعره ما يدل على ما كان في نفسه من ذلك . كقوله:

واتعب خلق الله من زاد همــه     وقصر عما تشتهي النفس وجـده

فلا ينحلل في المجد مالك كله       فينحل مجد كان بالمــــال عقـــده

ودبّره تدبير الذي المجد كفـــه     اذا حارب الاعداء والموت زنـــده

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله   ولا مال في الدنيا لـــمن قل مجده (10)

كان المتنبي يشعر بالمرارة عندما تقهره الظروف وتضطره لان يمدح هذا وذاك من الامراء والحكَّام الذين هم اقل منه فهما ونباهة واحط منه قدرا (11). وفي ذلك يقول:

اذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص   على هبة فالفضل فيمن له الشكر (12)

لقد نقل لنا التاريخ الكثير من المواقف الصعبة و التجارب المرّة و المعاناة التي تكبدها المتنبي خلال رحلته الطويلة نحو الخلود والتي أثارت قريحة شاعرنا، فراحت تتفجر أروع القصائد . ومن هذه التجارب وهي على سبيل الحصر نستطيع تحديد بعض العلامات البارزة التي توضح حالة الانكسار النفسي عند المتنبي وهي:

 

اولا: تجربة السجن:

ظهر المتنبي في اوائل شبابه في البادية على راس فئة من الاعراب ناقمة على اولي الامر وانه كان بفطنته وفصاحته يستهويهم الى غاياته من حب الظهور والرئاسة ولكن امره لم يتم فألقي القبض عليه واودع السجن وهو في نحو التاسعة عشر من عمره ولم نتحقق كم بقي في السجن لكننا نستنتج انه بقي فيه مدة غير يسيرة . وكان اول دخوله السجن يظهر الاستخفاف بأهواله . ومن اقواله في ذلك الحين ابيات كتبها الى صديق له يدعى ابا دلف وكان يتعهده وهو في السجن (13). يقول:

كن ايه السجن كيف شئت فقد      وطنت للموت نفس معترف

لو كان سكناي فيك منقصــــة       لـم يكن الدر ساكن الصدف (14)

لكنه لقي في السجن عذابا شديدا فقد وضعوا القيود في رجليه وعنقه . ولما طال اعتقاله فقد صبره وارسل الى الوالي قصيدة يستعطفه ويتعذر اليه (15). يقول:

اما لــــك رقي وشــــــأنه             هيهات   اللجين وعتق العبيد

دعوتك عند انقطاع الرجـا             والموت منــي كحـبل الوريــد

دعوتك لما براني البـــلاء             واوهن رجلـي ثقـــل الحديــد

وكنت من الناس في محفل             فها انـا في محفــل من قرود

فما لك تقبل زور الكــــلام             وقدر الشـهادة قـدر الشهـــود

فلا تسمعن من الكاشحــين             ولا تعــبأن بمحـل اليهــــــود

وكن فارقا بين دعوى اردت           ودعوى فعـلت بشأوِ بيــــــد

وفي جود كفيك ما جدت لي             بنفسي ولو كنت اشقى ثمود (16)

ان القصيدة التي نظمها المتنبي ليستعطف بها والي حمص الامير (اسحاق بن كيغلغ) من القصائد التي تبين براعة المتنبي في التلاعب بأنفس سامعيه وشدهم اليه ما يمكنه التأثير عليهم تأثيرا عظيما. وفي هذه الابيات يظهر جانب من شخصية المتنبي المحطمة التي تبحث عن النجاة،فقد تضايق الشاعر لكونه قد حبس مع مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق. (17)

وهذه ابيات اخرى تدل على نفثات رجل متضايق نفد صبره وخاف مغبة الامر ثم راح يستثير عواطف الوالي ورحمته فقال:

بيدي ايها الامير الاريب         لا لشيء الا لأني غــــــريب

او لام لها اذا ذكرتنـــــــي          دم قلب بدمـــــــع عين يذوب

ان كان قبل ان رايتـــــــك         اخطأت فاني على يديك اتوب (18)

ولكن من اي شيء يتوب ؟ هنا تتضارب اراء المؤرخين فمنهم يجعل ادعاءه النبوة سبب سجنه وهو قول يحتمل الشك . ومنهم من يزعم غير ذلك (19) . وقد نقل تعزيزا لهذا الشك ما رواه ابن جني تلميذ المتنبي وشارح ديوانه اذ قال (20): سمعت ابا الطيب يقول لقبت بالمتنبي لقولي:

انا ترب الندى ورب القوافي     وسمام العدى وغيظ الحسود

انا في امة تداركهـــــــــا الله     غريب كصالح في ثمـــــــــود (21)

وبعد فان احدا لا يشك في ان الرجل (ابو الطيب ) كان قد سجن لأمر ما ولكن حرص البعض على ان يجعلوا حبسه من اجل النبوة، وهذا يجعلنا نرى انهم جعلوا مسألة (النبوة ) غطاء يسترون به حقيقة ما قام من اجله ابو الطيب فقبض عليه. وتبين على مذهبنا في نسب المتنبي ان الرجل حبس من اجل " دعوى العلوية" (22).

 

ثانيا: الحب في حياة المتنبي:

وهذه فقرة بارزة في عمود صورة المتنبي لم يعرفها ولم يقف عندها احد من دارسي ابي الطيب قديما وحديثا وقد استخرجها ابو فهر . وهذه القضية تكاد تكون هي القضية الوحيدة التي لم يجد لها ابو فهر ظهيرا من رواية تاريخية او حكاية مروية لا من قريبي ولا من بعيد: اذن فهو تذوق شعر ابي الطيب ليس غير (23). يقول ابو فهر الاستاذ محمود شاكر في كتابه المتنبي: " وقد استوقفنا ونحن نتتبع شعر الرجل على طريقتنا ومذهبنا، الفرق الكبير الكائن بين شعره الاول وشعره الذي قاله في حضرة سيف الدولة وتدبرنا الاسباب فلم يستوي عندنا ... فعدنا نجدد الراي لذلك ونقرا ما بين كلمات الرجل من المعاني ونستنبط من روائع حكمه وبلاغته ما يهدينا الى السبب الاكبر في هذا التجويد الفذ الذي غلب به الرجل على شعراء العربية فاستروحنا في شعر الرجل نفحة من نفحات المرأة التي تكون من وراء القلب تصنع للشاعر المبدع بيانه وتتخذ من فنها النسوي مادة تهيئها لفن صاحبها وعبقريته ونبوغه" (24).

دخل ابو فهر الى قضية حب ابي الطيب (خولة ) اخت سيف الدولة من خلال رثائه الاخت الصغرى لسيف الدولة وقد خلص من ذلك الرثاء بجودة الفهم والاستنباط الى تعلق ابي الطيب بخولة الاخت الكبرى، حتى اذا ماتت خولة بعد اختها بسنوات ثمان جاء رثاؤه لها وهو بالكوفة حزينا ملتاعا كاشفا كل مخبوء وفاضحا كل مستتر (25).

لما ماتت اخت سيف الدولة الصغرى وقف المتنبي يعزيه ويرثيها ويسليه ببقاء اخته الكبرى وذلك يوم الاربعاء للنصف من رمضان سنة 344هـ . وطفق المتنبي يمدح سيف الدولة بمناقبه مما يصلح لهذا الموضع من العزاء (26). الى ان قال:

اين ذي الرقة التي لك في الحر         ب اذا استكره الحديد وصـلا؟

اين خلّفتها غداة لقيــــــــت الـــ         روم الهــــــام بالصوارم تُفلـى

قاسمتك المنون شخصين جورا         جعل القسم نفسه فــيه عــــدلا

فاذا قســــــــت ما اخذن بما غا         درن ســرى عن الفؤاد وسـلى

وتيقنت ان حظـك اوفــــــــــــى       وتبينت ان جدك اعلـــــــــــى (27)

"فأبو الطيب يطلب من سيف الدولة ان يقيس اخته الصغرى التي ماتت الى اختها الكبرى التي بقيت . فاذا فعل ذلك كان سلوى له وتسلية للهم عن قلبه، ولا ندري كيف يتفق ان يخطر لشاعر يرثي امرأة محجبة ماتت ان يذكر اخرى - وتكون اختها – ويعزى اخاها بهذا العزاء الغريب" (28)؟

ثم مضى ابو الطيب في القصيدة كلها يمدح سيف الدولة ولم يتعرض لهذه الفتاة اختها الصغرى الا في موضع اخر (29)، اذ يقول:

خطبة للحِمام ليس لــها ردُّ           وان كانت المسماة ثكـــــــــلا

واذا لم تجد من الناس كفئا           ذات خدر ارادت الموت بعلا (30)

فالعجب ان يكون ذلك عزاء ... فإن ابا الطيب قد قدم الكبرى في المنزلة فكان اولى اذن ان تموت الكبرى، اذا هي ولا شك عند ابي الطيب افضل من هذه الصغرى التي لم تجد من الناس كفئا يكون لها زوجا فاختارت الموت بعلا لها !! وهذا التناقض يدلنا على ان الرجل كانت قد اقترنت في عينه صورة الكبرى بصورة الصغرى فاضطرب قوله ولم يمض على سنن ونهج، وذلك لاضطراب نفسه الذي اظهر ما في قلبه وكشف عنه في تدفقه حين ذكر هذه الكبرى فقال فيها البيتين (فاذا قست ...الخ) (31)

فلما ماتت الكبرى هذه التي ذكرها هنا – وهي خولة اخت سيف الدولة في سنة 352هـ اي بعد ذلك بسنوات، وكان ابو الطيب يومئذ بالكوفة، فورد عليه خبرها، فكتب الى سيف الدولة قصيدة فيها 44 بيتا منها واحد وثلاثين في ذكر خولة هذه وستة ابيات في ذكر الدنيا ونكدها ولم يذكر سيف الدولة الا في سبعة ابيات منها . هذا مع ان القصيدة التي رثى بها الصغرى لم يذكر فيها الصغرى الافي بيتين وذكر الكبرى ومعها الصغرى في ثلاثة ابيات وجعل بقية القصيدة وعدتها 42 بيتا في مدح سيف الدولة الا قليلا في الحكمة والحياة اليس هذا عجيبا كان الفرق بين القصيدتين بين واضح لا خفاء فيه بينما كانت الثانية في رثاء خولة عاطفة قد اخذها الحزن وغلبها البكاء (32). يقول المتنبي وقد افتتحها بخطاب خولة:

يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ           كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَب

أُجِلُّ قَدْرَكِ أنْ تُسْمَــــــــيْ مُؤبَّنَةً         وَمَنْ يَصِفْكِ فَقد سَمّــــاكِ للعَرَبِ

لا يَمْلِكُ الطّرِبُ المَحزُونُ مَنطِقَه         وَدَمْعَهُ وَهُمَا في قَبضَةِ الطـــّرَبِ

غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ         بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَـــــازَلَةٍ         وكم سألتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِـــــبِ

كأنّ "خولة" لم تَمْلأ مَوَاكِبُهَـــــــا         دِيَارَ بَكْرٍ وَلم تَخْلَعْ ولم تَهَـــــبِ

.........................................

وَإنْ تكنْ خُلقتْ أُنثى لقد خُلِقــتْ         كَرِيمَةً غَيرَ أُنثى العَقلِ وَالحَسبِ

فَلَيْتَ طالِعَةَ الشّمْسَــــــينِ غَائِبَةٌ         وَلَيتَ غائِبَةَ الشّمْسَينِ لـــــم تَغِبِ (33)

ما تضمنته هذه الأبيات من القصيدة من العاطفة التي عطفته على هذه التي يرثيها، وما يتوهج في ألفاظها من نيران قلبه . فلست تخطئ فيما نرى أنين الرجل و حنينه و بكاءه . ولا بد لنا هنا من بعض القول في أبيات منها نشرح به أمر أبي الطيب. أن الانتقال من معنى إلى معنى في شعره، هو الموضع الذي ينبغي لنا الوقوف عنده و تمييزه و التبصر في أوائله و أواخره، إذ كان الانتقال في شعره هو الذي يعينك على الكشف عن أسرار قلبه و نفسه و حياته . فإذا شئت الآن فانظر إلى انتقاله من قوله في مخاطبة الموت: (وكم صحبت أخاها في منازلة...) إلى ذكر ما أفزعه و كربه، وهزّ نفسه وحزّ فيها حين بلغه خبر مــوت خولة وهو بالكــوفة، ففزع قلبــه، واضطرب أمره، وانتشرت عليه عواطفه، ففي البيتين أثر قلبه الفزع المضطرب، وعليها وسمٌ من لوعته و حرقته (34) إذ يقول:

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ          فَزِعْتُ فيـهِ بآمـالي إلــــــى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَــلاً           شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي (35)

وقد غلب أبا الطيب بيانه في هذين البيتين، فصرّح فيهما بكل ما يضمر لخولة من الحب . أنظر كيف جعل الخبر يطوي الجزيرة كلها يقصده وحده دون غيره، وقد خصّص ذلك بقوله (حتى جاءني)، وفي هذا من غلبة الحب على قلب أبي الطيب ما جعله يرى أن هذا الخبر بموتها - الذي سمعه وهو بالعراق، وقد كان قد علمه الناس ولا شك - لم يقطع أرض الجزيرة إلا ليبلغه هو، و الحب دائما يخص و يضيّق بمثل ذلك . ولا يرى فيه الشَّرِكة، ولو تساوى الناس جميعاً في المشاركة فيه أو العلم به . ثم إن أبا الطيب نسب الفزع الذي لحقه إلى آماله، إذ كانت آماله كلها في الحياة بعد حبه خولة متعلقة بها و بحياته، فلما جاءه الخبر بموتها فزعت آماله هذه أملاً إلى الشك في الأمر الواقع، و إلى طلب الحيلة في رده و تكذيبه، عسى أن تجد لها متعلقاً تستمسك به . فلما أخفقت الآمال أملاً، وقطّعها الخبر الذي سمعه بالصدق و اليقين، سقطت نفس الرجل ولم تستمسك على رجولتها و قوتها، وغرقت في دمعها حتى شرقت به . وهذه حالة في الحب القوي العنيف الذي يستولي على القلب، ولا يجعل للحياة بآمالها معنى إذا فقد من يحب، أو ساءه من أمره ما يسوءه . فهذا من أبي الطيب دليل على أن كلامه هذا ليس كلام شاعر يرثي أخت صديقه و أميره، و إنما هو كلام قلب محب مفجوع قد تقطعت آماله من الدنيا بموت حبيب قد فجعته المنية فيه (36).

لقد عالج ابو فهر حب ابو الطيب خولة بفيض من الوجد الغلاب والشاعرية الشفيفة التي ترقرقت في كلماته حزنا كاويا وحسرة ملتاعة وعبرات تكاد تكون تجول على الورق، وكأني بأبي فهر حين كتب هذا الكلام وابان هذه الابانة انما كان يعيش حالة حب كتلك التي عاشها ابو الطيب ووجد مسها وتباريحها، ولا يعرف الشوق الا من يكابده (37).

وهناك من لا يتفق مع ذلك تمام وينفيه جملة وتفصيلا ومنهم الدكتور محمد تقي جون في مقال له في صحيفة المثقف يقول فيه: "ما سمعنا – قبل محمود شاكر – عن المتنبي بأنه كان من الذين أصابتهم سهام (كيوبيذ) وانه كان من المعاميد المتهافتين على محراب (فينوس) آلهة الحب والجمال. فقد زعم محمود شاكر أن المتنبي أحب الأميرة (خولة) وان قصة الحب هذه كانت وراء تركه لحلب بانياً كل هذه الادعاءات على قصيدة واحدة للمتنبي انفردت بذكر خولة وهي القصيدة التي رثاها بها وهو في العراق. والعجب العجــاب أن الجمهور تقبلوه مــنه وتبنــوه وجعلوه من بديهيات دراسة المتنبي. وما كان هذا الأمر ليخفى على الجهابذة من النقاد والشراح الذين عاصروا المتنبي أو جاءوا بعده وهو مشغول عنها بالمجد. وانتبه الثعالبي إلى حقيقة مهمة وهي أن المتنبي كان يستعمل ألفاظ الغزل – وهي من لوازم المرأة – في مجال هدفه المجدي في قصائد الحرب والمدح" (38).

اذا فالموضع لازال محل بحث وتحقيق بين شك وتصديق لأنه كما اسلفنا لم يعضد برواية تاريخية او حكاية مروية لا من قريبي ولا من بعيد.

 

ثالثا: حسد الاخرين له:

لم يثر شاعر حسادا ومناوئين ونقادا في عصره وما بعد عصره كما فعل المتنبي، ولعل الخصومة التي قامت حول المتنبي، والحسد أحد أسبابها، من أكبر قضايا الشعر في العصر العباسي، وقد كان المتنبي في كل هذا دليلا وشاهد عصر، وتميزه عن شعراء عصره ونبوغه وتفوقه عليهم أوقع فيهم الحسد والغيرة والمرارة واللوعة، التي جعلتهم يكيدون له بصنوف المكائد كافة (39). فهو يقول:

وللحساد عذرا أن يشـحوا     على نظري إليه وأن يذوبوا

فإني قد وصلت إلى مكان   عليه تحسد الحدق القــــلوب (40)

يشير المتنبي إلى أن المكسب هنا يتم تحديده من خلال رؤية الحاسدين، لا بل أكثر من ذلك يدخل المتنبي في جانب آخر على مستوى الشخص نفسه؛ إذ يصور أن القلوب تحسد العيون على تلك المكانة (41).

فمن المفاهيم التي تبدو بجلاء في شعر المتنبي، مما يذكره بكثرة، مفهوما الحسد والوشاية، وهذان المفهومان هما اللذان عاناهما المتنبي في علاقاته، ويغرق المتنبي في تحليل دور هذين المفهومين في التأثير في العلاقات التبادلية، ونجد أن إضافات المتنبي في هذا المجال عميقة جدا وأصيلة (42).

فقد بالغ الحساد في الوقيعة بالمتنبي حتى غيروا قلب سيف الدولة نحوه فأعرض عنه لان تقريب سيف الدولة له واعجابه به جعلهم ينصبون له شباك المكائد وكان اهمهم ابو فراس الحمداني (43). فنظم المتنبي قصيدته التي مطلعها:

واحـرَّ قلبـاهُ مِمَّـنْ قلبُـهُ شَبـِـــــــمُ       ومـنْ بجسمـي وحالـي عنـده سَقـَمُ

ما لي أكتمُ حبـاً قـد بـرى جسـدي     وتدعـي حُـبَّ سيـفِ الدولـة الأمـمُ

إن كـان يجمعنـا حــبٌ لغرتـــــــه     فليـتَ أنـَّا بقـدرِ الحـب نقتسـِـــــــمُ

قـد زُرتـُهُ وسيـوفُ الهنـْدِ مُغْمَـدَةٌ       وقـد نظـرتُ إليـهِ والسيـــوفُ دمُ

حتى قال:

يا أعـدلَ النـاسِ إلاّ فـي معاملتــي ... فيكَ الخصـامُ وأنتَ الخصـمُ والحَكَـمُ

........................................................

أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي ... وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ

......................................................

إن كـان سَـرَّكمْ مـا قـال حاسِدنـا ... فمـا لجَـرِحٍ إذا أرضاكـُمُ ألـَــمُ (44)

ولم يغفل المتنبي عن شكوى الحسد الموجه ضده (45) قال:

إزل حسد الحساد عني بكبتهم     فانت الذي صيرتهم حُسدا (46)

ومن قوله ايضا:

اعادي على ما يوجب الحب للفتى     واهدأ والافكار في تجــــول

سوى وجع الحســــــــــاد داو فانه     اذا حل في قلب فليس يحول

ولا تطمعن من حاســــــد في مودة   وان كنت تبديها لـــــه وتنيل (47)

واخيرا نجح كيد الكائدين وتمت الوقيعة بين سيف الدولة والمتنبي وانصرم حبل الالفة بينهما بعد ملازمة لمدة تسع سنين. ولم يخل المتنبي ممن كانوا يبغضونه ويكيدون له اثناء اقامته في مصر ومن جملتهم ابن مرابة وزير كافور وكان هؤلاء يوغرون صدر كافور عليه . فلم يستطيع المتنبي بعد كل هذا ان يطيل الاقامة في مصر فعزم على الرحيل .بعد ان اقام فيها مدة تقارب الخمس سنوات. (48)

رابعا: الموت الذي اخترم احبته:

ان ما اصاب المتنبي من سوء المعاملة من الحكام والقادة الذين خلدهم بشعره جعله انطوائي، يتفجر غضبا، وقد ظهر ذلك في شعره الرثائي، وخاصة تلك التي نظمها في رثاء جدته لأمه التي كانت تحبه كثيرا وتحزن لما اصابه من تعب، وقد ماتت في غيابه فتألم كثيرا لهذا الامر ولم يجد ما يعبّر فيه عن آلام حزنه الا بالبكاء الشديد على مصابها (49). فقال في رثائها:

ألا لا أُري الأحداثَ حَمْدَاً ولا ذَمّا         فَما بَطشُها جَهلاً ولا كفُّها حِلمـَا

لَكِ اللـــه مِنْ مَفْجُوعَةٍ بحَبيبِهــــــا       قَتيلَةِ شَوْقٍ غَيرِ مُلحِقِها وَصْمَـــا

أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بهــــا       وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا

بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِهــــــــــا       وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِــــهِ قِدْمَا

..................................

وإنّي لَمِنْ قَوْمٍ كأنّ نُفُوســــــــــــَنا       بهــا أنَفٌ أن تسـكنَ اللّحمَ والعَظمَا

كذا أنَا يا دُنْيا إذا شِئْتِ فاذْهَبـــــي       ويا نَفـسِ زيــدي في كرائهِها قُدْمَـا

فلا عَبَرَتْ بي ساعَةٌ لا تُعِزّنــــي       ولا صَحِبَتْني مُهجَةٌ تقبلُ الظُّلْمـــَا (50)

انه لا يريد البقاء بعدها بل يريد ان يضمه المحشر الذي حشرت به جدته، وتموت والدة سيف الدولة فينتهز ابو الطيب الفرصة في هذه المناسبة فيرثي الفقيدة بقصيدة يتخللها شكواه من الزمن وغدر الناس به (51) فيقول:

رماني الدهر بالأرزاء حتى     فؤادي في غشاء من النبـــــال

فصرت اذا ابتني السهـــــام     تكسرت النصال على النصال (52)

 

....................

المصادر:

1-   الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، عبد القادر فيدوح، دار صفاء للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، الاردن، (د.ت) .

2-   أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، انيس المقدسي، ط17، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان،1989م .

3-   دراسات في الشعر العربي،عطا بكري، مطبعة الارشاد، بغداد، 1970م.

4-   دموع المتنبي / إلى الأستاذ ناثر العذاري، عدنان الظاهر، الحوار المتمدن، موقع الكتروني، العدد 2035، 11/9/2007.

5-   شرح ديوان المتنبي،عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتب العلمية،بيروت لبنان،1428 هـ 2007 م.

6-   الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته،د. علي نجيب عطوي،دار عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، 1413 هـ -1993 م .

7-   الصبح المنبئ عن حيثية المتنبي، الشيخ يوسف البديعي، مكتبة عرفة، مطبعة الاتصال،دمشق، (د.ت) .

8-   العرف الطيب في شرح أبي الطيب المتنبي، الشيخ ناصيف اليازجي،ط2،دار القلم،بيروت-لبنان/ (د.ت).

9-   العلاقات التبادلية في شعر المتنبي دراسة تحليلية في ضوء مفاهيم النظرية التبادلية وقضاياها في علم الاجتماع، نايف البنوي، المجلة الاردنية للعلوم الاجتماعية، مج2، العدد1،2009م

10-   في اللغة والادب دراسات وبحوث،محمد محمود الطناجي،ط1،دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان،2002 م.

11- المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا، ابو فهر محمد محمود شاكر،المؤسسة السعودية مطبعة المدني، القاهرة،مصر،1987م .

12- المثال والتحول في شعر المتنبي،جلال الخياط،ط2،دار الرائد العربي،بيروت، لبنان، 1987م.

13- هل أحب المتنبي خولة.. أم راعى العرف العربي، محمد تقي جون، صحيفة المثقف، العدد1225، الاربعاء -11/11/2009.

14- وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان،ابن خلكان،تح، احسان عباس، دار صادر، بيروت – لبنان،1972م.

15- يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، الثعالبي، تحقيق: مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1983م.

 

الهوامش:

1) الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص57.

2) ينظر: المصدر نفسه، ص7-15.

3) ينظر: المصدر نفسه، ص7-15.

4) دموع المتنبي / إلى الأستاذ ناثر العذاري .

5) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 353- 354 .

6) ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي: ج2/ 246

7) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 357

8) الديوان: ج4/237

9) ينظر: الصبح المنبئ عن حيثية المتنبي، الشيخ يوسف البديعي، مكتبة عرفة، مطبعة الاتصال،دمشق، (د.ت): 1/80

10) الديوان:ج2 /122

11) ينظر: دراسات في الشعر العربي: 256

12) الديوان: ج2/ 254

13) ينظر:امراء الشعر العربي في العصر العباسي: ص 330

14) الديوان:ج3/ 24

15) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 328- 329

16) الديوان: ج2 /67

17) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته: ص187- 189

18) ديوان المتنبي، شرح الواحدي. تصحيح فريديريخ ديتريصي، ص857.

19) ينظر: وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان: 1/64

20) ينظر: يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: 1/80

21) ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي: ج2 / 48

22) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: ص213

23) ينظر:في اللغة والادب دراسات وبحوث: ص222.

24) المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:335

25) ينظر:في اللغة والادب دراسات وبحوث:ص222

26) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:336

27) الديوان: ج3/245-246

28) المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 337

29) ينظر: المصدر نفسه: 337

30) الديوان:ج3 /249

31) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:337

32) ينظر: المصدر نفسه: 337- 338

33) الديوان: ج1/ 215 - 220

34) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 340 -341

35) الديوان:ج1/ 216

36) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 341

37) ينظر: في اللغة والادب دراسات وبحوث، ص223

38) هل أحب المتنبي خولة.. أم راعى العرف العربي، العدد1225، الاربعاء -11/11/2009

39) ينظر:المثال والتحول في شعر المتني:17

40) الديوان:ج1/ 204

41) ينظر:العرف الطيب في شرح أبي الطيب المتنبي،ص3

42) ينظر: العلاقات التبادلية في شعر المتنبي دراسة تحليلية في ضوء مفاهيم النظرية التبادلية وقضاياها في علم الاجتماع، مج2، العدد1، ص64

43) ينظر: دراسات في الشعر العربي: ص279

44) الديوان:ج4 / 80 - 87

45) ينظر: دراسات في الشعر العربي: 281

46) الديوان:ج2 / 13

47) الديوان:ج3 / 230

48) ينظر: دراسات في الشعر العربي: ص281-283

49) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته: ص196-197

50) الديون:ج4 / 226 - 235

51) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته:ص198

52) الديوان:ج3/ 141

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2949 المصادف: 2014-10-02 23:19:42


Share on Myspace