المثقف - قراءات نقدية

حسن عبد راضي يطلق القصيدة بطقوس موت الأشياء .. شعرية التسمية وقرائن أغوار الدلالة

haidar abdullradaان ما يحدث حين قراءة قصائد مجموعة (طقوس موت الأشياء) للشاعر المبدع حسن عبد راضي، هو لحظة التغلب على خاصية تكريس ما هو منفلت آنيا عن أفق وعي كلية تجربة بوح الأشياء، أي بمعنى ان القصيدة لدى هذا الشاعر، وبحدود مكوناتها الشعرية، تبقى كشفا معادلا ضمن حدود أفق مخالفات وملاحظات، لا يمكن تجاوزها في النظر الى مسببات وجود الأشياء وظواهرها الأسلوبية والشكلية . وهكذا فأن متابعة قيم النصوص وأصواتها الدالة في منجز هذه المجموعة الشعرية، يبدو أمرا شاقا ومعذبا ولذيذا، لاسيما وان تجربة النص وخطابه وشكله، تبقى نموذجا تعريفيا مقترحا، نحو خصوصية حالات تحققية مشتركة في أضفاء طابعية التعديل والتحول والانسياق خلف قرائنية أغوار الدلالة ومنظومة صورية التسمية النصية .

لا تسكبي سفرا على اصقاع خارطتي

و لا تدعي السنونو

و ضعي على جرحي بياض يمامتين

ضعي دمى

بأكف أطفالي

و قولي للتوابيت اهدئي

سيمر هذا العام كالعطش الصريح

يمر موتانا واعينهم بلا حدق .. ص13

ليس مهما ان نعرف هوية خارطة قول الشاعر في مقاطع وعنوانات وفواتح دلالات هذه القصيدة، بل ان من المهم جدا ان نعرف، هوية أبعاد سفر واسفار مقصديات مقاطع النص . فمثلا تقول جملة الافتتاح في القصيدة: (لا تسكبي سفرا على اصقاع خارطتي) . ان مثل هذا القول، لربما حل لتدوين تماثلات اظهارية من زمن دال: (سفر / أصقاع) ومن حدود صلات تشفيرية ذات مدارات دلالية، نابعة من

(السنونو / جرحي / بياض / يمامتين) . ولكن بلاغية الدوال في مقاطع النص، قد راحت تؤسس لذاتها مساحة مؤولات ممكنة، من قابلية تجاذب نسقية الافعال والمسميات، ومن حدود اشراقات راسخة في فعل المحكي الخطابي ذاته، كقول الشاعر في هذه المقاطع اللاحقة (ولا تدعي السنونو) . أي بمعنى هنا ان موجهات الجزء قد أضحت شروعا كامنا في دليل (السنونو + خارطتي) . وتبعا لهذا الأمر أصبحت مركزية القول في هذه المقاطع، تشكل دليلا في موجه دال (السنونو) وضمن أفق مؤشر دال

(خارطتي) ليكون الاسترسال الفعلي في المقاطع، تابعا لمؤول اظهاري رابط، كقول الشاعر (ضعي دمى / بأكف أطفالي) . ان المقاطع وبحدود هذه الاظهاريات المؤولة، باتت شكلا احتوائيا لدال القول المركزي في القصيدة، وعلى محورية الهيمنة الاكتفائية في جملة دال (لا تسكبي سفرا) مما جعل الاساس الدلائلي في المكون الدلالي، يتضح بروح محقق استعمالي، يحمل ذهنية فعلية الدليل الجديد، والذي يتمثل بجملة (وقولي للتوابيت اهدئي) وقد يعني هذا نوعا ما من روح الانكشاف نحو رؤية هذه الترسيمة السيميائية

(خارطتي = السنونو = جرحي = أطفالي = اهدئي) . وفي هذه الحالة من الاظهار الدلائلي، تبدو حركة ومساحة الدلالة، أشبه ما تكون عليه وضعية المؤول الصيغي، والذي هو بدوره يشكل مؤشرا ضمنيا نحو حاجة مدلولية في بنيات النص، وعلى هذا الأمر لاحظنا ورود مثل هذا الشكل من الأفعال والدوال في محققات بنية طابعية الافصاح التتابعي في خطاب النص : (سيمر هذا العام كالعطش الصريح) قد تكون اضافات ودلالات هذه المقطعية، مؤولا ضمنيا لحالة تفعيل المركزي (خارطتي / جرحي = عطش) . لتكون حالة الخطاب بهذا الأمر، بمثابة التوارد المتوازي مع حدود اضمامات هذه الترسيمة (سيمر + العام + سفرا + السنونو + أطفالي + التوابيت + اهدئي = دليل = محور) . ان حالة وقوع الدوال الى هذه النتيجة من الحركية الدلالية، قد راحت ترسم لنا حلقات من براهين ومداليل، تؤكد لنا على ان أبعاد القولية الكلامية في النص، قد جاءت حلولية في مواقع نتائج أفعال تمفصلات أدلة تتابعية الصورة والموجه والادراكية القائمة على حدود مراكز الزمن الصوري الأول من قول الدوال الشفروية في النص، أي بمعنى ان كافة علامات الكلام في الخطاب، ما هي ألا توابع وفواتح سائرة نحو متراصفات كلية مترابطة، من قيمة تشاكلات محاور النص ذاته .

 

(المؤولات الحملية وقصيدة المحمول)

و نحن نطالع مقامات وتوجهات مراحل الدلائل والمداليل والحمولات المقصدية في علامات دليل قصائد مجموعة

(طقوس موت الأشياء) لاحظنا بأن مؤولات انتاجات شعرية الاداة الخطابية في القصيدة، قد راحت تتحكم بملفوظاتها الفعلية في الكلام، بموجب حالات حملية ممثلة بمبادرات متحركة وفق روابط محمولية في الدلالة والاداة نحو خلق نوعيات من الاجابات الاستدراكية المتكونة من (دليل / مصدر / طاقة نهائية / طاقة تحقق / شكل مقومات) . وهذه المصادر الحملية والمحمولات الدلالية في دوال وأفعال النص، تقود التلقي نحو معالجات اظهارية من قيمة زمن المتصل الانتاجي القابع في تمفصلات تصورية المحور القصدي في الباث، وهذا بدوره ما سوف نعرفه من خلال هذه الامثلة التطبيقية :

يموت المغنون مذ يولدون

يموتون في ردهات الجنون فرادى

يموتون من فرط أغنية

يسبح الضوء في ضوئها

و القناديل تحرس

ما تركوا للكمنجات

من وجع وديون

يموت المغنون في القادمين بلا قدم

و يموتون في النادمين بلا ندم .. ص53

ان قابلية الوعي الاظهاري في توزيعية دوال هذه الحملية المؤولة، من زمن الدلالة المحمولة،   هو ما سيقودنا نحو الكمون في تصورات ومشفرات قواعد الاعتدال والتنسيق بموضوع القصيدة ذاتها، أي بمعنى، ان قيمة ما وراء صياغات حملية وحمولات علاقات الدليل الفعلي في خطابية النص، قد أرست لها مواضعات حدية من جملة هذا القول الأول : (يموت المغنون مذ يولدون) . أيقصد الشاعر هنا بأن مستوى الدليل الاظهاري (يموت) هو مزعم تعريفيا على مستوى سياق دليل الصدور الأول في هذه الترسيمة   (ولادة + كينونة + زمن + توقف = يموتون) . ولكننا في حال هذه المقطعية، نعاين بأن موجهات حملية هذه الجملة الأولى، تقودنا نحو دلالات متصلة بدليل محمول

(يولدون) وليس (يموتون) وتبعا لهذا فأن سياقات المحمول الرابط هي بهذا الشكل (الجنون / ردهات / أغنية) في حين ان أولية مؤولات المصدر، تبقى من كل هذا الربط، بمثابة الدينامية السائرة نحو المباشر الأولي والمباشر الأخير، أي على هذا النحو من التتابعية الخطاطية (يموت المغنون +برهان + صورة + مصدر + محفوظ + دليل خارجي + تبئير = يولدون من فرط أغنية) . نلاحظ أذن وفق هذه الخطاطة، بأن الشاعر قد راح يركز في حمولاته الملفوظية على مواطن حيازات حملية صوت الأشياء، وليس انفتاحاتها الاظهارية المحمولة، وتبعا لهذا صرنا نتلقى الملفوظات في مقاطع القصيدة، على اساس مرادفات عكسية من الاتصال في الدلالة والصوت والمدلول البرهاني، في حين أننا رأينا في أكثر من مكان وموضع من قصيدة الشاعر، بأن هناك أمكنة وأشياء وأدراكات حسية وحالات صورية، تبدو مخالفة لتوجهات المحمول التلفظي الظاهر من العبارة في الخطاب، كقول الشاعر مثلا في هذه الجملة (يسبح الضوء في ضوئها) أو في مثل هذه الجملة (يموت المغنون) . ان حالات تركيبة الأشياء هنا، قد جاءت حملية وبفعل عنصر مزامنة ديكورات لفظوية مخالفة لأفق المسبب والسبب والنتيجة، وعلى نحو تبدو الاقوال الشعرية الوصفية، كما لو أنها غير دقيقة وغير شعورية . ولكن العكس هنا، هو ما سوف يكنه الصواب والموضوعية، لأن المساحات الملفوظية في هذه التركيبة الشعرية قد جاءت حملية، أي بمعنى انها اختارت الدليل قبل شروعها بمضاعفة الاظهار الحمولاتي في أرسالية دلالة الملفوظ القصدي في القصيدة .

 

(مكانية المتعدد من حيز المفتوح الصوري)

لم يتوقف الشاعر حسن عبد راضي في مشروعية قصائد (طقوس موت الأشياء) عند حدود الأنظمة العلامية والملفوظية من دليل (صورة / خطاب / شكل / فضاء / نهاية) بل أننا رأينا القصيدة عنده، كأنها نصية مفتوحة الإجرائية المنظومية، وبلا نظام قائم على التدرج والافتعال . وهذا بدوره ما سوف نراه عند هذه المواضع التطبيقية .

في ظلامي الأكيد

يعرج الشك مني على غفلة

حين شباك قلبي

يحطمه اليأس

و العقل يبسط أغلاله بالوصيد

فأرى الأرض فاسدة

و السماء كطي السجل

أرى الكائنات التي لا تراني .. ص43ص44

 

ان سلطة التسمية في محورية فواتح هذه الدوال، تأتي معتمدة زمنا تجاوزيا، لغرض الوصول الى مواطن تشكل مكانية وحسية مفتوحة على صعيد مساحة ملفوظية الافعال والحالات القولية، فعلى سبيل المثال، نعاين فاتحة هذه الجملة

(في ظلامي الأكيد) ان انبعاثية ومصدرية مفاعيل هذه الصورية الأحتوائية، ما يجعلنا نراجع موضعية هذا التأطير الدلالي : أي ما قصدية (ظلامي الأكيد) أهي مصدرية تشكيلية خطاب دلالي توكيدي يكون محكوم بواقع حال ظرفي مشبه به مثلا ؟ أم هو اعترافا مسندا الى دلالة مقصدية البياض في صياغة الدال؟ . لعل في وظائف هذه الجملة المقطعية، ما يجعلها أدراكا تصوريا مسبقا، إذ جاورناها مع حدود جملة اللاحق من هذه المقطعية: (يعرج الشك مني على غفلة) . وبهذا الأمر تتضح لنا مصدرية عبارة (في ظلامي الأكيد) لاسيما وان التحرك لدينا هو ما يتضح في هذه الترسيمة :

(ظلامي + يعرج + الشك = على غفلة) . غير أننا نلاحظ في الوقت نفسه بأن حدود تمفصلات المضاعفة القولية في تفعيل هذا الدال (ظلامي) راحت تمتد نحو أنحاء متعددة من حيز المفتوح الصوري التابع لدليل مقصدية لفظة (الأكيد) ولاسيما ان الأمر يبدو أكثر وضوحا بحدود هذه الجملة

(شباك قلبي = اليأس = يعرج = ظلامي = الشك = السماء كطي السجل) . وبعد استيفاء حدود امكانية المتعدد الدال في مقولات الدلالة، نعاين بأن سلم أعماق الصورة الشعرية في القصيدة، تبقى على حدود متجاوزة ومتوغلة في مكاشفات اللحظة الإحالية المسندة، الى دليل خصوصية خطوط التأويل المضاعف في فضاء استرجاعات القصيدة : (أرى الكائنات التي لا تراني) . ان حجم الإحالات في هذه الجملة الاخيرة، تقودنا نحو مؤولات صيغية مصدرها : (تعرفية / تصادم / معلوم / مفروض / فضاء / أيقونة غياب ظرفي) . وتبعا لهذا يمكننا قراءة هذه الجملة الأخيرة بحدود هذه الترسيمة

(أرى + لا تراني = في ظلامي = الأكيد = الكائنات = الشك = اليأس = على غفلة = العقل يبسط أغلاله = طقوس موت الأشياء) . وفي الأخير لا أملك سوى كلمة الشكر والتقدير للصديق المبدع حسن عبد راضي، لأنه فعلا بمجموعته الشعرية هذه، قد قدم لنا بناءات تصورية وصورية وايقاعية وايحائية، ليس لها سوى كيفيات دالة، من زمن علاقة ذاتية الشاعر مع العالم والله والحقيقة والقصيدة، وبمنظور تصاعدي خاص من صياغات شعرية التسمية وقرائنية أغوار دلالات القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

البصرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2984 المصادف: 2014-11-05 23:42:36


Share on Myspace