المثقف - قراءات نقدية

من على شرفة الجهات الاربع (عين القلم) ترقب (صلاة الكتابة)

hamid laftaدراسة نقدية للتوأمين (عين الدمية وشرفة على الجهات الاربع) للاديب عبد الفتاح المطلبي

 

مقدمـــــــــــــــــــة

الأديب عبد الفتاح المطلبي أكمل دراسته الإبتدائية في ناحية المشرح والمتوسطة والأعدادية في العمارة والجامعية في الموصل وعمل مهندسا زراعيا حتى تقاعده في 1998،شاعروكاتب قصة مبدع، وله مشاريع في الكتابة قيد الانجاز، صدرت له عن دارالقادسية رواية صغيرة للفتيان من الخيال العلمي(المركبة المفقودة(1986) وعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع(دمشق) مجموعتان قصصيتان (شرفة على الجهات الاربع) و(عين الدمية)بطبعتيهما الاولى(2014).، حاصل على جائزة مؤسسة المثقف لعام 2012. عضو مؤسس ل(ملتقى المثقف العراقي) والمطلبي كغيره من الكتاب والأدباء العراقيين اللذين لا يحبون الأضواء ولا مجالس الحكام والمتنفذين، خزانته مكتظة بالعديد من المجاميع الأدبية التي لم يستطع جيبه المتقاعد ان يوصلها للمطبعة

امضى شطرا من حياته في بغداد العاصمة مع عائلته، اكمل دراسته في جامعة الموصل كلية الزراعة، بعد تعينيه عاد الى احضان مدينته ثانية ، كان يهوى القراءةوقد مارسها مبكرا فقرأ في طفولته ما تيسر له من أدب الأطفال ثم تدرج في قرائته فقرأ في شبابه وكهولته الكثير من كتب الأدب، القصة والرواية والشعروكان راصدا لكثير من الأحداث والتغيرات التي عاصرها فاكتنزت روحه بقيم الجمال والحرية والابداع،

(الاسلوب الذي يسيرإليه الناس في حياتهم انما يعتمد على طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع، مع بعض الاثار التي تتركها العوامل الجغرافية والبيولوجية) نظرية الثقافة عالم المعرفة، مجموعة من الكتاب، ترجمة د.علي سيد الصاويص9

(المجموعتان القصصيتان) جوهرتان من كنوز المطلبي السردية والشعرية التي تنتظر خلاصها من قيد الحاسوب، منتظرة الافلات من ارتهانات المال وشحة ما في اليد والتجاهل شأنه شأن الكثير من محبي الكتابة .والمنحازين لهمها اللائب..

بحذر كبير اتقدم لفتح باب رياض سرد الاديب الاستاذ الفتاح المطلبي.......

ليس مصدر حذري من حراس البوابة الاشداء او حذر العاجز عن دفع سعر بطاقة الدخول، وولكن جل ما اخشاه ان اتيه في شعاب، وواحات وينابيع وبحيرات رياض المطلبي باذخة الجمال عميقة المعنى، فأضِل الطريق وتصيب ناظري الغشاوة، فتعجز مخيلتي عن رسم معالم السحر في مجموعتيه القصصيتين الرائعتين ....

وجل ما اخشاه ان يظهر عجزي عن معرفة أسماء وكنه أزهار وثمار لاعهد لي بمثل عطرها او لذة طعم ثمارها ، فاعجز عن التوصيف والتعريف فيبتل جبين قلمي بعرق العاجزين ...... ولكن سماحة الورد وعطاء الشجر تغريني لاستجيب لنداء غناء عنادل حروف (الجهات الاربعة) وغمزة (عين الدمية) لاقف عند عتبة الباب قائلا:-

لابد من الدخول لأتبين أسباب هذا الإغراء صاعدا إلى شرفته التي تطل على الجهات الأربع ولأجرب إلقاء نظرة ولو سريعة من خلال عين دميته.

ساخلع هالات زيفي،وارتدي جبة تواضعي عسى ان امنح قدرة التاويل وكفاءة التحليل والامساك باذيال البليغ والجميل، املا ان تزدان سلالي بحلو الثمار وشذى الازهار وترتوي روحي بعذب الماء القراح وتنعم بطعم الشهد وانا امرح في هذا الروض المُغري

نظرا لتعدد اساليب السرد وتعدد الدلالات والاهداف لقصص المجموعتين ساحاول الفصل بين قصص المجموعتين حسب تناولها للظواهر والاحداث كما ارى. لغرض الدراسة فقط رغم انها تشكل بمجموعها حزمة سردية تشع بالنور والمعنى في كل الجهات ومختلف مناحي الحياة مرتبط بعضها ببعض في رباط رحم مبدع واحد وخريطة جينية متقاربة ......

 

1-المتغيرات الاجتماعية، سلوك الافراد والجماعات

(يغير الناس انماط حياتهم كلما تدخلت احداث او مفاجأت بطريقة تحول دون تلاقي نموذج العلاقات المفضل مع التوقعات التي تولدت عنه، الامر الذي يؤدي الى التغيير)نظرية الثقافة ص14.

الاستاذ المطلبي هذه الروح التي تعمدت بمياه المشرح، عنوان العذوبة وحامل سر النماء ورائحة الواح سومر، وحساسية البيئة الجنوبية المؤثثة بالسحر وروح الأسطورة وألق الحكاية عبر حلقات لامتناهية من حكي الجدات والجدود على مدى عقود طويله يرثها الجنوبي كابراً عن كابر، حكايات نتحسس فيها طعم القهوة ورشاقة الفالة وميس المشحوف على الماء وأرواح مزامير القصب التي يملأ أنينها ريح الشرق وريح الغرب عازفةً لحن الحياة والخلود

.....

نقول هذا الحامل لالواح سومر ومسلة حمورابي لابد ان يمتلك خيال لايحد، وعين لاقطة لاتخفيها خافية، وروح تواقة بما لايقاس للسلام والحب والجمال والثورة ضد الظلم والطغيان لابد ان يكون منحازا للانسان وهمومه ومشاغله، وعقلا جبارا قادرا على تفكر الاحداث، وسبر اعماقها كما كان غواصا بارعا في عمق دجلة وبحيرات اهوار الجنوب،هذا الذي يقود الطيورحين تضل اماكن اعشاشها،لابد ان يمتلك يراعا يقوده فكرٌ ثاقبٌُ موسوعيٌ شاملاً لما يجري من تغيرات وتبدلات وسلوكيات للافراد والجماعات ضمن الحراك الاجتماعي الماثل أي انه استطاع ان يقرأ التاريخ الاجتماعي مجهريا (هو محاولةلقراءة الاحداث وتاويلها وتركيبها اعتمادا على المعاينة المجهرية، أي بالتامل الدقيق في الجزئيات،والاحداث العابرة وتسليط الاضواء على الفاعلين العاديين من البشر مهما كانت مرتبتهم الاجتماعية ومهما كان فعلهم الاستثنائي) المعادلة الصعبة – فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية -عبد الواحد المكين دار الساقي ط1 2010 ص 17،

ليعكسها ليس صورا فوتغرافية ولكن صورا ونصوصا ادبية جميلة الشكل بليغة المعنى قوية الدلالة فاتت عناوين ومضامين قصصه غاية في الروعة من حيث الشمولية والامتلاء بالمعنى ففي

(مياه ضحلة) ص9.

(على الرغم من انني سمكة صغيرة،انجبني ابواي على شاطيء، دجلة ورحلا عائدين الى موطنهما في الجنوب لكنني لم اعلم ولم اشعر بما يتهدد عالمنا) ع.ص9

هنا يجسد القاص طبيعة الصراع بين مختلف القوى الاجتماعية في بيئة الشح وانحسار حيز العيش والحياة للمخلوقات كما هي دلالة ( المياه الضحلة) فتدخل المخلوقات في حالة صراع تتناسب شدته وقسوته تناسباطرديا مع حجم المعاناة وفقدان فرص الحياة، فيسود مبدأ البقاء والحياة للاقوى والاكبر دون اية رحمة او نواميس اخلاقية تكون مستترة وقت الرخاءكما في البحيرات الممتلئة، والانهار الطافحة بالمياه حينما تكون ضرورات الحياة متيسرة والرزقُ وفيراً ووسائل العيش المريح متاحةً ....

الكاتب يلقي الضوء على الدور الكبير للقوى السياسية المتصارعة سواء المحلية او الاقليمية والدولية منها في خلق مثل هذه الضحالة وفقدان فرص الحياة، هذا الصراع المأساوي بين البشر وبين كل الكائنات الحية، تسلبها صفاتها المسالمة ا لمتعايشة وتجعلها خاضعة لحكم غريزة البقاء الحيوانية ....القاص يؤكد بوعي متقدم كيفية تجدد هذا الصراع المرعب تبعا لتحكم القوى الكبرى المهيمنة على الثروات والطبيعة والسلطة، وتستمر عملية تبادل الادوار فيتحول المفترَس الى مُفترِِس (بكسر الراء) والصغير كبير وهكذا في ظل عالم اللاعدالة واللاقانون واللاانسانية مجسدا ذلك بوضوح في عملية (..فتح السد الذي كان يحجز ماء النهر ولكننا لم نكن فرحين لقد ذهب منا الكثير في الصيف القادم سيسدون النهر من جديد وسنكون نحن الكبار وسنجد كبارا من البشر يتصيدوننا وسيجد صغارنا الفرحون صغارا من البشر ليعكروا ماء بركتهم ويتصيدونهم واحدا واحدا .... ثم يفيض النهر من جديد) ع .ص13.

الكبير يلتهم الصغير، القوي يقضي على الضعيف الفوق ينزل تحت والتحت يصير فوق وهكذا تستمر حالة التردي .. اما قصة (المخاضة) ص58.

فانها تقترب كثيرا من حيث الدلالة من قصة (مياه ضحلة)، حيث اخذ الناس ينظرون بحيرة وعجز تام امام انحسار الماء حد الجفاف للنهر، بسبب السدود المتعددة التي قام بانشائها الجانب التركي على مجرى النهر (بتنا ننظر الى النهروهو يموت وكدنا نسمع صراخه ولطالما استنجدنا به من هاجرة صيف بينما عجزنا عن نجدته الآن) ص59

هذا النهر ملجأ للناس للخلاص من موجات الحر في صيف العراق الملتهب بشكل لايطاق، وهي اشارة خفية من قبل الكاتب الى شحة او انعدام الكهرباء في اغلب مدن وقصبات العراق مما يضطرهم للجوء الى اساليب بدائية للتبرد ومنها السباحة في النهر، الامر المؤلم ان يخذلهم النهر ايضا بجفافه ، بحيث يتسابق الكلاب والصغار والكبار للخو ض في مخاضته مما يثير القرف والعجب لدى من يتامل هذا الحال(هالني ان ارى الكبار والصغار على صوبي النهر وهم ينظرون نظرة حسد للكلاب السائبة التي كانت تتبرد في مخاضة النهر) ص62.

(تجرا اثر ذلك الصغار على الهبوط الى المخاضة غير عابئين بالوحل ولم تنفع الكلاب السائبة زمجراتها فانسحبت مجبرة تاركة المخاضة ووحولها)62.

طرد الصغار الكلاب السائبة من المخاضة، ثم طُرِدَ هؤلاء الصغار من قبل الرجال الكبار من مختلف المستويات والاعمار للنزول والخوض في هذا الوحل المقرف تحت وطأة الحر بعد طول تمنع وعدم وجود بديل، الكاتب هنا وفي اكثر من قصة يؤكد بان الظروف القاهرة تجبر الانسان على قبول اسوء الخيارات للحفاظ على حياته ....أو أنه يلمح إلى الوضع السياسي والإجتماعي السائد حيث تكون الحياة عبارة عن مخاضة معتكرة لا وضوح فيها يخوض فيها صغار الناس والحيوانات (إشارة إلى السذاجة والإرتداد إلى الغرائز)

يستمر في وصف حالة الناس والكلاب وقبولهم بما هو مهين وقبيح حين تتعذر البدائل او يعجزون عن ايجاد حلول لمشاكلهم .... فيدمنون على تقبل الحال يضحك بعضهم على بعض دون جدوى

(وهكذا ظلوا يضحكون على بعضهم البعض حتى هبوط الشمس نحو مغيبها..... على ان يبكروا بالخوض في الوحل من جديد مع شمس نهار آخر).عص 64.(وهنا أيضا إشارة إلى أن كل ما يفعله الناس لا يعدو عن ضحك بعضهم على البعض وهم يتلوثون في الخوض بهذه العُكرة السياسية والإجتماعية.

اما في قصة (مقهى بوحي)ع.ص38. فيتحكم في تحول سلوكيات الناس امر اخر حيث يتحكم في طبيعة الصراع والمنافسة دخول التقنيات الجديدة والتكنولوجيا الحديثة بالاضافة الى الدور الذي تلعبه السلطات الحاكمة في استغلال الاماكن العامة وتواجد الناس لخدمتها عبر توظيف اصحاب المهن ليكونوا وكلاءا للامن وعسساً للسلطة ومراقبة سلوكيات الناس، تصاب مقهى بوحي بالركود امام منافسة وكيل السلطة المقابل لمركز الشرطة (علاوى الموسى)باثاثها الافرنجي وكؤوسها البراقة المذهبةوشربت النومي الذي ازاح من امامه شربت الرمان في (مقهى البلد)، وراديو الفليبس الحديث.... فلم تفلح كل محاولات (بوحي) المسمى المحلي ابن البيئة الشعبية، بجلب الزبائن رغم شرائه الغرامفون الجديد واغاني حضيري وزهور حسين فلم تعد تلائم الذائقة (الحديثة) للناس الذين(بد أوا يفضلون سماع اسطوانات(افرنجي)و(نغمة المقام السلطاني والدست التركي ونوع من حداء بدوي على رنة واحدة لاتتغير وهنا إشارة إلى تأثير المحيط الإقليمي على الحياة واستبدال القيم بقيم الغرب)، ولم تفلح محاولته بجذب الناس بشراء جهاز التلفاز لان الرياح غير مواتية لاستلام الصورة من مركز البث في العاصمة الى ضواحي العمارة في اقاصي جنوب العراق(لم يفصح التلفزيون عن مكنوناته فما كان من بوحي الا ان يقول ونظرات زائغة تلوح على عينيه:ان الريح غير مواتية اليوم لعلها تكون كذلك غدا)، في اشارة ذكية الى ضرورة توافق عوامل الموضوع والذات معا لتكون الظاهرة او الفعل ناجحا ومقبولا وفعالا، فرغم مبادرة بوحي لادخال التلفاز للناحية الا ان تخلف وضعف اجهزة البث المركزي ادت الى موت المبادرة واصابة الناس بالاحباط .. (. وهنا إشارة إلى المحاولات الوطنية لتغيير الواقع لكن الرياح لاتواتي السفن) ص45.

(الوباء) ع.ص46.

واضح من عنوان القصة ان هناك وباءً خطيراً، الوباء ينتشر عند انعدام الظروف الصحية الملائمة للحياة، وعدم وجود الاجراءات الوقائية للحؤول دون حدوث المرض، وعدم وجود الاجراءات العلاجية الكافية لعدم تحوله الى وباء خطير .....

(اذا مات الضمير ولد المسخ).

ان هذه الجملة الرائعة ذات الدلالة العميقة الى الاسباب الكامنة وراء تردي الواقع الثقافي والمعاشي والسياسي للناس، فحينما يموت الوازع الداخلي، محرك قوى الممانعة لقبول فعل القبح والظلم والاستغلال وهي اشبه بمفتاح المعنى معلق في رقبة النص ....

(اعلم ان النارنجيات لا تموت الا اذا فسد الهواء والهواء لا يفسد.....الا اذا فسد الشجر والشجر لايفسد الا اذا فسد الناس)ص47

وهاهو الترابط الجدلي والمنطقي بين الظواهر التي يكون اس خرابها وفسادها ناتج عن فساد الناس في أي مجتمع من المجتمعات البشرية .....ولكن كيف ولماذا يفسد البشر ؟؟

في اغلب قصص المجموعتين المطلبي يلقي الضوء على الاسباب القاهرة التي تؤدي بالانسان الى السقوط في مستنقع الرذيلة والفساد والخنوع كما سيأتي في ثنايا الدراسة، فالفساد والانحراف ليس موروثا جينيا قهريا لكل او لبعض الناس بل هو نتاج بيئة اجتماعية وثقافية واقتصادية ،معينة تعمل على تآكل وهزالة مناعته ضد القبح والاستغلال والجريمة كما هو حال بطل قصة (حبيبتي نزيهة) وغيرها فالفقر والخوف والجهل ثلاثي خطير يعمل على تردي الوعي وتدهور المجتمع.وموت النزاهة الذاتية..

فهذا (الرنان)المدوي في رؤوس سكان(المدينة التي لم ارها من قبل كان الناس فيها نوعين لاثالث لهما اما يضعون ذلك الشيء على اذانهم لوقرها واما لهم ذيول صغيرة تنبت من مؤخرة الرأس ولايضعون شيئا على اذانهم)ص48.

هو صوت الضمير الجمعي الذي يطالب هؤلاء الناس على رفض واقعهم المتردي، رفض حالة الهوان والاذلال والخضوع،وبدلا من أن ترفض الناس حالة القمع وفقدان الذات والانحدار نحو الرذيلة فقد ابتدعوا وضع (الواقرات) إسلوباً تصالحياً مع الذات من اجل عدم سماعه، لتكون مرحلة انتقالية بين انسان يمتلك ضميرا داخليا يسمع صوت الرنان وبين تحوله تدريجيا الى حيوان يكتمل نمو ذيله منتميا بشكل كامل الى القطيع فلاحاجة له بعد ذلك للواقرة نظرا لفقدانه الاحساس بنداء او صوت الضمير الرنان(هو صوت كصوت ناقوس ضخم يخرج من مكان ما فينا ثم يرن في الاذان بقوة، مثل صرير يحفر في الآذن، يصرخ بصوت لايحتمل يخترق الاذان ويعبث بالدماغ لولا هذه الواقرة التي نضعها) ص50.

.... الذيل يتناسب طوله طرديا مع حجم المسؤولية الاجتماعية المفترضة لصاحب الذيل، وحجم الضرر الذي يلحق بالمجتمع بسبب تجاهله لصوت الضمير

(المعلمون والاطباء والتجار والكسبة وباعة الخضار وارباب الثقافة والشعراء والمبجلون وكل من عليها هنا في هذا البلد كلنا متشابهون الا السياسين وكبار القضاة فان ذيولهم تصل الى اقدامهم يستعملونها لجلد بعضهم احيانا)ص50.

من اجل ان يوفر لنا القاص القناعات في غرائبية السرد وغرائبية الصورة المروية من خلال سقوطه من سرير نومه مستيقظا من كابوس حلم ثقيل ... لكنه لايتركنا في عالم الحلم بل يحيلنا الى مبررات ودواعي الحلم في الواقع حيث يتحدث التلفاز عن موجة الجفاف في البلاد وموت الاشجار بفعل فساد الهواء بفعل غازات العوادم الناجمة من فساد الانسان المفترس للطبيعة والذييلوثها بمخلفات صناعته واهماله وهنا تكتمل عوامل موت الضمير وتكتمل ضرورات ولادة المسخ في عالم القهر والاستغلال .

(اثناء ركضي تعثرت ووقعت من فوق سريري وارتطمت جبهتي بحافة الكتاب القاسية ...التلفزيون يتحدث عن جفاف شديد تتعرض له البلاد وان الجو لم يعد كما كان وان الاشجار تموت تباعا بفعل فساد الهواء واختناقه بغازات العوادم.)9ص51.

وللكتاب هنا دالة خاصة تؤشر الى بلوى المثقف الواعي، حيث تصدع راسه الثقافة ورفعة الذوق وحب الجمال ومشاكسة التقليد والاطلاع على حقيقة الظواهر، فالجاهل سعيد بجهله والعالم تعس بعلمه في زمن التردي والفساد وانتشار العفن ..

في قصة (فســــــــــــــــــــــــــــاد)ص65.

يؤشر الكاتب لحالة تطير الانسان العراقي خصوصا من اللون الاسود فهو دالة وعلامة الحزن والاسى، حتى وان كان هذا الاسود هو البترول الذي يدعونه ب (الذهب الاسود) مصدر الثروة والرفاه والتطور في الكثير من بلدان العالم الا العراق هذا البلد المتمنى لانه يدعى ببلاد (ارض السواد) ارض الخصب والعطاء والنماء .....هذا الاسود حتى وان كان حبرا أسود في محابر المثقفين صار مكروها وباعثا للتطير في العراق

(من المعلوم ان الانسان يكون حذرا دائما من أي سائل اسود ولو كان ذا قيمة عالمية مثل سائل البترول الاسود او ذلك السائل الاسود في محابر المثقفين) 67.

في عهد غزو شركات التنقيب البترولية التي صاحبتها حالة كبيرة من تدهور الثقافة والادب وترد الوعي بعد انشغل الناس في محنتهم من عواد م وروائح وتخسفات ووكلاء شركات البترول، حيث اصبحت دواوين الشعر والجرائد قناطر وطرق يمكن تخطيها وتدوسها أرجل المارة لعبور الشوارع والساحات تخلصا من السائل الاسود فأي حالة من فقدان الذوق والجهل وتردي الوعي وتدهور الثقافة حينما يبتذل الشعر والشاعر الى هذه الدرجة المريعة ؟؟؟....الذي وصل عفنه حتى لسكنة الطوابق العليا اشارة الى شمول كل الطبقات الاجتماعية بحرمنة ولصوصية وخراب الشركات البترولية

(راح الناس يتجنبون الساحة ويضعون بعض الصخور ومخلفات البناء والجرائدغير المقروءة وآلاف من دواووين الشعراء التي كدست في المكتبات ومتاجر الكتب ولم تغط جزءا ولو ضئيلا من تكاليف طباعتها) 67.

والويل لمن يعارض او يحرض على الحكام وكلاء هذه الشركات المنصبين برضاها وعن طريقها، وهكذا كان مصير امين العاصمة الذي اقترح ازالة تمثال الحاكم وردم التخسفات والخلاص من العفن ... الذي مات بطريقة المخابرات وليس بطريقة الحكام عن طريق المراسيم السلطانية (ولم تمض الا ايام قلائل حتى مات الامين متاثرا باصابة جرثومية غريبة) 68.

(يموتون علنا بمراسيم من الحاكم)68. في اشارة ذكية إلى التفريق بين اساليب القتل والتعذيب للانسان في بلاد البترول، فقوى الاستعمار والاستغلال تتبع اساليبا جهنمية تنفذ في الظلام للقضاء على من يعارضها ويقاومها، لكي تخفي وحشيتها وقذارتها وهي المتخفية وراء رداء الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان المزيفة والتي لاتعني ما هو اكثر من مصالحها، في حين ينفذ عملائها من الحكام والامراء المسلطين على رقاب هذه الشعوب جرائمهم جهارا نهارا تحت مختلف الذرائع و تحت مظلة الوطنية ومحاربة قوى الكفر والاستعمار ....!!!

بعد ان احكمت شركة البترول بقوة العسكر سيطرتها على الميدان، فازالت صنيعتها المستهلَك لتحل مشاريعها الجديدة محله

(دهمت بلدوزر عليها علامات تتعلق بالبترول يقودها رجل بملابس تشبه كثيرا ملابس الجيوش المرقطة، دهمت التمثال الذي قيل ان شركة البترول قد اقامته في زمن سابق.....)69.

 

 

وبعد ان استتب الامر لها في هذه المدينة وهذه الساحة انتقل العفن الى ساحات ومدينة وبناية اخرى في مكان آخر، وهكذا تستولي شركات البترول الاجنبية على اراضي وثروات الشعوب بعد ان تنشر بين صفوفهم الهلع والخوف والموت والمرض ..... هذا هو ديدن شركات البترول الاحتكارية ومالكيها في بلدان الراسمال المعولم بقيادة امريكا المال والاستغلال ...

(بعد حين جف السائل العفن في هذه الساحة وقيل انه قد خرج من تحت بناية حديثة في بلدة اخرى وان بلدوزرا عليها علامة البترول ذاتها تحوم حول المكان ولا زال الناس يهربون وقد مات كثير منهم رعبا)69.

(السبــــــــــــــــــــاع)عص90.

لكل امة وكل شعب تقاليده واعرافه وقيمه التي طبعت بطابعها سلوكيات افراده، تجاوزها وعدم الالتزام بها مرفوضٌ وغيرُ مقبولٍ اجتماعيا، يجري الحوار بين مجموعة من اصحاب المحلات للبيع والشراء في ساحة للسباع المبتورة الذيول، اصبحت اكثر شبها بالضباع، وتحول مخالب بعضها الى مايشبه ضلف الضبع، كل هذا وسط اجواء تنذر بعاصفة غبراء، دلالة ما يتعرض له البلد من غزوات وتبدلات خطيرة، في بلد القيم والتقاليد المشار لها بالعقال رمز الشرف والعزة ونظافة العرض (يولد المرء في العراق وعقاله معه)93، هذا الذي تخلى عنه اغلب الناس ومن يتحدث معهم بسبب ماحصل من متغيرات وهي دلالة لاستغراق الناس بالقيم الإستهلاكية واندحار الموروث منها)

(كان يرمق المتحدث بنظرة كلها عتب مشوب بالعجب لانهم جميعا كانوا بلا عقال...) 93.

والمفارقة الكبيرة التي تعرض لها هذا العراقي المولود بعقال وهو يرى عجبا لم يشهد مثيله في قبيلته في الجنوب (فرأى عجيبا لم ير مثله في قبيلته في الجنوب... حيث العقال يولد مع المرء)94.

(قال الرجل: يازعيم انا كما تعلم صرت واحدا منكم ولقد رايت فلانة زوجة فلان تحت علان .. ورايت علانه تحت فلان اخر ... ورايت المحروسة ابنتكم تضاجع زوج شقيقتك الكبرى)ص95.

هذا المنكر المستنكر من كبائر الامور الذي افرح اميرهم بدل ان يغضبه او يستثير حميته وغيرته لازال يجري بين افراد قومه أ نفسهم ولايوجد بينهم غريب او دخيل قائلا

(يارجل لقد افرحتني... نحن نتناسل كما يجب). (كلهم اولادي).!!!!

(يحدث في الحافلة) ع.ص126.

حافلة النقل العام نموذج مصغر للمجتمع، يضم مختلف النماذج والسلوكيات، التي لايمكن الكشف عن حقيقتها الا بازالة قشرتها الخارجية والنفاذ للب رغم ان لهذا الفعل ثمنا محزنا احيانا (هذه هي الحياة وان البصلة ليست كما تبدو لابد من نزع قشورها ولكي تفعل ذلك لابد من دموع)129.

ففي الوقت الذي يتعاطف طيب القلب حسن النوايا مع احدهم الذي يظن انه لايملك ثمن شايه في المقهى، محاولا اللحاق به ومساعدته دون ان يسبب احراجه، فيكتشف بانه هو النشال الذي استل من جيبه محفظته في الحافلة، وعندما يخبره بالامر يتحول هو الى سارق يقيم عليه النشال المحترف مدعيا سرقته ، هذا السلوك الذي اعتاد على فعله النشال مع المغفلين بالتعاون مع احد مفوضي الشرطة الفاسدين ، لم تنقذه من هذه الورطة سوى الصدفة....

ليؤكد القاص مقولة (لا وجود للبراءة في هذا العالم) 128ويضيف الى نماذجه الاجتماعية نموذجا اخر، سارق وومحتال ومدعي زور ....ومدى فساد العديد من المسؤولين عن امن الناس وحمايتهم وتواطئهم بل تخادمهم مع السراق والمجرمين وتقاسم سرقاتهم فيما بينهم فتكون الشرطة حامية وحارسة للسراق بدلا من حراستها وحمايتها للشعب ....

(مطر احمر)عص133.

طبيعة الظروف المعيشية، الجدب والوفرة، واثرها في تشكل اجسام واشكال الكائنات التي تعيش وسط مثل هذه البيئات، سواء من الحيوانات او البشر

(يدرك كل ساكن في الصحراء انه لابد أن يكون آكلا ً أو مأكولاً فللجوع قانونه الناسخ لقوانينها وهو يمد سوطه اللاسع الى بطونها غير عابيء بجلودها القاسية ولا بحراشفها الحجرية)ص134.

فالانسان البدوي ساكن الصحراء حاول ان يتاقلم مع بيئة الصحراء القاسية، في ارتداء العباءات المحرشفة والكوفيات ووسائل وقاية اخرى من اجل البقاء حيا

(المتدرعون بالعباءات العربية المذهبة راودتهم الافكار ذاتها التي راودت اليرابيع والعضاءات فيما يتعلق بالمضي قدما بالحياة وذلك يبدو طبيعيا لمن يعرف الصحراء وعاداتها)ص136.

الضنك وفقدان الحيلة في توفر متطلبات الحياة كالماء والغذاء تجعل الانسان يشخص ببصره للمجهول العالي المفارق، الى قوة غيبية تفك له قيده وتمكنه من قهر الطبيعة القاسية ومنها اداء طقوس صلاة الاستسقاء طلبا للمطر وتوجه انظارهم نحو ريح الشرق حاملة بشائر الرواء والنماء ولكن (الريح الغربية لا زالت تدفع نحوهم بغيم مطره احمر يسيل من هطوله نهر من دم)

مما جعل العمائم البيض تصطبغ بلون الدم / واكفهم تمطر دما احمر، (استنكر الناس ان تكون العمائم حمر فهم لم يعهدوا ذلك من قبل).وهنا يشير القاص الى الدور الخطير الذي تلعبه الريح الغربية (إشارة إلى مساعي الغرب في الإستحواذ على الأمم)والدور الذي يلعبه ادعياء الدينفي تضليل الناس كونهم الوسيط بين الانسان العادي وبين الله سعيا منهم ليكون لهم دور ومبرر لتسلمهم السلطة وليس هناك ما هو اكثر جلاءا لهذا الدور لمثل هذه التيارات المهيمنة على السلطة السياسية في العراق وما وصل اليه من حالات الفساد وانعدام الامن والتنافر الاجتماعي على اساس طائفي (في العالم العربي تجهد التيارات الدينية او بعضها على ان تتخذ اشكالا مؤسساتية وتنظيمية في محاولة منها للعب دور المنفذ لارادة الله . وفي الحقيقة يعتبر الافلاس الروحي من اهم محركات التيارات الدينية المتعصبة التي تسجل لها دور الوسيط بين الله وامره، وتصدق ما سجلت لنفسها من مهام وتنسبها جورا الى ارادة الله في حين ان جل توجهاتها تتركز حول انتزاع المبرر الاجتماعي لتسلمها السلطة وتوظيف ادوات المجتمع المختلفة في خدمة تشريعاتها ومصالحها) وعي السلوك –د. محمد الدروبي ص80

القاص يوجه ادانته بوضوح كبير الى رياح الغرب الرأسمالي المحملة بالدماء والاستغلال والقهر لشعوب المنطقة فلا ينتظر منها خيرا ولا رخاءا من بعد ان اصطبغت عمائم من استقبلها بلون الدم والموت فينفض الناس عنهم ويسود اليأس والاحباط

(اعوام مرت ونحن ننتظر المطر، بات الحديث عنه غير مجد فليس المطر هو المطر ولا الريح كرياح الشرقي، وهاهي ريح الغرب التي طالما مرت وهي عقيم ليس من الغريب ان ينهمر مطرها)139.

ليس هناك ما هو ابلغ واصدق من هذه الصورة لريح الغرب التي تمناها اغلبنا وصلى من اجلها الاغلبية ناشدين الخلاص من جلافة وقساوة الديكتاتور، فاتتنا ريح امريكا الغرب بالدماء والارهاب فاصطبغت مدننا وانهارنا وشوارعنا بالدم ..

(لكن السحالي والعضاءات لازالت تنتظر سقوط الندى على الحصى لتلحسه في الصباح فالمطر الاحمر ابتلعته الرمال كما ابتلعت دماء غزيرة على طول التاريخ.) عص139

التاريخ يروي لنا همجية ووحشية تاريخنا المصطبغ بلون الدم والخراب، هذا الذي لايمكن ان يوقف الحياة والامل عند بعض الاحياء وان كانت السحالي....

الحرية في جوهرها هي الافلات من ارتهان الضرورات، فلايمكن ان يكون حرا انسانٌ ضعيفٌٌ وحيد في غابة من الحيوانات المفترسة، في ظل مثل هذا الحال سيهرب هذا الانسان مما اسميته بفضاء او حيز الحرية .....

الامر المهم الثاني يجب ان تكون هناك ثقة في الذات لممارسة الحرية، فلو القيت شخصا لايعرف السباحة في البحر ليكون حرا فان ذلك سيؤدي الى غرقه وموته .... ضن هذا المعنى تاتي قصة (بائع الاقفاص)عص180.

حيث يدخل العصفور القفص ويغلق الباب عليه مختارا هاربا من حرية محاطة بالمخاطر تعجّ بالقطط وحجارة الاطفال العابثين .....في مثل هكذا عالم كما نعيشه الان يظهر مدى زيف ادعياء الحرية والديمقراطية وهم يزرعون الارض بالقتلة وعصابات الموت والسلب والنهب، والافقار وارتهان الانسان لمصدر عيشه المهدد بالقطع في اية لحظة

(الطبول)عص.186.

(انني اكاد ارى حيوانتهم الداخلية التي تطل من اعماق نفوسهم تتحين الفرصة للانطلاق في ادوارها بعضهم حيوانه مستخذ ككلب يضع ذيله الاعوج بين فخذيه القذرتين، يلبس تلك النظرات المنكسرة، وبعض تلك الحيوانات الداخلية يعوي كالذئاب وبعضها الاخر يتلصص كابن آوى وأخرى تزمجر كأسود جائعة وآخر ينهق كحمار)187.

يقدم الكاتب وصفا بليغا لسلوك اغلب الناس في مجتمع الخديعة والزيف لاينفع فيه ان يسد الانسان اللامخادع اذنيه ولكن يجب ان يغمض عينيه ليكون (كائنا اصما اعمى).

هذا مصير الانسان في مجتمع الزيف والنفاق والتسول الاخلاقي، ان يكون صادقا، لايصفق زورا،ولايستجدي العطف من السلاطين، لايطبل مع المطبلين لاصحاب الثروة والجاه والحكام، قطع خيط طبل النفاق والكذب، هذا الطبل المعلق في رقاب الجميع وبين افخاذهم وعلى جنبهم، في العمل وفي المدرسة في البيت !!!!!

من رمى الطبل،من رفض الطبل لامكان له في مجتمع المطبلين (انا ليس لي طبل، رحت اصرخ، انا اكره الطبول، انا اكره الطبول، انا اكره الط... ثم قيدوني وذهبو بي الى مركز الشرطة)192.

ان الشعور بالوحدة والغربة للانسان الفرد وسط مجتمعه وبيئته يؤدي حتما الى الخلل الذهني في نظر السائدالاجتماعي وكما يقول اريك فروم(ان ان الشعور بالوحدة التامة بعدم الانتماء يؤدي الى الخلل الذهني مثلما يؤدي الجوع الى الموت) وعي السلوك ص109.

فهذا المتفرد الرافض للتطبيل والتهليل للحكام يؤدي به الى ان تقيد حريته تماما وتلصق به تهمة الجنون حيث يقول بطل القصة :-

(ثم وضعوا شيئا لامعا وضيقا في معصمي وها انا امامك سيدي هل انت القاضي، وهل القضاة صاروا يلبسون المعاطف البيض). 192.؟؟؟؟

تظل عدسة كاميرا الاديب المبدع اللماحة الذكية ترصد مظاهر ومخابر الظواهر والسلوكيات وتدخل كهوف الذات البشرية لتوضح ما هو ظاهر وتظهر ما هو مستتر فالرغيف يصغر يوما بعد اخر يختفي منه السمسم ويصعب الوصول اليه بسبب ككثرة الحواجز والمفارز(الرغيـــــــــــف) ع.ص193.

(الان نحن نعلم ماذا يعني ان رغيفنا صار منمشا بنصف السمسم!!!! وان النار صارت تحرق نصفه)197.

هنا لمحة واضحة إلى أن نصف كلمة السمسم هو السم وهو يرمز إلى الراهن المعيش وتسممه بمختلف الأسباب أما النصف الآخر من الرغيف فهو محترق لا يصلح كغذاء كنايةً عن أن نصف الحياة تحت هذه الظروف سمٌ ونصفها الآخر رماد.

وفي نص رماد:

في مدينة الحرائق والموت والمفخخات، ترتدي كل مظاهرها حاراتها افرادها، معالمها تلبس الرماد، يستطيع الانسان ان يقلد كل شيء مبتذل الا انه يعجز عن تقليد او تذكر صوت الديك مؤذن الصباح وانحسار الظلام،هذا مكثف ما رمى اليه المبدع في قصة(الرماد) ع.ص214. (لكن روحي افلتت حبالها وراحت تطوف في عالم اخر، بمدينة تشبه بغداد الا انها قد خلت من سكانها ولم يبق فيها غير اشباح تخطف من بعيد بين ازقتها ثم تختفي)214.

يا ايها الناس لاترهبكم ولا تخيفكم الحصن المحصنة، فغالبا ماتخفي وراءها اوهاما وهياكل فارغة او حثث متعفنة، حاولوا ان تجدوا ثغرة او حجرا تعتلوه لتشهدوا زيف وهزالة هذه (الحصن) ص12.(اقتربت كثيرا من جدار السور، كان هناك ثقب في جدار السور لا يتطلب بلوغه سوى وصع حجر تحت قدمي، نظرت من خلال الثقب فاختفى السور ووجدت نفسي في الجانب الاخر احملق فيما لا اسوار له، لم يكن هناك عمالقة ولا اسوار عالية)17.

ايها الناس عيشوا واقعكم ومستقبلكم، فتشوا عن الزهور العطرة، عن ثمار اشجاركم، اياكم والدغل، انه نبات متطفل على كل ما هو مفيد، يسعى الانسان الحكيم العليم على ابتكار طرق ووسائل شتى لتخليص حقوله اليانعة منه، ولكن هناك من يسعى جاهدا ليجعل منكم رعاة سقاة حماة لهذا الدغل الوهم الخرافة، العشب السام في تاريخكم وثقافتكم فاحذروه (الدغل)ص18.

(وعندما كان الاستاذ في احسن احواله اتى غرباء كثيرون جاسوا في كل البساتين والأدغال ووطئوا دغل الذكريات باقدامهم الثقيلة بدبابات وجيوش تخفي عيونها وعندما وجدوني هناك وسط الدغل اطلقوا علي وابلا من الرصاص الحي فاردوني في الحال وكانوا يعتقدون انهم يحسنون صنعا فهم ليس لهم دغل ذكريات)23.

نعم ان هؤلاء الغرباء لايدركون خطورة الدغل هذا الوهم الخطير، يتصورون ان اطلاق الرصاص يمكن ان يقتل هذا الوهم او ان يجتث هذا (الدغل)، لانهم لادغل لهم، فقد احرقوا كل ادغال واوهام تاريخهم ان كان لهم تاريخ اصلا .

دعوة يواجها لنا الكاتب لتخيل صورة ما نحن فيه وما توصلنا اليه، صغـارا غادرنا ولاة الامر من الاباء والامهات والحكماء، فدبت الفوضى، وساد الهرج والمرج، استاسدت الخراف على بعضها، ساد الشذوذ والبلطجة، وتقاسم النفوذ والصراع اللامنتهي، ساد الظلام وفعل الظلام، فهيمن الدخلاء والغرباء وسيطروا على البيت بكل طوابقه، كفاكم عراكا ايها الصغار وكفاكم هروبكم ايها الكبار .... الله الله في عراق ضيعه الكبار وخربه الصغار وتسيد عليه الصغار(الصغار)جص73.(انحازت كل مجموعة لدخيل ولا زال الصغار الرضع يمصون ابهامهم لدريء غائلة الجوع بينما راحت الثلة من المراهقين الذين يملكون اسنانا كاملة يمضغون ما يصل لافواههم وما تتلقفه ايديهم وراح الدخلاء يجوسون خلال البيت من فوق الى أسفل)78.

اخرجوا من عالم الحشد، اخرجوا من عالم القطيع، المدجن لخدمة السلطة، الموزع بين سارق او قاتل او دجال ضمن عبيد السلطة فان (ان هذا الحشد فاسد وهمجي غارق في الخطيئة وها انت ترى ان من بلغوا غاياتهم سقطوا كالذباب)81. (الحشد) جص79.

اما انت ايها الواعي لفساد هذا الحشد (انت تقف واعيا لفشلك بان تكون قاتلا ولا لصا ولا دجالا ولا محتالا مجيدا)82.

بالتاكيد سوف يخذلك هذا الحشد الفاسد ويتركك فريسة سهلة للديكتاتور المجرم وانت تصف حالك(وضعوا عجينة الدينمت في جيبي مقابل القلب تماما، ثم قرأ القاضي هاتفا وكانه يسمع الجمع .... اعدام رئاسي)83.

فكل من يقف مع الحشد اما ان يقتل او ان يسجن او يهرب او يموت غرقا في طريق الهروب

(الاقـــــــــــــــــزام) جص108.

الكل مسكون بالمخاطر، يمكن ان يكون الإنسان المسالم صيدا سهلا لمفخخة عمياء او عبوة في صندوق قمامة او في داخل سيارة الأجرة،كل شيء أصبح يحمل شارة إنذار وتهديد بالموت للمواطن العراقي

(أن ركوب الباص يحتمل أن يكون مصدراً لخوفي إذ من المتوقع أن يدسّ راكبٌ ما كيسا يحوي قنبلة أو يلصق عبوة ناسفة في المقعد الأخير من الباص لذلك فضّلت الذهاب سيرا إلى عملي فهذه أمورٌ باتت واقعية وليست من بنات الخيال)

خصوصا وان (جسر الشعب) هو من سيصله الى عمله اليومي ... جسر الشعب خيار المواطن الحر وليست جسورا أخرى كجسر المحتل او جسر الحاكم المهيمن على السلطة ....

وهي إشارة واضحة الى الاستعمار الخارجي الأمريكي خصوصا واستعباده للإنسان ونهبه للثروات.........

ولع الشخصية وحبه للحياة هي التي تخرجه من حالة اللاوعي الجمعي نتيجة العصف الانفجاري الى حالة الوعي المعجزة بعد ان يمر في حالة من الغيبوبة وفقدان الوعي المؤقتة كما يذكر الطبيب – رمز لأصحاب الاختصاص والحكمة اللذين يؤكدون ان حالة التردي وفقدان الوعي الحاضر للإنسان العراقي هي حالة مؤقتة غير دائمة - لذوي المصاب، ليعيش حالة اللاوعي ألقسري بفعل مؤثر خارجي ممثل بالعنف والإرهاب كأحد عوامل ووسائل فقدان الوعي عند الإنسان، وهذه هي حقيقة من يختزن في ذاته حب الحياة وكره الفناء والموت

(و إنقاذ َهذه النفس المولعة بالحياة )

كما يلقي الضوء على الروح المستسلمة المتقزمة وما ينتج عن ذلك من تأبيد هيمنة الوحش الأكبر وفوران قدره الذي يسلق الأجساد ويزهق الأرواح...

استعار الكاتب نعت (القزم) ، هذا الإنسان قصير القامة، القميء الشكل،معدوم الإرادة، فاقد القدرة على المقاومة بسبب هزال جسده وهزال روحه، ليكون رمزا للإنسان العراقي الذي تعرض لعملية التقزيم والتجهيل والتدجين ألقسري خلال عقود متراكمة من سنين القهر والحرمان والعنف السلطوي...فأصبح ممسوخ الذات، يشعر بالدونية والعجز متماهيا مع قزميته المفروضة.... فسيادة ظاهرة التقزيم في المجتمع تفسر لنا السبب الكامن وراء استبداد الحاكم(الوطني) او الحاكم العملاق الأجنبي، واستفحال سطوة عصابات الإرهاب

.... هنا يظهر دور الأديب والمثقف الفاعل الذي يصرخ دون ان يخدش السمع ويحرض دون يزعق، ويكشف كوامن وأسباب القهر دون ان يمسك عصى المعلم او قدسية الرسول ودون اعتلاء منابر الوعظ المباشر والمتعالي ... انه ينمي حالة المناعة الداخلية في وعي الإنسان، ويطعمه جرعات من مضادات الخنوع والاستسلام عبر أثير الكلمة الفاعلة وليس بواسطة الحقن المؤلمة والعقاقير بالغة المرارة..الأديب المميز يعالج الروح البشرية عن طريق الوخز بابر الجمال والخيال ... هذا هو القاص الرائع عبد الفتاح ألمطلبي الكائن الشاعر الذي يتكأ على ماضي وينعطف صوب مستقبل مأمول

ان من يتابع نتاجات الأدباء والمثقفين العراقيين خلال الفترة الأخيرة يلمس بوضوح ظاهرة إحساسهم العميق بواقع الذات المستلبة والمصادرة للإنسان العراقي بشكل عام وحالة المسخ التي تتعرض لها هذه الذات، والاختباء خلف الأقنعة وازدواج الشخصية حد التشظي والسريالية بأقصى درجات تطرفها . وهي سلوكيات ناتجة عن ظروف اقتصادية اجتماعية سياسية ثقافية كما يقول اريك فروم (وفقا للانسان على المرء ان يقول :- ان غرائزه ليست غير عقلية وانما اهواءه هي كذلك. فليس عند الحيوان حسد ولا تدميرية من اجل ذاتها ولا رغبة في الاستغلال ولا سادية ولا رغبة في الهيمنة فكل ذلك اهواء تكون عموما لاتوجد عند الحيوانات على الاطلاق .وهي تظهر في الانسان لا لان لها جذورها في غرائزه بل لانه تنتجها شروط مرضية معينة في بيئته التي تنتج الخصائص المرضية في الانسان) فن الاصغاء – اريك فروم ص75.

التضليل الاعلامي والصخب وزرع الاوهام وتصنيع العقول، هذا الضجيج الكبير حد الصخب والجنون اتى مع شركات البترول الاحتكارية والعمل بمختلف الوسائل والاساليب للهيمنة على العقول والثروات..... وهذا الامر الذي لايتمكن من كشفه سوى العقول المفكرة المستنيرة من زهدت في اغراءات المال وترهيب قوى الاستغلال(عليك بقراءة انطولوجيا خالعي الحياة المتخلين عنها دون اكراه وستجد انهم جميعا من الشعراء واصحاب الحرف اولئك الذين مرضوا بالشعر وداء التفكير واظنه ذكر في معرض كلامه سيزار بافيزي وهمنكوي).120 .

وهنا اشارة ايجابية تنبه الى ان يكون للاديب والمثقف دورا هاما في انارة الوعي وكسب ثقة الجماهير حينما يكون فاعلا من كتاباته ووضع يده على اماكن الخلل والخطر في ما يحصل في البلاد فالجمهور يلجأ اخيرا الى هذا المثقف ليكشف له سر هذا الضجيج والصخب في المدينة (لانك اول من شعر واول من حزن وال من احس بأن الحياة ليست على مايرام)123.

دور شركات البترول الاجنبية في افساد المدن وتغيير معالم العمران واثره على حياة الناس.

(منذ قدوم الشركة العملاقة، هكذا يذكرونها بتبجيل، ومباشرتها الحفر في وسط المدينة تغيرت امور كثيرة)117. (انابيب فارغة)جص117.

(كان الصوت اتيا من كومة الخردة في البرج الناقص واشرت الى اربعة انابيب فارغة بدت على غير نظام كلما مرت عليها الريح ناحت واعولت).123.

فاشار عليهم المثقف باغلاق فوهات هذه الانابيب الاربعة لاسكات الضجيج ويبدو أنها إشارة من بعيد إلى القوى السياسية الأربع التي صنعها الرأسمال الغربي ولا فائدة ترجى منها سوى الضجيج والألم.

لاخلاص من المصير الخطير والمدمر الذي يجرنا اليه المغامرون والجهلة، الا عن طريق اعمال الفكر والعقل لايجاد الحلول ومن انجح هذه الحلول هي عملية تكاتف كافة الجهود باختلاف الوانها وتعدد عقدها لتكون هي حبل الخلاص وايصال العربة التي تقلنا جميعا الى بر الامان (حدث ذات يوم)جص130.(وكلما زاد عدد الوافدين الى مؤخرة العربة بواسطة حبل قمصاننا الملون وذي العقد الكثيرة زاد استقرار العربة وتبين ان حبلنا رغم عقده الكثيرة كان قويا)135

وخذو الحكمة من افواه المجانين، عندما يبلغ التردي في الوعي الاجتماعي منتهاه، وعندما يكون صوت الجهل والتضليل باي صفة هو السائد لن يتبقى من خلاص للانسان الواعي الحكيم الا ان يسلك سلوك المجنانين لانه فعلا في نظر هذه القطيع البشري انسانٌ غير سوي ومجنونٌ، لنا في تراثنا العربي الاسلامي مثل هذه النماذج ك (البهلول) في العصر العباسي ...... فيطلعنا الكاتب على العديد من حكم وشعارات هذا المجنون في زمن التردي في قصة

(اوهام مجنون)صج201

ننقل هنا اقتباسات نصية من هذه القصة الرائعة، المشعة بالصدق وتؤشر بشجاعة كبيرة على الكثير من المفاهيم والمظاهر والسلوكيات الزائفة على لسان المجنون هذا المتحرر من كوابت المجتمع والسلطة لينظق بالحقيقة

(التعساء لاينامون كيف ينامون والتعاسة ككلاب تنبح طوال الوقت في رؤوسهم)202.

(كل مايقال عن الاوطان خرافة والاخلاق خرافة محض لغو فارغ)204.

(الثالث هذا دائما وسط اللعبة أي لعبة مما ذكرت، سمسار، قواد هو هذا الثالث يقطع يوفق كذلك ذوو اللحى المنمقة المرسومة رسما على خدود منتفخة شحما هم برجوازيون من كل الفئات......اصحاب اللحى المنمقة كاذبون وخطاة، واؤلئك المتانقون ومتابطي الصحف والمقاولون وشركاؤهم)204

(انتبه لئلا يلوثك الزيت ان من يلوثه الزيت يتحول واحدا منهم)207.

 

تداعيات ذاتيــــــــــــــــــــــة.

(الطين)عص14.

الطين، هذا الذي كتبت عليه الواح سومر، هذا الذي كان اول رحم لاول حرف في العالم، هذا الذي خلق منه الانسان، يتحول الى محنة وحالة اذلال ومهانة لابن العراق كاتب الحرف الاول (كرهت الطين الذي لوثني وكرهت الطريق الطيني وبيتنا الطيني وكرهت الاولاد الوقحين، منذ ذلك اليوم وانا اواصل كرهي للطين).16.

والذنب ليس ذنب الطين في ارض السواد بل بسبب هبوب رياح الغرب غرب راس المال والاستغلال على العراق لتحول كل شيء الى وحل ووسيلة مذلة بوجود خدم هذا الغرب من خلال من نصبهم لحكم العراق

(العاصفة الترابية القادمة من الغرب مصحوبة بصوت المذيع:- قالت لجنة البيئة في البرلمان (العاصفة الترابية التي تجتاحنا الان ستعقبها ثلاثمائة عاصفة اخرى) وتوقعت الارصاد ان يصاحب ذلك مطر في غير اوانه ليتحول كل شيء الى طين)19.

في الوقت الذي يكون فيه الطين موضوع عرقلة ومهانة والم في العراق فهوأيضا كناية عن وضع البلد البائس وإن إنسان هذه البلاد أصبح كالطين في يد الطفل الغربي وهي إشارة إلى أن ضعفنا هو الذي جعل من الآخرين أقوياءمشيراً بشكلٍ ما إلى أن البلد الذي تحول إلى كائنٍ طيني صار طيعا بيد أوهى قوى الغرب تتحكم في تشكيله تلك القوى كما تشاء(كانت محطة(سي ان ان الامريكية) تعرض طفلا امريكيا موهوبا يستطيع تشكيل الطين كيفما يشاء وبدقة عالية، حقا كان طفلا موهوبا اخذني النوم وانا اراقب نجاحه الباهر في التحكم في الطين)19.

كما ان الكاتب يشير الى الهوة الكبيرة بين (المثقف) وبين الانسان العراقي العادي حيث عجزت ام الطفل عن لقاء مدير المدرسة فرحة بلقائها الفراش (ابريهين)(المدير الذي يسمع به الناس ولا يرونه، حتى كثرت حوله الحكايات، بعضهم قال انه طويل كالعمود وآخرون قالوا انه قصير كالكرة)14.

صعوبة تحديد نهاية حياة الانسان حتى من قبل اهل الطب والعلم، توقعات الاطباء وتداعيات حلم هذا الانسان الذي لايوجد لديه ما يفتخر به سوى حذائه

(هذا الحذاء هو كل ما يذكرني بزهو الحياة لااحتذيه الا في المناسبات النادرة)30.

وهو يترقب ان يخطف روحه هذا الذي لاوجه له (الموت) وهنا تبزغ أسئلةٌ وجودية طالما شغلت الإنسان في قصة (ثمة خطأ ..ثمة أمل).عص25.

توافق الذوق والاتفاق حول سلعة لايمكن ان يعبر عن حقيقة وطبيعة الشخصية الانسانية، وخصوصا في قرار هام مثل قرار الشراكة الزوجية فهذه هي

(حقيقة الاشياء)عص33.

ثبات المكان وتغير الزمان والتغيرات الحاصلة للحبيبين وتوالي الاجيال تحت ظل شجره. ففلزمن فعله في حياة الانسان وتعاقب الاجيال ووفاء كل جيل للقبله في دورة الحياة (ذائقة خريف)عص104.

(هنا التقيا جدي وجدتي يقول ابي كلما مررنا من هنا، يقرا الفاتحة ويقبل الشجرة).

ثقافة من نوع اخر ، نادي الثقافي، وكسر التقليد.....يشكل امرا هاما يخرق جدار الرتابة في حياة انسان عادي فيحسه((يوم استثنائي) عص154.

حيث يعيش الاخر الغريب حامل الثقافة المغايرة، التي يتسيدها الكلب

(إن الهم الإنساني بشكل عام محصور بين قوسي ثنائية الحياة والموت في كل العصور وفي كل الثقافات، وقد شكل هاجس الموت ظلا قاتما يجاور الحياة ويسير بجانبها حيثما تسير، أدى ذلك إلى لجوء الإنسان إلى إلى اجتراح طرق عديدة لمجابهة هذا الهاجس الممض أو محاولة التقرب منه والتصالح معه عبر اختراع شتى الأساليب وعندما دخل الإنسان في عصوره التنويرية وأمدته السماء بإجابات دعته إلى أن يجعلها يقينية أحيانا ليتفرغ الإنسان إلى بناء حياته والعيش بسلام والحديث يطول عن ذلك وقد استغرقته مؤلفات عديدة تختص بالمثيولوجيا وعلم الأديان، لكنني في نص "طفو" لم أناقش مسألة الموت ولم أقترب منها إنما كان النص يتحدث عن لحظات يقترب فيها البطل من حافة الموت دون الوصول إليه كما هو واضح من سياق القصة،ففي هذا النص استخدمت ما استقيته من بعض التجارب التي قرأت عنها حول أشخاص قد وصلوا لحافة الموت عندما رأوا أنفسهم في ما يشبه الطفو فوق وجودهم وشعروا أنهم ينظرون إلى أجسادهم مسجاة بين أيدي الأطباء دون أن يستطيعوا لأنفسهم شيئا، في نص طفو حاولت استجماع انطباعاتي عن تلك التجارب لأوظفها بسياق النص وتلاحظين أنني لم ألجأ إلى إسلوب التفسير الذي يحتم في هذه الحالة الرجوع إلى مرجعيات معينه، فالموت كما قلت هو غيب تام لا نعرف عنه شيئا ولم يحصل إن عاد ميتٌ من موته وأخبرنا بما يحصل وحتى في الموروث الثقافي لن تجدي نصا يؤكد أو يشرح عالم ما بعد الموت إلا بحدود التصورات،) .

هذا ما قاله المطلبي حول (الطفو)عص161.في مقابلة اجراها معه الاستاذ جلال الجاف والاستاذة ميادة ابو شنب مع الكاتب في موقع (المثقف). وكما قال ساراماغو:-

 

(الموت حرية نرفضها).

(المهمة)عص166.

(يجب ان اكون في عالم الانتظار فانا منذ البداية حتى النهاية كائن منتظر)172.

منذ ولادتك وانت تنتظر ، ما ان تتخطى محطة انتظار حتى تنتقل الى اخرى وهكذا دواليك، حجم وكم ونوعية هذه المحطات يختلف من فرد لاخر بحسب ثقافته وتطلعاته في مسيرته الحياتية الذي لاتنتهي الا بالموت محطته الاخيرة فوق الارض .....

-        العلاقة بين الانسان والحيوان، ومنها القطط، في باب الغرائبية، وتلبس احدهما سلوك وطباع الاخر والقصة عموما تشتغل على الخيط النفسيوتلك الأمور التي تتعلق بالصدام المتوقع بين كيانين وإن بدا أنهما متقاربان لكن تكون هناك دائما احتدامات متوقعة تفرزها حقيقة الذات ، هذا مايعالجه الكاتب في (رهاب)جص24

(تخليت عن زوجتي لحيوانها ولم اعد الى البيت الا بداية كل شهر، كانت زوجتي قد اشتكت لامي وأمي قالت ياولدي انها قطة ولكنها اكبر قليلا من القطط، قلت لها في سري تعالي يا امي خذي عيوني ونامي مع زوجتي لتري انها نمر وليست قطة)32.

(الخندق الاخير)جص60.

(رغم انني كنت بعيدا تفصلني عنه سنين طويلة ومسافات شاسعة الا انني شعرت بحرارة تنهيدته التي زفرها بعمق)64

احلام وذكريات وحب مكبوت، معمار بغدادي جميل وزجاج ملون بالوان الاحلام والامنيات .......

لم يكن التفاوت الطبقي وعدم المساواة قدرا مكتوبا على البشر، انما الذي يجري هو بسبب استحواذ طبقة على حقوق وجهد اخرى في مجتمع غير عادل وغير متوازن، يستحوذ فيه الاقوياء واصحاب السلطة والجاه والسراق على حقوق الضعفاء والمغفلين، وغالبا ما اطلق على الطبقة المرفهة المستحوذة بالثروة بالقطط او القطط السمان باعتبار القطط تعيش على ماتتمكن من سرقته من البيوت والمطابخ، لذلك فان هذه القطط تتكاثر في منازل وحارات وبيوت الفقراء لتسرق قوت اطفالهم لتسرق احلامهم (ان القطط تتواجد بكثرة في مناطق الفقراء الحالمين، ذلك ان مناطقهم هي اكثر حقول الاحلام ثراء،وهي تطوف على اسطح منازلهم وفي غرفهم وهم ما زالوا نائمين)146.

اصبح متعارفا ايضا ان اصحاب الثروة هم من اصحاب الكروش والرؤوس الصلعاء، هذا الاصلع الحاضر في كل احلام الفقير الحالم الذي اغراه بملاحظة محتويات اناءه الذي يطعم منه قططه السمان وكانت المفاجأة (كان الاناء مملوءا بكل احلامي التي حلمت بتحقيقها ولم تتحق ووجدت اكداسا من احلام الاخرين لازالت تنز دما)

هذا الاصلع الشرير الذي اطلق النار من مسدسه على اعتراض الفقير على فعله باطعام احلامه من الفقراء لتكون غذاءا شهيها لقططه التي لاتشبع (احلام وقطط)جص144.

ينتقل بنا القاص في .(حكاية)جص150. الى عالم الخرافات والاساطير، وحكايا جدته العجوز وتحذيرها اياه من الابتعاد عن السلطة وحواشيها، ومنه (عبود بن حسين الشرطي) الذي اعتاد على صيد الدراج بدون رحمة، واكله محشوا بالرصاص ، وتحذيره من الذهاب الى المناطق الخالية من البشر لانها غالبا ما تكون مسكونة بالجن والعفاريت، هكذا تهيأ له وهو يطارد طير الدراج المصاب بامر من ابن الشرطي.......

(رحت اتبعه على طول وادي الداغرية الجاف وعندما ابتعدتهرايته يلجأ الى وجار حيوان شرقي الغيل في منتصف كتف النهر الذي جففه ولما وصل ت بعد لاي ومددت راسي في الوجار المظلم لم اشاهد غير عينين فسفورتين تلمعان في ظلام الوجار، قفزت كل انواع الجن الذي حكت لي عنه امي الى راسي وتملكني الرعب فصرخت واطلقت ساقي للريح) 156.

لكل شيء فائدته حين يوضع في مكانه المناسب ليتكامل مع الاخر الذي يبدو نقيضه او مضاده في الصفات كما في قصة

(صديقي فارع الطول)جص183.

مفارقة طويل القامة وقصيرها وتبادل الادوار ولكل دوره في حالة محددة هكذا هي الحياة ، يبدو ان ليس هناك ماهو مخلوق عبثا او لافائدة في وجوده، فلكل وقته ومكانه وطريقة عمله ليكون فاعلا.

(زمن ميت)جص33.

(رغم ان هناك محاولات خجولة لاكتشاف اسباب تعطل انواع الساعات في البلدة ولحين حصول مستجدات جديدة وضعت ساعتي المنضدية في جوف الخزانة الصغيرة وحلت محلها بضعة كتب وعمدت لانزال ساعة الحائط التي فوق التلفاز ووضعت مكانها لوحة الزمن لسلفادور دالي.)40جص.

اذا غاب التحكم بالزمن حلت الفوضى واللانظام في جسد المجتمع وتعطلت الاعمال والمصالح/ مما يؤدي الى تدهور الحياة والعودة بالانسان الى حياة الحيوان، هنا يراد القول ان عدم ضبط الزمن والتقيد به سيؤدي الى الخراب حتما ....

          (قرار السيد الوزير)جص189.

(ارأيت حمارا مجنونا)؟؟

(واذا بحماري قد بال على راس المغرز الحديدي وانت تعرف ماذا تعني بولة الحمار، انها تذيب الحديد، لقد كانت فعلة مقصودة من حماري وكانه يتحداني) 193.

كاننا نعمل مفارقة بين خضوع واذعان الانسانلاوامر السلطات ن وتمرد وعصيان الحيوان لمالكيه مما يظهر مدى المفارقة في قوة استلاب وامكانية ترويض الانسان حتىانه صار اكثر استجابة للترويض والتدجين وفقدان الحيلة والتدبر من الحيوان، الذي استطاع ان يفلت من رباطه ويحرر نفسه بالبول على المخرز !!!!!

نعم في زمن القهر والاستلاب ليس غريبا ان ترى حمارا مجنونا متمردا في حين ترى انسانا خنوعا قنوعا ذليلا ...ربما كان الكاتب يرمي إلى أبعد من ذلك وهو أن الرغبة ربما تكون وبالا على الإنسان أحيانا

 

السلطات الاستبدادية وتعسفها والحروب ومآسيها.

بعين من عاش ويلات الحروب ومآسيها وهو كذلك فعلا فمن منا لم يضيع عشرة سنين او اكثر في حروب الطغيان العبثية تحت ذرية خدمة العلم ليكون العلم مساويا ومرادفا للسلطة وللحاكم والديكتاتور الضرورة ن بدعوى الدفاع عن الكرامة المسلوبة منه اصلا، والدفاع عن ارض الوطن التي لا يمتلك منها شبرا واحدا، ليدافع عن الثروة وهو يعيش حياة الكفاف والحرمان ...... ففي اكثر من (39) قصة من قصص المجموعتين يضعنا القاص المبدع امام صور الرعب والقسوة والمعاناة للانسان والحيوان والارض والزرع جراء هذه الحروب المدمرة

(ليلة القبض على المدينة)عص20.

هنا يروي لنا حال الناس الهاربين من المدن والقصبات نحو القرى والارياف للخلاص من نيران المدافع والطائرات حيث اصبح الناس الابرياء بين مطرقة قوات الديكتاتور وسندان قوات التحالف المجرمة

(شيئا فشيئا تجمع بعض الاباء بحلقات صغيرة وراحت المخاوف تناسل وتتكاثر كديدان فوق جثث الوقت، كان احد مصادرها ذلك الرجل الهزيل الذي راح يمسح نظارته الطبية باستمرار وهو يتحدث، شارحا لهم ما جرى في الهنداروس وكولومبيا مؤكدا ان الاحداث تستنسخ نفسها هنا)22.

يشير الكاتب بوعي كبيرالىالمصير المؤلم للشعب والوطن في العراق، مستنتجا هذا المصير مما حصل لغيرنا من البلدان وخصوصا في امريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم التي احتلتها امريكا الرأسمال فالوحش لايمكن ان يكون خيرا في أي مكان يستحوذ عليه ، وكم هو صادق هذا الحكم وهذا التوقع فنحن نعيش الان ما هو اسوء بكثير مما عاشته الهنداروس وكولومبيا من جراء هذا الاحتلال.....

كما ان القاص ينظر بعين الوعي وعين العرف للمظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة الذي تزعمه ازلام النظام واستخباراته واجهزته الامنية لتوجيهه كما تريد بعدعجزت عن كبته وقمعه، وهذا ما حدث بالفعل بعد انتفاضة اذار 1991 من مجازر مروعة بعد اخفاق الانتفاضة بالتخادم بين قوى الاحتلال والسلطة حين التقت مصالحهما في قمع ثورة الجماهير لانها ترفض الاحتلال والديكتاتورية ...

00(زادت مخاوفي عندما اختطفت الجماهير ومن ثم القيت الى الشوارع تقودها العناصر ذاتها التي تعادي الجماهير وفي تلك اللحظة عرفت ان الامر انتهى وان جموع الناس بدت كجمل يساق الى مكان جزره وماعاد ينفعه خواره)23.

نعم لقد استطاعت قوى مخابرات السلطة وجواسيسها من لبس رداء الثورية، ولبس الاخرين لباس الدين ، من اجل اللعب بمشاعر الساخطين، وتوجيههم صوب تحقيق مصالح اسيادهم سواء الديكتاتورية او قوى طامعة اقليمية وعالمية، وما حدث لمنتفضي اذار في 1991 هواكبر دليل على هذا الفعل الاجرامي في افشال الانتفاضة ومن ثم قتل المنتفضين بالجملة ودفنهم في المقابر الجماعية ..

عرض القاص الى بعضٍ~ من الممارسات المروعة لاجهزة الديكتاتور في قتل وترويع الناس انتقاما من انتفاضتهم وخروجهم على القائد الضرورة

(كانت احدى النساء متشبثة بابنها بقوة فاخذوها معه وقد اختفى جميع من اخذ في نقطة التفتيش ولم يعودوا الى المدينة ابدا) 24.

(شطرنج)عص52.

الحروب دائما هي من صنع ولصالح الملوك والسلاطين في مختلف العصور،رغم ان الفقراء مولعين بسماع اخبار الملوك وحروبهم وبطولاتهم (لعبة الشطرنج لم تكن يوما لعبة الفقراء)54، وان كان جنود العالم القديم يتميزون بملابسهم بعضهم عن بعض فان جنود امبراطوريات الشر الرأسمالي اليوم يلبسون نفس الملابسلانها مصنوعة في نفس المصنع ونفس الشركة دلالة لكون مصدر الحروب واحد وان اختلفت اشكال المحاربين(ان سودهم وبيضهم يعملون لحساب ملك واحد)55.

، يشبهها القاص بلون البراز وهي كذلك فعلا لانها تنث عفنا ورعبا وموتا في كل مكان تتواجد فيه ....

قوى الرأسمال العالمي حولت احلام الشعوب الخضراء الى هشيم، وانطلى على الشعوب العربية خصوصا هذا الربيع المزيف كما تفرح القطعان بخضرة حقل مزيف ...كما شبه بدلات العساكر بالبراز المبقع إمعانا بازدرائها ومقتها وهي كذلك في واقع الحال......عفنة كريهة لاتجلب غير الخراب والدمار للانسان والطبيعة والحيوان اينما حلت واينما وجدت ........

ليس كل ما يبرق ذهبا وليس كل اخضر زاهٍ مرجا، خيل للقطيع البشري ان الحقل الاخضر الديمقراطي المزيف هو احلامهم الخضر للخلاص من الديكتاتوريات وقوى الطغيان الحاكمة والمسلطة على رقابهم لمئات وعشرات السنين، فسرعان ما يتحول هذا المرج الاخضر المزيف الى هشيم مشتعل تحترق في اتونه ارواح واحلام هذه القطعان البشرية الحالمة ....

(ان الاحلام الخضر لابد ان تتحول الى هشيم يوما وان القطعان تفرح بربيعها ولو كان اخضره مزيفا)56.(وراء هذا الانتشاء بالحرية والفرح بلديمقراطية يقبع شبح ثلاثة مخاطر : الاصولية الظلامية، والفوضى الشاملة،وفقدان السيادة الوطنية لمصلحة الاجانب، ينبغي ان يدرك العرب ان هناك ما هو اخطر من الديكتاتورية : الفوضى الشاملة بعد اهيار الدولة، وما هو اخطرمن الفوضى الشاملة، الحرب الاهلية، وما هو اخطر من الحرب الاهلية: عودة الاستعمار) الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ- دار الساقي ط1 2013ص132. نقول ان ماحصل في بلداننا العربية نتيجة (الربيع) العربي ربما اسوء من هذا الوصف وخصوصا في سوريا والعراق وليبيا ....

في ظل هذا العنف والخراب والاف القتلى والمعوقين والمشردين تحاول امريكا الشر ان تمتص غضب وحرمان الضحيا عبر استهلاكها بمنجزات العالم الافتراضي الالكتروني المزيف

(قالت المجندة طوبى لامريكا التي لم تنس ضحاياها، سيكون ابوك معك دائما ستجديته بنقرة زر حاسوب، عندها تذكرت ابي وبكيت ظنت المجندة انني ابكي فرحا لحصولي على حاسوب)57.

 

(عين الدمية)عص146.

كل شيء جميل وبريء يرفض القبح والخراب والعنف،كما هو موقف الدمية التي حاولت الانتحار بسبب صلعها الناتج بسبب نيران المفخخات، كما ان كل من ينظر بعين البراءة يكون له نفس الحكم في الكراهية والحقد على الارهاب والحروب والعنف وأجد أن استعارة الدمية وعينها هنا للتعبير عن أن العالم في عين الأبرياء وغير الملوثين الذين يحملون النقاء وبراءة الخلق يكون أكثر ألقا وأكثر وضوحا من نظرة أصحاب الغايات والبراغماتيون والطفيليون وهي تبدو على أية حال دعوة للرجوع إلى جذور الإنسان الفطرية التي جُبلتْ على حب الخير وحسن النية.

(ان كل شيء من خلال بؤبوء عين الدمية كان كامل الوضوح، يا الهي صرخت بداخلي قائلا : من لم ينظر من خلال عين دمية الطفلة فكانه ارمداو نصف اعمى)150.

 

(سبل مقفلة)عص198.

نعم ها هي رياح الشرق والغرب المؤذية تحمل الموت والخراب واحراق احلام من يحلم بحياة هادئة مستقرة، من يحلم بالخضرة والنماء، بعد ان انهكته رياح الصحراء ورمالها وريحها المغبرة المقفرة وكان قد حقق حلمه في

(جنة من نخيل وماء وهكذا تركوا خيبتهم القديمة ورمالهم وعاشوا وماتوا هنا)200.

ولكن قوى الشر القادمة من الشرق والغرب والطامعة في ارض وثروة هؤلاء الحالمين اخذت تزحف برمالها ونواياها الشريرة لتحرق الاخضر واليابس في حرب (قادسية صدام) لتحول الارض الخضراء الى صحراء جرداء فتموت الاحلام وتجري انهار الدم بدل انهار الماء العذب...لتزحف الافاعي والعقارب وتتنادى كل ذئاب الارض لتتسيد على ارض الحلام وليحل الظلم والظلام وهانحن نشهد زحف الطاعون(الداعشي) الاسود على ارض الاحلام ارض الرافدين ارض السواد، وهو يزهق الارواح يحز الرؤوس وينتهك الاعراض ويحرق الزرع والضرع بالتخادم مع رياح الغرب الرأسمالي مدعي الحرية والديمقراطية .....

(لم ننتبه لزحف الرمال ولا لنوايا الريح التي بدات تهب علينا من الشرق والغرب)9

(الريح تصول وتجول اقتلعت النخل وطوحت به بعيدا فيما يعرف بحرب النخيل التي دامت ثمان سنوات يذكر انها سميت كذلك لكثرة النخيل الذي مات)201.

(ضاعت قبور صناع الحلم وضاع الحلم وبدلا من ان نرى انهار ماء عذب راينا انهار دم لم تمض الا ايام قلائل حتى راأينا باعيننا كيف دبت العقارب وكيف سعت الافاعي وزحفت السحالي من كل لون وكان الريح تهزأ من احلامنا)201.

فلا امان ولا حياة ولا استقرار لمن لايستطيع ان يصد رياح الشرق والغرب عن ارضه ووطنه ومستقره، لاوطن يصان ولا حلم يتحقق ولا سلام يستوطن ولا رفاه يسود الا بوحدة الارادة المقاومة لكل من يريد شرا بالبلاد.....

(وادي السلام)عص205.

تتوالى السلاطين واصحاب الفخامة والرؤساء والحكام والظلم واحد ربما لاتتبدل الا بعض اساليبه الذي ربما تكون اكثر قسوة وقذارة وارهابا وتضليلا من سابقتها

(لاشيء تبدل منذ ذلك الحين، الذي تبدل ان السلطان خلع الطربوش ولبس ربطة العنق، ابدل السفن والحراقيات بالطائرات وصواريخ البر والبحر والريش على الطربوش بخوذة الجنرال، لافرق ان جاء من الشمال ام من الغرب)207.

(المشرف على هلاك لاتهمه كدرة الماء، المقتول عطشا لايهمه ولو شرب بولته، البول سيتحول ببركة الوكلاء اولي الوجوه الصبيحة والعيون الملونة وتللك الجلود التي لم توغل بسفعها شمس تمز، سيتحول الى ماء قراح ومن لاينبش لاماء له)208.

التنقيب عن النفط نبش الارض وتجاوز على قدسية القبور، وهيمن سلاطين الحروب ثم اتت موجة الارهاب ... لتقضي علىكل شيء، اخذ الانسان يحلم ان يكون له قبرا بعد مقتله فقد يكون مجهولا في عمق الصحراء او في اعماق الانهار او اصبح جسده رمادا تذروه الرياح وان (سبايكر) و(بادوش) وقصص الخطف والاختفاء شاهدة تزداد قساوة يوم بعد اخر ... ونحن نشهد وباء الطاعون الداعشي الاسود .

(مجرد دمى)عص220.

تحولات مصائر الاشياء من حال الى حال حسب متطلبات الوضع السياسي والاقتصادي

(كل ما اعلمه ان مصيركم يؤول الى آلة الثرم لتتحولوا الى عجينة تصنع منها اشياء اخرى ربما ابريق او شبشب او مرحاض اطفال فانتم بعد الثرم لاتصلحون لصناعة زهور مزيفة او اسلحة كما يجب، تلك الاشياء تتطلب مادة بكر وليست معادة التصنيع)222.

انتشار العنف وثقافة الحرب والقتل والدعوة لها من خلال الفضائيات والمنابر وحتى المدارس ادت الى ترسيخ ثافة العنف في ذهنية الاطفال وهذه هي الاجابة على السؤال عن سبب انتشار موجة العنف والموت.وهنا ربما تبرز روحٌ إنتقادية أخرى ليرمي النص إلى ماهوأبعد من ذلك وهو نقد الطبقة السياسية التي جاءت عبر إرادات أخرى وكانوامثل دمى بائرة في الدكان الذي يرمز للوطن وإن الشعب الذي هو مصدر السلطة ربما سيقرر أن يحيلها إلى سيرتها الأولى مجرد مواد خام لا تصلح إلا لتكون أشياءً تافهة مثل شبشب أو مرحاض أطفال..

(لااجد تفسيرا لرغبة الاطفال من الاناث والذكور بشراء الاسلحة والمفرقعات في حين كان الاجدر بهم اقتناء الدمى بينما كان الكبار مواضبين على شراء الازهار المزيفة)224.

نعم افتقدنا العفوية والطيبة وبساطة الاطفال والدمى الجميلة المسلية ولازال ليل الفساد والارهاب والخراب هو المهيمن على حياتنا في بلد ارض السواد والذهب الاسود وربما هو استدراك استفهامي حول غرابة استشراء السلاح بيد من لا نضج له بينما تكون النخب قد خدعت نفسها بقيم زائفة وأهداف لا قيمة لها في الحياة.

ومن ثم فإن الفقرة التالية تعبر عن نبوءة حتمية تتحدث عن سقوط دمى الغرب تباعا وافتضاح أمرها مخلفة ورائها فوضى عارمة في البلاد وليل لازال لم يطلع فجره بعد وهي إشارة إلى التوق للتحرر والبناء بروح الإخلاص للوطن

(استمرت الدمى تهبط من رفوفها الى حضيض الدكان بفوضى عارمة.. واستمر الكابوس على مدى الليل الذي طال ولم يطلع فجره بعد) 225.

 

(نظارة سوداء)جص54.

(لابد اذن من تحمل عسف سلطة المخرج ذلك المستاسد في المسرح والمضي قدما بتلقي سياطه ونظراته الشزرة وتهديده المبطن... ان لم تمتثل...آه ان لم تمتثل ستكون على قارعة الطريق...)55.

(مسرحية الاعمى لمخرجها السلطوي الذي لايقبل باقل من الامتثال دون مناقشة)56.

تحت ضغط متطلبات العيش وارتهانات العيش تجعل الانسان لعبة بيد من يمتلك المال ومصادر الرزق، مرة خوفا من السلطان ومرة خوفا من عصابة التسليب، هكذا يمكن ان يستسيغ الانسان تمثيل دور الاعمى !!!!!!

(صديقي الابلق)جص88.

لو لم يكون الانسان قابلا التدجين والخضوع والانصياع لقوة او سلطة الاب او الكاهن او الشيخ والشرطي والمعلم والحاكم في مجتمع تسلطي لما شهد العالم أي نوع من الديكتاتورية والاستبداد.... كما هي حال هذا الحالم بحمار ابلق في زمن الديكتاتورية

(منذ باكر عمري كنت كالحمار اوجه الى الوجهة التي يريدون وما املك غير الانصياع)88.

لم يرَ مالكو البساتين او الفلاحين أي قدرة على رفض عبث عساكر الحاكم (حامي حمى الوطن) والمدافع عن شرف الحرائر رغم انهم يتحولون الى وحوش بوجه من تسول له نفسه سد رمقه من رطب البستان وربما هي كناية عن عسف سلطة العسكرتاريا وبحجة حماية الوطن يجري تخريبه ....

(كانوا يكشرون بوجه أي غريب ينتهك نخلاتهم البعيدة عنا ولكنهم يبتسمون للجنود وهم يخبربون بساتينهم ولما انتهى تنظيم وحدتنا العسكرية كان البستان بلقعا ينتشر فيه الخراب ويغزوه اليبس)90.

(امنيتي ان امتلك حمارا ابلقا) 91.

وقد استطاع تحقيق امنيته بحصوله على هذا الحمار هدية على اجادته صعود النخل من قبل مالك البستان (حسن دمعه)، ليجر عربة في سوق الخضار،واقبال اصحاب العلوة على استئجاره، فتنعم الحمار وصاحبه بمخلفات الخضار التالفة

(افكر جديا بمشاركته بغنائمه رحت ابحث وسكيني بيدي عن انصاف تفاحات وانصاف باذنجان وبعض البطاطا نصف الفاسدة....... عدلت امي قدورها وفكرنا ان نشتري طباخا غازيا بدل (الجولة) وكان رفاها لم يعهده بيت امي من قبل)92.

سيادة الرعب والخوف والريبة من قبل السلطة الحاكمة وانتشار وكلائها مما جعل صاحب العلوة يشك في صاحب العربة كونه من رجال الامن فاجزل له العطاء وامر الجميع بمعاملته معاملة خاصة تجنبا لشره وهي إشارة إلى العمى الموضوعي والإرتباك الذي يسود سلوك الفاسدين.

(كان صاحب المكتب يحذر رجاله وبحثهم على الانتباه لاخطار متوقعة قد يتسبب بها صاحب الحمار الابلق)93.

اكتشف امر اهتمام صاحب السوق به فراقت له اللعبة ليحافظ على مكسبه، ومصدر رزقه ولتكن النتائج ماتكن، مفرطا بسمعته ونقاءه بين الناس باعتباره جاسوسا للسلطة الكريه من قبل عموم الناس.....

(استجليت الامر واكتشفته وراق لي ان امثل هذا الدور وليحدث ما يحدث)94.

(لازلت ودودا مع حماري الابلق وهو كذلك بعد ان تنازلت له عن حصتي من الغنيمة وانا اعلم جيدا انه لم يمنحني وده دون مقابل، لاشيء دون مقابل حتى لو كان من حمار)94.!!!

(الخندق)جص95.

هل من صورة اكثر ايلاما وقتامة مما عرضه القاص في قصة (الخندق)جص95.؟؟؟

نعم ان معناة العراقيين من حروب العبث والمغامرة لايمكن احصائهافهي اكبر من ان توصف وقد دامت لاكثر من عقد من الزمان، وذهبت ضحيتها مئات الالاف من الارواح ولا زالت اثارها قائمة لحد الان

(فكرة واحدة ترتطم ككرة في رأسي منذ سوقي الى الحرب كواحد من تعساء اربعة أجيال تعيسة فاجأتها الحرب على دروب الحياة التي لم تكن واضحة المعالم في يوم ما)95.

(هل يمكن الاستغاثة بأفعى، نعم يصح ذلك في الحرب)96.

(قال العريف عبد : لا اريد ان يلفونني بعلم مبقع الالوان يسلمون جثماني الى امرأتي التي لم انجب منها بعد الا نجم ونجمة)98.

(رايت ذلك بعيني كانت وليمة للكلاب تلك الجثة تقضمها الكلاب قليلا قليلا)99.

ماأ تعسنا وشعبنا يعيش مآسي الارهاب ما بعد (التحرير) وشمولنا برياح التغيير بقيادة امبراطورية العصر امريكا ن فبدت مآسي الديكتاتورية باهتة مقارنة مع ما تفعله ذئاب الارهاب وقطعان الطاعون الداعشي الاسود ....

-(ثمن الحرية البخس)جص124.

تبادل السجن بين الانسان والعصافير، ف (العصفور يفقد ذاكرته عند الجوع)129. فيدخل قفص الصياد مقابل حصوله على حبات الطعام،فكانت حرية الناس وحرية العصافير مصدر رزق الصياد في زمن اللاقانون واللاعدل

(فك رقبة ياسيدي، اطلاق سراح عصفور بألف دينار لعل الله ينظر بعين رعايته للسجين ويطلق سراحه)127.

(انا لا املأ قفصي بلعصافير بسهولة، انا انفق الكثير لكي اتي بها الى هنا وانت تعلم ام العصفور صار اكثر حذرا من ذي قبل، ولكن الحاجة الى الطعام اقوى من الحذر انها ارزاق ياسيدي ان للحرية ثمنها، لاشيء دون مقابل)128.

الكل يمكن ان يكون داخل السجن وتصادر حريته مهما كانت طائفته او قوميته فالظلم بلا دين وبلا قومية.... هذا ما فهمه موظف السجن من خلال مطالعته للملف الاول

(الملف الاول .. ذهل حين قرأ اسم السجين (علي حسين مهدي) فقد كانت حروفه الاولى ذات حروف اسمه (عمر حامد مصطفى).129.

(نظرة انطباعية)جص137.

لازالت ذاكرة احرار العراق الشرفاء تستذكر نزاهة وصدق واخلاص الزعيم عبد الكريم قاسم ابن العراق البار حقا وفعلا، حيث خطى العراق خطوات عملاقة في غضون حكمه الذي بلغ اربع سنوات رغم انها غير مستقرة في كافة المجلات الاقتصادية والثقافية والصناعية، ولم تثنى له الوسادة حيث استكلبت عليه قوى الرأسمال العالمي واذنابها من الرجعية المحلية والعربية والدينية المتخادمة مع قوى الاقطاع وشركات النفط الاحتكارية

(تخيلت بغداد لو لم يدفع العالم الحر بماجوريه لقتل الزعيم الاول، الذي كان ينفق راتبه البائس على شراء صحن كباب وما تبقى يتبرع به للبؤساء من شعبه)139.

فماعسانا ان نقول وقد بلغ ثراء الطبقة السياسية الحاكمة الان حدا غير مسبوق عن طريق عمليات النهب والفساد والرواتب والمخصصات الضخمة، وتدهور غير مسبوق في كافة الخدمات بالاضافة الى فقدان الامن والامان .....

(العربة) جص170.

الفقراء لم يحصلوا على اية منفعة من الاحتلال ومابعده، بل انهم بقوا يدفعون ضريبة تعثر هذا الاشقر وبذخه ومصروفاته ودلاله، هذا المدلل الذي لا امل من شفائه والذي اضاف اثقل كاهل حمادي بالمزيد من المصروفات واصبح مدينا لايعرف كيف ومتى سيتمكن من تسديد ديونه بعد ان اصبح حلمه معوقا وكسيحا ..!!!! هذا اختصارٌ لمحنة الوطن فالعربة هي الوطن المبتلى بطوني الأجنبي الذي لا يصلح لجر عربة الوطن وحمادي الذي يخسر كل شيء من أجل طوني الآتي من وراء البحار، يا لها من محنة والنتيجة الوطن مهمل ومركون على الهامش وما يقتنيه الوطن تذهب لمصالح طوني.

(انشغل حمادي وعياله بطوني وجبيرة رجله المكسورة وعلفه من الدرجة الاولى وجلب له طبيبا بيطريا على نفقته وراح يستدين وينفق على الحصان الاشقر الجميل الاتي من وراء البحار)175.

(اذا تم شفاء طوني لن تتحرك العربة الا بذبيحة لوجه الله).175.-

النسيان قد يكون نعمة احيانا تساعد الانسان على نسيان احداث مريرة في حياته مما يتيح له الاستمرار بالحياة، ولجن النسيان وفقدان الذاكرة تتحول الى كارثة كبيرة في اغلب الاحيان، تصور انك تنسى ان النار محرقة، او ان السم قاتل، او الافعى والعقرب لسعتها ولدغتها قد تكون قاتلة ....فما بالك حين يصاب شعب بكامله او قل ولاة الامر منه بقدان الذاكرة في تعاملها مع قوى شريرة له معها تجارب مريرة من الاذى والقهر، هكذا كانت افتتاحية قصة(ثلاجة الموتى)جص176.

(كنت افكر بالسمكة التي تلقفها الصنارة فتعود اختها للصنارة ذاتها وبالطعم ذاته لتلقفها، ثم اختها الثالثة، وهكذا يفاخر الصياد بمهارته ويتشبث بمكانه من النهر، تساءلت، لم يحصل ذلك ؟؟ لاذاكرة للاسماك اذن !

فكيف يسير الناس في الشارع ذاته المزروع بالعبوات والمفخخات وكانهم يتعمدون موتهم ويسعون لبلوغ حتفهم

(راح الموت يسير في الطرقات عاريا دون خجل بل اشد عريا مما خلقه الله، لماذا يمر الناس في الطرقات التي يرتادها الموت الوقح فلا يعودون الا اشلاءًًًً)178.

فمن عواقب حروب الديكتاتور وحروب (التحرير) والارهاب (لم تعد ثلاجة الطب العدلي تستوعب كل هذه الاعداد)179. من الضحيايا والمغدورين، كل هذا اتى سواء بصورة مباشرة او غير مباشر بعلم وتخطيط وارادة اكبرامبراطورية للشر، امريكا رأس المال والاحتلال

(ما ان تحط اقدام امريكا في بلد حتى تمرع حقول الموت فيه)180.

وهاهم ولاة الامر وبعض الناس تصاب بفقدان الذاكرة حالها حال الاسماك بطلب الخلاص والنجدة من قبل امريكا لتخليصها من الارهاب وعصابات السلب والنهب لنعلق ثانية وثالثة في صنارتها الجهنمية دون امل بالخلاص والاستقرار والحفاظ على الارواح والثروات ....

(حلم وردي)عص70.

اساليب عناصر امن السلطة في استدراج ضحياياهم، باساليب خبيثة ومنها التعاطف مع امنياتهم واحلامهم لكشف حقيقة نقمتهم وكرههم للنظام الديكتاتوري لانه لم يحقق لهم احلامهم(كان حلما ورديا رايت انني اسير براس مرفوع والشارع كان نظيفا والاضوية المتوهجة تنيره والناس مبتسمون)76.

(فوجئت بكف ثقيلة تندلق من ردن زيتوني تقبض على معصمي ثم تنزع الوريقات المطويات مني ووراءه ثلاثة من الزيتونين بمسدساتهم النافجة وراء بدلاتهم)75.

يشعر هذا الحالم بالفرح لانه حكم بالمؤبد وليس بالاعدام كما هو متعارف عليه كعقوبة لمن يحلم بازالة صو الرئيس لتحل محلها اعلانات ضوئية لسلع تجارية ولا جود لكل رموز القهر من شرطة وامن ومخابرات وعسكر ماعدى شرطة المرور...؟؟؟!!!!

للاسف هوى الديكتاتور ولكن احلامنا الوردية لم تتحق ولم نعد نأمن على رؤوسنا الحالمة في زمن الدم قراطية !!!!

وصف صور لانواع سجون الديكتاتورية السرية التي لايستدل عليها الا من قبل عناصر الامن الخاص، تركوا بعد الانهيار حتى لاقوا حتفهم نتيجة الجوع والعطش، والمأساة الكبرى انهم دفعوا حياتهم ثمنا لحرية من لم يتحسس ماساتهم ، باحثا عن المال والذهب كما صورها لنا القاص في(احلام)عص84.

ا(مر اثنا عشر شهر حين اصدمت سكين اللدوزر العملاقة بكتلة الاسمنت الكبيرة...)87.

(ان عاصفة من الخيبة المريرة اجتاحت نفس صاحب البلدوزر واخيه وولديه بينما انسلت الارواح الخمسة عشر طائرة نحو الفضا، تم تسجيل خمسة عشر رقما لخمسة عشر رجلا مجهول الهوية)ء !!!!

(صيد الارانب)عص107.

(على مقربة من اكتمال بساط آماله الملون ساح لون زيتوني غامق فاتلف بساط الامال ليلة الثامن من فبراير كان الضباب يلف الحلفاية من كل صوب)110.

اشارة واضحة الى الانقلاب الفاشي في 8 شباط1963 في ظل ضبابية الرؤيا واختلاط الاوراق بفعل قوى الراسمال الخارجي المتحالف مع قوى الاقطاع والرجعية في الداخل .. وقد تكالبت بعض قوى الجهل والجريمة لمتابعة ومراقبة وملاحقة مناهضي الفاشية من بنات وابناء العراق الاحرار .....

(كانت الضباع تتصيد الكلمات التي تهرب من الافواه على غير هدى لتكتب تقارير الموت، فتستطيل اسنان آلته ليفرم الضحية بدلالة فقه اللون الزيتوني)111.

(ايام صائد الفئران)عص112.

(ان الفئران يابني هناك تنام في مخازن الحاكم المليئة بالبطاطا البيضاء ولا تاتي هنا لاكواخنا الا من اجل تقويضها وفضح اسرارنا ولو كانت في صناديق)118.

(قبضت الشرطة على صائد الفأر وهو يحوم حول مخازن الحكومة)119.

الفئران هذه التي تعتاش على قضم واكل قوت الفقراء ، والاستحواذ على حقوقهم وطعامهم في ظل هيمنة السراق واللصوص (الفئران)على السلطة في بلداننا، مما تجعل من صائد الفئران مطاردا ومطلوبا من قبل اجهزة السلطة القمعية بقتله او سجنه ومضايقته بمختلف الاساليب ، فئران السلطة لاتتخلى عن حقها في القضم لتقع في مصائد من يلاحقونها. ... فكم من الفئران في بلدنا، واظنها تحولت الى جرذان وتآخت مع القطط السمان في بلد البترول والفقراء ....

(قتلة)عص120.

القتل مهنة الفاشلين ...... هذا هو مضمون قصة القتلة، فهذا الزميل الفاشل في دراسته والذي لايمكن ان يقبل في الكليات العلمية والادبية الراقية يضمن له والده السلطوي المتنفذ وظيفة في اجهزة القمع لاتحتاج الا لاستعداد نفسي للقتل والاغتيال دون ان يسأل عن السبب ودون أي وازع اخلاقي او انساني يحول دون ارتكابه لهذه الجرائم الموصى بها من قبل السلطات القمعية الاعلى لتصفية معارضيها او لنشر الرعب والخوف بين صفوف مواطنيها لاحكام سيطرتها عليهم..هي إدانة وفضح لأساليب سلطات القمع الدكتاتورية...

فكان القاص يطلق تحذيرا قويا :-

ان اعملوا على القضاء على اسباب فشل مواطنيكم وخصوصا الشباب منهم لانهم مولد دائم للقتلة والمجرمين .....

-(السيدة ذات الوردة البيضاء)عص173.

في زمن الطغاة والديكتاتورية العشق ممنوع، كل فعل مؤول حسب اجتهاد السلطة ومخبريها فلانه اعجب بها عاشقٌعن بعد (قرر ان يتواجد في المكان نفسه وفي الوقت ذاته حاملا وردة بيضاء لعلها تراه وتفهم)177.

دون يفهم من هي وماذا تفعل هنا وهل هي مطلوبة من السلطات لذلك

(هبطت كف ثقيلة على كتفه:- تفضل معنا استاذ... تعال اركب معنا في السيارة)178. ليكون تحت طائلة التحقيق وفي دائرة التهمة فلا تغفر له طيبته وحسن نواياه فكان معه ماكا نمشيرا هنا إلى أن الإنسان تحت سلطة القمع يؤخذ بالظاهر ومن السهولة أن تؤول البراءة والحب إلى جريرة :-

(بعد ان عصبوا عيني ذي الوردة البيضاء واخرجوه ولم يعد يجلس في كرسيه المفضل خلف السائق في باص نقل موظفي مصفى الدورة)179.

بمعنى ان هذا العاشق المغفل قد تمت تصفيته في سجون السلطة، ومثله العشرات والمئات من المواطنين في مثل هذه البلدان الواقعة تحت هيمنة مثل هذه السلطات القمعية والفاشية .

(اغتيال)جص102.

في زمن الفوضى وصراع عصابات متناحرة على المال والسلطة ينشط عمل القتلة الماجورين، ينفذون جرلئمهم دون معرفة الضحية واسباب قتلها بل (اسباب القتل تتناسل كالذباب).

لا احد يهتم بالمغدور خوفا من ان تلصق به تهمة القتل كما هو جار من قبل اجهزتنا الامنية العاجزة دوما عن كشف القاتل الحقيقي فيكون المخبر عن الجريمة هو المتهم،

تكون جثة المغدور طعما لكلاب القرية، الشرطة تسجل الحادث ضد مجهول ثم يقفل المحضر !!!!!

(كانت الكلاب حول القرية قد حسمت امرها وبقي الكلب السائب الغريب ينتظر طامعا في جولة اخرى) 106.

(السر)جص195

اصبحت مقولة (للجدران اذان) شائعة في زمن الديكتاتورية حيث تحصى على الانسان سكناته وحركاته ويؤخذ على الظن والشبهات، مطلوب منه ان يسبح بحمد ونعمة القائد والحزب في السر والعلن رغم ما تعانيه الناس من القهر والتعسف والظلم والاهانة وامتهان الكرامة لابسط واتفه الاسباب مما دفع هذا الموظف على

(عقد العزم ان لايستفز او ينهار الا في بيته وفي حمامه الذي اطلق عليه اسم حمام الانهيار)196.

خصوصا بعد ان (شاهد التلفاز يعرض مراهقا ضئيلا يعترف امام المحقق اللبق ويقول ا ناباه كان يشتم الحزب والرئيس عندما يشاهده على الشاشة الصغيرة في البيت)196.

استيقظ مرعوبا بعد إن اوغل وتمادى في الشتم وسب الحكومة والحزب، نتجة نومه بفعل المخدر في استكان الشاي الذي قدمه له البواب خادم الحزب، ليضيطه السيد المدير نائما اثناء الدوام الرسمي مما اعطاه المبرر لطرده من الوظيفة ....

هكذا تكون حثالة البرولتاريا من الجهلة اداة خطرة وقذرة بيد مستغليها وممتهني كرامتها فتوظف ذكائها وفطنتها لخدمة جلاديها والايقاع بمن يتعاطف مع قضيتها ويرفض عسف وظلم الطغاة، وان يكون عملهم هذا تطوعيا ودون ثمن سوى رضا الحاكم، فها هو البواب يرفض مكافأة الرفيق المدير لايقاعه بالموظف الغير مرغوب به قائلا:-

(لا يسيادة المدير، انا بخدمة الحزب)200.

فكم من خادم للحزب عانينا من شرهم واذاهم رغم تعاطفنا ومساعدتنا لهم؟؟؟

اسلوب القص لدى المطلبــــــــــــــــي

اغلب قصص المجموعتين يمكن تصنيفها ضمن الواقعية الانتقادية، والواقعية السردية والغرائبية، بعيدا عن التقريرية المباشرة لوصف الواقع وانتقاده،كما في (الاقزام) و(الوباء)و(عين الدمية)....الخ .

كم ان القاص ومن اجل ان يغلق علينا باب السؤال حول المعادل الموضوعي للقص كثيرا ما يلجأ الى ختام العديد من قصصه بالافاقة من حلم كما في (حقيقة الاشياء)(الوباء)(سقوط مريع).....

لاحظنا ان القاص يحاول ان تتقدم بعض قصصه مقدمة تحاول ان تشرح طبيعة القصة وتوضح دلالتها ..... او وضع اقتباس لاحد الكتاب او الفلاسفة او نص قرآني او عبارة شارحة من نفس القصة لنفس الغرض اعلاه كما في (شطرنج)(نزيهة حبيبتي)(عين الدمية)(الاقزام)(انابيب فارغة)(الوباء)..

كمن يخطف الليلة الاولى من عروس عذراء قبل ان يدخل عليها عريسها، ان مثل هذا الاسلوب يتحفظ عليه الكثير من النقاد والادباء لانه يفقد القاريء متعة التفكر واستنتاج الدلالة وتاويل النص السردي ، لانه سيجد المفتاح معلقا في رقبة النصكما ذكرنا سابقا، قبل ان يتلمس ويتفكر جسد النص من الخارج والداخل ..

تميزت اغلب قصص المجموعتين الا ما ندر بدون اسماء لشخصيات الفاعلة في القصة، هذه ميزة واسلوب يتماشى مع نظرية موت البطل في القصة والرواية الحديثة في العالم الاول وهو دلالة على :-

اولا \ كون مثل هذه الصور والاحداث السردية هي سمات عامة للاغلبية في مجتمع معين ، لاتخص فئة او طبقة او شخص بعينه ......

ثانيا\ هو منحى مؤدلج وان يكن مستترا بالنسبة لكبار النقاد ومنظري الادب في العالم الغربي الراسمالي في محاولة لاخفاء وجه البطل والعقل الفاعللانه اصبح وجها قبيحا في عالم الربح والحرب والعدوان، بالضد مما كان في عهد النهوض البرجوازية حيث كانت تناضل ضد النفوذ والاستبداد الاقطاعي من اجل الحرية والديمقراطية ونبذ التعصب الديني والعرقي والجنسي حينها كان بطل الرواية والقصة جميلا محبوبا ومثالا للعطاء والتضحية من اجل قيم سامية، ليس كما هو الان والراسمالية تدخل اعلى مراحل الامبريالية الا وهي مرحلة الارهابية حيث العدوانية وسعار الربح والاستحواذ على خيرات الشعوب واستعبادها ..... كما لم يعد للفرد اية قيمة في ماكنة الاستغلال الرأسمالي وتسليع الانسان ضمن ثقافة استهلاكية سائدة، رغم انها بنيت على فردانية الفرد الانسان وخصوصيته (تكون استقلالية البطل النسبية مهددة اكثر فاكثر في الوقت نفسه الذي تتطور فيه الراسمالية نحو شكلها الامبريالي هذا الشكل الذي تتناقص فيه امكانيات المبادرة الفردية) الرواية والواقع – الموسوعة الصغيرة –ترجمة د. رشيد بنحدو ص128.....

لذلك يفترض بادباء الجنوب عموما وادباء العالم الثاني والثالث ان لاتنطلي عليهم هذه اللعبة من قبل منظري الادب الغربي، حيث البطل في بلدانهم لازال ايجابيا مناضلا مكافحا من اجل استكمال سيادة بلده والحفاظ على ثروة وسعادة شعبه، فالمطلوب ابراز ملامحه واسمه ليكون مثالا يقتدى به بالضد من خدم وعملاء وذيول قوى الاحتلال والاستغلال والقهر الوطني والطبقي .

فلازال احرار العالم يحملون هالات الود والاعجاب ويتسمون باسم الثائر (جيفارا) مثلا ...

كما تميزت قصص المطلبي بالانحياز الواعي للفقراء والمعوزين، منحازا بذلك لقيم الحرية والديمقراطية والمساواة واحترام حرية الفكر والمعتقد، ومحاربة التعصب باختلاف اشكاله ومصادره، تتجسد في قصصه ادانة صارخة ضداطماع قوى الراسمال العالمي المجسدة في شركاته البترولية الاحتكارية، وادانة هادرة ضد تعسف وقهر الحكام خدم وتوابع قوى الاحتلال والاستغلال ....

كما انه لايغفل الدور القذر الذي تمارسه حثالات اجتماعية مقهورة غير واعية، لتقدم خدماتها للقوى الفاشية والديكتاتورية لتكون سوطا مؤذيا بيد جلاديها ضد القوى المدافعة عن حقوقها وتحاول انتشالها من القهر والذل والعبودية .

ضمن مجموعة (شرفة على الجهات الاربع)مجموعة من القصص القصيرة جدا، كانت في غاية الابهار والتكثيف والايجاز وعمق الدلالة مما يدل على اجادة الاديب المطلبي الكتابة في هذا الاسلوب القصصي الممتع كما في (مرتابون) جص157، و(الكلاب لا تأكل بعضها)جص159،(داجن)جص161،(اقفاص)جص162.... تستحق هذه القصص دراسة خاصة لجمال الصياغة وعمق الدلالة وقوة الملاحظة ..

        للحيوانات كرمز سردي قوي الدلالة حضورا مميزا في المجموعتين مث (الكلاب، القطط، الحمير، العصافير، السحالي، الضب)...... استطاع القاص توظيفها بحنكة وابداع وفطنة دالة على فهم ودراسة سلوكيات واساليب حياة ومعيشة هذه الحيوانات وعلاقتها بالانسان والبيئة ...

القاص المطلبي شاعرا متميزا ومجيدا لذلك يتحسس القاريء لغة شعرية جميلة وصور وصفية غاية في البلاغة والدلالة لاتتيسر الا لخيال واسع وشاعر متمكن، المجموعتان تتسعان للمزيد من الدرس والتحليل لغويا وسميائيا وبنائيا يمكن ان يكون مؤلفا كاملا ربما تتاح لنا او لغيرنا من النقاد او عشاق الادب القيام بهذه المتعة النقدية اثناء التجوال في رياض المجموعتين الرائعتين ......فالف تحية حب وتقدير وانحناءة اعجاب للاديب المطلبي وتوأميه القصصيتين الرائعتين اللتين اتحفنا بهما بكرم وابداع مبهر ...فهو محب موله بالجمال و(الجمال يصنع الحياة) كما يقول دستوفسكي .

 

.............

*جص = مجموعة شرفة على الجهات الاربع.

* عص= مجموعة عين الدمية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3012 المصادف: 2014-12-04 03:31:57