المثقف - قراءات نقدية

الحب بين اغتراب الروح وبراءة الجسد

manal albustaniقراءة في قصيدة الشاعر عبد الله السمطي

سرير الحطاب / عبد الله السمطي

ا-

أنا حطابك يا سيدتي

نهار كل لحظة

أجمع فروع الأشجار الصغيرة

الملقاة على الرمل جوار الهواء البعيد

أنقيها من الشوك وزعانف الورق اليابس

وأحزمها بحبل صغير

والقي بها جانب جدران بيتك الشاهق

2-

أنا حطابك يا سيدتي

نهار كل غيمة

أتمدد في خمسين حبة من المطر

هي عدد الأسابيع التي عشقتك فيها

وعدد القرون التي لم أعشقك فيها

أجلس جانب شجرة

أنزع الأشواك الصغيرة من قدميّ الحافيتين

أجلس الشمس جانبي لتورق أكثر

وألعن السحابة الممطرة

3-

أنا حطابك يا سيدتي

أقص على الماعز حكايتي المكتومة

أحكي لها ساعة الرعي عن عينيك الجميلتين

وعن شفتيك اللتين لم اقبلهما إلاّ في جحيم خيالي

وعن جسدك الشقي الذي يعربد في شهوة فادحة

وعن أطراف ساقيك اللتين تنظران إليّ من عقب الباب

أقص على الماعز

أبكي وأغني

وفي آذانها هزة غريبة

وفي عيونها

دمعة تنتظر!!

4-

أنا حطابك يا سيدتي

أهذب الحصى

وأبلله بالماء ربما ينبت بشكل اسمك

أحمل أكياسا من الرمل

قرب ينبوع

لعلها تغازل غيمة تشبه شعرك

أدعو السماوات الصغيرة التي تقطفني أن تمنحني برقا صغيرا

أربيه على حنايا صوتك الجبلي

أقلم أية غابة تصادفني

وأي سفح يشربني

وأي طائر غريب

أعطيه قلبي

جناحا ثالثا

ربما يحطّ جوا ربيتك

5-

أنا حطابك يا سيدتي

سوف أفرح كثيرا

حين تنادينني

واصرخ في الصحراء البعيدة التي هناك حتى لا أزعج حواسك

أتخيل السرير الخشبي العتيق الذي صنعته بدموعي

أصغي له في أحزانه

حين يضمك آخر عليه ويقبلك كفراشة دائخة

جمعت لك الحطب يا سيدتي

أوقدته في باحة البيت

كل شيء جاهز

اعرف أنه هو من اختطفك

وهو على سفر قريب الآن

أعرف أنه ترك حارسا أمينا

وحطابا مخلصا

يريد آن يخلص لمخيلته

وأنني أتخيل

أن نطفئ الجمر

بدمعة أو دمعتين

ونختفي معا هناك

في اللا مكان

وبصدرينا الشاهقين

ندفئ الشتاء

 

إنّ قصيدة عبد الله السمطي "سرير الحطاب"، هي قصيدة نثرية غادرت التفعيلة والأوزان والقيود لكنها تحدت ووقفت أمام إشكاليات الغياب والاغتراب وعبّرت عن خسارة فادحة في عصر خيم عليه اغتراب نفسي زماني ومكاني، يبكي فيه الشاعر ويبحث عن هذا الجزء المفقود منه لكنه ظلّ خالدا ومضيئا في الذاكرة الشعرية، حبيبة غائبة واغتصاب جرح روح الشاعر وأسكنه في منفى لا تدركه ولاتصل إليه إلاّ اللغة الشعرية التي تحضر في اللاوعي وتمسك بجذور هذا الألم النازف.

إنّ الـ أنا الموغلة هنا في ألم الوحشة والاغتراب هي أنا الشاعر المركزية التي تمتد إلى أنا الإنسانية،/ أنا حطابك يا سيدتي/ تأخذنا إلى اللغة العفوية،إلى اللغة الخضراء،لغة الهواء النقي،لغة الذات الشعرية التي تكدح وتلملم أغصان روح يبست بالانفصال عن الأصل وقد وظف الشاعر الفعل /أجمع/ للتعبير عن صورة جمالية نفتقدها اليوم في بيئتنا الروحية والجغرافية كما يعبر عن فاعلية الفكر الإبداعي،عبورا من الحياة الاعتيادية إلى التجربة الشعرية،فالفعل "أجمع" يشكل التجربة الشعرية في ذروة بدايتها،حالة اشتباكات نفسية والتفافات ونغزات أشواك ونزف وقد ربطها الشاعر ربطا مكنونا بفاعلية الحب،فالمرأة شكّلت عنده غابات خضر، وحصنا منيعا يلوذ به الشاعر، فالحب عنده ارتبط بضياء النهار وبمرحلة من مراحل التحرر الروحي الذي يتنافى مع عتمة الزمن الجارح،زمن الاغتراب والتشظي النفسي ولهذا وظف الشاعر السطور الشعرية / أنقيها من الشوك وزعانف الورق اليابس / وأحزمها بحبل صغير/ وألقي بها جانب جدران بيتك الشاهق/للتعبير عن المزايا السرية للعلاقة الوجدانية التي تربطه بالحبيبة الغائبة التي تشكل بالنسبة له ليس فقط رمزا للرغبة الحسية ولكن رمزا للنقاء والقوة والتكثيف والتركيز الإبداعي،إنّ هذه الحزمة ذات قيمة ضوئية مميّزة لأنها تحفز الشاعر على الحياة المنسوجة التي تذهب بأبعادها إلى العلاقات الاجتماعية والكونية فهي القصيدة واللغة التشكيلية السحرية التي يصارع بها الشاعر لغة الشيطان والشر والعداوة،وهي أيضا البشرى والطلسم والتعويذة التي تقيه الاختراعات المؤذية والحمى الخبيثة للمادة،إنّ إتحاد الفروع الصغيرة يعبر عن مؤازرات الحب التي تنسج الحياة وهي كينونة الشاعر الماثلة في المرأة والشعر بهذا التأمل الكثيف والوجود المنتقى.

إنّ شعرية الفعل أنقيها/ والفعل /أحزمها / النابعة من روح الشاعر تكمن في هذا الاستحضار للتآزر الإنساني والمصالحة بين الذات الشعرية والعالم لأنها أتسمت بطابع سري وشكلت توثيقا جمعيا بين الشاعر والإنسان كما شكلت انفعالات متراكمة للجمال والحقيقة التي تمتد نحو الأبعد فحضور الحبيبة يشكل زمنا فنيا ضوئيا يعبّر عنه الشاعر ب/ نهار كل لحظة/ يتنافى مع زمن الغياب الذي يشكل في رؤيته قرونا معتمة من الألم فالحبيبة هي الضياء الذي يلغي فيه العتمة الداخلية ويستحضر لغة لا تخدش الروح، لغة الحق،لغة الظهيرة، لغة لا يصل إليها ظل،لغة الإلهام والعدالة التي تتنافى مع لغة الظلم والجور والبغي وفساد الأخلاق التي عبّر عنها الشاعر بمفردات قوية استحضرت عالما جارحا وضارا ومليئا بالعقبات /الشوك/وزعانف الورق اليابس/فالمرأة شكلت عنده لغة حريرية إنها نظيرة الشعر الذي يتحدى العقبات النفسية ولغة الدفاع القوية، فالشعر هندسة مبنية على البحث عن الأخلاق والجمال .إن الحب كله يسكن في هذه الحزمة وكل الخيرات السماوية والالتحام بالوطن الأم مصرا لتي جاءت رمزا شعريا عبر عنه الشاعر المغترب بـ/ جدران بيتك الشاهق/الذي هو هذا الالتحام ألصميمي للمرآة الحبيبة بالوطن الأم فالشاعر يعطل سلطة الـ أنا المادية داعيا إلى التوليف الجمعي وانضمام الفرد إلى الكل.شكلت مصر الوطن الأم للشاعر لغة الاشراقات التي ترتقي به عن السفليات الدنيوية،لغة الأجداد ولغة الحضارة والتواصل مستهجنا عصرعصر الانفصال بكل صوره،الانفصال العائلي وانفصال المسؤول عن رعيته، وانفصال ألـ أنا عن الآخر فالوطن الأم والحبيبة هما خيط التواصل الوجودي الذي يبدد الشعور بالاغتراب ويلغي الحواجز.

ارتبطت المرأة عنده بالخصوبة ورحم الأم الجوهري،فالغيوم عبّرت في القصيدة عن الحرمان والحاجة إلى الاندماج والتماسك النفسي الذي يثيره الحضن الأنثوي بقدر ما وظفها الشاعر للتعبير عن حالة الاغتراب الإبداعي التي هي حالة اللا تمييز، حالة ضبابية قاتمة تعصف بالروح فتولد القصيدة مع هذا الرعد والبرق النفسي المشحون بالخوف . إن المرأة والشعر يخلقان فيه أمطار الفرح الروحي الخصب والخيال الثري وينتقلان به إلى حالة من الصفاء لأن الحب والإبداع هما ولادة جديدة وشمس جديدة تشرق خارج حلقة الزمن المغلقة، وهما انتقال وعبور من حالة روحية مكتظة ومتراكمة إلى حالة خارقة ومدهشة. فحالة الحب والكتابة تتنافى مع حالة انطفاء الفاعلية الفكرية ورمادية الاغتراب .

وهو إذ يقول /أتمدد في خمسين حبة من المطر/هي عدد الأسابيع التي عشقتك فيها/وعددا لقرون التي لم أعشقك فيها/ فالمرأة تشكل عنده الزمن الضوئي الذي تكتنز فيه أسرار الحب والحياة والبركات والغذاء الجوهري وهي القمح والعرس المعرفي وفضاء القصيدة الأنثوي ومنابع الخصوبة واللذة،وفي مفردة "المطر"نمسك بهذا التناص والتفاعل الشعري الخصب بين نص السمطي وقصيدة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب"   أنشودة المطر"،فالحب والإبداع ارتبطا بالهيمنة السماوية التي تستقبلها الروح الإنسانية كما تستقبل الأرض المطر، وبضياء الفكر وتجليات العدالة والسلام فكل حبة من المطر جاءت رمزا للحب والكلمات التي تشكل بالنسبة للشاعر حالة إنعاش وإحياء وتراكمات من النعم الإلهية والتناغم الإنساني ذي الإيقاع اللذيذ الذي تتمركز فيه أقوى درجات الحب وأشدّها تعلقا بالمحبوب وهي العشق.

إنّ الحب والشعر عند السمطي   يرتبطان بطقوس الوضوء والعبادة والتطهير الروحي والجسدي ووخز قوي فهو إذ يقول/ أنزع الأشواك الصغيرة من قدمي الحافيتين/ فانه يعبر عن الالتحام الغريزي بالحب والأرض وقد رمز الشاعر رمزا إبداعيا مكنونا إلى القوى العرجاء للسياسة التي تحكم العالم والى غياب التوازن والحق، إن الشاعر يعتبر غياب العدالة نغزات ألم وأذى وضررا وشظايا ظلم جعلت روح والشاعرو الإنسان مجروحة تنزف نزفا معنويا عميق الغور.

شكّلت المرأة في شعره شمسا مشرقة وشكلّ الشعر شجرة وارفة الظلال فهو إذ يقول/ أجلس الشمس جانبي لتورق أكثر/ فانه بهذه اللغة التشكيلية يجعل من المرأة الشمس التي هي إحدى التجليات الإلهية التي تسكب على روحه دفئا وطراوة بهذا التوحد، إنها توهج الإلهام والفضاء ما فوق الكوني إذ تولد القصيدة التي هي أصل كل ما يبقى، فالمرأة هنا هي المحرك والباعث للإلهام وإذ تمتزج المرأة بالشعر فا نّهما يشكلان الانتقال من رتابة الزمن الإيقاعي المأساوي إلى مسارات الزمن المضيئة التي تنكشف عبر فضائها الحقائق الإنسانية الموجعة والمعتّم عليها فالفعل /لتورق / المصحوب بلام التعليل يشكل عنده تجليات العدالة الكونية التي هي القوة الفاعلة التي تقتلع   جذور القلق والظلم والخوف الكامن فينا والذي لازم الإنسان منذ القدم، فالمرأة والشعر هما الخضرة الكثيفة وواحات الأمان والأغصان الكونية التي تحنو عليه وتحميه من سطوة الظلم وعواصف الزمن المتهورة ذات الطابع التخريبي المدمر.

إن شعر عبد الله السمطي   يتراسل مع اغترا بات الإنسان في كل العصور لأنّه يحمل سمات الشعر الغنائي الوجداني الذي يأخذنا إلى الحقول الخضر والمراعي والقوت الأساسي ويبكي الفردوس الضائع الذي ذاق فيه آدم حلاوة الغذاء الأول، فالشاعر يبكي حالة الاغتراب بهذا السرد الشعري الحزين المتراكم والمكتوم والساكن في خبايا روحه إذ يقول/أقص على الماعز حكايتي المكتومة/أحكي لها ساعة الرعي عن عينيك الجميلتين/وعن شفتيك اللتين لم اقبلهما إلاّ في جحيم خيالي/وعن جسدك الشقي الذي يعربد في شهوة فادحة / وعن أطراف ساقيك اللتين تنظران إليّ من عقب الباب / أقص على الماعز/ ابكي واغني/ وفي أذانها هزة غريبة/ وفي عيونها/ دمعة تنتظر/ في هذه السطور الشعرية يعبر الشاعر عن فداحة الحزن والعتمة وعن التجاذب والتماسك الإنساني الذي غاب في عصرنا وكمون فعل الحب والصداقة الغائبة التي تتآلف وتتراكم في اللاوعي لتتحول إلى وجع كوني ومحفز أخلاقي يشتعل في روح الشاعر الذي حصر الفعل / أقبلهما / حصرا قويا بأداة النفي / لم وإلاّ / للتعبير عن علاقة روحية وصوفية تربطه بالمرأة توهجت في الخيال، وقد عبر بساقي المرأة عن احتدام التجربة الإبداعية والتحامها باللذة الحسية والتمنع الأنثوي الذي هو عامل منبه ومحرض وحاث على اقتناص الفكرة لأنها تخلق فيه هذا التلون النفسي إذ تضفي على الحياة إيقاع التجدد وتولد عنده الهذيان الإبداعي بحضور فعلين متناقضين "أبكي واغني"،إن هذا الهذيان يشكل الغذاء الأول الذي لم يخلق بعد وهذا القوت الجوهري الذي هو الحب والشطحة الصوفية والرعشة، فغياب المرأة هو هذا الصمت الموجع وحضورها هو النعمة بالمعنى الحسي والروحي لأنها اللغة التي تتيح للشاعر متنفسا للبوح الكامن بما يحتدم في روحه وهو يتأمل تشابك الظلم الحاضر والمتواصل على الإنسان موظفا الفعل " يعربد" توظيفا إبداعيا للتعبير عن سياسة العالم التي تتسم بسوء الخلق وعدم الشعور بالمسؤولية وإيذاء الإنسان   وكأنّها في حالة سكر وغياب عن الوعي،وكأنّها أيضا أفعى لا تنفك تنفث سمومها على الإنسان وتخنقه . جاء فعل البكاء تعبيرا عن تراكمات نفسية وألم يخنق روح الشاعر وجاء فعل الغناء تعبيرا عن قوة فعل الكلام الممتزج بالفرح والحزن والتضرع الذي يربطه الشاعر بالإبداع . إنّ صوت الشاعر هنا هو صوت Orphie الأسطوري الذي يبكي غياب الحبيبة ويريد اختراق اللا مرئي، فشعرية الصوت كما يقول Jean Michel Maulpoix تقوم على العلاقة الغامضة بين الصوت والإحساس،فغياب الصوت هو غياب الموسيقى،وان لم يكن إلاّ الإحساس، فقد غاب الخطاب .فالصوت هو اسم للتوحد الصوفي بين الكلام والروح: بين الصوت والفكرة،بين الفكرة والصوت، وبين الفكرة والغياب تتذبذب دقات ساعة الشعر.إنّ صوت المرأة في رؤية الصمتي هو الصوت الغنائي الذي يمتص الشعور بالوحدة والقلق وهو الصوت الملتحم بالأرض والماء الذي يذيب في الفضاء الداخلي ترسبات الزمن وخشونته والتعثرات الروحية للإنسان المعاصر التي رمز إليها الشاعر بمفردة /الحصى/ فالحصى جاء رمزا للماضي المعجون بروح الأجداد القدامى .إن الفعلين / أهذب/ و/ أبلل/ لهما التأثير النفسي القوي لأنهما يعبران عن الجانب اليابس من روح الشاعر المحمومة والمتوجعة بغياب القيم وحضور السلطة التي داست الإنسان، فالمرأة والشعر هما صوت العدالة ذات الإيقاع الموسيقي المتناغم المتدحرج على الأرض من السماء. إن الشعر رغم دروبه الوعرة فانه يقي الشاعر من السقوط في وحل المادة المليء بالديدان .وهو إذ يقول/أحمل أكياسا من الرمل/ قرب ينبوع/ لعلها تغازل غيمة تشبه شعرك/ فان شعر المرأة ارتبط بخصوبة الإبداع ومسامات الحب والذكريات وعطر الأرض الأم وأمطارها فهو لب العمل الإبداعي الذي يلتحم بنواة روح الشاعر ويحرث فيه الفضيلة والقيم النقية التي يحثنا فيها الشاعر على مقاومة التبدد النفسي والتصدي لقوى الشر بالحب والإرادة . وهو إذ يقول /أدعو السماوات الصغيرة التي تقطفني أن تمنحني برقا صغيرا/ أربيه على حنايا صوتك الجبلي/ أقلم اية غابة تصادفني/ وإي سفح يشربني / فانّ صوت المرأة بهذه الصور الشعرية يلتحم بالرسالات السماوية وشعلة الإلهام وينابيع المياه المتدفقة، والحماية، انه صوت الشعر الذي يسبح في الأثير العلوي بموجات لها صدى الأسى الإنساني وتراكمات الزمن ومنحنيات التآكل الروحي هو لغة الندى والطراوة ولغة البحث عن الأمان والسكينة والتجدد وهو صوت الأم الحنون الذي يزيح تراكمات الاغتراب الثقيلة التي عبّر عنها الشاعر بـ /أحمل أكياس الرمل/، ثم تتجلى الشطحات الخيالية للشاعر المفتون باختراق العالم الأخر والتحرر من حلقة الزمن وحبل الجسد إلى حد الغور والاختفاء والتلاشي في جوهر الحرية والأخلاق والضياء، عندما يقول / وأي طائر غريب أعطيه قلبي/ جناحا ثالثا/ ربما يحط جوار بيتك / فانه يستهجن الجسد الإنساني المحنط ويدعونا إلى النهوض التحرري من هذه الحقبة المظلمة والى التخريب الإصلاحي لكل القوانين التي هتكت بالإنسان.إن قلب الشاعر هو هذا الطائر الأسطوري الذي يحلق في الفضاء العالي ويعكس صورة الإنسان   المكبل بقيود المادة والجسد والألم واللعنة والبؤس والسلطة التي اقتاتت على حريته وغيّبت العدالة.إن الاغتراب كما يقول كارل ماركس هو أن يفقد الإنسان حريته واستقلاله ويصبح ملكا لغيره تتصرف به السلطات الحاكمة فيه تصرفها مع السلع التجارية، لكن الشاعر عبر عنه بغياب الضياء حين تغيب العدالة التي هي قلب الضياء وفعل الضياء وفعل الفرح والسلام وفعل الحرية فالشعر هنا هو القوة الخارقة للمادة والعتمة والألم.إن عالمنا الأرضي يزخر بالخداع والمكر والغش والدجل والظلم وكل ذلك خطف وسلب وقضى على الضياء الروحي ولهذا غنى الشاعر القصيدة التي يؤثثها عطر الضياء الإلهي والعدالة.

جاء الفعل /أصرخ/ في القصيدة تعبيرا عن حالة استشهاد وعن مخاض نفسي عسير             فالاغتراب استحضر صرخة التحرر من عبودية الذل والبحث عن ماهية الإنسان الذي تاه في النسيان إلى صرخة الحرية الإبداعية التي رمز بها إلى المستقبل بهذا الامتداد اللا متناهي للصحراء فالاغتراب هو سعة الألم بما لانهاية وحالة من حالات الجدب الروحي والتيه لكن الشاعر حوله بالخيال الإبداعي إلى تحرر من الخوف والقمع إلى نداء الحبيبة فصوتها الملتحم بالشمس هو صوت القصيدة الذي هو في حوزتها،فالقصيدة أرض ميعاد وعتق ورؤية جديدة للواقع المكبل بالقهر والاضطهاد. إنّ السمطي يمجد الحرية التي وصفهاEmmanel Kant   بأنها النبل الإنساني . إن الحرية في رؤية الشاعر تتنافى مع ذل العبودية التي تخنق الروح والعقل لأنه يرى فيها هذا التواري خارج الزمن في لذة تنتج لغة جديدة وإنسانا جديدا.

جاء البيت في القصيدة صورة للبيت الإنساني الذي ترقص فيه الشمس والنوافذ الروحية المضيئة والصوت الأنثوي الملتحم بالشباب والأعياد والغناء والحب الذي يتنافى مع عتمة البيت الغربي البارد والمنعزل الذي حجبت عنه المادة ضياء الحب وقد ربط الشاعر البيت ربطا حميما بالاتساع الروحي الذي توحي به / باحة البيت /لكن هذا الضياء جاء مجروحا جرحا مأساويا بتغلب القوي على الضعيف واغتصاب الحب واختطاف الحلم وهيمنة القوة المستترة التي هي ركيزة كل الأذى الذي لحق بالانسان والذي عبر عنه الشاعر بـ إنّ المؤكدة والضمير هو المؤكد / أعرف انه هو من اختطفك / كما عبر عن ماهية السرير الروحية، فالسرير هو ملاذ الإنسان وموطن أسراره وأحلامه وحزنه وفرحه كما هو رمز للحب والعاطفة بكل ما فيه من حرارة وقدسية وعواصف نفسية وفكرية وأرق، فالسرير هنا هو حضن الحبيبة وهو حضن الأم وحضن الشعر الذي يتوقد فيه حلم الإنسان وماضيه وذكرياته وحاضره وهو التوحد مع الجوهر الإلهي وجمرة الإلهام وثمرة الإبداع، إنّ الشاعر يستنكر قوة السلب والنهب التي أصبحت سمة من السمات الغالبة على عصرنا ويستحضر القوة الفاعلة للحب والشعر فهما سر الحياة ومبعث الحيرة والقلق والخوف لكن اللغة الشعرية حولتها بالخيال إلى زمن ينتصر فيه الشاعر على الظلم والانتهاك والاغتيال والتخريب والواقع المادي الثقيل بقوة الإرادة والتصميم فهو إذ يقول / وأنني أتخيل /أن نطفئ الجمرة / بدمعة أو دمعتين/ ونختفي معا هناك / في اللا مكان/وبصدرينا الشاهقين / ندفئ الشتاء! / إن الصدر جاء رمزا لذروة الالتحام الوجداني بين الرجل والمرأة وهو الحب الإنساني الذي يعتبره الشاعر السور الحصين الذي يحميه من أي اجتياح وهو قلب الشاعر الشجاع الذي يرمز للحماية من نزق الشر ويثير فينا الحماس المتوقد للصراع ضد الأذى والاضطهاد والحروب القائمة على التدمير والسرقة وليس على تشييد القيم الإنسانية التي ترتكز على الحق والعدالة.إنّ قلب الشاعر والحبيبة هما الموقد الذي رمز إليه الشاعر بالفعل /أوقدته / والفعل / ندفئ / تعبيرا عن العدالة التي تغمر الإنسان بالحماية والسلام والدفء في غمرة العواصف والمحن والمصائب وتطفئ جمرة الظلم الملتهبة في قلب الشاعر والعالم .

إنّ التكرار الخماسي لـ / أنا حطابك يا سيدتي/ يرتقي بنا نحو منابع الجمال التأثيرية والسحرية التي تعبر عن جهد ومشقة يجسدان رغبة الشاعر الكامنة فينا إلى لغة خضراء تستحضر ماهية الحب والإبداع والوطن الجمعي، تلك الرغبة التي تحتدم في نفس الشاعر بكاء وصراخا امتزج بروح المعرفة الخفية وبأسرار الشر المخربة والمدمرة . يبكي الشاعر كل ما يهدد أمن الإنسان وتماسكه النفسي   بألم مكنون فاضت به اللغة الشعرية التي تألقت فيها الـ أنا الإنسانية الأصيلة ومحت الـ أنا المادية الأنانية،إنّ الشاعر يدعونا إلى إشراقات يندمج فيها الماضي والحاضر والمستقبل بلغة الأجداد ولهذا شكلت المرأة في شعره شعلة الحب والإبداع الذي يحقق التوازن الروحي والمادي فهي الإلهام الذي إليه يفر الشاعر هربا من عالمنا المشوش الذي تزاحمت فيه الكوارث، وهي صوفية الشاعر الأحادية والضياء الذي ينبثق من العتمة الموغلة، ويبدد القلق الوجودي والاغتراب المصحوب بالخوف، وهي الحبل السري الذي يعيده إلى الأمان، وهي الشمس اللا مرئية التي تشرق في الجانب المعتم من الفضاء الداخلي للشاعر والعمل الفني الذي يقاوم به الشاعر منحنيات الزمن وصحراويته ونار الشر الغربية التي تسعى إلى تعتيم الـ أنا العربية والإنسانية وتهيج الاغتراب ولهذا جاء ت مفردة / اللا مكان / وظرف المكان / هناك / للتعبير عن رغبة الشاعر في السكنى في المكان الأول هو كل مكان وهو لا مكان هربا من هذا الفيض الزاخر بالحزن والظلام، هناك حيث يتألق السلام.  

إنّ قصيدة عبدا لله السمطي "سرير الحطاب" ذات طابع فلسفي ميتافيزيقي يتجلى فيها البحث عن الله، وعن المعرفة والحقيقة والحرية ، فـ / جدران بيتك الشاهق / في القصيدة اكتظت بالصور والرموز والدلالات التي تقودنا إلى الكهوف والمغارات والينابيع المتدفقة وكذلك مفردات البيت والرمل والسفح والغيوم، التي شكلت صورا مكنونة في لغة الشاعر وصبت في الغور العميق من روحه للتعبير عن الرغبة في التحرر من القيود والأغلال والعودة إلى رحم الأم ، إلى حالة الجنين في المشيمة فهناك يجد الشاعر الحق والمثال والمكان الذي يحميه من الغزو الهمجي، إنها نقطة المركز والفضاء المفتوح على العناية الإلهية والإلهام فهناك يملأ الشاعر الحفرة الداخلية الغائرة في داخله ويبدد عتمة الاغتراب والاكتئاب.

 

د. منال البستاني

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3051 المصادف: 2015-01-12 01:24:57