المثقف - قراءات نقدية

صورة المسرح الجزائري في النقد المغربي المعاصر

jamil hamdaouiإذا كان المسرح المغربي قد انطلق في سنة 1923م مع قدماء تلامذة ثانوية مولاي إدريس بفاس[1] الذين مثلوا مجموعة من النصوص المسرحية، منها مسرحية (صلاح الدين الأيوبي)،و هذا النص المسرحي من تأليف الأديب اللبناني نجيب الحداد سنة 1893م، فإن أول عرض مسرحي بالجزائر كان في 12أبريل 1926م، عندما عرضت مسرحية (جحا)[2] لسلالي علي (علالو)، وهي كوميديا في ثلاثة فصول، وأربعة مشاهد. بيد أن مايلاحظ على المسرح الجزائري غلبة ظاهرة الاقتباس، واستنبات المسرح الغربي، والميل إلى المزاوجة بين التراث والحداثة، وتمثل الواقعية النفسية لستلانسلافسكي على مستوى تكوين الممثلين وتدريبهم، كما يتضح ذلك جليا عند عبد القادر علولة. وفي هذا الصدد، يقول لخضر منصوري:" استعان علولة كثيرا بتقنيات المنهج النفسي لستانسلافسكي، في إدارة ممثليه، معتبرا أنها القاعدة الأساسية في تكوينهم.كما كان يضع دائما في أذهان ممثليه أن مسرحه لايدفع الممثل إلى تقمص أدواره، لدرجة سقوطه في الإيهام، وامتزجت هذه الرؤى بآراء بريخت، من خلال مؤثر التغريب لتتولد عملية تلاقح بين المنهجين (تقمص وتغريب)، من خلال توظيف شخصية (القوال) التي كثيرا ما تغرب الأحداث بتقمصها، وتنشىء علاقة تتأسس على قدرات العرض في خلق وبناء خيال المشاهد عن طريق الكلمة والحركة والانفعال والعاطفة."[3]

ويعني هذا أن عبد القادر علولة يجمع بين منهجين متناقضين : المنهج النفسي القائم على التقمص والمعايشة الداخلية، والمنهج البريختي الملحمي الذي ينبني على التغريب، وكسر الإيهام. إنها مفارقة على مستوى التشخيص والإخراج المسرحي، وهذا قد يؤثر سلبا في ذهن الممثل وتصوره الفكري والإيديولوجي، فيسبب له غموضا فنيا وجماليا ناتجا عن الجمع بين طريقتين متناقضتين: الإيهام وعدم الإيهام في الوقت نفسه. ومن ثم، فالمنطق لايقبل مبدأ التناقض، ولا يرضى به العقل السليم. وقد أشار إلى ذلك لخضر منصوري بقوله:" إن المزج بين المنهجين لايتجلى للمشاهد العادي.إذ على الرغم من أن علولة تأثر بالمنهج الملحمي، فإن مسرحه يعتمد كثيرا على أساليب ستانسلافسكي في إدارة الممثل وتركيب شخصيات أدواره وتمثيلها أساسا.إن هذه المفارقة قد تبدو للبعض نقدا لعملية إدارة الممثل عند مخرجنا، لكن حينما نقوم بقراءة بسيطة لعملية التمثيل في مسرح علولة، نقف على ماذهبنا إليه، حيث نلمس عن قرب أن الممثل يعيش نوعا من التناقض على مستوى التمثيل.فهو - في الوقت نفسه- داخل دائرة الملحمية (نصا وإخراجا)، ويمثل شخصية دوره عن طريق التقمص، والغريب في ذلك أن هدف الرؤية الإخراجية هو كسر الإيهام."[4]

 

وعليه، فقد تأثر المسرح الجزائري تأثرا كبيرا بالمنهج البريختي الملحمي على مستوى الإخراج، منذ الخمسينيات من القرن الماضي؛ لأسباب إيديولوجية لها علاقة بالنظام السياسي في الدولة من جهة أولى، و الإيمان بفلسفة الالتزام الواقعي المادي الماركسي من جهة ثانية، و رغبة في تحدي المستعمر الفرنسي من جهة ثالثة، وتجاوز للمسرح الغربي من جهة رابعة، ولاسيما مع مجموعة من الوجوه المسرحية الفذة، كعبد القادر ولد عبد الرحمن المدعو بكاكي، وعبد القادر علولة، ومحمد بن صالح، ومحمد خشعي... وفي هذا، يقول الباحث الجزائري الشريف الأدرع:" إن لقاء جيل الخمسينيات من المسرحيين العرب ببريخت جاء ضمن مسار التطور الطبيعي لمسرحنا، ومحاولة الخروج عن مركزية المسرح التقليدي الغربي.وقد تميزت فترة الخمسينيات بالتعرف إلى تجارب عالمية ثائرة على المسرح والدراما الغربيين، ومنفتحة على تجارب فنون العرض غير الأوروبية لبلدان الشرق الأقصى.

وليس بدعة، والحال كذلك أن يجد المسرحيون الجزائريون في بريخت - الذي ذهب إلى الصين يبحث عن حلفاء له ضد أرسطو- حليفهم ضد المسرح التقليدي الغربي[5]."

وما يهمنا في هذه الدراسة هو أن نتعرف إلى كيفية تعامل النقد المغربي مع المسرح الجزائري؟ وما أهم المقاربات التي استعملها في ذلك؟ وما القضايا النقدية التي كان يطرحها هذا النقد أثناء تعامله مع هذا المسرح الفتي؟ وما منطلقاته المرجعية في ذلك نظرية وتطبيقا؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في مؤلفنا هذا.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

صورة المسرح الجزائري في النقد المغربي المعاصر / د. جميل حمداوي

 

 

...................

[1] - مصطفى بغداد: المسرح المغربي قبل الاستقلال، منشورات الرهان الآخر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م، صص:40-50.

[2]- الشريف الأدرع: بريخت والمسرح الجزائري، مقامات للنشر والتوزيع والإشهار،الجزائر، الطبعة الأولى 2010م، ص:16.

[3]- لخضر المنصوري: (المظاهر الأرسطية في مسرح عبد القادر علولة)، كتاب العربي، الكويت، العدد87، يناير 2012م، ص:196.

[4] - لخضر المنصوري: (المظاهر الأرسطية في مسرح عبد القادر علولة)، ص:196.

[5]- الشريف الأدرع: بريخت والمسرح الجزائري، ص:161.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3150 المصادف: 2015-04-21 05:31:02