المثقف - قراءات نقدية

النّـقد بين الجوهريّ الداخليّ والسطحيّ الخارجيّ

أحبّ الوضوحَ الضروريَّ في لغزنا المشترك (درويش، سرير الغريبة، ص 63)

يقول السطحيُّ: أنا أكثر منك معرفةً، فأنا أعلم الأديب، تفاصيله و تاريخه وأكله وسفره، وأعداءه وأصدقاءه، وعقده النفسيّة والاجتماعيّة . أنا أفسِّر الذاتَ المبدعة، وأوضِّح ما قاله الكاتب، أنا الخارجيّ- العالم، والعالم - الخارجيّ، إنّ الداخليّ هنا مسبَّب ٌعن الخارجيّ، وناتج عنه بالضرورة . والجوهريّ كذلك، فهو بالاستتباع متولِّد عن السطحيّ، إنّ اللجوء لتحميل النصوص ما لا تحتمل، وغصب الشاعرِ رأيه، وحريّته يجعله يصرخ قائلا :" يا ناس أنا لم أقصد ذلك " أنا الخارجيّ أحمل مقصد الكاتب وغايتَه، وأبلِّغُ عنه رسالتَه، أنا الآخر الواضح ...

سيردُّ الجوهريّ قائلا: صدقتَ يا أيّها السطحيّ الخارجيّ، لن أنفيَ عنك ما أثبته لنفسك إنّ قولك الآنفَ ذكرُه يفسِّر، ولا يحلّل، يسبح أفقيّا خارج النّص ويتعَب، ويقلق، وينفق الساعات، ليقول في نهاية المطاف:" لقد أراد الشاعر أن يقول كذا وكذا ..." وأنا الجوهريّ أحللّ النصَّ المكتوبَ أفقيّا وعموديا، أنا التأويل الذي يجهله الخارجيّ، أنا الداخليّ العميق لا شأن لي بكلمات تطفو على سطح النصّ، لا شأن لي بما أراد الشاعرُ قولَه، لماذا تلغي قراءاتي أيّها الخارجيّ، ما أضيقَ أفقك حين تمنعني حقي في الفهم والتأويل، وإنْ أقسمتُ لم أحنث لقد قتلتَ الشاعرَ، وأنا أحييتُه، تُرى لو أعطيتك نصّا مكتوبا، لا تعرف عن صاحبه شيئا، ما الذي يمكنك قوله أيها الخارجيّ ! سأخبرك أنني أستطيع تفكيك كل دالّ، وتأويل الحالّ، وما ذاك إلا لأنّي الجوهريّ العميق، وسأسمحُ لنفسي الداخليّة بأنْ أستعيرَ قول الفقهاء والمفسِّرين: " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " وبناء على تلك العبارة الدالة، يمكن للمستقبل أن يفسِّر ويحلِّل، ويستنبط الأحكام والكليّات والجزئيّات هذا ما يفعله الجوهريّ، نعم أحتاج الوضوح الضروريّ لأفهم ضدّيَ الآخر، ولا شأن لي بما وراء ذلك من ذائقة باهتة، أو فكرة طائشة، وفي القليل الجوهريّ ما يغني عن الكثير السطحي،وفي النقد العميق ما يغني اللبيب عن الهشيم المتراكب.

إنّ النّصَ طبقات، والنَّقد أيضا كذلك .

 

بقلم الناقد : د. خليل القطناني- نابلس

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3160 المصادف: 2015-05-01 02:01:11