المثقف - قراءات نقدية

لعبة الخطر والحذر في قصة: المعطف الرمادي لـ ناهض الرمضاني

القصة: (النقطة ب لاتبعد عن النقطة أ إلا أقل من خمسمائة متر . ومع هذا فان الخروج من البيت والوصول إلى الدكان في النقطة ب أصبح مجازفة حقيقية هذه الأيام . وقد اتخذت جميع الاحتياطات المطلوبة . أنا أسير على الرصيف .. سأكون آمنا من خطر السيارات الغامضة المسرعة دائما . ومن دوريات الشرطة الطائشة ودبابات الأمريكان النزقة . ومع أني أسير على الرصيف إلا أنني ألازم الحذر الشديد . أراقب موضع خطواتي وأتجنب أية حفرة قد تكون مخبأ لعبوة وأبتعد عن أية علبة كارتونية فارغة أو صفيحة معدنية مهملة . وأدور بعيدا عن براميل القمامة . من يعرف ماذا يوجد داخل هذه الأشياء ! أسير على الرصيف لكني أراقب الشارع بطرف عيني وأذناي تصيخان السمع لكل صوت غريب . عليّ أن أكون حذرا وأن أستكمل جميع الاحتياطات . لم أكتف بطلب نقلي من محل عملي . لقد حصلت على إجازة طويلة دون مرتب من دائرتي الجديدة . أصبح العمل خطرا للغاية هذه الأيام . تصرف باستقامة وستغضب منك العشرات . تصرف بطريقة أخرى وقد تغضب المئات ! الإجازة الطويلة أنهكتني .. لكنها ضرورية . عليّ أن أكون حذرا . حذرا للغاية . بيتي الجديد اصغر من بيتي السابق . رطب قليلا لكنه أكثر أمنا إذ لا أحد يعرفني في هذا الحي . سيصعب عليهم تحديد انتمائي . لحسن حظي أن اسمي محايد ولا يفصح عن شيء . وأنا حذر في سلوكي . حذر للغاية . أتصرف مع الجميع بدماثة ولكني لا أتجاوز في علاقتي معهم حد التحية العابرة والمجاملات العادية . قد يكونون جيرانا طيبين . وقد لايكونون ! ربما كانوا جميعا حذرين مني الآن . وهذا يدفعني لمزيد من الحذر . الذهاب لجامع الحي خطر جدا . وعدم الذهاب إليه أخطر. والحذر يدفعني لعدم الدخول للجامع ؛مع تواجدي أحيانا قرب البوابة للسلام على المصلين بعد نهاية الصلاة . الحذر يقتضي ذلك . ويقتضي أن أظهر دائما بهيئة محايدة . شعري متوسط الطول مهندم باعتدال ولكني قد انكشه قليلا إذا اقتضت الظروف . ذقني حليقة . ذقني حليقة لكنني مازلت متمسكا بشاربي . ليس اعتزازا برجولتي فحسب . بل لأنه يمنحني مظهرا محايدا . شاربي محايد أيضا .. ف هو ليس شاربا كثا يستفز الآخرين كشوارب ال... وليس شاربا حليقا كشارب ال... كما أنه ليس شاربا خفيفا جدا كال... وملابسي . ملابسي اخترتها بعناية شديدة . بدلة رمادية مقلمة تشبه بدلات آلاف الموظفين . حذائي الأسود نظيف الى حد ما لكنني امتنعت عن تلميعه اذ لاشيء يجذب الأنظار أكثر من بريق حذاء اسود . لماذا ينبغي أن يكون الحذاء نظيفا دائما ؟ سألطخه قليلا توخيا للحذر . تركت حقيبتي الجلدية الثمينة وتعودت أن أحمل أوراقي في محفظة بلاستيكية رخيصة . الحقائب الجلدية قد تثير التساؤلات والفضول وحب الاستطلاع . ما الداعي أصلا لحمل حقيبة ثمينة اذا ما كنت تنوي الوصول الى النقطة ب . حتى ساعة يدي لم انس أمرها . استبدلتها بساعة رقمية رخيصة . هل يكفي هذا كله ؟ لا طبعا . فلن تكتمل تحوطاتي الا بهذا المعطف الرمادي . صحيح أن لونه قد بهت قليلا إلا أن هذا هو عين المطلوب . معطف رمادي رخيص يتجاوز الركبتين .أتذكر دائما أن أحني قامتي قليلا وأنا أمشي بهدوء واضعا يداي في جيوب المعطف الرمادي . لن أثير تساؤل أحد وأنا على هذه الهيئة . خطوات .. خطوات فقط وأصل الى النقطة ب . سأنهي مشواري بسرعة لأعود الى النقطة أ .. أعني بيتي .. ولكن علي أولا أن أجتاز الشارع .

من هولاء !! ما هذا الصوت !

إنبطح .. إنبطح فلم يعد لك ملاذ الا الأرض .. انبطح فلن تحميك الآن إلا السماء . أنت وحدك فانبطح ودس جسدك في التراب . الرصاصات تتلاحق . ليغص جسدك كله في الأرض . انبطح ولا تتلفت ولا تتساءل . لاتلتفت . فقد تراهم .. وقد يرونك وأنت تراهم فتصبح بالضرورة هدفا لهم لا تلتفت .. لا ....

ها قد انقطع صوت الرصاص . انتظر قليلا ولاداعي للحركة الان . أنت قريب .. قريب جدا من النقطة ب . انهض الآن وانه ما جئت من اجله . ها قد بدأ طريق العودة الى النقطة أ . ستسلك نفس الطريق رجوعا. لاتسر منتصبا . ولاتسرع في خطاك. اعبر الشارع ولا تنظر أبدا إلى هناك. لا تنظر.. واصل السير فحسب ولا تنسى أن تنحني. واصل السير ولا تفكر. ما جدوى التفكير؟ هل بإمكانك أن تغير شيئا ما.! أمامك طريق لتقطعه.. عليك ان تصل الى النقطة أ. كن حذرا.. كن حذرا وواصل المسير. لا ترفع رأسك. لا تنتصب. لا تتساءل. لا تلتفت. لا...

لم يلتفت. ولو كان قد التفت لشاهد بركة دماء تحيط برجل ذو شارب محايد يرتدي بدلة رمادية مخططة وساعة رقمية مزيفة وحذاءه الأسود موحل وقد تناثرت أوراقه من محفظة رخيصة.

وعلى الرصيف المقابل سار المعطف الرمادي الفارغ.. سار وحده منكمشا واضعا يديه في جيوبه.. ورغم كل الثقوب الموجودة في ظهره، استمر المعطف يسير بحذر شديد لعله يصل سالما إلى نقطة ما ......) ناهض الرمضاني / الموصل 23/2/2008

 

يبدأ النص برسم خط رياضي محدد من نقطة ( أ) لأخرى (ب)، محددا لخط سير الذات وحركتها، إذ لا تحيد عنه أو تتجه لغيره، وعلى الرغم من أنه مستقيم لكنه يتطلب أمورا كثيرة يجب معرفتها وتوخي الحذر منها. وبهذا يشكل الخطر هاجسا مخيفا متواريا مختفيا ينغص على الذات صفو عيشها، فيطلب منها حذرا مضاعفا ينهك مدركاتها ويشل حركاتها، فتفتقر هذه الحياة لأبسط سبل العيش بل تفتقر إلى الحياة نفسها، فلا مقومات كي تستكمل خطها في الحياة من نقطة لأخرى محددة، وإن لم يكن لديها غيرها لتتجه نحوها .

إن هذا التحديد بالإنتقال من ( أ) إلى( ب) يوحي بصعوبة التنقل في المكان، وإن كان تنقلا بسيطا لمكان واحد معلوم. هكذا يضعنا النص في قلق مستمر أمام الخطر المحدق بالذات، وإن كانت ذاتا واحدة يحكي عنها القاص، ويتلبسها بضمير الأنا /الراوي، لكنها في الحقيقة تمثل شعبا ووطنا ذاق مرارة الخطر وعانى ويلاته، فاستخدم ضمير الذات المفرد /الجزء للتعبير عن الكل .

تشخص نقطة (أ) بالبيت و(ب) بالدكان، وهي إنتقالة ضرورية لتأمين العيش، إذ تعد مجازفة _حسب قول الراوي_ في هذا الزمن الخطر. وتأخذ الذات وسائل الحيطة والحذر ومنها :  السير على الرصيف

لتجد نفسها أمام خطر دائم حتى هذا السير لم يعد امنا بالنسبة لها ولا يوفر لها مساحة من الحرية والأمان للتنقل والحركة، لأنها محط استهداف، وإن كانت شخصية مهمشة تسعى لطلب الرزق فقط . وبهذا نستطيع القول ان الناس البسطاء هم الضحية الأولى لتجنيات هذا العصر، الذي ما لبث أن يفتك بهم، وكأنما التهميش الذي أصابهم لا يكفي بل يطالهم التغييب القسري والموت أيضا .

تستكمل هذه الشخصية الوصف بأنها على أهبة الاستعداد لأي طارئ، فتفعل الحواس جميعا، وتفتح العينين والأذن، هكذا يعمل الحذر على رفع جانب الحيطة، ويشعرنا بمدى تأهب الحواس لأي خطر خارجي، لنرى حجم المعاناة التي تكتنف الذات، إذ أصبح ابسط الأشياء عندها محل حيطة وخوف دائم .

وعند الخروج من بيتها تستنفر الطاقات جميعا للوصول إلى المكان/العمل ، فتصبح الأفعال اليومية محنة تعترض الذات وينهكها الخوف، فعليها أن تقبع في بيتها حتى إن بقت في بيتها لا تسلم من انتهاك حقوقها، وبهذا كلفت الذات حواسها فوق طاقاتها وحملتها هما ثقيلا لا تكاد تتخلص منه.

إن دقة الوصف والإلتقاط للأشياء البسيطة للحياة اليومية التي تعيشها الذات الإنسانية أوصلنا إلى نقطة معاناتها الحقة حتى في هذه الأفعال التي نحسبها روتينية وعادية لكنها في هذا المكان والزمان أصبحت غير عادية، وتحمل من التعب وجلب الهم للذات التي ما انفكت تطالب بأمان وفي ظل غيابه فأيَ عيشة تطلب وسط سلب الحياة اليومية العادية .

ومن الوسائل الاحتياطية التي تتخذها الذات في حذرها التي تنقسم على قسمين الأولى وسائل عامة هي :

_ طلب النقل من العمل

_ الحصول على إجازة طويلة من دون مرتب أو أجر

_ تغير البيت إلى بيت صغير تسكنه الرطوبة

_ الإنتقال إلى حي جديد  لا يعرف فيه

_ عدم التجاوز مع الآخرين بالكلام سوى بالتحية

_ مستوى الشك يظهر بـ (قد يكونون جيرانا طيبين وقد لا يكونون) الذي وصل من الحد أقصاه وعمل على عزل الذات عن الآخرين والاختلاط بهم .

_ الحيرة في الذهاب للجامع وصف بخطر جدا وعدم الذهاب أخطر

وكل هذا من منهكات الذات ويشل حركتها .

أما الوسائل الأخرى فهي الخاصة تتمثل بهيئة الذات من الشعر والهندام والشارب والذقن .

_ الشعر في قوله (شعري متوسط الطول مهندم باعتدال)

_ الشارب في (ذقني حليقة لكنني مازلت متمسكا بشاربي . ليس اعتزازا برجولتي فحسب . بل لأنه يمنحني مظهرا محايدا . شاربي محايد أيضا)

_ الملابس (. ملابسي اخترتها بعناية شديدة . بدلة رمادية مقلمة تشبه بدلات آلاف الموظفين.))

_ الحذاء ((حذائي الأسود نظيف الى حد ما لكنني امتنعت عن تلميعه اذ لاشيء يجذب الأنظار أكثر من بريق حذاء اسود . لماذا ينبغي أن يكون الحذاء نظيفا دائما ؟ سألطخه قليلا توخيا للحذر)

_ الحقيبة (تركت حقيبتي الجلدية الثمينة وتعودت أن أحمل أوراقي في محفظة بلاستيكية رخيصة . الحقائب الجلدية قد تثير التساؤلات والفضول وحب الاستطلاع .)

_ الساعة (حتى ساعة يدي لم انس أمرها . استبدلتها بساعة رقمية رخيصة .)

_ المعطف الرمادي (هل يكفي هذا كله ؟ لا طبعا . فلن تكتمل تحوطاتي الا بهذا المعطف الرمادي .)

على الرغم من كل الحذر والتغير في الأحوال، كي تتقي الذات شر الخطر لكنها لا تفلح في اتخاذ اجواء الحيطة ومجابهة الشر القادم، إذ تتعرض للتغييب المستمر المتعمد، ولم يبق سوى الظل المتمثل بالمعطف الرمادي ،لأن الجسد قد غاب لتبق الروح ترف في المكان مجاهدة لتصل للنقطة (أ) البيت.

هكذا يوحي النص القصصي بصعوبة الوصول للمكان البيت الذي يحيطه الخطر الدائم والشر المستمر فلا امان فيه أو حوله .

نلمح اللون الرمادي الخالي من أي علامة ايجابية أو سلبية هو لون محايد لا ينتمي لأي جهة، الذي يعزز الموقف الحذر، وما تتخذه الذات من منطقة وسطى ظنا منها أنها تتقي الخطر لتسلك جانب الحذر .

يتخذ التضاد بين الخطر والحذر لعبة يومية في مساحة الحياة، إذ يأتي الحذر في النص متلبسا الذات ومن مسلماتها، فسكن فيها حد القلق والخوف، مما جعلها تقبع في مكانها دون حراك جسدي، أو ذهني تقاوم به الخطر المتوجه نحوها، لندرك في النهاية أن حذرها الدائم كان سبب خطرها، وهو الخطر الأكبر الذي تعاني منه، فكان الأجدر أن تتخلص منه لتجابه مشكلات الواقع ما دام الخطر واقعا لا محال .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3185 المصادف: 2015-05-26 13:20:49