المثقف - قراءات نقدية

صرخات ضمير وطني

khadom almosawiمن تابع الشعارات التي رفعتها الجماهير في بداية التظاهرات في المدن والساحات العراقية لاحظ انها صرخات ضمير وطني، صَبَر وتحمل الكثير من اجل الوطن والشعب، ولكن السلطات والإفراد ومن رغب ان يكون في واجهة المشهد السياسي في العملية السياسية التي جاءت بعد غزو واحتلال العراق عام 2003 او بعد ما حصل فيها من متغيرات، لم تبذل جهدا لتوفي بالحدود الدنيا من المتطلبات الضرورية للشعب، من أمن وآمان وخدمات اساسية ورئيسية، في بلد ثري في كل المستويات والأصعدة، ماديا وبشريا، وتركت لخطط المستعمر الامبريالي سهولة التنفيذ عمليا رغم موجات المقاومة الشعبية والرفض الوطني لها. وأثبتت الاحداث والوقائع تمكّن الامبريالية من النجاح في تمرير اجزاء واسعة من مشاريعها العدوانية، وأهمها عندها نهب الثروات وإشغال الشعب العراقي في صراعات اهلية بين رموز او بعض فئات مكوناته، وإغراء بعضها وقابلية اخرى للتخادم معه وتشكيل طبقتها التي تعبر عنها صراحة وعلى مختلف الصعد، او تعمل بديلا عنها في التخريب والتدمير اليومي الحاصل في العراق، تاركين اغلبية الشعب، بكل مكوناته، في حالة لا تحسد عليها، وليس بعيدا عنها تسليم مدن كاملة لتنظيمات ارهابية والتفرج على نتائجها. الامر الذي بلغت فيه الاوضاع الى ما فجر التظاهرات الواسعة في اغلب المدن والساحات العامة فيها، خاصة ساحة التحرير ببغداد.

بعد تجارب كثيرة لشعوب التحرر الوطني في العالم، تبدأ الثورات الشعبية الكبيرة من شرر متموجة من التظاهر والاعتصام، الى الاضراب و العصيان والمواجهات، الى الانتفاضة السلمية او العنفية وصولا الى الانتفاضة المسلحة وانحياز القوات المسلحة الى الشعب وتحقيق الثورة والانتصار. وإذا كانت صورة التظاهرات في العراق وخلال الاسابيع الماضية بدأت هكذا في احتجاجات سلمية لساعات محددة، وفي ظروف مناخية ليست يسيرة في كل الاحوال، ورفعت شعارات معبرة ومطلبية في اغلبها وبعناوين واضحة ولغة بسيطة، وحتى بأخطاء املائية او نحوية، ولكنها تعبير عن البدايات، الارهاصات، ودقات جرس انذار، او القول .. لا عذر بعد لمن أُنذر؟.

الشعارات المرفوعة او التي رُددت تكاد تكون متقاربة او متشابهة في اغلب التظاهرات، او المشتركة فيها، اكدت على مطالب اساسية مشروعة، اعلنت الرئاسات الثلاث وأعضاء البرلمان مباشرة تأييدها وإصدار حزم اصلاحات، وإجراءات كثيرة ولكنها لحد اليوم بقيت اشبه بكلمات معسولة او شعارات لامتصاص الغضب، والالتفاف على روح الاحتجاج، وتبقى في انتظار التطبيق العملي وتوفير المتطلبات بآجال قريبة، وتواريخ محددة، تكشف مصداقية الاجراءات وروح التفكير بها. وسبقتها المرجعية الدينية في الاشارة اليها ودعمها. وهي في كل الاحوال متطلبات ضرورية لا يمكن السكوت عليها او التغاضي عنها.

طبعا اغلب الشعارات عبرت عن وعي القوى الوطنية الشعبية وبلوغه درجة الغليان، ورغم ذلك ظلت الى حد الان في ارتفاع ابعد من الخدمات المعدومة، والنقص الفادح فيها. وقد رفع رجل مقعد وهو في عربته الطبية لوحة تقول: اليوم مظاهرة، غدا- عصيان، وبعدها- انتفاضة. وتكررت هذه اللوحة في اغلب التظاهرات. وكذلك لافتة تقول: للصبر حدود. وكانت الصرخات تؤكد على ضرورة توفير الخدمات الاساسية، الكهرباء والماء والدواء. وهي كما تبدو قضايا بسيطة جدا إلا ان الفساد الرهيب الذي مارسه المسؤولون عنها اضعف توفيرها وقلل منها او توقف عنها. وهذا في العراق، مهما كانت ظروفه وأوضاعه الاقتصادية وتأثره بالأزمة الاقتصادية التي قادتها الادارة الامريكية ونفذتها ادواتها في المنطقة، لاسيما في خفض اسعار النفط، المصدر الرئيس لميزانية اغلب البلدان، ومنها العراق بالذات. فكانت صورة الشعارات حول الكهرباء والماء خصوصا في رفع نعوش والكتابة عليها جماهير المدينة المعينة ينعون لكم الفقيد الكهرباء او الماء وبقية الخدمات. كما حوّل المتظاهرون بعض الاغاني الشعبية المعروفة الى شعارات مطلبية ونقد سياسي صريح للادارات السياسية العاملة او الراغبة في الوقوف في الواجهة السياسية. ومثلا اغنية عمي يا بياع الورد، تحولت: (عمي يا بياع النفط... وين النفط... وين (اين)، صار الوضع موخوش وضع ... والريحة فاحت، فاحت. وين الغذاء... وين النفط... وين الكهرباء.... الحصة راحت... راحت). وكذلك: فوك داعش والبلاء.. انوب ماكو كهرباء.( فوق داعش والبلاء.. ياتي انعدام الكهرباء). ووصفت شعارات كثيرة الفساد والمفسدين، باللصوص و"الحرامية"، ولاسيما من الذين يدّعون الحديث باسم الدين والتدين السياسي. وحذرت التظاهرات من غضب الشعب، ونفاد الصبر، واللف والدوران وتهريب الفاسدين والسكوت عن الجرائم التي ارتكبت او تمرير منظمي او مجرمي التخريب والتدمير والتبذير، وبالتالي ما اوصل العراق الى ما عليه الان. حيث انتهت الحجج والذرائع، وتعقدت صورة المشهد السياسي والاقتصادي، وبدأت تتسابق جهات كثيرة للاستفادة ايضا من ما يطلق عليه الان بحزم الاصلاح او المطالبة بالمحاسبة والمحاكمة والتنكر لادوار مسجلة ومثبتة وحقائق لم تعد مخفية او سرية، لاسيما وارض البلد موزعة عمليا والصراعات داخلها قائمة والمشاريع والمخططات تحرث في مجاريها في رسم خريطة جديدة لأرض الواقع الحالي واستغلال ظروف العراق ايضا.

تتطلب الشعارات التي رفعت وما عبرت عنه، العمل على تنفيذها بوقت سريع ملائم لها، لإثبات صدق النوايا وأساليب المعالجة الصحيحة والإخلاص والإنقاذ الوطني. وبالتأكيد لا تبقى في تلك الحدود اذا لم تتحقق او تنجز اغلبها في الاوقات القريبة، وكذلك العمل على موازاتها مع تهديدات الارهاب والاحتلال العملي لمحافظات كاملة، ومناورات استعمارية ورجعية تعمل هي الاخرى في اعاقة الاصلاح والتغيير، اضافة الى التدخلات والتداخلات الكثيرة، المشرأبة برؤوسها في اكثر من زاوية في البلاد.

تظل مسالة لابد من الانتباه لها تتعلق بوسائل الاعلام وما تبثه وما تنشره، وحرية التعبير والالتزام بالمهنية والموضوعية في الحدث العراقي، اذ ان جهات كثيرة، خارجية اغلبها ولها امتداداتها طبعا، تلعب ادوارا خطيرة في تشويه معاني الاحتجاج والحراك الشعبي، وتستثمره فرصة لانتشارها على حساب المصالح الوطنية والإرادة الشعبية. وتكشف عن نواياها السوداء التي تتربص بالعراق وشعبه ودوره ومواقفه الوطنية والقومية.

 

كاظم الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3284 المصادف: 2015-09-02 01:00:35


Share on Myspace